Полный текст (6 550 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
وقال الحاكم: " صحيح الإسناد "، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا.
وله شاهد من حديث ابن عمر نحوه. أخرجه النسائي بسند صحيح.
١٠٢ - " معقبات لا يخيب قائلهن أو فاعلهن دبر كل صلاة مكتوبة: ثلاث وثلاثون تسبيحة
وثلاث وثلاثون تحميدة وأربع وثلاثون تكبيرة ".
رواه مسلم (٢ / ٩٨) وأبو عوانة (٢ / ٢٤٧، ٢٤٨) والنسائي (١ / ١٩٨)
والترمذي (٢ / ٢٤٩) والبيهقي (٢ / ١٨٧) والطيالسي (١٠٦٠) من طرق عن
الحكم بن عتيبة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة مرفوعا.
(معقبات) أي كلمات تقال عقب الصلاة، والمعقب ما جاء عقب قبله.
قلت: والحديث نص على أن هذا الذكر إنما يقال عقب الفريضة مباشرة، ومثله ما
قبله من الأوراد وغيرها، سواء كانت الفريضة لها سنة بعدية أو لا، ومن قال
من المذاهب بجعل ذلك عقب السنة فهو مع كونه لا نص لديه بذلك، فإنه مخالف لهذا
الحديث وأمثاله مما هو نص في المسألة.
والله ولي التوفيق.
١٠٣ - " خير الأصحاب عند الله خيرهم لصحابه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره ".
رواه الترمذي (١ / ٣٥٣) والدارمي (٢ / ٢١٥) والحاكم (٤ / ١٦٤)
وأحمد (٢ / ١٦٨) وابن بشران في " الأمالي " (١٤٣ / ١) عن حيوة
وابن لهيعة قالا:
стр. 212
حدثنا شرحبيل بن شريك أنه سمع أبا عبد الرحمن الحبلي
يحدث عن عبد الله بن عمرو به مرفوعا.
هكذا أخرجوه جميعا عنهما إلا أن الترمذي لم يذكر ابن لهيعة، وكذا الحاكم إلا
أنه خالف في إسناده فقال:
" ... حيوة بن شريح حدثني شرحبيل بن مسلم عن عبد الله بن عمرو ".
فجعل شرحبيل بن مسلم بدل شرحبيل بن شريك، وأسقط من السند أبا عبد الرحمن
الحبلي، وذلك من أوهامه ﵀، ثم وهم وهما آخر فقال:
" حديث صحيح على شرط الشيخين ". ووافقه الذهبي!
قلت: وابن مسلم لم يخرج له الشيخان، وأما ابن شريك فاحتج به مسلم وحده،
وكلاهما ثقة. وقال ابن بشران عقب الحديث:
" حديث صحيح، وإسناده كلهم ثقات ".
وهو كما قال، وقال الترمذي: " حديث حسن غريب ".
١٠٤ - " إن الشيطان قال: وعزتك يا رب لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم
فقال الرب ﵎: وعزتي وجلالي: لا أزال أغفر لهم ما استغفروني ".
رواه الحاكم (٤ / ٢٦١) والبيهقي في " الأسماء " (ص ١٣٤) من طريق عمرو
ابن الحارث عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد ﵁ أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم
стр. 213
قال: فذكره، وقال:
" صحيح الإسناد " ووافقه الذهبي وذلك من أوهامه، فإن دراجا عنده واه كما
يأتي.
ورواه ابن لهيعة عن دراج به وزاد: " وارتفاع مكاني ".
أخرجه البغوي في " شرح السنة " (١ / ١٤٦) ، وأحمد (٣ / ٢٩) بدونها
وأوردها الذهبي في " العلو " (ص ١١٦) من هذا الوجه ولم يعزه لأحد وقال:
" دراج واه ".
قلت: وعلة هذه الزيادة عندي من ابن لهيعة وهي من تخاليطه لا من دراج، فقد
رواه عنه عمرو بن الحارث بدونها كما رأيت.
وقد توبع على الحديث، فأخرجه الإمام أحمد (٣ / ٢٩ / ٤١) من طريق ليث عن
يزيد بن الهاد عن عمرو عن أبي سعيد الخدري مرفوعا بلفظ:
" إن إبليس قال لربه: بعزتك وجلالك لا أبرح أغوي بني آدم ما دامت الأرواح
فيهم فقال الله: فبعزتي وجلالي لا أبرح أغفر لهم ما استغفروني ".
قلت: هذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين لكنه منقطع بين عمرو - وهو ابن
أبي عمر مولى المطلب - وبين أبي سعيد الخدري، فإنهم، لم يذكروا لعمرو رواية
عن أحد من الصحابة غير أنس بن مالك، وهو متأخر الوفاة جدا عن أبي سعيد، فإن
هذا كانت وفاته سنة (٧٥) على أكثر ما قيل، وهو توفي سنة (٩٢) وقيل
(٩٣) .
стр. 214
والحديث أورده الهيثمي في " المجمع " (١٠ / ٢٠٧) بلفظ أحمد وقال:
" رواه أحمد وأبو يعلى بسنده، وقال: لا أبرح أغوي عبادك، والطبراني في
الأوسط، وأحد إسنادي أحمد رجاله رجال الصحيح، وكذلك أحد إسنادي أبي يعلى ".
وكأنه قد خفي عليه الانقطاع الذي ذكرت، أقول هذا مع العلم أن قول المحدث في
حديث ما " رجاله رجال الصحيح " أو " رجاله ثقات " ونحو ذلك لا يفيد تصحيح
إسناده، خلافا لما يظن البعض، وقد نص على ما ذكرنا الحافظ ابن حجر فقال في
" التلخيص " (ص ٢٣٩) بعد أن ساق حديثا آخر:
" ولا يلزم من كون رجاله ثقات أن يكون صحيحا، لأن الأعمش مدلس ولم يذكر
سماعه ".
١٠٥ - " لقيت إبراهيم ليلة أسري بي، فقال: يا محمد أقرئ أمتك مني السلام وأخبرهم
أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأنها قيعان، غراسها سبحان الله والحمد لله
ولا إله إلا الله والله أكبر ".
أخرجه الترمذي (٢ / ٢٥٨ - بولاق) عن عبد الرحمن بن إسحاق عن القاسم
ابن عبد الرحمن عن ابن مسعود مرفوعا، وقال:
стр. 215
" هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث ابن مسعود ".
قلت: وعبد الرحمن بن إسحاق هذا ضعيف اتفاقا، لكن يقويه أن له شاهدين من حديث
أبي أيوب الأنصاري، ومن حديث عبد الله بن عمر.
أما حديث أبي أيوب، فهو من طريق عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر عن
سالم بن عبد الله: أخبرني أبو أيوب الأنصاري:
" أن رسول الله ﷺ ليلة أسري به مر على إبراهيم فقال: من معك
يا جبريل؟ قال: هذا محمد، فقال له إبراهيم: مر أمتك فليكثروا من غراس الجنة
فإن تربتها طهور، وأرضها واسعة قال: وما غراس الجنة؟ قال: لا حول ولا
قوة إلا بالله ".
أخرجه أحمد (٥ / ٤١٨) وأبو بكر الشافعي في " الفوائد " (٦ / ٦٥ / ١)
والطبراني كما في " المجمع " (١٠ / ٩٧) وقال: " ورجال أحمد رجال الصحيح
غير عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن الخطاب وهو ثقة لم يتكلم
فيه أحد، ووثقه ابن حبان ".
قلت: وبناء على توثيق ابن حبان إياه أخرج حديثه هذا في " صحيحه " كما في
" الترغيب " (٢ / ٢٦٥) وعزاه لابن أبي الدنيا أيضا مع أحمد وقال:
" إسناده حسن ".
قلت: وفي ذلك نظر عندي لما قررناه مرارا أن توثيق ابن حبان فيه لين، لكن
стр. 216
الحديث لا بأس به بما قبله.
وأما حديث ابن عمر، فأخرجه ابن أبي الدنيا في الذكر والطبراني بلفظ:
" أكثروا من غراس الجنة، فإنه عذب ماؤها طيب ترابها، فأكثروا من غراسها،
قالوا: يا رسول الله وما غراسها؟ قال ما شاء الله، لا حول ولا قوة إلا
بالله ".
هكذا أورده في " الترغيب " وسكت عليه، وأورده الهيثمي من رواية الطبراني
وحده دون قوله " ما شاء الله " وقال (١٠ / ٩٨) :
" وفيه عقبة بن علي وهو ضعيف ".
(قيعان) جمع " قاع " وهو المكان المستوي الواسع في وطأة من الأرض يعلوه ماء
السماء، فيمسكه، ويستوي نباته. نهاية.
١٠٦ - " يا معشر المهاجرين! خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر
الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن
مضت في أسلافهم الذين مضوا ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين
وشدة المؤنة وجور السلطان عليهم ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر
من
стр. 217
السماء ولولا البهائم لم يمطروا ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط
الله عليهم عدوا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم وما لم تحكم أئمتهم بكتاب
الله ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم ".
رواه ابن ماجه (٤٠١٩) وأبو نعيم في " الحلية " (٨ / ٣٣٣ - ٣٣٤) عن
ابن أبي مالك عن أبيه عن عطاء بن أبي رباح عن عبد الله ابن عمر قال:
أقبل رسول الله ﷺ فقال: فذكره.
قلت: وهذا سند ضعيف من أجل ابن أبي مالك واسمه خالد بن يزيد بن عبد الرحمن
ابن أبي مالك وهو ضعيف مع كونه فقيها وقد اتهمه ابن معين كما في " التقريب ".
وقال البوصيري في " الزوائد ".
" هذا حديث صالح للعمل به، وقد اختلفوا في ابن أبي مالك وأبيه ".
قلت الأب لا بأس به، وإنما العلة من ابنه، ولذلك أشار الحافظ ابن حجر في
" بذل الماعون " لضعف الحديث بقوله (ق ٥٥ / ٢) :
" إن ثبت الخبر ".
قلت: قد ثبت حتما فإنه جاء من طرق أخرى عن عطاء وغيره، فرواه ابن أبي الدنيا
في " العقوبات " (ق ٦٢ / ٢) من طريق نافع بن عبد الله عن فروة بن قيس المكي
عن عطاء بن أبي رباح به.
قلت: وهذا سند ضعيف، نافع وفروة لا يعرفان كما في " الميزان ".
ورواه الحاكم (٤ / ٥٤٠) من طريق أبي معبد حفص بن غيلان عن عطاء
стр. 218
بن أبي رباح
به وقال: " صحيح الإسناد " ووافقه الذهبي.
قلت: بل هو حسن الإسناد فإن ابن غيلان هذا قد ضعفه بعضهم، لكن وثقه الجمهور،
وقال الحافظ في " التقريب ":
" صدوق فقيه، رمي بالقدر ".
ورواه الروياني في " مسنده " (ق ٢٤٧ / ١) عن عثمان بن عطاء عن أبيه عن
عبد الله بن عمر مرفوعا.
وهذا سند ضعيف، عطاء هذا هو ابن أبي مسلم الخراساني وهو صدوق لكنه مدلس
وقد عنعنه.
وابنه عثمان ضعيف كما في " التقريب ".
فهذه الطرق كلها ضعيفة إلا طريق الحاكم فهو العمدة، وهي إن لم تزده قوة فلا
توهنه.
(السنين) جمع سنة أي جدب وقحط.
(يتخيروا) أي يطلبوا الخير، أي وما لم يطلبوا الخير والسعادة مما
أنزل الله.
ولبعض الحديث شاهد من حديث بريدة بن الحصيب مرفوعا بلفظ:
" ما نقض قوم العهد قط إلا كان القتل بينهم، وما ظهرت فاحشة في قوم قط إلا
سلط الله عليهم الموت، ولا منع قوم الزكاة إلا حبس الله عنهم القطر "
.
стр. 219
١٠٧ - " ما نقض قوم العهد قط إلا كان القتل بينهم، وما ظهرت فاحشة في قوم قط إلا
سلط الله عليهم الموت، ولا منع قوم الزكاة إلا حبس الله عنهم القطر ".
رواه الحاكم (٢ / ١٢٦) والبيهقي (٣ / ٣٤٦) من طريق بشير بن مهاجر عن
عبد الله بن بريدة عن أبيه.
وقال الحاكم: " صحيح على شرط مسلم "، ووافقه الذهبي.
قلت: وهو كما قالا، غير أن بشيرا هذا قد تكلم فيه من قبل حفظه، وفي
" التقريب " أنه صدوق لين الحديث. وقد خولف في إسناده، فقال البيهقي عقبه:
" كذا رواه بشير بن المهاجر ".
ثم ساق بإسناده من طريق الحسين بن واقد عن عبد الله بن بريده عن ابن عباس قال:
" ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم، ولا فشت الفاحشة في قوم إلا
أخذهم الله بالموت، وما طفف قوم الميزان إلا أخذهم الله بالسنين، وما منع
قوم الزكاة إلا منعهم الله القطر من السماء، وما جار قوم في حكم إلا كان
البأس بينهم - أظنه قال - والقتل ".
قلت: وإسناده صحيح وهو موقوف في حكم المرفوع، لأنه لا يقال من قبل الرأي
وقد أخرجه الطبراني في " المعجم الكبير " مرفوعا من طريق أخرى: عن إسحاق
ابن عبد الله بن كيسان المروزي: حدثنا أبي عن الضحاك بن مزاحم عن
стр. 220
مجاهد
وطاووس عن ابن عباس.
قلت: وهذا إسناد ضعيف يستشهد به وقال المنذري في " الترغيب " (١ / ٢٧١) :
" وسنده قريب من الحسن، وله شواهد ".
قلت: ويبدو لي أن للحديث أصلا عن بريدة فقد وجدت لبعضه طريقا أخرى رواه
الطبراني في " الأوسط " (١ / ٨٥ / ١ من الجمع بينه وبين الصغير) وتمام في
" الفوائد " (ق ١٤٨ - ١٤٩) عن مروان ابن محمد الطاطرى حدثنا سليمان بن موسى
أبو داود الكوفي عن فضيل بن مرزوق (وفي الفوائد فضيل بن غزوان) عن عبد الله
بن بريدة عن أبيه مرفوعا بلفظ:
" ما منع قوم الزكاة إلا ابتلاهم الله بالسنين ".
وقال الطبراني:
" لم يروه إلا سليمان تفرد به مروان ".
قلت: مروان ثقة، وسليمان بن موسى أبو داود الكوفي صويلح كما قال الذهبي،
وفضيل إن كان ابن مرزوق ففيه ضعف، وإن كان ابن غزوان فهو ثقة احتج به
الشيخان، فإن كان هو راوي الحديث فهو حسن إن شاء الله تعالى.
وقد قال المنذري (١ / ٢٧٠) بعد ما عزاه للطبراني:
" ورواته ثقات ".
وبالجملة فالحديث بهذه الطرق والشواهد صحيح بلا ريب، وتوقف الحافظ ابن حجر
في ثبوته إنما هو باعتبار الطريق الأولى. والله أعلم.
стр. 221
١٠٨ - " إن الله زادكم صلاة وهي الوتر، فصلوها بين صلاة العشاء إلى صلاة الفجر ".
رواه الإمام أحمد (٦ / ٧) والطبراني في " المعجم الكبير (١ / ١٠٠ / ١)
من طريقين عن ابن المبارك: أنبأنا سعيد بن يزيد حدثني ابن هبيرة عن أبي تميم
الجيشاني أن عمرو بن العاص خطب الناس يوم الجمعة، فقال: إن أبا بصرة
حدثني أن النبي ﷺ قال: فذكره.
قال أبو تميم: فأخذ بيدي أبو ذر فسار في المسجد إلى أبي بصرة فقال له:
أنت سمعت رسول الله ﷺ يقول ما قال عمرو؟ قال أبو بصرة:
أنا سمعته من رسول الله ﷺ .
قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات رجال مسلم.
وسعيد بن يزيد هو أبو شجاع الإسكندراني.
وقد تابعه عبد الله بن لهيعة: أنبأنا عبد الله بن هبيرة به.
أخرجه أحمد (٦ / ٣٧٩) والطحاوي في " شرح المعاني " (١ / ٢٥٠) والطبراني
في " الكبير " (١ / ١٠٤ / ٢) والدولابي في " الكنى " (١ / ١٣) من طرق ثلاث
عن ابن لهيعة به.
وإسناده عند الطحاوي صحيح كما بينته في " إرواء الغليل " رقم (٤١٦) .
وله طرق أخرى عن النبي ﷺ خرجت بعضها هناك، وهذه الطريق هي
العمدة ولذلك اقتصرت عليها هنا.
وذكر الشيخ الكتاني وصاحبه الأستاذ الزحيلي في تخريج " تحفة الفقهاء "
(١ / ١ / ٣٥٥) جملة كبيرة منها عن عشرة من الصحابة منها طريق واحدة عن عمرو
ابن العاص، ولكنها واهية، وفاتهما هذه الطريق الصحيحة!
стр. 222
فقه الحديث
يدل ظاهر الأمر في قوله ﷺ : " فصلوها " على وجوب صلاة الوتر،
وبذلك قال الحنفية، خلافا للجماهير، ولولا أنه ثبت بالأدلة القاطعة حصر
الصلوات المفروضات في كل يوم وليلة بخمس صلوات لكان قول الحنفية أقرب إلى
الصواب، ولذلك فلابد من القول بأن الأمر هنا ليس للوجوب، بل لتأكيد
الاستحباب.
وكم من أوامر كريمة صرفت من الوجوب بأدنى من تلك الأدلة القاطعة، وقد انفك
الأحناف عنها بقولهم إنهم لا يقولون بأن الوتر واجب كوجوب الصلوات الخمس، بل
هو واسطة بينها وبين السنن، أضعف من هذه ثبوتا، وأقوى من تلك تأكيدا!
فليعلم أن قول الحنفية هذا قائم على اصطلاح لهم خاص حادث، لا تعرفه الصحابة
ولا السلف الصالح، وهو تفريقهم بين الفرض والواجب ثبوتا وجزاء كما هو مفصل
في كتبهم.
وإن قولهم بهذا معناه التسليم بأن تارك الوتر معذب يوم القيامة عذابا دون عذاب
تارك الفرض كما هو مذهبهم في اجتهادهم، وحينئذ يقال لهم: وكيف يصح ذلك مع
قوله ﷺ لمن عزم على أن لا يصلي غير الصلوات الخمس: " أفلح
الرجل "؟ ! وكيف يلتقي الفلاح مع العذاب؟ ! فلا شك أن قوله صلى الله عليه
وسلم هذا وحده كاف لبيان أن صلاة الوتر ليست بواجبة ولهذا اتفق جماهير العلماء
عى سنيته وعدم وجوبه، وهو الحق، نقول هذا مع التذكير والنصح بالاهتمام
بالوتر، وعدم التهاون عنه لهذا الحديث وغيره. والله أعلم.
стр. 223
١٠٩ - " ما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة وفضل العرش على
الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة ".
رواه محمد بن أبي شيبة في " كتاب العرش " (١١٤ / ١) :
حدثنا الحسن بن أبي ليلى أنبأنا أحمد بن علي الأسدي عن المختار بن غسان العبدي
عن إسماعيل بن سلم عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر الغفاري قال:
" دخلت المسجد الحرام فرأيت رسول الله ﷺ وحده فجلست إليه،
فقلت: يا رسول الله أيما آية نزلت عليك أفضل؟ قال: آية الكرسي: ما السموات
السبع ". الحديث.
قلت: وهذا سند ضعيف، إسماعيل بن سلم لم أعرفه، وغالب الظن أنه إسماعيل
بن مسلم فقد ذكروه في شيوخ المختار بن عبيد، وهو المكي البصري وهو ضعيف.
والمختار روى عنه ثلاثة ولم يوثقه أحد وفي " التقريب ": أنه مقبول.
قلت: ولم ينفرد به إسماعيل بن مسلم، بل تابعه يحيى بن يحيى الغساني رواه
حفيده إبراهيم بن هشام بن يحيى بن يحيى الغساني قال: حدثنا أبي عن جدي عن
أبي إدريس الخولاني به.
стр. 224
أخرجه البيهقي في " الأسماء والصفات " (ص ٢٩٠) .
قلت: وهذا سند واه جدا إبراهيم هذا متروك كما قال الذهبي، وقد كذبه
أبو حاتم.
وتابعه القاسم بن محمد الثقفي ولكنه مجهول كما في " التقريب ".
أخرجه ابن مردويه كما في تفسير ابن كثير (٢ / ١٣ - طبع المنار) من طريق محمد
بن أبي السري (الأصل: اليسري) العسقلاني أخبرنا محمد بن عبد الله التميمي عن
القاسم به. والعسقلاني والتميمي كلاهما ضعيف.
وللحديث طريقان آخران عن أبي ذر:
الأول عن يحيى بن سعيد السعدي البصري قال: حدثنا عبد الملك ابن جريج عن عطاء
عن عبيد بن عمر الليثي عنه به.
أخرجه البيهقي وقال.
" تفرد به يحيى بن سعيد السعدي، وله شاهد بإسناد أصح ".
قلت: ثم ساقه من طريق الغساني المتقدم، وما أراه بأصح من هذا، بل هو أوهى،
لأن إبراهيم متهم كما سبق، وأما هذا فليس فيه من اتهم صراحة، ورجاله ثقات
غير السعدي هذا، قال العقيلي: " لا يتابع على حديثه ". يعني هذا.
وقال ابن حبان: يروى المقلوبات والملزقات، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد.
الثاني: عن ابن زيد قال: حدثني أبي قال: قال أبو ذر فذكره.
стр. 225
أخرجه ابن جرير في " تفسيره " (٥ / ٣٩٩) " حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب
قال: قال ابن زيد به.
قلت وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات. لكني أظن أنه منقطع، فإن ابن زيد هو عمر
ابن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب وهو ثقة من رجال الشيخين يروي
عنه ابن وهب وغيره. وأبوه محمد بن زيد ثقة مثله، روى عن العبادلة الأربعة
جده عبد الله وابن عمرو وابن عباس وابن الزبير وسعيد بن زيد بن عمرو، فإن
هؤلاء ماتوا بعد الخمسين، وأما أبو ذر ففي سنة اثنتين وثلاثين فما أظنه سمع
منه.
стр. 226
وجملة القول: أن الحديث بهذه الطرق صحيح وخيرها الطريق الأخير والله أعلم.
والحديث خرج مخرج التفسير لقوله تعالى: (وسع كرسيه السماوات والأرض) وهو
صريح في كون الكرسي أعظم المخلوقات بعد العرش، وأنه جرم قائم بنفسه وليس
شيئا معنويا. ففيه رد على من يتأوله بمعنى الملك وسعة السلطان، كما جاء في
بعض التفاسير. وما روي عن ابن عباس أنه العلم، فلا يصح إسناده إليه لأنه من
رواية جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عنه. رواه ابن جرير.
قال ابن منده: ابن أبي المغيرة ليس بالقوي في ابن جبير.
واعلم أنه لا يصح في صفة الكرسي غير هذا الحديث، كما في بعض الروايات أنه
موضع القدمين. وأن له أطيطا كأطيط الرحل الجديد، وأنه يحمله أربعة أملاك،
لكل ملك أربعة وجوه، وأقدامهم في الصخرة التي تحت الأرض السابعة ... إلخ فهذا
كله لا يصح مرفوعا عن النبي ﷺ وبعضه أشد ضعفا من بعض، وقد
خرجت بعضها فيما علقناه على كتاب " ما دل عليه القرآن مما يعضد الهيئة الجديدة
القويمة البرهان " ملحقا بآخره طبع المكتب الإسلامي.
стр. 227
١١٠ - " سيحان وجيحان والفرات والنيل كل من أنهار الجنة ".
رواه مسلم (٨ / ١٤٩) وأحمد (٢ / ٢٨٩ و ٤٤٠) وأبو بكر الأبهري في
" الفوائد المنتقاة " (١٤٣ / ١) والخطيب (١ / ٥٤ - ٥٥) من طريق حفص
بن عاصم عن أبي هريرة مرفوعا.
وله طريق أخرى بلفظ:
" فجرت أربعة أنهار من الجنة: الفرات والنيل والسيحان وجيحان ".
١١١ - " فجرت أربعة أنهار من الجنة: الفرات والنيل والسيحان وجيحان ".
رواه أحمد (٢ / ٢٦١) وأبو يعلى في مسنده (٤ / ١٤١٦ مصورة المكتب الإسلامي)
والخطيب في " تاريخه " (١ / ٤٤، ٨ / ١٨٥) عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة
عنه مرفوعا. وهذا إسناد حسن.
وله طريق ثالث، أخرجه الخطيب (١ / ٥٤) من طريق إدريس الأودي عن أبيه مرفوعا
مختصرا بلفظ:
(نهران من الجنة النيل والفرات) .
стр. 228
وإدريس هذا مجهول كما في " التقريب ".
وله شاهد من حديث أنس بن مالك مرفوعا بلفظ:
" رفعت لي سدرة المنتهى في السماء السابعة، نبقها مثل قلال هجر، وورقها مثل
آذان الفيلة، يخرج من ساقها نهران ظاهران، ونهران باطنان، فقلت: يا جبريل
ما هذان؟ قال: أما الباطنان ففي الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات ".
١١٢ - " رفعت لي سدرة المنتهى في السماء السابعة نبقها مثل قلال هجر وورقها مثل آذان
الفيلة يخرج من ساقها نهران ظاهران ونهران باطنان، فقلت: يا جبريل ما هذان؟
قال: أما الباطنان ففي الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات ".
رواه أحمد (٣ / ١٦٤) : حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن قتادة عن أنس بن
مالك مرفوعا.
قلت: وهذا سند صحيح على شرط الشيخين، وقد أخرجه البخاري (٣٣٤) معلقا،
فقال: وقال: إبراهيم بن طهمان عن شعبة عن قتادة به.
وقد وصله هو (٣ / ٣٠ - ٣٣) ومسلم (١ / ١٠٣ - ١٠٥) وأبو عوانة (١ / ١٢٠
- ١٢٤) والنسائي (١ / ٧٦ - ٧٧) وأحمد أيضا (٤ / ٢٠٧ - ٢٠٨ و ٢٠٨ - ٢١٠)
من طرق عن قتادة عن أنس عن مالك ابن صعصعة مرفوعا بحديث الإسراء بطوله وفيه
هذا. فجعلوه من مسند مالك بن صعصعة وهو الصواب.
ثم وجدت الحاكم أخرجه (١ / ٨١) من طريق أحمد وقال:
" صحيح على شرط الشيخين " ووافقه الذهبي.
ثم رواه من طريق حفص بن عبد الله حدثني إبراهيم بن طهمان به.
стр. 229
هذا ولعل المراد من كون هذه الأنهار من الجنة أن أصلها منها كما أن أصل
الإنسان من الجنة، فلا ينافي الحديث ما هو معلوم مشاهد من أن هذه الأنهار
تنبع من منابعها المعروفة في الأرض، فإن لم يكن هذا هو المعنى أو ما يشبهه،
فالحديث من أمور الغيب التي يجب الإيمان بها، والتسليم للمخبر عنها
(فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا
مما قضيت ويسلموا تسليما) .
١١٣ - " من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل
شيء قدير بعدما يصلي الغداة عشر مرات كتب الله له عشر حسنات ومحى عنه
عشر سيئات ورفع له عشر درجات وكن له بعدل عتق رقبتين من ولد إسماعيل، فإن
قالها حين يمسي كان له مثل ذلك وكن له حجابا من الشيطان حتى يصبح ".
رواه الحسن بن عرفة في جزئه (٥ / ١) : حدثنا قران بن تمام الأسدي عن سهيل
بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعا.
ومن طريق ابن عرفة رواه الخطيب في " تاريخه " (١٢ / ٣٨٩، ٤٧٢) .
قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات رجال مسلم غير قران هذا وهو ثقة.
وله شاهد من حديث أبي أيوب الأنصاري بلفظ:
" من قال: إذا صلى الصبح ... " فذكره بتمامه
стр. 230
إلا أنه قال:
" أربع رقاب " وقال: " وإذا قالها بعد المغرب مثل ذلك ".
رواه أحمد (٥ / ٤١٥) من طريق محمد بن إسحاق عن يزيد بن يزيد ابن جابر عن
القاسم بن مخيمرة عن عبد الله بن يعيش عنه.
قلت: ورجاله ثقات غير ابن يعيش هذا فلم يوثقه غير ابن حبان ولم يرو عنه غير
القاسم هذا، ولذلك قال الحسيني: " مجهول ".
стр. 231
لكن الحديث عزاه المنذري في " الترغيب " (١ / ١٦٧) لأحمد والنسائي وابن
حبان في " صحيحه "، فهذا يقتضي أنه عند النسائي من غير طريق ابن يعيش، لأنه
ليس من رجال النسائي.
وقد تابعه أبو رهم السمعي عن أبي أيوب بلفظ:
" من قال حين يصبح لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد،
يحيى ويميت، وهو على كل شيء قدير عشر مرات، كتب الله له بكل واحدة قالها
عشر حسنات، وحط الله عنه عشر سيئات، ورفعه الله بها عشر درجات، وكن له
كعشر رقاب، وكن له مسلحة من أول النهار إلى آخره، ولم يعمل يومئذ عملا
يقهرهن، فإن قال حين يمسي فمثل ذلك ".
١١٤ - " من قال حين يصبح: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي
ويميت وهو على كل شيء قدير عشر مرات كتب الله له بكل واحدة قالها عشر حسنات
وحط الله عنه عشر سيئات ورفعه الله بها عشر درجات وكن له كعشر رقاب وكن له
مسلحة من أول النهار إلى آخره ولم يعمل يومئذ عملا يقهرهن، فإن قال حين يمسي
فمثل ذلك ".
أخرجه أحمد (٥ / ٤٢٠) حدثنا أبو اليمان حدثنا إسماعيل بن عياش عن صفوان
بن عمرو عن خالد بن معدان عن أبي رهم به.
стр. 232
قلت: وهذا سند صحيح، رجاله كلهم ثقات، وابن عياش إنما ضعف في روايته عن
غير الشاميين، وأما في روايته عنهم فهو صحيح الحديث كما قال البخاري وغيره
وهذه منها، فإن صفوانا من ثقاتهم.
وفي هذه الرواية فائدة عزيزة وهي زيادة " يحيي ويميت " فإنها قلما تثبت في
حديث آخر، وقد رويت من حديث أبي ذر وعمارة بن شبيب وحسنهما الترمذي،
وإسنادهما ضعيف كما بينته في " التعليق الرغيب على الترغيب والترهيب " وفي
حديث الأول منهما: " من قال في دبر صلاة الفجر وهو ثان رجليه قبل أن يتكلم لا
إله إلا الله.. " فهذا القيد: " وهو ثان..... " لا يصح في الحديث لأنه تفرد
به شهر بن حوشب، وقد اضطرب في إسناد الحديث وفي متنه اضطرابا كثيرا كما
أوضحته في المصدر المذكور.
١١٥ - " سددوا وقاربوا واعملوا وخيروا واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ولا يحافظ
على الوضوء إلا مؤمن ".
رواه الإمام أحمد (٥ / ٢٨٢) : " حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا ابن ثوبان حدثني
حسان بن عطية أن أبا كبشة السلولي حدثه أنه سمع ثوبان يقول:
قال رسول الله ﷺ .
وكذا رواه الدارمي (١ / ١٦٨) وابن حبان (١٦٤) والطبراني في " المعجم
الكبير " (١ / ٧٢ / ٢) عن الوليد به.
قلت: وهذا إسناد حسن، رجاله كلهم ثقات رجال البخاري غير ابن ثوبان
стр. 233
واسمه
عبد الرحمن بن ثابت وهو مختلف فيه، والمتقرر أنه حسن الحديث إذا لم يخالف.
وللحديث طرق أخرى وشواهد خرجتها في " إرواء الغليل " (٤٠٥) .
١١٦ - " إن أحدكم يأتيه الشيطان فيقول: من خلقك؟ فيقول: الله، فيقول: فمن خلق
الله؟! فإذا وجد ذلك أحدكم فليقرأ: آمنت بالله ورسله، فإن ذلك يذهب عنه ".
رواه أحمد (٦ / ٢٥٨) : حدثنا محمد بن إسماعيل قال: حدثنا الضحاك عن هشام
بن عروة عن أبيه عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: فذكره.
قلت: وهذا سند حسن، وهو على شرط مسلم، رجاله كلهم من رجاله الذين احتج بهم
في " صحيحه "، لكن الضحاك وهو ابن عثمان الأسدي الحزامي قد تكلم فيه بعض
الأئمة من قبل حفظه، لكن ذلك لا ينزل حديثه من رتبة الحسن إن شاء الله تعالى.
وقد تابعه سفيان الثوري وليث بن سالم عند ابن السني (٢٠١) فالحديث صحيح.
وقال المنذري في " الترغيب " (٢ / ٢٦٦) :
" رواه أحمد بإسناد جيد، وأبو يعلى والبزار، ورواه الطبراني في الكبير
والأوسط من حديث عبد الله بن عمرو، ورواه أحمد أيضا من حديث خزيمة بن
стр. 234
ثابت
﵁ ".
وهذه شواهد يرقى بها الحديث إلى درجة الصحيح جدا.
وحديث ابن خزيمة عند أحمد (٥ / ٢١٤) ورجاله ثقات إلا أن فيهم ابن لهيعة
وهو سيء الحفظ.
وحديث ابن عمرو قال الهيثمي (٣٤١) :
" ورجاله رجال الصحيح خلا أحمد بن نافع الطحان شيخ الطبراني ".
كذا قال، ولم يذكر من حاله شيئا، كأنه لم يقف له على ترجمة، وكذلك أنا فلم
أعرفه وهو مصري كما في " معجم الطبراني الصغير " (ص ١٠) .
ثم إن الحديث رواه هشام بن عروة عن أبيه عن أبي هريرة أيضا مرفوعا مثله.
أخرجه مسلم (١ / ٨٤) وأحمد (٢ / ٣٣١) من طرق عن هشام به، دون قوله:
" فإن ذلك يذهب عنه ".
وأخرجه أبو داود (٤١٢١) إلى قوله: " آمنت بالله "، وهو رواية لمسلم.
١١٧ - " يأتي شيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول:
من خلق ربك؟! فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته ".
أخرجه البخاري (٢ / ٣٢١) ومسلم وابن السني.
وللحديث طريق أخرى عن أبي هريرة بلفظ:
" يوشك الناس يتساءلون بينهم حتى يقول قائلهم: هذا الله خلق الخلق فمن
خلق الله ؟ فإذا قالوا ذلك، فقولوا: (الله أحد، الله الصمد،
لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد) ثم ليتفل أحدكم عن يساره ثلاثا،
وليستعذ من الشيطان ".
стр. 235
١١٨ - " يوشك الناس يتساءلون بينهم حتى يقول قائلهم: هذا الله خلق الخلق فمن خلق
الله ؟ فإذا قالوا ذلك، فقولوا: * (الله أحد، الله الصمد، لم يلد،
ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد) * ثم ليتفل أحدكم عن يساره ثلاثا، وليستعذ
من الشيطان ".
(عن أبي هريرة) :
أخرجه أبو داود (٤٧٣٢) وابن السني (٦٢١) عن محمد بن إسحاق قال: حدثني
عتبة بن مسلم مولى بني تميم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عنه قال: سمعت
رسول الله ﷺ يقول: فذكره.
قلت: وهذا سند حسن رجاله ثقات، وابن إسحاق قد صرح بالتحديث فأمنا بذلك
تدليسه.
ورواه عمر بن أبي سلمة عن أبيه به إلى قوله: " فمن خلق الله ؟ "
قال: فقال أبو هريرة: فو الله إني لجالس يوما إذ قال لي رجل من أهل العراق:
هذا الله خالقنا فمن خلق الله ؟ قال أبو هريرة: فجعلت أصبعي في أذني
ثم صحت فقلت: صدق الله ورسوله (الله الواحد الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن
له كفوا أحد) .
أخرجه أحمد (٢ / ٣٨٧) ورجاله ثقات غير عمر هذا فإنه ضعيف.
وله عنده (٢ / ٥٣٩) طريق أخرى عن جعفر حدثنا يزيد بن الأصم عن أبي هريرة به
مرفوعا مثل الذي قبله، قال يزيد: فحدثني نجمة بن صبيغ السلمي أنه رأى ركبا
أتوا أبا هريرة، فسألوه عن ذلك، فقال: الله أكبر، ما حدثني خليلي بشيء إلا
وقد رأيته وأنا أنتظره. قال جعفر بلغني أن النبي ﷺ قال:
إذا سألكم الناس عن هذا فقولوا: الله قبل كل شيء، والله خلق كل شيء،
стр. 236
والله
كائن بعد كل شيء.
وإسناد المرفوع صحيح، وأما بلاغ جعفر وهو ابن برقان فمعضل.
وما بينهما موقوف، لكن نجمة هذا لم أعرفه، وهكذا وقع في المسند " نجمة "
بالميم، وفي " الجرح والتعديل " (٤ / ١ / ٥٠٩) : " نجبة " بالباء الموحدة
وقال:
" روى عن أبي هريرة، روى عنه يزيد بن الأصم، سمعت أبي يقول ذلك " ولم يزد!
ولم يورده الحافظ في " التعجيل " وهو على شرطه!
فقه الحديث:
دلت هذه الأحاديث الصحيحة على أنه يجب على من وسوس إليه الشيطان بقوله: من
خلق الله؟ أن ينصرف عن مجادلته إلى إجابته بما جاء في الأحاديث المذكورة،
وخلاصتها أن يقول:
" آمنت بالله ورسله، الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له
كفوا أحد. ثم يتفل عن يساره ثلاثا، ويستعيذ بالله من الشيطان، ثم ينتهي عن
الانسياق مع الوسوسة.
وأعتقد أن من فعل ذلك طاعة لله ورسوله، مخلصا في ذلك أنه لابد أن تذهب
الوسوسة عنه، ويندحر شيطانه لقوله ﷺ : " فإن ذلك يذهب عنه ".
وهذا التعليم النبوي الكريم أنفع وأقطع للوسوسة من المجادلة العقلية في هذه
القضية، فإن المجادلة قلما تنفع في مثلها. ومن المؤسف أن أكثر الناس في غفلة
عن هذا التعليم النبوي الكريم، فتنبهوا أيها المسلمون، وتعرفوا إلى سنة
نبيكم، واعملوا بها، فإن فيها شفاءكم وعزكم.
стр. 237
١١٩ - " لا تقصوا الرؤيا إلا على عالم أو ناصح ".
أخرجه الترمذي (٢ / ٤٥) والدارمي (٢ / ١٢٦) عن يزيد بن زريع حدثنا سعيد
عن قتادة عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه كان
يقول: فذكره.
وقال الترمذي: " حديث حسن صحيح ".
قلت: وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
وتابعه هشام بن حسان عن ابن سيرين به.
أخرجه الطبراني في " الصغير " (ص ١٨٧) وأبو الشيخ في " الطبقات " (٢٨١)
عن إسماعيل بن عمرو البجلي حدثنا مبارك بن فضالة عن هشام بن حسان.
قلت: وهذا سند لا بأس به في المتابعات، فإن هشاما ثقة محتج به في الصحيحين
ومن دونه فيهما ضعف.
وقد جاء الحديث من طريق أخرى عن النبي ﷺ وفيه زيادة توضح
سبب هذا النهي وهو:
" إن الرؤيا تقع على ما تعبر، ومثل ذلك مثل رجل رفع رجله فهو ينتظر متى يضعها
فإذا رأى أحدكم رؤيا فلا يحدث بها إلا ناصحا أو عالما ".
١٢٠ - " إن الرؤيا تقع على ما تعبر ومثل ذلك مثل رجل رفع رجله فهو ينتظر متى يضعها
فإذا رأى أحدكم رؤيا فلا يحدث بها إلا ناصحا أو عالما ".
أخرجه الحاكم (٤ / ٣٩١) من طريق عبد الرزاق أنبأنا معمر عن أيوب عن أبي قلابة
عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : فذكره.
وقال: " صحيح الإسناد ".
стр. 238
ووافقه الذهبي وحقهما أن يضيفا إلى ذلك " على شرط البخاري "، فإن رجاله كلهم
من رجال الشيخين سوى الراوي له عن عبد الرزاق وهو يحيى بن جعفر البخاري فمن
شيوخ البخاري وحده. على أن في النفس وقفة في تصحيحه، لأن أبا قلابة قد وصف
بالتدليس وقد عنعنه، فإن كان سمعه من أنس فهو صحيح الإسناد، وإلا فلا.
نعم الحديث صحيح، فقد تقدم له آنفا شاهد لشطره الأخير، وأما شطره الأول،
فله شاهد بلفظ:
" والرؤيا على رجل طائر، ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت، (قال الراوي:
وأحسبه قال) ولا يقصها إلا على واد أو ذي رأي ".
أخرجه البخاري في " التاريخ " (٤ / ٢ / ١٧٨) وأبو داود (٥٠٢٠) والترمذي
(٢ / ٤٥) والدارمي (٢ / ١٢٦) وابن ماجه (٣٩١٤) والحاكم (٤ / ٣٩٠)
والطيالسي (١٠٨٨) وأحمد (٤ / ١٠ - ١٣) وابن أبي شيبة (١٢ / ١٨٩ / ١)
والطحاوي في " مشكل الآثار " (١ / ٢٩٥) وابن عساكر (١١ / ٢١٩ / ٢) عن
يعلى بن عطاء سمعت وكيع بن عدس يحدث عن عمه أبي رزين العقيلي قال: قال رسول
الله ﷺ : فذكره.
وقال الترمذي: " حديث حسن صحيح ".
وقال الحاكم: " صحيح الإسناد " ووافقه الذهبي.
ونقل المناوي في " الفيض " عن صاحب " الاقتراح " أنه قال:
" إسناده على شرط مسلم "! وكل ذلك وهم لاسيما القول الأخير منها فإن وكيع
ابن عدس لم يخرج له
стр. 239
مسلم شيئا، ثم هو لم يوثقه أحد غير ابن حبان ولم يرو عنه
غير يعلى بن عطاء ولذلك قال ابن القطان: مجهول الحال.
وقال الذهبي: لا يعرف. ومع ذلك فحديثه كشاهد لا بأس به، وقد حسن سنده
الحافظ (١٢ / ٣٧٧) .
وروى ابن أبي شيبة (١٢ / ١٩٣ / ١) والواحدي في " الوسيط " (٢ / ٩٦ / ٢)
عن يزيد الرقاشي عن أنس مرفوعا بلفظ: " الرؤيا لأول عابر ".
قلت: ويزيد ضعيف.
(على رجل طائر) أي أنها لا تستقر ما لم تعبر. كما قال الطحاوي والخطابي
وغيرهما.
والحديث صريح بأن الرؤيا تقع على مثل ما تعبر، ولذلك أرشدنا رسول الله
ﷺ إلى أن لا نقصها إلا على ناصح أو عالم، لأن المفروض فيهما
أن يختارا أحسن المعاني في تأويلها فتقع على وفق ذلك، لكن مما لا ريب فيه أن
ذلك مقيد بما إذا كان التعبير مما تحتمله الرؤيا ولو على وجه، وليس خطأ محضا
وإلا فلا تأثير له حينئذ والله أعلم.
وقد أشار إلى هذا المعنى الإمام البخاري في " كتاب التعبير " من " صحيحه "
بقوله (٤ / ٣٦٢) :
" باب من لم ير الرؤيا لأول عابر إذا لم يصب ".
ثم ساق حديث الرجل الذي رأى في المنام ظلة وعبرها أبو بكر الصديق ثم
стр. 240
قال:
فأخبرني يا رسول الله - بأبي أنت - أصبت أم أخطأت، قال النبي صلى الله عليه
وسلم: " أصبت بعضا، وأخطأت بعضا ".
١٢١ - " أصبت بعضا وأخطأت بعضا ".
وهو من حديث ابن عباس ولفظه:
" أن رجلا أتى رسول الله ﷺ فقال: إني رأيت الليلة في المنام
ظلة تنطف بالسمن والعسل، فأرى الناس يتكففون منها، فالمستكثر والمستقل،
وإذا سبب واصل من الأرض إلى السماء، فأراك أخذت به فعلوت، ثم أخذ به رجل آخر
فعلا به، ثم أخذه رجل آخر فعلا به، ثم أخذه رجل فانقطع، ثم وصل، فقال
أبو بكر: يا رسول الله بأبي أنت والله لتدعني فأعبرها، فقال النبي صلى الله
عليه وسلم له: أعبرها، قال: أما الظلة فالإسلام، وأما الذي ينطف من العسل
والسمن فالقرآن حلاوته تنطف، فالمستكثر من القرآن والمستقل، وأما السبب
الواصل من السماء إلى الأرض فالحق الذي أنت عليه تأخذ به، فيعليك الله، ثم
يأخذ به رجل، فيعلو به، ثم يأخذ به رجل آخر فيعلو به، ثم يأخذ به رجل فينقطع
به، ثم يوصل له فيعلو به، فأخبرني يا رسول الله - بأبي أنت - أصبت أم أخطأت،
قال النبي ﷺ : أصبت بعضا، وأخطأت بعضا، قال فوالله لتحدثني
بالذي أخطأت، قال: لا تقسم ".
وأخرجه مسلم أيضا (٧ / ٥٥ - ٥٦) وأبو داود (٣٢٦٨، ٤٦٣٢) والترمذي
(٢ / ٤٧) والدارمي (٢ / ١٢٨) وابن ماجه (٣٩١٨) وابن أبي شيبة في
" المصنف " (١٢ / ١٩٠ / ٢) وأحمد (١ / ٢٣٦) كلهم عن ابن عباس، إلا أن
بعضهم جعله من روايته عن أبي هريرة، ورجح الإمام البخاري الأول، وهو أنه
عن ابن عباس، ليس لأبي هريرة فيه ذكر.
وتبعه على ذلك الحافظ ابن حجر في " الفتح " والله أعلم.
غريب الحديث:
(ظلة) أي سحابة لها ظل، وكل ما أظل من سقيفة ونحوها يسمى ظلة.
стр. 241
(تنطف) أي تقطر، والنطف القطر.
(يتكففون) أي يأخذون بأكفهم.
(سبب) أي حبل.
١٢٢ - " والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى يكلم السباع الإنس ويكلم الرجل عذبة
سوطه وشراك نعله ويخبره فخذه بما حدث أهله بعده ".
رواه الإمام أحمد (٣ / ٨٣ - ٨٤) : حدثنا يزيد أنبأنا القاسم بن الفضل الحدائي
عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال:
" عدا الذئب على شاة، فأخذها، فطلبه الراعي، فانتزعها منه، فأقعى الذئب على
ذنبه، قال: ألا تتقي الله تنزع مني رزقا ساقه الله إلي، فقال: يا عجبي ذئب
مقع على ذنبه يكلمني كلام الإنس! فقال الذئب ألا أخبرك بأعجب من ذلك؟ محمد
ﷺ بيثرب، يخبر الناس بأنباء ما قد سبق! قال: فأقبل الراعي
يسوق غنمه حتى دخل المدينة، فزواها إلى زاوية من زواياها، ثم أتى رسول الله
ﷺ فأخبره، فأمر رسول الله ﷺ فنودي بالصلاة
جامعة، ثم خرج، فقال للراعي: أخبرهم، فأخبرهم، فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: صدق، والذي نفسي بيده ". الحديث.
قلت: وهذا سند صحيح رجاله ثقات رجال مسلم غير القاسم هذا وهو ثقة اتفاقا،
وأخرج له مسلم في المقدمة.
والحديث أخرجه ابن حبان (٢١٠٩) والحاكم مفرقا (٤ / ٤٦٧، ٤٦٧ - ٤٦٨)
وقال: " صحيح على شرط مسلم "!
стр. 242
ووافقه الذهبي!
وأخرج الترمذي منه قوله: " والذي نفسي بيده ... " وقال:
" حديث حسن، لا نعرفه إلا من حديث القاسم بن الفضل وهو ثقة مأمون ".
١٢٣ - " ما أنتم بجزء من مائة ألف جزء ممن يرد علي الحوض من أمتي ".
أخرجه أبو داود (٥٧٤٦) والحاكم (١ / ٧٦) وصححه وأحمد (٤ / ٣٦٧،
٣٦٩، ٣٧١، ٣٧٢) من طريق شعبة عن عمرو بن مرة قال: سمعت أبا حمزة أنه سمع
زيد بن أرقم قال:
" كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فنزلنا منزلا فسمعته يقول:
(فذكره) ، قال: كم كنتم يومئذ؟ قال: سبعمائة أو ثمانمائة ".
قلت: وهذا سند صحيح رجاله رجال الشيخين غير أبي حمزة واسمه طلحة بن يزيد
الأنصاري فمن رجال البخاري، ووثقه ابن حبان والنسائي.
١٢٤ - " الشمس والقمر ثوران مكوران في النار يوم القيامة ".
أخرجه الإمام الطحاوي في " مشكل الآثار " (١ / ٦٦ - ٦٧) حدثنا محمد بن خزيمة
: حدثنا معلى بن أسد العمي حدثنا عبد العزيز بن المختار عن عبد الله
стр. 243
الداناج
قال:
" شهدت أبا سلمة بن عبد الرحمن جلس في مسجد في زمن خالد بن عبد الله بن خالد
ابن أسيد، قال: فجاء الحسن فجلس إليه فتحدثنا، فقال أبو سلمة: حدثنا
أبو هريرة عن النبي ﷺ قال. (فذكره) .
فقال الحسن: ما ذنبهما؟ ! فقال: إنما أحدثك عن رسول الله ﷺ
فسكت الحسن.
ورواه البيهقي في كتاب " البعث والنشور "، وكذا البزار والإسماعيلي
والخطابي كلهم من طريق يونس بن محمد حدثنا عبد العزيز بن المختار به.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري، وقد أخرجه في صحيحه مختصرا فقال
(٢ / ٣٠٤ - ٣٠٥) : حدثنا مسدد قال: حدثنا عبد العزيز بن المختار به بلفظ:
" الشمس والقمر مكوران يوم القيامة ".
وليس عنده قصة أبي سلمة مع الحسن، وهي صحيحة، وقد وقع للخطيب التبريزي وهم
في إسناد هذا الحديث والقصة، حيث جعل الحديث من تحديث الحسن عن أبي هريرة،
والمناقشة بينهما، وقد نبهت عليه في تعليقي على كتابه " مشكاة المصابيح "
رقم (٥٦٩٢) .
وللحديث شاهد، فقال الطيالسي في " مسنده " (٢١٠٣) : حدثنا درست عن يزيد
ابن أبان الرقاشي عن أنس رفعه إلى النبي ﷺ بلفظ:
" إن الشمس والقمر ثوران عقيران في النار ".
وهذا إسناد ضعيف من أجل الرقاشي فإنه ضعيف، ومثله درست ولكنه قد توبع
стр. 244
ومن
هذه الطريق أخرجه الطحاوي وأبو يعلى (٣ / ١٧ / ١٠) وابن عدي (١٢٩ / ٢)
وأبو الشيخ في " العظمة " كما في " اللآلي المصنوعة " (١ / ٨٢) وابن مردويه
كما في " الجامع الصغير " وزاد:
" وإن شاء أخرجهما. وإن شاء تركهما ".
وأما المتابعة المشار إليها، فقال أبو الشيخ:
حدثنا أبو معشر الدارمي حدثنا هدبة حدثنا حماد بن سلمة عن يزيد الرقاشي به.
قال السيوطي: وهذه متابعة جليلة. وهو كما قال، والسند رجاله ثقات كما
قال ابن عراق في " تنزيه الشريعة " (١ / ١٩٠ الطبعة الأولى) ، يعني من دون
الرقاشي وإلا فهو ضعيف كما عرفت، ولكنه ليس شديد الضعف، فيصلح للاستشهاد
به ولذلك فقد أساء ابن الجوزي بإيراده لحديثه في " الموضوعات "! على أنه قد
تناقض، فقد أورده أيضا في " الواهيات " يعني الأحاديث الواهية غير الموضوعة،
وكل ذلك سهو منه عن حديث أبي هريرة هذا الصحيح. والله الموفق.
معنى الحديث:
وليس المراد من الحديث ما تبادر إلى ذهن الحسن البصري أن الشمس والقمر في
النار يعذبان فيها عقوبة لهما، كلا فإن الله لا يعذب من أطاعه من
خلقه ومن ذلك الشمس والقمر كما يشير إليه قول الله ﵎ (ألم تر
أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض، والشمس والقمر، والنجوم
والجبال والشجر والدواب، وكثير من الناس، وكثير حق عليه العذاب) .
فأخبر تعالى أن عذابه
стр. 245
إنما يحق على غير من كان يسجد له تعالى في الدنيا، كما
قال الطحاوي، وعليه فإلقاؤهما في النار يحتمل أمرين:
الأول: أنهما من وقود النار.
قال الإسماعيلي:
" لا يلزم من جعلهما في النار تعذيبهما، فإن لله في النار ملائكة وحجارة
وغيرها لتكون لأهل النار عذابا وآلة من آلات العذاب، وما شاء الله من ذلك
فلا تكون هي معذبة ".
والثاني: أنهما يلقيان فيها تبكيتا لعبادهما.
قال الخطابي:
" ليس المراد بكونهما في النار تعذيبهما بذلك، ولكنه تبكيت لمن كان يعبدهما
في الدنيا ليعلموا أن عبادتهم لهما كانت باطلا ".
قلت: وهذا هو الأقرب إلى لفظ الحديث ويؤيده أن في حديث أنس عند أبي يعلى -
كما في " الفتح " (٦ / ٢١٤) :
" ليراهما من عبدهما ". ولم أرها في " مسنده " والله تعالى أعلم.
١٢٥ - " من سره أن ينظر إلى رجل يمشي على الأرض وقد قضى نحبه فلينظر إلى طلحة ".
أخرجه ابن سعد في " الطبقات " (٣ / ١ / ١٥٥) أخبرنا سعيد بن منصور قال:
أنبأنا صالح بن موسى عن معاوية بن إسحاق عن عائشة بنت طلحة عن عائشة قالت:
" إني لفي بيتي، ورسول الله ﷺ وأصحابه بالفناء، وبيني
وبينهم الستر، أقبل طلحة بن عبيد الله فقال رسول الله ﷺ "
فذكره.
стр. 246
وكذا رواه أبو يعلى في " مسنده " (ق ٢٣٢ / ١) وأبو نعيم في " الحلية "
(١ / ٨٨) من طريق أخرى عن صالح بن موسى به. ورواه أيضا الطبراني في
" الأوسط " كما في " المجمع " (٩ / ١٤٨) وقال:
" وفيه صالح بن موسى وهو متروك ".
قلت: ولم ينفرد به، فقد رواه إسحاق بن يحيى بن طلحة عن عمه موسى بن طلحة
قال: " بينما عائشة بنت طلحة تقول لأمها أم كلثوم بنت أبي بكر: أبي خير من
أبيك، فقالت عائشة أم المؤمنين: ألا أقضي بينكما؟ إن أبا بكر دخل على النبي
ﷺ فقال: يا أبا بكر أنت عتيق الله من النار، قالت: فمن
يومئذ سمي عتيقا، ودخل طلحة على النبي ﷺ فقال:
" أنت يا طلحة ممن قضى نحبه ".
أخرجه الحاكم (٢ / ٤١٥ / ٤١٦) وقال: " صحيح الإسناد ".
وتعقبه الذهبي بقوله: " قلت: بل إسحاق متروك، قاله أحمد ".
قلت: ومع ضعفه الشديد، فقد اضطرب في إسناده، فرواه مرة هكذا، ومرة قال:
عن موسى بن طلحة قال: " دخلت على معاوية، فقال: ألا أبشرك؟ قلت: بلى قال:
سمعت رسول الله ﷺ يقول: " طلحة ممن قضى نحبه ".
أخرجه ابن سعد (٣ / ١ / ١٥٥ - ١٥٦) والترمذي (٢ / ٢١٩، ٣٠٢) وقال:
" حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإنما روي عن موسى بن طلحة عن
أبيه ".
стр. 247
قلت: ثم ساقه هو وأبو يعلى (ق ٤٥ / ١) والضياء في " المختارة "
(١ / ٢٧٨) من طريق طلحة بن يحيى عن موسى وعيسى ابني طلحة عن أبيهما طلحة
أن أصحاب رسول الله ﷺ قالوا لأعرابي جاهل: سله عمن قضى نحبه
من هو؟ وكانوا لا يجترؤون على مسألته، يوقرونه ويهابونه، فسأله الأعرابي،
فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه، ثم إني اطلعت من باب المسجد وعلي ثياب خضر،
فلما رآني رسول الله ﷺ قال: أين السائل عمن قضى نحبه؟ قال:
أنا يا رسول الله، قال: هذا ممن قضى نحبه.
وقال: " هذا حديث حسن غريب ".
قلت: وإسناده حسن رجاله ثقات رجال مسلم، غير أن طلحة بن يحيى، تكلم فيه
بعضهم من أجل حفظه، وهو مع ذلك لا ينزل حديثه عن رتبة الحسن.
ولم ينفرد بالحديث، فقد أخرجه الطبراني في " المعجم الكبير " (١ / ١٣ / ٢)
عن سليمان بن أيوب حدثني أبي عن جدي عن موسى بن طلحة عن أبيه قال: كان النبي
ﷺ إذا رآني قال:
" من أحب أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله ".
قلت: وهذا سند ضعيف سليمان هذا صاحب مناكير، وقال ابن مهدي: " عامة
أحاديثه لا يتابع عليها ".
وقال الهيثمي في " المجمع " (٩ / ١٤٩) :
" رواه الطبراني، وفيه سليمان بن أيوب الطلحي، وقد وثق، وضعفه جماعة،
وفيه جماعة لم أعرفهم ".
وللحديث شاهد جيد مرسل بلفظ:
стр. 248
" من أراد أن ينظر إلى رجل قد قضى نحبه فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله ".
أخرجه ابن سعد (٣ / ١ / ١٥٦) : أخبرنا هشام أبو الوليد الطيالسي قال:
حدثنا أبو عوانة عن حصين عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال:
قال رسول الله ﷺ ، فذكره.
قلت: وهذا مرسل صحيح الإسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين.
ثم إن صالح بن موسى الذي في الطريق الأول قد رواه بإسناد آخر ولفظ آخر وهو:
" من سره أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله ".
١٢٦ - " من سره أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله ".
أخرجه الترمذي (٢ / ٣٠٢ - بولاق) عن صالح بن موسى الطلحي - من ولد طلحة
ابن عبيد الله - عن الصلت بن دينار عن أبي نضرة قال: قال جابر بن عبد الله
سمعت رسول الله ﷺ يقول: فذكره وقال:
" حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث الصلت، وقد تكلم بعض أهل العلم في الصلت
ابن دينار وفي صالح بن موسى من قبل حفظهما ".
قلت: هما بعد التحقيق ضعيفان جدا، غير أن صالح بن موسى لم ينفرد به، وهو ما
أشعر به كلام الترمذي نفسه، فقال الطيالسي في " مسنده " (١٧٩٣) : حدثنا
الصلت بن دينار (حدثنا) أبو نضرة به بلفظ:
" مر طلحة بالنبي ﷺ فقال: شهيد يمشي على وجه الأرض ".
وهكذا رواه ابن ماجه (١٢٥) عن وكيع: حدثنا الصلت الأزدي به.
ورواه الواحدي في " الوسيط " (٣ / ٧ / ١٢١) عن الصلت به مثل رواية الترمذي،
стр. 249
ورواه البغوي في " تفسيره " (٧ / ٥٢٨) من هذا الوجه بلفظ:
" نظر رسول الله ﷺ إلى طلحة بن عبد الله فقال: من أحب أن
ينظر إلى رجل يمشي على وجه الأرض قد قضى نحبه فلينظر إلى هذا ".
وقد عزاه صاحب " مشكاة المصابيح " للترمذي في رواية له، وهو وهم منه
﵀.
وبالجملة فالحديث بهذه الطرق والشواهد يرتقي إلى درجة الصحة، وهي وإن
اختلفت ألفاظها فالمؤدى واحد كما هو ظاهر وقد ثبته الحافظ في " الفتح "
(٨ / ٣٩٨ - بولاق) . والله أعلم.
وفي الحديث إشارة إلى قول الله ﵎ (من المؤمنين رجال صدقوا ما
عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا) .
وفيه منقبة عظيمة لطلحة بن عبيد الله ﵁، حيث أخبر صلى الله عليه
وسلم أنه ممن قضى نحبه مع أنه لا يزال حيا ينتظر الوفاء بما عاهد الله عليه،
قال ابن الأثير في " النهاية ":
" النحب النذر، كأنه ألزم نفسه أن يصدق أعداء الله في الحرب، فوفى به،
وقيل: النحب الموت، كأنه يلزم نفسه أن يقاتل حتى يموت ".
وقد قتل ﵁ يوم الجمل. فويل لمن قتله.
١٢٧ - " قال الله تعالى: يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك
ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك
стр. 250
عنان السماء، ثم استغفرتني غفرت لك
ولا أبالي، يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك
بي شيئا، لأتيتك بقرابها مغفرة ".
رواه الترمذي (٢ / ٢٧٠) من طريق كثير بن فائد: حدثنا سعيد ابن عبيد قال:
سمعت بكر بن عبد الله المزني يقول: حدثنا أنس ابن مالك قال:
سمعت رسول الله ﷺ يقول: فذكره وقال:
" حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ".
قلت: ورجاله موثقون غير كثير بن فائد، فلم يوثقه غير ابن حبان، وفي
" التقريب " أنه مقبول.
قلت: لكن الحديث حسن كما قال الترمذي، فإن له شاهدا من حديث أبي ذر، يرويه
شهر بن حوشب عن عمر بن معد يكرب عنه مرفوعا به مع تقديم وتأخير.
أخرجه الدارمي (٢ / ٣٢٢) وأحمد (٥ / ١٧٢) من طريق غيلان ابن جرير عن شهر
به.
وخالفه عبد الحميد - وهو ابن بهرام - فقال: حدثنا شهر حدثني ابن غنم أن أبا
ذر حدثه به.
أخرجه أحمد (٥ / ١٥٤) وشهر فيه ضعف من قبل حفظه، وإن لم يكن هذا الاختلاف
عليه من تردده وسوء حفظه، فالوجه الأول أصح لأن غيلان أوثق من ابن بهرام.
وله شاهد آخر عند الطبراني في " معاجمه " عن ابن عباس، وهو مخرج في
" الروض النضير " (٤٣٢) .
وله عن أبي ذر طريق أخرى مختصرا بلفظ:
" قال الله ﵎: الحسنة بعشر أمثالها أو أزيد، والسيئة واحدة
أو أغفرها ولو لقيتني بقراب الأرض خطايا ما لم تشرك بي لقيتك بقرابها مغفرة "
.
следующие страницы →