← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 9438

دعاوى الطاعنين في القرآن الكريم = الطعن في القرآن الكريم والرد على الطاعنين

عبد المحسن المطيري

Полный текст (449 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

نُفَيْلٍ خَرَجَ إِلَى الشَّأْمِ يَسْأَلُ عَنْ الدِّينِ وَيَتْبَعُهُ, فَلَقِيَ عَالِمًا مِنْ الْيَهُودِ فَسَأَلَهُ عَنْ دِينِهِمْ, فَقَالَ: إِنِّي لَعَلِّي أَنْ أَدِينَ دِينَكُمْ فَأَخْبِرْنِي؟ فَقَالَ: لَا تَكُونُ عَلَى دِينِنَا حَتَّى تَأْخُذَ بِنَصِيبِكَ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ. قَالَ زَيْدٌ: مَا أَفِرُّ إِلَّا مِنْ غَضَبِ , اللَّهِ وَلَا أَحْمِلُ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ شَيْئًا أَبَدًا، وَأَنَّى أَسْتَطِيعُهُ فَهَلْ تَدُلُّنِي عَلَى غَيْرِهِ؟ قَالَ: مَا أَعْلَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ حَنِيفًا، قَالَ زَيْدٌ: وَمَا الْحَنِيفُ؟ قَالَ: دِينُ إِبْرَاهِيمَ لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَا يَعْبُدُ إِلَّا اللَّهَ، فَخَرَجَ زَيْدٌ فَلَقِيَ عَالِمًا مِنْ النَّصَارَى فَذَكَرَ مِثْلَهُ فَقَالَ: لَنْ تَكُونَ عَلَى دِينِنَا حَتَّى تَأْخُذَ بِنَصِيبِكَ مِنْ لَعْنَةِ اللَّهِ. قَالَ: مَا أَفِرُّ إِلَّا مِنْ لَعْنَةِ اللَّهِ, وَلَا أَحْمِلُ مِنْ لَعْنَةِ اللَّهِ وَلَا مِنْ غَضَبِهِ شَيْئًا أَبَدًا، وَأَنَّى أَسْتَطِيعُ، فَهَلْ تَدُلُّنِي عَلَى غَيْرِهِ؟ قَالَ: مَا أَعْلَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ حَنِيفًا. قَالَ: وَمَا الْحَنِيفُ؟ قَالَ: دِينُ إِبْرَاهِيمَ لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَا يَعْبُدُ إِلَّا اللَّهَ، فَلَمَّا رَأَى زَيْدٌ قَوْلَهُمْ فِي إِبْرَاهِيمَ ﵇, خَرَجَ, فَلَمَّا بَرَزَ رَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْهَدكُ أَنِّي عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ. وَقَالَ اللَّيْثُ: كَتَبَ إِلَيَّ هِشَامٌ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄, قَالَتْ: رَأَيْتُ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ قَائِمًا مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الْكَعْبَةِ, يَقُولُ: يَا مَعَاشِرَ قُرَيْشٍ وَاللَّهِ مَا مِنْكُمْ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ غَيْرِي. وَكَانَ يُحْيِي الْمَوْءُودَةَ يَقُولُ لِلرَّجُلِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَ ابْنَتَهُ: لَا تَقْتُلْهَا أَنَا أَكْفِيكَهَا مَئُونَتَهَا فَيَأْخُذُهَا فَإِذَا تَرَعْرَعَتْ، قَالَ لِأَبِيهَا: إِنْ شِئْتَ دَفَعْتُهَا إِلَيْكَ وَإِنْ شِئْتَ كَفَيْتُكَ مَئُونَتَهَا (١) ، وأخرج الإمام أحمد عَنْ نُفَيْلِ بْنِ هِشَامِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ

стр. 387

نُفَيْلٍ, عَنْ أَبِيهِ ,عَنْ جَدِّهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ هُوَ وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ فَمَرَّ بِهِمَا زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ, فَدَعَوَاهُ إِلَى سُفْرَةٍ لَهُمَا، فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي إِنِّي لَا آكُلُ مِمَّا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ. قَالَ: فَمَا رُئِيَ النَّبِيُّ (بَعْدَ ذَلِكَ أَكَلَ شَيْئًا مِمَّا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ. قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبِي كَانَ كَمَا قَدْ رَأَيْتَ وَبَلَغَكَ , وَلَوْ أَدْرَكَكَ لَآمَنَ بِكَ وَاتَّبَعَكَ، فَأسْتَغْفِرْ لَهُ: قَالَ «نَعَمْ» فَاَسْتَغْفِرُ لَهُ؛ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أُمَّةً وَحِدَه) (١) ، وذكر ابن حجر في الإصابة أن الواقدي والفاكهي أخرجا بإسنادهما عن عامر بن ربيعة في حديث طويل , وفيه أن النبي ﷺ قال: «قد رأيته في الجنة يسحب ذيولا» (٢) . فزيد بن عمرو مع جهله بطريق العبادة, إلا أن فطرته دلته على وجود الله ,وعقله هداه إلى توحيد الله، فكان يعبد الله على حسب اجتهاده، فهو مع ضلاله عن طريق العبادة الصحيحة, إلا أنه كان معذروا لذلك أدخله الجنة، ومن هذا الباب معنى قوله تعالى: (ووجدك ضالا فهدى (. أي ضالا عن طريق العبادة الصحيحة فدلك عليها له وإن كان عارفا بالله موحدا له. ٣-ثم إننا نلزمهم بأمر وهو: هل هم يقولون هذا أيضا في موسى عندما قال عن نفسه, ﴿فعلتها إذاً وأنا من الضالين﴾ [الشعراء:٢٠] . ٤-ثم إننا لو تنزلنا لهم وسلمنا لهم بالمعنى الذي يريدون, فإن هذا لا يضره؛ فهو معذور بعدم العلم فهو إذ لم يضل عن علم بل ضل بغير علم , وهذا لا حرج عليه ولا مؤاخذة فيه، قال شيخ الإسلام ابن

стр. 388

تيمية: (وأما وجوب كونه (قبل أن يبعث نبيا لم يخطئ أو لا يذنب فليس في النبوة ما يستلزم هذا) (١) . ولكن الحرج كل الحرج فيمن يعرف العلم والهدى ثم يتركه ,كما هو حال اليهود والنصارى الذين يعرفون النبي ﷺ كما يعرفون أبناءهم. -الطعن الثاني: كيف سُحِرَ النبي ﷺ مع أن الله تعالى يذكر كلام الكفار, ووصفهم النبي بالمسحور في مقام الذم في قول الله على ألسنتهم: ﴿إن تتبعون إلا رجلا مسحورا﴾ [الفرقان:٨] . -الجواب: هذا الشبهة تردد كثيرا، وللأسف يرددها كثيراً من المعاصرين من العلمانيين، ومن أصحاب المدرسة العقلية، وممن يعلم صلاحه ويظهر حبه للدين (٢) . -الجواب: أولا: لابد - أولاً - أن نعرف أن حديث سحر النبي ﷺ ثابت في الصحيحين, وقد تقدم معنا النقل عن ابن الصلاح, وهو أن ما كان في الصحيحين قد تلقته الأمة بالقبول (٣) ، ونص الحديث عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سُحِرَ النَّبِيُّ (حَتَّى إِنَّهُ لَيُخَيَّلُ

стр. 389

إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا فَعَلَهُ -وفي رواية: وأنه يأتي أهله ولا يأتي- حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ وَهُوَ عِنْدِي دَعَا اللَّهَ وَدَعَاهُ, ثُمَّ قَالَ: «أَشَعَرْتِ يَا عَائِشَةُ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ؟» ، قُلْتُ: وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «جَاءَنِي رَجُلَانِ فَجَلَسَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي وَالْآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ, ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: مَطْبُوبٌ. قَالَ: وَمَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ الْأَعْصَمِ -الْيَهُودِيُّ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ- قَالَ: فِيمَا ذَا قَالَ: فِي مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ وَجُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ. قَالَ: فَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: فِي بِئْرِ ذِي أَرْوَانَ قَالَ: فَذَهَبَ النَّبِيُّ (فِي أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى الْبِئْرِ ,فَنَظَرَ إِلَيْهَا وَعَلَيْهَا نَخْلٌ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى عَائِشَةَ فَقَالَ: "وَاللَّهِ لَكَأَنَّ مَاءَ هَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ ,وَلَكَأَنَّ نَخْلَهَا رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ» . قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَأَخْرَجْتَهُ قَالَ: «لَا، أَمَّا أَنَا فَقَدْ عَافَانِيَ اللَّهُ وَشَفَانِي ,وَخَشِيتُ أَنْ أُثَوِّرَ عَلَى النَّاسِ مِنْهُ شَرًّا» . وَأَمَرَ بِهَا فَدُفِنَتْ) (١) . فظاهر من الحديث أن السحر كان في الأمور الدنيوية فهو يخيل إليه أنه أتى أهله ولكنه لم يفعل ويخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يفعله (٢) ، وأما الأمور الشرعية والوحي، فإنه محفوظ من الخطأ فيها, كما ثبت في النصوص الكثيرة، كقوله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾ [النجم:٣-٤] . وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ:

стр. 390

كُنْتُ أَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ أَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُرِيدُ حِفْظَهُ فَنَهَتْنِي قُرَيْشٌ وَقَالُوا: أَتَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ تَسْمَعُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَشَرٌ يَتَكَلَّمُ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا، فَأَمْسَكْتُ عَنْ الْكِتَابِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَوْمَأَ بِأُصْبُعِهِ إِلَى فِيهِ فَقَالَ: «اكْتُبْ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّا حَقٌّ» (١) وغير ذلك من النصوص المتكاثرة. قَالَ الْمَازِرِيّ: (أَنْكَرَ الْمُبْتَدِعَة هَذَا الْحَدِيث وَزَعَمُوا أَنَّهُ يَحُطّ مَنْصِب النُّبُوَّة وَيُشَكِّك فِيهَا، قَالُوا: وَكُلّ مَا أَدَّى إِلَى ذَلِكَ فَهُوَ بَاطِل. وَزَعَمُوا أَنَّ تَجْوِيز هَذَا يَعْدَم الثِّقَة بِمَا شَرَعَهُ مِنْ الشَّرَائِع إِذْ يُحْتَمَل عَلَى هَذَا أَنْ يُخَيَّل إِلَيْهِ أَنَّهُ يَرَى جِبْرِيل وَلَيْسَ هُوَ ثَمَّ، وَأَنَّهُ يُوحِي إِلَيْهِ بِشَيْءٍ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ، قَالَ الْمَازِرِيّ: وَهَذَا كُلّه مَرْدُود لِأَنَّ الدَّلِيل قَدْ قَامَ عَلَى صِدْق النَّبِيّ (فِيمَا يُبَلِّغهُ عَنْ اللَّه تَعَالَى وَعَلَى عِصْمَته فِي التَّبْلِيغ، وَالْمُعْجِزَات شَاهِدَات بِتَصْدِيقِهِ، فَتَجْوِيز مَا قَامَ الدَّلِيل عَلَى خِلَافه بَاطِل , وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّق بِبَعْضِ الْأُمُور الدُّنْيَا الَّتِي لَمْ يُبْعَث لِأَجْلِهَا وَلَا كَانَتْ الرِّسَالَة مِنْ أَجْلهَا, فَهُوَ فِي ذَلِكَ عُرْضَة لِمَا يَعْتَرِض الْبَشَر كَالْأَمْرَاضِ، فَغَيْر بَعِيد أَنْ يُخَيَّل إِلَيْهِ فِي أَمْر مِنْ أُمُور الدُّنْيَا مَا لَا حَقِيقَة ,لَهُ مَعَ عِصْمَته عَنْ مِثْل ذَلِكَ فِي أُمُور الدِّين، قَالَ: وَقَدْ قَالَ بَعْض النَّاس: إِنَّ الْمُرَاد بِالْحَدِيثِ أَنَّهُ كَانَ

стр. 391

(يُخَيَّل إِلَيْهِ أَنَّهُ وَطِئَ زَوْجَاته وَلَمْ يَكُنْ وَطِأَهُنَّ , وَهَذَا كَثِيرًا مَا يَقَع تَخَيُّله لِلْإِنْسَانِ فِي الْمَنَام , فَلَا يَبْعُد أَنْ يُخَيَّل إِلَيْهِ فِي الْيَقِظَة. قُلْت (١) : وَهَذَا قَدْ وَرَدَ صَرِيحًا فِي رِوَايَة اِبْن عُيَيْنَةَ فِي الْبَاب الَّذِي يَلِي هَذَا وَلَفْظه " حَتَّى كَانَ يَرَى أَنَّهُ يَأْتِي النِّسَاء وَلَا يَأْتِيهِنَّ ". وَفِي رِوَايَة الْحُمَيْدِيّ " أَنَّهُ يَأْتِي أَهْله وَلَا يَأْتِيهِمْ ". قُلْت: وَوَقَعَ فِي مُرْسَل عَبْد الرَّحْمَن بْن كَعْبٍ عِنْد اِبْن سَعْد " فَقَالَتْ أُخْت لَبِيد بْن الْأَعْصَم إِنْ يَكُنْ نَبِيًّا فَسَيُخْبَرُ، وَإِلَّا فَسَيُذْهِلُهُ هَذَا السِّحْر حَتَّى يَذْهَب عَقْله ". قُلْت: فَوَقَعَ الشِّقّ الْأَوَّل (٢) كَمَا فِي هَذَا الْحَدِيث الصَّحِيح. وَقَدْ قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء: لَا يَلْزَم مِنْ أَنَّهُ كَانَ يَظُنّ أَنَّهُ فَعَلَ الشَّيْء وَلَمْ يَكُنْ فَعَلَهُ أَنْ يُجْزَم بِفِعْلِهِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَكُون مِنْ جِنْس الْخَاطِر يَخْطِر وَلاَ يَثْبُت، فَلَا يَبْقَى عَلَى هَذَا لِلْمُلْحِدِ حُجَّة. وَقَالَ عِيَاض: وَيُؤَيِّد جَمِيع مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَمْ يُنْقَل عَنْهُ فِي خَبَر مِنْ الْأَخْبَار أَنَّهُ قَالَ قَوْلًا فَكَانَ بِخِلَافِ مَا أَخْبَرَ بِهِ. وَقَالَ الْمُهَلَّب: صَوْن النَّبِيّ (مِنْ الشَّيَاطِين لَا يَمْنَع إِرَادَتهمْ كَيَدَهُ، فَقَدْ مَضَى فِي الصَّحِيح أَنَّ شَيْطَانًا أَرَادَ أَنْ يُفْسِد عَلَيْهِ صَلَاته فَأَمْكَنَهُ اللَّه مِنْهُ، فَكَذَلِكَ السِّحْر مَا نَالَهُ مِنْ ضَرَره مَا يُدْخِل نَقْصًا عَلَى مَا يَتَعَلَّق بِالتَّبْلِيغِ بَلْ هُوَ مِنْ جِنْس مَا كَانَ يَنَالهُ مِنْ ضَرَر سَائِر الْأَمْرَاض مِنْ ضَعْف عَنْ الْكَلَام، أَوْ عَجْز عَنْ بَعْض الْفِعْل، أَوْ حُدُوث تَخَيُّل لَا

стр. 392

يَسْتَمِرّ، بَلْ يَزُول وَيُبْطِل اللَّه كَيْد الشَّيَاطِين) (١) . ومثل هذا قوله تعالى عن موسى ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه:٦٦] ، فسحر النبي ﷺ مثل سحر موسى (وهو أن يخيل إليه الشيء، فمن أنكر الحديث ماذا يقول عن هذه الآية؟ ونزيد من الأمر توضحاً فنقول السحر الذي أراده المشركون غير السحر الذي حصل للنبي (، فهم أرادوا المسحور يعني الذي يصل إلى حد الجنون والافتراء, وقول ما لا يعقل ودخول الجن في المسحور، وهذا لا شك أنه باطل في حق النبي ﷺ ، وأما سحر النبي ﷺ فهو من نوع التخيل الذي يحصل لأي إنسان يقظة ومناما، وهذا لا يضر في مقام النبوة. -الطعن الثالث: كيف يسحر النبي ﷺ مع أن الشياطين لا تسلط على عباد الله الصالحين ,كما قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر:٤٢] (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠) ( [النحل:٩٩-١٠٠] ، فسحر النبي دليل أنه من الغاويين وأنه من الذين يتولون الشيطان (٢) ؟. الجواب: السحر أنواع (٣) : ١-سحر بالأدوية.

стр. 393

٢-سحر لا حقيقة له بل هو خيال أو خفة يد. ٣-سحر بالاستعانة بالشياطين. إذن فليس كل أنواع السحر تسلط من الشياطين على المسحور، وذهب بعض العلماء إلى أن سحر النبي ﷺ من نوع الأدوية؛ قال ابن حجر: وَاسْتَدَلَّ اِبْن الْقَصَّار عَلَى أَنَّ الَّذِي أَصَابَهُ كَانَ مِنْ جِنْس الْمَرَض بِقَوْلِهِ فِي آخِر الْحَدِيث: «فَأَمَّا أَنَا فَقَدْ شَفَانِي اللَّه» . وَفِي الِاسْتِدْلَال بِذَلِكَ نَظَر , لَكِنْ يُؤَيِّد الْمُدَّعَى أَنَّ فِي رِوَايَة عَمْرَة عَنْ عَائِشَة عِنْد الْبَيْهَقِيِّ فِي الدَّلَائِل " فَكَانَ يَدُور وَلَا يَدْرِي مَا وَجَعه " وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس عِنْد اِبْن سَعْد: مَرِضَ النَّبِيّ (وَأُخِذَ عَنِ النِّسَاء وَالطَّعَام وَالشَّرَاب، فَهَبَطَ عَلَيْهِ مَلَكَانِ..الْحَدِيث) (١) ، ولو سلمنا أنه من النوع الشيطاني، فليس كل تعرض من الشيطان للإنسان معناه أنه ليس من عباد الله، وفرق كبير بين التعرض والمحارشة وبين التسلط، ويؤيد ذلك ما أخرجه مسلم عَنْ جَابِرٍ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ (يَقُولُ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ» (٢) ، فكل صالح يتعرض له الشيطان، بل هذه وظيفته في الحياة، وهو أقسم على إغواء بني آدم. ولو سلمنا أن هذا من التسلط فإنه لفترة محدودة ,ثم بعد ذلك يذهبه الله تعالى, ويرجع المسلم إلى حاله الأولى؛ فهذا آدم ﵇ أغواه

стр. 394

الشيطان حتى وقع في أكل الشجرة، وهذا موسى قتل نفسا بغير نفس فقال: ﴿هذا من عمل الشيطان﴾ [القصص: ١٥] ولا يقول أحد أن هذا من التسلط بمعنى التحكم والإغواء والتضليل، بل يبقى آدم وموسى من خير أنبياء الله ورسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. -الطعن الرابع: (كيف يذكر في القرآن أن الله أمر الملائكة بالسجود لآدم -يعني من مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾ [البقرة:٣٤]- مع أن هذا الدين اشتهر بالتشدد في إنكار الشرك وتكفير كل ساجد لغير الله) (١) . الجواب: السجود نوعان؛ سجود تحية وإكرام, وسجود عبادة وإعظام، فسجود العبادة لا يجوز في جميع الملل وعند جميع الرسل، بل لا يسجد الإنسان إلا لله وحده وأما سجود التحية فهذا كان جائزا في شرع من قبلنا، كما حصل ليوسف عندما خر له أبواه وأخوته سجدا، فلم ينكر عليهم، ومن هذا الباب سجود الملائكة لآدم، وأما في شرعنا فقد نسخ سجود التحية، درأ للفتنة وسدا لأبواب الشرك وطرائقه. قال القرطبي ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا ... ﴾ [يوسف: ١٠٠] : (وقد نسخ الله ذلك كله في شرعنا، وجعل الكلام بدلا عن الانحناء. وأجمع المفسرون أن ذلك السجود على أي وجه كان ,فإنما كان تحية لا عبادة، قال قتادة: هذه كانت تحية الملوك عندهم , وأعطى الله هذه الأمة السلام تحية أهل الجنة) (٢) .

стр. 395

على أن كثيراً من العلماء يقولون: إن السجود هنا المقصود به المعنى اللغوي للسجود، وهو عموم الانحناء والميل والاحترام, ولا يلزم منه أن يخر على الأرض (١) . المطلب الثاني: دعوى تعارض القرآن مع الوقائع التاريخية: وقد أشعل أوار هذه الفتنة , وحمل رايتها محمد خلف الله في كتابه "الفن القصصي في القرآن الكريم "، وإن كان هو لم يبتدعها بل أخذها من المستشرقين ومنهم: المستشرق الألماني هوروفيتش (٢) (١٨٧٤-١٩٣١) الذي تحتوى بحوثه القرآنية على طائفة كبيرة من الملاحظات والمعلومات، والجزء الأول من كتابه "مباحث قرآنية" يعالج النصوص القصصية في القرآن ويقسم كلامه إلى: عموميات وشكليات، أساطير رادعة ... إلخ.

стр. 396

والأستاذ بروكلمان (١) الذي أورد بعض العناوين البارزة لموضوعات كتبت في قصص القرآن وهي تاريخيا كما يلي: ١-الهجادة في قصص القرآن، بقلم سجبار، ليبزيج ١٩٠٧م. ٢-مصادر القصص الإسلامية في القرآن وقصص الأنبياء، بقلم سايدر سكاي، باريس، ١٩٣٢م. ٣-القصص الكتابي في القرآن، بقلم سباير وجريفنا ينخن، ١٩٣٩م. وبعد هذا نجد المستشرق المجري بيرانت هيللر (١٨٥٧-١٩٤٣م) يتخصص تقريبا في جزء من قصص القرآن , فينشر بحوثا في مجلة الفصول بعنوان: ١-قصة أهل الكهف، عام ١٩٠٧. ٢-عناصر يهودية في مصطلحات القرآن الدينية، ١٩٢٨م. ٣-قصص القرآن، عالم الإسلام، ١٩٣٤م (٢) . ثم جاء المعاصرون بعد ذلك - وللأسف من بني جلدتنا - ليكملوا المشوار , ونفذوا تلك الأباطيل بأقوال تنبأ عن سوء طوية وفساد قصد , تلك هي أقوالهم:

стр. 397

يقول طه حسين: (للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل , وللقرآن أن يحدثنا أيضا , ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة وبالقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي) (١) . ثم قام محمد خلف الله بجمع كل هذه المغالطات , وما أوردوه من شبه على هذه القضية وسود فيها كتابا من خمسمائة صفحة وسماه "الفن القصصي في القرآن الكريم" (٢) ، ووافقه على هذا أمين الخولي وزوجته عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ) (٣) . قدم خلف الله مقدمة في بيان أن هناك فنا من الفنون , هو ما يسمى بالفن القصصي، وهذا الفن يُعتمد فيه على جمال الأسلوب , وترابط الفكرة مع الهدف النبيل من القصة، ولا يضير هذا الفن كون القصة ملفقة أو خيالية مادام أن الهدف نبيل والغاية نافعة، ثم بنى على هذه المقدمة أن قصص القرآن هي نوع من أنواع هذا

стр. 398

الفن في جميع صفاته، لذلك فلا يلزم أن تكون كل قصة يذكرها القرآن قصة واقعية، ثم بعد ذلك أخذ يقرر هذه الدعوى بأن الكثير من القصص القرآنية ليست صحيحة تاريخا , بل التاريخ يخالفها. وقد طرح خلف الله كلامه بكل جرأة , حتى إنه لم يجد ضيرا أن يقول ما قال الكفار ﴿حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين﴾ [الأنعام:٢٥] قال خلف الله: (إنا لا نتحرج من القول بأن القرآن أساطير) (١) . وقال: (أصبح العقل الإسلامي غير ملزم بالإيمان برأي معين في هذه الأخبار الواردة في القصص القرآني؛ وذلك لأنها لم تُبلغ على أنها دين يتبع ... ومن هنا يصبح من حق العقل البشري أن يهمل هذه الأخبار , أو يجهلها , أو يخالف فيها , أو ينكرها) (٢) . ثم لم يقتصر على ذلك حتى قال: (ومن هنا يصبح من حقنا، أو من حق القرآن علينا، أن نفسح المجال أمام العقل ليبحث ويدقق، وليس عليه من بأس في أن ينتهي من هذه البحوث إلى ما يخالف هذه المسائل، ولن تكون مخالفة لما أراده الله أو لما قصد إليه القرآن؛ لأن الله لم يرد تعليمنا التاريخ، ولأن القصص القرآني لم يقصد إلا إلى الموعظة والعبرة , وما شابهها من مقاصد وأغراض، إن المخالفة هنا لن تكون إلا مخالفة لما تتصوره البيئة ولما تعرفه عن التاريخ، ولم يقل قائل بأن ما تعرفه البيئة العربية عن التاريخ هو الحق والصدق، ولم يقل بأن المخالفة لما في أدمغة العرب من صور عن التاريخ هي الكفر

стр. 399

والإلحاد، بل لعل هذه المخالفة واجبة حتى يكون تصحيح التاريخ وخلوه من الخيالات والأوهام) (١) . فمخالفة القرآن عنده واجبة لأجل التاريخ، فتصحيح التاريخ عنده أهم من تصحيح القرآن. فانظر إلى هذا الهذيان الذي تشمئز منه نفوس المسلمين وتقشعر منه جلودهم، ولست في مقام الرد على هذا الكتاب وكل مغالطاته، بل إنما أريد الرد على هذه القضية وهي دعوى معارضة القرآن للحقائق التاريخية، وسوف أقسم الرد على نوعين، ردود إجمالية ثم الردود التفصيلية، وإليك البيان (٢) : -الردود الإجمالية: ١-هذه الدعوى مخالفة لإجماع الأمة على أن كل القصص في القرآن إنما تحكي واقعا حقيقيا (٣) . ٢-هناك نصوص ترد هذه الدعوى , بل هي في محل النزاع ,كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف:١١١] ، قوله سبحانه: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ ... ﴾ [الأعراف:٦٢] ، وكقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام:١١٥] ، أي صدقا في الأخبار وعدلا في الأحكام (٤) .

стр. 400

كل ما في القرآن إما أخبار أو أحكام، فكل أخباره صدق وكل أحكامه عدل، ومن الأخبار قصص الأمم السابقة مع أنبيائها. ٣-لا شك أن القصة من أهدافها العبرة , وأحيانا قد يختلق القاص القصة وينسخها من وحي خياله، لكن هذا ليس هو الكمال؛ فكون الراوي يأخذ العبرة من قصة واقعية هو الأكمل، والقرآن لا يأتي إلا بالكمال , كما قال سبحانه: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف:٣] ، وما كان لأحسن القصص أن تكون كذبا. ٤- قال الدكتور بلتاجي: (إن الله تعالى -وهو القادر الحق - أعظم من أن يلجأ في كتابه المنزل -الذي أنزله لهداية الخلق جميعا - لاستخدام الباطل والأكاذيب ليجتذب بها العرب من معاصري نزوله إلى الإيمان , وهو يعلم أن هذا الكتاب سيؤمن به غيرهم في أزمنة وأمكنة أخرى، فما هي نسبة العرب الذين عاصروا نزول القرآن -وأتى بما عندهم من أساطير وأوهام كما زعموا- إلى من أسلم ويسلم في كل عصر ومكان حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وهل يصح مثل هذا القول إلا بناء على عقيدة ترى أن الإسلام (دين محلي) , نزل إلى شبه الجزيرة في القرن السابع الميلادي , واجتذبهم إلى الإيمان بموافقته لما كان عندهم من أوهام وخيالات وأباطيل تخالف التاريخ الحق؟ وهل يعقل أن الله تعالى لم يعلم حال من سيؤمن بالقرآن من غير هؤلاء , ممن تتكشف لهم حقيقة هذه (الأوهام) - كما زعم أصحاب النظرية؟! وألا يقودنا القول بذلك إلى سؤال بالغ الأهمية هو: كيف يلجأ

стр. 401

الخالق - جل وعلا عما يقولون - إلى موافقة خيالات وأوهام العرب الجاهلين وقت نزوله، وهو القادر - بطريق القطع - على أن يصوغ كتابه المنزل من الحقائق المتفقة مع الواقع والتاريخ, التي تحدث أثرها من الموعظة والعبرة في نفس الوقت؟ وألا يشبه هذا الزعم الذي تتضمنه هذه النظرية أن يكون حيلة بشرية يلجأ إليها البشر الضعاف المحدودو القدرة والعلم في سبيل اجتذاب الناس إلى دعواتهم؟ أما أن يكون هذا أسلوباً إلهياً في تنزيل آخر الكتب المنزلة , فهذا ما لا يمكن أن تتصوره العقول من كل وجه) (١) . ٥-دأب العلماء على أخذ الكثير من الأحكام الفقهية من القصص القرآنية مثل صحة أنكحة الكفار المأخوذ من قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ ... ﴾ [القصص:٩] ، وجواز كون المهر عملا مأخوذ من قوله تعالى ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ... ﴾ [القصص:٢٧] وغيرها، بل أخذوا منها أحكاما عقدية في أصول اعتقاد المسلمين، فإبطال القصص القرآنية يبطل الكثير من الأحكام؛ لأنه إذا كانت القصة مكذوبة فلا يجوز أخذ الأحكام منها، وهذا لم يقل به أحد. ٦-يلزم من هذا القول أن الله تعالى لَبَّس على الناس بذكر هذه القصص المكذوبة في كتابه, الذي يزعم أنه محفوظ من الخطأ والريب والكذب، ويلزم منه أن القرآن صد الكثير من الناس عن الإسلام بسبب عدم مطابقة قصصه للواقع، بل هذا ما ادعاه خلف , حيث زعم أن التمسك بمقياس الصدق التاريخي في القصص القرآني خطر أي خطر

стр. 402

على النبي ﷺ وعلى القرآن، بل هو جدير بأن يدفع الناس إلى الكفر بالقرآن كما كفروا من قبل بالتوراة (١) . ٧-قال الشيخ شلتوت: (وهذه الآراء -فضلا عما لها من نتائج سيئة - تذهب بقدسية القرآن من النفوس , وتزيل عنه روعة الحق , وتزلزل قضاياه في كل ما تناوله من عقائد وتشريع وأخبار ماضية وأحوال مستقبلة) (٢) . ٨-يقول تعالى: ﴿إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد﴾ [فصلت: ٤١ , ٤٢] . فإذا كان المضمون التاريخي في القصص القرآني - كما يزعم خلف الله وأصحابه - باطل في الحقيقة , ونفس الأمر مطابقاً لما كان في نفوس المشركين أو غيرهم، ألا يكون هذا معارضاً معارضة صريحة لمضمون هذه الآية , التي تنفي إمكان أن يقتحم الباطل إليه من بين يديه ولا من خلفه؟ ، فإذا أضفنا إلى هذا قوله تعالى: (وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفكٌ افتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاءوا ظلماً وزوراً وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرةً وأصيلاً قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض إنه كان غفوراً رحيماً ( [سورة الفرقان الآيات: ٤ - ٦] ، فهل يبقى هناك أي وجه لما ذكره خلف الله؟ من محاولة العبث بالعقول , ما يذكره خلف الله من أن نفي الافتراء هنا يتعلق بمصدر القرآن

стр. 403

كله، لا بجزئياته! فهل يصح في منطق العقول حقاً أن ما ينطبق على الكل المجموع لا يندرج على جزئيات هذا الكل؟! . ومن العجب أن يثبت خلف الله في كلامه السابق أن في القرآن أساطير، والآية السابقة تحكي قول الذين كفروا في ذلك، ثم تعقب عليه بأن الذي أنزل هذا القرآن إنما هو الذي يعلم السر في السماوات والأرض، وفي هذا أبلغ بيان في نفي زعم الأسطورة عنه؛ لأن الذي يعلم حقائق الأمور في كل شيء , لا يجوز عليه أن يحكي في كتابه المنزل الأساطير والأباطيل على أنها هي الحق الذي لا يأتيه الباطل , إنما يقع في هذا ناقصو العلم والمعرفة من البشر , الذين لا علم لهم بحقائق وأسرار الكون. ٩-وهذا المعنى الأخير مصداق قوله تعالى: ﴿أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيرا﴾ [سورة النساء الآية ٨٢] يعني - والله تعالى أعلم - لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً مع حقائق الأمور التاريخية والكونية، ولوجدوا فيه اختلافاً كثيرا بعضهم مع بعض، ولوجدوا فيه اختلافا كثيرا مع الفطرة البشرية، لكنه لما كان من عند الله فقد تجرد عن ذلك كله، فليس فيه أي اختلاف مع شيء من ذلك , لكن خلف الله وأصحابه يزعمون أن في قصصه اختلافا مع الحقائق التاريخية والكونية، فهل يستقيم مع هذا القول أن يكون فيما صدروا عنه من عند الله؟!. ١٠-وما قولهم في قوله تعالى: (ألم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين أم يقولون افتراه بل هو الحق من ربك لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون ( [سورة السجده الآيات:١-٣] ، فرد على دعوى الافتراء بإثبات أنه هو الحق من الله، فهل يتمشى مع منطق العقل أو أساليب البيان أن يكون حقاً قد احتوى باطلاً؟ وهل يصدق عليه وصف الحق حينئذ؟.

стр. 404

١١- وما قولهم في وصف القرآن - بما فيه من قصص - بأنه الحق كما في قوله تعالى: ﴿إنا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً﴾ [سورة البقرة الآية: ١١٩] وقوله: ﴿تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين﴾ [سورة البقرة الآية: ٢٥٢] ، وقوله: ﴿نزل عليك الكتاب بالحق﴾ [سورة آل عمران الآية: ٣] وقوله: ﴿إن هذا لهو القصص الحق﴾ [سورة آل عمران ٦٢] ، وقوله: (إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين ( [سورة الأنعام الآية: ٥٧] ، وقوله: ﴿وبالحق أنزلناه وبالحق نزل وما أرسلناك إلا مبشراً ونذيراً﴾ [سورة الإسراء الآية: ١٠٥] ، وقوله: ﴿نحن نقص عليك نبأهم بالحق﴾ [سورة الكهف الآية: ١٣] ، وقوله: ﴿ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا﴾ [سورة الفرقان الآية: ٣٣] ، وقوله: ﴿نتلوا عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون﴾ [سورة القصص الآية: ٣] ، وقوله: ﴿والله يقول الحق وهو يهدي السبيل﴾ [سورة الأحزاب الآية: ٤] ، وقوله: ﴿والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق﴾ [سورة فاطر الآية: ٣١] ، وقوله: ﴿إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق﴾ [سورة الزمر الآية: ٤١] ، وقوله: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصاً له الدين﴾ [سورة الزمر الآية: ٢] ، وقوله: ﴿تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديثٍ بعد الله وآياته يؤمنون﴾ [سورة الجاثية الآية: ٦] ، وقوله: ﴿وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم﴾ [سورة محمد الآية: ٢] ؟. فقد أثبتت هذه الآيات كلها - وأمثالها في القرآن كثير - أن القرآن كله حق نزل من عند الله , وآياته كلها حق؛ وقصصه كلها حق؛ لأن الله تعالى لا يقص إلا الحق، وهو يقص علينا نبأ أهل الكهف بالحق، ونبأ موسى وفرعون بالحق، وكل ما قصه وأوحى به فهو الحق، لأن الله تعالى لا يقول إلا الحق وهو يهدي السبيل، ووحيه كله حق، وكتابه كله حق، لا يصل إليه الباطل والافتراء والكذب بأي وجه من الوجوه , كما

стр. 405

قال تعالى: (وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله (و (قل الله يهدي للحق (وليس الظن أو الوهم أو الافتراء من الحق (راجع يونس: ٣٥ - ٣٧) .. فأين في هذا كله ما يتيح لخلف الله وأصحابه الزعم بأن نفي الافتراء في هذه الآيات لا يلحق المواد الأدبية القصصية، ولا بما في هذه القصص من صور للأحداث والأشخاص؟ وهل إذا لَحِقَ الافتراء هذه الأمور - كما يزعمون - يصح إطلاق وصف الحق في الآيات السابقة؟ وهل استخلاص عبرة ينافي أن يكون القصص المستخلص منه حقاً؟ لقد أجابت عن هذا الزعم الباطل آخر آية في سورة يوسف , وهي قوله تعالى: (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثاً يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون (. فالعبرة المستخلصة من القصص القرآني , إنما تستخلص من قصص حق لا افتراء فيه ولا أسطورة. ١٢-وفي القرآن الكريم قوله تعالى: (فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون ( [سورة يونس الآية: ٣٢] ، فإذا كان كل ما في القرآن قد وصف بأنه هو الحق , فهل يستقيم بعد هذا أن يتضمن شيئاً ينسب إلى باطل أو ضلال , بمخالفته لحقيقة التاريخ أو الحقائق الكونية) (١) ؟. ١٣-إن عدم مطابقة ما في القرآن من وقائع تاريخية مع أحداث التاريخ , إما منشؤه عدم وجود هذه القصص في التاريخ أصلا , وإما

стр. 406

منشؤه أن يكون في التاريخ شيء يعارضه؛ فإن كان الأول فإن عدم عثورنا عليه في التاريخ ليس دليلا على عدم وقوعه حقيقة , فعدم العلم ليس علما بالعدم، وأما إن كان الثاني فلا بد أن تكون هذه الحادثة حصل لها من النقل والتواتر والتثبت مثل ما حصل للقرآن حتى تعارضه , وهذا لا وجود له، وإلا فإننا نقدم ما في القرآن؛ لأنه أصح بشهادة الجميع. ١٤-هذه الدعوى تفتح الباب للطاعنين على مصراعيه، فإذا ثبت أن القرآن فيه أشياء مكذوبة ومفتراه , إذن كيف يتبع ويلزم به ويتحاكم إليه. وأما الردود التفصيلية على الشبه التي ذكرها، فهي كالتالي: -الطعن الأول: قوله تعالى عن المسيح عيسى بن مريم ﵇: ﴿ويكلم الناس في المهد﴾ [آل عمران: ٤٦] ، حيث روى الرازي عن اليهود والنصارى أنهم ينكرون أن عيسى تكلم في زمن الطفولة، ويحتجون بأن هذا لو حدث لكان من الوقائع العجيبة التي تنقل بالتواتر (١) . -الطعن الثاني: وقوله تعالى: ﴿وقال فرعون: يا هامان ابن لي صرحاً﴾ [غافر ٣٦] فالمدعو خلف الله يشير إلى ما رواه الرازي من قول اليهود: أطبق الباحثون عن تواريخ بني إسرائيل وفرعون , أن هامان ما كان موجوداً البتة في زمان موسى وفرعون، وإنما جاء بعدهما بزمن مديد (٢) .

стр. 407

-الجواب: ١-أن هذا الآيات تليت على اليهود في زمن النبي ﷺ ,وكان فيهم العلماء والأحبار فلم ينكر أحد منهم هذا الأمر. ٢-كيف يُحاكم القرآن المحفوظ بحفظ الله له بكتب أهل الكتاب , التي ملئت تحريفا وزيفا , بل طال التحريف عندهم كتبهم المقدسة، هذا لا يقبله عقل، ومثل هذا كمثل عالم كبير السن والقدر والاطلاع، تكلم في قضية، فقال له الناس: نحن نخالفك بهذا؛ لأن عندنا كتابا محرفا لا ندري من ألفه ملئ بالأخطاء يخالف ما تقول؟!!. فإن كان هذا لا يجوز في حق البشر فكيف بخالق البشر، يقول د. بلتاجي: (لو أن خلف الله يحاكم آيات القرآن الكريم إلى شيء يقيني لكان له وجه فيما يذكره، لكنه يحاكمها إلى التواريخ القديمة وما عند اليهود والنصارى عنها.. فما قوله فيما في هذه التواريخ القديمة من خرافات وأساطير وأوهام آمنت بها البشرية أجيالً طويلة، ثم تبين ضلالها وكذبها) (١) ؟. ٣-دعوى أن هذا مطبق عليه عندهم منقوضة بما حصل من اليهود والنصارى في زمن النبي ﷺ , من الإقرار عليه وعدم إنكاره، مع حرصهم الشديد على مخالفته في ما هو أقل من ذلك. ٤- (إن الرازي لم يترك هذه الشبهة دون رد، وبالتالي لم يكن من الذين يقولون بها على سبيل الإيمان أو الاقتناع، فقد قال: أجاب المتكلمون عن هذه الشبهة , وقالوا: إن كلام عيسى ﵇ في المهد , إنما كان للدلالة على براءة حال مريم ﵍ من الفاحشة، وكان

стр. 408

الحاضرون جمعاً قليلين، فالسامعون لذلك الكلام كان جمعاً قليلاً، ولا يبعد في مثله التواطؤ على الإخفاء.، وقال: والجواب أن تواريخ موسى وفرعون قد طال العهد بها، واضطربت الأحوال والأدوار , فلم يبق على كلام أهل التاريخ اعتماد في هذا الباب، فكان الأخذ بقول الله تعالى أولى) (١) . ٥- (إن عدم تسجيل التاريخ البشري لواقعة تكلم عيسى في المهد لا يعتبر دليلاً قاطعاً لعدم حدوث ذلك، حتى يدعي أحد تكذيب القرآن في الإخبار به، ويصح ادعاؤه. أما فيما يتصل بالتواريخ البشرية , فمما لاشك فيه أنها أهملت تسجيل كثير من الأحداث الفردية - مهما تكن أهميتها في ذاتها - حيث لم يتوفر لها من الشهادة الصادقة , وتوفر سبل الإذاعة، والنقل , والبقاء على مر العصور ما يكفل لها ذلك. إذ يكفي أن تنقطع حلقة في هذه السلسة لتصبح الواقعة في حكم المجهول من الأجيال التالية، وعلى العكس من ذلك , فإن بعض الأوهام الكاذبة في ذاتها , قد يتوفر لها من ظروف إيمان بعض الناس بصحتها - بناء على بعض الشواهد والظواهر الخادعة - وتسجيلهم لها، ثم رعايتها بظروف تضمن إذاعتها وانتقالها عبر الأجيال - ما يجعلها تدخل التاريخ من أوسع أبوابه، وهي في أصلها أسطورة كاذبة لا نصيب لها من الحق. وقد تلعب يد التحريف والتجهيل والتعمية ببعض جوانب واقعة صحيحة في أصلها , فإذا بها قد جمعت في نهاية الأمر بين الحق والباطل في قصة واحدة ,هذا معروف مسجل عن أوهام التواريخ

стр. 409

وأخطائها، فهي تهمل، وتنسى، وتحرف، وتخدع، وتتوهم، وكل هذا يتضمنه ما يسمى بـ"التاريخ البشري"، وخاصة في عصور ما قبل التدوين المنظم , ذي الأساليب والإمكانات المنضبطة شيئاً ما. وإذا كان هذا ثابتاً لاشك فيه , فهل يقبل منطق البحث العلمي النزيه , أن يتخذ إغفال التواريخ القديمة لحادثة فردية , مثل كلام طفل في المهد , دليلاً قاطعاً على كذب الوحي في إخباره بها (١) ؟) . ٦-إن فرعون موسى -من بين فراعنة مصر- ليس معروفا للمؤرخين بصورة قطعية متفق عليها، فإذا كان الأمر كذلك , فإن تحديد وزرائه ومعاونيه بالاستقصاء والحصر , أمر لا يمكن أن يدعيه على سبيل القطع مؤرخ يحترم عقله وعقول الناس (٢) .

стр. 410

-الطعن الثالث: قوله تعالى: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم:٢٨] ، وقد علم أن بين مريم وهارون أكثر من خمسة عشر قرنا (١) . -الجواب (٢) : ١-أن هارون كان رجلا صالحا من بني إسرائيل , ينسب إليه كل من عرف بالإصلاح، والمراد: أنكِ كنتِ في الزهد والتقوى كهارون، فكيف صرت هكذا. ٢-أن مريم من نسل هارون، فنسبت إليه كما يقال: يا أخا همدان، يا أخا العرب، يعني يا من نسله منهم، ومنه قوله تعالى: ﴿واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف ... ﴾ [الأحقاف:٢١]

стр. 411

ومن هذا الباب حديث عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , إِذْ جَاءَ هُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ , ثُمَّ أَدْبَرَ الْأَنْصَارِيُّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا أَخَا الْأَنْصَارِ كَيْفَ أَخِي سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ؟» ، فَقَالَ: صَالِحٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ يَعُودُهُ مِنْكُمْ؟» فَقَامَ وَقُمْنَا مَعَهُ وَنَحْنُ بِضْعَةَ عَشَرَ , مَا عَلَيْنَا نِعَالٌ وَلَا خِفَافٌ (١) وَلَا قَلَانِسُ (٢) وَلَا قُمُصٌ , نَمْشِي فِي تِلْكَ السِّبَاخِ حَتَّى جِئْنَاهُ , فَاسْتَأْخَرَ قَوْمُهُ مِنْ حَوْلِهِ حَتَّى دَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ الَّذِينَ مَعَهُ" (٣) ، وهذا الجواب وجيه وقوي. ٣-أن هارون كان رجلا مُعْلِناً بالفسق , فشبهت به. ٤-هارون المقصود به هنا ليس هو هارون أخي موسى , بل هو أخ لمريم حقيقة فنسبت إليه، فقد عرض هذا الإشكال على النبي ﷺ وأجاب عنه بهذا الجواب، فقد أخرج الإمام مسلم عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: لَمَّا قَدِمْتُ نَجْرَانَ سَأَلُونِي فَقَالُوا: إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ (يَا أُخْتَ هَارُونَ (وَمُوسَى قَبْلَ عِيسَى بِكَذَا وَكَذَا. فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَمُّونَ بِأَنْبِيَائِهِمْ وَالصَّالِحِينَ قَبْلَهُمْ» (٤) . وهذا نص قاطع صحيح صريح في هذه القضية فلا محيد عنه (٥) ،

стр. 412

قال الطوفي ﵀: (هذا سؤال قد كفانا جوابه صاحب الشريعة () (١) . -الطعن الرابع: يقول: بانَ للعقل الإسلامي أن وداً وسُواعاً ويغوثَ ويعوقَ ونسراً كانت الأوثان التي تعبد في الجزيرة العربية زمن البعثة المحمدية، وعجز العقل الإسلامي عن أن يفهم الصلة بين هذه الأوثان وبين نوح ﵇ حتى تجيء في قصته، فالدنيا خربت في زمن نوح بالطوفان , فكيف بقيت تلك الأصنام؟ (٢) . -الجواب: نسأل: مَن قال إن الدنيا خربت؟ إنما هلك كل الناس إلا من كان في السفينة، وأما بقاء الأصنام وغيرها من الجمادات فهو غير مستبعد.

стр. 413

قال القرطبي: (عن ابن عباس: إن نوحا ﵇ كان يحرس جسد آدم ﵇ , على جبل بالهند, فيمنع الكافرين أن يطوفوا بقبره, فقال لهم الشيطان: إن هؤلاء يفخرون عليكم، ويزعمون أنهم بنو آدم دونكم , وإنما هو جسد , وأنا أصور لكم مثله تطوفون به. فصور لهم هذه الأصنام الخمسة، وحملهم على عبادتها, فلما كان أيام الطوفان دفنها الطين والتراب والماء, فلم تزل مدفونة حتى أخرجها الشيطان لمشركي العرب) (١) . -الطعن الخامس: سياق آيات قصة لوط في سورة الحِجْر , يخالف سياق نفس القصة في سورة هود وغيرها من السور: ففي الحِجْر: (فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنكَرُونَ (٦٢) قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣) وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٦٤) فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (٦٥) وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦) وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (٦٩) قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (٧٠) قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٧١) ( [الحجر:٦١-٧١] . وأما في هود: (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧) وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨) قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (٧٩) قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠) قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا

стр. 414

رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١) ( [هود:٧٧-٨١] ، ففي الحجر أخبروه أنهم رسل الله قبل أن يأتي قومه، وفي هود أخبروه بعد ذلك؟. -الجواب: لا شك أن سياق سورة هود هو سياق قصة لوط ,كما يدل عليه غيره من الآيات، ويدل عليه أيضا قوله في الحجر: (إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (٦٩) قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (٧٠) قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُْنتُمْ فَاعِلِينَ (فلو كان يعلم أنهم ملائكة لما قال هذا الكلام لقومه. وليس في الحجر ما يدل على خلاف هذا، وكون الآيات قدمت كلام الملائكة مع أنه متأخر حدوثا , فهذا لا يضر لحكمة معينة، والواو لا تقتضي الترتيب، قال ابن كثير: (قوله: قال (إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون واتقوا الله ولا تخزون (. وهذا إنما قاله لهم قبل أن يعلم بأنهم رسل الله، كما قال في سورة هود , وأما ههنا فتقدم ذكر أنهم رسل الله , وعطف ذكر مجيء قومه ومحاجته لهم، ولكن الواو لا تقتضي الترتيب ولا سيما إذا دل دليل على خلافه) (١) . -الطعن السادس: وذكر خلف الله أن في القرآن أساطير للأولين؛ ومثل لها بالذي مر على قرية وهو خاوية على عروشها، وقصة أهل الكهف، لأن ما فيها

стр. 415

من أخبار الغيب لا يتفق مع مقاييس العقل (١) . -الجواب: ١- تحكيم القرآن إلى العقل خطير جدا، لأن العقل أحيانا كثيرة يخطئ، فكيف يحاكم الكتاب المعصوم إلى ما هو كثير الخطأ، ثم عقول الناس تتفاوت؛ فهناك العبقري وهناك الأخرق، وبينهما مراتب كثيرة، فأي عقل من هذه المراتب نحاكم لها القرآن، ثم إذا وجدنا عقولا بمنزلة مقبولة لنقد القرآن؛ فما هو الحل عندما تختلف هذه العقول، لاشك إن هذا باب لو فتح لا يغلق. ٢- قصة أهل الكهف يثبتها أهل الكتاب أيضا، بل إنما نزلت هذه الآيات بناء على استفسارهم عنها -كما تقدم- (٢) ، والعادة أنهم لا يطعنون في كتبهم المقدسة -على خلاف بعض بني جلدتنا-، فالطعن في قصة تتابعت الكتب السماوية على إثباتها جرأة خطيرة. ٣-هذه دعوى من غير دليل، وكل دعوى بلا دليل باطلة، لاسيما إذا كان القرآن يقرر خلاف هذه الدعوى. -الطعن السابع: الطعن في قصة سليمان ﵇ مع بلقيس والهدهد: قال الإمام الرازي: (أن الملاحدة طعنت في هذه القصة من وجود: أحدها: أن هذه الآيات اشتملت على أن النملة والهدد تكلما بكلام لا يصدر ذلك الكلام إلا من العقلاء، وذلك يجر إلي السفسطة،

стр. 416

فإنا لو جوزنا ذلك لما أمنا في النملة التي نشاهدها في زماننا هذا أن تكون أعلم بالهندسة من إقليدس وبالنحو من سيبويه، وكذلك القول في القملة والصئبان، ويجوز أن يكون فيهم الأنبياء والتكاليف والمعجزات. ومعلوم أن من جوز ذلك كان إلى الجنون أقرب. وثانيها: أن سليمان ﵇ كان بالشام، فكيف طار الهدد في تلك اللحظة اللطيفة من الشام إلى اليمن، ثم رجع إليه. وثالثها: كيف خفي على سليمان ﵇ حال مثل تلك المملكة العظيمة مع ما يقال إن الجن والإنس كانوا في طاعة سليمان، وأنه ﵇ كان ملك الدنيا بالكلية، وكان تحت راية بلقيس حال طيران الهدهد إلا مسيرة ثلاثة أيام؟. ورابعها: من أين حصل للهدهد معرفة الله تعالي ووجوب السجود له وإنكار سجودهم للشمس وإضافة إلي الشيطان وتزينه؟) (١) . -الجواب: قال الرازي في الجواب على ذلك: (والجواب على الأول: أن ذلك الاحتمال قائم في أول العقل، وإنما يدفع ذلك بالإجماع. وعن البواقي: أن الإيمان بافتقار العالم إلي المختار يزيل هذه الشكوك) (٢) . (هذا ما رد به الرازي على هذه الطعون، وهو رد مجمل قاصر

стр. 417

يكاد يسلم - بعد هذه الطعون الفصلة - بالعجز على الرد المفصل القوي، مما يذكرنا بما قيل عن الرازي أنه - مع علمه وفضله - كان يذكر الطعون مفصلة ولا يورد معها - أحيانا - ما يكافئها من الجواب، مما فتح مجالا أمام متبعي الشبهات للاستدلال على طعونهم بما أورده الرازي ولم يفلح - مع كبير علمه - في الرد المقنع عليه. والحقيقة أن هذه الطعون - التي عرض لها خلف الله في سياق نظريته السابقة - لا تقوم في مجموعها أو تفصيلاتها كمستند للطعن في شيء من القرآن الكريم، وسيكون ردنا عليها نقضاً لكل من يستدل بها وذلك على النحو التالي: (أ) فيما يتصل بكلام الهدهد والنملة - فقد أصبح من المقطوع به الآن عند العلماء الذين يدرسون سلوك أنواع الطير والحيوان والحشرات، أن لكل منها لغة تقوم مقام اللغة المعهودة عند البشر، في التعبير ونقل الأحاسيس والمعارف، على نحو ما ماتزال تفاصيله مجهولة من البشر، لكن المقطوع به من شواهد كثيرة جداً أن لكل منها نوعاً من اللغة يتم به الأتصال بين أفراده، وقد سجل بعض العلماء تسجيلات صوتية لأنواع من الطيور في حالة الفزع نقلت إليهم - في غاية من الوضوح - هذه المشاعر والمعاني (١) . فلم يعد يشك الآن في أن كل نوع من الأحياء له لغة خاصة بأفراده، وهذا أمر واضح لكل من يراقب سلوك الطيور والحشرات، بل إن بعض العلماء يذهبون إلى أن أنواع النبات هي الأخرى تملك لغة واتصالاً فيما بينها، على نحو ما - مما لا يتسع المجال لتقرير القول فيه، ولا يتطلبه.

стр. 418

فما العجب بعد هذا من أن تتكلم النملة، ويتكلم الهدهد، بكلام يفهمه سليمان ﵇ لأنه - كما ورد في القرآن الكريم - علم منطق الطير وأوتي من كل شيء (النمل ١٦) (١) ؟ أما أنهم تكلموا بكلام يدل على شيء من العقل فإن من يراقب سلوك الطير والحشرات فسوف يدرك بغاية من الوضوح أن سلوكهم يجرى على نظم من الوعى والتدبير والعمل من أجل غايات تهديهم إليها غرائزهم وفطرهم، وعلى المعاند في هذا أن يقراء شيء عن سلوك الحشرات والطيور في كتب العلم التجريبي، وسوف يذهله ما يقرأ، وعليه أن يراقب العمل والنطام في (مملكة النحل) أو في (عالم النمل وقراه التي ينشئها) .. وليس ذلك كله إلا مصدقاً لقوله تعالي ﴿ربنا الذي أعطي كل شيء خلقه ثم هدى﴾ [طه: ٥٠] وقوله: ﴿وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون﴾ [الأنعام: ٣٨] ، وهو الذي تدل عليه بحق كافة مشاهدات العلماء المحققين. والمتشكك في ذلك إنما هو المستحق لسخرية الساخرين! فما العجب إذن في أن تتكلم نملة ويتكلم هدهد؟ وما العجب في أن يفهم عنهما من عرف لغة كل منهما؟ ولا يجر ذلك - كما زعم الملاحدة الطاعنون - إلي شيء من السفسطة التي ذكروها، فلم يقل القرآن الكريم بشيء من ذلك، إنما قال بما تدل عليه ملاحظة هذه الأنواع، وهو أن لها منطقاً، أما علم الهندسة، والنحو، والتكاليف، والمعجزات؛ فإنما هو من قول الملاحدة الذي يرد عليهم، لأننا لا نحمل القرآن الكريم إلا ما نطق به لا ما قام في أوهام الملاحدة.

стр. 419

(ب) فيما يتصل بطيران الهدهد من الشام إلي اليمن، ثم الرجوع إلى الشام، فالذي ورد في القرآن الكريم عنه قوله تعالى: ﴿فمكث غير بعيد..﴾ [النمل: ٢٢] ، وليس في القرآن الكريم تحديد أن الهدهد مكث " لحظة " كما يقول هؤلاء، ولا يفهم من " غير بعيد " في سياقها إلا مدة تكفي للطيران، وقد قرئت على صفحاء العرب من المشركين في عصر الرسالة - وهم أعلم باللغة، وكانوا يعرفون اليمن والشام - فما أثاروا - فيما علمنا - هذا الاعتراض، فعلم منه أن التعبير القرآني يخلوا عن دواعي اعتراض هؤلاء الملاحدة. (ج) أنا كيف خفي على سليمان حال مملكة سبأ - فإن القرآن الكريم لم يصفه بأنه كان يعرف الغيب، وقد كان هذا غيبا بالنسبة إليه، وليس فيما وصف القرآن الكريم به سليمان ﵇ إلا تسخير الرياح والشياطين وتعليم منطق الطير وإيتاء الملك الذي لا ينبغي لأحد بعده، لكن ليس فيه شيء من وصفه بعلم غير ما علمه الله له، فما العجب في أن تكون في الأرض أشياء وممالك كان سليمان - مع عظمة ما أعطاه الله له - يجهلها؟ إن القرآن الكريم لا يذكر شيئا عن أن سليمان ﵇ كان ملك الدنيا كلها بأكملها - كما يزعم هؤلاء الطاعنون - ولعل مستندهم في هذا إنما هو بعض المبالغات الإسرائيلية التي لم يرد لها ذكر في الوحي القرآني. أما إذا كان واحد منهم قد فهم ذلك من قوله تعالى: ﴿وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون﴾ [النمل: ١٦] ، فهو لا يعرف شيئاً عن أساليب البيان العربية، لأن (من) هنا للتبعيض، وليس المعني أن كل الأنس - دون استثناء - كانوا تحت ملكه.

стр. 420

ولعل الذي جر الطاعنين إلي طعنهم ما ذكروه هم من أنه كان تحت راية ملكة سبأ اثنا عشر الف ملك تحت راية كل منهم مائة ألف ! وليس في نصوص القرآن الكريم شيء من هذا مطلقاً، والعدد الذي ذكروه يجاوز بكثير جداً ما يمكن أن يكون موجوداً عندئذ من عدد السكان، وهو يذكرنا بما نقده ابن خلدون من مبالغات المؤرخين القدماء، وما حذر منه (فيكو) من غرور الأمم حين تكتب تارخها - فكيف تحمل هذه المبالغات على نصوص القرآن الكريم التي لم تعرض لها إطلاقاً؟ فلا عجب إذن أن يجهل سليمان ﵇ أمر ملكة سباً مع كل ما أعطاه الله له، لأنه لم يعطه علم كل ما في الأرض، ولم تكن هناك اتصالات منتظمة بين المالك بحيث تعرف كل منها الأخرى، وتتصل بها على النحو الذي نعهده في عصرنا والذي حدث بعد ذلك بحكم التطور العمراني، ولم تكن الجن التي سخرت لسليمان ﵇ أيضاً تعرف الغيب كما ورد في قوله تعالي: ﴿فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين﴾ [سبأ: ١٤] . (د) أما من أين حصل للهدهد معرفة الله تعالى ووجوب السجود له وإنكار سجودهم للشمس وإضافته إلي الشيطان وتزيينه؟ فإنما كان الهدهد من جند سليمان ﵇، والآيات تتكلم عن أمر (غيبي) لا يقاس على معرفة البشر الآن بأحوال الطير، وما المانع من أن تكون فطرة كافة المخلوقات عارفة بوجوب السجود لله تعالى وحده، وقد جاء في القرآن الكريم شاهداً بذلك قوله تعالى: (اولم يروا إلي ما خلق الله من شيء يتفيؤ ظلاله عن اليمين والشمائل سجداً لله وهم داخرون ولله يسجد ما في

стр. 421

السموات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون ( [النحل: ٤٨-٤٩] وقوله: ﴿والنجم والشجر يسجدان﴾ [الرحمن: ٦] وقوله: ﴿الم تر ان الله يسبح له من في السموات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون﴾ [النور: ٤١] وقوله ﴿تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهم وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليماً غفوراً﴾ [الإسراء: ٤٤] ... فما العجب بعد هذا كله أن بكون الهدهد من جند سليمان ﵇ عارفاً لوجوب السجود لله تعالى وحده منكراً السجود لغيره؟ إن القضية - فيما نري قضية إخبار عن الغيب لا تصل معرفة البشر التجريبية أو العقلية إلى شيء يستند إليه إنكار هذا الإخبار الذي يجاوز حدود هذه المعرفة، فالمؤمنون بالغيب وبصدق الوحي القرآني يؤمنون به، والمكذبون ينكرون بكل ما لا يقع منهم تحت حس مباشر أو تجربة مادية، لكنهم في مثل هذه القضايا الغيبية لا مستند لهم في إنكارهم إلا محض الشك والتكذيب وقياس الغائب على الشاهد وتحكيم عقولهم القاصرة فيما هو من علم الغيب، ... ولسنا نملك لهؤلاء وسيلة تحملهم على الإيمان بالغيب وعدم قياس الأمور فيه على علم الشهادة البشرية. ﴿ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا اولئك الذين لم يرد الله ان يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الأخرة عذاب عظيم﴾ [المائدة: ٤١] . .... وبهذا يتبين لنا أنه ليس فيما ورد من قصة سليمان في سورة النمل ما يطعن في صحة شيء مما ورد في القرآن الكريم) (١) . وقد ذكر خلف الله طعونا أخرى لكنها لا تدخل في موضوع (دعوى معارضة القرآن للحقائق التاريخية) ، لذلك لم أذكرها، وإن كان من رد على خلف الله ذكرها؛ لأني لا أرد على كتاب خلف الله، بل أرد على من زعم هذه الدعوى، وأغلب إشكالاته من باب تعارض

стр. 422

الآيات بعضها مع بعض , وقد أجبنا على أكثرها في المطلب السابق. المطلب الثالث: دعوى تعارض القرآن مع الحقائق الكونية أو حقائق العلم التجريبي: من المطاعن على القرآن دعوى أنه يتعارض مع الحقائق الكونية أو حقائق العلم التجريبي الحديث، وعليه فإن القرآن ليس من كلام الله تعالى؛ لأن الله ﷻ يعلم كل شيء، وقد ذكر الطاعنون لهذا أمثلة سيأتي ذكرها. بادئ ذي بدأ لابد من وضع بعض القواعد لهذه المسألة: ١- لابد أن تكون هذه المعلومات التجريبية وصلت مرحلة الحقيقة العلمية المستقرة المتفق عليها (١) ، فلا يجوز أن نجادل القرآن بنظريات تفسيرية لبعض ظواهر الكون، أو أن القضية العلمية عبارة عن تجارب لم تصل إلى حد الحقيقة الثابتة القطعية، مثل نظرية أن أصل الإنسان قرد ثم مر بمراحل حتى وصل إلى هذا المستوى (٢) ، التي تتعارض مع كون ابتداء خلق الناس كان من آدم الذي خلقه الله تعالى مرة واحدة من غير تدرج. ٢-لابد أن يكون هذا التناقض من كل وجه بحيث لا يحتمل

стр. 423

حمل اللفظ على معنى آخر، فإن دلالة القرآن الظنية المعنى مما يمكن حملها على عدة معان (١) ، ومن هذه المعاني معان لا تخالف العلم، مثل دعوى أن الأرض تدور حول الشمس، المناقض لقوله الله تعالى: (وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن. . (فنسب فعل الدوران للشمس، وهذا غير صحيح؛ فإن اللفظ ليس قاطعا في هذا المعنى، بل إنه ابتدأ بقول: (وترى الشمس (أي أن هذا الأمر بالنسبة لرؤية الإنسان، وسياق الآية كما هو ظاهر ليس مقصودا في إثبات دوران الأرض حول الشمس أو العكس، فلا ينبغي تحميل النص ما لا يحتمل. فإذا كانت المسألة في حقيقة علمية ثابتة، وهى تعارض نصا قرآنيا من كل وجه، فهنا تحصل المناقضة. وكعادتنا نبدأ أولا بالردود الإجمالية ثم التفصيلية: ١-أن العلم والقرآن لا يمكن -عقلا- أن يتعارضا؛ وذلك لأن مصدرهما واحد وغايتهما واحدة، فمصدرها هو الله ، فالله هو الذي خلق هذا الكون وما فيه من معارف وعلوم، وهو الذي شرع هذا الدين وما فيه من أخبار وأحكام، وما كان من الله فإنه لا يتناقض، (فالقرآن والكون - وهما مصدر الحقائق الدينية والعلمية - كلاهما من عند الله وصنعه، أنزل القرآن بالحق كما خلق الكون بالحق، فلا ينبغي للإنسان طلب الحق إلا فيهما، ومن ثم لا يتصور تصادم الحق مع نفسه) (٢) .

стр. 424

ويتفقان أيضا في الغاية والهدف، وهو إسعاد البشرية وتذليل صعوبات الحياة، فما اتفق في المصدر والغاية لا يمكن أن يتعارضا فيما بين ذلك، فالعلم الصحيح لا يعارض القرآن، بل هما أخوان متعاونان (١) . ٢-إن المنصفين من أهل الملل الأخرى شهدوا بأن القرآن لا يتعارض مع العلم أبدا. يقول إبراهيم خليل: (يرتبط هذا النبي ﷺ بإعجاز أبد الدهر بما يخبرنا به المسيح ﵇ في قوله عنه: (ويخبركم بأمور آتية) . وهذا الإعجاز هو القرآن الكريم، معجزة الرسول الباقية ما بقي الزمان، فالقرآن الكريم يسبق العلم الحديث في كل مناحيه؛ من طب وفلك وجغرافيا وجيولوجيا وقانون واجتماع وتاريخ ... ففي أيامنا هذه استطاع العلم أن يرى ما سبق إليه القرآن بالبيان والتعريف. .) (٢) ، وقال: (أعتقد يقينا أني لو كنت إنسانا وجوديا، لا يؤمن برسالة من الرسالات السماوية، وجاءني نفر من الناس، وحدثني بما سبق به القرآن العلم الحديث في كل مناحيه؛ لآمنت برب العزة والجبروت، خالق السماوات والأرض ولن أشرك به أحدا) (٣) . وقال بوتر: (عندما أكملت قراءة القرآن الكريم، غمرني شعور بأن هذا هو الحق، الذي يشتمل على الإجابات الشافية حول مسائل الخلق وغيرها، وإنه يقدم لنا الأحداث بطريقة منطقية، نجدها متناقضة مع بعضها في غيره من الكتب الدينية، أما القرآن فيتحدث عنها في نسق

стр. 425

رائع وأسلوب قاطع لا يدع مجالاً للشك بأن هذه هي الحقيقة، وأن هذا الكلام هو من عند الله لا محالة) (١) . وقال بوتر أيضا: (كيف استطاع محمد ﷺ ، الرجل الأمي الذي نشأ في بيئة جاهلية، أن يعرف معجزات الكون التي وصفها القرآن الكريم، والتي لا يزال العلم الحديث حتى يومنا هذا يسعى لاكتشافها؟ لابد إذن أن يكون هذا الكلام هو كلام الله (٢) . وقال حتي: (إن أسلوب القرآن مختلف عن غيره، ثم إنه لا يقبل المقارنة بأسلوب آخر، ولا يمكن أن يقلد، وهذا في أساسه، هو إعجاز القرآن. . فمن جميع المعجزات كان القرآن المعجزة الكبرى) (٣) . ولقد ألف الدكتور مراد هوفمان -سفير ألمانيا السابق بالرباط- كتاب (الإسلام كبديل) (٤) ، وفيه شهادات كثيرة على إعجاز القرآن وصدقه وصدق النبي ﷺ وكمال التشريع. ومن الذين تخصصوا في هذا المجال، وكان من أشد الناس عداوة للقرآن والرسول (الدكتور موريس بوكاي، وكان كلما جاءه مريض مسلم يحتاج إلى العلاج الجراحي، فإنه إذا أتم علاجه يقول له: ماذا تقول في القرآن، هل هو من الله أنزله على محمد أم من كلام محمد نسبه إلى الله افتراء عليه؟ فإذا أجاب المريض بأنه من الله، وأن محمدا (صادق، قال: أنا أعتقد أنه ليس من الله وأن محمدا ليس بصادق.
следующие страницы →