Полный текст (6 550 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
ففي الحديث إشارة إلى أن في المال حقا سوى الزكاة، فلا يظنن الأغنياء أنهم قد
برئت ذمتهم بإخراجهم زكاة أموالهم سنويا، بل عليهم حقوق أخرى لظروف وحالات
طارئة، من الواجب عليهم القيام بها، وإلا دخلوا في وعيد قوله تعالى:
(والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم
يوم يحمى عليها في نار جهنم، فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم، هذا ما
كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون) .
١٥٠ - " إن الله أذن لي أن أحدث عن ديك قد مرقت رجلاه الأرض، وعنقه منثن تحت العرش
وهو يقول: سبحانك ما أعظمك ربنا، فيرد عليه: ما يعلم ذلك من حلف بي كاذبا ".
رواه الطبراني في " الأوسط " (١ / ١٥٦ / ١) : حدثنا محمد بن العباس بن الأخرم
حدثنا الفضل بن سهل الأعرج حدثنا إسحاق بن منصور حدثنا إسرائيل عن معاوية بن
إسحاق عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة مرفوعا. وقال:
" لم يروه عن معاوية إلا إسرائيل تفرد به إسحاق ".
قلت: وهو ثقة من رجال الشيخين وكذا سائر الرواة ثقات أيضا من رجال البخاري
غير ابن الأخرم وهو من الفقهاء الحفاظ المتقنين كما في " لسان الميزان "
فالحديث صحيح الإسناد. وقال الهيثمي في " المجمع " (٤ / ١٨٠ - ١٨١) :
" رواه الطبراني في " الأوسط " ورجاله رجال الصحيح ".
وفي هذا الاطلاق نظر لا يخفى، لاسيما وقد قال في مكان آخر (٨ / ١٣٤) :
стр. 282
" رواه الطبراني في " الأوسط " ورجاله رجال الصحيح إلا أن شيخ الطبراني محمد
بن العباس عن الفضل بن سهيل الأعرج لم أعرفه ".
قلت: وقد عرفناه والحمد لله، وأنه ثقة متقن، فصح الحديث، والموفق الله
تعالى. على أنه لم يتفرد به، فقد أخرجه أبو يعلى (٣٠٩ / ١) من طريق أخرى عن
معاوية بن إسحاق به نحوه بلفظ:
" والعرش على منكبيه وهو يقول: سبحانك أين كنت، وأين تكون ".
ثم إن في قول الطبراني: " تفرد به إسحاق " نظرا، فقد تابعه عبيد الله بن موسى
أنبأ إسرائيل به. أخرجه الحاكم (٤ / ٢٩٧) وقال:
" صحيح الإسناد ". ووافقه الذهبي.
ووقع في " المستدرك " " عبد الله " مكبرا وهو خطأ مطبعي.
والحديث قال المنذري (٣ / ٤٧) :
" رواه الطبراني بإسناد صحيح، والحاكم وقال: صحيح الإسناد ".
١٥١ - " أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله تعالى من حملة العرش، ما بين شحمة
أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة سنة ".
رواه أبو داود (٤٧٢٧) والطبراني في " الأوسط " كما في " المنتقى منه "
للذهبي (٦ / ٢) وفي " حديثه عن النسائي " (٣١٧ / ٢) وابن شاهين في
" الفوائد " (١١٣ /
стр. 283
٢) وابن عساكر في المجلس (١٣٩) من " الأمالي "
(٥٠ / ١) وفي " التاريخ " (١٢ / ٢٣٢ / ١) عن إبراهيم ابن طهمان عن موسى
ابن عقبة عن محمد بن المنكدر عن جابر مرفوعا.
وهو في " مشيخة ابن طهمان " (٢٣٨ / ٢) .
وقال الطبراني:
" لم يروه عن موسى بن عقبة إلا إبراهيم بن طهمان ".
قلت: وهو ثقة كما في " التقريب " ولهذا قال الذهبي في " العلو " (ص ٥٨ طبعة
الأنصار) :
" إسناده صحيح ". ثم ساق له شاهدا من حديث محمد بن إسحاق عن الفضل بن عيسى عن
يزيد الرقاشي عن أنس مرفوعا. وقال:
" إسناده واه ".
وقال الهيثمي في الطريق الأولى (١ / ٨٠) :
" رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح ".
وقد تابعه صدقة بن عبد الله القرشي بلفظ:
" إن لله ملائكة وهم الأكروبيون، من شحمة أذن أحدهم إلى ترقوته مسيرة سبعمائة
عام للطائر السريع في انحطاطه ".
وقد سقت إسناده وتكلمت عليه في " الأحاديث الضعيفة " (٩٢٧) .
وله شاهد من حديث جابر وابن عباس مرفوعا به نحوه.
أخرجه أبو نعيم في " الحلية " (٣ / ١٥٨) ، وفيه من لم أعرفه.
стр. 284
١٥٢ - " لا يرث الصبي حتى يستهل صارخا، واستهلاله أن يصيح أو يعطس أو يبكي ".
رواه ابن ماجه (٢٧٥١) والطبراني في " الأوسط " (١ / ١٥٣ / ٢) عن العباس
بن الوليد الخلال الدمشقي حدثنا مروان بن محمد الطاطري حدثنا سليمان بن بلال
عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن جابر بن عبد الله والمسور بن مخرمة
مرفوعا.
وقال الطبراني:
" لم يروه عن يحيى إلا سليمان تفرد به مروان ".
قلت: وهو ثقة وكذلك سائر الرواة فالحديث صحيح.
وأما قول الهيثمي (٤ / ٢٢٥) :
" رواه الطبراني في " الأوسط " و " الكبير " وفيه العباس بن الوليد الخلال
وثقه أبو مسهر ومروان بن محمد وقال أبو داود، لا أحدث عنه، وبقية رجاله
رجال الصحيح ".
ففيه نظر من وجهين:
الأول: أن مروان ليس من رجال الصحيح.
الثاني: أن قول أبي داود فيه لم يذكره عنه الحافظ في " التهذيب " وإنما نقل
عنه من رواية الآجري أنه قال: " كتبت عنه وكان عالما بالرجال والأخبار "
ولذلك قال فيه في " تقريب التهذيب " " صدوق "، فلا أدري أذلك وهم من الهيثمي
أم قصور من الحافظ حيث لم يذكره.
ثم إن إيراد الهيثمي لهذا الحديث في كتابه هو على خلاف شرطه، لإخراج ابن ماجه
إياه، فلعله لم يستحضر ذلك عندما أورده.
وللحديث شاهد بلفظ: " إذا استهل المولود ورث ".
стр. 285
١٥٣ - " إذا استهل المولود ورث ".
رواه أبو داود (٢٩٢٠) عن محمد بن إسحاق عن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن
أبي هريرة مرفوعا.
وعن أبي داود رواه البيهقي (٦ / ٢٥٧) وذكر أن ابن خزيمة أخرجه من هذا
الوجه.
قلت: ورجاله ثقات، إلا أن ابن إسحاق مدلس، وقد عنعنه.
ولكن له شاهد من حديث جابر مرفوعا.
رواه ابن ماجه (٢٧٥٠) عن الربيع بن بدر حدثنا أبو الزبير عنه.
قلت: والربيع بن بدر متروك، لكن تابعه المغيرة بن مسلم وسفيان عن
أبي الزبير به.
أخرجه الحاكم (٤ / ٣٤٨، ٣٤٩) وقال:
" صحيح على شرط الشيخين ". ووافقه الذهبي.
قلت: بل على شرط مسلم فقط، على أن أبا الزبير مدلس وقد عنعن.
وله شاهد من حديث ابن عباس مرفوعا.
أخرجه ابن عدي (ق ١٩٣ / ١) من طريق شريك عن أبي إسحاق عن عطاء عنه.
قلت: وهذا سند لا بأس به في الشواهد، فإن شريكا هو ابن عبد الله القاضي ثقة
إلا أنه سيء الحفظ، ومثله أبو إسحاق وهو السبيعي فإنه كان اختلط.
(فائدة) في حديث جابر والمسور المتقدم تفسير استهلال الصبي بقوله:
" أن يصيح أو يعطس أو يبكي ". وهو حديث صحيح كما تقدم، فلا يغتر بقول
الصنعاني
стр. 286
في " سبل السلام " (٣ / ١٣٣) :
" والاستهلال روي في تفسيره حديث مرفوع ضعيف: " الاستهلال العطاس ". أخرجه
البزار ".
فإن الذي أخرجه البزار. إنما هو من حديث ابن عمر باللفظ الذي ذكره الصنعاني،
وفيه محمد بن عبد الرحمن بن البيلمان وهو ضعيف.
كما في " المجمع "، فهذا غير حديث جابر والمسور فتنبه.
١٥٤ - " لا يرد القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر ".
أخرجه الترمذي (٢ / ٢٠) والطحاوي في " المشكل " (٤ / ١٦٩) وابن حيويه في
" حديثه " (٣ / ٤ / ٢) وعبد الغني المقدسي في " الدعاء " (١٤٢ - ١٤٣) كلهم
من طريق أبي مودود عن سليمان التميمي عن أبي عثمان النهدي عن سلمان به.
وقال الترمذي:
" حديث حسن غريب من حديث سلمان، وأبو مودود اثنان: أحدهما يقال له: فضة،
وهو الذي روى هذا الحديث، بصري، والآخر عبد العزيز بن أبي سليمان بصري أيضا
وكانا في مصر واحد ".
قلت: وهو ضعيف كما قال ابن أبي حاتم عن أبيه (٣ / ٢ / ٩٣) ، فلعل تحسين
الترمذي لحديثه باعتبار أن له شاهدا من حديث ثوبان مرفوعا بزيادة:
" وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه ".
رواه ابن ماجه (٤٠٢٢) وأحمد (٥ / ٢٧٧، ٢٨٠، ٢٨٢) وابن أبي شيبة في
" المصنف " (١٢ / ١٥٧ / ٢) ومحمد بن يوسف الفريابي في " ما أسند سفيان "
(١ / ٤٣ / ٢) والطحاوي في " المشكل " (٤ / ١٦٩) والطبراني في " المعجم
الكبير "
стр. 287
(١ / ١٤٧ / ٢) وأبو محمد العدل المخلدي في " الفوائد " (٢ / ٢٢٣ /
٢، ٢٤٦ / ٢، ٢٦٨ / ٢) والروياني في " مسنده " (٢٥ / ١٣٣ / ١) والحاكم
(١ / ٤٩٣) وأبو نعيم في أخبار أصبهان " (٢ / ٦٠) والبغوي في " شرح السنة
" (٤ / ٨١ / ٢) والقضاعي (٧١ / ١) وعبد الغني المقدسي في " الدعاء "
(١٤٢ - ١٤٣) من طرق عن سفيان الثوري عن عبد الله بن عيسى عن ابن أبي الجعد عن
ثوبان مرفوعا به.
كذا قال بعض المخرجين: " ابن أبي الجعد " لم يسمه، وسماه بعضهم سالم بن أبي
الجعد، وبعضهم: عبد الله بن أبي الجعد. فإن كان الأول فهو منقطع لأن سالما
لم يسمع من ثوبان، وإن كان الآخر، فهو مجهول كما قال ابن القطان وإن وثقه
ابن حبان، وقد أشار إلى ذلك الذهبي في " الميزان " فقال:
" وعبد الله هذا وإن كان قد وثق، ففيه جهالة ".
ثم أخرجه الروياني (١٦٢ / ١) من طريق عمر بن شبيب حدثنا عبد الله بن عيسى
عن حفص وعبيد الله بن أخي سالم عن سالم عن ثوبان به. وزاد:
" إن في التوراة لمكتوب: يا ابن آدم اتق ربك، وبر والديك، وصل رحمك أمدد
لك في عمرك، وأيسر لك يسرك، وأصرف عنك عسرك ".
قلت: فهذا قد يرجح أن الحديث من رواية سالم بن أبي الجعد لكن عمر بن شبيب ضعيف
كما قال الحافظ في " التقريب ".
وأما حفص وعبيد الله بن أخي سالم فلم أعرفهما.
فإن ثبت هذا الترجيح فهو منقطع، وإلا فمتصل، لكن فيه جهالة كما سبق، فقول
الحاكم عقبه:
" صحيح الإسناد ". مردود وإن وافقه الذهبي، لجهالة المذكور، وقد صرح بها
الذهبي كما تقدم، وهذا من تناقضه الكثير!
стр. 288
وللحديث طريق أخرى عن ثوبان. يرويه أبو علي الدارسي: حدثنا طلحة بن زيد عن
ثور عن راشد بن سعد عن ثوبان.
أخرجه ابن عدي (ق ٣٤ / ١) وقال:
" أبو علي الدارسي بشر بن عبيد منكر الحديث، بين الضعف جدا ".
قلت: وكذبه الأزدي، وساق له في " الميزان " أحاديث وقال:
" وهذه أحاديث غير صحيحه، فالله المستعان ".
ثم ساق له آخر وقال فيه: " وهذا موضوع ".
والخلاصة: أن الحديث حسن كما قال الترمذي بالشاهد من حديث ثوبان، دون
الزيادة فيه، فإني لم أجد لها شاهدا، بل روي ما يعارضها بلفظ:
" إن الرزق لا تنقصه المعصية، ولا تزيده الحسنة.. "
قلت: ولكنه موضوع كما حققته في " الأحاديث الضعيفة " (رقم ١٧٩) فلا يصلح
لمعارضة الزيادة المشار إليها.
قوله (القضاء) ، أراد به هنا الأمر المقدر لولا دعاؤه.
وقوله (ولا يزيد في العمر) ، يعني العمر الذي كان يقصر لولا بره.
١٥٥ - " أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص ".
رواه الروياني في " مسنده " (٩ / ٥٠ / ١ - ٢) من طريق ابن أبي مريم
وعبد الله بن وهب أنبأنا ابن لهيعة عن مشرح بن هاعان عن عقبة مرفوعا.
стр. 289
ورواه أحمد (٤ / ١٥٥) حدثنا أبو عبد الرحمن حدثنا ابن لهيعة حدثني مشرح
بن هاعان قال، سمعت عقبة بن عامر يقول: سمعت رسول الله ﷺ
يقول: فذكره.
ورواه الترمذي (٢ / ٣١٦) حدثنا قتيبة حدثنا ابن لهيعة به. وقال:
" حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة عن مشرح بن هاعان، وليس إسناده
بالقوي ".
قلت: مشرح بن هاعان وثقه ابن معين وغيره، وضعفه بعضهم، وهو حسن الحديث
عندي، وابن لهيعة وإن كان ضعيفا لسوء حفظه فإن رواية العبادلة عنه يصحح
حديثه كما جاء في ترجمته، وهذا من رواية اثنين منهم، وهما: أبو عبد الرحمن
واسمه عبد الله بن يزيد المقري، وعبد الله بن وهب.
وفي الحديث منقبة عظيمة لعمرو بن العاص ﵁، إذ شهد له النبي
ﷺ بأنه مؤمن، فإن هذا يستلزم الشهادة له بالجنة، لقوله
ﷺ في الحديث الصحيح المشهور: " لا يدخل الجنة إلا نفس
مؤمنة " متفق عليه. وقال تعالى (وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات
جنات تجري من تحتها الأنهار) .
وعلى هذا فلا يجوز الطعن في عمرو ﵁ كما يفعل بعض الكتاب
المعاصرين، وغيرهم من المخالفين - بسبب ما وقع له من الخلاف بل القتال
مع علي ﵁. لأن ذلك لا ينافي الإيمان، فإنه لا يستلزم العصمة
كما لا يخفى، لاسيما إذا قيل: إن ذلك وقع منه بنوع من الاجتهاد، وليس
اتباعا للهوى.
стр. 290
وفي الحديث أيضا إشارة إلى أن مسمى الإسلام غير الإيمان، وقد اختلف العلماء
في ذلك اختلافا كثيرا، والحق ما ذهب إليه جمهور السلف من التفريق بينهما
لدلالة الكتاب والسنة على ذلك فقال تعالى: (قالت الأعراب آمنا، قل: لم
تؤمنوا، ولكن قولوا أسلمنا، ولما يدخل الإيمان في قلوبكم) وحديث جبريل
في التفريق بين الإسلام والإيمان معروف مشهور، قال شيخ الإسلام ابن تيمية
رحمه الله تعالى في كتاب " الإيمان " (ص ٣٠٥ طبع المكتب الإسلامي) .
" والرد إلى الله ورسوله في مسألة الإسلام والإيمان يوجب أن كلا من الاسمين
وإن كان مسماه واجبا، ولا يستحق أحد الجنة إلا بأن يكون مؤمنا مسلما، فالحق
في ذلك ما بينه النبي ﷺ في حديث جبريل، فجعل الدين
وأهله ثلاث طبقات: أولها الإسلام، وأوسطها الإيمان، وأعلاها الإحسان،
ومن وصل إلى العليا، فقد وصل إلى التي تليها، فالمحسن مؤمن، والمؤمن مسلم
وأما المسلم فلا يجب أن يكون مؤمنا ".
ومن شاء بسط الكلام على هذه المسألة مع التحقيق الدقيق فليرجع إلى الكتاب
المذكور، فإنه خير ما ألف في هذا الموضوع.
ويشهد للحديث ما يأتي:
" ابنا العاص مؤمنان: هشام وعمرو ".
١٥٦ - " ابنا العاص مؤمنان: هشام وعمرو ".
أخرجه عفان بن مسلم في " حديثه " (ق ٢٣٨ / ٢) حدثنا حماد بن سلمة حدثنا محمد
بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة رفعه.
وأخرجه أحمد (٢ / ٣٥٤) وابن سعد (٤ / ١٩١) من طريق عفان به،
стр. 291
وكذلك
أخرجه الحاكم (٣ / ٤٥٢) . ثم أخرجه أحمد (٢ / ٣٠٤، ٣٢٧، ٣٥٣) وابن سعد
وأبو علي الصواف في " حديثه (٣ / ٢ / ٢) وابن عساكر (١٣ / ٥٢ / ١) من طرق
أخرى عن حماد به.
قلت: وهذا سند حسن، وسكت عليه الحاكم والذهبي، ومن عادتهما أن يصححا هذا
الإسناد على شرط مسلم.
وله شاهد، خرجه ابن عساكر من طريق ابن سعد حدثنا عمر بن حكام بن أبي الوضاح
حدثنا شعبة عن عمرو بن دينار عن أبي بكر بن محمد ابن عمرو بن حزم عن عمر مرفوعا.
قلت: ورجاله ثقات غير ابن حكام هذا فلم أعرفه. ثم استدركت فقلت: هو عمرو
بالواو سقط من قلمي أو من ناسخ ابن عساكر، وعمرو ابن حكام معروف بالرواية
عن شعبة وهو ضعيف، إلا أنه مع ضعفه يكتب حديثه كما قال ابن عدي، فهو صالح
للاستشهاد به.
١٥٧ - " والذي نفسي بيده لا يسمع بي رجل من هذه الأمة، ولا يهودي ولا نصراني ثم
لم يؤمن بي إلا كان من أهل النار ".
رواه ابن منده في " التوحيد " (٤٤ / ١) من طريق عبد الرزاق عن معمر عن همام
بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة فذكره مرفوعا.
ثم رواه من طريق أبي يونس عن أبي هريرة به.
قلت: وهذان إسنادان صحيحان، الأول على شرط الشيخين، والآخر على شرط مسلم.
وقد أخرجه في صحيحه (١ / ٩٣) نحوه.
стр. 292
والحديث صريح في أن من سمع بالنبي ﷺ وما أرسل به، بلغه ذلك
على الوجه الذي أنزله الله عليه، ثم لم يؤمن به ﷺ أن مصيره
إلى النار، لا فرق في ذلك بين يهودي أو نصراني أو مجوسي أو لا ديني.
واعتقادي أن كثيرا من الكفار لو أتيح لهم الاطلاع على الأصول والعقائد
والعبادات التي جاء بها الإسلام، لسارعوا إلى الدخول فيه أفواجا، كما وقع
ذلك في أول الأمر، فليت أن بعض الدول الإسلامية ترسل إلى بلاد الغرب من يدعو
إلى الإسلام، ممن هو على علم به على حقيقته وعلى معرفة بما ألصق به من
الخرافات والبدع والافتراءات، ليحسن عرضه على المدعوين إليه، وذلك يستدعي
أن يكون على علم بالكتاب والسنة الصحيحة، ومعرفة ببعض اللغات الأجنبية
الرائجة، وهذا شيء عزيز يكاد يكون مفقودا، فالقضية تتطلب استعدادات هامة،
فلعلهم يفعلون.
١٥٨ - " لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم (من) عذاب القبر
(ما أسمعني) ".
قال الإمام أحمد (٣ / ٢٠١) : حدثنا يزيد أنبأنا حميد عن أنس " أن النبي
ﷺ مر بنخل لبني النجار، فسمع صوتا فقال: ما هذا؟ قالوا:
قبر رجل دفن في الجاهلية، فقال رسول الله ﷺ " فذكره.
стр. 293
قلت: وهذا سند ثلاثي صحيح على شرط الشيخين وقد أخرجه أحمد أيضا (٣ / ١٠٣)
عن ابن أبي عدي، و (٣ / ١١٤) عن يحيى ابن سعيد، وابن حبان (٧٨٦) عن
إسماعيل، ثلاثتهم عن حميد به.
وهاذان إسنادان صحيحان ثلاثيان أيضا، وزاد ابن أبي عدي بعد قولهم: " في
الجاهلية ": " فأعجبه ذلك " وهي عند النسائي (١ / ٢٩٠) من طريق عبد الله
- وهو ابن المبارك - عن حميد بلفظ: " فسر بذلك ".
وصرح يحيى بن سعيد بتحديث حميد به عن أنس.
وقد تابعه ثابت، عند أحمد أيضا (٣ / ١٥٣، ١٧٥، ٢٨٤) من طريق حماد قال:
أنبأنا ثابت وحميد عن أنس به وزاد:
" وهو على بغلة شهباء، فإذا هو بقبر يعذب (وفي رواية: فسمع أصوات قوم
يعذبون في قبورهم) فحاصت البغلة، فقال النبي ﷺ : لولا
.... " الحديث.
وإسناده صحيح على شرط مسلم.
وتابعه قاسم بن مرثد الرحال فقال أحمد (٣ / ١١١) : حدثنا سفيان قال: سمع
قاسم الرحال أنسا يقول:
" دخل النبي ﷺ خربا لبني النجار، وكان يقضي فيها حاجة،
فخرج إلينا مذعورا أو فزعا وقال: لولا ... " الحديث وفيه الزيادتان.
وهذا سند ثلاثي أيضا صحيح، فسفيان هو ابن عيينة من رجال الستة، وقاسم وثقه
ابن معين وغيره.
وتابعه أيضا قتادة عن أنس المرفوع منه فقط دون القصة أخرجه مسلم (٨ / ١٦١)
وأحمد (٣ / ١٧٦ و ٢٧٣) .
стр. 294
وله شاهد من حديث جابر قال:
" دخل النبي ﷺ يوما نخلا لبني النجار، فسمع أصوات رجال من
بني النجار ماتوا في الجاهلية يعذبون في قبورهم، فخرج رسول الله صلى الله عليه
وسلم فزعا، فأمر أصحابه أن تعوذوا من عذاب القبر ".
أخرجه أحمد (٣ / ٢٩٥ - ٢٩٦) بسند صحيح متصل على شرط مسلم.
وله شاهد آخر من حديث زيد بن ثابت مرفوعا وهو:
" إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من
عذاب القبر الذي أسمع منه. قال زيد: ثم أقبل علينا بوجهه فقال: تعوذوا بالله
من عذاب النار، قالوا: نعوذ بالله من عذاب النار، فقال: تعوذوا بالله من
عذاب القبر، قالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر، قال: تعوذوا بالله من
الفتن ما ظهر منها وما بطن، قالوا: نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما
بطن، قال: تعوذوا بالله من فتنة الدجال، قالوا: نعوذ بالله من فتنة الدجال
".
١٥٩ - " إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من
عذاب القبر الذي أسمع منه. قال زيد: ثم أقبل علينا بوجهه فقال: تعوذوا بالله
من عذاب النار، قالوا: نعوذ بالله من عذاب النار، فقال: تعوذوا بالله من
عذاب القبر، قالوا: نعوذا بالله من عذاب القبر، قال: تعوذوا بالله من الفتن
ما ظهر منها وما بطن، قالوا: نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن،
قال: تعوذوا بالله من فتنة الدجال، قالوا: نعوذ بالله من فتنة الدجال ".
أخرجه مسلم (٨ / ١٦٠ - ١٦١) من طريق ابن علية قال: وأخبرنا سعيد الجريري
عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري عن زيد بن ثابت قال أبو سعيد: ولم أشهده من
النبي ﷺ ولكن حدثنيه زيد بن ثابت قال:
" بينما النبي ﷺ في حائط لبني النجار على بغلة له، ونحن معه
إذ حادت به، فكادت تلقيه، وإذا أقبر ستة أو خمسة أو أربعة - شك الجريري -
فقال: من يعرف أصحاب هذه الأقبر؟ فقال رجل: أنا قال: فمتى مات هؤلاء؟
قال: ماتوا في الإشراك فقال ... " فذكره.
стр. 295
وأخرجه أحمد (٥ / ١٩٠) : حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا أبو مسعود الجريري به
إلا أنه قال: " تعوذوا من فتنة المحيا والممات "، بدل " تعوذوا من الفتن ما
ظهر منها وما بطن ".
وأخرجه ابن حبان (٧٨٥) بنحو رواية مسلم، لكن لم يذكر فيه زيد بن ثابت.
غريب الحديث
(تدافنوا) أصله تتدافنوا فحذف إحدى التاءين. أي: لولا خشية أن يفضي سماعكم
إلى ترك أن يدفن بعضكم بعضا.
(شهباء) : بيضاء.
(حاصت) أي حامت كما في رواية لأحمد أي اضطربت.
(خربا) بكسر الخاء وفتح الراء جمع خربة، كنقمة ونقم.
(تبتلى) أي تمتحن. والمراد امتحان الملكين للميت بقولهما: " من ربك؟ ":
" من نبيك ".
من فوائد الحديث
وفي هذه الأحاديث فوائد كثيرة أذكر بعضها أو أهمها:
١ - إثبات عذاب القبر، والأحاديث في ذلك متواترة، فلا مجال للشك فيه بزعم
أنها آحاد! ولو سلمنا أنها آحاد فيجب الأخذ بها لأن القرآن يشهد لها، قال
تعالى: (وحاق بآل فرعون سوء العذاب. النار يعرضون عليها غدوا وعشيا.
ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب) .
стр. 296
ولو سلمنا أنه لا يوجد في القرآن ما يشهد لها، فهي وحدها كافية لإثبات هذه
العقيدة، والزعم بأن العقيدة لا تثبت بما صح من أحاديث الآحاد زعم باطل دخيل
في الإسلام، لم يقل به أحد من الأئمة الأعلام كالأربعة وغيرهم، بل هو مما
جاء به بعض علماء الكلام، بدون برهان من الله ولا سلطان، وقد كتبنا فصلا
خاصا في هذا الموضوع الخطير في كتاب لنا، أرجو أن أوفق لتبييضه ونشره على
الناس.
٢ - أن النبي ﷺ يسمع ما لا يسمع الناس، وهذا من خصوصياته
﵊، كما أنه كان يرى جبريل ويكلمه والناس لا يرونه ولا
يسمعون كلامه، فقد ثبت في البخاري وغيره أنه ﷺ قال يوما
لعائشة ﵂: هذا جبريل يقرئك السلام، فقالت: وعليه السلام
يا رسول الله، ترى ما لا نرى. ولكن خصوصياته ﵇ إنما تثبت بالنص
الصحيح، فلا تثبت بالنص الضعيف ولا بالقياس والأهواء، والناس في هذه
المسألة على طرفي نقيض، فمنهم من ينكر كثيرا من خصوصياته الثابتة بالأسانيد
الصحيحة، إما لأنها غير متواترة بزعمه، وإما لأنها غير معقولة لديه! ومنهم
من يثبت له ﵇ ما لم يثبت مثل قولهم: إنه أول المخلوقات، وإنه لا
ظل له في الأرض وإنه إذا سار في الرمل لا تؤثر قدمه فيه، بينما إذا داس على
الصخر علم عليه، وغير ذلك من الأباطيل.
والقول الوسط في ذلك أن يقال: إن النبي ﵌ بشر بنص
القرآن والسنة وإجماع الأمة، فلا يجوز أن يعطى له من الصفات والخصوصيات إلا
ما صح به النص في الكتاب والسنة، فإذا ثبت ذلك وجب التسليم له، ولم يجز رده
بفلسفة خاصة علمية أو عقلية، زعموا، ومن المؤسف، أنه قد انتشر في العصر
الحاضر انتشارا مخيفا رد الأحاديث الصحيحة لأدنى شبهة ترد من بعض الناس، حتى
ليكاد يقوم في النفس أنهم يعاملون أحاديثه ﵇ معاملة أحاديث غيره من
البشر الذين ليسوا معصومين، فهم
стр. 297
يأخذون منها ما شاؤوا، ويدعون ما شاؤوا،
ومن أولئك طائفة ينتمون إلى العلم، وبعضهم يتولى مناصب شرعية كبيرة! فإنا
لله وإنا إليه راجعون، ونسأله تعالى أن يحفظنا من شر الفريقين المبطلين
والغالين.
٣ - إن سؤال الملكين في القبر حق ثابت، فيجب اعتقاده أيضا، والأحاديث فيه
أيضا متواترة.
٤ - إن فتنة الدجال فتنة عظيمة ولذلك أمر بالاستعاذة من شرها في هذا الحديث
وفي أحاديث أخرى، حتى أمر بذلك في الصلاة قبل السلام كما ثبت في البخاري
وغيره. وأحاديث الدجال كثيرة جدا، بل هي متواترة عند أهل العلم بالسنة.
ولذلك جاء في كتب العقائد وجوب الإيمان بخروجه في آخر الزمان، كما جاء فيها
وجوب الإيمان بعذاب القبر وسؤال الملكين.
٥ - إن أهل الجاهلية الذين ماتوا قبل بعثته ﵊ معذبون بشركهم
وكفرهم، وذلك يدل على أنهم ليسوا من أهل الفترة الذين لم تبلغهم دعوة نبي،
خلافا لما يظنه بعض المتأخرين. إذ لو كانوا كذلك لم يستحقوا العذاب لقوله
تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) . وقد قال النووي في شرح حديث
مسلم: " أن رجلا قال يا رسول الله أين أبي؟ قال: في النار ... " الحديث.
قال النووي (١ / ١١٤ طبع الهند) :
" فيه أن من مات على الكفر فهو في النار، ولا تنفعه قرابة المقربين، وفيه
أن من مات على الفترة على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان فهو من أهل
النار، وليس هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة، فإن هؤلاء كانت قد بلغتهم دعوة
إبراهيم وغيره من الأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم ".
стр. 298
١٦٠ - " لا، ولكن تصافحوا. يعني لا ينحني لصديقه ولا يلتزمه، ولا يقبله حين
يلقاه ".
رواه الترمذي (٢ / ١٢١) وابن ماجه (٣٧٠٢) والبيهقي (٧ / ١٠٠) وأحمد
(٣ / ١٩٨) من طرق عن حنظلة بن عبد الله السدوسي قال: حدثنا أنس بن مالك
قال: " قال رجل: يا رسول الله أحدنا يلقى صديقه أينحني له؟ قال: فقال
رسول الله ﷺ : لا، قال: فيلتزمه ويقبله؟ قال: لا،
قال: فيصافحه؟ قال: نعم إن شاء ".
والسياق لأحمد وكذا الترمذي، لكن ليس عنده: " إن شاء " ولفظ ابن ماجه
نحوه وفيه: " لا، ولكن تصافحوا ".
والحديث رواه أيضا محمد بن يوسف الفريابي في " ما أسند الثوري "
(١ / ٤٦ / ٢) وأبو بكر الشافعي في " الفوائد " (٩٧ / ١) وفي
" الرباعيات " (١ / ٩٣ / ٢) والباغندي في " حديث شيبان وغيره "
(١٩١ / ١) وأبو محمد المخلدي في " الفوائد " (٢٣٦ / ٢) والضياء
المقدسي في " المصافحة " (٣٢ / ٢) وفي " المنتقى من مسموعاته بمرو "
(٢٨ / ٢) كلهم عن حنظلة به.
وقال الترمذي: " حديث حسن ".
قلت: وهو كما قال أو أعلا، فإن رجاله كلهم ثقات غير حنظلة هذا فإنهم ضعفوه،
ولكنهم لم يتهموه، بل ذكر يحيى القطان وغيره أنه اختلط، فمثله يستشهد به،
ويقوى حديثه عند المتابعة، وقد وجدت له متابعين ثلاثة:
الأول: شعيب بن الحبحاب.
أخرجه الضياء في " المنتقى " (٨٧ / ٢) من طريق أبي بلال الأشعري حدثنا قيس
стр. 299
بن الربيع عن هشام بن حسان عن شعيب به إلا أنه ذكر السجود بدل الالتزام.
وهذا إسناد حسن في المتابعات فإن قيس بن الربيع صدوق، ولكنه كان تغير لما
كبر، وأبو بلال الأشعري اسمه مرداس ضعفه الدارقطني وذكره ابن حبان في الثقات
ومن فوقهما ثقتان من رجال الشيخين.
وهذه المتابعة أخرجها أيضا أبو الحسن المزكي كما أفاده ابن المحب في تعليقه
على " كتاب المصافحة " ومن خطه نقلت.
الثاني: كثير بن عبد الله قال: سمعت أنس بن مالك به دون ذكر الانحناء
والالتزام.
أخرجه ابن شاهين في " رباعياته " (١٧٢ / ٢) : حدثنا محمد بن زهير قال: حدثنا
مخلد بن محمد قال: حدثنا كثير بن عبد الله.
وكثير هذا ضعيف كما قال الدارقطني، وقال الذهبي: " وما أرى رواياته
بالمنكرة جدا، وقد روى له ابن عدي عشرة أحاديث ثم قال:
" وفي بعض روايته ما ليس بمحفوظ ".
قلت: فمثله يستشهد به أيضا إن شاء الله تعالى، لكن من دونه لم أجد من ترجمهما
الثالث: المهلب بن أبي صفرة عن أنس مرفوعا بلفظ:
(لا ينحني الرجل للرجل، ولا يقبل الرجل الرجل، قالوا: يصافح الرجل الرجل؟
قال: نعم) .
رواه الضياء في " المنتقى " (٢٣ / ١) من طريق عبد العزيز بن أبان حدثنا
إبراهيم بن طهمان عن المهلب به.
قلت: المهلب من ثقات الأمراء كما في " التقريب "، لكن السند إليه واه، فإن
عبد العزيز بن أبان هذا متروك وكذبه ابن معين وغيره كما قال الحافظ، فلا
يستشهد
стр. 300
بهذه المتابعة. ولكن ما قبلها من المتابعات يكفي في تقوية الحديث،
وكأنه لذلك أقر الحافظ في " التلخيص " (٣٦٧) تحسين الترمذي إياه.
ومنه تعلم أن قول البيهقي:
" تفرد به حنظلة " فليس بصواب والله أعلم.
إذا عرفت ذلك ففيه رد على بعض المعاصرين من المشتغلين بالحديث، فقد ألف جزءا
صغيرا أسماه " إعلام النبيل بجواز التقبيل " حشد فيه كل ما وقف عليه من أحاديث
التقبيل ما صح منها وما لم يصح، ثم أورد هذا الحديث وضعفه بحنظلة ولعله لم
يقف على هذه المتابعات التي تشهد له، ثم تأوله بحمله على ما إذا كان الباعث
على التقبيل مصلحة دنيوية كغنى أو جاه أو رياسة مثلا! وهذا تأويل باطل، لأن
الصحابة الذين سألوا النبي ﷺ عن التقبيل، لا يعنون به قطعا
التقبيل المزعوم، بل تقبيل تحية كما سألوه عن الانحناء والالتزام والمصافحة
فكل ذلك إنما عنوا به التحية فلم يسمح لهم من ذلك بشيء إلا المصافحة، فهل هي
المصافحة لمصلحة دنيوية؟ ! اللهم لا.
فالحق أن الحديث نص صريح في عدم مشروعية التقبيل عند اللقاء، ولا يدخل في ذلك
تقبيل الأولاد والزوجات، كما هو ظاهر، وأما الأحاديث التي فيها أن النبي
ﷺ قبل بعض الصحابة في وقائع مختلفة، مثل تقبيله واعتناقه
لزيد بن حارثة عند قدومه المدينة، وتقبيله واعتناقه لأبي الهيثم ابن التيهان
وغيرهما، فالجواب عنها من وجوه:
стр. 301
الأول: أنها أحاديث معلولة لا تقوم بها حجة. ولعلنا نتفرغ للكلام عليها،
وبيان عللها إن شاء الله تعالى.
الثاني: أنه لو صح شيء منها، لم يجز أن يعارض بها هذا الحديث الصحيح، لأنها
فعل من النبي ﷺ يحتمل الخصوصية، أو غيرها من الاحتمالات التي
توهن الاحتجاج بها على خلاف هذا الحديث، لأنه حديث قولي وخطاب عام موجه إلى
الأمة فهو حجة عليها، لما تقرر في علم الأصول أن القول مقدم على الفعل عند
التعارض، والحاظر مقدم على المبيح، وهذا الحديث قول وحاظر، فهو المقدم
على الأحاديث المذكورة لو صحت.
وكذلك نقول بالنسبة للالتزام والمعانقة، أنها لا تشرع لنهي الحديث عنها،
لكن قال أنس ﵁:
" كان أصحاب النبي ﷺ إذا تلاقوا تصافحوا، وإذا قدموا من سفر
تعانقوا ".
رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح كما قال المنذري (٣ / ٢٧٠)
والهيثمي (٨ / ٣٦) وروى البيهقي (٧ / ١٠٠) بسند صحيح عن الشعبي قال:
" كان أصحاب محمد ﷺ إذا التقوا صافحوا، فإذا قدموا من سفر
عانق بعضهم بعضا ".
وروى البخاري في " الأدب المفرد " (٩٧٠) وأحمد (٣ / ٤٩٥) عن جابر بن
عبد الله قال:
" بلغني حديث عن رجل سمعه من رسول الله ﷺ فاشتريت بعيرا، ثم
شددت عليه رحلي، فسرت إليه شهرا حتى قدمت عليه الشام فإذا عبد الله بن أنيس،
فقلت للبواب: قل له: جابر على الباب، فقال: ابن عبد الله؟ قلت: نعم،
فخرج يطأ ثوبه فاعتنقني واعتنقته " الحديث،
стр. 302
وإسناده حسن كما قال الحافظ
(١ / ١٩٥) وعلقه البخاري.
فيمكن أن يقال: إن المعانقة في السفر مستثنى من النهي لفعل الصحابة ذلك،
وعليه يحمل بعض الأحاديث المتقدمة إن صحت. والله أعلم.
وأما تقبيل اليد، ففي الباب أحاديث وآثار كثيرة، يدل مجموعها على ثبوت ذلك
عن رسول الله ﷺ ، فنرى جواز تقبيل يد العالم إذا توفرت الشروط
الآتية:
١ - أن لا يتخذ عادة بحيث يتطبع العالم على مد يده إلى تلامذته، ويتطبع هؤلاء
على التبرك بذلك، فإن النبي ﷺ وإن قبلت يده فإنما كان ذلك
على الندرة، وما كان كذلك فلا يجوز أن يجعل سنة مستمرة، كما هو معلوم من
القواعد الفقهية.
٢ - أن لا يدعو ذلك إلى تكبر العالم على غيره، ورؤيته لنفسه، كما هو الواقع
مع بعض المشايخ اليوم.
٣ - أن لا يؤدي ذلك إلى تعطيل سنة معلومة، كسنة المصافحة، فإنها مشروعة بفعله
ﷺ وقوله، وهي سبب تساقط ذنوب المتصافحين كما روي في غير ما
حديث واحد، فلا يجوز إلغاؤها من أجل أمر، أحسن أحواله أنه جائز.
١٦١ - " إذهب فوار أباك (الخطاب لعلي بن أبي طالب) قال (لا أواريه) ، (إنه مات
مشركا) ، (فقال: اذهب فواره) ثم لا تحدثن حتى تأتيني، فذهبت فواريته،
وجئته (وعلي أثر التراب والغبار) فأمرني فاغتسلت، ودعا لي (بدعوات ما
يسرني أن لي بهن ما على الأرض من شيء) ".
أبو داود (٣١٢٤) والنسائي (١ / ٢٨٢ - ٢٨٣) وابن سعد في " الطبقات "
(١ / ١٢٣) وابن أبي شيبة في " المصنف " (٤ / ٩٥ و ١٤٢ - طبع الهند) وابن
الجارود في " المنتقى " (ص ٢٦٩) والطيالسي (١٢٠) والبيهقي (٣ / ٣٩٨)
стр. 303
وأحمد (١ / ٩٧ و ١٣١) وأبو محمد الخلدي في جزء من " فوائده " (ق ٤٧ / ١)
من طرق عن أبي إسحاق عن ناجية بن كعب عن علي قال:
" قلت للنبي ﷺ : إن عمك الشيخ الضال قد مات " فمن يواريه؟ "
قال: " فذكره.
قلت: وهذا سند صحيح رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير ناجية ابن كعب وهو ثقة
كما في " التقريب "، وقد قواه الرافعي وتبعه الحافظ في " التلخيص " كما
بينته في " إرواء الغليل " (٧٠٧) .
وله في مسند أحمد (١ / ١٠٣) و " زوائد ابنه عليه " (١ / ١٢٩ - ١٣٠) طريق
أخرى عن الحسن بن يزيد الأصم قال: سمعت السدي إسماعيل يذكره عن أبي عبد الرحمن
السلمي عن علي به، وزاد في آخره:
" قال: وكان علي ﵁ إذا غسل الميت اغتسل ".
قلت: وهذا سند حسن، رجاله رجال مسلم غير الحسن هذا وهو صدوق يهم كما في
" التقريب ".
من فوائد الحديث
١ - أنه يشرع للمسلم أن يتولى دفن قريبه المشرك وأن ذلك لا ينافي بغضه إياه
لشركه، ألا ترى أن عليا ﵁ امتنع أول الأمر من مواراة أبيه معللا
ذلك بقوله: " إنه مات مشركا " ظنا منه أن دفنه مع هذه الحالة قد يدخله في
التولي الممنوع في مثل قوله تعالى: " لا تتولوا قوما غضب الله عليهم " فلما
أعاد ﷺ الأمر بمواراته بادر لامتثاله، وترك ما بدا له أول
الأمر. وكذلك تكون الطاعة: أن يترك المرء رأيه لأمر نبيه ﷺ
ويبدو لي أن دفن الولد لأبيه المشرك أو أمه هو آخر ما يملكه الولد من حسن
стр. 304
صحبة
الوالد المشرك في الدنيا، وأما بعد الدفن فليس له أن يدعو له أو يستغفر له
لصريح قوله تعالى (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو
كانوا أولي قربى) ، وإذا كان الأمر كذلك، فما حال من يدعو بالرحمة والمغفرة
على صفحات الجرائد والمجلات لبعض الكفار في إعلانات الوفيات من أجل دريهمات
معدودات! فليتق الله من كان يهمه أمر آخرته.
٢ - أنه لا يشرع له غسل الكافر ولا تكفينه ولا الصلاة عليه ولو كان قريبه
لأن النبي ﷺ لم يأمر بذلك عليا، ولو كان ذلك جائزا لبينه
ﷺ ، لما تقرر أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. وهذا
مذهب الحنابلة وغيرهم.
٣ - أنه لا يشرع لأقارب المشرك أن يتبعوا جنازته لأن النبي ﷺ
لم يفعل ذلك مع عمه وقد كان أبر الناس به وأشفقهم عليه حتى إنه دعى الله له
حتى جعل عذابه أخف عذاب في النار، كما سبق بيانه في الحديث (رقم ٥٣) ، وفي
ذلك كله عبرة لمن يغترون بأنسابهم، ولا يعملون لآخرتهم عند ربهم، وصدق الله
العظيم إذ يقول: (فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون) .
١٦٢ - " لا يا بنت الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون وهم يخافون أن
لا يقبل منهم أولئك الذين يسارعون في الخيرات ".
أخرجه الترمذي (٢ / ٢٠١) وابن جرير (١٨ / ٢٦) والحاكم (٢ / ٣٩٣ - ٣٩٤)
والبغوي في تفسيره (٦ / ٢٥) وأحمد (٦ / ١٥٩ و ٢٠٥) من طريق مالك بن مغول
عن عبد الرحمن بن سعيد بن وهب الهمداني عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه
وسلم
стр. 305
قالت:
" سألت رسول الله ﷺ " عن هذه الآية (والذين يؤتون ما آتوا
وقلوبهم وجلة) . قالت عائشة: هم الذين يشربون الخمر ويسرفون؟ قال " فذكره.
وقال الترمذي:
" وقد روي هذا الحديث عن عبد الرحمن بن سعيد عن أبي حازم عن أبي هريرة عن
النبي ﷺ نحو هذا ".
قلت: وإسناد حديث عائشة رجاله كلهم ثقات، ولذلك قال الحاكم: " صحيح
الإسناد " ووافقه الذهبي.
قلت: وفيه علة، وهي الانقطاع بين عبد الرحمن وعائشة فإنه لم يدركها كما في
" التهذيب "، لكن يقويه حديث أبي هريرة الذي أشار إليه الترمذي فإنه موصول
وقد وصله ابن جرير: حدثنا ابن حميد قال: حدثنا الحكم بن بشير قال: حدثنا
عمر بن قيس عن عبد الرحمن بن سعيد بن وهب الهمداني عن أبي حازم عن أبي هريرة
قال: قالت عائشة: الحديث نحوه.
وهذا سند رجاله ثقات غير ابن حميد، وهو محمد بن حميد بن حيان الرازي وهو
ضعيف مع حفظه، لكن لعله توبع، فقد أخرج الحديث ابن أبي الدنيا وابن الأنباري
في المصاحف وابن مردويه كما في " الدر المنثور " (٥ / ١١) وابن أبي الدنيا
من طبقة شيوخ ابن جرير، فاستبعد أن يكون رواه عن شيخه هذا. والله أعلم.
стр. 306
قلت: والسر في خوف المؤمنين أن لا تقبل منهم عبادتهم، ليس هو خشيتهم أن لا
يوفيهم الله أجورهم، فإن هذا خلاف وعد الله إياهم في مثل قوله تعالى (فأما
الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فيوفيهم أجورهم) ، بل إنه ليزيدهم عليها كما
قال (ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله) ، والله تعالى (لا يخلف وعده) كما
قال في كتابه، وإنما السر أن القبول متعلق بالقيام بالعبادة كما أمر الله
، وهم لا يستطيعون الجزم بأنهم قاموا بها على مراد الله، بل يظنون
أنهم قصروا في ذلك، ولهذا فهم يخافون أن لا تقبل منهم. فليتأمل المؤمن هذا
عسى أن يزداد حرصا على إحسان العبادة والإتيان بها كما أمر الله، وذلك
بالإخلاص فيها له، واتباع نبيه ﷺ في هديه فيها. وذلك معنى
قوله تعالى (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا، ولا يشرك بعبادة ربه
أحدا) .
١٦٣ - " كان رسول الله ﷺ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال، أو ثلاثة
فراسخ (شك شعبة) قصر الصلاة. (وفي رواية) : صلى ركعتين ".
أخرجه الإمام أحمد (٣ / ١٢٩) والبيهقي ٣ / ١٤٦ والسياق له عن محمد بن جعفر
حدثنا شعبة عن يحيي بن
стр. 307
يزيد الهنائي قال:
" سألت أنس بن مالك عن قصر الصلاة، وكنت أخرج إلى الكوفة فأصلي ركعتين حتى
أرجع؟ فقال أنس ... " فذكره.
قلت: وهذا سند جيد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير الهنائي فمن رجال مسلم
وحده، وقد روى عنه جماعة من الثقات، وقال ابن أبي حاتم (٤ / ٢ / ١٩٨) عن
أبيه: " هو شيخ " وذكره ابن حبان في " الثقات " (١ / ٢٥٧) وسمى جده مرة،
وقال:
" ومن قال: يزيد بن يحيى أو ابن أبي يحيى فقد وهم ".
والحديث أخرجه مسلم (٢ / ١٤٥) وأبو داود (١٢٠١) وابن أبي شيبة
(٢ / ١٠٨ / ١ / ٢) وعنه أبو يعلى في " مسنده " (ق ٩٩ / ٢) من طرق عن محمد
بن جعفر به دون قول الهنائي: " وكنت أخرج إلى الكوفة ... حتى أرجع ". وهي
زيادة صحيحة ومن أجلها أوردت الحديث. وكذلك أخرجه أبو عوانة (٢ / ٣٤٦) من
طريق أبي داود (وهو الطيالسي) قال: حدثنا شعبة به. ولم يروه الطيالسي في
" مسنده ".
(الفرسخ) ثلاثة أميال، والميل من الأرض منتهى مد البصر لأن البصر يميل عنه
على وجه الأرض حتى يفنى إدراكه، وبذلك جزم الجوهري، وقيل: حده أن ينظر إلى
الشخص في أرض مسطحة فلا يدري أهو رجل أو امرأة، وهو ذاهب أو آت، كما في
" الفتح " (٢ / ٤٦٧) وهو في تقدير بعض علماء العصر الحاضر يساوي ١٦٨٠ مترا.
فقه الحديث
يدل هذا الحديث على أن المسافر إذا سافر مسافة ثلاثة فراسخ (والفرسخ نحو
стр. 308
ثمان
كيلو مترات) جاز له القصر، وقد قال الخطابي في " معالم السنن " (٢ / ٤٩) :
" إن ثبت الحديث كانت الثلاثة الفراسخ حدا فيما يقصر إليه الصلاة، إلا أني لا
أعرف أحدا من الفقهاء يقول به ".
وفي هذا الكلام نظر من وجوه:
الأول: أن الحديث ثابت كما تقدم، وحسبك أن مسلما أخرجه ولم يضعفه غيره.
الثاني: أنه لا يضر الحديث ولا يمنع العمل به عدم العلم بمن قال به من
الفقهاء، لأن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود.
الثالث: أنه قد قال به راويه أنس بن مالك ﵁ وأفتى به يحيى بن يزيد
الهنائي راويه عنه كما تقدم، بل ثبت عن بعض الصحابة القصر في أقل من هذه
المسافة، فروى ابن أبي شيبة (٢ / ١٠٨ / ١) عن محمد بن زيد بن خليدة عن
ابن عمر قال:
" تقصر الصلاة في مسيرة ثلاثة أميال ".
وإسناده صحيح كما بينته في " إرواء الغليل " (رقم ٥٦١) .
ثم روى من طريق أخرى عنه أنه قال:
" إني لأسافر الساعة من النهار وأقصر ".
وإسناده صحيح، وصححه الحافظ في " الفتح " (٢ / ٤٦٧) .
ثم روى عنه (٢ / ١١١ / ١) عنه:
" أنه كان يقيم بمكة، فإذا خرج إلى منى قصر ".
وإسناده صحيح أيضا. ويؤيده أن أهل مكة لما خرجوا مع النبي صلى الله عليه
وسلم إلى منى في حجة الوداع قصروا
стр. 309
أيضا كما هو معروف مشهور في كتب الحديث
والسيرة وبين مكة ومنى فرسخ كما في " معجم البلدان ".
وقال جبلة بن سحيم سمعت ابن عمر يقول:
" لو خرجت ميلا قصرت الصلاة ".
ذكره الحافظ وصححه.
ولا ينافي هذا ما في الموطأ وغيره بأسانيد صحيحة عن ابن عمر أنه كان يقصر في
مسافة أكثر مما تقدم، لأن ذلك فعل منه، لا ينفي القصر في أقل منها لو سافر
إليها، فهذه النصوص التي ذكرناها صريحة في جواز القصر في أقل منها، فلا يجوز
ردها، مع دلالة الحديث على الأقل منها. وقد قال الحافظ في " الفتح "
(٢ / ٤٦٧ - ٤٦٨) :
" وهو أصح حديث ورد في بيان ذلك وأصرحه، وقد حمله من خالفه على أن المراد
به المسافة التي يبتدأ منها القصر، لا غاية السفر! ولا يخفى بعد هذا الحمل،
مع أن البيهقي ذكره في روايته من هذا الوجه أن يحيى بن يزيد قال: سألت أنسا عن
قصر الصلاة، وكنت أخرج إلى الكوفة يعني من البصرة أصلى ركعتين ركعتين حتى
أرجع فقال أنس: فذكر الحديث، فظهر أنه سأله عن جواز القصر في السفر لا عن
الموضع الذي يبتدئ القصر منه، ثم إن الصحيح في ذلك أنه لا يتقيد بمسافة بل
بمجاوزة البلد الذي يخرج منها. ورده القرطبي بأنه مشكوك فيه فلا يحتج به.
فإن كان المراد به أنه لا يحتج به في التحديد بثلاثة أميال فمسلم، لكن لا
يمتنع أن يحتج به في التحديد بثلاثة فراسخ، فإن الثلاثة أميال مندرجة فيها
فيؤخذ بالأكثر احتياطا. وقد روى ابن أبي شيبة عن حاتم بن إسماعيل عن
عبد الرحمن بن حرملة قال: قلت لسعيد ابن المسيب: أأقصر الصلاة وأفطر في بريد
من المدينة؟ قال: نعم. والله أعلم ".
قلت: وإسناد هذا الأثر عند بن أبي شيبة (٢ / ١٥ / ١) صحيح.
стр. 310
وروي عن اللجلاج قال:
" كنا نسافر مع عمر ﵁ ثلاثة أميال فنتجوز في الصلاة ونفطر ".
وإسناده محتمل للتحسين رجاله كلهم ثقات غير أبي الورد بن ثمامة روى عنه ثلاثة
وقال ابن سعد: " كان معروفا قليل الحديث ".
وقد دلت هذه الآثار على جواز القصر في أقل من المسافة التي دل عليها الحديث،
وذلك من فقه الصحابة ﵃، فإن السفر مطلق في الكتاب والسنة، لم
يقيد بمسافة محدودة كقوله تعالى (وإذا ضربتم في الأرض فلا جناح عليكم أن
تقصروا من الصلاة) الآية.
وحينئذ فلا تعارض بين الحديث وهذه الآثار، لأنه لم ينف جواز القصر في أقل من
المسافة المذكورة فيه، ولذلك قال العلامة ابن القيم في " زاد المعاد في هدي
خير العباد " (١ / ١٨٩) :
" ولم يحد ﷺ لأمته مسافة محدودة للقصر والفطر، بل أطلق لهم
ذلك في مطلق السفر والضرب في الأرض، كما أطلق لهم التيمم في كل سفر، وأما
ما يروى عنه من التحديد باليوم أو اليومين أو الثلاثة، فلم يصح عنه منها شيء
البتة، والله أعلم ".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:
" كل اسم ليس له حد في اللغة ولا في الشرع فالمرجع فيه إلى العرف فما كان سفرا
في عرف الناس، فهو السفر الذي علق به الشارع الحكم ".
وقد اختلف العلماء في المسافة التي تقصر فيها الصلاة اختلافا كثيرا جدا، على
نحو عشرين قولا، وما ذكرناه عن ابن تيمية وابن القيم أقربها إلى الصواب،
وأليق بيسر الإسلام، فإن تكليف الناس بالقصر في سفر محدود بيوم أو بثلاثة
أيام وغيرها من
стр. 311
التحديدات، يستلزم تكليفهم بمعرفة مسافات الطرق التي قد
يطرقونها، وهذا مما لا يستطيع أكثر الناس، لاسيما إذا كانت مما لم تطرق
من قبل!
وفي الحديث فائدة أخرى، وهي أن القصر مبدؤه من بعد الخروج من البلدة وهو
مذهب الجمهور من العلماء، كما في " نيل الأوطار " (٣ / ٨٣) ، قال:
" وذهب بعض الكوفيين إلى أنه إذا أراد السفر يصلي ركعتين ولو كان في منزله.
ومنهم من قال: إذا ركب قصر إن شاء. ورجح ابن المنذر الأول بأنهم اتفقوا على
أنه يقصر إذا فارق البيوت، واختلفوا فيما قبل ذلك، فعليه الإتمام على أصل ما
كان عليه حتى يثبت أن له القصر. قال: ولا أعلم النبي ﷺ قصر
في سفر من أسفاره إلا بعد خروجه من المدينة ".
قلت: والأحاديث في هذا المعني كثيرة، وقد خرجت طائفة منها في " الإرواء "
من حديث أنس وأبي هريرة وابن عباس وغيرهم فانظر رقم (٥٦٢) .
١٦٤ - " كان ﷺ في غزو تبوك إذا ارتحل قبل زيغ الشمس أخر الظهر إلى
أن يجمعها إلى العصر فيصليهما جميعا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس عجل العصر إلى
الظهر، وصلى الظهر والعصر جميعا، ثم سار وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخر
المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء فصلاها مع
المغرب ".
أخرجه أبو داود (١٢٢٠) والترمذي (٢ / ٤٣٨) والدارقطني (١٥١) والبيهقي
(٣ / ١٦٣) وأحمد (٥ / ٢٤١ - ٢٤٢) كلهم من طريق قتيبة بن سعيد
стр. 312
حدثنا الليث
بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل عامر بن واثلة عن معاذ بن جبل
مرفوعا. وقال أبو داود:
" لم يرو هذا الحديث إلا قتيبة وحده ".
قلت: وهو ثقة ثبت فلا يضر تفرده لو صح، ولذلك قال الترمذي:
" حديث حسن غريب تفرد به قتيبة، لا نعرف أحدا رواه عن الليث غيره ".
وقال في مكان آخر: " حديث حسن صحيح ".
قلت: وهذا هو الصواب. فإن رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين وقد صححه ابن القيم
وغيره، وأعله الحاكم وغيره بما لا يقدح كما بينته في " إرواء الغليل "
(٥٧١) ، وذكرت هناك متابعا لقتيبة وشواهد لحديثه يقطع الواقف عليها بصحته.
ورواه مالك (١ / ١٤٣ / ٢) من طريق أخرى عن أبي الطفيل به بلفظ:
" أنهم خرجوا مع رسول الله ﷺ عام تبوك، فكان رسول الله
ﷺ يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، قال: فأخر
الصلاة يوما، ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعا، ثم دخل، ثم خرج فصلى المغرب
والعشاء جميعا ".
ومن طريق مالك أخرجه مسلم (٧ / ٦٠) وأبو داود (١٢٠٦) والنسائي
(١ / ٩٨) والدارمي (١ / ٣٥٦) والطحاوي (١ / ٩٥) والبيهقي (٣ / ١٦٢)
وأحمد (٥ / ٢٣٧) ، وفي رواية لمسلم (٢ / ١٥٢) وغيره من طريق أخرى:
" فقلت: ما حمله على ذلك؟ قال: أراد ألا يحرج أمته ".
فقه الحديث
فيه مسائل:
١ - جواز الجمع بين الصلاتين في السفر ولو في غير عرفة ومزدلفة، وهو
стр. 313
مذهب
جمهور العلماء. خلافا للحنفية، وقد تأولوه بالجمع الصوري أي بتأخير الظهر
إلى قرب وقت العصر، وكذا المغرب مع العشاء، وقد رد عليهم الجمهور من وجوه:
أولا: أنه خلاف الظاهر من الجمع.
ثانيا: أن الغرض من مشروعيته التيسير ورفع الحرج كما صرحت بذلك رواية مسلم،
ومراعاة الجمع الصوري فيه الحرج كما لا يخفى.
ثالثا: أن في بعض أحاديث الجمع ما يبطل دعواهم كحديث أنس ابن مالك بلفظ:
" أخر الظهر حتى يدخل أول وقت العصر ثم يجمع بينهما ". رواه مسلم (٢ / ١٥١)
وغيره.
رابعا: ويبطله أيضا جمع التقديم الذي صرح به حديث معاذ هذا " وإذا ارتحل بعد
زيغ الشمس عجل العصر إلى الظهر ". والأحاديث بهذا المعنى كثيرة كما سبقت
الإشارة إلى ذلك.
٢ - وأن الجمع كما يجوز تأخيرا، يجوز تقديما، وبه قال الإمام الشافعي في
" الأم " (١ / ٦٧) وكذا أحمد وإسحاق كما قال الترمذي (٢ / ٤٤١) .
٣ - وأنه يجوز الجمع في حال نزوله كما يجوز إذا جد به السير، قال الإمام
الشافعي في " الأم " بعد أن روى الحديث من طريق مالك:
" وهذا وهو نازل غير سائر، لأن قوله " دخل " ثم خرج " لا يكون إلا وهو نازل
فللمسافر أن يجمع نازلا وسائرا ".
قلت: فلا يلتفت بعد هذا النص إلى قول ابن القيم ﵀ في " الزاد "
(١ / ١٨٩) :
" ولم يكن من هديه ﷺ الجمع راكبا في سفره كما يفعله كثير من
الناس، ولا الجمع حال نزوله أيضا ".
стр. 314
وقد اغتر بكلامه هذا بعض إخواننا السلفيين في بعض الأقطار، فلذلك وجب التنبيه
عليه.
ومن الغريب أن يخفى مثل هذا النص على ابن القيم ﵀ مع وروده في الموطأ
وصحيح مسلم وغيرهما من الأصول التي ذكرنا، ولكن لعل الغرابة تزول إذا
تذكرنا أنه ألف هذا الكتاب " الزاد " في حالة بعده عن الكتب وهو مسافر، وهذا
هو السبب في وجود كثير من الأخطاء الأخرى فيه، وقد بينت ما ظهر لي منها في
" التعليقات الجياد على زاد المعاد ".
ومما يحمل على الاستغراب أيضا أن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ صرح
في بعض كتبه بخلاف ما قال ابن القيم ﵀، فكيف خفي عليه ذلك وهو أعرف
الناس به وبأقواله؟ قال شيخ الإسلام في " مجموعة الرسائل والمسائل "
(٢ / ٢٦ - ٢٧) بعد أن ساق الحديث:
" الجمع على ثلاث درجات، أما إذا كان سائرا في وقت الأولى، فإنما ينزل في وقت
الثانية، فهذا هو الجمع الذي ثبت في الصحيحين من حديث أنس وابن عمر، وهو
نظير جمع مزدلفة، وأما إذا كان وقت الثانية سائرا أو راكبا فجمع في وقت
الأولى، فهذا نظير الجمع بعرفة وقد روي ذلك في السنن (يعني حديث معاذ هذا)
وأما إذا كان نازلا في وقتهما جميعا نزولا مستمرا، فهذا ما علمت روي ما يستدل
به عليه إلا حديث معاذ هذا، فإن ظاهره أنه كان نازلا في خيمته في السفر،
وأنه أخر الظهر ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعا ثم دخل إلى بيته، ثم خرج
فصلى المغرب والعشاء جميعا، فإن الدخول والخروج إنما يكون في المنزل، وأما
السائر فلا يقال: دخل وخرج، بل نزل وركب.
وتبوك هي آخر غزوات النبي ﷺ ، ولم يسافر بعدها إلا حجة
الوداع، وما نقل
стр. 315
أنه جمع فيها إلا بعرفة ومزدلفة. وأما بمنى فلم ينقل أحد
أنه جمع هناك، بل نقلوا أنه كان يقصر الصلاة هناك، وهذا دليل على أنه كان
يجمع أحيانا في السفر، وأحيانا لا يجمع، وهو الأغلب على أسفاره أنه لم يكن
يجمع بينهما. وهذا يبين أن الجمع ليس من سنة السفر كالقصر، بل يفعل للحاجة
سواء أكان في السفر أو في الحضر، فإنه قد جمع أيضا في الحضر لئلا يحرج أمته.
فالمسافر إذا احتاج إلى الجمع جمع، سواء أكان ذلك لسيره وقت الثانية أو الأولى
وشق النزول عليه، أو كان مع نزوله لحاجة أخرى مثل أن يحتاج إلى النوم
والاستراحة وقت الظهر ووقت العشاء، فينزل وقت الظهر وهو تعبان سهران جائع
يحتاج إلى راحة وأكل ونوم، فيؤخر الظهر إلى وقت العصر ثم يحتاج أن يقدم
العشاء مع المغرب وينام بعد ذلك ليستيقظ نصف الليل لسفره، فهذا ونحوه يباح
له الجمع. وأما النازل أياما في قرية أو مصر وهو في ذلك المصر، فهذا وإن
كان يقصر لأنه مسافر فلا يجمع، كما أنه لا يصلي على الراحلة ولا يصلي بالتيمم
ولا يأكل الميتة. فهذه الأمور أبيحت للحاجة، ولا حاجة به إلى ذلك بخلاف
القصر فإنه سنة صلاة السفر ".
١٦٥ - " الوزن وزن أهل مكة، والمكيال مكيال أهل المدينة ".
رواه ابن الأعرابي في " معجمه " (١٦٧ / ٢) وأبو داود (٢٣٤٠) والنسائي
(٧ / ٢٨١ المطبعة المصرية) وابن حبان (١١٠٥) والطبراني (٣ / ٢٠٢ / ١)
والطحاوي في " مشكل الآثار " (٢ / ٩٩) وأبو نعيم في " الحلية " (٤ / ٢٠)
стр. 316
والبيهقي (٦ / ٣١) من طريقين عن سفيان عن حنظلة عن طاووس عن ابن عمر
مرفوعا.
قلت: وهذا سند صحيح كما قال ابن الملقن في " الخلاصة " (٦٤ - ٦٥)
وصححه ابن حبان والدارقطني والنووي وابن دقيق العيد والعلائي كما
في " فيض القدير " ورواه بعضهم عن سفيان به فقال " عن ابن عباس " بدل
" ابن عمر " وهو خطأ كما بينته في تخريج أحاديث بيوع الموسوعة الفقهية،
ثم في " الإرواء " (١٣٣١) .
قال الإمام أبو جعفر الطحاوي ﵀:
" تأملنا هذا الحديث، فوجدنا مكة لم يكن بها ثمرة ولا زرع حينئذ، وكذلك
كانت قبل ذلك الزمان، ألا ترى إلى قول إبراهيم ﵇: (ربنا إني أسكنت
من ذريتي بواد غير ذي زرع) ، وإنما كانت بلد متجر، يوافي الحاج إليها
بتجارات فيبيعونها هناك، وكانت المدينة بخلاف ذلك، لأنها دار النخل، ومن
ثمارها حياتهم، وكانت الصدقات تدخلها فيكون الواجب فيها من صدقة تؤخذ كيلا،
فجعل النبي ﷺ الأمصار كلها لهذين المصريين أتباعا، وكان
الناس يحتاجون إلى الوزن في أثمان ما يبتاعون، وفيما سواها مما يتصرفون فيه
من العروض ومن أداء الزكوات وما سوى ذلك مما يستعملونه، فيما يسلمونه فيه من
غيره من الأشياء التي يكيلونها، وكانت السنة قد منعت من إسلام موزون في موزون
ومن إسلام مكيل في مكيل، وأجازت إسلام المكيل في موزون، والموزون في مكيل
ومنعت من بيع الموزون بالموزون، إلا مثلا بمثل، ومن بيع المكيل بالمكيل إلا
مثلا بمثل، وكان الوزن في ذلك أصله ما كان عليه بمكة، والمكيال مكيال أهل
المدينة، لا يتغير عن ذلك، وإن غيره الناس عما كان عليه إلى ما سواه من ضده
فيرحبون بذلك إلى معرفة الأشياء المكيلات التي لها حكم المكيال إلى ما كان عليه
أهل المكاييل فيها يومئذ، وفي الأشياء الموزونات
стр. 317
إلى ما كان عليه أهل الميزان
يومئذ، وأن أحكامها لا تتغير عن ذلك ولا تنقلب عنها إلى أضدادها ".
قلت: ومن ذلك يتبين لنا أن النبي ﷺ هو أول من وضع أصل توحيد
الموازين والمكاييل، ووجه المسلمين إلى الرجوع في ذلك إلى أهل هذين البلدين
المفضلين: مكة المكرمة والمدينة المنورة. فليتأمل العاقل هذا ولينظر حال
المسلمين اليوم واختلافهم في مكاييلهم وموازينهم، على أنواع شتى بسبب هجرهم
لهذا التوجيه النبوي الكريم. ولما شعر بعض المسؤولين في بعض الدول العربية
المسلمة بسوء هذا الاختلاف اقترح البعض عليهم توحيد ذلك وغيره كالمقاييس،
بالرجوع إلى عرف الكفار فيها! فوا أسفاه، لقد كنا سادة وقادة لغيرنا بعلمنا
وتمسكنا بشريعتنا، وإذا بنا اليوم أتباع ومقلدون! ولمن! لمن كانوا في
الأمس القريب يقلدوننا، ويأخذون العلوم عنا! ولكن لابد لهذا الليل من أن
ينجلي، ولابد للشمس أن تشرق مرة أخرى، وها قد لاحت تباشير الصبح، وأخذت
الدول الإسلامية تعتمد على نفسها في كل شؤون حياتها، بعد أن كانت فيها عالة
على غيرها، ولعلها تسير في ذلك على هدي كتاب ربها وسنة نبيها.
ولله في خلقه شؤون.
١٦٦ - " هي لك على أن تحسن صحبتها ".
رواه الطبراني (١ / ١٧٦ / ١) : حدثنا أحمد بن عمرو البزار أنبأنا زيد ابن
أخزم أنبأنا عبد الله بن داود عن موسى بن قيس عن حجر بن قيس - وكان قد أدرك
الجاهلية - قال:: خطب علي ﵁ إلى رسول الله ﷺ
فاطمة ﵂ فقال: فذكره.
стр. 318
قلت: وهذا سند صحيح رجاله كلهم ثقات وعبد الله بن داود هو أبو عبد الرحمن
الخريبي، والبزار هو الحافظ صاحب المسند المعروف به.
стр. 319
١٦٧ - " والذي نفسي بيده لا يضع الله رحمته إلا على رحيم، قالوا: كلنا يرحم،
قال: ليس برحمة أحدكم صاحبه، يرحم الناس كافة ".
رواه الحافظ العراقي في " المجلس ٨٦ من الأمالي " (٧٧ / ٢) من طريق محمد بن
إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن سنان بن سعد عن أنس بن مالك مرفوعا وقال:
" هذا حديث حسن غريب، وسنان بن سعد قيل فيه: سعد بن سنان وقيل سعيد بن سنان
وثقه ابن معين وابن حبان وقال: حدث عنه المصريون وهم يختلفون فيه، وأرجو
أن يكون الصحيح سنان بن سعد.
قال: وقد اعتبرت حديثه فرأيت ما روي عن سنان بن سعد يشبه أحاديث الثقات،
وما روي عن سعد بن سنان وسعيد بن سنان فيه المناكير، كأنهما اثنان، ولم
يكتب أحد حديثه لاضطرابهم في اسمه. وقال النسائي منكر الحديث. قلت: ولم
ينفرد به سنان بل تابعه عليه أخشن السدوسي عن أنس رويناه في " كتاب الأدب "
للبيهقي بلفظ: " لا يدخل الجنة منكم إلا رحيم، قالوا: يا رسول الله كلنا
رحيم، قال: ليس رحمة أحدكم نفسه وأهل بيته حتى يرحم الناس ". وأخشن هذا
ذكره ابن حبان في الثقات، وقد أورد الرافعي في أماليه من حديث ثوبان مرفوعا:
" إن أرفعكم درجة في الجنة أشدكم رحمة للعامة، فلم أستحسن إيراده في الإملاء
لأن فيه خمسة رجال على الولاء، ما بين ضعيف وكذاب ومجهول، فإنه من رواية
خالد بن
стр. 320
الهياج بن بسطام عن أبيه عن الحسن بن دينار عن الخصيب بن جحدر عن النضر
وهو ابن شفي عن أبي أسماء عن ثوبان.
والحسن بن دينار والخصيب متهمان بالكذب، فذكرت بدله حديث أنس المتقدم ".
قلت: وقد وجدت له شاهدا مرسلا جيدا أخرجه ابن المبارك في " الزهد "
(٢٠٣ / ١) أنبأنا إسماعيل بن إبراهيم حدثنا يونس عن الحسن مرفوعا به.
١٦٨ - " لا يمنعن رجلا هيبة الناس أن يقول بحق إذا علمه (أو شهده أو سمعه) ".
أخرجه الترمذي (٢ / ٣٠) وابن ماجه (٤٠٠٧) والحاكم (٤ / ٥٠٦) والطيالسي
(٢١٥٦) وأحمد (٣ / ١٩، ٥٠، ٦١) وأبو يعلى (ق ٧٢ / ١) والقضاعي في
" مسند الشهاب " (ق ٧٩ / ٢) من طريق علي بن زيد ابن جدعان القرشي عن أبي نضرة
عن أبي سعيد الخدري مرفوعا به.
وقال الترمذي: " حديث حسن صحيح ".
وقال الحاكم: " علي بن زيد لم يحتج به الشيخان ".
قال الذهبي: " قلت: هو صالح الحديث ".
وأقول: الصواب فيه أن العلماء اختلفوا، والأرجح أنه ضعيف، وبه جزم الحافظ
في " التقريب "، ولكنه ضعف بسبب سوء الحفظ، لا لتهمه في نفسه، فمثله يحسن
حديثه أو يصحح إذا توبع. وهذا الحديث لم يتفرد به عن أبي نضرة، بل قد تابعه
عليه جماعة:
следующие страницы →