Полный текст (6 550 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
بإتمام الصلاة، فالذي لم يدركها إطلاقا أولى أن لا يؤمر بها، وليس ذلك
إلا من باب الزجر والردع له عن إضاعة الصلاة، فلم يجعل الشارع الحكيم لمثله
كفارة كي لا يعود إلى إضاعتها مرة أخرى، متعللا بأنه يمكنه أن يقضيها بعد
وقتها، كلا، فلا قضاء للمتعمد كما أفاده هذا الحديث الشريف وحديث أنس
السابق: " لا كفارة لها إلا ذلك ".
ومن ذلك يتبين لكل من أوتي شيئا من العلم والفقه في الدين أن قول بعض
المتأخرين " وإذا كان النائم والناسى للصلاة - وهما معذوران - يقضيانها بعد
خروج وقتها، كان المتعمد لتركها أولى "، أنه قياس خاطئ بل لعله من أفسد قياس
على وجه الأرض، لأنه من باب قياس النقيض على نقيضه، وهو فاسد بداهة، إذ كيف
يصح قياس غير المعذور على المعذور والمتعمد على الساهي.
ومن لم يجعل الله له كفارة، على من جعل الله له كفارة! ! وما سبب ذلك إلا
من الغفلة عن المعنى المراد من هذا الحديث الشريف، وقد وفقنا الله تعالى
لبيانه، والحمد لله تعالى على توفيقه.
وللعلامة ابن القيم رحمه الله تعالى بحث هام مفصل في هذه المسألة، أظن أنه لم
يسبق إلى مثله في الإفادة والتحقيق، وأرى من تمام هذا البحث أن أنقل منه
فصلين أحدهما في إبطال هذا القياس. والآخر في الرد على من استدل بهذا الحديث
على نقيض ما بينا.
قال رحمه الله تعالى بعد أن ذكر القول المتقدم:
" فجوابه من وجوه: أحدها المعارضة بما هو أصح منه أو مثله، وهو أن يقال:
لا يلزم من صحة القضاء بعد الوقت من المعذور - المطيع لله ورسوله الذي لم يكن
منه تفريط في فعل ما أمر به وقبوله منه - صحته وقبوله من متعد لحدود الله،
مضيع لأمره، تارك لحقه عمدا وعدوانا. فقياس هذا على هذا في صحة العبادة،
وقبولها منه، وبراءة الذمة بها من أفسد القياس ".
الوجه الثاني: أن المعذور بنوم أو نسيان لم يصل الصلاة في غير وقتها، بل في
стр. 142
نفس وقتها الذي وقته الله له، فإن الوقت في حق هذا حين يستيقظ ويذكر، كما
قال ﷺ : " من نسي صلاة فوقتها إذا ذكرها " رواه البيهقي
والدارقطني.
فالوقت وقتان: وقت اختيار، ووقت عذر، فوقت المعذور بنوم أو سهو، هو وقت
ذكره واستيقاظه، فهذا لم يصل الصلاة إلا في وقتها، فكيف يقاس عليه من صلاها
في غير وقتها عمدا وعدوانا؟ !
الثالث: أن الشريعة قد فرقت في مواردها ومصادرها بين العامد والناسي، وبين
المعذور وغيره، وهذا مما لا خفاء به. فإلحاق أحد النوعين بالآخر غير جائز.
الرابع: أنا لم نسقطها عن العامد المفرط ونأمر بها المعذور، حتى يكون ما
ذكرتم حجة علينا، بل ألزمنا بها المفرط المتعدي على وجه لا سبيل له إلى
استدراكها تغليظا عليه، وجوزنا للمعذور غير المفرط.
(فصل) :
وأما استدلالكم بقوله ﷺ : " من أدرك ركعة من العصر قبل أن
تغرب الشمس فقد أدرك " فما أصحه من حديث. وما أراه على مقتضى قولكم! فإنكم
تقولون: هو مدرك للعصر، ولو لم يدرك من وقتها شيئا البتة.
بمعنى أنه مدرك لفعلها صحيحة منه، مبرئة لذمته، فلو كانت تصح بعد خروج وقتها
وتقبل منه، لم يتعلق إدراكها بركعة، ومعلوم أن النبي ﷺ لم
يرد أن من أدرك ركعة من العصر صحت صلاته بلا إثم بل هو آثم بتعمد ذلك اتفاقا.
فإنه أمر أن يوقع جميعها في وقتها، فعلم أن هذا الادراك لا يرفع الإثم، بل هو
مدرك آثم، فلو كانت تصح بعد الغروب، لم يكن فرق بين أن يدرك ركعة من الوقت،
أو لا يدرك منها شيئا.
فإن قلتم: إذا أخرها إلى بعد الغروب كان أعظم إثما.
قيل لكم: النبي ﷺ لم يفرق بين إدراك الركعة وعدمها في كثرة
الإثم وخفته،
стр. 143
وإنما فرق بينهما في الإدراك وعدمه. ولا ريب أن المفوت
لمجموعها في الوقت أعظم من المفوت لأكثرها، والمفوت لأكثرها فيه، أعظم من
المفوت لركعة منها.
فنحن نسألكم ونقول: ما هذا الإدراك الحاصل بركعة؟ أهذا إدراك يرفع الإثم؟
فهذا لا يقوله أحد! أو إدراك يقتضي الصحة، فلا فرق فيه بين أن يفوتها بالكلية
أو يفوتها إلا ركعة منها ".
٦٧ - " قوموا إلى سيدكم فأنزلوه، فقال عمر: سيدنا الله ، قال: أنزلوه،
فأنزلوه ".
أخرجه الإمام أحمد (٦ / ١٤١ - ١٤٢) عن محمد بن عمرو عن أبيه عن علقمة
ابن وقاص، قال: أخبرتني عائشة قالت:
" خرجت يوم الخندق أقفو آثار الناس، قالت: فسمعت وئيد الأرض ورائي، يعني حس
الأرض، قالت: فالتفت، فإذا أنا بسعد بن معاذ ومعه ابن أخيه الحارث بن أوس
يحمل مجنه، قالت: فجلست إلى الأرض، فمر سعد وعليه درع من حديد قد خرجت منها
أطرافه، فأنا أتخوف على أطراف سعد، قالت: فمر وهو يرتجز ويقول:
ليت قليلا يدرك الهيجا جمل ما أحسن الموت إذا حان الأجل قالت: فقمت فاقتحمت
حديقة، فإذا فيها نفر من المسلمين، وإذا فيهم عمر ابن الخطاب، وفيهم رجل
عليه سبغة له، يعني: مغفرا، فقال عمر: ما جاء بك؟
стр. 144
لعمري والله إنك لجريئة
! وما يؤمنك أن يكون بلاء أو يكون تحوز؟ قالت: فمازال يلومني حتى تمنيت أن
الأرض انشقت لي ساعتئذ فدخلت فيها! قالت: فرفع الرجل السبغة عن وجهه فإذا
طلحة بن عبيد الله، فقال: يا عمر إنك قد أكثرت منذ اليوم، وأين التحوز
أو الفرار إلا إلى الله ؟ قالت: ويرمي سعدا رجل من المشركين من قريش
يقال له: ابن العرقة بسهم له، فقال له: خذها وأنا ابن العرقة، فأصاب أكحله
فقطعه، فدعا الله سعد فقال: اللهم لا تمتني حتى تقر عيني من قريظة،
قالت: وكانوا حلفاء مواليه في الجاهلية، قالت: فرقى كلمه، (أي جرحه)
وبعث الله الريح على المشركين، فكفى الله المؤمنين القتال وكان الله
قويا عزيزا، فلحق أبو سفيان ومن معه بتهامة، ولحق عيينة بن بدر ومن معه
بنجد، ورجعت بنو قريظة فتحصنوا في صياصيهم، ورجع رسول الله صلى الله عليه
وسلم إلى المدينة، فوضع السلاح وأمر بقبة من أدم فضربت على سعد في المسجد،
قالت: فجاء جبريل ﵇ وإن على ثناياه لنقع الغبار فقال: أو قد وضعت
السلاح؟ والله ما وضعت الملائكة بعد السلاح، اخرج إلى بني قريظة فقاتلهم.
قالت: فلبس رسول الله ﷺ لأمته وأذن في الناس بالرحيل أن
يخرجوا. فخرج رسول الله ﷺ فمر على بني غنم، وهم جيران
المسجد حوله، فقال: من مر بكم؟ قالوا: مر بنا دحية الكلبي، وكان دحية
الكلبي تشبه لحيته وسنه ووجهه جبريل ﵇، فقالت: فأتاهم رسول الله
ﷺ فحاصرهم خمسا وعشرين ليلة، فلما اشتد حصرهم، واشتد
البلاء قيل لهم: انزلوا على حكم رسول الله ﷺ ، فاستشاروا
أبا لبابة بن عبد المنذر فأشار إليهم أنه الذبح، قالوا: ننزل على حكم سعد
بن معاذ، فقال رسول الله ﷺ : انزلوا على حكم سعد بن معاذ،
فنزلوا، وبعث رسول الله ﷺ إلى سعد بن معاذ، فأتي به على
حمار عليه أكاف من ليف، وقد حمل عليه، وحف به قومه فقالوا: يا أبا عمرو
حلفاؤك ومواليك وأهل النكاية ومن قد علمت، فلم يرجع إليهم شيئا ولا يلتفت
стр. 145
إليهم، حتى إذا دنا من دورهم التفت إلى قومه فقال: قد آن أن لا أبالي في الله
لومة لائم، قال: قال أبو سعيد: فلما طلع رسول الله ﷺ قال:
قوموا إلى سيدكم ... الحديث، قال رسول الله ﷺ : احكم فيهم،
قال سعد: فإني أحكم أن تقتل مقاتلهم، وتسبى ذراريهم، وتقسم أموالهم. فقال
رسول الله ﷺ : لقد حكمت بحكم الله وحكم رسوله، قالت
: ثم دعا سعد، قال: اللهم إن كنت أبقيت على نبيك ﷺ من حرب
قريش شيئا فأبقني لها، وإن كنت قطعت الحرب بينه وبينهم فاقبضني إليك، قالت
: فانفجر كلمه، وكان قد برئ حتى ما يرى منه إلا مثل الخرص ورجع إلى قبته
التي ضرب عليه رسول الله ﷺ ، قالت عائشة: فحضره رسول الله
ﷺ وأبو بكر وعمر، قالت:
فوالذي نفس محمد بيده إني لأعرف بكاء عمر من بكاء أبي بكر وأنا في حجرتى،
وكانوا كما قال الله : (رحماء بينهم) قال علقمة: قلت: أي أمه فكيف
كان رسول الله ﷺ يصنع؟ قالت: كانت عينه لا تدمع على أحد
ولكنه كان إذا وجد فإنما هو آخذ بلحيته ".
قلت: وهذا إسناد حسن. وقال الهيثمي في " مجمع الزوائد " (٦ / ١٢٨) :
" رواه أحمد وفيه محمد بن عمرو بن علقمة وهو حسن الحديث، وبقية رجاله
ثقات ".
وقال الحافظ في " الفتح " (١١ / ٤٣) : " وسنده حسن ".
قلت: وأخرجه البخاري (٤ / ١٧٥) ، وأبو داود (٥٢١٥) ، وأحمد (٢ / ٢٢،
٧١) ، وأبو يعلى
стр. 146
في " مسنده " (ق ٧٧ / ٢) ، من حديث أبي سعيد الخدري:
" أن أهل قريظة نزلوا على حكم سعد، فأرسل النبي ﷺ إليه،
فجاء، فقال: قوموا إلى سيدكم، أو قال: خيركم، فقعد عند النبي صلى الله
عليه وسلم، فقال: هؤلاء نزلوا على حكمك، قال: فإني أحكم أن تقتل مقاتلهم،
وتسبى ذراريهم، فقال: لقد حكمت بما حكم به الملك ".
فائدتان
١ـ اشتهر رواية هذا الحديث بلفظ: " لسيدكم "، والرواية في الحديثين كما
رأيت: " إلى سيدكم "، ولا أعلم للفظ الأول أصلا، وقد نتج منه خطأ فقهي
وهو الاستدلال به على استحباب القيام للقادم كما فعل ابن بطال وغيره، قال
الحافظ محمد بن ناصر أبو الفضل في " التنبيه على الألفاظ التي وقع في نقلها
وضبطها تصحيف وخطأ في تفسيرها ومعانيها وتحريف في كتاب الغريبين عن أبي
عبيد الهروي " (ق ١٧ / ٢) :
ومن ذلك ما ذكره في هذا الباب من ذكر السيد، وقال كقوله لسعد حين قال:
" قوموا لسيدكم ". أراد أفضلكم رجلا.
قلت: والمعروف أنه قال: " قوموا إلى سيدكم ". قاله ﷺ
لجماعة من الأنصار لما جاء سعد بن معاذ محمولا على حمار وهو جريح ... أي
أنزلوه وحملوه، لا قوموا له، من القيام له فإنه أراد بالسيد: الرئيس
والمتقدم عليهم، وإن كان غيره أفضل منه ".
٢ - اشتهر الاستدلال بهذا الحديث على مشروعية القيام للداخل، وأنت إذا تأملت
في سياق القصة يتبين لك أنه استدلال ساقط من وجوه كثيرة أقواها قوله صلى الله
عليه وسلم " فأنزلوه " فهو نص قاطع على أن الأمر بالقيام إلى سعد إنما كان
لإنزاله من أجل كونه مريضا، ولذلك قال الحافظ: " وهذه الزيادة تخدش في
الاستدلال بقصة سعد على مشروعية القيام المتنازع فيه. وقد احتج به النووي
في (كتاب القيام) ... ".
стр. 147
٦٨ - " لقد نزلت علي الليلة آيات ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها: (إن في خلق
السموات والأرض) الآية ".
رواه أبو الشيخ ابن حبان في " أخلاق النبي ﷺ " (٢٠٠ - ٢٠١)
وابن حبان في " صحيحه " (٥٢٣ - الموارد) عن يحيى بن زكريا بن إبراهيم بن
سويد النخعي أنبأنا عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء قال:
" دخلت أنا وعبيد بن عمير على عائشة ﵂، فقال عبد الله
ابن عمير: حدثينا بأعجب شيء رأيتيه من رسول الله ﷺ .
فبكت، وقالت:
" قام ليلة من الليالي فقال: يا عائشة ذريني أتعبد لربي، قالت: قلت: والله
إني لأحب قربك، وأحب ما يسرك، قالت: فقام فتطهر، ثم قام يصلي، فلم يزل
يبكي حتى بل حجره، ثم بكى. فلم يزل يبكي حتى بل الأرض، وجاء بلال يؤذن
بالصلاة، فلما رآه يبكي قال: يا رسول الله تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من
ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبدا شكورا؟ لقد نزل " الحديث.
قلت: وهذا إسناد جيد، رجاله كلهم ثقات غير يحيى بن زكريا قال ابن أبي حاتم
(٤ / ٢ / ١٤٥) . " سألت أبي عنه؟ قال: ليس به بأس، هو صالح الحديث "؟
والحديث عزاه المنذري في " الترغيب " (٢ / ٢٢٠) لابن حبان في " صحيحه ".
وله طريق أخرى عن عطاء.
أخرجها أبو الشيخ أيضا (١٩٠ - ١٩١) ورجالها ثقات أيضا، غير أبي جناب الكلبي
واسمه يحيى بن أبي حية، قال الحافظ في
стр. 148
" التقريب ":
" ضعفوه لكثرة تدليسه ".
قلت: وقد صرح هنا بالتحديث فانتفت شبهة تدليسه.
فقه الحديث:
فيه فضل النبي ﷺ ، وكثرة خشيته، وخوفه من ربه، وإكثاره
من عبادته، مع أنه تعالى قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فهو المنتهى
في الكمال البشري. ولا جرم في ذلك فهو سيد البشر ﷺ .
لكن ليس فيه ما يدل على أنه ﷺ قام الليل كله، لأنه لم يقع
فيه بيان أن النبي ﷺ ، ابتدأ القيام من بعد العشاء أو قريبا
من ذلك، بل إن قوله: " قام ليلة من الليالي فقال ... " الظاهر أن معناه " قام
من نومه.... " " أي نام أوله ثم قام، فهو على هذا بمعنى حديثها الآخر " كان
ينام أول الليل، ويحي آخره ... ".
أخرجه مسلم (٢ / ١٦٧) .
وإذا تبين هذا فلا يصح حينئذ الاستدلال بالحديث على مشروعية إحياء الليل كله،
كما فعل الشيخ عبد الحي اللكنوي في " إقامة الحجة على أن الإكثار من التعبد ليس
بدعة "، قال (ص ١٣) : فدل ذلك على أن نفي عائشة قيام الليل كله محمول على
غالب أوقاته ﷺ ".
قلت: يشير بـ " نفي عائشة " إلى حديثها الآخر:
" ولم يقم رسول الله ﷺ ليلة يتمها إلى الصباح، ولم يقرأ
القرآن في ليلة قط ".
أخرجه مسلم (٢ / ١٦٩ - ١٧٠) وأبو داود (١٣٤٢) واللفظ له.
قلت: فهذا نص في النفي المذكور لا يقبل التأويل، وحمله على غالب الأوقات
إنما يستقيم لو كان حديث الباب صريح الدلالة على أنه ﷺ قام
تلك الليله
стр. 149
بتمامها، أما وهو ليس كذلك كما بينا، فالحمل المذكور مردود،
ويبقى النفي المذكور سالما من التقييد. وبالتالي تبقى دلالته على عدم
مشروعية قيام الليل كله قائمة، خلافا لما ذهب إليه الشيخ عبد الحي في كتابه
المذكور. وفيه كثير من المؤاخذات التي لا مجال لذكرها الآن.
وإنما أقول: إن طابعه تساهل في سرد الروايات المؤيدة لوجهة نظره، من أحاديث
مرفوعة، وآثار موقوفة، وحسبك مثالا على هذا أنه ذهب إلى تحسين حديث "
أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم " تقليدا منه لبعض المتأخرين.
دون أن ينظر في دعواهم، هل هي تطابق الحقيقة، وتوافق القواعد العلمية؟
مع ما في التحسين المذكور من المخالفة لنصوص الأئمة المتقدمين كما بينته في
" الأحاديث الضعيفة " (٥٢) فراجعه لتزداد بصيرة بما ذكرنا.
٦٩ - " مثل القائم على حدود الله والواقع (وفي رواية: والراتع) فيها
والمدهن فيها كمثل قوم استهموا على سفينة في البحر فأصاب بعضهم أعلاها
وأصاب بعضهم أسفلها (وأوعرها) فكان الذي (وفي رواية: الذين) في أسفلها
إذا استقوا من الماء فمروا على من فوقهم فتأذوا به (وفي رواية: فكان الذين
في أسفلها يصعدون فيستقون الماء فيصبون على الذين في أعلاه فقال الذين في
أعلاها: لا ندعكم تصعدون فتؤذوننا) ، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا
فاستقينا منه ولم نؤذ من فوقنا (وفي رواية: ولم نمر على أصحابنا فنؤذيهم)
فأخذ فأسا فجعل ينقر أسفل السفينة،
стр. 150
فأتوه فقالوا: مالك؟ قال: تأذيتم بي
ولابد لي من الماء. فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا وإن أخذوا على أيديهم
نجوا وأنجوا جميعا ".
رواه البخاري (٢ / ١١١، ١٦٤) والترمذي (٢ / ٢٦) والبيهقي (١٠ / ٢٨٨)
وأحمد (٤ / ٢٦٨، ٢٧٠، ٢٧٣) من طريق زكريا بن أبي زائدة والأعمش عن الشعبي
عن النعمان بن بشير عن النبي ﷺ قال: فذكره.
وقال الترمذي: " حديث حسن صحيح ".
وقد تابعهما مجالد بن سعيد عند أحمد (٤ / ٢٧٣) وهو ضعيف وفي سياقه زيادة
" ... مثل ثلاثة ركبوا في سفينة فصار لأحدهم أسفلها وأوعرها ... ".
وتابعهما غيره فقال ابن المبارك في " الزاهد " (ق ٢١٩ / ٢) : أنا الأجلح عن
الشعبي به ولفظه:
" إن قوما ركبوا سفينة فاقتسموها، فأصاب كل رجل منهم مكانا، فأخذ رجل منهم
الفأس فنقر مكانه، قالوا: ما تصنع؟ فقال مكاني أصنع به ما شئت! فإن أخذوا
على يديه نجوا ونجا، وإن تركوه غرق وغرقوا، فخذوا على أيدي سفهائكم قبل
أن تهلكوا ".
وأخرجه ابن المبارك في " حديثه " أيضا (ج ٢ / ١٠٧ / ٢) ومن طريقه ابن أبي
الدنيا في " الأمر بالمعروف " (ق ٢٧ / ٢) .
لكن الأجلح هذا - وهو ابن عبد الله أبو حجية الكندي - فيه ضعف، لاسيما عن
الشعبي،
стр. 151
قال العقيلي: " روى عن الشعبي أحاديث مضطربة لا يتابع عليها ".
قلت: وهذا اللفظ هو الذي شاع في هذا الزمان عند بعض الكتاب والمؤلفين فأحببت
أن أنبه على ضعفه، وأن أرشد إلى أن اللفظ الأول هو الصحيح المعتمد، وقد
ضممت إليه ما وقفت عليه من الزيادات الصحيحة. والله الموفق.
٧٠ - " كان رسول الله ﷺ ليدلع لسانه للحسن بن علي فيرى الصبي حمرة
لسانه فيبهش إليه ".
رواه أبو الشيخ ابن حبان في " كتاب أخلاق النبي ﷺ وآدابه "
(ص ٩٠) من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة به.
قلت: وهذا إسناد حسن.
стр. 152
(قوله) فيبهش. أي يسرع. في " النهاية ":
" يقال للإنسان إذا نظر إلى الشيء فأعجبه واشتهاه وأسرع إليه: قد بهش إليه ".
٧١ - " كان إذا قرب إليه الطعام يقول: بسم الله، فإذا فرغ قال: اللهم أطعمت
وأسقيت وأقنيت وهديت وأحييت، فلله الحمد على ما أعطيت ".
رواه أحمد (٤ / ٦٢، ٥ / ٣٧٥) وأبو الشيخ في " أخلاق النبي صلى الله عليه
وسلم (ص ٢٣٨) عن بكر بن عمرو عن عبد الله بن هبيرة السبائي عن عبد الرحمن
ابن جبير أنه حدثه رجل خدم رسول الله ﷺ ثمان سنين أنه كان
يسمع رسول الله ﷺ إذا قرب ". الحديث.
قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات رجال مسلم.
(أقنيت) أي ملكت المال وغيره.
وفي هذا الحديث أن التسمية في أول الطعام بلفظ " بسم الله " لا زيادة فيها،
وكل الأحاديث الصحيحة التي وردت في الباب كهذا الحديث ليس فيها الزيادة، ولا
أعلمها وردت في حديث، فهي بدعة عند الفقهاء بمعنى البدعة، وأما المقلدون
فجوابهم معروف: " شو فيها؟ ! ".
فنقول: فيها كل شيء وهو الاستدراك على الشارع الحكيم الذي ما ترك شيئا يقربنا
إلى الله إلا أمرنا به وشرعه لنا، فلو كان ذلك مشروعا ليس فيه شيء لفعله ولو
مرة واحدة، وهل هذه الزيادة إلا كزيادة الصلاة على النبي ﷺ
من العاطس بعد
стр. 153
الحمد.
وقد أنكرها عبد الله بن عمر ﵁ كما في " مستدرك الحاكم "، وجزم
السيوطي في " الحاوي للفتاوي " (١ / ٣٣٨) بأنها بدعة مذمومة، فهل يستطيع
المقلدون الإجابة عن السبب الذي حمل السيوطي على الجزم بذلك!! قد يبادر بعض
المغفلين منهم فيتهمه - كما هي عادتهم - بأنه وهابي! مع أن وفاته كانت قبل
وفاة محمد بن عبد الوهاب بنحو ثلاثمائة سنة! ! ويذكرني هذا بقصة طريفة في بعض
المدارس في دمشق، فقد كان أحد الأساتذة المشهورين من النصارى يتكلم عن حركة
محمد بن عبد الوهاب في الجزيرة العربية، ومحاربتها للشرك والبدع والخرافات
ويظهر أنه أطرى في ذلك فقال بعض تلامذته: يظهر أن الأستاذ وهابي! !
وقد يسارع آخرون إلى تخطئة السيوطي، ولكن أين الدليل؟ ! والدليل معه وهو
قوله ﷺ :
" من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ". متفق عليه.
وفي الباب غيره مما سنجمعه في كتابنا الخاص بالبدعة، نسأل الله تعالى أن ييسر
لنا إتمامه بمنه وفضله.
٧٢ - " أحب للناس ما تحب لنفسك ".
رواه البخاري في " التاريخ الكبير " (٢ / ٤ / ٣١٧ / ٣١٥٥) وعبد بن حميد
في " المنتخب من المسند " (٥٣ / ٢) وابن سعد (٧ / ٤٢٨) والقطيعي في
" الجزء المعروف بالألف دينار " (٢٩ / ٢) عن سيار عن خالد بن عبد الله
القسري عن أبيه:
" أن النبي ﷺ ، قال لجده يزيد بن أسيد.... " فذكره.
стр. 154
ورواه عن روح بن عطاء بن أبي ميمونة، قال، حدثنا سيار به إلا أنه قال:
حدثني أبي عن جدي قال: " قال لي رسول الله ﷺ :
أتحب الجنة؟ وقال فأحب.. " الحديث.
رواه بن عساكر (٥ / ٢٤٢) عن القطيعي من الوجه الثاني والحاكم (٤ / ١٦٨)
وقال: " صحيح الإسناد "، ووافقه الذهبي.
قلت: وخالد بن عبد الله القسري هو الدمشقي الأمير قال الذهبي في " الميزان "
" صدوق، لكنه ناصبي بغيض ظلوم، قال بن معين: رجل سوء يقع في علي رضى الله
عنه ". وذكره ابن حبان في " الثقات " (٢ / ٧٢) .
وأبوه عبد الله بن يزيد أورده ابن أبي حاتم (٢ / ٢ / ١٩٧) ولم يذكر فيه
جرحا ولا تعديلا. وذكره ابن حبان في " الثقات " (١ / ١٢٣) .
والحديث قال الهيثمي في " مجمع الزوائد " (٨ / ١٨٦) !
" رواه عبد الله والطبراني في " الكبير " و " الأوسط " بنحوه ورجاله ثقات ".
وللحديث شاهد من حديث أبي هريرة بلفظ:
" وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مؤمنا ". الحديث.
أخرجه الترمذي (٢ / ٥٠) وأحمد (٢ / ٣١٠) .
وقال الترمذي: " حديث غريب، والحسن لم يسمع من أبي هريرة ".
قلت: وراويه عن الحسن - وهو البصري - أبو طارق وهو مجهول كما في
стр. 155
" التقريب
"
ومما يشهد له أيضا:
" لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه (من الخير) ".
٧٣ - " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه (من الخير) ".
أخرجه البخاري (١ / ١١) ، ومسلم (١ / ٤٩) ، وأبو عوانة في " صحيحه "
(١ / ٣٣) ، والنسائي (٢ / ٢٧١، ٢٧٤) ، والترمذي (٢ / ٨٤) ، والدارمي
(٢ / ٣٠٧) ، وابن ماجه (رقم ٦٦) ، والطيالسي (رقم ٢٠٠٤) ، وأحمد
(٣ / ١٧٧، ٢٠٧، ٢٧٥، ٢٧٨) من حديث أنس بن مالك مرفوعا.
وقال الترمذي: " حديث صحيح ".
والزيادة لأبي عوانة والنسائي وأحمد في رواية لهم وإسنادها صحيح.
وللحديث شاهد من حديث علي مرفوعا بلفظ:
" للمسلم على المسلم ست.... ويحب له ما يحب لنفسه، وينصح له بالغيب ".
أخرجه الدارمي (٢ / ٢٧٥ - ٢٧٦) ، وابن ماجه (١٤٣٣) ، وأحمد (١ / ٨٩)
بسند ضعيف.
واعلم أن هذه الزيادة " من الخير " زيادة هامة تحدد المعنى المراد من الحديث
بدقة، إذ أن كلمة (الخير) كلمة جامعة تعم الطاعات والمباحات الدنيوية
والأخروية وتخرج المنهيات، لأن اسم الخير لا يتناولها، كما هو واضح. فمن
كمال خلق المسلم أن يحب لأخيه المسلم من الخير مثلما يحب لنفسه. وكذلك أن
يبغض لأخيه ما
стр. 156
يبغض لنفسه من الشر، وهذا وإن لم يذكره في الحديث، فهو من
مضمونه، لأن حب الشيء مستلزم لبغض نقيضه، فترك التنصيص عليه اكتفاء كما قال
الكرماني ونقله الحافظ في " فتح الباري " (١ / ٥٤) وأقره.
٧٤ - " ما جلس قوم مجلسا لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم ترة
فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم ".
أخرجه الترمذي (٢ / ٢٤٢) ، والحاكم (١ / ٤٩٦) ، وإسماعيل القاضي في
" فضل الصلاة على النبي ﷺ (رقم ٥٤ طبع المكتب الإسلامي) ،
وابن السني في " عمل اليوم والليلة " (رقم ٤٤٣) ، وأحمد (٢ / ٤٤٦، ٤٥٣،
٤٨١، ٤٨٤، ٤٩٥) وأبو نعيم في " الحلية " (٨ / ١٣٠) عن سفيان الثوري عن
صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة مرفوعا.
وقال الترمذي:
" حديث حسن صحيح، وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة مرفوعا ".
стр. 157
ثم رواه من طريق أبي إسحاق عن الأغر أبي مسلم عن أبي هريرة وأبي سعيد معا
مرفوعا قال: " مثله "، ولم يسق لفظه.
كذا قال: " مثله "، وعندي وقفة في كون حديث الأغر مثله، فقد أخرجه مسلم
(٨ / ٧٢) وابن ماجه (٢ / ٤١٨) بلفظ:
" ما جلس قوم مجلسا يذكرون الله فيه، إلا حفتهم الملائكة، وتغشتهم الرحمة،
ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده ".
٧٥ - " ما جلس قوم مجلسا يذكرون الله فيه إلا حفتهم الملائكة وتغشتهم الرحمة ونزلت
عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده ".
والسياق لابن ماجه، ورواه الترمذي قبل حديث الباب بحديثين وقال:
" حسن صحيح ".، وقوله: " مثله ". فالله أعلم.
فإني في شك من ثبوت ذلك عن الترمذي وإن كان ورد ذلك في بعض نسخ كتابه.
فقد أورد السيوطي في " الجامع الصغير " هذا الحديث من رواية الترمذي،
وابن ماجه عن أبي هريرة وأبي سعيد معا.
وفي عزوه لابن ماجه نظر أيضا، فإني لم أجد عنده إلا اللفظ الثاني الذي رواه
مسلم. والعلم عند الله تعالى.
ولم يقع في نسخة " السنن " التي عليها شرح " تحفة الأحوذي " سوق هذا الإسناد
الثاني عقب حديث الباب.
ولهذا اللفظ عنده طريق أخرى عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ:
".... وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه
стр. 158
بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة ... " والباقي مثله.
وصالح مولى التوأمة الذي في اللفظ الأول ضعيف لاختلاطه، ولكنه لم يتفرد به
بل تابعه جماعة منهم: أبو صالح السمان ذكوان بلفظ:
" ما قعد قوم مقعدا لم يذكروا فيه الله ، ويصلوا على النبي صلى الله
عليه وسلم، إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة، وإن دخلوا الجنة للثواب ".
٧٦ - " ما قعد قوم مقعدا لم يذكروا فيه الله ويصلوا على النبي صلى الله
عليه وسلم إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة وإن دخلوا الجنة للثواب ".
رواه أحمد (٢ / ٤٦٣) ، وابن حبان في " صحيحه " (٢٣٢٢ - موارد) ، والحاكم
(١ / ٤٩٢) ، والخطيب في " الفقيه والمتفقه " (٢٣٧ / ١) ، من طريق الأعمش
عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعا.
وإسناده صحيح. وقال الهيثمي (١٠ / ٧٩) :
" رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح ".
وأخرجه ابن الجوزي في " منهاج القاصدين " (١ / ٧٢ / ٢) لكن وقع عنده عن أبي
سعيد الخدري، بدل " أبي هريرة "، فلعله وهم من بعض رواته.
قلت: ورواه سهيل بن أبي صالح عن أبيه بلفظ:
" ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله فيه، إلا قاموا على مثل جيفة حمار
وكان عليهم حسرة يوم القيامة ".
٧٧ - " ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله فيه إلا قاموا على مثل جيفة حمار
وكان عليهم حسرة يوم القيامة ".
(عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه) :
رواه أبو داود (٤٨٥٥) ، والطحاوي (٢ / ٣٦٧) ، وأبو الشيخ في " طبقات
الأصبهانيين " (٢٢٩) ، وابن بشران في " الأمالي " (٣٠ / ٦ / ١ عام ٣٩٢٧) ،
وابن السني (٤٣٩) ، والحاكم (١ / ٤٩٢) ، وأبو نعيم (٧ / ٢٠٧)
стр. 159
وأحمد
(٢ / ٣٨٩، ٥١٥، ٥٢٧) .
وقال الحاكم: " صحيح على شرط مسلم ". ووافقه الذهبي، وهو كما قالا.
ومنهم سعيد بن أبي سعيد المقبري ولفظه:
" من قعد مقعدا لم يذكر الله فيه، كانت عليه من الله ترة، ومن اضطجع مضجعا
لا يذكر الله فيه، كانت عليه من الله ترة ".
٧٨ - " من قعد مقعدا لم يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة ومن اضطجع مضجعا
لا يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة ".
رواه أبو داود (٤٨٥٦، ٥٠٥٩) . والحميدي في " مسنده " (١١٥٨) الشطر الأول
وابن السني (٧٤٣) الشطر الثاني فقط من طريق محمد بن عجلان عنه.
قلت: وهذا إسناد حسن.
وعزاه المنذري في " الترغيب " (٢ / ٢٣٥) لأبي داود بهذا اللفظ وبزيادة:
стр. 160
" وما مشى أحد ممشى لم يذكر الله فيه، إلا كان عليه من الله ترة "،
ثم قال: " ورواه أحمد وابن أبي الدنيا والنسائي وابن حبان في " صحيحه "
كلهم بنحو أبي داود ".
ولي عليه ملاحظتان:
الأولى: أن الزيادة المذكورة ليست عند أبي داود في الموضعين المشار إليهما من
كتابه وإنما هي عند ابن حبان (٢٣٢١) : وعنده بدل قضية الاضطجاع:
" وما أوى أحد إلى فراشه ولم يذكر الله فيه إلا كان عليه ترة ".
(ترة) أي نقصا، والهاء فيه عوض من الواو المحذوفة.
الثانية: أن أحمد لم يروه من هذا الطريق باللفظ المذكور، وإنما رواه من طريق
أخرى باللفظ الآتي:
ومنهم أبو إسحاق مولى الحارث ولفظه:
" ما جلس قوم مجلسا فلم يذكروا الله فيه، إلا كان عليهم ترة، وما من رجل مشى
طريقا فلم يذكر الله ، إلا كان عليه ترة، وما من رجل أوى إلى فراشه
فلم يذكر الله، إلا كان عليه ترة ".
٧٩ - " ما جلس قوم مجلسا فلم يذكروا الله فيه إلا كان عليهم ترة وما من رجل مشى
طريقا فلم يذكر الله إلا كان عليه ترة وما من رجل أوى إلى فراشه
فلم يذكر الله إلا كان عليه ترة ".
رواه أحمد (٢ / ٤٣٢) ، وابن السني (٣٧٥) ، والحاكم (١ / ٥٥٠) عن سعيد
بن أبي سعيد عن أبي إسحاق به.
وقال أحمد: " عن إسحاق " وقال الحاكم: " عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث "
وقال:
стр. 161
" صحيح على شرط البخاري ". وقال الذهبي: " على شرط مسلم ".
قلت: وفي كل ذلك نظر، فإن إسحاق هذا إن كان ابن عبد الله بن الحارث كما
وقع لدى الحاكم فليس من رجال البخاري ولا مسلم ولكنه ثقة روى عنه جماعة.
وإن كان أبا إسحاق مولى الحارث فلا يعرف كما قال الذهبي، وإن كان إسحاق
غير منسوب فلم أعرفه.
وفي " المجمع " (١٠ / ٨٠) : " رواه أحمد وأبو إسحاق مولى عبد الله بن
الحارث بن نوفل لم يوثقه أحد، ولم يجرحه أحد وبقية رجال أحد إسنادي أحمد
رجال الصحيح ".
وله شاهد من حديث ابن عمرو بلفظ:
" ما من قوم جلسوا مجلسا لم يذكروا الله فيه، إلا رأوه حسرة يوم القيامة ".
٨٠ - " ما من قوم جلسوا مجلسا لم يذكروا الله فيه إلا رأوه حسرة يوم القيامة ".
(عن ابن عمرو) :
أخرجه أحمد (٢ / ١٢٤) بإسناد حسن.
وقال الهيثمي: " رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح ".
شاهد ثان: أخرجه الطيالسي (١٧٥٦) عن جابر بسند على شرط مسلم.
стр. 162
وله شاهد آخر عن عبد الله بن مغفل مثله.
أخرجه ابن الضريسي في " أحاديث مسلم بن إبراهيم الفراهيدي " (٨ / ١ - ٢) بسند
لا بأس به في المتابعات والشواهد، رواه الطبراني في " الكبير " و " الأوسط "
ورجالهما رجال الصحيح والبيهقي كما في " الترغيب " (٢ / ٢٣٦) .
فقه الحديث:
لقد دل هذا الحديث الشريف وما في معناه على وجوب ذكر الله سبحانه وكذا الصلاة
على النبي ﷺ في كل مجلس، ودلالة الحديث على ذلك من وجوه:
أولا - قوله: " فإن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم " فإن هذا لا يقال إلا فيما
كان فعله واجبا وتركه معصية.
ثانيا - قوله: " وإن دخلوا الجنة للثواب ".
فإنه ظاهر في كون تارك الذكر والصلاة عليه ﷺ ، يستحق دخول
النار، وإن كان مصيره إلى الجنة ثوابا على إيمانه.
ثالثا: قوله: " وإلا قاموا على مثل جيفة حمار ".
فإن هذا التشبيه يقتضي تقبيح عملهم كل التقبيح، وما يكون ذلك - إن شاء الله
تعالى - إلا فيما هو حرام ظاهر التحريم. والله أعلم.
فعلى كل مسلم أن يتنبه لذلك، ولا يغفل عن ذكر الله ، والصلاة على
نبيه ﷺ ، في كل مجلس يقعده، وإلا كان عليه ترة وحسرة يوم
القيامة.
قال المناوي في " فيض القدير ":
стр. 163
" فيتأكد ذكر الله، والصلاة على رسوله عند إرادة القيام من المجلس، وتحصل
السنة في الذكر والصلاة بأي لفظ كان، لكن الأكمل في الذكر " سبحانك اللهم
وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، وفي الصلاة على
النبي ﷺ ما في آخر التشهد ".
قلت: والذكر المشار إليه هو المعروف بكفارة المجلس، وقد جاء فيه عدة أحاديث
أذكر واحدا منها هو أتمها: وهو كفارة المجلس:
" من قال: سبحان الله وبحمده، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا
أنت، أستغفرك وأتوب إليك، فقالها في مجلس ذكر، كانت كالطابع يطبع عليه،
ومن قالها في مجلس لغو كانت كفارة له ".
٨١ - " من قال: سبحان الله وبحمده سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت
أستغفرك وأتوب إليك، فقالها في مجلس ذكر كانت كالطابع يطبع عليه ومن قالها
في مجلس لغو كانت كفارة له ".
أخرجه الطبراني (١ / ٧٩ / ٢) والحاكم (١ / ٥٣٧) من طريق نافع بن جبير
ابن مطعم عن أبيه مرفوعا.
وقال: " صحيح على شرط مسلم ". ووافقه الذهبي وهو كما قالا.
وعزاه المنذري (٢ / ٢٣٦) للنسائي والطبراني، قال:
" ورجالهما رجال الصحيح ".
وقال الهيثمي (١٠ / ١٤٢ و ٤٢٣) : " رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح ".
стр. 164
قلت: وفي رواية للطبراني زيادة: " يقولها ثلاث مرات " وقد سكت عليها
الهيثمي، وليس بجيد، فإن في سندها خالد بن يزيد العمري وقد كذبه أبو حاتم
ويحيى، وقال ابن حبان: " يروي الموضوعات عن الأثبات ".
فهذه الزيادة واهية لا يلتفت إليها.
٨٢ - " لا أشبع الله بطنه. يعني معاوية ".
رواه أبو داود الطيالسي في " مسنده " (٢٧٤٦) : حدثنا هشام وأبو عوانة عن أبي
حمزة القصاب عن ابن عباس:
" أن رسول الله ﷺ بعث إلى معاوية ليكتب له: فقال: إنه يأكل
ثم بعث إليه، فقال: إنه يأكل، فقال رسول الله ﷺ " فذكره.
قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات رجال مسلم، وفي أبي حمزة القصاب
واسمه عمران بن أبي عطاء كلام من بعضهم لا يضره، فقد وثقه جماعة من الأئمة
منهم أحمد وابن معين وغيرهما، ومن ضعفه لم يبين السبب، فهو جرح مبهم غير
مقبول، وكأنه لذلك احتج به مسلم، وأخرج له هذا الحديث في " صحيحه " (٨ /
٢٧) من طريق شعبة عن أبي حمزة القصاب به.
وأخرجه أحمد (١ / ٢٤٠، ٢٩١، ٣٣٥، ٣٣٨) عن شعبة وأبي عوانة عنه به،
стр. 165
دون
قوله: " لا أشبع الله بطنه " وكأنه من اختصار أحمد أو بعض شيوخه، وزاد في
رواية: " وكان كاتبه " وسندها صحيح.
وقد يستغل بعض الفرق هذا الحديث ليتخذوا منه مطعنا في معاوية ﵁،
وليس فيه ما يساعدهم على ذلك، كيف وفيه أنه كان كاتب النبي صلى الله عليه
وسلم؟ ! ولذلك قال الحافظ ابن عساكر (١٦ / ٣٤٩ / ٢) " إنه أصح ما ورد في
فضل معاوية " فالظاهر أن هذا الدعاء منه ﷺ غير مقصود، بل هو
ما جرت به عادة العرب في وصل كلامها بلا نية كقوله ﷺ في بعض
نسائه " عقرى حلقى " و " تربت يمينك ". ويمكن أن يكون ذلك منه صلى الله عليه
وسلم بباعث البشرية التي أفصح عنها هو نفسه ﵇ في أحاديث كثيرة
متواترة.
منها حديث عائشة ﵂ قالت:
" دخل على رسول الله ﷺ رجلان، فكلماه بشيء لا أدري ما هو
فأغضباه، فلعنهما وسبهما، فلما خرجا قلت: يا رسول الله من أصاب من الخير
شيئا ما أصابه هذان؟ قال: وما ذاك؟ قالت: قلت: لعنتهما وسببتهما،
قال: " أو ما علمت ما شارطت عليه ربي؟ قلت: اللهم إنما أنا بشر، فأي
المسلمين لعنته أو سببته فاجعله له زكاة وأجرا ".
٨٣ - " أو ما علمت ما شارطت عليه ربي؟ قلت: اللهم إنما أنا بشر فأي المسلمين لعنته
أو سببته فاجعله له زكاة وأجرا ".
رواه مسلم مع الحديث الذي قبله في باب واحد هو " باب من لعنه النبي صلى الله
عليه وسلم أو سبه أو دعا عليه وليس هو أهلا لذلك كان له زكاة وأجرا ورحمة ".
ثم ساق فيه من حديث أنس بن مالك قال:
стр. 166
" كانت عند أم سليم يتيمة وهي أم أنس، فرأى رسول الله ﷺ
اليتيمة، فقال: آنت هي؟ لقد كبرت لا كبر سنك فرجعت اليتيمة إلى أم سليم تبكي
فقالت أم سليم: ما لك يا بنية؟ فقالت الجارية: دعا علي نبي الله صلى الله
عليه وسلم أن لا يكبر سني أبدا، أو قالت: قرني، فخرجت أم سليم مستعجله تلوث
خمارها حتى لقيت رسول الله ﷺ فقال لها رسول الله صلى الله
عليه وسلم: ما لك يا أم سليم؟ فقالت يا نبي الله، أدعوت على يتيمتي؟ قال:
وما ذاك يا أم سليم؟ قالت: زعمت أنك دعوت أن لا يكبر سنها، ولا يكبر قرنها
قال: فضحك رسول الله ﷺ ، ثم قال:
" يا أم سليم! أما تعلمين أن شرطي على ربي؟ أني اشترطت على ربي فقلت: إنما
أنا بشر أرضى كما يرضى البشر، وأغضب كما يغضب البشر، فأيما أحد دعوت عليه
من أمتي بدعوة ليس لها بأهل، أن يجعلها له طهورا وزكاة وقربة يقربه بها منه
يوم القيامة ".
٨٤ - " يا أم سليم! أما تعلمين أن شرطي على ربي؟ أني اشترطت على ربي فقلت: إنما
أنا بشر أرضى كما يرضى البشر وأغضب كما يغضب البشر فأيما أحد دعوت عليه من
أمتي بدعوة ليس لها بأهل أن يجعلها له طهورا وزكاة وقربة يقربه بها منه يوم
القيامة ".
(عن أم سليم) :
ثم أتبع الإمام مسلم هذا الحديث بحديث معاوية وبه ختم الباب، إشارة منه
﵀ إلى أنها من باب واحد، وفي معنى واحد، فكما لا يضر اليتيمة دعاؤه
ﷺ عليه بل هو لها زكاة وقربة، فكذلك دعاؤه صلى الله عليه
وسلم على معاوية.
وقد قال الإمام النووي في " شرحه على مسلم " (٢ / ٣٢٥ طبع الهند) :
" وأما دعاؤه ﷺ على معاوية ففيه جوابان:
أحدهما: أنه جرى على اللسان بلا قصد.
والثانى: أنه عقوبة له لتأخره، وقد فهم مسلم ﵀ من هذا الحديث أن
معاوية لم يكن مستحقا الدعاء عليه، فلهذا أدخله في هذا الباب، وجعله غيره من
стр. 167
مناقب معاوية لأنه في الحقيقة يصير دعاء له ".
وقد أشار الذهبي إلى هذا المعنى الثاني فقال في " سير أعلام النبلاء "
(٩ / ١٧١ / ٢) :
" قلت: لعل أن، يقال: هذه منقبة لمعاوية لقوله ﷺ : اللهم
من لعنته أو سببته فاجعل ذلك له زكاة ورحمة ".
واعلم أن قوله ﷺ في هذه الأحاديث: " إنما أنا بشر أرضى كما
يرضى البشر.. " إنما هو تفصيل لقول الله ﵎: (قل إنما أنا بشر
مثلكم، يوحى إلي....) الآية.
وقد يبادر بعض ذوي الأهواء أو العواطف الهوجاء، إلى إنكار مثل هذا الحديث
بزعم تعظيم النبي ﷺ وتنزيهه عن النطق به! ولا مجال إلى مثل
هذا الإنكار فإن الحديث صحيح، بل هو عندنا متواتر، فقد رواه مسلم من حديث
عائشة وأم سلمة كما ذكرنا، ومن حديث أبي هريرة وجابر ﵄،
وورد من حديث سلمان وأنس وسمرة وأبي الطفيل وأبي سعيد وغيرهم.
انظر " كنز العمال " (٢ / ١٢٤) .
وتعظيم النبي ﷺ تعظيما مشروعا، إنما يكون بالإيمان بكل ما
جاء عنه ﷺ صحيحا ثابتا، وبذلك يجتمع الإيمان به صلى الله
عليه وسلم عبدا ورسولا، دون إفراط ولا تفريط، فهو ﷺ بشر،
بشهادة الكتاب والسنة، ولكنه سيد البشر وأفضلهم إطلاقا بنص الأحاديث
الصحيحة. وكما يدل عليه تاريخ حياته ﷺ وسيرته، وما حباه
الله تعالى به من الأخلاق الكريمة، والخصال الحميدة، التي لم تكتمل في بشر
اكتمالها فيه ﷺ ، وصدق الله العظيم، إذ خاطبه بقوله
الكريم: (وإنك لعلى خلق عظيم) .
стр. 168
٨٥ - " ارحلوا لصاحبيكم واعملوا لصاحبيكم! ادنوا فكلا ".
رواه أبو بكر ابن أبي شيبة في " المصنف " (ج ٢ / ١٤٩ / ٢) ، والفريابي في
" الصيام " (٤ / ٦٤ / ١) عنه وعن أخيه عثمان بن أبي شيبة، قالا: حدثنا عمر
بن سعد أبو داود عن سفيان عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن
أبي هريرة قال:
" أتي النبي ﷺ بطعام وهو بـ (مر الظهران) ، فقال لأبي بكر
وعمر: ادنوا فكلا، فقالا: إنا صائمان، فقال: ارحلوا لصاحبيكم " الحديث.
وكذا أخرجه النسائي (١ / ٣١٥) وابن دحيم في " الأمالي " (٢ / ١) من طرق
أخرى عن عمر بن سعد به.
ثم أخرجه النسائي من طريق محمد بن شعيب: أخبرني الأوزاعي به مرسلا لم يذكر أبا
هريرة، وكذلك أخرجه من طريق علي - وهو ابن المبارك - عن يحيى به.
ولعل الموصول أرجح، لأن الذي وصله وهو سفيان عن الأوزاعي ثقة، وزيادة
الثقة مقبولة ما لم تكن منافية لمن هو أوثق منه.
قلت: وإسناده صحيح على شرط مسلم، ورواه ابن خزيمة في " صحيحه "
وقال: " فيه دليل على أن للصائم في السفر الفطر بعد مضي بعض النهار ".
стр. 169
كما في " فتح الباري " (٤ / ١٥٨) .
وأخرجه الحاكم (١ / ٤٣٣) وقال:
" صحيح على شرط الشيخين ". ووافقه الذهبي! وإنما هو على شرط مسلم وحده،
فإن عمر بن سعد لم يخرج له البخاري شيئا.
والغرض من قوله ﵌: " ارحلوا لصاحبيكم ... " الإنكار
وبيان أن الأفضل أن يفطرا ولا يحوجا الناس إلى خدمتهما، ويبين ذلك ما روى
الفريابي (٦٧ / ١) عن ابن عمر ﵄ قال: " لا تصم فى السفر فإنهم
إذا أكلوا طعاما قالوا: ارفعوا للصائم! وإذا عملوا عملا قالوا: اكفلوا
للصائم! فيذهبوا بأجرك ". ورجاله ثقات.
قلت: ففي الحديث توجيه كريم، إلى خلق قويم، وهو الاعتماد على النفس، وترك
التواكل على الغير، أو حملهم على خدمته، ولو لسبب مشروع كالصيام، أفليس في
الحديث إذن رد واضح على أولئك الذين يستغلون عملهم، فيحملون الناس على التسارع
في خدمتهم، حتى في حمل نعالهم؟ !
ولئن قال بعضهم: لقد كان الصحابة ﵃ يخدمون رسول الله صلى الله
عليه وسلم أحسن خدمة، حتى كان فيهم من يحمل نعليه ﷺ وهو
عبد الله بن مسعود.
فجوابنا نعم، ولكن هل احتجاجهم بهذا لأنفسهم إلا تزكية منهم لها، واعتراف
بأنهم ينظرون إليها على أنهم ورثته ﷺ في العلم حتى يصح لهم
هذا القياس؟ ! وايم الله لو كان لديهم نص على أنهم الورثة لم يجز لهم هذا
القياس،
стр. 170
فهؤلاء أصحابه ﷺ المشهود لهم بالخيرية، وخاصة منهم
العشرة المبشرين بالجنة، فقد كانوا خدام أنفسهم، ولم يكن واحد منهم يخدم من
غيره، عشر معشار ما يخدم أولئك المعنيين من تلامذتهم ومريديهم! فكيف وهم لا
نص عندهم بذلك، ولذلك فإني أقول: إن هذا القياس فاسد الاعتبار من أصله،
هدانا الله تعالى جميعا سبيل التواضع والرشاد.
٨٦ - " من أنظر معسرا فله بكل يوم صدقة قبل أن يحل الدين، فإذا حل الدين فأنظره فله
بكل يوم مثليه صدقة ".
رواه أحمد (٥ / ٣٦٠) عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: سمعت رسول الله
ﷺ يقول:
" من أنظر معسرا فله بكل يوم مثله صدقة، قال: ثم سمعته يقول: من أنظر معسرا
فله بكل يوم مثله صدقة، قلت: سمعتك يا رسول الله تقول: من أنظر معسرا فله
بكل يوم مثله صدقة، ثم سمعتك تقول: من أنظر معسرا فله بكل يوم مثليه صدقة،
قال: له بكل يوم صدقة قبل أن يحل الدين فإذا حل الدين فأنظره فله بكل يوم
مثليه صدقة ".
قلت: وإسناده صحيح رجاله ثقات محتج بهم في " صحيح مسلم ".
ثم رأيته في " المستدرك " (٢ / ٢٩) وقال: " صحيح على شرط الشيخين " ووافقه
الذهبي فأخطأ لأن سليمان هذا لم يخرج له البخاري، وإنما الذي
стр. 171
أخرج له الشيخان
هو أخوه عبد الله بن بريدة.
٨٧ - " يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك
ولا صدقة وليسرى على كتاب الله في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية
وتبقى طوائف من الناس: الشيخ الكبير والعجوز، يقولون: أدركنا آباءنا على هذه
الكلمة: " لا إله إلا الله " فنحن نقولها ".
أخرجه ابن ماجه (٤٠٤٩) والحاكم (٤ / ٤٧٣) من طريق أبي معاوية عن أبي مالك
الأشجعي عن ربعي بن حراش عن حذيفة بن اليمان مرفوعا به، وزاد:
" قال صلة بن زفر لحذيفة: ما تغني عنهم لا إله إلا الله وهم لا يدرون ما
стр. 172
صلاة
ولا صيام ولا نسك ولا صدقة؟ فأعرض عنه حذيفة، ثم ردها عليه ثلاثا، كل ذلك
يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة فقال: يا صلة! تنجيهم من النار.
ثلاثا ".
وقال الحاكم: " صحيح على شرط مسلم ". ووافقه الذهبي.
قلت: وهو كما قالا.
وقال البوصيري في " الزوائد " (ق ٢٤٧ / ١) : " إسناده صحيح، رجاله ثقات ".
стр. 173
(يدرس) من درس الرسم دروسا: إذا عفا وهلك.
(وشي الثوب) نقشه.
من فوائد الحديث:
وفي هذا الحديث نبأ خطير، وهو أنه سوف يأتي يوم على الإسلام يمحى أثره،
وعلى القرآن فيرفع فلا يبقى منه ولا آية واحدة، وذلك لا يكون قطعا إلا بعد
أن يسيطر الإسلام على الكرة الأرضية جميعها، وتكون كلمته فيها هي العليا.
كما هو نص قول الله ﵎ (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق
ليظهره على الدين كله) ، وكما شرح رسول الله ﷺ ذلك في
أحاديث كثيرة سبق ذكر بعضها في المقال الأول من هذه المقالات (الأحاديث
الصحيحة) .
وما رفع القرآن الكريم في آخر الزمان إلا تمهيدا لإقامة الساعة على شرار الخلق
الذين لا يعرفون شيئا من الإسلام البتة، حتى ولا توحيده!
وفي الحديث إشارة إلى عظمة القرآن، وأن وجوده بين المسلمين هو السبب لبقاء
دينهم ورسوخ بنيانه وما ذلك إلا بتدارسه وتدبره وتفهمه ولذلك تعهد الله
﵎ بحفظه، إلى أن يأذن الله برفعه. فما أبعد ضلال بعض المقلدة
الذين يذهبون إلى أن الدين محفوظ بالمذاهب الأربعة، وأنه لا ضير على المسلمين
من ضياع قرآنهم لو فرض وقوع ذلك! ! هذا ما كان صرح لي به أحد كبار المفتين من
الأعاجم وهو يتكلم العربية الفصحى بطلاقة وذلك لما جرى الحديث بيني وبينه
حول الاجتهاد والتقليد.
قال - ما يردده كثير من الناس -: إن الاجتهاد أغلق بابه منذ القرن الرابع!
فقلت له: وماذا نفعل بهذه الحوادث الكثيرة التي تتطلب معرفة حكم الله فيها
اليوم؟
قال: إن هذه الحوادث مهما
стр. 174
كثرت فستجد الجواب عنها في كتب علمائنا إما عن عينها
أو مثلها.
قلت: فقد اعترفت ببقاء باب الاجتهاد مفتوحا ولا بد!
قال: وكيف ذلك؟
قلت: لأنك اعترفت أن الجواب قد يكون عن مثلها، لا عن عينها وإذ الأمر كذلك،
فلابد من النظر في كون الحادثه في هذا العصر، هي مثل التي أجابوا عنها، وحين
ذلك فلا مناص من استعمال النظر والقياس وهو الدليل الرابع من أدلة الشرع،
وهذا معناه الاجتهاد بعينه لمن هو له أهل! فكيف تقولون بسد بابه؟ ! ويذكرني
هذا بحديث آخر جرى بيني وبين أحد المفتين شمال سورية، سألته: هل تصح الصلاة
في الطائرة؟ قال: نعم. قلت: هل تقول ذلك تقليدا أم اجتهادا؟ قال: ماذا
تعني؟ قلت: لا يخفى أن من أصولكم في الإفتاء، أنه لا يجوز الإفتاء باجتهاد،
بل اعتمادا على نص من إمام، فهل هناك نص بصحة الصلاة في الطائرة؟ قال: لا،
قلت: فكيف إذن خالفتم أصلكم هذا فأفتيتم دون نص؟ قال: قياسا.
قلت: ما هو المقيس عليه؟ قال: الصلاة في السفينة.
قلت: هذا حسن، ولكنك خالفت بذلك أصلا وفرعا، أما الأصل فما سبق ذكره،
وأما الفرع فقد ذكر الرافعي في شرحه أن المصلي لو صلى في أرجوحة غير معلقة
بالسقف ولا مدعمة بالأرض فصلاته باطلة. قال: لا علم لي بهذا.
قلت: فراجع الرافعي إذن لتعلم أن (فوق كل ذي علم عليم) ، فلو أنك تعترف أنك
من أهل القياس والاجتهاد وأنه يجوز لك ذلك ولو في حدود المذهب فقط، لكانت
النتيجة أن الصلاة في الطائرة باطلة لأنها هي التي يتحقق فيها ما ذكره الرافعي
من الفرضية الخيالية يومئذ. أما نحن فنرى أن الصلاة في الطائرة صحيحة لا شك في
ذلك، ولئن كان السبب في صحة الصلاة في السفينة أنها مدعمة بالماء بينها وبين
الأرض، فالطائرة أيضا مدعمة بالهواء بينها وبين الأرض. وهذا هو الذي بدا
لكم في أول الأمر حين بحثتم استقلالا، ولكنكم لما علمتم بذلك الفرع المذهبي
صدكم عن القول بما أداكم إليه بحثكم! ؟
стр. 175
أعود إلى إتمام الحديث مع المفتي الأعجمي، قلت له: وإذا كان الأمر كما
تقولون: إن المسلمين ليسوا بحاجة إلى مجتهدين لأن المفتي يجد الجواب عن عين
المسألة أو مثلها، فهل يترتب ضرر ما لو فرض ذهاب القرآن؟ قال: هذا لا يقع،
قلت: إنما أقول: لو فرض، قال: لا يترتب أي ضرر لو فرض وقوع ذلك!
قلت: فما قيمة امتنان الله إذن على عباده بحفظ القرآن حين قال: (إنا
نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) ، إذا كان هذا الحفظ غير ضروري بعد الأئمة
؟ !
والحقيقة أن هذا الجواب الذي حصلنا عليه من المفتي بطريق المحاورة، هو جواب
كل مقلد على وجه الأرض، وإنما الفرق أن بعضهم لا يجرؤ على التصريح به، وإن
كان قلبه قد انطوى عليه. نعوذ بالله من الخذلان.
فتأمل أيها القارىء اللبيب مبلغ ضرر ما نشكو منه، لقد جعلوا القرآن في حكم
المرفوع، وهو لا يزال بين ظهرانينا والحمد لله، فكيف يكون حالهم حين يسرى
عليه في ليلة، فلا يبقى في الأرض منه آية؟ ! فاللهم هداك.
حكم تارك الصلاة:
هذا وفي الحديث فائدة فقهية هامة، وهي أن شهادة أن لا إله إلا الله تنجي
قائلها من الخلود في النار يوم القيامة ولو كان لا يقوم بشيء من أركان الإسلام
الخمسة الأخرى كالصلاة وغيرها، ومن المعلوم أن العلماء اختلفوا في حكم تارك
الصلاة خاصة، مع إيمانه بمشروعيتها، فالجمهور على أنه لا يكفر بذلك، بل يفسق
وذهب أحمد إلى أنه يكفر وأنه يقتل ردة، لا حدا، وقد صح عن الصحابة أنهم
كانوا لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة. رواه الترمذي والحاكم،
وأنا أرى أن الصواب رأي الجمهور، وأن ما ورد عن الصحابة ليس نصا على أنهم
كانوا يريدون بـ (الكفر) هنا الكفر الذي يخلد صاحبه في النار ولا يحتمل أن
يغفره الله له، كيف ذلك وهذا حذيفة بن اليمان - وهو من كبار أولئك الصحابة -
يرد
стр. 176
على صلة بن زفر وهو يكاد يفهم الأمر على نحو فهم أحمد له، فيقول: ما
تغني عنهم لا إله إلا الله، وهم لا يدرون ما صلاة.... " فيجيبه حذيفة بعد
إعراضه عنه:
" يا صلة تنجيهم من النار. ثلاثا ".
فهذا نص من حذيفة ﵁ على أن تارك الصلاة، ومثلها بقية الأركان ليس
بكافر، بل هو مسلم ناج من الخلود في النار يوم القيامة. فاحفظ هذا فإنه قد لا
تجده في غير هذا المكان.
وفي الحديث المرفوع ما يشهد له، ولعلنا نذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى.
ثم وقفت على " الفتاوى الحديثية " (٨٤ / ٢) للحافظ السخاوي، فرأيته يقول بعد
أن ساق بعض الأحاديث الواردة في تكفير تارك الصلاة وهي مشهورة معروفة:
" ولكن كل هذا إنما يحمل على ظاهره في حق تاركها جاحدا لوجودها مع كونه ممن
نشأ بين المسلمين، لأنه يكون حينئذ كافرا مرتدا بإجماع المسلمين، فإن رجع إلى
الإسلام قبل منه، وإلا قتل. وأما من تركها بلا عذر، بل تكاسلا مع اعتقاد
وجوبها، فالصحيح المنصوص الذي قطع به الجمهور أنه لا يكفر، وأنه - على
الصحيح أيضا - بعد إخراج الصلاة الواحدة عن وقتها الضروري، كأن يترك الظهر
مثلا حتى تغرب الشمس أو المغرب حتى يطلع الفجر - يستتاب كما يستتاب المرتد،
ثم يقتل إن لم يتب، ويغسل ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين، مع إجراء
سائر أحكام المسلمين عليه. ويؤول إطلاق الكفر عليه لكونه شارك الكافر في بعض
أحكامه. وهو وجوب العمل، جمعا بين هذه النصوص وبين ما صح أيضا عنه
ﷺ أنه قال: خمس صلوات كتبهن الله - فذكر الحديث. وفيه:
" إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له " وقال أيضا: " من مات وهو يعلم أن لا إله
إلا الله دخل الجنة " إلى غير ذلك. ولهذا لم يزل المسلمون يرثون تارك الصلاة
ويورثونه ولو كان كافرا لم يغفر له، ولم يرث ولم يورث ".
وقد ذكر نحو هذا الشيخ سليمان بن الشيخ عبد الله في " حاشيته على المقنع "،
стр. 177
(١ / ٩٥ - ٩٦) وختم البحث بقوله:
" ولأن ذلك إجماع المسلمين، فإننا لا نعلم في عصر من الأعصار أحدا من تاركي
الصلاة، ترك تغسيله والصلاة عليه، ولا منع ميراث موروثه مع كثرة تاركي
الصلاة، ولو كفر لثبتت هذه الأحكام. وأما الأحاديث المتقدمة، فهي على وجه
التغليظ والتشبيه بالكفار لا على الحقيقة، كقوله ﵊:
" سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر "، وقوله " من حلف بغير الله فقد أشرك "
وغير ذلك. قال الموفق: وهذا أصوب القولين ".
أقول: نقلت هذا النص من " الحاشية " المذكورة، ليعلم بعض متعصبة الحنابلة،
أن الذي ذهبت إليه، ليس رأيا لنا تفردنا به دون أهل العلم، بل هو مذهب
جمهورهم، والمحققين من علماء الحنابلة أنفسهم، كالموفق هذا، وهو ابن قدامة
المقدسي، وغيره، ففي ذلك حجة كافية على أولئك المتعصبة، تحملهم إن شاء الله
تعالى، على ترك غلوائهم، والاعتدال في حكمهم.
بيد أن هنا دقيقة، قل من رأيته تنبه لها، أو نبه عليها، فوجب الكشف عنها
وبيانها.
فأقول: إن التارك للصلاة كسلا إنما يصح الحكم بإسلامه، ما دام لا يوجد هناك
ما يكشف عن مكنون قلبه، أو يدل عليه، ومات على ذلك، قبل أن يستتاب كما هو
الواقع في هذا الزمان، أما لو خير بين القتل والتوبة بالرجوع إلى المحافظة
على الصلاة، فاختار القتل عليها، فقتل، فهو في هذه الحالة يموت كافرا،
ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا تجري عليه أحكامهم، خلافا لما سبق عن
السخاوي لأنه لا يعقل - لو كان غير جاحد لها في قلبه - أن يختار القتل عليها،
هذا أمر مستحيل، معروف بالضرورة من طبيعة الإنسان، لا يحتاج إثباته إلى برهان.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في " مجموعة الفتاوى " (٢ / ٤٨) :
стр. 178
" ومتى امتنع الرجل من الصلاة حتى يقتل، لم يكن في الباطن مقرا بوجوبها ولا
ملتزما بفعلها، وهذا كافر باتفاق المسلمين، كما استفاضت الآثار عن الصحابة
بكفر هذا، ودلت عليه النصوص الصحيحة.... فمن كان مصرا على تركها حتى يموت،
لا يسجد لله سجدة قط، فهذا لا يكون قط مسلما مقرا بوجوبها، فإن اعتقاد الوجوب
واعتقاد أن تاركها يستحق القتل، هذا داع تام إلى فعلها، والداعي مع القدرة
يوجب وجود المقدور، فإذا كان قادرا ولم يفعل قط، علم أن الداعي في حقه لم
يوجد ".
٨٨ - " ما اجتمع هذه الخصال في رجل في يوم إلا دخل الجنة ".
رواه مسلم في " صحيحه " (٧ / ١٠٠) والبخاري في " الأدب المفرد " (رقم ٥١٥)
وابن عساكر في " تاريخه " (ج ٩ / ٢٨٨ / ١) من طريق مروان بن معاوية قال:
حدثنا يزيد بن كيسان عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله
ﷺ :
" من أصبح منكم اليوم صائما؟ قال أبو بكر: أنا، قال: من عاد منكم اليوم
مريضا؟ قال أبو بكر أنا، قال: من شهد منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر:
أنا، قال: من أطعم اليوم مسكينا؟ قال أبو بكر: أنا، قال مروان: بلغني أن
النبي ﷺ قال: فذكره.
والسياق للبخارى. وليس عند مسلم وابن عساكر " قال مروان: بلغني " بل
стр. 179
هذا
البلاغ عندهما متصل بأصل الحديث من طريقين عن مروان. وهو الأصح إن شاء الله
تعالى.
والحديث عزاه المنذري في " الترغيب " (٤ / ١٦٢) لابن خزيمة فقط في " صحيحه "
! وله طريق أخرى عند ابن عساكر عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة نحوه.
ولبعضه شاهد من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر بلفظ:
" هل منكم أحد أطعم اليوم مسكينا؟ فقال أبو بكر ﵁:
دخلت المسجد فإذا أنا بسائل يسأل، فوجدت كسرة خبز في يد عبد الرحمن، فأخذتها
منه، فدفعتها إليه ".
أخرجه أبو داود وغيره وإسناده ضعيف كما بينته في الأحاديث " الضعيفة "
(١٤٠٠) .
وفيه فضيلة أبي بكر الصديق ﵁ والبشارة له بالجنة، والأحاديث في
ذلك كثيرة طيبة.
وفيه فضيلة الجمع بين هذه الخصال في يوم واحد، وأن اجتماعها في شخص بشير له
بالجنة، جعلنا الله من أهلها.
٨٩ - " إن أول ما يكفئ - يعني الإسلام - كما يكفأ الإناء - يعني الخمر -، فقيل:
كيف يا رسول الله، وقد بين الله فيها ما بين؟ قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: يسمونها بغير اسمها ".
رواه الدارمي (٢ / ١١٤) : حدثنا زيد بن يحيى حدثنا محمد بن راشد عن أبي وهب
الكلاعي عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول:
стр. 180
فذكره.
قلت: وهذا سند حسن، القاسم بن محمد هو ابن أبي بكر الصديق - ثقة أحد الفقهاء
في المدينة، احتج به الجماعة.
وأبو وهب الكلاعي اسمه عبيد الله بن عبيد وثقه دحيم.
وقال ابن معين: لا بأس به.
ومحمد بن راشد هو المكحولي الخزاعي الدمشقي، وثقه جماعة من كبار الأئمة كأحمد
وابن معين وغيرهما، وضعفه آخرون.
وتوسط فيه أبو حاتم فقال: " كان صدوقا حسن الحديث ".
قلت: وهذا هو الراجح لدينا، وقال الحافظ في " التقريب ": " صدوق يهم ".
وزيد بن يحيى، هو إما زيد بن يحيى بن عبيد الخزاعي أبو عبد الله الدمشقي،
وإما زيد بن أبي الزرقاء يزيد الموصلي أبو محمد نزيل الرملة، ولم يترجح لدي
الآن أيهما المراد هنا، فكلاهما روى عن محمد بن راشد، ولكن أيهما كان فهو
ثقة.
وقد وجدت للحديث طريقا أخرى، أخرجه أبو يعلى في " مسنده " (٢٢٥ / ١)
وابن عدي (ق ٢٦٤ / ٢) عن الفرات بن سلمان عن القاسم به، ولفظه:
" أول ما يكفأ الإسلام كما يكفأ الإناء في شراب يقال له: الطلاء ".
следующие страницы →