← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 9442

سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها

ناصر الدين الألباني

Полный текст (6 550 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

على صلة بن زفر وهو يكاد يفهم الأمر على نحو فهم أحمد له، فيقول: ما تغني عنهم لا إله إلا الله، وهم لا يدرون ما صلاة.... " فيجيبه حذيفة بعد إعراضه عنه: " يا صلة تنجيهم من النار. ثلاثا ". فهذا نص من حذيفة ﵁ على أن تارك الصلاة، ومثلها بقية الأركان ليس بكافر، بل هو مسلم ناج من الخلود في النار يوم القيامة. فاحفظ هذا فإنه قد لا تجده في غير هذا المكان. وفي الحديث المرفوع ما يشهد له، ولعلنا نذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى. ثم وقفت على " الفتاوى الحديثية " (٨٤ / ٢) للحافظ السخاوي، فرأيته يقول بعد أن ساق بعض الأحاديث الواردة في تكفير تارك الصلاة وهي مشهورة معروفة: " ولكن كل هذا إنما يحمل على ظاهره في حق تاركها جاحدا لوجودها مع كونه ممن نشأ بين المسلمين، لأنه يكون حينئذ كافرا مرتدا بإجماع المسلمين، فإن رجع إلى الإسلام قبل منه، وإلا قتل. وأما من تركها بلا عذر، بل تكاسلا مع اعتقاد وجوبها، فالصحيح المنصوص الذي قطع به الجمهور أنه لا يكفر، وأنه - على الصحيح أيضا - بعد إخراج الصلاة الواحدة عن وقتها الضروري، كأن يترك الظهر مثلا حتى تغرب الشمس أو المغرب حتى يطلع الفجر - يستتاب كما يستتاب المرتد، ثم يقتل إن لم يتب، ويغسل ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين، مع إجراء سائر أحكام المسلمين عليه. ويؤول إطلاق الكفر عليه لكونه شارك الكافر في بعض أحكامه. وهو وجوب العمل، جمعا بين هذه النصوص وبين ما صح أيضا عنه ﷺ أنه قال: خمس صلوات كتبهن الله - فذكر الحديث. وفيه: " إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له " وقال أيضا: " من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة " إلى غير ذلك. ولهذا لم يزل المسلمون يرثون تارك الصلاة ويورثونه ولو كان كافرا لم يغفر له، ولم يرث ولم يورث ". وقد ذكر نحو هذا الشيخ سليمان بن الشيخ عبد الله في " حاشيته على المقنع "،

стр. 177

(١ / ٩٥ - ٩٦) وختم البحث بقوله: " ولأن ذلك إجماع المسلمين، فإننا لا نعلم في عصر من الأعصار أحدا من تاركي الصلاة، ترك تغسيله والصلاة عليه، ولا منع ميراث موروثه مع كثرة تاركي الصلاة، ولو كفر لثبتت هذه الأحكام. وأما الأحاديث المتقدمة، فهي على وجه التغليظ والتشبيه بالكفار لا على الحقيقة، كقوله ﵊: " سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر "، وقوله " من حلف بغير الله فقد أشرك " وغير ذلك. قال الموفق: وهذا أصوب القولين ". أقول: نقلت هذا النص من " الحاشية " المذكورة، ليعلم بعض متعصبة الحنابلة، أن الذي ذهبت إليه، ليس رأيا لنا تفردنا به دون أهل العلم، بل هو مذهب جمهورهم، والمحققين من علماء الحنابلة أنفسهم، كالموفق هذا، وهو ابن قدامة المقدسي، وغيره، ففي ذلك حجة كافية على أولئك المتعصبة، تحملهم إن شاء الله تعالى، على ترك غلوائهم، والاعتدال في حكمهم. بيد أن هنا دقيقة، قل من رأيته تنبه لها، أو نبه عليها، فوجب الكشف عنها وبيانها. فأقول: إن التارك للصلاة كسلا إنما يصح الحكم بإسلامه، ما دام لا يوجد هناك ما يكشف عن مكنون قلبه، أو يدل عليه، ومات على ذلك، قبل أن يستتاب كما هو الواقع في هذا الزمان، أما لو خير بين القتل والتوبة بالرجوع إلى المحافظة على الصلاة، فاختار القتل عليها، فقتل، فهو في هذه الحالة يموت كافرا، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا تجري عليه أحكامهم، خلافا لما سبق عن السخاوي لأنه لا يعقل - لو كان غير جاحد لها في قلبه - أن يختار القتل عليها، هذا أمر مستحيل، معروف بالضرورة من طبيعة الإنسان، لا يحتاج إثباته إلى برهان. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في " مجموعة الفتاوى " (٢ / ٤٨) :

стр. 178

" ومتى امتنع الرجل من الصلاة حتى يقتل، لم يكن في الباطن مقرا بوجوبها ولا ملتزما بفعلها، وهذا كافر باتفاق المسلمين، كما استفاضت الآثار عن الصحابة بكفر هذا، ودلت عليه النصوص الصحيحة.... فمن كان مصرا على تركها حتى يموت، لا يسجد لله سجدة قط، فهذا لا يكون قط مسلما مقرا بوجوبها، فإن اعتقاد الوجوب واعتقاد أن تاركها يستحق القتل، هذا داع تام إلى فعلها، والداعي مع القدرة يوجب وجود المقدور، فإذا كان قادرا ولم يفعل قط، علم أن الداعي في حقه لم يوجد ". ٨٨ - " ما اجتمع هذه الخصال في رجل في يوم إلا دخل الجنة ". رواه مسلم في " صحيحه " (٧ / ١٠٠) والبخاري في " الأدب المفرد " (رقم ٥١٥) وابن عساكر في " تاريخه " (ج ٩ / ٢٨٨ / ١) من طريق مروان بن معاوية قال: حدثنا يزيد بن كيسان عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " من أصبح منكم اليوم صائما؟ قال أبو بكر: أنا، قال: من عاد منكم اليوم مريضا؟ قال أبو بكر أنا، قال: من شهد منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا، قال: من أطعم اليوم مسكينا؟ قال أبو بكر: أنا، قال مروان: بلغني أن النبي ﷺ قال: فذكره. والسياق للبخارى. وليس عند مسلم وابن عساكر " قال مروان: بلغني " بل

стр. 179

هذا البلاغ عندهما متصل بأصل الحديث من طريقين عن مروان. وهو الأصح إن شاء الله تعالى. والحديث عزاه المنذري في " الترغيب " (٤ / ١٦٢) لابن خزيمة فقط في " صحيحه " ! وله طريق أخرى عند ابن عساكر عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة نحوه. ولبعضه شاهد من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر بلفظ: " هل منكم أحد أطعم اليوم مسكينا؟ فقال أبو بكر ﵁: دخلت المسجد فإذا أنا بسائل يسأل، فوجدت كسرة خبز في يد عبد الرحمن، فأخذتها منه، فدفعتها إليه ". أخرجه أبو داود وغيره وإسناده ضعيف كما بينته في الأحاديث " الضعيفة " (١٤٠٠) . وفيه فضيلة أبي بكر الصديق ﵁ والبشارة له بالجنة، والأحاديث في ذلك كثيرة طيبة. وفيه فضيلة الجمع بين هذه الخصال في يوم واحد، وأن اجتماعها في شخص بشير له بالجنة، جعلنا الله من أهلها. ٨٩ - " إن أول ما يكفئ - يعني الإسلام - كما يكفأ الإناء - يعني الخمر -، فقيل: كيف يا رسول الله، وقد بين الله فيها ما بين؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يسمونها بغير اسمها ". رواه الدارمي (٢ / ١١٤) : حدثنا زيد بن يحيى حدثنا محمد بن راشد عن أبي وهب الكلاعي عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

стр. 180

فذكره. قلت: وهذا سند حسن، القاسم بن محمد هو ابن أبي بكر الصديق - ثقة أحد الفقهاء في المدينة، احتج به الجماعة. وأبو وهب الكلاعي اسمه عبيد الله بن عبيد وثقه دحيم. وقال ابن معين: لا بأس به. ومحمد بن راشد هو المكحولي الخزاعي الدمشقي، وثقه جماعة من كبار الأئمة كأحمد وابن معين وغيرهما، وضعفه آخرون. وتوسط فيه أبو حاتم فقال: " كان صدوقا حسن الحديث ". قلت: وهذا هو الراجح لدينا، وقال الحافظ في " التقريب ": " صدوق يهم ". وزيد بن يحيى، هو إما زيد بن يحيى بن عبيد الخزاعي أبو عبد الله الدمشقي، وإما زيد بن أبي الزرقاء يزيد الموصلي أبو محمد نزيل الرملة، ولم يترجح لدي الآن أيهما المراد هنا، فكلاهما روى عن محمد بن راشد، ولكن أيهما كان فهو ثقة. وقد وجدت للحديث طريقا أخرى، أخرجه أبو يعلى في " مسنده " (٢٢٥ / ١) وابن عدي (ق ٢٦٤ / ٢) عن الفرات بن سلمان عن القاسم به، ولفظه: " أول ما يكفأ الإسلام كما يكفأ الإناء في شراب يقال له: الطلاء ".

стр. 181

ثم رواه ابن عدي عن الفرات قال: حدثنا أصحاب لنا عن القاسم به. وقال: " الفرات هذا لم أر المتقدمين صرحوا بضعفه، وأرجو أنه لا بأس به، لأني لم أر في رواياته حديثا منكرا ". قلت: وقال ابن أبي حاتم (٣ / ٢ / ٨٠) : " سألت أبي عنه؟ فقال: لا بأس به، محله الصدق، صالح الحديث ". وقال أحمد: " ثقة ". كما في " الميزان " و " اللسان ". قلت: فالإسناد صحيح، ولا يضره جهالة أصحاب الفرات، لأنهم جمع ينجبر به جهالتهم، ولعل منهم أبا وهب الكلاعي فإنه قد رواه عن القاسم كما في الطريق الأولى، فالحديث صحيح. وقول الذهبي في ترجمة الفرات: " حديث منكر " منكر من القول، ولعله لم يقف على الطريق الأولى، بل هذا هو الظاهر. والله أعلم. والحديث مما فات السيوطي فلم يورده في " الجامع الكبير "، لا في بابا " إن " ولا في " أول " وإنما أورد فيه ما قد يصلح أن يكون شاهدا لهذا فقال (١ / ٢٧٤ / ٢) : " أول ما يكفأ أمتي عن الإسلام كما يكفأ الإناء، في الخمر. ابن عساكر عن ابن عمرو ". ثم رأيته في " تاريخه " (١٨ / ٧٦ / ١) عن زيد بن يحيى بن عبيد حدثني ابن ثابت ابن ثوبان عن إسماعيل بن عبد الله قال: سمعت ابن محيريز يقول: سمعت عبد الله بن عمرو يقول فذكره وزاد في آخره " قال: وقلت (لعله. وقطب) رسول الله ﷺ ".

стр. 182

وهذا إسناد لا بأس به في الشواهد. وللحديث طريق أخرى بلفظ آخر عن عائشة، يأتي في الذي بعده. (الطلاء) قال في " النهاية ": " بالكسر والمد: الشراب المطبوخ من عصير العنب، وهو الرب ". ثم ذكر الحديث ثم قال: " هذا نحو الحديث الآخر: سيشرب ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها. يريد: أنهم يشربون النبيذ المسكر، المطبوخ، ويسمونه طلاء، تحرجا من أن يسموه خمرا ". وللحديث شاهد صحيح بلفظ: " ليستحلن طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه، (وفي رواية) : يسمونها بغير اسمها ". ٩٠ - " ليستحلن طائفة من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه، (وفي رواية) : يسمونها بغير اسمها ". أخرجه ابن ماجه (٣٣٨٥) وأحمد (٥ / ٣١٨) وابن أبي الدنيا في " ذم المسكر " (ق ٤ / ٢) عن سعيد بن أوس الكاتب عن بلال بن يحيى العبسي عن أبي بكر ابن حفص عن ابن محيريز عن ثابت بن السمط عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ . قلت: وهذا إسناد جيد، رجاله كلهم ثقات، وابن محيريز اسمه عبد الله. وهو ثقة من رجال الشيخين. وأبو بكر بن حفص، هو عبد الله بن حفص بن عمر بن سعد بن أبي وقاص وهو ثقة محتج به في " الصحيحين " أيضا. وبلال بن يحيى العبسي، قال ابن معين:

стр. 183

" ليس به بأس ". ووثقه ابن حبان. وقد تابعه شعبة، لكنه أسقط من الإسناد " ثابت بن السمط " وقال: " عن رجل من أصحاب النبي ﷺ " بالرواية الثانية. أخرجه النسائي (٢ / ٣٣٠) ، وأحمد (٤ / ٢٣٧) ، وإسناده صحيح، وهو أصح من الأول. وروي عن أبي بكر بن حفص على وجه آخر، من طريق محمد بن عبد الوهاب أبي شهاب عن أبي إسحاق الشيباني عن أبي بكر بن حفص عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : فذكره. أخرجه الخطيب في " تاريخ بغداد " (٦ / ٢٠٥) . قلت: ورجاله ثقات غير أبي شهاب هذا فلم أعرفه. وللحديث شاهد يرويه سعيد بن أبي هلال عن محمد بن عبد الله بن مسلم أن أبا مسلم الخولاني حج، فدخل على عائشة زوج النبي ﷺ فجعلت تسأله عن الشام وعن بردها، فجعل يخبرها، فقالت: كيف تصبرون على بردها؟ فقال: يا أم المؤمنين إنهم يشربون شرابا لهم، يقال له: الطلاء، فقالت: صدق الله وبلغ حبي، سمعت حبي رسول الله ﷺ يقول: " إن ناسا من أمتي يشربون الخمر، يسمونها بغير اسمها ". أخرجه الحاكم (٢ / ١٤٧) والبيهقي (٧ / ٢٩٤ - ٢٩٥) . وقال الحاكم: " صحيح على شرط الشيخين ". وتعقبه الذهبي بقوله: " قلت: كذا قال: " محمد "، فمحمد مجهول، وإن كان ابن أخي الزهري

стр. 184

فالسند منقطع ". قلت: وسعيد بن أبي هلال كان اختلط، وقد تقدم الحديث عن عائشة بلفظ آخر قبل هذا الحديث. وله شاهد ثان، من حديث أبي أمامة الباهلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تذهب الليالي والأيام، حتى تشرب طائفة من أمتي الخمر، يسمونها بغير اسمها ". أخرجه ابن ماجه (٣٣٨٤) ، وأبو نعيم في " الحلية " (٦ / ٩٧) عن عبد السلام بن عبد القدوس، حدثنا ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عنه. وقال أبو نعيم: " كذا حدثناه عن أبي أمامة، وروي عن ثور عن خالد عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مثله ". قلت: ورجاله ثقات غير عبد السلام هذا وهو ضعيف كما في " التقريب ". وله شاهد ثالث يرويه أبو عامر الخزاز عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: " إن أمتي يشربون الخمر في آخر الزمان، يسمونها بغير اسمها ". أخرجه الطبراني في " الكبير " (٣ / ١١٤ / ٣) . وأبو عامر اسمه صالح بن رستم المزني، وهو صدوق كثير الخطأ كما في " التقريب "، فمثله يستشهد به. والله أعلم. وله شاهد رابع يرويه حاتم بن حريث عن مالك بن أبي مريم قال: دخل علينا عبد الرحمن بن غنم فتذاكرنا الطلاء، فقال: حدثني أبو مالك الأشعري أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " ليشربن ناس من أمتي الخمر، يسمونها بغير اسمها ".

стр. 185

أخرجه أبو داود (٣٦٨٨) ، والبخاري في " التاريخ الكبير " (١ / ١ / ٣٠٥ و٤ / ١ / ٢٢٢) ، وابن ماجه (٤٠٢٠) ، وابن حبان (١٣٨٤) ، والبيهقي (٨ / ٢٩٥ و ١٠ / ٢٣١) ، وأحمد (٥ / ٣٤٢) والطبراني في " المعجم الكبير " (١ / ١٦٧ / ٢) ، وابن عساكر (١٦ / ١١٥ / ٢) ، كلهم عن معاوية بن صالح عن حاتم به. قلت: ورجاله ثقات غير مالك بن أبي مريم، قال الذهبي: " لا يعرف ". ووثقه ابن حبان على قاعدته! هذا هو علة هذا الإسناد، وأما المنذري فأعله في " مختصره " (٥ / ٢٧١) بقوله: " في إسناده حاتم بن حريث الطائي الحمصي، سئل عنه أبو حاتم الرازي، فقال: شيخ. وقال ابن معين: لا أعرفه ". قلت: قد عرفه غيره، فقال عثمان بن سعيد الدارمي: " ثقة ". وذكره ابن حبان في " الثقات "، وقال ابن عدي: " لعزة حديثه لم يعرفه ابن معين، وأرجو أنه لا بأس به ". قلت: فإعلاله بشيخه مالك بن أبي مريم - كما فعلنا - أولى، لأنه لم يوثقه غير ابن حبان كما ذكرنا. هذا وفي الحديث زيادة عن ابن ماجه والبيهقي وابن عساكر بلفظ: " يعزف على رؤوسهم بالمعازف والمغنيات، يخسف الله بهم الأرض، ويجعل منهم القردة والخنازير ". والحديث صحيح بكامله، أما أصله فقد تقدمت له شواهد.

стр. 186

وأما الزيادة فقد جاءت من طريق أخرى عن عبد الرحمن بن غنم نحوه، ولفظه يأتي بعده، وقال البيهقي عقبه: " ولهذا شواهد من حديث علي، وعمران بن حصين، وعبد الله بن بسر، وسهل بن سعد، وأنس بن مالك، وعائشة، ﵃ عن النبي ﷺ ". ٩١ - " ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب علم، يروح عليهم بسارحة لهم، يأتيهم لحاجة، فيقولون: ارجع إلينا غدا، فيبيتهم الله، ويضع العلم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة ". رواه البخاري في " صحيحه " تعليقا فقال (٤ / ٣٠) : " باب ما جاء فيمن يستحل الخمر ويسميه بغير اسمه. وقال هشام بن عمار: حدثنا صدقة بن خالد حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر حدثنا عطية بن قيس الكلابي حدثني عبد الرحمن بن غنم الأشعري قال: حدثني أبو عامر أو أبو مالك الأشعري - والله ما كذبني - سمع النبي ﷺ يقول ... " فذكره. وقد وصله الطبراني (١ / ١٦٧ / ١) والبيهقي (١٠ / ٢٢١) وابن عساكر (١٩ / ٧٩ / ٢) وغيرهم من طرق عن هشام بن عمار به. وله طريق أخرى عن عبد الرحمن بن يزيد، فقال أبو داود (٤٠٣٩) : حدثنا عبد الوهاب بن نجدة حدثنا بشر بن بكر عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر به. ورواه ابن عساكر من طريق أخرى عن بشر به. قلت: وهذا إسناد صحيح ومتابعة قوية لهشام بن عمار وصدقة بن خالد، ولم يقف على ذلك ابن حزم في " المحلى "، ولا في رسالته في إباحة الملاهي، فأعل إسناد البخاري بالانقطاع بينه وبين هشام، وبغير ذلك من العلل الواهية، التي بينها

стр. 187

العلماء من بعده وردوا عليه تضعيفه للحديث من أجلها، مثل المحقق ابن القيم في " تهذيب السنن " (٥ / ٢٧٠ - ٢٧٢) والحافظ ابن حجر في " الفتح " وغيرهما، وقد فصلت القول في ذلك في جزء عندي في الرد على رسالة ابن حزم المشار إليها، يسر الله تبيضه ونشره. وابن حزم ﵀ مع علمه وفضله وعقله، فهو ليس طويل الباع في الاطلاع على الأحاديث وطرقها ورواتها. ومن الأدلة على ذلك تضعيفه لهذا الحديث. وقوله في الإمام الترمذي صاحب السنن: " مجهول " وذلك مما حمل العلامة محمد بن عبد الهادي - تلميذ ابن تيمية - على أن يقول في ترجمته في " مختصر طبقات علماء الحديث " (ص ٤٠١) : " وهو كثير الوهم في الكلام على تصحيح الحديث وتضعيفه، وعلى أحوال الرواة ". قلت: فينبغي أن لا يؤخذ كلامه على الأحاديث إلا بعد التثبيت من صحته وعدم شذوذه، شأنه في ذلك شأنه في الفقه الذي يتفرد به، وعلم الكلام الذي يخالف السلف فيه، فقد قال ابن عبد الهادي بعد أن وصفه " بقوة الذكاء وكثرة الاطلاع ": " ولكن تبين لي منه أنه جهمي جلد، لا يثبت معاني أسماء الله الحسنى إلا القليل، كالخالق، والحق، وسائر الأسماء عنده لا يدل على معنى أصلا، كالرحيم والعليم والقدير، ونحوها، بل العلم عنده هو القدرة، والقدرة هي العلم، وهما عين الذات، ولا يدل العلم على شيء زائد على الذات المجردة أصلا وهذا عين السفسطة والمكابرة. وقد كان ابن حزم قد اشتغل في المنطق والفلسفة ، وأمعن في ذلك، فتقرر في ذهنه لهذا السبب معاني باطلة ".

стр. 188

غريب الحديث: (الحر) الفرج، والمراد: الزنا. (المعازف) جمع معزفة وهي آلات الملاهي كما في " الفتح ". (علم) هو الجبل العالي. (يروح عليهم) بحذف الفاعل وهو الراعي بقرينة المقام، إذ السارحة لابد لها من حافظ. (بسارحة) هي الماشية التي تسرح بالغداة إلى رعيها، وتروح أي ترجع بالعشي إلى مألفها. (يأتيهم لحاجة) بيانه في رواية الإسماعيلي في " مستخرجه على الصحيح ": " يأتيهم طالب حاجة ". (فيبيتهم الله) أي يهلكهم ليلا. (ويضع العلم) أي يوقعه عليهم. فقه الأحاديث: يستفاد من الأحاديث المتقدمة فوائد هامة نذكر بعضها: أولا: تحريم الخمر، وهذا أمر مجمع عليه بين المسلمين والحمد لله، غير أن طائفة منهم - وفيهم بعض المتبوعين - خصوا التحريم بما كان من عصير العنب خاصة ! وأما ما سوى ذلك من المشروبات المسكرة، مثل (السكر) وهو نقيع التمر إذا غلى بغير طبخ، و (الجعة) وهو نبيذ الشعير، و (السكركة) وهو خمر الحبشة من الذرة، فذلك كله حلال عندهم إلا المقدار الذي يسكر منه، وأما القليل منه فحلال! بخلاف خمر العنب فقليله ككثيره في التحريم. وهذا التفريق مع مصادمته للنصوص القاطعة في تحريم كل مسكر، كقول عمر

стр. 189

رضي الله عنه: " نزل تحريم الخمر يوم نزل وهي من خمسة أشياء من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير. والخمر ما خامر العقل " وكقوله ﷺ : " كل مسكر خمر، وكل خمر حرام " وقوله: " ما أسكر كثيره فقليله حرام ". أقول: هذا التفريق مع مصادمته لهذه النصوص وغيرها، فهو مخالف للقياس الصحيح والنظر الرجيح، إن أي فرق بين تحريم القليل الذي لا يسكر من خمر العنب المسكر كثيره، وبين تحليل القليل الذي لا يسكر من خمر الذرة المسكر؟ ! وهل حرم القليل إلا لأنه ذريعة إلى الكثير المسكر، فكيف يحلل هذا ويحرم ذاك والعلة واحدة؟ ! تالله إن هذا من الغرائب التي لا تكاد تصدق نسبتها إلى أحد من أهل العلم لولا صحة ذلك عنهم، وأعجب منه الذي تبنى القول به هو من المشهورين بأنه من أهل القياس والرأي! ! قال ابن القيم في " تهذيب السنن " (٥ / ٢٦٣) بعد أن ساق بعض النصوص المذكورة: " فهذه النصوص الصحيحة الصريحة في دخول هذه الأشربة المتخذة من غير العنب في اسم الخمر في اللغة التي نزل بها القرآن وخوطب بها الصحابة مغنية عن

стр. 190

التكلف في إثبات تسميتها خمرا بالقياس، مع كثرة النزاع فيه. فإذ قد ثبت تسميتها خمرا نصا فتناول لفظ النصوص لها كتناوله لشراب العنب سواء تناولا واحدا. فهذه طريقة منصوصة سهلة تريح من كلمة القياس في الاسم، والقياس في الحكم. ثم إن محض القياس الجلي يقتضي التسوية بينها، لأن تحريم قليل شراب العنب مجمع عليه، وإن لم يسكر، وهذا لأن النفوس لا تقتصر على الحد الذي لا يسكر منه، وقليله يدعو إلى كثيره. وهذا المعنى بعينه في سائر الأشربة المسكرة، فالتفريق بينها في ذلك تفريق بين المتماثلات وهو باطل، فلو لم يكن في المسألة إلا القياس لكان كافيا في التحريم، فكيف وفيها ما ذكرناه من النصوص التي لا مطعن في سندها، ولا اشتباه في معناها، بل هي صحيحة. وبالله التوفيق ". وأيضا فإن إباحة القليل الذي لا يسكر من الكثير الذي يسكر غير عملي، لأنه لا يمكن معرفته إذ أن ذلك يختلف باختلاف نسبة كمية المادة المسكرة (الكحول) في الشراب، فرب شراب قليل، كمية الكحول فيه كثيرة وهو يسكر، ورب شراب أكثر منه كمية، الكحول فيه أقل لا يسكر وكما أن ذلك يختلف باختلاف بنية الشاربين وصحتهم، كما هو ظاهر بين، وحكمة الشريعة تنافي القول بإباحة مثل هذا الشراب وهي التي تقول: " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك "، " ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه ". واعلم أن ورود مثل هذه الأقوال المخالفة للسنة والقياس الصحيح معا في بعض المذاهب مما يوجب على المسلم البصير في دينه، الرحيم بنفسه أن لا يسلم قيادة عقله وتفكيره وعقيدته لغير معصوم، مهما كان شأنه في العلم والتقوى والصلاح بل عليه أن يأخذ من حيث أخذوا من الكتاب والسنة إن كان أهلا لذلك، وإلا سأل المتأهلين لذلك، والله تعالى يقول: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) .

стр. 191

وبالإضافة إلى ذلك فإنا نعتقد أن من قال بهذا القول من العلماء المشار إليهم فهو مأجور على خطئه، للحديث المعروف، لأنهم قصدوا الحق فأخطؤوه، وأما من وقف من أتباعهم على هذه الاحاديث التي ذكرنا، ثم أصر على تقليدهم على خطأهم، وأعرض عن اتباع الأحاديث المذكورة فهو - ولا شك - على ضلال مبين، وهو داخل في وعيد هذه الأحاديث التي خرجناها ولا يفيده شيئا تسميته لما يشرب بغير اسمه مثل الطلاء، والنبيذ، أو (الويسكى) أو (الكونياك) وغير ذلك من الأسماء التي أشار إليها رسول الله ﷺ في هذه الأحاديث الكريمة. وصدق الله العظيم إذ يقول: (إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآبائكم ما أنزل الله بها من سلطان) . ثانيا: تحريم آلات العزف والطرب، ودلالة الحديث على ذلك من وجوه: أ - قوله: " يستحلون " فإنه صريح بأن المذكورات ومنها المعازف هي في الشرع محرمة، فيستحلها أولئك القوم. ب - قرن (المعازف) مع المقطوع حرمته: الزنا والخمر، ولو لم تكن محرمة ما قرنها معها إن شاء الله تعالى. وقد جاءت أحاديث كثيرة بعضها صحيح في تحريم أنواع من آلات العزف التي كانت معروفة يومئذ، كالطبل والقنين وهو العود وغيرها، ولم يأت ما يخالف

стр. 192

ذلك أو يخصه، اللهم إلا الدف في النكاح والعيد، فإنه مباح على تفصيل مذكور في الفقه، وقد ذكرته في ردي على ابن حزم. ولذلك اتفقت المذاهب الأربعة على تحريم آلات الطرب كلها، واستثنى بعضهم - بالإضافة إلى ما ذكرنا - الطبل في الحرب، وألحق به بعض المعاصرين الموسيقى العسكرية، ولا وجه لذلك ألبتة لأمور: الأول: أنه تخصيص لأحاديث التحريم، بدون مخصص، سوى مجرد الرأي والاستحسان، وهو باطل. الثاني: أن المفروض في المسلمين في حالة الحرب أن يقبلوا بقلوبهم على ربهم، وأن يطلبوا منه نصرهم على عدوهم، فذلك أدعى لطمأنينة نفوسهم، وأربط لقلوبهم فاستعمال الموسيقى مما يفسد ذلك عليهم، ويصرفهم عن ذكر ربهم، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا، واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون) . الثالث: أن استعمالها من عادة الكفار (الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق) فلا يجوز لنا أن نتشبه بهم، لا سيما فيما حرمه الله ﵎ علينا تحريما عاما كالموسيقى. ولا تغتر أيها القارئ الكريم بما قد تسمع عن بعض المشهورين اليوم من المتفقهة من القول بإباحة آلات الطرب والموسيقى، فإنهم - والله - عن تقليد يفتون، ولهوى الناس اليوم ينصرون، ومن يقلدون؟ إنما يقلدون ابن حزم الذي أخطأ فأباح آلات الطرب والملاهي، لأن حديث أبي مالك الأشعري لم يصح عنده، وقد عرفت أنه صحيح قطعا، وأن ابن حزم أتي من قصر باعه في علم الحديث كما سبق بيانه، وليت شعري ما الذي حملهم على تقليده هنا دون الأئمة الأربعة، مع أنهم

стр. 193

أفقه منه وأعلم وأكثر عددا وأقوى حجة؟ ! لو كان الحامل لهم على ذلك إنما هو التحقيق العلمي فليس لأحد عليهم من سبيل، ومعنى التحقيق العلمي كما لا يخفى أن يتتبعوا الاحاديث كلها الواردة في هذا الباب ويدرسوا طرقها ورجالها، ثم يحكموا عليها بما تستحق من صحة أو ضعف، ثم إذا صح عندهم شيء منها درسوها من ناحية دلالتها وفقهها وعامها وخاصها، وذلك كله حسبما تقتضيه قواعد علم أصول الحديث وأصول الفقه، لو فعلوا ذلك لم يستطع أحد انتقادهم ولكانوا مأجورين، ولكنهم - والله - لا يصنعون شيئا من ذلك، ولكنهم إذا عرضت لهم مسألة نظروا في أقوال العلماء فيها، ثم أخذوا ما هو الأيسر أو الأقرب إلى تحقيق المصلحة زعموا. دون أن ينظروا موافقة ذلك للدليل من الكتاب والسنة، وكم شرعوا للناس - بهذه الطريقة - أمورا باسم الشريعة الإسلامية، يبرأ الإسلام منها. فإلى الله المشتكى. فاحرص أيها المسلم على أن تعرف إسلامك من كتاب ربك، وسنة نبيك، ولا تقل: قال فلان، فإن الحق لا يعرف بالرجال، بل اعرف الحق تعرف الرجال، ورحمة الله على من قال: العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين رأي فقيه كلا ولا جحد الصفات ونفيها حذرا من التمثيل والتشبيه ثالثا: أن الله قد يعاقب بعض الفساق عقوبة دنيوية مادية، فيمسخهم فيقلب صورهم، وبالتالي عقولهم إلى بهيمة.. قال الحافظ في " الفتح " (١٠ / ٤٩) في صدد كلامه على المسخ المذكور في الحديث: " قال ابن العربي: يحتمل الحقيقة كما وقع للأمم السالفة، ويحتمل أن يكون

стр. 194

كناية عن تبدل أخلاقهم. قلت: والأول أليق بالسياق ". أقول: ولا مانع من الجمع بين القولين كما ذكرنا بل هو المتبادر من الحديثين. والله أعلم. وقد ذهب بعض المفسرين في العصر الحاضر إلى أن مسخ بعض اليهود قردة وخنازير لم يكن مسخا حقيقيا بدنيا، وإنما كان مسخا خلقيا! وهذا خلاف ظاهر الآيات والأحاديث الواردة فيهم، فلا تلتفت إلى قولهم فإنهم لا حجة لهم فيه إلا الاستبعاد العقلي، المشعر بضعف الإيمان بالغيب. نسأل الله السلامة. رابعا: ثم قال الحافظ: " وفي هذا الحديث وعيد شديد على من يتحيل في تحليل ما يحرم بتغيير اسمه، وأن الحكم يدور مع العلة، والعلة في تحريم الخمر الإسكار، فمهما وجد الإسكار، وجد التحريم، ولو لم يستمر الاسم، قال ابن العربي: هو أصل في أن الأحكام إنما تتعلق بمعاني الأسماء لا بألقابها، ردا على من حمله على اللفظ "! ٩٢ - " ما أنا بأقدر على أن أدع لكم ذلك على أن تشعلوا لي منها شعلة. يعني الشمس ". رواه أبو جعفر البختري في " حديث أبي الفضل أحمد بن ملاعب " (٤٧ / ١ - ٢) وابن عساكر (١١ / ٣٦٣ / ١، ١٩ / ٤٤ / ٢٠١) من طريق أبي يعلى وغيره كلاهما عن يونس بن بكير أنبأنا طلحة بن يحيى عن موسى بن طلحة حدثني عقيل بن أبي طالب قال: " جاءت قريش إلى أبي طالب فقالوا: أرأيت أحمد؟ يؤذينا في نادينا، وفي مسجدنا، فانهه عن أذانا، فقال: يا عقيل، ائتني بمحمد، فذهبت فأتيته به، فقال: يا ابن أخي إن بني عمك زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم، وفي مسجدهم، فانته عن

стр. 195

ذلك، قال: فلحظ رسول الله ﷺ ببصره (وفي رواية: فحلق رسول الله ﷺ ببصره) إلى السماء فقال: فذكره. قال: فقال أبو طالب: ما كذب ابن أخي. فارجعوا ". قلت: وهذا إسناد حسن رجاله كلهم رجال مسلم وفي يونس به بكير وطلحة ابن يحيى كلام لا يضر. وأما حديث: " يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره أو أهلك فيه ما تركته ". فليس له إسناد ثابت ولذلك أوردته في " الأحاديث الضعيفة " (٩١٣) . ٩٣ - " تكون إبل للشياطين وبيوت للشياطين، فأما إبل الشياطين، فقد رأيتها يخرج أحدكم بجنيبات معه قد أسمنها فلا يعلو بعيرا منها ويمر بأخيه قد انقطع به فلا يحمله. وأما بيوت الشياطين فلم أرها ". رواه أبو داود في " الجهاد " رقم (٢٥٦٨) من طريق ابن أبي فديك: حدثني عبد الله بن أبي يحيى عن سعيد بن أبي هند قال: قال أبو هريرة .. فذكره مرفوعا به وزاد. " وكان سعيد يقول: " لا أراها إلا هذه الأقفاص التي تستر الناس بالديباج ". قلت: وهذا إسناد حسن رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين، غير عبد الله ابن أبي يحيى وهو عبد الله بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي الملقب بـ " سحبل " وهو ثقة، وابن أبي فديك هو محمد بن إسماعيل، وفيه كلام يسير. والظاهر أنه ﵊ عني بـ " بيوت الشياطين " هذه السيارات الفخمة التي يركبها بعض الناس مفاخرة ومباهاة، وإذا مروا ببعض المحتاجين إلى الركوب لم يركبوهم، ويرون أن إركابهم يتنافى مع كبريائهم وغطرستهم؟ فالحديث من أعلام نبوته ﷺ .

стр. 196

٩٤ - " من حلف بالأمانة فليس منا ". رواه أبو داود (٣٢٥٣) : حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير حدثنا الوليد بن ثعلبة الطائي عن ابن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات. وابن بريدة اثنان: عبد الله وسليمان، والأول أوثق وقد احتج به الشيخان. وزهير هو ابن معاوية أبو خيثمة الكوفي وهو ثقة احتج به الشيخان أيضا. ومثله أحمد بن يونس واسم أبيه عبد الله بن يونس. والوليد بن ثعلبة وثقه ابن معين وابن حبان، وقد أخرج حديثه هذا في " صحيحه " (١٣١٨) .

стр. 197

قال الخطابي في " معالم السنن " (٤ / ٣٥٨) تعليقا على الحديث: " هذا يشبه أن تكون الكراهة فيها من أجل أنه إنما أمر أن يحلف بالله وصفاته، وليست الأمانة من صفاته، وإنما هي أمر من أمره، وفرض من فروضه، فنهوا عنه لما في ذلك من التسوية بينها وبين أسماء الله وصفاته ". ٩٥ - " انظر إليها، فإن في أعين الأنصار شيئا. يعني الصغر ". أخرجه مسلم في " صحيحه " (٤ / ١٤٢) وسعيد بن منصور في " سننه " (٥٢٣) وكذا النسائي (٢ / ٧٣) والطحاوي في " شرح المعاني " (٢ / ٨) والدارقطني (٣٩٦) والبيهقي (٧ / ٨٤) عن أبي حازم عن أبي هريرة: " أن رجلا أراد أن يتزوج امرأة من نساء الأنصار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ". قلت: فذكره. والسياق للطحاوي، ولفظ مسلم والبيهقي: " كنت عند النبي ﷺ ، فأتاه رجل، فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار، فقال له

стр. 198

رسول الله ﷺ : أنظرت إليها؟ قال: لا، قال: فانظر ... " الحديث. وقد جاء تعليل هذا الأمر في حديث صحيح وهو: " انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما ". ٩٦ - " انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما ". أخرجه سعيد بن منصور في " سننه " (٥١٥ - ٥١٨) وكذا النسائي (٢ / ٧٣) والترمذي (١ / ٢٠٢) والدارمي (٢ / ١٣٤) وابن ماجه (١٨٦٦) والطحاوي (٢ / ٨) وابن الجارود في " المنتقى " (ص ٣١٣) والدارقطني (ص ٣٩٥) والبيهقي (٧ / ٨٤) وأحمد (٤ / ١٤٤ - ٢٤٥ / ٢٤٦) وابن عساكر (١٧ / ٤٤ / ٢) عن بكر بن عبد الله المزني عن المغيرة بن شعبة. أنه خطب امرأة فقال النبي ﷺ : فذكره. وزاد أحمد والبيهقي. " فأتيتها وعندها أبواها وهي في خدرها، قال: فقلت: إن رسول الله ﷺ أمرني أن أنظر إليها، قال: فسكتا، قال: فرفعت الجارية جانب الخدر فقالت: أحرج عليك إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرك أن تنظر، لما نظرت، وإن كان رسول الله ﷺ لم يأمرك أن تنظر، فلا تنظر. قال: فنظرت إليها، ثم تزوجتها، فما وقعت عندي امرأة بمنزلتها، ولقد تزوجت سبعين، أو بضعا وسبعين امرأة ". وقال الترمذي: " حديث حسن ". قلت: ورجاله كلهم ثقات إلا أن يحيى بن معين قال: " لم يسمع بكر من المغيرة ". قلت: لكن قال الحافظ في " التلخيص (ص ٢٩١) بعد أن عزاه إلى ابن حبان

стр. 199

وبعض من ذكرنا: " وذكره الدارقطني في " العلل " وذكر الخلاف فيه، وأثبت سماع بكر بن عبد الله المزني من المغيرة ". قلت: ولعله لذلك قال البوصيري في " الزوائد " (ص ١١٨) : " إسناد صحيح رجاله ثقات ". قلت: وعلى فرض أنه لم يسمع منه، فلعل الواسطة بينهما أنس بن مالك رضي الله عنه، فقد سمع منه بكر المزني وأكثر عنه، وهو قد رواه عن المغيرة رضي الله عنهما. أخرجه عبد الرزاق في " الأمالي " (٢ / ٤٦ / ١ - ٢) وابن ماجه (١٨٦٥) وأبو يعلى في " مسنده " (ق ١٧٠ / ١) وابن حبان (١٢٣٦) وابن الجارود والدارقطني والحاكم (٢ / ١٦٥) والضياء في " المختارة " (ق ٨٨ / ٢) والبيهقي كلهم من طريق عبد الرزاق أنبأنا معمر عن ثابت عن أنس قال: " أراد المغيرة أن يتزوج، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال ... " فذكره وزاد قال: ففعل ذلك، فتزوجها، فذكر من موافقتها ". وقال الحاكم: " صحيح على شرط الشيخين ". ووافقه الذهبي، وقال البوصيري في " الزوائد " (١١٨ / ١) . " هذا إسناد صحيح ورجاله ثقات ورواه ابن حبان في " صحيحه " وعبد بن حميد في " مسنده " عن عبد الرزاق به ".

стр. 200

قلت: لكن أعله الدارقطني بقوله: " الصواب عن ثابت عن بكر المزني ". ثم ساق من طريق ابن مخلد الجرجاني أنبأنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن ثابت عن بكر المزني أن المغيرة بن شعبة قال: " أتيت النبي ﷺ نحوه ". قلت: وكذا رواه ابن ماجه: حدثنا الحسن بن أبي الربيع أنبأنا عبد الرزاق به. ولكن الرواة الذين رووه عن عبد الرزاق بإسناده عن ثابت عن أنس، أكثر، فهو أرجح، إلا أن يكون الخطأ من عبد الرزاق أو شيخه معمر، والله أعلم. (يؤدم) أي تدوم المودة. قلت: ويجوز النظر إليها ولو لم تعلم أو تشعر به، لقوله صلى الله عليه وسلم: " إذا خطب أحدكم امرأة فلا جناح عليه أن ينظر إليها إذا كان إنما ينظر إليها لخطبته، وإن كانت لا تعلم ". ٩٧ - " إذا خطب أحدكم امرأة فلا جناح عليه أن ينظر إليها إذا كان إنما ينظر إليها لخطبته، وإن كانت لا تعلم ". أخرجه الطحاوي وأحمد (٥ / ٤٢٤) عن زهير بن معاوية قال: حدثنا عبد الله ابن عيسى عن موسى بن عبد الله بن يزيد عن أبي حميد - وكان قد رأى النبي ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ فذكره.

стр. 201

قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال مسلم. وقد رواه الطبراني أيضا في " الأوسط " و " الكبير " كما في " المجمع " (٤ / ٢٧٦) وقال: " ورجال أحمد رجال الصحيح ". وسكت عليه الحافظ في " التلخيص ". وقد عمل بهذا الحديث بعض الصحابة وهو محمد بن مسلمة الأنصاري، فقال سهل ابن أبي حثمة: " رأيت محمد بن مسلمة يطارد بثينة بنت الضحاك فوق إجار لها ببصره طردا شديدا، فقلت: أتفعل هذا وأنت من أصحاب رسول الله ﷺ ؟ ! فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إذا ألقي في قلب امرىء خطبة امرأة فلا بأس أن ينظر إليها ". ٩٨ - " إذا ألقي في قلب امرئ خطبة امرأة فلا بأس أن ينظر إليها ". رواه سعيد بن منصور في " سننه " (٥١٩) وكذا ابن ماجه (١٨٦٤) والطحاوي (٢ / ٨) والبيهقي

стр. 202

والطيالسي (١١٨٦) وأحمد (٤ / ٢٢٥) عن حجاج ابن أرطاة عن محمد بن سليمان بن أبي حثمة عن عمه سليمان ابن أبي حثمة. قلت: وهذا إسناد ضعيف من أجل الحجاج فإنه مدلس وقد عنعنه. وقال البيهقي: " إسناده مختلف، ومداره على الحجاج بن أرطاة، وفيما مضى كفاية ". وتعقبه الحافظ البوصيري فقال في " الزوائد " (١١٧ / ٢) : " قلت: لم ينفرد به الحجاج بن أرطاة، فقد رواه ابن حبان في " صحيحه " عن أبي يعلى عن أبي خيثمة عن أبي حازم، عن سهل بن أبي حثمة عن عمه سليمان ابن أبي حثمة قال: رأيت محمد بن سلمة فذكره ". قلت: كذا وجدته بخطي نقلا عن " الزوائد "، فلعله سقط مني أو من ناسخ الأصل شيء من سنده - وذاك ما استبعده - فإنه منقطع بين أبي خيثمة وأبي حازم، فإن أبا خيثمة واسمه زهير بن حرب توفي سنة (٢٧٤) ، وأما أبو حازم فهو إما سلمان الأشجعي وإما سلمة بن دينار الأعرج وهو الأرجح وكلاهما تابعي، والثاني متأخر الوفاة، مات سنة (١٤٠) . ثم رأيت الحديث في " زوائد ابن حبان " (١٢٢٥) مثلما نقلته عن البوصيري: إلا أنه وقع فيه " أبو خازم " بالخاء المعجمة - عن " سهل بن محمد ابن أبي حثمة " مكان " سهيل بن أبي حثمة " وسهل بن محمد بن أبي حثمة لم أجد له ترجمة ولعله في " ثقات ابن حبان " فليراجع.

стр. 203

لكن للحديث طريقان آخران: الأولى: عن إبراهيم بن صرمة عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن سليمان بن أبي حثمة به. أخرجه الحاكم (٣ / ٤٣٤) وقال: " حديث غريب، وإبراهيم بن صرمة ليس من شرط هذا الكتاب ". قال الذهبي في " تلخيصه ": " قلت: ضعفه الدارقطني، وقال أبو حاتم: شيخ ". الثانية: عن رجل من أهل البصرة عن محمد بن سلمة مرفوعا به. أخرجه أحمد (٤ / ٢٢٦) : حدثنا وكيع عن ثور عنه. قلت: ورجاله ثقات غير الرجل الذي لم يسم. وبالجملة فالحديث قوي بهذه الطرق، والله أعلم.

стр. 204

وقد ورد عن جابر مثل ما ذكرنا عن بن مسلمة كما يأتي. وما ترجمنا به للحديث قال به أكثر العلماء، ففي " فتح الباري " (٩ / ١٥٧) : " وقال الجمهور: يجوز أن ينظر إليها إذا أراد ذلك بغير إذنها، وعن مالك رواية: يشترط إذنها، ونقل الطحاوي عن قوم أنه لا يجوز النظر إلى المخطوبة قبل العقد بحال، لأنها حينئذ أجنبية، ورد عليهم بالأحاديث المذكورة ". فائدة: روى عبد الرزاق في " الأمالي " (٢ / ٤٦ / ١) بسند صحيح عن ابن طاووس قال: أردت أن أتزوج امرأة، فقال لي أبي: اذهب فانظر إليها، فذهبت فغسلت رأسي وترجلت ولبست من صالح ثيابي، فلما رآني في تلك الهيئة قال: لا تذهب! قلت: ويجوز له أن ينظر منها إلى أكثر من الوجه والكفين لإطلاق الأحاديث المتقدمة ولقوله صلي الله عليه وسلم: " إذا خطب أحدكم المرأة، فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل ". ٩٩ - " إذا خطب أحدكم المرأة، فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل ". أخرجه أبو داود (٢٠٨٢) والطحاوي والحاكم والبيهقي وأحمد (٣ / ٣٣٤، ٣٦٠) ، عن محمد بن إسحاق عن داود بن حصين عن واقد بن عبد الرحمن بن سعد بن معاذ عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : فذكره. قال: " فخطبت جارية فكنت أتخبأ لها حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها وتزوجها ". والسياق لأبي داود،

стр. 205

وقال الحاكم: " هذا حديث صحيح على شرط مسلم ". ووافقه الذهبي. قلت: ابن إسحاق إنما أخرج له مسلم متابعة، ثم هو مدلس وقد عنعنه، لكن قد صرح بالتحديث في إحدى روايتي أحمد، فإسناده حسن، وكذا قال الحافظ في " الفتح " (٩ / ١٥٦) ، وقال في " التلخيص ": " وأعله ابن القطان بواقد بن عبد الرحمن، وقال: المعروف واقد بن عمرو ". قلت: رواية الحاكم فيها عن واقد بن عمرو وكذا هو عند الشافعي وعبد الرزاق ". أقول: وكذلك هو عند جميع من ذكرنا غير أبي داود وأحمد في روايته الأخرى فقالا: " واقد بن عبد الرحمن "، وقد تفرد به عبد الواحد بن زياد خلافا لمن قال: " واقد بن عمرو " وهم أكثر، وروايتهم أولى، وواقد بن عمرو ثقة من رجال مسلم، أما واقد بن عبد الرحمن فمجهول. والله أعلم. فقه الحديث: والحديث ظاهر الدلالة لما ترجمنا له، وأيده عمل راويه به، وهو الصحابي الجليل جابر بن عبد الله ﵁، وقد صنع مثله محمد بن مسلمة كما ذكرناه في الحديث الذي قبله، وكفى بهما حجة، ولا يضرنا بعد ذلك، مذهب من قيد الحديث بالنظر إلى الوجه والكفين فقط، لأنه تقييد للحديث بدون نص مقيد، وتعطيل لفهم الصحابة بدون حجة، لاسيما وقد تأيد بفعل الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁، فقال الحافظ في " التلخيص " (ص ٢٩١ - ٢٩٢) : (فائدة) : روى عبد الرزاق وسعيد بن منصور في " سننه " (٥٢٠ -

стр. 206

٥٢١) وابن أبي عمر وسفيان عن عمرو بن دينار عن محمد بن على بن الحنفية: أن عمر خطب إلى علي ابنته أم كلثوم، فذكر له صغرها، (فقيل له: إن ردك، فعاوده) ، فقال (له علي) : أبعث بها إليك، فإن رضيت فهي امرأتك، فأرسل بها إليه، فكشف عن ساقيها، فقالت: لولا أنك أمير المؤمنين لصككت عينك. وهذا يشكل على من قال: إنه لا ينظر غير الوجه والكفين ". وهذا القول الذي أشار الحافظ إلى استشكاله هو مذهب الحنفية والشافعية. قال ابن القيم في " تهذيب السنن " (٣ / ٢٥ - ٢٦) : " وقال داود: ينظر إلى سائر جسدها. وعن أحمد ثلاث روايات: إحداهن: ينظر إلى وجهها ويديها. والثانية: ينظر ما يظهر غالبا كالرقبة والساقين ونحوهما.

стр. 207

والثالثة: ينظر إليها كلها عورة وغيرها، فإنه نص على أنه يجوز أن ينظر إليها متجردة! " قلت: والرواية الثانية هي الأقرب إلى ظاهر الحديث، وتطبيق الصحابة له والله أعلم. وقال ابن قدامة في " المغني " (٧ / ٤٥٤) : " ووجه جواز النظر (إلى) ما يظهر غالبا أن النبي ﷺ لما أذن في النظر إليها من غير علمها، علم أنه أذن في النظر إلى جميع ما يظهر عادة، إذ لا يمكن إفراد الوجه بالنظر مع مشاركة غيره له في الظهور، ولأنه يظهر غالبا فأبيح النظر إليه كالوجه، ولأنها امرأة أبيح له النظر إليها بأمر الشارع، فأبيح النظر منها إلى ذلك كذوات المحارم ". ثم وقفت على كتاب " ردود على أباطيل " لفضيلة الشيخ محمد الحامد، فإذا به يقول (ص ٤٣) : " فالقول بجواز النظر إلى غير الوجه والكفين من المخطوبة باطل لا يقبل ". وهذه جرأة بالغة من مثله ما كنت أترقب صدورها منه، إذ أن المسألة خلافية كما سبق بيانه، ولا يجوز الجزم ببطلان القول المخالف لمذهبه إلا بالإجابة عن حجته ودليله كهذه الأحاديث، وهو لم يصنع شيئا من ذلك، بل إنه لم يشر إلى الأحاديث أدنى إشارة، فأوهم القراء أن لا دليل لهذا القول أصلا، والواقع خلافه كما ترى، فإن هذه الأحاديث بإطلاقها تدل على خلاف ما قال فضيلته، كيف لا وهو مخالف لخصوص قوله ﷺ في الحديث (٩٩) : " ما يدعوه إلى نكاحها "، فإن كل ذي فقه

стр. 208

يعلم أنه ليس المراد منه الوجه والكفان فقط، ومثله في الدلالة قوله ﷺ في الحديث (٩٧) : " وإن كانت لا تعلم ". وتأيد ذلك بعمل الصحابة ﵃، عمله مع سنته ﷺ ، ومنهم محمد ابن مسلمة وجابر بن عبد الله، فإن كلا منهما تخبأ لخطيبته ليرى منها ما يدعوه إلى نكاحها، أفيظن بهما عاقل أنهما تخبآ للنظر إلى الوجه والكفين فقط! ومثل عمر بن الخطاب الذي كشف عن ساقي أم كلثوم بنت علي رضي الله عنهم. فهؤلاء ثلاثة من كبار الصحابة أحدهم الخليفة الراشد أجازوا النظر إلى أكثر من الوجه والكفين، ولا مخالف لهم من الصحابة فيما أعلم، فلا أدري كيف استجاز مخالفتهم مع هذه الأحاديث الصحيحة؟ ! وعهدى بأمثال الشيخ أن يقيموا القيامة على من خالف أحدا من الصحابة اتباعا للسنة الصحيحة، ولو كانت الرواية عنه لا تثبت كما فعلوا في عدد ركعات التراويح! ومن عجيب أمر الشيخ عفا الله عنا وعنه أنه قال في آخر البحث: " قال الله تعالى: فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا ".! فندعو أنفسنا وإياه إلى تحقيق هذه الآية ورد هذه المسألة إلى السنة بعد ما تبينت. والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله. هذا ومع صحة الأحاديث في هذه المسألة، وقول جماهير العلماء بها - على خلاف السابق - فقد أعرض كثير من المسلمين في العصور المتأخرة عن العمل بها، فإنهم لا يسمحون للخاطب بالنظر إلى فتاتهم - ولو في حدود القول الضيق. تورعا منهم، زعموا، ومن عجائب الورع البارد أن بعضهم يأذن لابنته بالخروج إلى الشارع سافرة بغير حجاب شرعي! ثم يأبى أن يراها الخاطب في دارها، وبين أهلها بثياب الشارع! وفي مقابل هؤلاء بعض الآباء المستهترين الذين لا يغارون على بناتهم. تقليدا منهم لأسيادهم الأوربيين، فيسمحون للمصور أن يصورهن وهن سافرات سفورا غير

стр. 209

مشروع، والمصور رجل أجنبي عنهن، وقد يكون كافرا، ثم يقدمن صورهن إلى بعض الشبان، بزعم أنهم يريدون خطبتهن، ثم ينتهي الأمر على غير خطبة، وتظل صور بناتهم معهم، ليتغزلوا بها، وليطفئوا حرارة الشباب بالنظر إليها! . ألا فتعسا للآباء الذين لا يغارون. وإنا لله وإنا إليه راجعون. ١٠٠ - " يا أبا ذر ألا أعلمك كلمات تدرك بهن من سبقك ولا يلحقك من خلفك إلا من أخذ بمثل عملك؟ تكبر الله دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين، وتحمده ثلاثا وثلاثين وتسبحه ثلاثا وثلاثين وتختمها بـ (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) ". رواه أبو داود (١٥٠٤) : حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم، حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا الأوزاعي، حدثني حسان بن عطية قال: حدثني محمد بن أبي عائشة قال: حدثني أبو هريرة قال: " قال أبو ذر: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضول أموال يتصدقون بها، وليس لنا مال نتصدق به، فقال رسول الله ﷺ : فذكره، وزاد في آخره: " غفرت له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر ". قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات رجال الصحيح، ولكني في شك من صحة هذه الزيادة في الحديث بهذا الإسناد، فقد أخرجه أحمد (٢ / ٢٣٨) بهذا الإسناد: حدثنا الوليد به، دونها. وكذلك أخرجه الدارمي من طريق أخرى فقال (١ / ٣١٢) :

стр. 210

" أخبرنا الحكم بن موسى، حدثنا هقل عن الأوزاعي به، دونها ". ومن الظاهر أنها غير منسجمة مع سياق الحديث، وقد جاءت هذه الزيادة في حديث آخر لأبي هريرة، فأخشى أن يكون اختلط على بعض الرواة أحد الحديثين بالآخر فدمجهما في سياق واحد! ولفظ الحديث المشار إليه يأتي في أول الجزء التالي إن شاء الله. وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. ١٠١ - " من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين وحمد الله ثلاثا وثلاثين وكبر الله ثلاثا وثلاثين، فتلك تسع وتسعون، ثم قال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، غفرت له خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر ". أخرجه مسلم (٢ / ٩٨) وأبو عوانة (٢ / ٢٤٧) والبيهقي (٢ / ١٨٧) وأحمد (٢ / ٣٧٣، ٣٨٣) من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبي عبيد المذحجي عن عطاء ابن يزيد الليثي عن أبي هريرة مرفوعا. وقد جاء هذا العدد في حديث آخر، لكنه جعل بدل التهليلة تكبيرة أخرى مع الثلاث والثلاثين، ويأتي عقب هذا إن شاء الله تعالى. (فائدة) أخرج النسائي (١ / ١٩٨) والحاكم (١ / ٢٥٣) عن زيد ابن ثابت قال: " أمروا أن يسبحوا دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين، ويحمدوا ثلاثا وثلاثين، ويكبروا أربعا وثلاثين، فأتي رجل من الأنصار في منامه فقيل له: أمركم رسول الله ﷺ أن تسبحوا دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين، وتحمدوا ثلاثا وثلاثين، وتكبروا أربعا وثلاثين؟ قال: نعم، قال: فاجعلوها خمسا وعشرين، واجعلوا فيها التهليل (يعني خمسا وعشرين) ، فلما أصبح أتى النبي ﷺ ، فذكر ذلك له، قال: اجعلوها كذلك ".

стр. 211

وقال الحاكم: " صحيح الإسناد "، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا. وله شاهد من حديث ابن عمر نحوه. أخرجه النسائي بسند صحيح. ١٠٢ - " معقبات لا يخيب قائلهن أو فاعلهن دبر كل صلاة مكتوبة: ثلاث وثلاثون تسبيحة وثلاث وثلاثون تحميدة وأربع وثلاثون تكبيرة ". رواه مسلم (٢ / ٩٨) وأبو عوانة (٢ / ٢٤٧، ٢٤٨) والنسائي (١ / ١٩٨) والترمذي (٢ / ٢٤٩) والبيهقي (٢ / ١٨٧) والطيالسي (١٠٦٠) من طرق عن الحكم بن عتيبة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة مرفوعا. (معقبات) أي كلمات تقال عقب الصلاة، والمعقب ما جاء عقب قبله. قلت: والحديث نص على أن هذا الذكر إنما يقال عقب الفريضة مباشرة، ومثله ما قبله من الأوراد وغيرها، سواء كانت الفريضة لها سنة بعدية أو لا، ومن قال من المذاهب بجعل ذلك عقب السنة فهو مع كونه لا نص لديه بذلك، فإنه مخالف لهذا الحديث وأمثاله مما هو نص في المسألة. والله ولي التوفيق. ١٠٣ - " خير الأصحاب عند الله خيرهم لصحابه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره ". رواه الترمذي (١ / ٣٥٣) والدارمي (٢ / ٢١٥) والحاكم (٤ / ١٦٤) وأحمد (٢ / ١٦٨) وابن بشران في " الأمالي " (١٤٣ / ١) عن حيوة وابن لهيعة قالا:

стр. 212

حدثنا شرحبيل بن شريك أنه سمع أبا عبد الرحمن الحبلي يحدث عن عبد الله بن عمرو به مرفوعا. هكذا أخرجوه جميعا عنهما إلا أن الترمذي لم يذكر ابن لهيعة، وكذا الحاكم إلا أنه خالف في إسناده فقال: " ... حيوة بن شريح حدثني شرحبيل بن مسلم عن عبد الله بن عمرو ". فجعل شرحبيل بن مسلم بدل شرحبيل بن شريك، وأسقط من السند أبا عبد الرحمن الحبلي، وذلك من أوهامه ﵀، ثم وهم وهما آخر فقال: " حديث صحيح على شرط الشيخين ". ووافقه الذهبي! قلت: وابن مسلم لم يخرج له الشيخان، وأما ابن شريك فاحتج به مسلم وحده، وكلاهما ثقة. وقال ابن بشران عقب الحديث: " حديث صحيح، وإسناده كلهم ثقات ". وهو كما قال، وقال الترمذي: " حديث حسن غريب ". ١٠٤ - " إن الشيطان قال: وعزتك يا رب لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم فقال الرب ﵎: وعزتي وجلالي: لا أزال أغفر لهم ما استغفروني ". رواه الحاكم (٤ / ٢٦١) والبيهقي في " الأسماء " (ص ١٣٤) من طريق عمرو ابن الحارث عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد ﵁ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 213

قال: فذكره، وقال: " صحيح الإسناد " ووافقه الذهبي وذلك من أوهامه، فإن دراجا عنده واه كما يأتي. ورواه ابن لهيعة عن دراج به وزاد: " وارتفاع مكاني ". أخرجه البغوي في " شرح السنة " (١ / ١٤٦) ، وأحمد (٣ / ٢٩) بدونها وأوردها الذهبي في " العلو " (ص ١١٦) من هذا الوجه ولم يعزه لأحد وقال: " دراج واه ". قلت: وعلة هذه الزيادة عندي من ابن لهيعة وهي من تخاليطه لا من دراج، فقد رواه عنه عمرو بن الحارث بدونها كما رأيت. وقد توبع على الحديث، فأخرجه الإمام أحمد (٣ / ٢٩ / ٤١) من طريق ليث عن يزيد بن الهاد عن عمرو عن أبي سعيد الخدري مرفوعا بلفظ: " إن إبليس قال لربه: بعزتك وجلالك لا أبرح أغوي بني آدم ما دامت الأرواح فيهم فقال الله: فبعزتي وجلالي لا أبرح أغفر لهم ما استغفروني ". قلت: هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين لكنه منقطع بين عمرو - وهو ابن أبي عمر مولى المطلب - وبين أبي سعيد الخدري، فإنهم، لم يذكروا لعمرو رواية عن أحد من الصحابة غير أنس بن مالك، وهو متأخر الوفاة جدا عن أبي سعيد، فإن هذا كانت وفاته سنة (٧٥) على أكثر ما قيل، وهو توفي سنة (٩٢) وقيل (٩٣) .

стр. 214

والحديث أورده الهيثمي في " المجمع " (١٠ / ٢٠٧) بلفظ أحمد وقال: " رواه أحمد وأبو يعلى بسنده، وقال: لا أبرح أغوي عبادك، والطبراني في الأوسط، وأحد إسنادي أحمد رجاله رجال الصحيح، وكذلك أحد إسنادي أبي يعلى ". وكأنه قد خفي عليه الانقطاع الذي ذكرت، أقول هذا مع العلم أن قول المحدث في حديث ما " رجاله رجال الصحيح " أو " رجاله ثقات " ونحو ذلك لا يفيد تصحيح إسناده، خلافا لما يظن البعض، وقد نص على ما ذكرنا الحافظ ابن حجر فقال في " التلخيص " (ص ٢٣٩) بعد أن ساق حديثا آخر: " ولا يلزم من كون رجاله ثقات أن يكون صحيحا، لأن الأعمش مدلس ولم يذكر سماعه ". ١٠٥ - " لقيت إبراهيم ليلة أسري بي، فقال: يا محمد أقرئ أمتك مني السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأنها قيعان، غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ". أخرجه الترمذي (٢ / ٢٥٨ - بولاق) عن عبد الرحمن بن إسحاق عن القاسم ابن عبد الرحمن عن ابن مسعود مرفوعا، وقال:

стр. 215

" هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث ابن مسعود ". قلت: وعبد الرحمن بن إسحاق هذا ضعيف اتفاقا، لكن يقويه أن له شاهدين من حديث أبي أيوب الأنصاري، ومن حديث عبد الله بن عمر. أما حديث أبي أيوب، فهو من طريق عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر عن سالم بن عبد الله: أخبرني أبو أيوب الأنصاري: " أن رسول الله ﷺ ليلة أسري به مر على إبراهيم فقال: من معك يا جبريل؟ قال: هذا محمد، فقال له إبراهيم: مر أمتك فليكثروا من غراس الجنة فإن تربتها طهور، وأرضها واسعة قال: وما غراس الجنة؟ قال: لا حول ولا قوة إلا بالله ". أخرجه أحمد (٥ / ٤١٨) وأبو بكر الشافعي في " الفوائد " (٦ / ٦٥ / ١) والطبراني كما في " المجمع " (١٠ / ٩٧) وقال: " ورجال أحمد رجال الصحيح غير عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن الخطاب وهو ثقة لم يتكلم فيه أحد، ووثقه ابن حبان ". قلت: وبناء على توثيق ابن حبان إياه أخرج حديثه هذا في " صحيحه " كما في " الترغيب " (٢ / ٢٦٥) وعزاه لابن أبي الدنيا أيضا مع أحمد وقال: " إسناده حسن ". قلت: وفي ذلك نظر عندي لما قررناه مرارا أن توثيق ابن حبان فيه لين، لكن
следующие страницы →