بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة الطبعة الجديدة:
الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، والصلاة والسلام على رسولنا محمد الذي بحديثه وسننه الصحيحة اهتدينا، المخاطب بقوله تعالى في القرآن الكريم: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (١) ، وعلى آله وصحبه الغر الميامين، الذين أثنى الله عليهم بقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٢) ، وعلى من اقتدى بهم وسار على منهجهم إلى يوم الدين.
أما بعد؛ فبين يدي القراء الكرام الطبعة الجديدة من المجلد الأول من كتابي "سلسلة الأحاديث الصحيحة"، وتمتاز هذه الطبعة على سابقاتها -كما هي العادة في الطبعات الجديدة لسائر كتبي- بفوائد جديدة، وتحقيقات عديدة، وبردود قوية على بعض المعتدين على هذا العلم
стр. 2
الشريف، الذين يصدق فيهم المثل المعروف: "تزبب قبل أن يتحصرم"؛ لأنهم جهلة بهذا العلم أولاً، ثم هم لا يقيمون وزناً للعارفين به من العلماء قديماً وحديثاً ثانياً، وقد ينضم إلى ذلك حقد دفين، وإعجاب بالرأي مهلك ثالثاً، لسان حال أحدهم يقول: "يا أرض اشتدي، ما عليك أحد قدي"! كما يقال في بعض البلاد!
وبين يدي الآن جزء صغير بعنوان "الأحاديث الضعيفة في سلسلة الأحاديث الصحيحة" للمدعو رمضان محمود عيسى، الناشر: دار الفكر - الخرطوم، انتقد من هذا المجلد من "السلسلة الصحيحة" اثني عشر حديثاً، لم أر في نقده إياها شيئاً من العلم والفهم يستفاد منهم، وإنما هو يلوك بعض القواعد العلمية يركن إليها، وهو لم يعها، أو لم يفهمها فهماً جيداً.
وطريقته في النقد أنه ينقل كلامي وتخريجي للحديث، ثم يعقب عليه ناقداً بجهله وهواه، تحت عنوان (التعليق) ، ثم يبدي رأيه الفج في تضعيف الحديث، يختلف ذلك عنه باختلاف نوعية الحديث:
فهو تارة يضعف الراوي الثقة بقول من قال: "يروي المناكير عن فلان" (ص ١٧) ، وهذا لا يعني التضعيف المطلق في اصطلاح العلماء؛ فهو ليس كمن قيل فيه: "منكر الحديث".
وتارة يجهل أن قول الصحابي: "من السنة كذا"؛ أنه في حكم المرفوع (ص ٣٤) ، فضعف بذلك الحديث الآتي برقم (٢٢٩) ، كما أنه لا يقيم وزناً مطلقاً لعمل الصحابة به، وهذا من كمال جهله وقلة تقديره لثناء
стр. 3
الله عليهم؛ كما تقدم في افتتاحية هذه المقدمة.
ثم هو في الغالب يضعف بقية الأحاديث بضعف مفردات طرقها، وهو بذلك يعني أنه لا يعتد بقول العلماء: إن الحديث الضعيف يتقوَّى بكثرة الطرق ما لم يشتد ضعفها.
وإليكم مثالاً واحداً من تلك الأحاديث التي جار عليها وضعفها، وهو الحديث الأول عنده، والآتي برقم (١٠٩) :
قال (ص ٩) بعد أن نقل تخريجي إياه واستفاد منه عللَ طرقه:
"والحديث بها ضعيف؛ لأنه فقد في الأول والثاني والثالث والرابع شرط العدالة، وفي الخامس شرط الاتصال، ومما هو معلوم لدى علماء المصطلح أن طرق الكذابين والمتروكين والمجاهيل والأسانيد المنقطعة لا يقوي بعضها بعضاً، ولو كانت مئة طريق، والله أعلم".
وهذا الكلام وحده ينبىء من كان على شيء من المعرفه بهذا العلم أنه جاهل لا يستحق المناقشة؛ لأنه سوَّى فيه بين طرق الكذابين والطرق الأخرى التي هي دونها في الضعف، وهذا مع كونه خطأ في نفسه؛ فهو افتراء على العلماء؛ لأنهم يفرقون بين ما خف ضعفه فيقوى الحديث بمثله، وبين ما اشتد ضعفه، وعلى هذا التفريق جرينا منذ فقّهنا الله ﵎ هذا العلم، وعلى هذا الأساس بنيت صحة هذا الحديث، لأن أكثر طرقه ليس فيها ضعف شديد، لا سيما وقد وقفت على طريق أخرى عن مجاهد بإسناد رجاله ثقات، وصححه الحافظ ابن حجر، فألحقته بالطرق الأخرى تقوية لها كما سترى في هذه الطبعة إن شاء الله، وذلك من
стр. 4
فوائدها.
وقد يتساءل بعض القراء الألباء، فيقول:
ما الذي يحمل هؤلاء الجهلة على الرد على الألباني، وقد وضع الله له القبول في الأرض -بإذنه تعالى-، وانتفع بكتبه ومؤلفاته من شاء الله من العلماء وطلاب العلم؟
فأقول: هناك أسباب أهمها -أو من أهمها- الحسد، مصداق قوله ﷺ : "دبَّ إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء، والبغضاء هي الحالقة، أما إني لا أقول: تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين" (١) .
وبعض هؤلاء الذين ينتصبون للرد عليّ يكاد أحدهم يفصح عن هذا السبب بقلمه؛ فهذا صاحب الجزء المردود عليه يذكر في مقدمته أن أحد إخوانه (٢) اقترح عليه أن يراجع "سلسلة الأحاديث الصحيحة" للشيخ محمد ناصر الدين الألباني؛ قال:
"لأن فيها أحاديث ضعيفة، والناس يأخذونها بثقة تامة على أنها محقَّقة وصحيحة ... "!
ومن تلك الأسباب الخلاف الفكري أو المذهبي، وحب الظهور.
وقد تتوفر هذه الأسباب كلها في بعض الرادين عليّ؛ كذا المدعو بـ (حسن السقاف) ؛ فإنه لم يكن أحد يسمع باسمه من قبل، فوصل بذلك
стр. 5
إلى ما يريده من الظهور، ولو على حساب الطعن في السنة وأهلها، ومن العجيب أنه يتظاهر أنه صوفي، والصوفية على خلافه؛ فإن من مذهبهم الخمول لا الظهور، حتى قال أحد قدمائهم: "كن ذنباً ولا تكن رأساً"! وهو إلى ذلك خلفي العقيدة، معتزلي النزعة، ينكر الصفات الإِلهية، ويرمي المؤمنين بها من الأئمة وأتباعهم -وأنا منهم والحمد لله- في تعليقاته التي سوَّدها على كتاب ابن الجوزي "دفع شبه التشبيه"، ويكذب عليهم أنواعاً من الأكاذيب لو استقصيت لكان من ذلك كتاب في مجلد؛ فهو يقول -على سبيل المثال- (ص ١١٤) من تعليقاته:
"ندم الحافظ ابن خزيمة على تأليفه كتابه "التوحيد" أخيراً؛ كما روى ذلك الحافظ البيهقي في "الأسماء والصفات" (ص ٢٦٧) ".
وهذا كذب مزدوج؛ لأن ابن خزيمة لم يندم البتة، ولأن البيهقي لم ينسب ذلك إليه، وكيف يعقل أن يندم الحافظ ابن خزيمة على "توحيده" وهو الإِيمان المحض؟! بل كيف يعقل أن ينقل ذلك الحافظ البيهقي؟! سبحانك هذا بهتان عظيم من أفاك أثيم.
وأنت أيها القارىء الكريم! إن رجعت إلى الصفحة المذكورة من "الأسماء والصفات"؛ لم تجد فيها الندم المفترى، وإنما فيها اعتراف ابن خزيمة بأنه لا يحسن علم الكلام، في قصة رواها البيهقي إن صحت؛ فإن أبا الفضل البطاييني لم أعرفه، ولا ذكره السمعاني في هذه النسبة؛ فالله أعلم به، ومع ذلك فإني أقول:
إن الاعتراف المذكور من ابن خزيمة -إن صح عنه- لا يعيبه كما
стр. 6
يظن ذلك الجاهل المغرض، بل هو مما يرفع من شأنه، ويزيد من فضله؛ فإن له في ذلك الأسوة الحسنة بالسلف الصالح والأئمة الأربعة ومن تبعهم بإحسان، وليس منهم يقيناً علماء الكلام، كيف وهم القائلون: "علم السلف أسلم، وعلم الخلف أعلم وأحكم" (١) ؟! وهذا هو الكفر بعينه لو كانوا يعلمون، ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ (٢) .
كيف لا ورسول الله ﷺ على رأس السلف الذين غمزوا من علمهم! وليس الآن مجال ضرب الأمثلة التي خالفوا فيها سلف الأمة، ولكن يكفي المسلم الموفق أن يعلم أنهم وافقوا المعتزلة والخوارج في كثير من ضلالاتهم، من ذلك قولهم بأن القرآن كلام الله مخلوق، لكنهم لا يصرحون تصريح المعتزلة، بل يقولون -تقية-: كلام الله، غير مخلوق"! ثم يتأولونه بالكلام النفسي الذي لا يسمع! ولكنه يفهم! فعطلوا بذلك صريح قوله تعالى لكليمه موسى ﵇: ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ (٣) ، فجعلوا الكلام الإِلهي هو العلم الإِلهي (٤) ، فعطلوا صفة الكلام، ولكن باللف والدوران! تماماً كما فعل المعتزلة -أو بعضهم- بصفة السمع والبصر، فقالوا: إن المراد: العلم (٥) ! فعطلوا بذلك صفتي السمع والبصر كما عطلوا صفة
стр. 7
الكلام، فإن لم يكن هذا هو التعطيل؛ فليس في الدنيا تعطيل.
ولوضوح بطلان علم الكلام تاب منه جمع من أفاضل علمائهم (١) ؛ مثل الشيخ العلامة أبي محمد عبد الله بن يوسف الجويني والد إمام الحرمين ﵏، ورسالته في إثبات الاستواء والفوقية والحرف والصوت في القرآن المجيد، من أقوى الأدلة على ذلك؛ فقد كتبها نصيحة لأخوانه في الله، بيَّن لهم فيها سبب تراجعه عن الأشعرية إلى السلفية، وهي مفيدة جدّاً لمن كان يرجو الله واليوم الآخر؛ فلتراجع في "مجموعة الرسائل المنيرية" (١/٥٧٠-٥٨٧) .
ولقد جرى على سننه ابنه إمام الحرمين، في التوبة والرجوع إلى مذهب السلف، كما حكى ذلك عنه غير واحد من العلماء، منهم الحافظ ابن حجر العسقلاني؛ فقد نقل في "الفتح" (١٣/٣٥٠) عنه أنه لم يستفد من علم الكلام إلا الحيرة، ولذلك قال:
"والآن؛ فقد رجعت واعتقدت مذهب السلف".
وقال عند موته ناصحاً لأصحابه كما فعل أبوه من قبل:
"يا أصحابنا! لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت أنه يبلغ بي ما بلغت؛ ما تشاغلت به".
وإذا أردت أيها القارىء الكريم أن ترى أثراً من آثار علم الكلام الخطيرة، والمنافية للنقل الصحيح والعقل الصريح؛ فاقرأ كتب الكوثري
стр. 8
ومن جرى مجراه، كذاك التلميذ السقاف، فسوف ترى ما يزيدك بصيرة وقناعة بأن الذي يتعلمونه منهم إنما ﴿يَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ (١) ، بل هو الكفر بعينه إذا التزموه، ولا أدل على ذلك من اتفاقهم على إنكار صفة العلو لله العلي القطعية الثبوت القطعية الدلالة؛ لتواترها في الكتاب والسنة وأقوال السلف والأئمة، محكمين فيها عقولهم العفنة، ومن ثم فقد اختلفوا:
فمنهم -كالإِباضية والمعتزلة (٢) - من قال: إنه في كل مكان! ولازمه القول بالحلول أو وحدة الوجود كما هو عقيدة غلاة الصوفية!
ومنهم من يقول: إنه لا فوق ولا تحت، ولا يمين ولا يسار، ولا أمام ولا خلف، لا داخل العالم ولا خارجه! ولقد سمعت هذا من بعض المشايخ في دمشق في خطبة الجمعة!! وأغرق بعضهم في التعطيل، فقال: لا متصلاً به، ولا منفصلاً عنه!!
وهذا لعمر الله هو الكفر والجحد للوجود الإِلهي؛ فإنه لو قيل لأفصح العرب بياناً: صف لنا المعدوم الذي لا وجود له؛ لما استطاع أن يصفه بأكثر من هذا الذي وصف هؤلاء به ربهم!!
стр. 9
وهذا الجحد هو الذي وقع فيه هذا الجاهل المتعالم الطاعن في أئمة السلف، والمفتري على أهل السنة شتى الافتراءات، فقال في رسالته المزعومة "التنديد لمن عدد التوحيد" (ص ٥٠) :
"صرح أهل السنة والجماعة بأن الله سبحانه لا يوصف بأنه خارج العالم ولا داخله".
وكرر هذا في رسالة أخرى له أسماها كذباً وزوراً: "عقيدة أهل السنة" (ص ٢٦) .
قلت: فلينظر المسلم في هذا الوصف: هل هو وصف لموجود أم لمعدوم؟! ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ (١) .
ورحم الله شيخ الإِسلام ابن تيمية؛ فإنه أصاب كبد الحقيقة حين وصف هؤلاء النفاة المعطلة ومعارضيهم من المشبهة بقوله:
"المشبه يعبد صنماً، والمعطل يعبد عدماً، المشبه أعشى، والمعطل أعمى"!
والحق الذي عليه السلف والأئمة: إثبات الصفات بدون تشبيه، وتنزيه بدون تعطيل.
ومن اللطائف التي وقعت لبعض الأمراء العقلاء أنه لما سمع ذلك الوصف المعطل من بعض المشايخ المجادلين بالباطل؛ قال:
"هؤلاء قومٌ أضاعوا ربَّهم"!
стр. 10
ويبدو لي أن ذلك الجاهل الطاعن في السلف شعر بخطورة الوصف المذكور، وأنه مرفوض نقلاً وعقلاً؛ لذا لجأ إلى التدليس على القراء بعبارة أخرى تؤدي الغرض الكمين في نفسه دون أن ينتبه له عامة قرائه، فقال في تعليقه له على كتاب ابن الجوزي المتقدم (ص ١٢٧) :
"وهنا أمر مهم جدّاً، وهو أننا لا نقول بأن الله موجود في كل مكان ألبتة، بل نكفر من يقول ذلك، ونعتقد أن الله سبحانه موجود بلا مكان؛ لأنه خالق المكان"!
فأقول: هذا تصريح منك يناقض تصريحك السابق: أن الله تعالى ليس بخارج العالم، وذلك أنه لا مكان خارج العالم، فإن كنت صادقاً في قولك هذا؛ فقد اهتديت ورجعت إلى عقيدة السلف التي كنت ولا تزال -فيما نعلم- تتهم من دان بها بالكفر والتجسيم؛ مثل ابن تيمية وغيره كمثلي، وإلا قرأنا عليك قول الحق: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ (١) ؛ مذكِّرين بالمثل العامي: من كان بيته من زجاج؛ فلا يرم الناس بالحجارة!
وإن من تلك الآثار السيئة لعلماء الكلام والمتأثرين بفلسفتهم كذاك السقاف المغرور بهم: أنهم لا يقيمون وزناً لجهود أئمة الحديث وعلمائهم ونقادهم؛ فإنهم يسلطون أهواءهم على ما صححوا من الأحاديث أو ضعفوا، فما راق لهم منها قبلوه واحتجوا به، ولو كان ضعيفاً، وإلا رفضوه ولو كان صحيحاً!! وهذا ظاهر جدّاً في المتقدمين منهم والمتأخرين، وأوضح مثال على ذلك الشيخ الكوثري، وعبد الله الغماري؛ فقد ضعفوا
стр. 11
حديث الجارية الذي فيه سؤاله ﷺ : "أين الله؟ ". قالت: في السماء: قال ﷺ : "أعتقها فإنها مؤمنة"، وتبعهم على ذلك ذاك الهالك في تقليدهم؛ السقاف! بل إنه زاد عليهم طغياناً وغروراً، فقال في "تعليقه على دفع شبه التشبيه" (ص ١٠٨) :
"ونحن نقطع بأن النبي ﷺ لم يقل: أين الله"!
وقال (ص ١٨٨) :
"ذاك اللفظ المستشنع"!
يقول المستهتر هذا وهو يعلم أن الحديث متَّفق على صحته عند علماء المسلمين، متلقى بالقبول خلفاً عن سلف، واحتج به كبار الأئمة؛ كمالك والشافعي وأحمد وغيرهم، وصححه مسلم وأبو عوانة وابن الجارود وابن خزيمة وابن حبان، ثم تبعهم على ذلك جماعة من الحفاظ -وبعضهم من المتأولة- كالبيهقي والبغوي وابن الجوزي والذهبي والعسقلاني وغيرهم.
فماذا يقول المسلم العاقل في جاهل جاحد مكابر يخالف هؤلاء الأئمة والحفاظ؟! ويستشنع لفظ النبي ﷺ الذي صححوه!! بل ويصف الذين يرددون هذا اللفظ النبوي (ص ١٨٧) بـ (المجسمة) ، بل ويصف فضيلة الشيخ ابن باز لأنه انتصر في تعليقه على "الفتح" (١/١٨٨) لعقيدة استواء الله على عرشه، وأنه يجوز السؤال بـ (أين الله؟) ، فيقول مشيراً للشيخ حفظه الله:
"ولا عبرة بكلام المعلق عليه -"الفتح"- البتة، لأنه لا يعرف
стр. 12
التوحيد، فليخجل بعد هذا من يدعو الناس إلى عقيدة "الله في السماء" وليتب"!!
وبالجملة؛ فهو جهمي جلد، ينكر معاني آيات الصفات بطريق التأويل والتعطيل، كما فعل بآيات الاستواء، وينكر أحاديث الصفات الصحيحة بادعاء ضعفها ومخالفة علماء الحديث والجرح والتعديل، كهذا الحديث ونحوه كثير؛ فهو يضعف قوله ﷺ : "رأيت ربي في أحسن صورة"، ويفتري في تخريجه على بعض الأئمة، كما يضععف أحاديث اليدين والقبضة والأصابع والضحك وغيرها، فلعل بعض إخواننا يتفرغون له، ويكشفون للناس جهله وضلاله وعواره، كفى الله المؤمنين شروره.
إذا عرفت أيها القارىء الكريم ما سبق من البيان لحال هذا الإِنسان -وهو قل من جل- ينكشف لك سبب حمله وطعنه على أتباع السنة وأئمتها والداعين إليها والذابين عنها، فلا يكاد يخلو صفحة من صحائف ما سوَّده من غمزه ولمزه، وقد خصَّني بقسط وافر منه، فلا يكاد يذكرني إلا وهو يصفني بـ (المجسم) و (المتناقض) !! مقروناً بالزور والكذب، الأمر الذي يدل دلالة قاطعة على أنه يحمل في قلبه ﴿غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا﴾ ! وأنه دبَّ إليه داء الأمم من قبلنا: البغضاء والحسد، هي الحالقة: حالقة الدين والعياذ بالله، إلى جهل بالغ بطرق نقد الأحاديث وتصحيحها.
ولا أدل على ذلك من كتابه الذي أسماه بـ "تناقضات الألباني"! فإنه يطفح حقداً وجهلاً وغروراً، مما ذكرني ببعض أشراط الساعة التي منها قوله ﷺ : "وينطق فيها الرُّوَيْبِضَة". قيل: وما الرويبضة؟ قال: "الرجل التافه
стр. 13
(وفي طريق: السفيه) (١) يتكلم في أمر العامة".
ولست الآن في صدد الرد عليه؛ فهو أتفه عندي وأحقر من أن أضيع في ذلك وقتي، ولكن لا بدَّ لي هنا من كلمات مختصرات بقدر الإِمكان، تتلاءم مع هذه المقدمة، فأقول:
أولاً: الكتاب مشحون بالافتراءات والأكاذيب -كعادته في كل ما يسود-؛ فهاك مثالاً واحداً يغنيك عن غيره، قال في مقدمته (ص ٤) :
"وغير خاف أن الشيخ يعد نفسه وكذا من فتن به أنه وحيد دهره وفريد عصره، وأن كلامه لا يجوز الاستدراك عليه، وأنه فاق السابقين في الوقوف على أطراف الحديث وزياداته وتمحيصها ... " إلخ هرائه.
وليس لي ما أقوله تجاه هذه الفرية ذات القرون سوى ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ (٢) وإثم مبين، لا يصدر إلا ممن لا يؤمن بمثل قول رب العالمين: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ (٣) ؛ فإن ما يطبع مجدداً من كتبي، وما أصرح به في كثير منها حتى في مقدماتي؛ لتستأصل شأفة فريته هذه استئصالاً، وتصفع بها وجهه الكالح صفعاً، مثل قولي في مقدمة الطبعة الثامنة من كتابي "صحيح الكلم الطيب" (ص ٩) :
стр. 14
"حذفنا أربعة أحاديث تبين لي أنها ليست من شرطنا ... والثاني منها كان قد راجعني فيه بعض إخواننا الطلاب كتابيّاً وشفهيّاً؛ فلهم الفضل والشكر".
ومثله ما تراه في مقدمة الطبعة الجديدة للمجلد الأول من "الضعيفة" في الرد على أمثال هذا الباهت من جهة، وبيان سبب التراجع عن بعض الآراء والأحكام الذي يعتبره هذا الظالم تناقضاً من جهة أخرى، فراجعها؛ فإنها مهمة جدّاً.
ومثله ... ومثله ... مما يصعب حصره.
ثم إننا نقول لك: ما هو الفرق بين اتهامك هذا وبين ما لو قال لك قائل:
إنك -دون شك أو ريب- دسيس بين المسلمين، ومن أعداء الإِسلام كاليهود أو غيرهم؛ لإِفساد عقائدهم، وإيقاع البلبلة في صفوف عامتهم، بما تبثه فيما ينسب إليك من المؤلفات التي تشعر أن من ورائك من يمدك في الغي والطعن في أئمة المسلمين وحفاظهم، كمثل قولك في كتاب "التوحيد" لابن خزيمة: إنه كتاب شرك، وتضعيفك لإِمام السنة حماد ابن سلمة، وتكفيرك لشيخ الإِسلام ابن تيمية ومن نحا نحوه، وهذا كله مبثوث في المؤلفات المشار إليها، وبخاصة التعليق على "دفع الشبه"، لو قال لك قائل هذا، فما هو ردك؟ فمهما كان جوابك، فهو حجتنا عليك.
وفي ختام هذا المقطع ألفت نظر القراء إلى شريط مسجل بعنوان "موتوا بغيظكم" للأخ الفاضل الدكتور ناصر العمر؛ ففيه البيان الكافي في
стр. 15
الرد على هذا الجاني وما يرمي إليه بطعنه على الألباني.
ثانياً: ليس لـ "تناقضاته" أية قيمة علمية تذكر؛ لأنه إذا كان مصيباً في شيء مما ادعاه من التناقض؛ فذلك لا يعني أكثر من أن الألباني بشر يخطىء كما يخطىء غيره؛ فلا فائدة للقراء من بيانها، ولا سيما أن الألباني نفسه يعلن ذلك كلما جاءت المناسبة؛ كما تقدم ويأتي.
ثالثاً: أن الذي يفيد القراء إنما هو بيان الصحيح من تلك التناقضات المزعومة، وذلك مما لم يفعل؛ لأن غرضه إرواء غيظ قلبه بالتشهير بالألباني ورفع الثقة بعلمه، وصرف القراء عن الاستفادة منه ﴿مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ (١) ، وليس غرضه النصح لقرائه، ولو أنه فعل؛ لكشف للناس عن جهله وبعده عن التحقيق العلمي، كما سينكشف ذلك بالأمثلة التالية مما انتقده في هذا المجلد.
الحديث الأول برقم (٢٠١) : نقلت هناك تضعيفي لإِسناده بشريك في تعليقي على الحديث في "المشكاة"، وأنني تبعت في ذلك جمعاً من الحفاظ، ثم صححته من طريق أخرى لم يقفوا عليها؛ فهل في هذا شيء من التناقض أيها القراء؟! فماذا يمكن أن يُقال في هذا الجاني الذي ذكر هذا (١/٤٠) مثالاً للتناقض، ثم لم ينصح للقراء ببيان الصواب في الحديث: أهو صحيح أم ضعيف؟!
ونحو هذا أحاديث أخرى زعم فيها التناقض؛ كالحديث الآتي (١١٣ و١١٤) ، وإنما هو في مخه!
стр. 16
الحديث الثاني برقم (٢٨٠) : قويته هناك من رواية أبي نضرة وغيره عن أبي سعيد الخدري بلفظ مختصر جدّاً:
"كان رسول الله ﷺ يوصينا بكم؛ يعني: طلبة الحديث".
وضعفته في "المشكاة"؛ لأنه من رواية أبي هارون العبدي، المتهم بالكذب، عن أبي سعيد مطولاً بلفظ: قال:
"قال رسول الله ﷺ : إن الناس لكم تبع، وإن رجالاً يأتونكم من أَقطار الأرض يتفقهون في الدين، فإذا أتوكم؛ فاستوصوا بهم خيراً".
ومع هذا التفاوت سنداً ومتناً المستلزم تفاوت الحكم عليهما تصحيحاً وتضعيفاً، زعم الجائر الجاني (ص ٦٠) أن هذا تناقض! فاعتبروا يا أولي الأبصار!
الحديث الثالث (٢٣٠) : خرجته هناك من رواية أبي داود وغيره، ثم قلت:
"وأصله في "صحيح البخاري" ... ".
فتعقبني الجائر الجاني بقوله (ص ١٨٦) :
"كذا قال، والحديث برمته وبحروفه في البخاري (رقم ٧٨٣) ، ويكفيه تلبيس ... " إلخ بهته.
وهذا كذب مكشوف لا يصدر إلا من كل أفاك أثيم؛ فالحديث في البخاري بالرقم الذي ذكره الجاني، ومن خباثته لم يذكر لفظه؛ تضليلاً لقرائه، وهاك هو:
стр. 17
"عن أبي بكرة أنه انتهى إلى النبي ﷺ وهو راكع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فقال: زادك الله حرصاً ولا تعد".
فقابل أيها القارىء الكريم هذا اللفظ باللفظ المخرج هناك؛ تجد أن قولي: "وأصله في "صحيح البخاري" ... "؛ صواب ودقيق، استفدته من الممارسة لهذا العلم الشريف؛ ففيه هناك زيادتان ليستا عند البخاري مع اختلاف سياقه عنه، وهما:
الأولى: مشي أبي بكرة إلى الصف.
والأخرى: قوله ﷺ : "أيكم الذي ركع دون الصف ثم مشى إلى الصف؟ ".
ولذلك عزا الحافظ في "الفتح" (٢/٢٦٨) هاتين الزيادتين لأبي داود وغيره؛ فهل صدق المأفون في قوله: "إن الحديث برمته وحروفه في البخاري"؟! ومن هو الملبس؟! أدع الحكم للقراء، وصلى الله على محمد القائل: "إذا لم تستحيِ؛ فاصنع ما شئت"!
***
وهناك شخص آخر ابتلي الناس والمكتبة الإِسلامية به أخيراً، ممَّن يصدق فيه المثل المعروف "تزبب قبل أن يتحصرم"؛ كالذي قبله، لكنه يختلف عنه في أسلوبه؛ فذاك يشكك الناس في السنة في الطعن في شخص الألباني ورميه بالنقائص والجهل! وهذا يتظاهر بالثناء على الألباني وتقدير علمه، ولكنه يطعن في السنة مباشرة بتضعيفه للأحاديث الصحيحة التي صححها العلماء.
стр. 18
وقد كنت بينت شيئاً من حاله، وذكرت نماذج من الأحاديث التي ضعفها في المجلد الثاني الذي طبع حديثاً من هذه السلسلة، فليرجع القراء إلى مقدمته وبعض الاستدراكات المطبوعة في آخره، الذي أرجو أن يكون في متناول أيديهم قريباً إن شاء الله.
ولما كان قد ضعف أيضاً بضعة أحاديث من هذا المجلد الأول من "الصحيحة"، رأيت أنه لا بدَّ لي من بيان خطئه في ذلك ومخالفته لقواعد أهل هذا العلم وأحكامهم.
١- الحديث (١٢- لا تتخذوا الضيعة ... ) .
هذا الحديث من تلك الأحاديث الصحيحة التي كان المومى إليه قد استلَّها من كتاب "رياض الصالحين" في عشرات من الأحاديث الأخرى ضعفها كلها، وطبعه بهذا الاسم! دونها، ولكنه جمعها في باب خاص ألحقه بآخر طبعته تحت عنوان: "الأحاديث الضعيفة المحذوفة من أصل الكتاب"!!
وإن من غرائبه أن تخريجه لهذه الأحاديث قد استفاده غالباً من كتبي وتخريجاتي، فهو يضعها أمامه، ثم ينقد ما فيها حسب هواه، ولا يتعرض بذكر لما يخالفه.
فهذا الحديث مثلاً قد قوَّاه من الأئمة الحفاظ جمع؛ كالترمذي وابن حبان والحاكم، والذهبي ومن قبله كالنووي والمزي، ثم الحافظ العسقلاني، وكذا الشارح للحديث؛ كالقرطبي الذي جمع بينه وبين غيره من الأحاديث الصحيحة؛ فإن من المعلوم أن الجمع فرع التصحيح، فلم
стр. 19
يعبأ بهؤلاء جميعاً ولا بغيرهم كالإِمام البغوي؛ فإنه حسنه أيضاً في "شرح السنة" (١٤/٢٣٧) ، ومثلهم كثير لو تيسر تتبعهم، ولا بقاعدتهم في تقوية الحديث بمجموع طرقه؛ كما فعل مثله في الحديث الذي قبله كما ستراه برقم (١١) .
فأخذ المومى إليه يضعف هذا الحديث من طريقيه اللذين ذكرتهما هناك، فقال في الطريق الأولى (٥١٨/٢٣) :
"فيه جهالة سعد بن الأخرم".
فتجاهل الحقائق التالية:
أنه قيل بصحبته.
وأنه وثقه ابن حبان والعجلي.
وأنه حسنه مخرجوه: الترمذي، والبغوي.
وتصحيح الحاكم وغيره ممَّن سبق ذكره!
وأعل الطريق الأخرى بقوله:
"فيه ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف".
وكأنه اكتشف بهذا التضعيف أمراً كان خافياً علي! مع أنني نبهت هناك على ضعفه بقولي:
"وسنده حسن في الشواهد".
ولكنني نبهت بهذا أن ضعفه ليس بشديد، ولذلك حسنت حديثه كشاهد، فلم يجب عن ذلك بشيء، وليست هذه طريقة العلماء الذين
стр. 20
يدافعون بحق عن حديث رسول الله ﷺ ، بل هي طريقة أهل الأهواء الذين يحكمون بالضعف على الأحاديث الصحيحة، ثم يلتمسون لها عللاً غير قادحة، وها هو المثال بين يديك أيها القارىء الكريم؛ فإن ليثاً هذا ليس ضعفه شديداً بحيث إنه لا يستشهد به كما أوهم هذا (المتزبب) ؛ فقد أخرج له مسلم في "صحيحه" مقروناً بغيره، وهذا صريح منه بأنه يستشهد به، وقد بين السبب الحافظ الناقد الإِمام الذهبي فقال في "الكاشف":
"فيه ضعف يسير من سوء حفظه".
وهذا معنى ما ختم به ابن عدي ترجمة ليث في كتابه "الكامل" (٦/٨٧) بعد أن روى عن جمع تضعيفه:
"له أحاديث صالحة، وقد روى عنه شعبة والثوري وغيرهما من الثقات، ومع الضعف الذي فيه يكتب حديثه".
فهذا كله يدل على أن مجرد كون الراوي ضعيفاً لا يعني عند العلماء أنه لا يستشهد به، كما كنت شرحت ذلك فيما مضى، وهذا مما يجهله هذا الرجل، ولذلك ابتلي بالتوسع جدّاً في تضعيف الأحاديث الصحيحة. والله المستعان.
وإن من عجبه وغروره أنه يتقوَّى في التضعيف المذكور بالشيخ شعيب الأرناؤوط، فيختمها بقوله: "وافقني على تضعيفه الشيخ شعيب"!
ولست أدري -والله- إذا كان صادقاً في هذا، وهل استطاع أن يستجر الشيخ بطريقة أو بأخرى إلى موافقته؟! ولكني أدري أن الواقع يكذبه في بعض تلك الأحاديث على الأقل، وهذا منها؛ فإنه مع ادعائه الموافقة المذكورة فيه؛ رأيت الشيخ قد خالفه في تعليقه على "شرح السنة" (١٤/
стр. 21
٢٣٧) ، فقال بعد أن نقل تحسين الترمذي وتصحيح الحاكم والذهبي للحديث:
"وله شاهد من حديث ابن عمر عند المحاملي في "الأمالي" (٦٩/٢) ، وسنده حسن في الشواهد".
وهذا مما استفاده الشيخ من تخريجي الآتي للحديث كما يظهر ذلك للقراء بأدنى تأمل، وهو أمر معروف عنه عند كل الذين يعملون تحت إشرافه، ثم لا حمداً ولا شكوراً!
وليس هذا هو المقصود، وإنما هو أن ينظر القراء هل صدق الرجل فيما ينسبه إلى الشيخ من الموافقة، أم أن هذا تراجع منه لسبب أو آخر؟! وهذا عينه يقال في الحديث الآتي أيضاً كما سترى!
٢- (١٦٠- ... لا ينحني لصديقه ... ) .
أقول: ذكرت هناك أن إسناده حسن في المتابعات، وخرجته من أربعة طرق عن أنس ﵁، طريقان منها، يصلحان للاستشهاد بهما دون أي شك أو ريب، والثالث يحتمله، والرابع لا يستشهد به؛ كما صرحت هناك، وللطريقين الأولين على الأقل حسنه الترمذي، وأقره الحافظ، واحتج به ابن تيمية؛ كما سيأتي.
وأزيد هنا فأقول: وكذلك قواه الحافظ البغوي في "شرح السنة" (١٢/٢٩٢) ، وصرح بصحته العلامة علي القاري في "شرح المشكاة" (٤/٥٧٦) ، وحسنه النووي في "الرياض" تبعاً للترمذي.
فجاء هذا الباغي على السنة، فأخرجه منه إلى "ضعيفته" (٥٢٩/
стр. 22
٥٥) ، وأخذ يضعف طرقه الأربعة، دون أن يفرق بين ضعف يستشهد به وضعف لا يستشهد به! وقاس ذلك على طرق حديث الطير؛ يعني: "أنا مدينة العلم وعلي بابها"، وشتان ما بين الحديثين؛ فإن هذا ليس في الأحاديث الصحيحة ما يشهد لمعناه، بل هو من أحاديث الشيعة المرفوضة؛ كما حققه شيخ الإِسلام ابن تيمية في "المنهاج"؛ بخلاف حديث الترجمة؛ فقد جرى عليه عمل السلف به، فيما يتعلق بالمصافحة، وترك الانحناء والتقبيل عند اللقاء على ما هو مبين في محله.
ثم متى كان للقياس دخل في تضعيف الأحاديث أو تصحيحها؟!
وهذا وحده يكفي للدلالة على أن الرجل وضع لنفسه قواعد لنقد الأحاديث لا أصل لها عند العلماء، وفي الوقت نفسه يخالف قواعدهم وأحكامهم المتفرعة عنها.
ثم ختم كلامه بقوله كغالب عادته في "ضعيفته":
"وافقني على تضعيفه الشيخ شعيب"!
كذا قال! والواقع أن كلام الشيخ المطبوع يخالفه كل المخالفة؛ فقد قال في تعليقه على "شرح السنة" (١٢/٢٩٠) بعد أن عزاه لبعض من يأتي عزوه إليهم:
"وحسنه الترمذي، وهو كما قال؛ فإن حنظلة بن عبد الله وإن كان ضعيفاً قد تابعه غير واحد. انظر: "الأحاديث الصحيحة" (١٥٩) (!) للشيخ ناصر الألباني"!
ومع ما في هذا العزو من الشيخ شعيب إلى كتاب الألباني من الجرأة
стр. 23
الأدبية غير المعتادة منه؛ فهو نصٌّ صريح في مخالفته لما عزاه إليه الرجل في "ضعيفته" من الموافقة! هداه الله.
٣- (٧٤- ما جلس قوم مجلساً لم يذكروا الله، ولم يصلوا على نبيهم ... ) .
قلت: خرجت الحديث هناك من طرق عن أبي هريرة، بعضها صحيح، وصححه جمع من الحفاظ؛ كالترمذي وابن حبان والحاكم، ومع ذلك تجرأ المعتدي على "رياض الصالحين"، فنقله منه إلى "ضعيفته" (٥٢٧/٥٢) ، فأعله بقوله:
"فيه صالح مولى التوأمة، وهو ضعيف".
وهذا التضعيف المطلق منه جحد للصواب الذي عليه الأئمة النقاد قديماً وحديثاً أن الرجل ضعفه بسبب اختلاطه، فمن روى عنه قبل الاختلاط؛ فهو حجة صحيح الحديث، ومنهم الإِمام أحمد وابن معين والذهبي وابن القيم في "جلاء الأفهام" والعسقلاني، وقد رواه عنه قبل الاختلاط ثلاثة من الثقات كما سيأتي.
ثم إنه قد تابعه أبو صالح السمان بسند صحيح عنه، وأزيد هنا فأقول: إنه على شرط الشيخين، كما قال ابن القيم في "الجلاء"، وقال السخاوي في "القول البديع" (ص ١١٣) :
"وهو حديث صحيح".
وأعله المعتدي بما لم يسبق إليه، وذلك حين لم يجد في رواته من
стр. 24
تكلم فيه ولو بأدنى كلمة! قال:
"الصواب أنه موقوف"!
وتشبث برواية واحدة موقوفة عند إسماعيل القاضي ﵀، فخالف بذلك قاعدة زيادة الثقة مقبولة، وبخاصة أنها ثبتت من طريقين عن أبي هريرة، وصححها من تقدم ذكرهم من الأئمة، ولم يعرجوا إلى هذا الإِعلال الذي ابتدعه هذا المعتدي، والقاعدة الأخرى أن هذا الموقوف في حكم المرفوع؛ لأنه لا يقال مِن قِبَل الرأي؛ كما هو ظاهر.
وإن من تمام اعتدائه قوله:
"ويزيد ذلك تأكيداً أن جميع الروايات التي جاءت عن أبي هريرة مرفوعةً غير ما ذكرنا لم يرد فيها ذكر الصلاة على النبي"!
كذا قال! لم يذكر الصلاة على النبي ﷺ ، ولو بالرمز (ص) ! تأكيداً عمليّاً منه لتضعيفه للحديث!
وجوابي عن التأكيد المزعوم هو ما تقدم من القاعدة الأولى.
وأيضاً؛ فإن الروايات التي يشير إليها هي الآتية برقم (٧٧ و٧٨ و٧٩) ، وهي في الصحيحة دون الطريقين اللتين فيهما الزيادة، فمن جهله أنه مع ذلك قدمها عليهما! ولو أنه عكس لأصاب، ولم ينحرف في تضعيفه الحديث عن جماعة الحفاظ، ولكن الأمر كما قيل: "حبك الشيء يعمي ويصم"، ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ (١) .
стр. 25
وفي ختام الرد عليه لا بدَّ لي من بيان أن الرجل يغلب عليه في "ضعيفته" أن يقلد غيره في تخريجه؛ فهو لا يتعدَّى الروايات التي هي جاهزة بأسانيدها بين يديه، ثم يتوجه إلى نقدها واحدة بعد أخرى بطريقته الخاصة به، والشاذة عن قواعد العلماء وأحكامهم الموافقة لها كما تقدم، ولو أنه كان بحاثة مريداً للحق، وكان أهلاً للنقد؛ لنظر بنفسه في كتب السنة، واستخرج منها من الطرق والأسانيد ومتونها ما يساعده في التحقيق لو أراده! لكنه لا يفعل؛ لأنه يريد أن يظهر على أكتاف غيره، ولأنه يعلم أنه لو فعل؛ لاختلفت النتيجة التي يرمي إليها، ألا وهي التفوق على الألباني، وعلى شيخه شعيب، في تزيُّده عليهما في تضعيف الأحاديث! كما يترشح ذلك من كلامه نفسه في مقدمة "ضعيفته".
أقول: لو أنه فعل ذلك؛ لتبين له خطأ تصويبه وتضعيفه المتقدمين؛ لأنه سيجد لحديث أبي هريرة الصحيح من طريقيه شواهد تزيده قوة على قوة من حديث جابر، وهو المذكور تحت الحديث الآتي برقم (٨٠) ، وأنه على شرط مسلم، ومن حديث أبي أمامة وواثلة، ولوجد تخريجها في "جلاء الأفهام" لابن القيم، و"القول البديع" للسخاوي، وقال في حديث جابر:
"رواه الطيالسي ... والضياء في "المختارة" ... ورجاله رجال (الصحيح) على شرط مسلم".
وذكر نحوه ابن القيم وأقره.
فلا غرابة حينئذ أن يشير الحافظ إلى تقوية الحديث في "فتح
стр. 26
الباري" (١١/١٦٩) ، وإنما الغرابة كل الغرابة أن يأتي ذاك الإِنسان المسمى بحسَّان، فيتطاول على هؤلاء العلماء الأعلام ومن سار على دربهم، فيخالفهم بتضعيف ما صححوا، وقد لاحظ هذا بعض الإِخوة الأفاضل ممَّن شجب اعتداءه على "الرياض"، ومنهم الأخ محمد عبد الله آل شاكر في كلمة جيدة له في مجلة "البيان" العدد (٥٦) أحض القراء على الاطلاع عليها، قال جزاه الله خيراً:
"لم هذا الازدراء للعلماء السابقين الذين كان لهم باع في التصحيح والتضعيف، ولهم مكانتهم، ولكلامهم وحكمهم وزن، لِمَ يعرض عنهم صاحبنا ويكتفي بموافقة شيخه له في تضعيفه أو حكمه عليه، حتى تكررت هذه العبارة، وكثرت كثرة ملفتة للنظر، فأصبحت ممجوجة، وإذا كان فضيلة المحقق أميناً دقيقاً في عبارته حتى يقول: "وافقني الشيخ شعيب ترجيحاً"! فلماذا لا يكون أميناً دقيقاً عند تحقيقه للكتاب، فيعبث به هذا العبث، ويخون الأمانة، ويجانب الدقة.
والنكتة البارعة الأخيرة يطلقها صاحبها، فيقول في (ص ٥٠٧) :
"وحرصاً مني على إتمام الفائدة للعامة والخاصة أذكر هنا في هذا الفصل الأحاديث الضعيفة في كتاب "رياض الصالحين"، وقد بلغت عندي أكثر من مئة، وعقبت بعد كل حديث بدليل ضعفه، مع تخريجه بإيجاز".
صحيح أن العامة أمثالي (حقيقة لا تواضعاً، وعلى الأقل في مجال المحقق) يستفيدون من ذلك، ولكن ما حاجة الخاصة -طبعاً من علماء الحديث والمحققين منهم-، ما حاجتهم لهذا الفصل؟ مساكين كم فاتهم
стр. 27
من علم وفوائد قبل أن يمن الأخ عبد المنان بإخراج هذا الكتاب ... ولا حول ولا قوة إلا بالله؟ ".
فأقول: مما لا شك فيه أن شيخه شعيباً هو من الخاصة عنده، وقد صرح في نفس الصفحة التي أشار إليها الأخ الفاضل أن شعيباً استفاد منه، فإنه أثنى عليه لتراجعه إلى صواب تلميذه! ألا تراه يقول: "وهذا فضل منه لرجوعه إلى الحق"؟! ثم رجا أن أتراجع كشيخه، فقال: "ولعل الشيخ الفاضل الألباني يرجع إلى نحو ذلك بعدما يرى الحجة في هذا الكتاب"!
قلت: الرجوع إلى الصواب هو الواجب، وهو ديدني كما يعرف قرائي، ولكن فاقد الشيء لا يعطيه، وما أحسن ما يقال في مثل هذه المناسبة: "ليس هذا عشك فادرجي"! وما أشبه غرور هذا بذاك الجاهل الذي مبلغ علمه بربه أن جعله معدوماً! بقوله: إنه ليس داخل العالم ولا خارجه، ومع ذلك؛ فقد قال في بعض مقدماته نحو صاحبه هذا: "إنما نريد خدمة أهل العلم وطلابه"! ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (١) . والله المستعان.
أسال الله الكريم رب العرش العظيم، أن يطهر قلوبنا من الحسد والحقد، وأن يرزقنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، وأن يرد عنا شر الحاسدين وكيد الماكرين، إنه سميع مجيب.
عمان
مساء الجمعة ٨ رجب ١٤١٣ هـ
وكتب
محمد ناصر الدين الألباني
стр. 28
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه وحده أستعين
مقدمة الطبعة الأولى:
إنَّ الحمد لله؛ نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَن يهده الله؛ فلا مضلَّ له، ومن يُضلل؛ فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١) .
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢) .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٣) .
стр. 29
أما بعد؛ فقد عزمنا بإذن الله وتوفيقه على نشر مقالات تتضمن أحاديث صحيحة في مختلف الأبواب والفصول والمسائل والفوائد، وذلك تحقيقاً لرغبة الكثيرين من إخواننا وأصدقائنا الأفاضل، وتزويداً للقراء الكرام بها، تعاوناً معهم على التثقيف بالثقافة الإِسلامية الصحيحة، التي لا مصدر لها بعد القرآن الكريم إلا أحاديث رسول الله ﷺ ؛ فهي بحق كما قال بعض العلماء الصالحين (١) :
"أبرك العلوم وأفضلها وأكثرها نفعاً في الدين والدنيا بعد كتاب الله أحاديث رسول الله ﷺ ؛ لما فيها من كثرة الصلوات عليه، وإنها كالرياض والبساتين، تجد فيها كل خير وبر وفضل وذكر".
ولكن من المؤسف جدّاً أن يكون قد تسرب إلى هذه الرياض والبساتين بعض الطفيليات من الأحاديث الضعيفة والموضوعة، حتى نمت وترعرعت فيها، وصارت بحكم مرور الأيام عليها وجهل أكثر الناس بحقيقتها كأنها جزء متمم لها، وهذا مما حدا بي على محاولة تنقيتها منها، وتحذير المسلمين الغافلين عنها، وذلك في مقالات: "الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيىء في الأمة"، والتي تنشر تباعاً في "مجلة التمدن الإِسلامي" الزاهرة، والتي تلقاها أهل العلم والفضل من مختلف البلاد بالرضى والقبول، وحرصوا أشد الحرص على اقتنائها والاحتفاظ بها، وأقبل الكثيرون على تقديم طلبات الاشتراك في المجلة من أجلها.
стр. 30
ولكنه تبين فيما بعد أن هذا التحذير، وإن كان واجباً لا مناص منه؛ فإنه لا تتم الفائدة به وحده، بل لا بد أيضاً من تقديم الأحاديث الصحيحة إلى جانبها؛ لأنه لا يلزم من معرفة الضعيف من الحديث التعرف على الصحيح منه؛ إلا لو أمكن حصر الضعيف، وهيهات هيهات! [فقد جاوز عددها حتى الآن (٦٥٠٠) والحبل جرار] ولذلك جزمنا بضرورة بيان هذه الأحاديث الصحيحة إلى جانب بيان الأحاديث الضعيفة، وبذلك نكون قد جمعنا في المعالجة بين بيان الداء، وتقديم الدواء، بإذن الله تعالى.
ولم أتقيد في هذه المقالات بتبويب أو ترتيب خاص، بل حسبما تيسر، كما جرينا عليه في المقالات الأخرى المشار إليها آنفاً.
وغرضنا الأول من هذه المقالات بعد الذي أشرنا إليه من التثقيف تحقيق القول في صحة هذه الأحاديث والكلام على أسانيدها وطرقها ورواتها على طريقة أهل الحديث، وفي حدود مصطلحهم، مع قصد الاختصار وعدم الإِطالة ما أمكن؛ إلا فيما لا بد منه، وقد نتكلم أحياناً على ما في بعضها من المسائل الفقهية والفوائد اللغوية وغيرها، وقد نربط بين بعض مفرداتها أحياناً برباط من الكلام، بحيث يتألف منه موضوع خاص قائم بذاته، يمكن أن يجعل أصلاً لخطبة أو محاضرة، ولكني لم ألتزم ذلك، تيسيراً على نفسي، ومراعاة لضيق وقتي.
وإني لأسأل الله ﵎ أن ينفع بها أكثر مما نفع بالمقالات المشار إليها، وأن يلهمني الصواب فيها جميعاً، وأن يجعلها خالصة لوجهه، ويدخر لي أجرها عنده؛ إنه خير مسؤول.
دمشق ١٤/١٢/١٣٧٨ هـ
محمد ناصر الدين الألباني
стр. 31
المستقبل للإسلام:
قال الله : * (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين
كله ولو كره المشركون) *.
تبشرنا هذه الآية الكريمة بأن المستقبل للإسلام بسيطرته وظهوره وحكمه على
الأديان كلها , وقد يظن بعض الناس أن ذلك قد تحقق في عهده ﷺ
وعهد الخلفاء الراشدين والملوك الصالحين , وليس كذلك , فالذي تحقق إنما هو
جزء من هذا الوعد الصادق , كما أشار إلى ذلك النبي ﷺ بقوله:
١ - " لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى , فقالت عائشة:
يا رسول الله إن كنت لأظن حين أنزل الله * (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين
الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) * أن ذلك تاما , قال: إنه سيكون
من ذلك ما شاء الله ". الحديث.
" لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى , فقالت عائشة:
يا رسول الله إن كنت لأظن حين أنزل الله * (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين
الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون) * أن ذلك تاما , قال: إنه سيكون
من ذلك ما شاء الله ". الحديث.
رواه مسلم وغيره , وقد خرجته في " تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد " (ص ١٢٢) .
وقد وردت أحاديث أخرى توضح مبلغ ظهور الإسلام ومدى انتشاره , بحيث لا يدع
مجالا للشك في أن المستقبل للإسلام بإذن الله وتوفيقه.
وها أنا أسوق ما تيسر من هذه الأحاديث عسى أن تكون سببا لشحذ همم
стр. 32
العاملين
للإسلام , وحجة على اليائسين المتواكلين
٢ - " إن الله زوى (أي جمع وضم) لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها وإن أمتي
سيبلغ ملكها ما زوي لي منها ". الحديث.
رواه مسلم (٨ / ١٧١) وأبو داود (٤٢٥٢) والترمذي (٢ / ٢٧) وصححه.
وابن ماجه (رقم ٢٩٥٢) وأحمد (٥ / ٢٧٨ و ٢٨٤) من حديث ثوبان
وأحمد أيضا (٤ / ١٢ ٣) من حديث شداد بن أوس إن كان محفوظا.
وأوضح منه وأعم الحديث التالي:
٣ - " ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا
أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل عزا يعز الله به الإسلام
وذلا يذل به الكفر ".
رواه جماعة ذكرتهم في " تحذير الساجد " (ص ١٢١) . ورواه ابن حبان في
" صحيحه " (١٦٣١ و ١٦٣٢) .
وأبو عروبة في " المنتقى من الطبقات " (٢ / ١٠ / ١) .
ومما لا شك فيه أن تحقيق هذا الانتشار يستلزم أن يعود المسلمون أقوياء
في معنوياتهم ومادياتهم وسلاحهم حتى يستطيعوا أن يتغلبوا على قوى الكفر
والطغيان، وهذا ما يبشرنا به الحديث:
стр. 33
٤ - عن أبى قبيل قال: كنا عند عبد الله بن عمرو بن العاصي وسئل أي المدينتين تفتح
أولا القسطنطينية أو رومية؟ فدعا عبد الله بصندوق له حلق، قال: فأخرج منه
كتابا قال: فقال عبد الله: بينما نحن حول رسول الله ﷺ نكتب
، إذ سئل رسول الله ﷺ : أي المدينتين تفتح أولا أقسطنطينية أو
رومية؟ فقال رسول الله ﷺ :
" مدينة هرقل تفتح أولا. يعني قسطنطينية "..
رواه أحمد (٢ / ١٧٦) والدارمي (١ / ١٢٦) وابن أبي شيبة في " المصنف "
(٤٧ / ١٥٣ / ٢) وأبو عمرو الداني في " السنن الواردة في الفتن " (١١٦ / ٢)
والحاكم (٣ / ٤٢٢ و ٤ / ٥٠٨) وعبد الغني المقدسي في " كتاب العلم "
(٢ / ٣٠ / ١) ، وقال: " حديث حسن الإسناد ".
وصححه الحاكم ووافقه الذهبي وهو كما قالا.
و (رومية) هي روما كما في " معجم البلدان " وهي عاصمة إيطاليا اليوم.
وقد تحقق الفتح الأول على يد محمد الفاتح العثماني كما هو معروف، وذلك بعد
أكثر من ثمانمائة سنة من إخبار النبي ﷺ بالفتح، وسيتحقق
الفتح الثاني بإذن الله تعالى ولابد، ولتعلمن نبأه بعد حين.
ولا شك أيضا أن تحقيق الفتح الثاني يستدعي أن تعود الخلافة الراشدة إلى الأمة
المسلمة، وهذا مما يبشرنا به ﷺ بقوله في الحديث:
стр. 34
٥ - " تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها
ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا
شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا عاضا فيكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا
شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكا جبريا فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم
يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة. ثم سكت ".
رواه أحمد (٤ / ٢٧٣) حدثنا سليمان بن داود الطيالسي حدثنا داود بن إبراهيم
الواسطي حدثنا حبيب بن سالم عن النعمان بن بشير قال:
كنا قعودا في المسجد، وكان بشير رجلا يكف حديثه، فجاء أبو ثعلبة الخشني
فقال:
يا بشير بن سعد أتحفظ حديث رسول الله ﷺ في الأمراء؟
فقال حذيفة: أنا أحفظ خطبته، فجلس أبو ثعلبة، فقال حذيفة: فذكره
مرفوعا.
قال حبيب: فلما قام عمر بن عبد العزيز وكان يزيد بن النعمان بن بشير في
صحابته فكتبت إليه بهذا الحديث أذكره إياه، فقلت له: إني أرجو أن يكون
أمير المؤمنين - يعني عمر - بعد الملك العاض والجبرية، فأدخل كتابي على
عمر بن عبد العزيز فسر به وأعجبه.
ومن طريق أحمد رواه الحافظ العراقي في " محجة القرب إلى محبة العرب "
(١٧ / ٢) وقال: " هذا حديث صحيح، وإبراهيم بن داود الواسطي وثقه أبو
داود الطيالسي
стр. 35
وابن حبان، وباقي رجاله محتج بهم في الصحيح ".
يعني " صحيح مسلم "، لكن حبيبا هذا قال البخاري: فيه نظر.
وقال ابن عدي: ليس في متون أحاديثه حديث منكر، بل قد اضطرب في أسانيد ما
يروي عنه، إلا أن أبا حاتم وأبا داود وابن حبان وثقوه، فحديثه حسن على
أقل الأحوال إن شاء الله تعالى، وقد قال فيه الحافظ: " لا بأس به ".
والحديث في " مسند الطيالسي " (رقم ٤٣٨) : حدثنا داود الواسطي - وكان
ثقة - قال: سمعت حبيب بن سالم به، لكن وقع في متنه سقط فيستدرك من " مسند
أحمد ".
وقال الهيثمي في " المجمع " (٥ / ١٨٩) :
" رواه أحمد والبزار أتم منه والطبراني ببعضه في (الأوسط) ، ورجاله
ثقات ".
ومن البعيد عندي حمل الحديث على عمر بن عبد العزيز، لأن خلافته كانت
قريبة العهد بالخلافة الراشدة ولم تكن بعد ملكين: ملك عاض وملك جبرية،
والله أعلم.
стр. 36
هذا وإن من المبشرات بعودة القوة إلى المسلمين واستثمارهم الأرض استثمارا
يساعدهم على تحقيق الغرض، وتنبىء عن أن لهم مستقبلا باهرا حتى من الناحية
الاقتصادية والزراعية قوله ﷺ :
٦ - " لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجا وأنهارا ".
رواه مسلم (٣ / ٨٤) وأحمد (٢ / ٧٠٣ و ٤١٧) والحاكم (٤ / ٤٧٧) من
حديث أبي هريرة.
وقد بدأت تباشير هذا الحديث تتحقق في بعض الجهات من جزيرة العرب بما أفاض
الله عليها من خيرات وبركات وآلات ناضحات تستنبط الماء الغزير من بطن أرض
الصحراء وهناك فكرة بجر نهر الفرات إلى الجزيرة كنا قرأناها في بعض الجرائد
المحلية فلعلها تخرج إلى حيز الوجود، وإن غدا لناظره قريب.
هذا ومما يجب أن يعلم بهذه المناسبة أن قوله ﷺ :
" لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم ".
رواه البخاري في " الفتن " من حديث أنس مرفوعا.
فهذا الحديث ينبغي أن يفهم على ضوء الأحاديث المتقدمة وغيرها مثل أحاديث
المهدي ونزول عيسى ﵇ فإنها تدل على أن هذا الحديث ليس على عمومه
بل هو من العام المخصوص، فلا يجوز إفهام الناس أنه على عمومه فيقعوا في
اليأس الذي لا يصح أن يتصف به المؤمن (إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم
الكافرون) أسأل الله أن يجعلنا مؤمنين به حقا.
стр. 37
٧ - عن أنس قال النبي ﷺ :
" ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان
له به صدقة ".
رواه البخاري (٢ / ٦٧ طبع أوربا) ومسلم (٥ / ٢ ٨) وأحمد (٣ / ١٤٧) .
٨ - عن جابر مرفوعا:
" ما من مسلم يغرس غرسا إلا كان ما أكل منه له صدقة وما سرق منه له صدقة وما
أكل السبع منه فهو له صدقة وما أكلت الطير فهو له صدقة ولا يرزؤه (أي ينقصه
ويأخذ منه) أحد إلا كان له صدقة (إلى يوم القيامة) ".
(عن جابر) :
رواه مسلم عنه. ثم رواه هو وأحمد (٣ / ٣٩١) من طرق أخرى عنه بشيء من
الاختصار، وله شاهد من حديث أم مبشر عند مسلم وأحمد (٦ / ٣٦٢ و ٢٤٠) ،
وله شواهد أخرى ذكرها المنذري في " الترغيب " (٣ / ٢٢٤ و ٢٤٥) .
стр. 38
٩ - عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال:
" إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها
فليغرسها ".
(عن أنس)
رواه الإمام أحمد (٣ / ١٨٣، ١٨٤، ١٩١) وكذا الطيالسي (رقم ٢٠٦٨)
والبخاري في " الأدب المفرد " (رقم ٤٧٩) وابن الأعرابي في " معجمه "
(ق ٢١ / ١) عن هشام بن زيد عنه.
وهذا سند صحيح على شرط مسلم، وتابعه يحيى بن سعيد عن أنس. أخرجه ابن عدي
في " الكامل " (٣١٦ / ١) .
وأورده الهيثمي في " المجمع " (٦٣ / ٤) مختصرا وقال:
" رواه البزار ورجاله أثبات ثقات ".
وفاته أنه في " مسند أحمد " بأتم منه كما ذكرناه.
(الفسيلة) هي النخلة الصغيرة وهي (الودية) .
ولا أدل على الحض على الاستثمار من هذه الأحاديث الكريمة، لاسيما الحديث
الأخير منها فإن فيه ترغيبا عظيما على اغتنام آخر فرصة من الحياة في سبيل زرع
ما ينتفع به الناس بعد موته فيجري له أجره وتكتب له صدقته إلى يوم القيامة.
وقد ترجم الإمام البخاري لهذا الحديث بقوله " باب اصطناع المال " ثم روى عن
الحارث بن لقيط قال: كان الرجل منا تنتج فرسه فينحرها فيقول: أنا أعيش حتى
أركب هذه؟
فجاءنا كتاب عمر: أن أصلحوا ما رزقكم الله، فإن في الأمر تنفسا.
стр. 39
وسنده صحيح.
وروى أيضا بسند صحيح عن داود قال: قال لي عبد الله بن سلام: إن سمعت بالدجال
قد خرج وأنت على ودية تغرسها، فلا تعجل أن تصلحه، فإن للناس بعد ذلك عيشا.
وداود هذا هو ابن أبي داود الأنصاري قال الحافظ فيه: " مقبول ".
وروى ابن جرير عن عمارة بن خزيمة بن ثابت قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول
لأبي: ما يمنعك أن تغرس أرضك؟ فقال له أبي: أنا شيخ كبير أموت غدا، فقال له
عمر: أعزم عليك لتغرسنها؟ فلقد رأيت عمر بن الخطاب يغرسها بيده مع أبي.
كذا في " الجامع الكبير " للسيوطي (٣ / ٣٣٧ / ٢) .
ولذلك اعتبر بعض الصحابة الرجل يعمل في إصلاح أرضه عاملا من عمال الله
فروى البخاري في " الأدب المفرد " (رقم ٤٤٨) عن نافع بن عاصم أنه سمع
عبد الله بن عمرو قال لابن أخ له خرج من (الوهط) : أيعمل عمالك؟ قال: لا
أدري، قال: أما لو كنت ثقفيا لعلمت ما يعمل عمالك، ثم التفت إلينا فقال:
إن الرجل إذا عمل مع عماله في داره (وقال الراوي مرة: في ماله) كان عاملا
من عمال الله . وسنده حسن إن شاء الله تعالى.
و (الوهط) في اللغة هو البستان وهي أرض عظيمة كانت لعمرو بن العاص بالطائف
على ثلاثة أميال من (وج) يبدو أنه خلفها لأولاده،
стр. 40
وقد روى ابن عساكر في
" تاريخه " (١٣ / ٢٦٤ / ٢) بسند صحيح عن عمرو بن دينار قال: دخل عمرو بن
العاص في حائط له بالطائف يقال له: (الوهط) (فيه) ألف ألف خشبة، اشترى كل
خشبة بدرهم! يعني يقيم بها الأعناب.
هذه بعض ما أثمرته تلك الأحاديث في جملتها من السلف الصالح ﵃.
وقد ترجم البخاري في " صحيحه " للحديثين الأولين بقوله:
" باب فضل الزرع إذا أكل منه ".
قال ابن المنير:
" أشار البخاري إلى إباحة الزرع، وأن من نهى عنه كما ورد عن عمر فمحله ما إذا
شغل الحرث عن الحرب ونحوه من الأمور المطلوبة، وعلى ذلك يحمل حديث أبي أمامة
المذكور في الباب الذي بعده ".
قلت: سيأتي الكلام على الحديث المشار إليه في المقال الآتي إن شاء الله تعالى.
١٠ - عن أبي أمامة الباهلي قال - ورأى سكة وشيئا من آلة الحرث فقال: سمعت رسول
الله ﷺ يقول:
" لا يدخل هذا بيت قوم إلا أدخله الله الذل ".
التكالب على الدنيا يورث الذل:
ذكرت في المقال السابق بعض الأحاديث الواردة في الحض على استثمار الأرض، مما
لا يدع مجالا للشك في أن الإسلام شرع ذلك للمسلمين ورغبهم فيه أيما ترغيب.
واليوم نورد بعض الأحاديث التي قد يتبادر لبعض الأذهان الضعيفة أو القلوب
المريضة أنها معارضة للأحاديث المتقدمة، وهي في الحقيقة غير منافية له،
إذا ما أحسن فهمها، وخلت النفس من اتباع هواها!