← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 943

موقف الشوكاني في تفسيره من المناسبات

أحمد بن محمد الشرقاوى

Полный текст (91 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

إهداء من المؤلف لمكتبة شبكة التفسير والدراسات القرآنية www.tafsir.net المقدمة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين نحمده ونستعينه ونستهديه ونتوب إليه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، ونصلي ونسلم على الحبيب المصطفى والرسول المجتبى سيد الخلق وحبيب الحق محمد بن عبد الله النبي العربي الأمين صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على دربه إلى يوم الدين. ثم أما بعد: قالقرآن الكريم هو المعجزة الخالدة التي أيد الله بها رسوله ﵊، والخطاب العام الموجه لجميع العقول والأفهام، والعصمة والشفاء من كافة الأدواء والأسقام، والطهارة والبراء من ظلمات الشك والأوهام، خصه تعالى بنزوله مفرقا حسب الحوادث وتدرج الأحكام، وجمعه جمعا في غاية الإحكام والانتظام، حتى صار ترتيبه علما من علومه عني به المفسرون القدامى والمحدثون عناية بالغة؛ فمن خلاله نقف على وجه من وجوه إعجاز القرآن فضلا عن فهم المعاني ومعرفة المقاصد والترجيح بين الآراء، وإزالة اللبس، من هذا المنطلق عني به المفسرون القدامى والمحدثون مع اختلاف درجات اهتمامهم ومدى تعمقهم في هذا الموضوع، لكن الإمام الشوكاني كان له موقف آخر حيث دعا إلى الانصراف عنه وزعم أنه لا فائدة منه، وانتقد المهتمين به، ذكر ذلك في مقدمة تفسيره، لكنه لم يثبت على موقفه إذ ذكر بعضا من وجوه المناسبات بين الآيات في ثنايا تفسيره، وفي هذا البحث نعرض لكلامه ثم نرد عليه ردودا إجمالية ونعقبها بردود تفصيلية على أهم القضايا التي أثارها في معرض حديثه عن المناسبات، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل. أحمد بن محمد الشرقاوي القصيم - عنيزة ١١ شوال ١٤٢٣هـ أستاذ مشارك بجامعة الأزهر وكلية التربية للبنات عنيزة Sharkawe٢٠٠٠@yahoo.com

стр. 2

تمهيد أولا: مع التفسير والمفسر من روائع كتب التفسير ومن أصولها الجامعة تفسير الإمام الشوكاني المسمى بـ " فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير " هذا التفسير يعتبر مرجعا أساسيا في بابه؛ ذلك لأنه اشتمل على التفسير بالرواية الذي يعتمد على مصادر التفسير المأثور الأربعة: تفسير القرآن بالقرآن تفسير القرآن بالسنة تفسير القرآن بأقوال الصحابة تفسير القرآن بأقوال التابعين كما اشتمل هذا التفسير أيضا على التفسير بالرأي، وهو تفسير القرآن الكريم بالاجتهاد بعد معرفة المفسر باللغة العربية ووقوفه على أسباب النزول ودرايته بالناسخ والمنسوخ والعام والخاص وغير ذلك من علوم القرآن إلى جانب رجوعه إلى التفسير بالمأثور الذي يعد المرجع الأساسي للمفسر ٠ والإمام الشوكاني غني عن التعريف: فهو علم من أعلام الفقه ورائد من رواد الدعوة والإصلاح في عصره وكاتب موسوعي، يرجع نسبه إلى هجرة شوكان من هجر صنعاء ولد سنة ١١٧٣هـ ونشأ في مدينة صنعاء وحفظ القرآن في مسجدها الجامع، ودرج في بيت علم وفضل فأبوه علي بن محمد بن علي الشوكاني: كان يشغل منصب قاضي صنعاء ولقد نهل من علمه واستفاد من مكتبته الزاخرة بأمهات الكتب في شتى العلوم والفنون، وتنقل الشوكاني بين علماء صنعاء كما تتنقل النحلة من زهرة إلى زهرة ومن بستان إلى بستان، ترتشف الرحيق ليخرج من بطونها شراب مختلف الألوان فيه شفاء للناس. وقرأ على شيوخه أمهات الكتب في شتى العلوم في العقيدة والفقه وأصوله واللغة وآدابها والحديث وعلومه والمنطق وأدب البحث والمناظرة وفي التفسير وعلومه وغير ذلك من العلوم التي برع فيها ٠ ولقد ترجم لشيوخه في كتابه البدر الطالع في محاسن من بعد القرن السابع ٠

стр. 3

وله ﵀ مؤلفات عديدة معظمها مطبوع من أهمها تفسيره فتح القدير وكتابه نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار، والفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة، والبدر الطالع في محاسن من بعد القرن السابع، والسيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار، وإرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، وتحفة الذاكرين في شرح عدة الحصن الحصين، وغير ذلك. (١) ثانيا: تعريف علم المناسبات: المناسبات جمع مناسبة والمناسبة في اللغة المشابهة والمشاكلة والمقاربة (٢) ، ومنه النسيب: القريب المتصل كالأخوين وابن العم ونحوه، ممن بينهم مناسبة أي رابطة تربط بينهم وهي القرابة، وعند الأصوليين: المناسبة فى العلة فى باب القياس وهي الوصف المقارب للحكم لأنه إذا حصلت مقاربته له ظن عند وجود ذلك الوصف وجود الحكم (٣) ، وعند البلغاء: التناسب الترتيب للمعاني المتآخية التي تتلاءم ولا تتنافر (٤) وفي اصطلاح المفسرين: عرفها ابن العربي في كتابه سراج المريدين: بأنها: "ارتباط آي القرآن بعضها ببعض حتى تكون كالكلمة الواحد ة متسقة المعاني منتظمة المباني " (٥) وعرفها الزركشي في البرهان بأنها: أمر معقول إذا عرض على العقول تلقته بالقبول. (٦) فعلم المناسبة علم يعنى بإبراز أوجه الصلة وتناسب الآيات والسور. المبحث الأول: كلام الشوكاني عن المناسبات

стр. 4

عرض وردود إجمالية يدعي الشوكاني أن البحث في هذا العلم ضرب من التكلف، وأنه لا فائدة منه، وأنه من التكلم بمحض الرأي المنهي عنه وينعى على البقاعي وغيره عنايتهم بهذا العلم: وفيما يلي عرض لكلامه مع ردود إجمالية عليها: يقول الشوكاني في مقدمة تفسيره معارضا لعلم المناسبة منكرا له ومنتقدا للمهتمين به: " اعلم أن كثيرا من المفسرين جاءوا بعلم متكلف وخاضوا في بحر لم يكلفوا سباحته واستغرقوا أوقاتهم في فن لا يعود عليهم بفائدة بل أوقعوا أنفسهم في التكلم بمحض الرأي المنهي عنه في الأمور المتعلقة بكتاب الله سبحانه؛ وذلك أنهم أرادوا أن يذكروا المناسبة بين الآيات القرآنية المسرودة على هذا الترتيب الموجود في المصاحف فجاءوا بتكلفات وتعسفات يتبرأ منها الإنصاف ويتنزه عنها كلام البلغاء فضلا عن كلام الرب سبحانه حتى أفردوا ذلك بالتصنيف وجعلوه المقصد الأهم من التأليف كما فعله البقاعي في تفسيره ومن تقدمه حسبما ذكر في خطبته " (١) ونحن نوافق الشوكاني في أن التكلف منهي عنه في التفسير أو في غيره، وأنه لا يجوز التكلم بمحض الرأي المنهي عنه، فعلم المناسبات يحتاج إلى تدبر وتفكر لا إلى تكلف وتعسف، وهو علم لا بد منه ولا غنى عنه لأي مفسر، لأنه يعين على فهم المعنى والترجيح بين الآراء ومعرفة المقاصد العامة للآيات والسور وغير ذلك من فوائد، والمناسبة قد تكون واضحة جلية، وقد تحتاج إلى تأمل دقيق وتدبر عميق، فإذا خفيت المناسبة فلا ينبغي إنكارها ونفيها. وقد قيل: وإذا لم تر الهلال فسلم لأناس رأوه بالأبصار ويتساءل الشوكاني: كيف نطلب للآيات مناسبات وقد نزلت منجمة حسب الأحداث فلا تناسب بينها إذاًَََََ؟

стр. 5

وفي هذا يقول الشوكاني: " وإن هذا لمن أعجب ما يسمعه من يعرف أن هذا القرآن ما زال ينزل مفرقا على حسب الحوادث المقتضية لنزوله منذ نزول الوحي على رسول الله ﵌ إلى أن قبضه الله إليه وكل عاقل فضلا عن عالم لا يشك أن هذه الحوادث المقتضية نزول القرآن متخالفة باعتبار نفسها بل قد تكون متناقضة كتحريم أمر كان حلالا وتحليل أمر كان حراما وإثبات أمر لشخص أو أشخاص يناقض ما كان قد ثبت لهم قبله، وتارة يكون الكلام مع المسلمين وتارة مع الكافرين وتارة مع من مضي وتارة مع من حضر وحينا في عبادة وحينا في معاملة ووقتا في ترغيب ووقتا في ترهيب وآونة في بشارة وآونة في نذارة وطورا في أمر دنيا وطورا في أمر آخرة ومرة في تكاليف آتية ومرة في أقاصيص ماضية وإذا كانت أسباب النزول مختلفة هذا الاختلاف ومتباينة هذا التباين الذي لا يتيسر معه الائتلاف فالقرآن النازل فيها هو باعتباره نفسه مختلف كاختلافها فكيف يطلب العاقل المناسبة بين الضب والنون والماء والنار والملاح والحادي "

стр. 6

ونحو هذا ما قال الإمام العز بن عبد السلام كما نقل عنه الزركشي في البرهان: قال الإمام العز بن عبد السلام ﵀ " المناسبة علم حسن ولكن يشترط فى حسن ارتباط الكلام أن يقع فى أمر متحد مرتبط أوله بآخره فإن وقع على أسباب مختلفة لم يشترط فيه ارتباط أحدهما بالآخر قال ومن ربط ذلك فهو متكلف بما لا يقدر عليه إلا برباط ركيك يصان عنه حسن الحديث فضلا عن أحسنه فإن القرآن نزل فى نيف وعشرين سنة فى أحكام مختلفة ولأسباب مختلفة وما كان كذلك لا يتأتى ربط بعضه ببعض إذ لا يحسن أن يرتبط تصرف الإله فى خلقه وأحكامه بعضها ببعض مع اختلاف العلل والأسباب كتصرف الملوك والحكام والمفتين وتصرف الإنسان نفسه بأمور متوافقة ومتخالفة ومتضادة وليس لأحد أن يطلب ربط بعض تلك التصرفات مع بعض مع اختلافها فى نفسها واختلاف أوقاتها انتهى ". (١) إلا أن العز ﵀ لا ينكر وجود المناسبة على الإطلاق ولكنه يستحسنها إذا وقعت بين كلام متحد مرتبط أوله بأخرى. وأقول لقد نزل القرآن الكريم مفرقا حسب الحوادث والنوازل ومراعاة للتدرج في التشريع ولكنه جمع في الصدور والسطور وفقا لما هو عليه في اللوح المحفوظ حيث كان جبريل ﵇ يعلم رسول الله ﷺ بموضع كل آية في سورتها، إضافة إلى ترتيب السور كما سيأتي بيانه، فإذا كان في نزوله منجما حكم وفوائد لا تخفى فإن في جمعه على هذا الترتيب التوقيفي حكم وفوائد، وإذا كان في نزوله منجما سمة من سماته التي تفرد بها عن الكتب السابقة فإن هذا الترتيب سمة من سماته، وهل يعقل أن يكون ترتيبه في المصحف على غير ترتيب نزوله ثم لا يكون لذلك حكمة؟ ولماذا نجتهد في التماس حكم ومقاصد التشريعات الإلهية ثم نطالب بتجاهل الحكم من الترتيب الإلهي للمصحف الشريف!

стр. 7

قال الإمام الزركشي في البرهان: " قال بعض مشايخنا المحققين قد وهم من قال لا يطلب للآى الكريمة مناسبة لأنها حسب الوقائع المتفرقة وفصل الخطاب أنها على حسب الوقائع تنزيلا وعلى حسب الحكمة ترتيبا فالمصحف كالصحف الكريمة على وفق ما فى الكتاب المكنون مرتبة سوره كلها وآياته بالتوقيف، وحافظ القرآن العظيم لو استفتى فى أحكام متعددة أو ناظر فيها أو أملاها لذ كر آية كل حكم على ما سئل وإذا رجع إلى التلاوة لم يتل كما أفتى ولا كما نزل مفرقا بل كما أنزل جملة إلى بيت العزة ومن المعجز البين أسلوبه ونظمه الباهر فإنه (كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير) (١) قال: والذى ينبغى فى كل آية أن يبحث أول كل شىء عن كونها مكملة لما قبلها أو مستقلة ثم المستقلة ما وجه مناسبتها لما قبلها ففى ذلك علم جم وهكذا فى السور يطلب وجه اتصالها بما قبلها وما سيقت له " (٢) وأقول أيضا ليست كل السور القرآنية نزلت منجمة بل إن من السور الطوال ما نزل جملة كسورة الأنعام مثلا، وسورة الفاتحة وغيرها فهل لا نطلب لها مناسبة أيضا؟ (٣) كما أن بعض السور نزلت منها مقاطع كبيرة جملة واحدة فهل نترك الحديث عن ترابطها وتناسبها؟

стр. 8

كما أقول: أليس من العجيب أن ينتقد الشوكاني البقاعي بسبب اهتمامه بهذا العلم في تفسيره نظم الدرر؟ ثم نراه يثني على هذا التفسير وعلى مسلك صاحبه فيه فيقول في كتابه البدر الطالع خلال ترجمته له: " ومن أمعن النظر في كتابه المترجم له في التفسير الذي جعله في المناسبات بين الآي والسور علم أنه من أوعية العلم المفرطين في الذكاء الجامعين بين علم المعقول والمنقول، وكثير ما يشكل على شيء في الكتاب فأرجع إلى مطولات التفسير ومختصراتها فلا أجد ما يشفي وأرجع إلى هذا الكتاب - نظم الدرر - فأجد فيه ما يفيد في الغالب ". (١) ويزعم الشوكاني أن البحث في هذا العلم ما هو إلا " فتح لأبواب الشك وتوسيع دائرة الريب على من في قلبه مرض أو كان مرضه مجرد الجهل والقصور فإنه إذا وجد أهل العلم يتكلمون في التناسب بين جميع آي القرآن ويفردون ذلك بالتصنيف تقرر عنده أن هذا أمر لا بد منه وأنه لا يكون القرآن بليغا معجزا إلا إذا ظهر الوجه المقتضى للمناسبة وتبين الأمر الموجب للارتباط فإن وجد الاختلاف بين الآيات فرجع إلى ما قاله المتكلمون في ذلك فوجده تكلفا محضا وتعسفا بينا انقدح في قلبه ما كان عنه في عافية وسلامة " (٢) أقول إن تناسب الآيات والسور جانب من جوانب البلاغة القرآنية حيث جودة السبك وروعة النظم وجمال التراكيب وبراعة الأساليب وهذا التناسب وجه من وجوه الإعجاز ولم يقل أحد أن الإعجاز قائم عليه وحده، أو أن البلاغة القرآنية لا تتمثل إلا فيه فجوانب الإعجاز متعددة، وبلاغة القرآن متشعبة وأساليبها وألوانها عديدة ٠

стр. 9

وهل قال أحد بأن البحث في الإعجاز البلاغي في القرآن الكريم قد يوهم بأنه لا إعجاز إلا من هذا الجانب؟ فلا ينبغي البحث في بلاغة القرآن حتى لا يتوهم أحد أن القرآن لن يكون معجزا إلا إذا بحثنا في بلاغته؟ بل إن البحث في هذا العلم يزداد به المؤمن إيمانا ويقينا ويفند مزاعم أهل الكفر والضلال الذين يزعمون أن القرآن لا ترتيب له. ويقول الشوكاني ظانا بأن هذا العلم لا فائدة منه "وما أقل نفع مثل هذا وأنذر ثمرته وأحقر فائدته بل هو عن من يفهم ما يقول وما يقال له من تضييع الأوقات وإنفاق الساعات في أمر لا يعود بنفع على فاعله ولا على من يقف عليه من الناس " (١) وأقول إن لهذا العلم فوائد جمة إذ من خلاله يتجلى لنا وجه من وجوه الإعجاز القرآني وسمة من سماته والحكمة من ترتيبه، كما نستعين به في تدبر كلام الله عزوجل ودراسته، وفهم معانيه ومقاصده وغير ذلك من الفوائد التي نتحدث عتها في موضعها إن شاء الله، وهو من تدبر كلام الله وبه نستخلص العبر والعظات ونتعرف على مقاصد السور والآيات وقد أمرنا الله بالتدبر في كتابه الكريم قال تعالى ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا ﴿٨٢﴾ ﴾ وقال سبحانه ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الألْبَابِ ﴿٢٩﴾ ﴾

стр. 10

ويقول الشوكاني أيضا منكرا لإمكانية الربط بين الآيات والسور والتماس الوحدة الموضوعية للقرآن " وأنت تعلم أنه لو تصدى رجل من أهل العلم للمناسبة بين ما قاله رجل من البلغاء من خطبه ورسائله وإنشاءاته أو إلى ما قاله شاعر من الشعراء من القصائد التي تكون تارة مدحا وأخرى هجاء وحينا نسيبا وحينا رثاء وغير ذلك من الأنواع المتخالفة فعمد هذا المتصدي إلى ذلك المجموع فناسب بين فقره ومقاطعه ثم تكلف تكلفا آخر فناسب بين الخطبة التي خطبها في الجهاد والخطبة التي خطبها في الحج والخطبة التي خطبها في النكاح ونحو ذلك وناسب بين الإنشاء الكائن في العزاء والإنشاء الكائن في الهناء وما يشابه ذلك لعد هذا المتصدي لمثل هذا مصابا في عقله متلاعبا بأوقاته عابثا بعمره الذي هو رأس ماله وإذا كان مثل هذا بهذه المنزلة وهو ركوب الأحموقة في كلام البشر فكيف تراه يكون في كلام الله سبحانه الذي أعجزت بلاغته بلغاء العرب وأبكمت فصاحته فصحاء عدنان وقد علم كل مقصر وكامل أن الله سبحانه وصف هذا القرآن بأنه عربي وأنزله بلغة العرب وسلك فيه مسالكهم في الكلام وجرى به في الخطاب وقد علمنا أن خطيبهم كان يقوم المقام الواحد فيأتي بفنون متخالفة وطرائق متباينة فضلا عن المقامين فضلا عن المقامات فضلا عن جميع ما قاله ما دام حيا وكذلك شاعرهم ولنكتف بهذا التنبيه على هذه المفسدة التي تعثر في ساحاتها كثير من المحققين وإنما ذكرنا هذا البحث في هذا الموطن لأن الكلام هنا قد انتقل مع بني إسرائيل بعد أن كان قبله مع أبي البشر آدم ﵇ فإذا قال متكلف كيف ناسب هذا ما قبله قلنا لا كيف فدع عنك نهبا صيح في حجراته وهات حديثا ما حديث الرواحل ". (١) أقول: وهل من المعقول أن يقاس كلام البشر على كلام خالق البشر؟ هل هذا الأمر مقبول؟ وهل يستوي وحي من الله منزل وقافية في العالمين شرود

стр. 11

هل نقارن كلام البشر الذي لا يخلو من الخلل والقصور مع كلام اللطيف الخبير العليم بذات الصدور؟ هل نسوي بين هذا وذاك؟ والله تعالى يقول عن كتابه الكريم ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ﴿١﴾ ﴾ [سورة هود] فهو كتاب محكم في نظمه محكم في مقاصده محكم في بنائه محكم في اتساقه. وهو كتاب يشبه بعضه بعضا في روعة الأساليب ودقة الألفاظ وسمو المقاصد ووحدة البناء وتناسب الآيات وترابط السور قال تعالى في سورة ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴿٢٣﴾ ﴾ هذا رد إجمالي على كلام الإمام الشوكاني ﵀، وإن خفاء أوجه المناسبة ليس حجة في إنكارها وقد قيل فإذا لم تر الهلال فسلم لأناس رأوه بالأبصار ومن العجيب أنه مع موقفه المانع للمناسبة كما هو واضح من كلامه نراه في تفسيره قد أورد عديدا من المناسبات لنا معها وقفة إن شاء الله ٠ من خلال المبحث اللاحق حيث نقدم ردودا تفصيلية على بعض القضايا المثارة. المبحث الثاني ردود تفصيلية المطلب الأول: زعمه أن المناسبات علم بلا فائدة يدعي الإمام الشوكاني أن علم المناسبات علم بلا فائدة، والحق أن لهذا العلم فوائد عديدة وثمرات نافعة عنها نتحدث في هذا المبحث إن شاء الله: فنقول وبالله التوفيق: من فوائد دراسة هذا العلم: معرفة وجه من وجوه إعجاز القرآن الكريم: القرآن الكريم: حجة الله البالغة وآياته المتجددة ومعجزة الرسول الخالدة، معجزة لكل جيل وقبيل، معجزة في كل عصر ومصر، معجزة للبشرية جمعاء في شتى أطوار حياتها بل معجزة أيضا للجن

стр. 12

قال تعالى ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ﴿٨٨﴾ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا ﴿٨٩﴾ ﴾ ومن أبرز وجوه إعجاز القرآن الكريم: إعجازه بحسب تناسب آياته وتناسق وتعانق سوره، فالقرآن الكريم وحدة موضوعية واحدة وآياته وسوره بناء واحد: كالدر يزداد حسنا وهْوَ منتظم وليس ينقص قدرا غير منتظم ولقد ذكر السيوطي في كتابه معترك الأقران في إعجاز القرآن من ضمن وجوه الإعجاز [الوجه الرابع من وجوه الإعجاز: مناسبة آياته وسوره وارتباط بعضها ببعض حتى تكون كالكلمة الواحدة متسقة المعاني منتظمة المباني] لكنه كرر في هذا المقام ما سبق وأن ذكره في الإتقان (١) وقال الإمام الرازي في تفسيره لسورة البقرة: " ومن تأمل في لطائف نظم هذه السورة وفي بدائع ترتيبها علم أن القرآن كما أنه معجز بحسب فصاحة ألفاظه وشرف معانيه فهو أيضا بحسب ترتيبه ونظم آياته ولعل الذين قالوا إنه معجز بحسب أسلوبه أرادوا ذلك إلا أني رأيت جمهور المفسرين معرضين عن هذه اللطائف غير منتبهين لهذه الأسرار وليس الأمر في هذا الباب إلا كما قيل: والنجم تستصغر الأبصار صورته * والذنب للطرف لا للنجم في الصغر " (٢) . ويقول الباقلاني في كتابه إعجاز القرآن: " والوجه الثالث من وجوه إعجازه: " أنه بديع النظم عجيب التأليف متناه في البلاغة إلى الحد الذي يعلم عجز الخلق عنه. ".

стр. 13

ويقول أيضا " ... وقد تأملنا نظم القرآن فوجدنا جميع ما يتصرف فيه من الوجوه (١) التي قدمنا ذكرها على حد واحد في حسن النظم وبديع التأليف والرصف لا تفاوت فيه ولا انحطاط عن المنزلة العليا ولا إسفاف فيه إلى الرتبة الدنيا وكذلك قد تأملنا ما يتصرف إليه وجوه الخطاب من الآيات الطويلة والقصيرة فرأينا الإعجاز في جميعها على حد واحد لا يختلف، وكذلك قد يتفاوت كلام الناس عند إعادة ذكر القصة الواحدة تفاوتا بينا ويختلف اختلافا كبيرا ونظرنا القرآن فيما يعاد ذكره من القصة الواحدة فرأيناه غير مختلف ولا متفاوت " (٢) ويقول أيضا: " فأما نهج القرآن ونظمه وتأليفه ورصفه فإن العقول تتيه في جهته وتحار في بحره وتضل دون وصفه. ونحن نذكر لك في تفصيل هذا ما تستدل به على الغرض وتستولي به على الأمد وتصل به إلى المقصد وتتصور إعجازه كما تتصور الشمس وتتيقن تناهي بلاغته كما تتيقن الفجر وأقرب عليك الغامض وأسهل عليك العسير، واعلم أن هذا علم شريف المحل عظيم المكان قليل الطلاب ضعيف الأصحاب. (٣)

стр. 14

ثم يذكر الباقلاني نماذج عديدة تدل على روعة النظم القرآني نذكر منها ما يلي: " تأمل السورة التي يذكر فيها النمل وانظر فيها كلمة كلمة وفصلا فصلا؛ بدأ بذكر السورة إلى أن بين أن القرآن من عنده فقال تعالى (وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم) ثم وصل بذلك قصة موسى ﵇ وأنه رأى نارا (فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا سآتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون) وقال في سورة طه في هذه القصة (لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى) وفي موضع (لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون) قد تصرف في وجوه وأتى بذكر القصة على ضروب ليعلمهم عجزهم عن جميع طرق ذلك ولهذا قال (فليأتوا بحديث مثله) ليكون أبلغ في تعجيزهم وأظهر للحجة عليهم، وكل كلمة من هذه الكلمات وإن أنبأت عن قصة فهي بليغة بنفسها تامة في معناها ثم قال ﴿فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين﴾ فانظر إلى ما أجرى له الكلام من علو أمر هذا النداء وعظم شأن هذا الثناء وكيف انتظم مع الكلام الأول وكيف اتصل بتلك المقدمة وكيف وصل بها ما بعدها من الإخبار عن الربوبية وما دل به عليها من قلب العصا حية وجعلها دليلا يدله عليه ومعجزة تهديه إليه، وانظر إلى الكلمات المفردة القائمة بأنفسها في الحسن وفيما تتضمنه من المعاني الشريفة ثم ما شفع به هذه الآية وقرن به هذه الدلالة من اليد البيضاء عن نور البرهان من غير سوء، ثم انظر فيه آية آية وكلمة كلمة هل تجدها كما وصفنا من عجيب النظم وبديع الرصف فكل كلمة لو أفردت كانت في الجمال غاية وفي الدلالة آية فكيف إذا قارنتها أخواتها وضامتها ذواتها مما تجري في الحسن مجراها وتأخذ في معناها، ثم من قصة إلى قصة ومن باب إلى باب من غير خلل يقع في نظم الفصل إلى الفصل وحتى يصور لك الفصل وصلا ببديع التأليف وبليغ التنزيل، وإن أردت أن تتبين ما

стр. 15

قلناه فضل تبين وتتحقق بما ادعيناه زيادة تحقق فإن كنت من أهل الصنعة فاعمد إلى قصة من هذه القصص وحديث من هذه الأحاديث فعبر عنه بعبارة من جهتك وأخبر عنه بألفاظ من عندك حتى تري فيما جئت به النقص الظاهر وتتبين في نظم القرآن الدليل الباهر ". (١) وقال الأستاذ الرافعي (٢) في كتابه إعجاز القرآن والبلاغة النبوية: " من أعجب ما اتفق في هذا القرآن من وجوه إعجازه أن معانيه تجري في إحكام النظم مجرى ألفاظه على ما بيناه من أمرها -يعني ما سبق أن ذكره عن جمالها وروعتها وبلاغتها -[إن هذا الإعجاز في معني القرآن وارتباطها أمر لا ريب فيه وهو أبلغ في معناه إذا انتبهت إلى أن السورة لم تنزل على هذا الترتيب فكان الأحرى ان لا تلتئم وأن لا يناسب بعضها بعضا وأن تذهب آياتها في الخلاف كل مذهب، ولكنه روح من أمر الله تفرق معجزا فلما اجتمع اجتمع له إعجاز آخر ليتذكر به أولوا الألباب] (٣) ويقول ﵀ [وإنك لتحار إذا تأملت تركيب القرآن ونظم كلماته في الوجوه المختلفة التي يتصرف فيها وتقعد بك العبارة إذا أنت حاولت أن تمضي في وصفه حتى لا ترى في اللغة كلها أدل على غرضك وأجمع لما في نفسك وأين لهذه الحقيقة غير كلمة الإعجاز] (٤) ويقول الدكتور محمد عبد الله دراز ﵀: " لعمري لئن كان للقرآن في بلاغة تعبيره معجزات وفي أساليب ترتيبه معجزات، وفي نبوءته الصادقة معجزات، وفي كل ما استخدمه من حقائق العلوم النفسية والكونية معجزات، لعمري إنه في ترتيب آياته معجزة المعجزات " (٥) الاستعانة بعلم المناسبات في فهم المعنى:

стр. 16

لا غنى للمفسر عن دراسة هذا العلم والتعمق فيه فمن خلاله يستعين على فهم المعنى أو الترجيح بين الآراء في ضوء السياق، أو إزالة لبس أو إشكال، أو دفع إيهام، أو معرفة الحكمة من إيراد القصص القرآني، أو غير ذلك من الفوائد؛ لذا فلا بد من النظرة الكلية الشاملة والتأمل في مقاصد السورة وتعيين المحور العام الذي تدور حوله، وتقسيم الآيات إلى مقاطع كل مقطع يمثل وحدة موضوعية واحدة مترابطة ومستمسكة ومتناسقة مع سابقها ولاحقها. يقول الإمام الرازي ﵀ " علم المناسبات علم عظيم أودع فيه كثير من لطائف القرآن وروائعه وهو أمر معقول إذا عرض على العقول تلقته بالقبول ". (١) وقال الزركشي: " والذى ينبغى فى كل آية أن يبحث أول كل شىء عن كونها مكملة لما قبلها أو مستقلة ثم المستقلة ما وجه مناسبتها لما قبلها ففى ذلك علم جم وهكذا فى السور يطلب وجه اتصالها بما قبلها وما سيقت له " (٢) الوقوف على سمة خاصة من سمات القرآن الكريم: كما تفرد القرآن الكريم بنزوله منجما - حسب الحوادث والنوازل - على غير ما هو معهود في الكتب السابقة التي نزلت جملة واحدة: فلقد تميز القرآن المجيد بهذا النظم الفريد، وهذا السبك النضيد، وهذا التصريف العجيب، وهذا التنوع في الأساليب، والثراء في الأداء، والانتقال من موضوع إلى موضوع ومن حكمة إلى حكمة ومن قصة إلى قصة ومن مثل إلى مثل، دون أن يؤدي ذلك إلى اضطراب أو خلل، أوسآمة أو ملل، أو تناقض أو اختلاف، بل تناسق وائتلاف، مراعاة لطبيعة النفوس وتيسيرا على القراء وتبصرة وتذكرة للألباء.

стр. 17

مائدة عامرة زاخرة، وحدائق ذات بهجة، ناضرة مزهرة، غناء مثمرة، تسر العيون الناظرة، قد تشابكت أغصانها وتعانقت أزهارها وتآلفت أطيارها وتشابهت ثمارها، وامتزجت جداولها وانتظمت دررها واتسقت جواهرها في عقد نظيم: كالدر يزداد حسنا وهو منتظم..... وليس ينقص قدرا غير منتظم قال تعالى في سورة الإسراء ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُواْ وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُورًا ﴿٤١﴾ ﴾ وقال تعالى في سورة طه ﴿وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا ﴿١١٣﴾ ﴾ وقال سبحانه في سورة الفرقان مبينا الحكمة من نزول القرآن منجما ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلا ﴿٣٢﴾ ﴾ فمجيء القرآن منجما على مدار ثلاث وعشرين سنة حسب ما تقتضيه الحوادث والنوازل وما يتناسب مع الظروف والأحوال وما يتواكب مع المراحل التي مرت بها الدعوة ثم ترتيبه حسب ما هو موجود في اللوح المحفوظ بهذه الحكمة والروعة: سمة من سمات هذا القرآن،وخاصية من خصائصه التي تفرد بها عن الكتب السابقة التي نزلت جملة ...

стр. 18

ومع تنوع موضوعات السورة الواحدة حيث الأحكام والعقيدة والقصص والأمثال والوعد والوعيد إلا أننا نجدها مجتمعة في سياق واحد متناسبة متناسقة تصب كلها في هدف واحد وتدور كلها حول محور واحد وينظمها عقد واحد، ويربطها رابط واحد فلا تناقض ولا اضطراب ولا تفكك ولا تنافر بين الموضوعات، فهذا الترتيب متوافق مع الهدف العام للقرآن وهو التذكير المتجدد مصداقا لقوله ﴿وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا ﴿١١٣﴾ ﴾ سورة طه

стр. 19

وعن ذلك يقول صاحب مناهل العرفان مبينا خاصية من خواص القرآن وهي: " جودة سبكه وإحكام سرده: ومعنى هذا أن القرآن بلغ من ترابط أجزائه وتماسك كلماته وجمله وآياته وسوره مبلغا لا يداينه فيه أي كلام آخر مع طول نفسه وتنوع مقاصده وافتنانه وتلوينه في الموضوع الواحد وآية ذلك أنك إذا تأملت في القرآن الكريم وجدت منه جسما كاملا تربط الأعصاب والجلود والأغشية بين أجزائه، ولمحت فيه روحا عاما يبعث الحياة والحس على تشابك وتساند بين أعضائه فإذا هو وحدة متماسكة متآلفة على حين أنه كثرة متنوعة متخالفة فبين كلمات الجملة الواحدة من التناسق ما جعلها رائعة التجانس والتجاذب وبين جمل السورة الواحدة من التشابك والترابط ما جعلها وحدة صغيرة متآخذة الأجزاء متعانقة الآيات وبين سور القرآن من التناسب ما جعله كتابا حسن السمت قرءانا عربيا غير ذي عوج فكأنما هو سبيكة واحدة تأخذ بالأبصار على حين أنها مؤلفة من حلقات لكل حلقة منها وحدة مستقلة في نفسها ذات أجزاء ولكل جزء موضع خاص من الحلقة ولكل حلقة وضع خاص من السبيكة لكن على وجه من جودة السبك وإحكام السرد جعل من هذه الأجزاء المنتشرة المتفرقة وحدة بديعة متآلفة تريك كمال الانسجام بين كل جزء وجزء ثم بين كل حلقة وحلقة ثم بين أوائل السبيكة وأواخرها وأواسطها، يعرف هذا الإحكام والترابط في القرآن كل من ألقى باله إلى التناسب الشائع فيه من غير تفكك ولا تخاذل ولا انحلال ولا تنافر بينما الموضوعات مختلفة متنوعة فمن تشريع إلى قصص إلى جدل إلى وصف إلى غير ذلك. " (١) الرد على شبهات أثارها أعداء الإسلام حول الوحدة الموضوعية للقرآن؛

стр. 20

فلقد طعن كثير من المستشرقين والمنصّرين في الوحدة، وزعموا أن آيات القرآن لا يجمعها سياق وليس بينها وفاق، وأوصوا بإعادة ترتيب القرآن وفق أسباب نزوله تيسيرا للقارئ وإعانة له على فهم المعنى –على حسب زعمهم الباطل وفهمهم السقيم – يقول المستشرق الفرنسي بلاشير (١) : " إن إعادة ترتيب السور الذي اقترحه [نولدكه] (٢) ينال هنا كامل الأهمية لأنه يلقي على المصحف أضواء مطمئنة ويرد وضع النصوص إلى آفاق سهلة الإدراك لكونها مقرونة إلى السياق التاريخي المعقول [يعني وفق نزولها] ٠ " ويقول بلاشير أيضا: " ويتوصل القارئ الغربي إذ ذاك بمنطق لا تكلف فيه إلى الاقتناع بأن الحياة قد أعيدت للصحف فما عاد يظهر على شكل متتابع مصطنع وغير منتظم للنصوص بل على شكل سلسلة من الموضوعات عالجها محمد خلال عشرين عاما وفقا لمقتضيات دعوته ٠" ثم يقول في الموضوع نفسه " والمهم منذ تلك اللحظة أن يقبل قارئ القرآن بالانقياد وتدل التجربة فيما يبدو أن التقيد بالمراحل الزمنية للترتيب الذي اقترحه نولدكه وأخذ به بعض المترجمين يجعل قراءة المصحف سهلة بل ممتعة " (٣)

стр. 21

وما ذهب إليه بلاشير ومن قبله نولدكه أغرب إليه المستشرق اليهودي جولدزيهر في كتابه مذاهب التفسير الإسلامي، حيث يقول: " إن القرآن في جميع الشوط القديم للتاريخ الإسلامي لم يحرز الميل إلى التوحيد العقدي للنص إلا انتصارات طفيفة " (١) وهكذا توطأ أعداء الإسلام وتواصوا على هذه المزاعم الباطلة التي تدل على قصور فهمهم وسطحية دراستهم أو تنبيء عن سوء النوايا وخبث الطوايا. ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ ﴿٥٣﴾ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنتَ بِمَلُومٍ ﴿٥٤﴾ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ﴿٥٥﴾ ﴾ سورة الذاريات ٠ ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُم بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ ﴿٣٢﴾ أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لا يُؤْمِنُونَ ﴿٣٣﴾ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ﴾ ﴿٣٤﴾ سورة الطور

стр. 22

من هنا ندرك مدى أهمية دراسة الوحدة الموضوعية التي تجيب عن كثير من التساؤلات وتفند العديد من الشبهات، ولقد فطن إلى ذلك واحد من أهم المهتمين بهذا الجانب وهو الشيخ سعيد حوى ﵀ يقول في مقدمة كتابه الأساس في التفسير - ذلك الكتاب الذي يشتمل على نظرية متكاملة في الوحدة الموضوعية للقرآن الكريم يقول مبينا سر اهتمامه بهذا الموضوع -: " ولقد سئلت أكثر من مرة من بعض من عرضت عليهم وجهة نظري في فهمي للصلة بين الآيات والسور عن فائدة هذا الموضوع وكنت أجيبه بأن هذا الموضوع فيه رد على شبهة أعداء الإسلام الذين زعموا أن هذا القرآن لا يجمع آياته في السورة الواحدة جامع ولا يربط بين سوره رابط، وذلك لا يليق بكلام البشر فكيف بكلام رب العالمين، إنها لشبهة فظيعة جدا أن يحاول محاول إشعار مسلم بأن كتاب الله ينزل عن كتاب البشر في هذا الشأن، وقد استطعت بحمد الله أن أبرهن على أن كمال القرآن في وحدة آياته في السورة الواحدة وكماله في الوحدة الجامعة التي تجمع ما بين سوره وآياته على طريقة لم يعرف لها العالم مثيلا، ولا تخطر على قلب بشر (١) ، لقد استطعت بهذا أن أرد السهم إلى كبد راميه من أعداء الله في هذه النقطة بالذات " (٢) أقول وهذه حكمة من حكم العليم الخبير أن يقيض من أعداء الدين من يخدم الإسلام من حيث لا يشعرون، فإن إثارة أعداء الإسلام لهذه الشبهة الباطلة دفع الكثير من الغيورين إلى دراسة هذا الموضوع بتعمق. (٣)

стр. 23

وصدق الشاعر أبو تمام في قوله وإذا أراد الله نشر فضيلة طويت أتاح له لسان حسود لولا اشتعال النار فيما جاورت ما كان يعرف طيب عرف العود مما سبق يتضح لنا: أهمية بل ضرورة دراسة علم المناسبات هذا العلم الذي لا غنى عنه للمفسر في فهم المعنى والترجيح بين الآراء، أو دفع إيهام أو إزالة لبس، فضلا عن إبراز جانب من جوانب الإعجاز القرآني في تناسب آياته ووحدة سوره، إلى جانب الرد عن شبهات أعداء الإسلام حول ترتيب القرآن. أهم المؤلفات التي عنيت بهذا العلم (١) : ونظرا لأهمية هذا العلم فلقد عني به كثير من المفسرين قديما وحديثا، وتناوله العلماء في كتب علوم القرآن، وأفرده بعضهم بالتأليف، وفيما يلي نشير إلى أهم الكتب التي عنيت به: - الإتقان في علوم القرآن للسيوطي. - الإعجاز البياني في ترتيب آيات القرآن وسوره رسالة علمية للدكتور محمد أحمد يوسف القاسم الأستاذ بجامعة الأزهر وأم القرى وفيها تعريف بهذا العلم وأهميته وأنواع المناسبات في القرآن الخ. - البرهان في تناسب سور القرآن لأبي جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير- طبع بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بتحقيق سعيد جمعة الفلاح. - البرهان في علوم القرآن لبدر الدين الزركشي ت ٧٩٤. - تناسق الدرر في تناسب السور لجلال الدين السيوطي ت٩١١ ﵀. - جواهر البيان في تناسب سور القرآن لعبد الله محمد بن صديق الغماري. - ربط السور والآيات لمحمد بن المبارك المعروف بحكيم شاه القزويني ت ٩٢٠هـ - سمط الدرر في ربط الآيات والسور لمحمد ظاهر بن غلام من علماء الهند ت ١٤٠٧هـ - معترك الأقران في علوم القرآن للسيوطي. - مناهل العرفان في علوم القرآن للأستاذ عبد العظيم الزرقاني - النبأ العظيم للدكتور محمد عبد الله دراز ﵀.

стр. 24

- نظرة العجلان في أغراض القرآن لابن شهيد ميسلون محمد بن كمال الخطيب، وفي هذا الكتاب ذهب مؤلفه إلى أن سورة الفاتحة محور للقرآن الكريم كله. - الوحدة الموضوعية للسورة القرآنية دراسة للدكتور رفعت فوزي عبد المطلب ط دار السلام بالقاهرة. - الوحدة الموضوعية للقرآن الكريم للدكتور محمد محمود حجازي ﵀ صاحب التفسير الواضح، وفي رسالته هذه يتناول وحدة الموضوع في القرآن. ومن كتب التفسير: ١- إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم للعلامة أبى السعود (محمد بن محمد مصطفى العمادى الحنفى ت ٩٨٢ هـ. ٢- الأساس فى التفسير للشيخ سعيد حوى ﵀ ت ١٤٠٩ هـ ٣- أضواء البيان فى إيضاح القرآن بالقرآن للشنقيطى محمد الأمين بن محمد المختار الجكنى ت ١٩٩٣هـ ٤- أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوى (عبد الله بن عمر ت ٦٨٥هـ) ٥ - البحر المحيط للإمام محمد بن يوسف الشهير بأبي حيان الأندلسى ت ٧٥٤ هـ ٦ - تفسير ابن جزي الكلبي ط دار الكتاب العربي بيروت ١٤٠٣هـ تفسير القرآن الحكيم المشتهر باسم تفسير المنار للسيد محمد رشيد رضا التحرير والتنوير للأستاذ محمد الطاهر بن عاشور ت ١٣٩٣هـ - التفسير القرآنى للقرآن للأستاذ عبد الكريم الخطيب التفسير القيم لإمام ابن القيم جمعه محمد أويس الندوي وحققه ا/محمد حامد الفقي التفسير المنير لوهبة الزحيلي ١٢- حاشية الصاوى على الجلالين للإمام أحمد بن محمد الصاوى المصرى المالكى ت سنة ١٢٤١ هـ- ١٣- حاشية محى الدين شيخ زادة على تفسير البيضاوى ١٤- روح البيان للبروسوى إسماعيل حقى البروسوى ت سنة ١٣٧٠ هـ ١٥ - روح المعانى فى تفسير القرآن العظيم والسبع المثانى للإمام الألوسى شهاب الدين السيد محمود الألوسى ت ١٢٧٠ هـ ...

стр. 25

١٦- السراج المنير فى الإعانة على معرفة بعض معانى كلمات ربنا الحكيم الخبير للإمام شمس الدين محمد بن أحمد الخطيب الشربينى ت ٩٧٧ هـ ١٧- غرائب القرآن ورغائب الفرقان لنظام الدين النيسابورى ت ٧٢٨ هـ ١٨- الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية للإمام سليمان بن عمر العجيلى الشافعى الشهير بالجمل ت ١٢٠٤ هـ ١٩- فى ظلال القرآن للأستاذ سيد قطب ت ١٩٦٦م ٢٠- لطائف الإشارات للإمام عبد الكريم القشيرى ت ٤٦٥ هـ ٢٤-مفاتيح الغيب (التفسير الكبير) للإمام فخر الدين الرازى ت ٦٠٦ هـ ٠ ٢٥- الميزان فى تفسير القرآن للأستاذ محمد حسين الطباطبائى ٠ ٢٦- نظم الدرر فى تناسب الآيات والسور لبرهان الدين البقاعى المطلب الثاني زعمه أنه لا يطلب للآيات مناسبة لأنها نزلت متفرقة حسب الحوادث والنوازل حقائق مهمة لابد من بيانها: قد يتعلل بعض المعارضين لعلم المناسبات بأن القرآن الكريم نزل مفرقا حسب الحوادث والنوازل فلا مجال لتكلف البحث في أوجه ترابطه، ونرد على هؤلاء بالتذكير بالحقائق الآتية: ترتيب المصحف كما في اللوح المحفوظ القرآن الكريم كما نعلم مسجل في اللوح المحفوظ، أخبر بذلك رب العزة فقال " ﴿وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم﴾ . [سورة الزخرف الآية: ٤] " يعني القرآن في اللوح المحفوظ "لدينا لعلي حكيم" أي رفيع محكم لا يوجد فيه اختلاف ولا تناقض؛ وقال الله تعالى: "إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون" [الواقعة:٧٨] وقال تعالى: "بل هو قرآن مجيد. في لوح محفوظ" [البروج: ٢١، ٢٢] . لقد تعددت تنزلات القرآن الكريم: فلقد نزل جملة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة ومن بيت العزة إلى قلب المصطفى ﷺ منجما ...

стр. 26

* روى الطبري في تفسيره عن ابن عباس ﵄ قال: " ليلة القدر هي الليلة المباركة وهي من رمضان نزل القرآن جملة واحدة من الزبر (١) إلى البيت المعمور وهو مواقع النجوم في السماء الدنيا حيث وقع القرآن ثم نزل على محمد بعد ذلك في الأمر والنهي وفي الحروب رسلا رسلا (٢) *وروى الطبري في تفسيره بسنده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال أنزل القرآن في ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء جملة واحدة ثم فرق في السنين بعد، قال: وتلا ابن عباس هذه الآية (فلا أقسم بمواقع النجوم) قال نزل مفرقا (٣) ترتيب القرآن الكريم كما هو عليه في المصحف ترتيب توقيفي على حسب ما هو موجود في اللوح المحفوظ، لا على حسب ترتيب نزوله فهو على حسب الحوادث والنوازل والمصالح تنزيلا وعلى مقتضى الحكمة ترتيبا. أمين الوحي جبريل ﵇ يعلم رسول الله ﷺ ترتيب القرآن: كان الوحي ينزل على الرسول ﷺ وبمجرد فراغ أمين الوحي جبريل ﵇ يكون الموحى به قد جمع في قلب رسول الله ﷺ ، وكان أمين الوحي يخبر رسول الله ﷺ بموضع كل آية من كل سورة.

стр. 27

وكان رسول الله ﷺ عقب نزول الوحي عليه يستدعي الكتبة فيملي عليهم ما أوحي إليه ويعلمهم بموضع الآيات وترتيبها في سورها وترتيب السور أيضا: ومما يدل على ذلك: ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن عثمان بن أبي العاص ﵁ -قال كنت جالسا عند رسول الله ﷺ إذ شخص ببصره ثم صوبه ثم قال أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية هذا الموضع من السورة (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى) الآية سورة النحل ٩٠. (١) * وما رواه مسلم عن عمر ﵁ قال ما سألت النبي عن شيء أكثر مما سألته عن الكلالة حتى طعن بأصبعه في صدري وقال تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء فدله على موضع تلك الآية من سورة النساء وهي قوله سبحانه (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة.) إلى آخر الآية الأخيرة من سورة النساء:. (٢) جبريل ﵇ يدارس رسول الله ﷺ القرآن في كل عام وفق ترتيبه: وفي شهر رمضان من كل عام كان جبريل ﵇ يعارض رسول الله ﷺ بالقرآن، حتى كان العام الذي توفي فيه رسول الله ﷺ عارضه مرتين.

стр. 28

*روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة. (١) * وروى البخاري في صحيحه بسنده عن عائشة ﵂ قالت:

стр. 29

أقبلت فاطمة تمشي كأن مشيتها مشي النبي ﷺ فقال النبي ﷺ : (مرحبا بابنتي) . ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله، ثم أسر إليها حديثا فبكت، فقلت لها: لم تبكين؟ ثم أسر إليها حديثا فضحكت، فقلت: ما رأيت كاليوم فرحا أقرب من حزن، فسألتها عما قال، فقالت: ما كنت لأفشي سر رسول الله ﷺ ، حتى قبض النبي ﷺ فسألتها، فقالت: أسر إلي: (إن جبريل كان يعارضني القرآن كل سنة مرة، وإنه عارضني العام مرتين، ولا أراه إلا حضر أجلي، وإنك أول أهل بيتي لحاقا بي) . فبكيت، فقال: (أما ترضين أن تكوني أهل الجنة، أو سيدة نساء المؤمنين) . فضحكت لذلك. (١) * وروى النسائي في السنن الكبرى بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال كان رسول الله ﷺ يعرض عليه القرآن في كل رمضان فلما كان العام الذي قبض فيه ﷺ عرض عليه مرتين فكان يعتكف العشر الأواخر فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين. (٢) ترتيب القرآن من مظاهر حفظ الله لكتابه:

стр. 30

ومن مظاهر حفظ الله لكتابه أن حفظه مرتبا كما هو في اللوح المحفوظ الذي نزل القرآن منه جملة إلى السماء الدنيا قبل أن ينزل مفرقا حسب النوازل والحوادث والمناسبات قال تعالى في سورة الحجر ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴿٩﴾ ﴾ وقال سبحانه مخاطبا رسوله الكريم ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ﴿١٦﴾ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ﴿١٧﴾ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ﴿١٨﴾ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ﴿١٩﴾ ﴾ سورة القيامة، فالقرآن وإن نزل مفرقا لكن الله تعالى تعهد بجمعه في قلب رسوله ﷺ مرتبا، حيث كان أمين الوحي جبريل ﵇ يبين للرسول ﷺ موضع كل آية ومكان كل سورة ...

стр. 31

ولما جمع القرآن في مصحف واحد في عهد عثمان ﵁ -روعي في جمعه ترتيبه الذي تعلمه الصحابة من رسول الله ﷺ . أما ما رواه الحاكم وغيره عن ابن عباس ﵄ قلت لعثمان بن عفان ﵁ ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني وإلى البراءة وهي من المئين فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتموها في السبع الطوال ما حملكم على ذلك فقال عثمان ﵁ -أن رسول الله ﵁ كان يأتي عليه الزمان تنزل عليه السور ذوات عدد فكان إذا نزل عليه الشيء يدعو بعض من كان يكتبه فيقول ضعوا هذه في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا وتنزل عليه الآية فيقول ضعوا هذه في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا فكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة وبراءة من آخر القرآن فكانت قصتها شبيهة بقصتها فقبض رسول الله ﷺ ولم يبين لنا أنها منها فمن ثم قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم (١)

стр. 32

فعلى فرض صحة الحديث فإن عبد الله بن عباس ﵄ لم يعترض على ترتيبهما في المصحف، وإنما يتساءل عن الحكمة في الإقران بينهما وجعلهما كسورة واحدة واعتبارهما في السبع الطوال، علما بأن الأنفال من المثاني وبراءة من المئين. ولقد رد عثمان ﵁ ببيان أن ترتيب المصحف وفق الترتيب التوقيفي الذي تعلمه الصحابة من رسول الله ﷺ ، لا مجال للاجتهاد في ذلك، وإنما قرن بينهما عثمان واعتبرهما كسورة واحدة لما بينهما من التشابه في الموضوع والهدف مع أن الأنفال من أول ما نزل في المدينة، والتوبة من آخر ما نزل، لكن العبرة ليست بترتيب النزول؛ من ثم لم يقرن بينهما بالبسملة واعتبرهما كوحدة واحدة أو كسورة واحدة بها ينتهي قسم الطوال. ويؤيد هذا ما رواه النحاس في الناسخ والمنسوخ عن عثمان ﵁ -قال: " كانت الأنفال وبراءة يدعيان في زمن رسول الله ﷺ القرينتين، فلذلك جعلتهما في السبع الطوال " (١) يعني عدهما كسورة واحدة تنتهي بها السبع الطوال. فليس في الحديث ما يشير إلى أن عثمان ﵁ هو الذي رتبهما في المصحف أو أنه أدمج بينهما فجعلهما سورة واحدة، ولو كانت الأنفال والتوبة سورة واحدة لكان لهما اسم واحد ولكان عدد السور القرآنية ١١٣ سورة، لكن الأمة مجمعة على أن عدد السور ١١٤، وأن لكل منهما اسما مستقلا٠ وإنما لم تستهل سورة براءة بالبسملة لما ورد في أولها من البراء والوعيد للمشركين؛ فلم تبدأ بالبسملة المتضمنة للرحمة لأن المقام لا يناسبه الحديث عن الرحمة. قال الطيبي: " دل هذا الكلام على أنهما نزلتا منزلة سورة واحدة وكمل السبع الطول بها ثم قيل السبع الطول هي البقرة وبراءة وما بينهما " (٢)

стр. 33

ولقد سبق وأن تحدثت عن مرحلة جمع القرآن في عهد عثمان ﵁ وما اتسم به هذا الجمع من توثيق وضبط، وأن عثمان ﵁ شكل لجنة من كبار القراء أوكل إليهم مهمة الجمع وأشرف عليهم، وأن عثمان ﵁ فعل ما فعل باستشارة الصحابة وما كان ليستبد برأي أو يجتهد مع نص، وما اعترض معترض على ذلك. روى البخاري في صحيحه بسنده عن ابن الزبير قال قلت لعثمان بن عفان ﵁ (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا) البقرة ٢٣٤ نسختها الآية الأخرى فلم تكتبها أو تدعها والمعنى لماذا تكتبها أو قال لماذا تتركها مكتوبة مع أنها منسوخة قال يا ابن أخي لا أغير شيئا من مكانه. (١) تحزيب القرآن وفق ترتيبه: كان للرسول ﷺ ورد يومي من كتاب الله يحرص على قراءته حتى يختم القرآن بين الحين والحين، وكان للصحابة الكرام ﵃ أورادهم اليومية وبعضهم كان يسترشد برسول الله ﷺ في تحديد ورده. *روى الإمام ابن خزيمة في صحيحه بسنده عن أنس ﵁ قال وجد رسول الله ﷺ ذات ليلة شيئا فلما أصبح قيل يا رسول الله إن أثر الوجع عليك لبيّن قال أما إني على ما ترون بحمد الله قد قرأت البارحة السبع الطوال " (٢)

стр. 34

*وروى ابن ماجة في سننه بسنده من حديث أوس بن حذيفة وفيه ٠٠٠ فقلت يا رسول الله لقد أبطأت علينا الليلة قال إنه طرأ على حزبي من القرآن فكرهت أن أخرج حتى أتمه قال أوس فسألت أصحاب رسول الله ﷺ كيف تحزبون القرآن قالوا ثلاث وخمس وسبع وتسع وإحدى عشرة وثلاث عشرة وحزب المفصل. (١) وروى البخاري في صحيحه بسنده من حديث عبد الله بن عمرو وفيه فقال ﷺ له كيف تصوم قلت كل يوم قال وكيف تختم قلت كل ليلة قال ﷺ صم في كل شهر ثلاثة واقرأ القرآن في كل شهر قال قلت أطيق أكثر من ذلك قال صم ثلاثة أيام في الجمعة قلت أطيق أكثر من ذلك قال أفطر يومين وصم يوما قال قلت أطيق أكثر من ذلك قال صم أفضل الصوم صوم داود صيام يوم وإفطار يوم واقرأ في كل سبع ليال مرة فليتني قبلت رخصة رسول الله ﷺ وذاك أني كبرت وضعفت فكان يقرأ على بعض أهله السبع من القرآن بالنهار والذي يقرؤه يعرضه من النهار ليكون أخف عليه بالليل وإذا أراد أن يتقوى أفطر أياما وأحصى وصام أياما مثلهن كراهية أن يترك شيئا فارق النبي ﷺ عليه ". (٢)

стр. 35

وأخرج الإمام أحمد في مسنده عن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله ﷺ ""أعطيت مكان التوراة السبع الطوال، وأعطيت مكان الزبور المئين، وأعطيت مكان الإنجيل المثاني، وفضلت بالمفصل ". (١) فهذه أربع أقسام للقرآن الكريم تدل على ترتيبه التوقيفي. ومما سبق يتبين لنا: * أن القرآن الكريم نزل جملة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة ومن بيت العزة إلى قلب المصطفى ﷺ منجما. * أن ترتيب القرآن كما هو في المصحف توقيفي لا مجال للرأي فيه، وليس للصحابة أي تدخل في شأنه، وإنما كان بأمر من رسول الله ﷺ حيث تعلمه من أمين الوحي جبريل ﵇، وترتيب المصحف وفق ما هو مسجل في اللوح المحفوظ، هذا الترتيب الذي ينطوي على حكم عديدة لا يحيط بها إلا منزل هذا الكتاب ﷻ . أن جبريل ﵇ كان يدارس رسول الله ﷺ القرآن في شهر رمضان من كل عام، حتى كان العام الذي توفي فيه رسول الله ﷺ عارضه فيه مرتين، وذلك بمراعاة ترتيبه الموجود في اللوح المحفوظ والذي عليه المصحف العثماني. كان للرسول ﷺ ورد يومي من كتاب الله يحرص على قراءته حتى يختم القرآن بين الحين والحين، وكان للصحابة الكرام ﵃ أورادهم اليومية، ومنهم من حفظ القرآن كله في حياة الرسول ﷺ ومنهم من أتم حفظه بعد وفاته ﷺ ، كل ذلك حسب ترتيبه

стр. 36

من مظاهر حفظ الله لكتابه أن حفظه مرتبا كما هو في اللوح المحفوظ الذي نزل القرآن منه جملة إلى السماء الدنيا قبل أن ينزل مفرقا حسب النوازل والحوادث والمناسبات. المطلب الثالث: زعمه أن لا مناسبة بين الحديث عن بني إسرائيل في سورة البقرة وبين ما سبقه . ***** ذهب الإمام الشوكاني في تفسيره لقوله تعالى من سورة البقرة ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ﴿٤٠﴾ ﴾ الخ الآيات إلى عدم وجود مناسبة بين الحديث عن بني إسرائيل وما سبقه من قصة آدم وأن البحث في ذلك ضرب من التكلف فالحديث عن بني إسرائيل كلام مستأنف منقطع عما قبله ٠ ولو أمعنا النظر وأطلنا التدبر لوجدنا روابط عديدة ومناسبات كثيرة، لا تحتاج في إبرازها إلى تعسف أو تكلف، لنا معها وقفات في هذا المبحث إن شاء الله فنقول وبالله التوفيق: المناسبة بين الحديث عن بني إسرائيل ومحور السورة ومقاصدها من الركائز الجوهرية والمحاور الأساسية لهذه السورة الكريمة: الحديث عن بني إسرائيل ماضيهم وحاضرهم والكشف عن خباياهم والتحذير من مكائدهم ومفاسدهم، وتذكيرهم بنعم الله عليهم وتحذيرهم من أن يصيبهم مثل ما أصاب أسلافهم، ودعوتهم إلى الإيمان بما أنزل الله على نبيه ومصطفاه ﷺ وفتح باب التوبة والقبول أمامهم، وتحذير المسلمين من أن يتبعوا سننهم، لذا استغرق الحديث عنهم آيات عديدة في مواضع متعددة من السورة الكريمة ...

стр. 37

وسورة البقرة سورة مدنية، بدأ نزولها بعد الهجرة لدعم وبناء المجتمع المسلم الناشئ في ذلك الجو الجديد الذي جمع بين المؤمنين وطوائف أخرى كان من أخطرها طائفتا اليهود والمنافقين فكان من الضروري الحديث عنهما بتفصيل وبيان ناسب وروده في أطول سور القرآن، تلك السورة التي استغرق نزولها تسع سنوات، وكان الحديث عن اليهود خاصة من المحاور الأساسية التي دارت حولها السورة الكريمة ـ فهم أخطر القوى المعادية لهذا الدين ولهم أساليب متنوعة ووسائل عديدة في المكر والخداع والكيد نبهنا القرآن عليها حتى نكون منها على حذر. وفي هذا الشأن يقول الأستاذ سيد قطب ﵀: " حكمة الحديث المطول عن اليهود هذه الحملة - سواء ما ورد منها في هذا الدرس وما يلي منها في سياق السورة - كانت ضرورية أولا وقبل كل شيء لتحطيم دعاوى يهود، وكشف كيدها، وبيان حقيقتها وحقيقة دوافعها في الدس للإسلام والمسلمين. كما كانت ضرورية لتفتيح عيون المسلمين وقلوبهم لهذه الدسائس والمكايد التي توجه إلى مجتمعهم الجديد، وإلى الأصول التي يقوم عليها؛ كما توجه إلى وحدة الصف المسلم لخلخلته وإشاعة الفتنة فيه ...

стр. 38

ومن جانب آخر كانت ضرورية لتحذير المسلمين من مزالق الطريق التي عثرت فيها أقدام الأمة المستخلفة قبلهم، فحرمت مقام الخلافة، وسلبت شرف القيام على أمانة الله في الأرض، ومنهجه لقيادة البشر. وقد تخللت هذه الحملة توجيهات ظاهرة وخفية للمسلمين لتحذيرهم من تلك المزالق كما سيجيء في الشطر الثاني منها، وما كان أحوج الجماعة المسلمة في المدينة إلى هذه وتلك. وما أحوج الأمة المسلمة في كل وقت إلى تملي هذه التوجيهات، وإلى دراسة هذا القرآن بالعين المفتوحة والحس البصير، لتتلقى منه تعليمات القيادة الإلهية العلوية في معاركها التي تخوضها مع أعدائها التقليديين؛ ولتعرف منها كيف ترد على الكيد العميق الخبيث الذي يوجهونه إليها دائبين، بأخفى الوسائل، وأمكر الطرق. . . " (١)

стр. 39

ويبين الأستاذ قطب ﵀ أن الحديث عن بني إسرائيل من الموضوعات الأساسية والركائز الجوهرية لهذه السورة الكريمة فيقول ﵀ " هذه السورة تضم عدة موضوعات. ولكن المحور الذي يجمعها كلها محور واحد مزدوج يترابط الخطان الرئيسيان فيه ترابطا شديدا. . فهي من ناحية تدور حول موقف بني إسرائيل من الدعوة الإسلامية في المدينة، واستقبالهم لها، ومواجهتهم لرسولها ﷺ وللجماعة المسلمة الناشئة على أساسها. . . وسائر ما يتعلق بهذا الموقف بما فيه تلك العلاقة القوية بين اليهود والمنافقين من جهة، وبين اليهود والمشركين من جهة أخرى. . وهي من الناحية الأخرى تدور حول موقف الجماعة المسلمة في أول نشأتها؛ وإعدادها لحمل أمانة الدعوة والخلافة في الأرض، بعد أن تعلن السورة نكول بني إسرائيل عن حملها، ونقضهم لعهد الله بخصوصها، وتجريدهم من شرف الانتساب الحقيقي لإبراهيم - ﵇- صاحب الحنيفية الأولى، وتبصير الجماعة المسلمة وتحذيرها من العثرات التي سببت تجريد بني إسرائيل من هذا الشرف العظيم. . وكل موضوعات السورة تدور حول هذا المحور المزدوج بخطيه الرئيسيين، كما سيجيء في استعراضها التفصيلي "، " ولكي يتضح مدى الارتباط بين محور السورة وموضوعاتها من جهة، وبين خط سير الدعوة أول العهد بالمدينة، وحياة الجماعة المسلمة وملابساتها من الجهة الأخرى. . يحسن أن نلقي ضوءا على مجمل هذه الملابسات التي نزلت آيات السورة لمواجهتها ابتداء. مع التنبيه الدائم إلى أن هذه الملابسات في عمومها هي الملابسات التي ظلت الدعوة الإسلامية وأصحابها يواجهونها - مع اختلاف يسير - على مر العصور وكر الدهور؛ من أعدائها وأوليائها على السواء. مما يجعل هذه التوجيهات القرآنية هي دستور هذه الدعوة الخالد؛ ويبث في هذه النصوص حياة تتجدد لمواجهة كل عصر وكل طور؛ ويرفعها معالم للطريق أمام الأمة..

стр. 40

المسلمة تهتدي بها في طريقها الطويل الشاق، بين العداوات المتعددة المظاهر المتوحدة الطبيعة. . وهذا هو الإعجاز يتبدى جانب من جوانبه في هذه السمة الثابتة المميزة في كل نص قرآني. يعيش معها القلب كما لو كان يعيش مع روح حي مميز الملامح والسمات والأنفاس! ولها موضوع رئيسي أو عدة موضوعات رئيسية مشدودة إلى محور خاص. ولها جو خاص يظلل موضوعاتها كلها؛ ويجعل سياقها يتناول هذه الموضوعات من جوانب معينة، تحقق التناسق بينها وفق هذا الجو. ولها إيقاع موسيقي خاص - إذا تغير في ثنايا السياق فإنما يتغير لمناسبة موضوعية خاصة. . وهذا طابع عام في سور القرآن جميعا. ولا يشذ عن هذه القاعدة طوال السور كهذه السورة ". (١) وذكر الأستاذ الدكتور محمد عبد الله دراز ﵀ في كتابه القيم "النبأ العظيم " أن الحديث عن بني إسرائيل في سورة البقرة مقصد أساسي من مقاصدها الأربع وهي كما يلي: المقصد الأول: دعوة الناس كافة إلى اعتناق الإسلام. المقصد الثاني: دعوة أهل الكتاب خاصة إلى ترك باطلهم والدخول في الدين الحق. المقصد الثالث: عرض شرائع هذا الدين مفصلا. المقصد الرابع: ذكر الوازع والنازع الديني الذي يبعث على ملازمة تلك الشرائع ويعصم من مخالفتها. (٢)
следующие страницы →