← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 943

موقف الشوكاني في تفسيره من المناسبات

أحمد بن محمد الشرقاوى

Полный текст (91 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

من مظاهر حفظ الله لكتابه أن حفظه مرتبا كما هو في اللوح المحفوظ الذي نزل القرآن منه جملة إلى السماء الدنيا قبل أن ينزل مفرقا حسب النوازل والحوادث والمناسبات. المطلب الثالث: زعمه أن لا مناسبة بين الحديث عن بني إسرائيل في سورة البقرة وبين ما سبقه . ***** ذهب الإمام الشوكاني في تفسيره لقوله تعالى من سورة البقرة ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ﴿٤٠﴾ ﴾ الخ الآيات إلى عدم وجود مناسبة بين الحديث عن بني إسرائيل وما سبقه من قصة آدم وأن البحث في ذلك ضرب من التكلف فالحديث عن بني إسرائيل كلام مستأنف منقطع عما قبله ٠ ولو أمعنا النظر وأطلنا التدبر لوجدنا روابط عديدة ومناسبات كثيرة، لا تحتاج في إبرازها إلى تعسف أو تكلف، لنا معها وقفات في هذا المبحث إن شاء الله فنقول وبالله التوفيق: المناسبة بين الحديث عن بني إسرائيل ومحور السورة ومقاصدها من الركائز الجوهرية والمحاور الأساسية لهذه السورة الكريمة: الحديث عن بني إسرائيل ماضيهم وحاضرهم والكشف عن خباياهم والتحذير من مكائدهم ومفاسدهم، وتذكيرهم بنعم الله عليهم وتحذيرهم من أن يصيبهم مثل ما أصاب أسلافهم، ودعوتهم إلى الإيمان بما أنزل الله على نبيه ومصطفاه ﷺ وفتح باب التوبة والقبول أمامهم، وتحذير المسلمين من أن يتبعوا سننهم، لذا استغرق الحديث عنهم آيات عديدة في مواضع متعددة من السورة الكريمة ...

стр. 37

وسورة البقرة سورة مدنية، بدأ نزولها بعد الهجرة لدعم وبناء المجتمع المسلم الناشئ في ذلك الجو الجديد الذي جمع بين المؤمنين وطوائف أخرى كان من أخطرها طائفتا اليهود والمنافقين فكان من الضروري الحديث عنهما بتفصيل وبيان ناسب وروده في أطول سور القرآن، تلك السورة التي استغرق نزولها تسع سنوات، وكان الحديث عن اليهود خاصة من المحاور الأساسية التي دارت حولها السورة الكريمة ـ فهم أخطر القوى المعادية لهذا الدين ولهم أساليب متنوعة ووسائل عديدة في المكر والخداع والكيد نبهنا القرآن عليها حتى نكون منها على حذر. وفي هذا الشأن يقول الأستاذ سيد قطب ﵀: " حكمة الحديث المطول عن اليهود هذه الحملة - سواء ما ورد منها في هذا الدرس وما يلي منها في سياق السورة - كانت ضرورية أولا وقبل كل شيء لتحطيم دعاوى يهود، وكشف كيدها، وبيان حقيقتها وحقيقة دوافعها في الدس للإسلام والمسلمين. كما كانت ضرورية لتفتيح عيون المسلمين وقلوبهم لهذه الدسائس والمكايد التي توجه إلى مجتمعهم الجديد، وإلى الأصول التي يقوم عليها؛ كما توجه إلى وحدة الصف المسلم لخلخلته وإشاعة الفتنة فيه ...

стр. 38

ومن جانب آخر كانت ضرورية لتحذير المسلمين من مزالق الطريق التي عثرت فيها أقدام الأمة المستخلفة قبلهم، فحرمت مقام الخلافة، وسلبت شرف القيام على أمانة الله في الأرض، ومنهجه لقيادة البشر. وقد تخللت هذه الحملة توجيهات ظاهرة وخفية للمسلمين لتحذيرهم من تلك المزالق كما سيجيء في الشطر الثاني منها، وما كان أحوج الجماعة المسلمة في المدينة إلى هذه وتلك. وما أحوج الأمة المسلمة في كل وقت إلى تملي هذه التوجيهات، وإلى دراسة هذا القرآن بالعين المفتوحة والحس البصير، لتتلقى منه تعليمات القيادة الإلهية العلوية في معاركها التي تخوضها مع أعدائها التقليديين؛ ولتعرف منها كيف ترد على الكيد العميق الخبيث الذي يوجهونه إليها دائبين، بأخفى الوسائل، وأمكر الطرق. . . " (١)

стр. 39

ويبين الأستاذ قطب ﵀ أن الحديث عن بني إسرائيل من الموضوعات الأساسية والركائز الجوهرية لهذه السورة الكريمة فيقول ﵀ " هذه السورة تضم عدة موضوعات. ولكن المحور الذي يجمعها كلها محور واحد مزدوج يترابط الخطان الرئيسيان فيه ترابطا شديدا. . فهي من ناحية تدور حول موقف بني إسرائيل من الدعوة الإسلامية في المدينة، واستقبالهم لها، ومواجهتهم لرسولها ﷺ وللجماعة المسلمة الناشئة على أساسها. . . وسائر ما يتعلق بهذا الموقف بما فيه تلك العلاقة القوية بين اليهود والمنافقين من جهة، وبين اليهود والمشركين من جهة أخرى. . وهي من الناحية الأخرى تدور حول موقف الجماعة المسلمة في أول نشأتها؛ وإعدادها لحمل أمانة الدعوة والخلافة في الأرض، بعد أن تعلن السورة نكول بني إسرائيل عن حملها، ونقضهم لعهد الله بخصوصها، وتجريدهم من شرف الانتساب الحقيقي لإبراهيم - ﵇- صاحب الحنيفية الأولى، وتبصير الجماعة المسلمة وتحذيرها من العثرات التي سببت تجريد بني إسرائيل من هذا الشرف العظيم. . وكل موضوعات السورة تدور حول هذا المحور المزدوج بخطيه الرئيسيين، كما سيجيء في استعراضها التفصيلي "، " ولكي يتضح مدى الارتباط بين محور السورة وموضوعاتها من جهة، وبين خط سير الدعوة أول العهد بالمدينة، وحياة الجماعة المسلمة وملابساتها من الجهة الأخرى. . يحسن أن نلقي ضوءا على مجمل هذه الملابسات التي نزلت آيات السورة لمواجهتها ابتداء. مع التنبيه الدائم إلى أن هذه الملابسات في عمومها هي الملابسات التي ظلت الدعوة الإسلامية وأصحابها يواجهونها - مع اختلاف يسير - على مر العصور وكر الدهور؛ من أعدائها وأوليائها على السواء. مما يجعل هذه التوجيهات القرآنية هي دستور هذه الدعوة الخالد؛ ويبث في هذه النصوص حياة تتجدد لمواجهة كل عصر وكل طور؛ ويرفعها معالم للطريق أمام الأمة..

стр. 40

المسلمة تهتدي بها في طريقها الطويل الشاق، بين العداوات المتعددة المظاهر المتوحدة الطبيعة. . وهذا هو الإعجاز يتبدى جانب من جوانبه في هذه السمة الثابتة المميزة في كل نص قرآني. يعيش معها القلب كما لو كان يعيش مع روح حي مميز الملامح والسمات والأنفاس! ولها موضوع رئيسي أو عدة موضوعات رئيسية مشدودة إلى محور خاص. ولها جو خاص يظلل موضوعاتها كلها؛ ويجعل سياقها يتناول هذه الموضوعات من جوانب معينة، تحقق التناسق بينها وفق هذا الجو. ولها إيقاع موسيقي خاص - إذا تغير في ثنايا السياق فإنما يتغير لمناسبة موضوعية خاصة. . وهذا طابع عام في سور القرآن جميعا. ولا يشذ عن هذه القاعدة طوال السور كهذه السورة ". (١) وذكر الأستاذ الدكتور محمد عبد الله دراز ﵀ في كتابه القيم "النبأ العظيم " أن الحديث عن بني إسرائيل في سورة البقرة مقصد أساسي من مقاصدها الأربع وهي كما يلي: المقصد الأول: دعوة الناس كافة إلى اعتناق الإسلام. المقصد الثاني: دعوة أهل الكتاب خاصة إلى ترك باطلهم والدخول في الدين الحق. المقصد الثالث: عرض شرائع هذا الدين مفصلا. المقصد الرابع: ذكر الوازع والنازع الديني الذي يبعث على ملازمة تلك الشرائع ويعصم من مخالفتها. (٢)

стр. 41

كلمة في السياق: بدأت السورة بالحديث عن الهداية القرآنية وموقف الناس منها، ثم جاء النداء الأول في السورة موجها للناس جميعا داعيا إلى عبادة الله وحده فهو سبحانه الخالق المقدر المدبر الرزاق، ولما كان الحديث في أول السورة عن القرآن الكريم باعتباره كتاب هداية: جاء الحديث عنه مرة أخرى باعتبار آخر وهو كونه معجزة حية خالدة متجددة مع ترهيب المعرضين عنه المرتابين فيه مع ظهور الحجة ووضوح المحجة، كما حملت الآيات بشارة المؤمنين الصالحين بالخلود في جنات النعيم، وانتقل السياق إلى الحديث عن أسلوب بليغ كثيرا ما يسلكه القرآن لتقريب المعاني وتقريرها في الأذهان في قوالب محسوسة، إنه أسلوب ضرب المثل ذلك الأسلوب الرفيع الذي لم يسلم من غمز الكافرين

стр. 42

ثم كان التذكير بنعمة الإيجاد الأول والثاني ومع ذلك فإن هناك من سلك طريق الكفر وأصر عليه قال تعالى ﴿وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿٢٥﴾ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ ﴿٢٦﴾ الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴿٢٧﴾ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿٢٨﴾ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴿٢٩﴾ ﴾ ﴾

стр. 43

وكما ذكّرنا بنعمة الإيجاد فقد ذكرنا بنعمة اصطفاء أبينا آدم واستخلافه وذريته في الأرض فضلا عن تكريمه ﵇ بسجود الملائكة وإسكانه الجنة مع زوجه حواء وأكله من الشجرة بعد وسوسة الشيطان اللعين، وما ترتب على ذلك من الخروج من الجنة والهبوط إلى الأرض بعد أن قبل الله توبة آدم وحواء قال تعالى ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴿٣٠﴾ وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴿٣١﴾ قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴿٣٢﴾ قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ﴿٣٣﴾ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ﴿٣٤﴾ وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ ﴿٣٥﴾ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ﴿٣٦﴾ فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴿٣٧﴾ قُلْنَا اهْبِطُواْ

стр. 44

مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿٣٨﴾ وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿٣٩﴾ ﴾ ﴾ ثم جاء النداء الإلهي موجها إلى طائفة معينة طائفة بني إسرائيل حيث ذكرهم الله بنعمه عليهم وأمرهم بالوفاء بالعهد والذي يقتضي منهم الإيمان بالنبي الخاتم ﷺ -٠٠٠قال تعالى ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ﴿٤٠﴾ وَآمِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ ﴿٤١﴾ وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٤٢﴾ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ ﴿٤٣﴾ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴿٤٤﴾ وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴿٤٥﴾ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴿٤٦﴾ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴿٤٧﴾ وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ ﴿٤٨﴾ ﴾ الخ الآيات ...

стр. 45

قال أبو السعود في تفسيره: " يا بني إسرائيل تلوين للخطاب وتوجيه له إلى طائفة خاصة من الكفرة المعاصرين للنبي لتذكيرهم بفنون النعم الفائضة عليهم بعد توجيهه إلى رسول الله ﷺ وأمره بتذكيرهم كلهم بالنعمة العامة لبني آدم قاطبة بقوله تعالى (وإذ قال ربك) الخ وإذ قلنا للملائكة الخ لأن المعنى كما أشير إليه: بلّغهم كلامي واذكر لهم إذ جعلنا أباهم خليفة في الأرض ومسجودا للملائكة ﵈ وشرفناه بتعليم الأسماء وقبلنا توبته " (١) .

стр. 46

وقال البقاعي ﵀: " ... لما كان الكفار قسمين، قسم محض كفره وقسم شابه بنفاق وخداع، وكان الماحض قسمين قسم لا علم لخ من جهة كتاب سابق وهم مشركو العرب وقسم له كتاب يعلم الحق منه: ذكر تعالى القسم الماحض بما يعم قسميه العالم والجاهل فقال سبحانه ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴿٦﴾ خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ ﴿٧﴾ ﴾ ثم أتبعه بقسم المنافقين ليكونوا من خداعهم على حذر فقال سبحانه ﴿وَمِنَ النَّاس مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ ﴿٨﴾ ﴾ الخ الآيات، ولما فرغ من ذلك ومم استتبعه من الأمر بالوحدانية وإقامة دلائلها وإفاضة فضائلها ومن التعجيب ممن كفر مع قيام الدلائل، والتخويف من تلك الغوائل والاستعطاف بذكر النعم: شرع في ذكر قسم من الماحض هو كالمنافق في أنه يعرف الحق فيخفيه فالمنافق ألف الكفر ثم أقلع عنه وأظهر التلبس بالإسلام مع استمراره على الكفر باطنا وهذا القسم –يعني بني إسرائيل – كان على الإيمان بهذا النبي قبل دعوته فلما دعاهم محوا الإيمان الذي كانوا متلبسين به وأظهروا الكفر واستمرت حاتهم على إظهار الكفر وإخفاء المعرفة التي هي مبدأ الإيمان، فحالهم كما ترى أشبه شيء بحال المنافقين؛ ولهذا تراهم مقرونين بهم في كثير من القرآن وإننما أخرهم لطول قصتهم وما فيها من دلائل النبوة وأعلام الرسالة بما أبدى مما أخفوه من دقائق أحوالهم ... " (١) "

стр. 47

وعن تناسق الحديث عن بني إسرائيل مع السياق يقول صاحب الظلال ﵀: " ثم نلحظ من جانب التناسق الفني والنفسي في الأداء القرآني، أن بدء هذه الجولة يلتحم بختام قصة آدم، وبالإيحاءات التي أشرنا إليها هناك، وهذا جانب من التكامل في السياق القرآني بين القصص والسياق الذي تعرض فيه: لقد مضى السياق قبل ذلك بتقرير أن الله خلق ما في الأرض جميعا للإنسان. ثم بقصة استخلاف آدم في الأرض بعهد الله الصريح الدقيق؛ وتكريمه على الملائكة؛ والوصية والنسيان، والندم والتوبة، والهداية والمغفرة، وتزويده بالتجربة الأولى في الصراع الطويل في الأرض، بين قوى الشر والفساد والهدم ممثلة في إبليس، وقوى الخير والصلاح والبناء ممثلة في الإنسان المعتصم بالإيمان. مضى السياق بهذا كله في السورة. ثم أعقبه بهذه الجولة مع بني إسرائيل، فذكر عهد الله معهم ونكثهم له؛ ونعمته عليهم وجحودهم بها؛ ورتب على هذا حرمانهم من الخلافة، وكتب عليهم الذلة، وحذر المؤمنين كيدهم كما حذرهم مزالقهم. فكانت هناك صلة ظاهرة بين قصة استخلاف آدم وقصة استخلاف بني إسرائيل، واتساق في السياق واضح وفي الأداء. وهذا كله مع الإدعاء العريض بأنها هي وحدها المهتدية؛ وأن الله لا يرضى إلا عنها، وأن جميع الأديان باطلة وجميع الأمم ضالة عداها! مما يبطله القرآن في هذه الجولة، ويقرر أن كل من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا من جميع الملل، فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون. . " (١)

стр. 48

ويقول أيضا " ومن مراجعة المواضع التي وردت فيها قصة بني إسرائيل هنا وهناك يتبين أنها متفقة مع السياق الذي عرضت فيه، متممة لأهدافه وتوجيهاته. . وهي هنا متسقة مع السياق قبلها. سياق تكريم الإنسان، والعهد إليه والنسيان. متضمنة إشارات إلى وحدة الإنسانية، ووحدة دين الله المنزل إليها، ووحدة رسالاته، مع لفتات ولمسات للنفس البشرية ومقوماتها، وإلى عواقب الانحراف عن هذه المقومات التي نيطت بها خلافة الإنسان في الأرض؛ فمن كفر بها كفر بإنسانيته وفقد أسباب خلافته، وارتكس في عالم الحيوان. وقصة بني إسرائيل هي أكثر القصص ورودا في القرآن الكريم؛ والعناية بعرض مواقفها وعبرتها عناية ظاهرة، توحي بحكمة الله في علاج أمر هذه الأمة المسلمة، وتربيتها وإعدادها للخلافة الكبرى. . " (١)

стр. 49

هذا وللإمام أبي حيان الأندلسي في بيان اتساق الحديث عن بني إسرائيل مع ما سبقه كلام طيب حيث يقول ﵀ " قوله تعالى (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي) الخ الآيات: " هذا افتتاح الكلام مع اليهود والنصارى ومناسبة الكلام معهم هنا ظاهرة وذلك أن هذه السورة افتتحت بذكر الكفار المختوم عليهم بالشقاوة وذكر المنافقين وذكر جمل من أحوالهم ثم أمر الناس قاطبة بعبادة الله تعالى ثم ذكر إعجاز القرآن إلى غير ذلك مما ذكره، ثم نبههم بذكر أصلهم آدم وما جرى له من أكله من الشجرة بعد النهي عنها وأن الحامل له على ذلك إبليس وكانت هاتان الطائفتان أعني اليهود والنصارى أهل كتاب مظهرين اتباع الرسل والاقتداء بما جاء من عند الله تعالى، وقد اندرج ذكرهم عموما في قوله تعالى (يا أيها الناس اعبدوا) الخ الآية فجرد ذكرهم هنا خصوصا إذ قد سبق الكلام مع المشركين والمنافقين وبقي الكلام مع اليهود والنصارى فتكلم معهم هنا وذكر ما يقتضي لهم الإيمان بهذا الكتاب كما آمنوا بكتبهم السابقة. وناسب الكلام معهم قصة آدم ﵇ لأنهم بعدما أوتوا من البيان الواضح والدليل اللائح المذكور ذلك في التوراة والإنجيل من الإيفاء بالعهد والإيمان بالقرآن ظهر منهم ضد بكفرهم بالقرآن ومن جاء به " (١) المناسبة بين الحديث عن بني إسرائيل وبين سورة الفاتحة: لما أخبر سبحانه في سورة الفاتحة عن استحقاقه وحده للحمد لما اتصف به تعالى من صفات الجلال ونعوت الكمال فهو المحمود ولا يزال على ما أبدى من النعم وأسدى من الكرم بين تعالى في سورة البقرة جانبا من نعمه تعالى والتي من جملتها إنعامه على بني إسرائيل، ورحمته بهم، وذكرهم بيوم الدين، ودعاهم إلى عبادته والاستعانة به وحده ٠

стр. 50

ولما كان من دعاء المؤمنين الهداية إلى الصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم غير المغضوب عليهم وهم اليهود ولا الضالين وهم النصارى تناولت سورة البقرة بشيء من التفصيل اليهود، كما تحدثت سورة آل عمران عن النصارى، وورد الحديث عن الطائفتين في سورتي النساء والمائدة. وهذا من باب التفصيل بعد الإجمال. وبهذا يتضح لنا الصلة بين سورة الفاتحة التي تقع في ترتيب المصحف قبل سورة البقرة. مناسبة الحديث عن بني إسرائيل مع عنوان السورة: مناسبة واضحة فقصة البقرة من أعظم الشواهد وأوضح الأمثلة الدالة على طبيعة بني إسرائيل حيث الجدل العقيم والتعنت والتشكيك في الأوامر الإلهية والسخرية بالأنبياء والتشديد على أنفسهم فضلا عن كتمانهم الحق وقسوة القلب مع تواتر الحقائق وتوارد الرقائق. كما أن السورة الكريمة كشفت لنا عن خبايا وخفايا اليهود، بقرت لنا هذه الحقائق التي طواها الزمان وسعى اليهود إلى إخفائها بأساليبهم الدعائية القائمة على إلباس الحق بالباطل وكتمان الحق. من هنا تبدو لنا الصلة بين عنوان السورة وبين الحديث عن سوء نية وخبث طوية وفساد طبائع اليهود كما ورد في هذه السورة الكريمة (١) المناسبة بين مقدمة السورة وبين الحديث عن بني إسرائيل: *لما استهلت السورة الكريمة بالحديث عن القرآن بوصفه كتاب هداية ﴿الم ﴿١﴾ ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ﴿٢﴾ ﴾ جاء الحديث عن وجه من وجوه تلك الهداية وهو إخباره عن الأمم السابقة لأخذ العبر والعظات من أحوالهم، ودعوتهم إلى سلوك طريق الهداية، وتحذير المتقين من مكائدهم، وتبصيرهم بطبائعهم، وتحذيرهم من اتباع سننهم٠

стр. 51

* كذلك لما ذكر تعالى في أول السورة موقف المتقين من الهداية القرآنية، وصفاتهم الإيمانية دعا الله بني إسرائيل إلى اللحاق بهذه الطائفة والسير على دربها فدعاهم سبحانه إلى تذكر نعمه والوفاء بعهده ورهبته والإيمان بما أنزل على خاتم رسله ﷺ ، وتقواه تعالى حق التقاة وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة قال تعالى ﴿الم ﴿١﴾ ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ﴿٢﴾ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴿٣﴾ والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِل إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ﴿٤﴾ أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿٥﴾ ﴾ وقال سبحانه ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ﴿٤٠﴾ وَآمِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ ﴿٤١﴾ وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٤٢﴾ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ ﴿٤٣﴾ ﴾ ٠ لما ذكر من أوصاف المتقين الإيمان بما أنزل على خاتم النبيين وما أنزل من قبله على إخوانه من الأنبياء والمرسلين ناسب ذلك الحديث عن بعض الأنبياء والأمم فتحدثت السورة عن آدم ﵇ كما تحدثت عن بني إسرائيل، ودعتهم إلى الإيمان بما أنزل على رسول الله ﷺ وما أنزل على من سبقه من الأنبياء ...

стр. 52

ذكر تعالى في مستهل السورة موقف الكفار والمنافقين من القرآن الكريم وفي هذا توطئة للحديث عن بني إسرائيل وتحذيرهم من أن يسلكوا طريق الكفر والنفاق. المناسبة بين النداء الأول في السورة وبين النداء الموجه إلى بني إسرائيل: لما جاء النداء الأول في هذه السورة الكريمة بصيغة العموم موجها إلى الناس جميعا داعيا إلى عبادة الله وحده ومذكرا بنعمه تعالى عليهم قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴿٢١﴾ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٢٢﴾ وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴿٢٣﴾ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴿٢٤﴾ : جاء النداء الأول بدعوة عامة موجهة للناس جميعا أن يعبدوا الله تعالى فهو وحده المستحق للعبادة، والعبادة سبيل التقوى، والقرآن هو الآية الكبرى التي تحدى الله بها الناس جميعا فلا سبيل إلى الإتيان بسورة من مثله، فلا ريب في كونه منزلا من عند الله ولا ريب فيما اشتمل عليه من حكم وأحكام وقصص وأمثال. وجاء النداء الثاني موجها إلى طائفة معينة وهم بنو إسرائيل مذكرا بنعمه تعالى عليهم وداعيا لهم إلى الإيمان بالنبي الخاتم ﷺ فجاء النداء الأول موجها إلى الناس جميعا وجاء النداء الثاني موجها لطائفة معينة وهذا من ذكر الخاص بعد العام ...

стр. 53

قال ابن جزي الكلبي في تفسيره: " لما قدم دعوة الناس عموما وذكر مبدأهم: دعا بني إسرائيل خصوصا وهم اليهود وجرى الكلام معهم من هنا إلى حزب سيقول السفهاء فتارة يدعوهم بالملاطفة وذكر الإنعام عليهم وعلى آبائهم وتارة بالتخويف (١) كذلك لما تحدثت السورة الكريمة عن القرآن الكريم باعتبار إعجازه ناسب ذلك الحديث عن بعض من وجوه الإعجاز ومنها القصص القرآني فذكرت قصة آدم وبعدها قصة بني إسرائيل. قال الإمام البيضاوي " واعلم أنه لما ذكر دلائل التوحيد والنبوة والمعاد وعقبها تعداد النعم العامة تقريرا لها وتأكيدا فإنها من حيث إنها حوادث محكمة تدل على محدث حكيم له الخلق والأمر وحده لا شريك له ومن حيث إن الإخبار بها على ما هو مثبت في الكتب السابقة ممن لم يتعلمها ولم يمارس شيئا منها إخبار بالغيب معجز يدل على نبوة المخبر عنها ومن حيث اشتمالها على خلق الإنسان وأصوله وما هو أعظم من ذلك تدل على أنه قادر على الإعادة كما كان قادرا على الإبداء خاطب أهل العلم والكتاب منهم وأمرهم أن يذكروا نعم الله تعالى عليهم ويوفوا بعهده في اتباع الحق واقتفاء الحجج ليكونوا أول من آمن بمحمد ﷺ وما أنزل عليه فقال ﴿يا بني إسرائيل﴾ . " (٢) المناسبة بين قصة آدم وقصة بني إسرائيل:

стр. 54

كان من المناسب أن يسبق دعوة بني إسرائيل وهم أهل كتاب ومعرفة -قبل أن توجه إليهم الدعوة إلى الإيمان بالنبي الخاتم أن يسبق ذلك- تقديم جملة من الأدلة والبراهين الساطعة تمهيدا لدعوتهم وهم أهل كتاب إلى الإيمان بهذا النبي الخاتم، ولقد تقرر في الآيات السابقة بيان كون القرآن الكريم كتابا معجزا يتحدى الله به الناس جميعا، وأنه كتاب هداية إلى طريق الفلاح والسعادة في الدارين وأنه تضمن الدعوة إلى عبادة الله وحده وعمارة الكون والعمل لليوم الآخر، وأنه اشتمل على القول الفصل والحكمة البالغة والحق المبين في قصص السابقين من ذلك حديث الآيات عن قصة آدم ﵇ والتي تعد برهانا ساطعا على أن القرآن من عند الله؛ إذ كيف لمحمد لو كان القرآن من عنده أن يعرف هذه القصة التي لا تعرف إلى عن طريق الوحي الإلهي؟ من هنا سبقت دعوة بني إسرائيل إلى الإيمان بالنبي الخاتم هذه الحجج والبراهين والحقائق التي لم ترد إلا في القرآن الكريم والتي كان من بينها الحديث عن آدم ﵇ لما ذكر تعالى نعمه على أبينا آدم ﵇ حيث اصطفاه تعالى وكرمه وأسكنه الجنة مع زوجه حواء فلم يسلم من وسوسة الشيطان وعصى الله تعالى بأكله من الشجرة المحظورة، ثم تاب فتاب الله عليه وأخرج من الجنة بذنب واحد:ذكر تعالى نعمه على بني إسرائيل؛ حيث اصطفاهم وهداهم ونجاهم من فرعون وجنوده، فبدلوا نعمة الله كفرا واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير وعتوا عن أمر ربهم وتمادوا في التمرد والعصيان ...

стр. 55

قال الإمام النيسابوري في تفسيره: " إنه تعالى لما أقام دلائل التوحيد والنبوة والمعاد ثم ذكر الإنعامات العامة للبشر ومن جملتها خلق آدم إلى تمام قصته أردفها الإنعامات الخاصة على أسلاف اليهود إلانة لشكيمتهم واستمالة لقلوبهم وتنبيها على نبوة محمد ﷺ ؛من حيث كونه إخبارا بالغيب مدرجا في مطاوي ذلك ما يرشدهم إلى أصول الأديان ومكارم الأخلاق " (١) . وإذا كان آدم ﵇ -قد أخرج من الجنة بذنب واحد فما بالهم أسلموا زمامهم للشيطان واتبعوا الهوى ومع ذلك يطمعون في الجنان؟ وصدق من قال ياناظرا يرنو بعيني راقد ومشاهدا للأمر غير مشاهد تصل الذنوب إلى الذنوب وتر تجي درج الجنان بها وفوز العابد أنسيت أن الله أخرج آدمَ منها إلى الدنيا بذنب واحد وقال الإمام الألوسي: " يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم خطاب لطائفة خاصة من الكفرة المعاصرين للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم بعد الخطاب العام وجعله سبحانه بعد قصة آدم لأن هؤلاء بعد ما أتوا من البيان الواضح والدليل اللائح وأمروا ونهوا وحرضوا على اتباع النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عنده مظهر منهم ضد ذلك فخرجوا عن جنة الإيمان الرفيعة وهبطوا إلى أرض الطبيعة وتعرضت لهم الكلمات إلا أنهم لم يتلقوها بالقبول ففات منهم ما فات وأقبل عليهم بالنداء ليحركهم لسماع ما يرد من الأوامر والنواهي ". (٢) مما سبق يتبين لنا: أن الحديث عن بني إسرائيل من المحاور الرئيسية والمقاصد الأساسية لهذه السورة الكريمة التي نزلت بعد الهجرة مواكبة لبناء الدولة الإسلامية وتدعيمها وتحصينها من مكائد الأعداء، ووضع أسس التعامل مع غير المسلمين وبيان المنهج الأمثل في التحاور معهم إلى جانب دعوتهم.

стр. 56

والحديث عن بني إسرائيل مناسب لمقدمة السورة؛ ومقاصدها الأساسية وهي بناء المجتمع المسلم وتحصينه، وبيان أسس العلاقة مع المجتمع الجديد في المدينة الذي يضم طوائف شتى من بينها اليهود، وما سبق الحديث عن بني إسرائيل إنما يعد تمهيدا له وتوطئة، حيث سبقت الحجج والبراهين دعوة بني إسرائيل إلى الإيمان بالنبي محمد ﷺ ،كما أن المناسبة واضحة بين النداء العام الوارد في السورة وبين النداء الخاص الموجه إلى بني إسرائيل من باب ذكر الخاص بعد العام للاعتناء ولفت الأنظار إلى ذلك الخاص، والمناسبة بين قصة آدم ﵇ وقصة بني إسرائيل مناسبة متعددة الجوانب كما سبق ذكره فالقصتان حافلتان بالعظات والعبر، غنيتان بالحقائق التي تدل على أن هذا القرآن من عند علام الغيوب الذي يعلم ما كان وما يكون، يعلم ما بين أيدينا وما خلفنا، وبنو إسرائيل هم أحوج الناس إلى الاعتبار من قصة أبينا آدم ﵇ الذي خرج من الجنة بذنب واحد، وذاق مرارة المعصية وعاين أثرها وكابد عواقبها، مع ما سبق من اصطفاء الله له وتكريمه فهل يعتبر اليهود؟ أم يقعوا في مصائد الشيطان وحبائله؟ وفي أي طائفة يكونون ومع أي فريق يقفون؟ ﴿قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿٣٨﴾ وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿٣٩﴾ ﴾ وهنا ينبغي أن أنبه على أن السورة من أولها خطاب عام يشمل جميع الناس بما فيهم بنو إسرائيل لكن الخطاب الموجه لهم والخاص بهم بدأ من الآية الأربعين من السورة.

стр. 57

المطلب الرابع: إيراده الكثير من المناسبات في تفسيره !.. المتأمل في تفسير الشوكاني يجده قد أورد العديد من المناسبات في تفسيره، خلافا لرأيه المسبق في المناسبات، هذا الرأي الذي صدّر به تفسيره وهو المعارضة والإنكار على من تصدى لها وعني بها كالبقاعي والحرالي والرازي (١) وغيرهم وفيما يلي نذكر هذه الوجوه، الواردة في تفسيره فنقول وبالله التوفيق: الاستئناف البياني الاستئناف: هو الإتيان بعد تمام الكلام بقول يفهم منه جواب سؤال مقدر (٢) مثال ذلك قوله تعالى في سورة البقرة ﴿ ﴿الم ﴿١﴾ ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ﴿٢﴾ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴿٣﴾ والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ﴿٤﴾ أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿٥﴾ فقوله تعالى ﴿أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿٥﴾ ﴾ * كما قال الشوكاني في تفسيره: [كلام مستأنف استئنافا بيانيا كأنه قيل كيف حال هؤلاء الجامعين بين التقوى والإيمان بالغيب والإتيان بالفرائض والإيمان بما أنزل على رسول الله ﵌ وعلى من قبله من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فقيل أولئك على هدى ويمكن أن يكون هذا خبرا عن الذين يؤمنون بالغيب إلخ فيكون متصلا بما قبله] ٠ (٣)

стр. 58

وقوله تعالى في سورة آل عمران في أعقاب الحديث عن غزوة أحد ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴿١٦٩﴾ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿١٧٠﴾ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿١٧١﴾ ﴾

стр. 59

* قال الشوكاني في تفسيره: [لما بين الله سبحانه أن ما جرى على المؤمنين يوم أحد كان امتحانا ليتميز المؤمن من المنافق والكاذب من الصادق بين ههنا أن من لم ينهزم وقتل فله هذه الكرامة والنعمة وأن مثل هذا مما يتنافس فيه المتنافسون لا مما يخاف ويحذر كما قالوا من حكى (١) الله "عنهم لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا " (٢) وقالوا "لو أطاعونا ما قتلوا " (٣) فهذه الجملة مستأنفة لبيان هذا المعنى] (٤) .

стр. 60

الاستئناف التقريري: مثال ذلك قوله تعالى في سورة المائدة ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُود وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ ﴿٨٢﴾ ﴾ قال الشوكاني [قوله ﴿لتجدن﴾ الخ هذه جملة مستأنفة مقررة لما قبلها من تعداد مساوئ اليهود وهناتهم] (١) وذلك ببيان شدة عداوتهم للمسلمين. وفي تفسيره لقوله تعالى من سورة النور ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الآية ٣٥ من سورة النور] يبين الشيخ وجه الصلة بين هذه الآية وبين ما سبقها من آيات فيقول: [لما بين سبحانه من الأحكام ما بين أردف ذلك بكونه سبحانه في غاية الكمال، وهذه الجملة مستأنفة لتقرير ما قبلها] (٢) . يعني لتقرير تلك الأحكام السابقة وبيان أنها صدرت من لدن صاحب الكمال والجلال. التفنن في الكلام ونقله من أسلوب إلى أسلوب: وقد قيل: لا يصلح النفس إن كانت مصرفة *** إلا التنقل من حال إلى حال وفي تنوع الأساليب تقرير للحجج والبراهين، وترسيخ للعقيدة والأحكام، وتثبيت للنفوس وتسلية لها، وتجديد لنشاطها وإقبالها على كتاب الله تعالى. * قال الشوكاني مبينا سر إيراد قصة نوح ﵇ في سورة هود:

стр. 61

[لما أورد سبحانه على الكفار المعاصرين لمحمد ﵌ أنواع الدلائل التى هى أوضح من الشمس أكد ذلك بذكر القصص على طريقة التفنن في الكلام ونقله من أسلوب إلى أسلوب لتكون الموعظة أظهر والحجة أبين والقبول أتم فقال ﴿ ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴿٢٥﴾ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللهَ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ ﴿٢٦﴾ [سورة هود]] ٠ (١) التضاد: وهو الجمع بين المعنى وضده وهو من الأساليب البلاغية كالجمع بين الترغيب والترهيب والحديث عن الكفار بعد الحديث عن المؤمنين والحديث عن الجنة بعد الحديث عن النار ونحو ذلك: وقد قيل وبضدها تتبين الأشياء *** ضدان لما استجمعا حسنا *** والضد يظهر حسنه الضد وفي تفسير الشوكاني نماذج عديدة أبرز فيها هذا الوجه الرابط بين كثير من الآيات: وفيما يلي نذكر نماذج من تفسيره تدل على ذلك: *ففي تفسيره لقوله تعالى من سورة البقرة (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴿٦﴾ خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ ﴿٧﴾ ) يقول الشوكاني [ذكر سبحانه فريق الشر بعد ذكر فريق الخير قاطعا لهذا الكلام عن الكلام الأول معنونا له بما يفيد أن شأن جنس الكفرة عدم إجداء الإنذار لهم وأنه لا يترتب عليهم ما هو المطلوب منهم من الإيمان وأن وجود ذلك كعدمه] ٠ (٢)

стр. 62

*وفي تفسيره لقوله تعالى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ ﴿٨﴾ يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ ﴿٩﴾ ﴾ الخ الآيات التي تحدثت عن طائفة المنافقين: يقول الشوكاني في إبرازه الصلة بينها وبين سابقتها: [ذكر سبحانه في أول هذه السورة المؤمنين الخلص ثم ذكر بعدهم الكفرة الخلص ثم ذكر ثالثا المنافقين وهم الذين لم يكونوا من إحدى الطائفتين بل صاروا فرقة ثالثة لأنهم وافقوا في الظاهر الطائفة الأولى وفي الباطن الطائفة الثانية ومع ذلك فهم أهل الدرك الأسفل من النار] ٠ (١) *وفي تفسيره لقوله تعالى من سورة البقرة ﴿وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿٢٥﴾ ﴾ قال الشوكاني: [لما ذكر تعالى جزاء الكافرين عقبه بجزاء المؤمنين ليجمع بين الترغيب والترهيب والوعد والوعيد كما هي عادته سبحانه في كتابه العزيز لما في ذلك من تنشيط عباده المؤمنين وتثبيط عباده الكافرين عن معاصيه] (٢) .

стр. 63

* وفي تفسيره لقوله تعالى في سورة الرعد ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ ﴿١١﴾ هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِىءُ السَّحَابَ الثِّقَالَ ﴿١٢﴾ وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاء وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ ﴿١٣﴾ يقول الشوكاني [لما خوف سبحانه عباده بإنزال ما لا مرد له أتبعه بأمور ترجى من بعض الوجوه ويخاف من بعضها وهى البرق والسحاب والرعد والصاعقة] . (١) إلحاق النتائج بالمقدمات: من أوجه الصلة التي وردت في تفسير فتح القدير من ذلك على سبيل المثال ما ذكره في تفسير قول الله تعالى ﴿أَوَ لَمْ يَرَوْاْ إِلَى مَا خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلاَلُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالْشَّمَآئِلِ سُجَّدًا لِلّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ ﴿٤٨﴾ وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِن دَآبَّةٍ وَالْمَلآئِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ ﴿٤٩﴾ يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴿٥٠﴾ ﴾ وَقَالَ اللهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ فَإيَّايَ فَارْهَبُونِ ﴿٥١﴾ ﴾ [سورة النحل]

стр. 64

[لما بين سبحانه أن مخلوقاته السماوية والأرضية منقادة له خاضعة لجلاله أتبع ذلك بالنهى عن الشرك بقوله ﴿وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد﴾ فنهى سبحانه عن اتخاذ إلهين ثم أثبت أن الإلهية منحصرة في إله واحد وهو الله سبحانه] (١) ذكر الخاص بعد العام من ذلك ما ذكره في تفسير قوله تعالى من سورة النحل ﴿وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم﴾ قال " خص سبحانه من جملة المأمورات التي تضمنها قوله ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان٠٠٠﴾ الوفاء بالعهد فقال ﴿وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم﴾ " (٢) ترتيب موضوعات السورة: المتأمل في السور القرآنية يجد لكل سورة وحدتها الموضوعية من خلال ترابط مقاطعها وتناسب آياتها وتسلسل موضوعاتها التي وإن تعددت وتنوعت لكنها تدور حول موضوع واحد وترمي إلى مقصد واحد، ولقد أشار الشوكاني في تفسيره إلى ذلك فقال في تفسير سورة الفرقان مبينا سر ترتيب موضوعاتها: " تكلم سبحانه في هذه السورة على التوحيد لأنه أقدم وأهم ثم في النبوة لأنها الواسطة ثم فى المعاد لأنه الخاتمة ". وهكذا جاءت موضوعات السورة مرتبة مسلسلة تدور جميعها حول تقرير العقيدة الإسلامية بجوانبها الثلاث الإلهيات والنبوات والسمعيات ٠ ذكر ما يترتب على الحكم الشرعي من أحكام تلحق به: مثال ذلك ما ذكره الشوكاني في تفسير قوله تعالى ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوف.﴾ الخ الآية ﴿٢٣٣﴾ من سورة البقرة﴾ قال [لما ذكر الله سبحانه النكاح والطلاق ذكر الرضاع لأن الزوجين قد يفترقان وبينهما ولد ولهذا قيل إن هذا خاص بالمطلقات وقيل هو عام] . (٣) *****

стр. 65

التنظير: وهو إلحاق النظير بالنظير، وبيان الرابط بينهما: *وفي تفسير الشوكاني نماذج عديدة لذلك منها ما ذكره في إبراز وجه الصلة بين قصة ابني آدم وبين ما سبقها من الحديث عن بني إسرائيل قال تعالى ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ﴿٢٧﴾ الخ الآيات الواردة في سورة المائدة. يقول الشوكاني: [وجه اتصال هذا بما قبله التنبيه من الله على أن ظلم اليهود ونقضهم المواثيق والعهود هو كظلم ابن آدم لأخيه فالداء قديم والشر أصيل] (١) . *ومن ذلك أيضا ما أورده في بيان وجه الصلة بين قوله تعالى في سورة الأنفال ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ ﴿٥﴾ يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ ﴿٦﴾ ﴾ وبين ما قبلها:

стр. 66

يقول ﵀: [قوله ﴿كما أخرجك ربك من بيتك بالحق﴾ أي الأنفال ثابتة لك كما أخرجك ربك من بيتك بالحق أي مثل إخراج ربك والمعنى امض لأمرك فى الغنائم ونفل من شئت وإن كرهوا لأن بعض الصحابة قال لرسول الله ﵌ حين جعل لكل من أتى بأسير شيئا قال بقى أكثر الناس بغير شيء فموضع الكاف نصب كما ذكرنا وبه قال الفراء وقال أبو عبيدة هو قسم أي والذى أخرجك فالكاف بمعنى الواو وما بمعنى الذى وقال الأخفش سعيد بن مسعدة المعنى ﴿أولئك هم المؤمنون حقا﴾ كما أخرجك ربك وقال عكرمة المعنى أطيعوا الله ورسوله كما أخرجك ربك وقيل كما أخرجك متعلق بقوله لهم درجات أي هذا الوعد للمؤمنين حق فى الآخرة كما أخرجك ربك من بيتك بالحق الواجب له فأنجر وعدك وظفرك بعدوك وأوفى لك ذكره النحاس واختاره وقيل الكاف فى كما كاف التشبيه على سبيل المجازاة كقول القائل لعبده كما وجهتك إلى أعدائي فاستضعفوك وسألت مددا فأمددتك وقويتك وأزحت علتك فخذهم الآن فعاقبهم وقيل إن الكاف فى محل رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره هذه الحال كحال إخراجك يعني أن حالهم في كراهة ما رأيت من تنفيل الغزاة مثل حالهم فى كراهة خروجك للحرب ذكره صاحب الكشاف وبالحق متعلق بمحذوف والتقدير إخراجا متلبسا بالحق الذى لا شبهة فيه وجملة وإن فريقا من المؤمنين لكارهون في محل نصب على الحال أي كما أخرجك فى حال كراهتهم لذلك لأنه لما وعدهم الله إحدى الطائفتين إما العير أو النفير رغبوا فى العير لما فيها من الغنيمة والسلامة من القتال كما سيأتي بيانه وجملة يجادلونك فى الحق بعد ما تبين لهم إما فى محل نصب على أنها حال بعد حال أو مستأنفة جواب سؤال مقدر ومجادلتهم لما ندبهم إلى إحدى الطائفتين وفات العير وأمرهم بقتال النفير ولم يكن معهم كثير أهبة لذلك شق عليهم وقالوا لو أخبرتنا بالقتال لأخذنا العدة وأكملنا الأهبة] (١)

стр. 67

* ومن إلحاق النظير بالنظير أيضا ما ذكره في تفسيره لسورة النحل من تناسب بين الآيات التي تضمنت أدلة متنوعة على كمال قدرته وبديع صنعه حيث استدل سبحانه بعجائب عالم الحيوان وغرائب عالم النبات ثم أتبعه ببديع خلق الإنسان قال تعالى ﴿وَاللهُ أَنزَلَ مِنَ الْسَّمَاء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴿٦٥﴾ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ ﴿٦٦﴾ وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴿٦٧﴾ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ﴿٦٨﴾ ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴿٦٩﴾ وَاللهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ ﴿٧٠﴾ ﴾ *قال الإمام الشوكاني: [لما استدل سبحانه على وجوده وكمال قدرته وبديع صنعته بعجائب أحوال الحيوانات أراد أن يذكر الاستدلال على المطلوب بغرائب أحوال النبات فقال ﴿هو الذى أنزل من السماء﴾ ] *وقال ﵀: [لما ذكر سبحانه بعض أحوال الحيوان وما فيها من عجائب الصنعة الباهرة وخصائص القدرة القاهرة أتبعه بعجائب خلق الإنسان وما فيه من العبر فقال والله خلقكم ثم يتوفاكم] (١)

стр. 68

* ومن مراعاة النظير ما ذكره في تفسير قوله تعالى ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ ِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿٧٥﴾ ﴾ [آل عمران] [هذا شروع في بيان خيانة اليهود في المال بعد بيان خيانتهم في الدين] (١) التفصيل بعد الإجمال: وهذه المناسبة من أبرز المناسبات التي ذكرها الشوكاني ومن أكثرها دلالة على تقرير هذا العلم وضرورته للمفسر. * من ذلك ما ذكره في تفسير قوله تعالى ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴿١﴾ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿٢﴾ ﴾ قال الشوكاني في بيان وجه الصلة بين الآية الأولى والثانية [هذا شروع في تفصيل ما أجمل من الآيات البينات] (٢) .

стр. 69

* وفي تفسيره لسورة الإسراء يذكر الصلة بين التوجيهات الإلهية الواردة في هذه السورة والتي تبدأ بقوله تعالى لاَّ تَجْعَل مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولاً ﴿٢٢﴾ وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا ﴿٢٣﴾ إلى قوله تعالى ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا ﴿٣٩﴾ ﴾ يقول الإمام الشوكاني: [لما أجمل سبحانه أعمال البر فى قوله وسعى لها سعيها وهو مؤمن (١) أخذ فى تفصيل ذلك مبتدئا بأشرفها الذى هو التوحيد فقال لا تجعل مع الله إلها آخر والخطاب للنبى ﵌] (٢) *وفي تفسيره لسورة النمل يبين الصلة بين مقدمة السورة وبين القصص الوارد فيها فيذكر أن هذا القصص من باب التفصيل بعد الإجمال، حيث جاءت تلك القصص مفصلة لقوله تعالى ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ﴿٦﴾ ﴾ وفي ذلك يقول: [لما فرغ سبحانه من قصة موسى شرع فى قصة داود وابنه سليمان وهذه القصص وما قبلها وما بعدها هى كالبيان والتقرير لقوله تعالى ﴿وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم﴾ ] (٣) .

стр. 70

ويربط الشيخ بين قصة ثمود مع نبي الله صالح ﵇ وبين القصة السابقة قصة نبي الله داود وابنه سليمان ﵉ فيقول: [قوله ﴿ولقد أرسلنا إلى ثمود.﴾ الخ معطوف على قوله ﴿ولقد آتينا داود وسليمان﴾ واللام هي الموطئة للقسم وهذه القصة من جملة بيان قوله (وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم) ] (١) . وفي تفسيره لسورة العنكبوت يبرز الصلة بين قصة نوح ﵇ وبين مقدمة السورة فيقول: [أجمل سبحانه قصة نوح تصديقا لقوله في أول السورة ﴿ولقد فتنا الذين من قبلهم﴾ وفيه تثبيت للنبي صلى الله عليه واله وسلم كأنه قيل له إن نوحا لبث ألف سنة إلا خمسين عاما يدعو قومه ولم يؤمن منهم إلا قليل فأنت أولى بالصبر لقلة مدة لبثك وكثرة عدد أمتك] (٢) . التمهيد والتوطئة: من ذلك التمهيد والتوطئة لما يرد من قصص يقول الشوكاني في تفسيره لسورة النمل: [ثم مهد سبحانه مقدمة نافعة لما سيذكره بعد ذلك من الأخبار العجيبة فقال ﴿وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم﴾ أى يلقى عليك فتلقاه وتأخذه من لدن كثير الحكمة والعلم] (٣) والتمهيد والتوطئة لما يرد من أحكام الشرعية يقول الشوكاني في تفسيره لسورة الأحزاب: [ثم ذكر سبحانه مثلا توطئة وتمهيدا لما يتعقبه من الأحكام القرآنية التي هي من الوحى الذي أمره الله باتباعه فقال ﴿ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه﴾ وقد اختلف في سبب نزول هذه الآية كما سيأتى وقيل هي مثل ضربه الله للمظاهر أى كما لا يكون للرجل قلبان كذلك لا تكون امرأة المظاهر أمه حتى يكون له أمان وكذلك لا يكون الدعى ابنا لرجلين وقيل كان الواحد من المنافقين يقول لى قلب يأمرني بكذا وقلب بكذا فنزلت الآية لرد النفاق وبيان أنه لا يجتمع مع الإسلام كما لا يجتمع قلبان ... ] (٤)

стр. 71

الوحدة الموضوعية للآية الواحدة قد لا يظهر جليا وجه الترابط بين أجزاء الآية الواحدة من ذلك وجه الترابط في قوله تعالى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُواْ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿١٨٩﴾ ﴾ وفي هذه الحالة يحتاج الأمر إلى تدبر وتعمق في فهم الآية الكريمة: فالسؤال عن الأهلة والإجابة عنها: بأنها مواقيت للناس والحج، ولكن ما صلة ذلك بقوله تعالى ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُواْ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿١٨٩﴾ ﴾ ؟

стр. 72

عن ذلك يجيب الشوكاني في تفسيره فيقول: [ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ فيه بيان وجه الحكمة في زيادة الهلال ونقصانه وأن ذلك لأجل بيان المواقيت التي يوقت الناس عباداتهم ومعاملاتهم بها كالصوم والفطر والحج ومدة الحمل والعدة والإجارات والأيمان وغير ذلك ... وإنما أفرد سبحانه الحج بالذكر لأنه مما يحتاج فيه إلى معرفة الوقت ولا يجوز فيه النسيء عن وقته ولعظم المشقة على من التبس عليه وقت مناسكه أو أخطأ وقتها أو وقت بعضها وقد جعل بعض علماء المعاني هذا الجواب أعني قوله ﴿قل هي مواقيت﴾ من الأسلوب الحكيم وهو تلقي المخاطب بغير ما يترقب تنبيها على أنه الأولى بالقصد ووجه ذلك أنهم سألوا عن أجرام الأهلة باعتبار زيادتها ونقصانها فأجيبوا بالحكمة التي كانت تلك الزيادة والنقصان لأجلها لكون ذلك أولى بأن يقصد السائل وأحق بأن يتطلع لعلمه قوله ﴿وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها﴾ وجه اتصال هذا بالسؤال عن الأهلة: أن الأنصار كانوا إذا حجوا لا يدخلون من أبواب بيوتهم إذا رجع أحدهم إلى بيته بعد إحرامه قبل تمام حجه لأنهم يعتقدون أن المحرم لا يجوز أن يحول بينه وبين السماء حائل وكانوا يتسنمون ظهور بيوتهم وقال أبو عبيدة إن هذا من ضرب المثل والمعنى ليس البر أن تسألوا الجهال ولكن البر التقوى واسألوا العلماء كما تقول أتيت هذا الأمر من بابه وقيل هو مثل في جماع النساء وأنهم أمروا بإتيانهن في القبل لا في الدبر وقيل غير ذلك] (١) بيان الدليل على ما سبق تقريره:

стр. 73

من ذلك ما ذكره الشوكاني في تفسير قوله تعالى ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ﴿١٦٣﴾ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴿١٦٤﴾ ﴾ [سورة البقرة] قال الشوكاني [لما ذكر سبحانه التوحيد بقوله ﴿وإلهكم إله واحد﴾ عقب ذلك بالدليل الدال عليه وهو هذه الأمور التي هي من أعظم صنعة الصانع الحكيم مع علم كل عاقل بأنه لا يتهيأ من أحد من الآلهة التي أثبتها الكفار أن يأتي بشيء منها أو يقتدر عليه أو على بعضه] (١) المناسبة بين السورة وسابقتها: ولم يعن الشوكاني بهذا الجانب كثيرا، لكنه في تفسير سورة الحج أورد مناسبة بينها وبين ما قبلها فقال: " لما انجر الكلام في خاتمة السورة المتقدمة إلى ذكر الإعادة وما قبلها وما بعدها بدأ سبحانه في هذه السورة بذكر القيامة وأهوالها حثا على التقوى التي هي أنفع زاد فقال تعالى (يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم) . (٢) وفي تفسير سورة قريش ذكر ارتباطها بسابقتها أعني سورة الفيل التي تسبقها في ترتيب المصحف فسورة الفيل نزلت بعد سورة الكافرون وسورة قريش نزلت بعد سورة التين.

стр. 74

يقول الشوكاني ﵀: [اللام في قوله ﴿لإيلاف﴾ قيل هي متعلقة بآخر السورة التي قبلها كأنه قال سبحانه أهلكت أصحاب الفيل لأجل تآلف قريش قال الفراء هذه السورة متصلة بالسورة الأولى لأنه ذكر سبحانه أهل مكة بعظيم نعمته عليهم فيما فعل بالحبشة ثم قال ﴿لإيلاف قريش﴾ أي فعلنا ذلك بأصحاب الفيل نعمة منا على قريش وذلك أن قريشا كانت تخرج في تجارتها فلا يغار عليها في الجاهلية يقولون هم أهل بيت الله حتى جاء صاحب الفيل ليهدم الكعبة ويأخذ حجارتها فيبنى بها بيتا في اليمن يحج الناس إليه فأهلكهم الله فذكرهم نعمته أي فعل ذلك لإيلاف قريش أي ليألفوا الخروج ولا يجترأ عليهم وذكر نحو هذا ابن قتيبة قال الزجاج والمعنى فجعلهم كعصف مأكول لإيلاف قريش أي أهلك الله أصحاب الفيل لتبقى قريش وما قد ألفوا من رحلة الشتاء والصيف وقال في الكشاف إن اللام متعلق بقوله فليعبدوا أمرهم أن يعبدوه لأجل إيلافهم الرحلتين ودخلت الفاء لما في الكلام من معنى الشرط. وقد تقدم صاحب الكشاف إلى هذا القول الخليل بن أحمد والمعنى إن لم يعبدوه لسائر نعمه فليعبدوه لهذه النعمة الجليلة وقال الكسائي والأخفش اللام لام التعجب أي اعجبوا لإيلاف قريش وقيل هي بمعنى إلى] (١) . مناسبة إيراد القصة: من المناسبات التي أبرزها الشيخ في بعض الأحيان بيان المناسبة التي من أجلها سيقت القصة: من ذلك ما ذكره في مناسبة إيراد قصة ابني آدم ﵇ في سورة المائدة في سياق الحديث عن مفاسد بني إسرائيل وظلمهم: [وجه اتصال هذا بما قبله التنبيه من الله على أن ظلم اليهود ونقضهم المواثيق والعهود هو كظلم ابن آدم لأخيه فالداء قديم والشر أصيل] (٢)

стр. 75

ومن ذلك أيضا ما ذكره في سر إيراد قصة امرأة لوط وامرأة نوح في سورة التحريم حيث يقول ﵀ [قال يحيى بن سلام ضرب الله مثلا للذين كفروا يحذر به عائشة وحفصة من المخالفة لرسول الله ﵌ حين تظاهرتا عليه وما أحسن من قال فإن ذكر امرأتي النبيين بعد ذكر قصتهما ومظاهرتهما على رسول الله ﵌ يرشد أتم إرشاد ويلوح أبلغ تلويح إلى أن المراد تخويفهما مع سائر أمهات المؤمنين وبيان أنهما وإن كانتا تحت عصمة خير خلق الله وخاتم رسله فإن ذلك لا يغني عنهما من الله شيئا وقد عصمهما الله عن ذنب تلك المظاهرة بما وقع منهما من التوبة الصحيحة الخالصة] (١) *وفي تفسيره لسورة هود حيث ورد العديد من قصص الأنبياء التي استهلت بقصة نوح ﵇ يقول الشوكاني: [لما أورد سبحانه على الكفار المعاصرين لمحمد ﵌ أنواع الدلائل التى هى أوضح من الشمس أكد ذلك بذكر القصص على طريقة التفنن في الكلام ونقله من أسلوب إلى أسلوب لتكون الموعظة أظهر والحجة أبين والقبول أتم فقال ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴿٢٥﴾ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللهَ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ ﴿٢٦﴾ (٢) ربط القصة بالقصة: من وجوه المناسبات التي أبرزها الشيخ الربط بين القصة والقصة: ففي تفسيره لسورة سبأ يذكر المناسبة بين قصتي داود وسليمان ﵉ وبين قصة سبأ فيقول: [لما ذكر سبحانه حال بعض الشاكرين لنعمه عقبه بحال بعض الجاحدين لها فقال ﴿لقد كان لسبأ﴾ (٣) ] (٤)
следующие страницы →