← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 9442

سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها

ناصر الدين الألباني

Полный текст (6 550 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

والبيهقي (٦ / ٣١) من طريقين عن سفيان عن حنظلة عن طاووس عن ابن عمر مرفوعا. قلت: وهذا سند صحيح كما قال ابن الملقن في " الخلاصة " (٦٤ - ٦٥) وصححه ابن حبان والدارقطني والنووي وابن دقيق العيد والعلائي كما في " فيض القدير " ورواه بعضهم عن سفيان به فقال " عن ابن عباس " بدل " ابن عمر " وهو خطأ كما بينته في تخريج أحاديث بيوع الموسوعة الفقهية، ثم في " الإرواء " (١٣٣١) . قال الإمام أبو جعفر الطحاوي ﵀: " تأملنا هذا الحديث، فوجدنا مكة لم يكن بها ثمرة ولا زرع حينئذ، وكذلك كانت قبل ذلك الزمان، ألا ترى إلى قول إبراهيم ﵇: (ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع) ، وإنما كانت بلد متجر، يوافي الحاج إليها بتجارات فيبيعونها هناك، وكانت المدينة بخلاف ذلك، لأنها دار النخل، ومن ثمارها حياتهم، وكانت الصدقات تدخلها فيكون الواجب فيها من صدقة تؤخذ كيلا، فجعل النبي ﷺ الأمصار كلها لهذين المصريين أتباعا، وكان الناس يحتاجون إلى الوزن في أثمان ما يبتاعون، وفيما سواها مما يتصرفون فيه من العروض ومن أداء الزكوات وما سوى ذلك مما يستعملونه، فيما يسلمونه فيه من غيره من الأشياء التي يكيلونها، وكانت السنة قد منعت من إسلام موزون في موزون ومن إسلام مكيل في مكيل، وأجازت إسلام المكيل في موزون، والموزون في مكيل ومنعت من بيع الموزون بالموزون، إلا مثلا بمثل، ومن بيع المكيل بالمكيل إلا مثلا بمثل، وكان الوزن في ذلك أصله ما كان عليه بمكة، والمكيال مكيال أهل المدينة، لا يتغير عن ذلك، وإن غيره الناس عما كان عليه إلى ما سواه من ضده فيرحبون بذلك إلى معرفة الأشياء المكيلات التي لها حكم المكيال إلى ما كان عليه أهل المكاييل فيها يومئذ، وفي الأشياء الموزونات

стр. 317

إلى ما كان عليه أهل الميزان يومئذ، وأن أحكامها لا تتغير عن ذلك ولا تنقلب عنها إلى أضدادها ". قلت: ومن ذلك يتبين لنا أن النبي ﷺ هو أول من وضع أصل توحيد الموازين والمكاييل، ووجه المسلمين إلى الرجوع في ذلك إلى أهل هذين البلدين المفضلين: مكة المكرمة والمدينة المنورة. فليتأمل العاقل هذا ولينظر حال المسلمين اليوم واختلافهم في مكاييلهم وموازينهم، على أنواع شتى بسبب هجرهم لهذا التوجيه النبوي الكريم. ولما شعر بعض المسؤولين في بعض الدول العربية المسلمة بسوء هذا الاختلاف اقترح البعض عليهم توحيد ذلك وغيره كالمقاييس، بالرجوع إلى عرف الكفار فيها! فوا أسفاه، لقد كنا سادة وقادة لغيرنا بعلمنا وتمسكنا بشريعتنا، وإذا بنا اليوم أتباع ومقلدون! ولمن! لمن كانوا في الأمس القريب يقلدوننا، ويأخذون العلوم عنا! ولكن لابد لهذا الليل من أن ينجلي، ولابد للشمس أن تشرق مرة أخرى، وها قد لاحت تباشير الصبح، وأخذت الدول الإسلامية تعتمد على نفسها في كل شؤون حياتها، بعد أن كانت فيها عالة على غيرها، ولعلها تسير في ذلك على هدي كتاب ربها وسنة نبيها. ولله في خلقه شؤون. ١٦٦ - " هي لك على أن تحسن صحبتها ". رواه الطبراني (١ / ١٧٦ / ١) : حدثنا أحمد بن عمرو البزار أنبأنا زيد ابن أخزم أنبأنا عبد الله بن داود عن موسى بن قيس عن حجر بن قيس - وكان قد أدرك الجاهلية - قال:: خطب علي ﵁ إلى رسول الله ﷺ فاطمة ﵂ فقال: فذكره.

стр. 318

قلت: وهذا سند صحيح رجاله كلهم ثقات وعبد الله بن داود هو أبو عبد الرحمن الخريبي، والبزار هو الحافظ صاحب المسند المعروف به.

стр. 319

١٦٧ - " والذي نفسي بيده لا يضع الله رحمته إلا على رحيم، قالوا: كلنا يرحم، قال: ليس برحمة أحدكم صاحبه، يرحم الناس كافة ". رواه الحافظ العراقي في " المجلس ٨٦ من الأمالي " (٧٧ / ٢) من طريق محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن سنان بن سعد عن أنس بن مالك مرفوعا وقال: " هذا حديث حسن غريب، وسنان بن سعد قيل فيه: سعد بن سنان وقيل سعيد بن سنان وثقه ابن معين وابن حبان وقال: حدث عنه المصريون وهم يختلفون فيه، وأرجو أن يكون الصحيح سنان بن سعد. قال: وقد اعتبرت حديثه فرأيت ما روي عن سنان بن سعد يشبه أحاديث الثقات، وما روي عن سعد بن سنان وسعيد بن سنان فيه المناكير، كأنهما اثنان، ولم يكتب أحد حديثه لاضطرابهم في اسمه. وقال النسائي منكر الحديث. قلت: ولم ينفرد به سنان بل تابعه عليه أخشن السدوسي عن أنس رويناه في " كتاب الأدب " للبيهقي بلفظ: " لا يدخل الجنة منكم إلا رحيم، قالوا: يا رسول الله كلنا رحيم، قال: ليس رحمة أحدكم نفسه وأهل بيته حتى يرحم الناس ". وأخشن هذا ذكره ابن حبان في الثقات، وقد أورد الرافعي في أماليه من حديث ثوبان مرفوعا: " إن أرفعكم درجة في الجنة أشدكم رحمة للعامة، فلم أستحسن إيراده في الإملاء لأن فيه خمسة رجال على الولاء، ما بين ضعيف وكذاب ومجهول، فإنه من رواية خالد بن

стр. 320

الهياج بن بسطام عن أبيه عن الحسن بن دينار عن الخصيب بن جحدر عن النضر وهو ابن شفي عن أبي أسماء عن ثوبان. والحسن بن دينار والخصيب متهمان بالكذب، فذكرت بدله حديث أنس المتقدم ". قلت: وقد وجدت له شاهدا مرسلا جيدا أخرجه ابن المبارك في " الزهد " (٢٠٣ / ١) أنبأنا إسماعيل بن إبراهيم حدثنا يونس عن الحسن مرفوعا به. ١٦٨ - " لا يمنعن رجلا هيبة الناس أن يقول بحق إذا علمه (أو شهده أو سمعه) ". أخرجه الترمذي (٢ / ٣٠) وابن ماجه (٤٠٠٧) والحاكم (٤ / ٥٠٦) والطيالسي (٢١٥٦) وأحمد (٣ / ١٩، ٥٠، ٦١) وأبو يعلى (ق ٧٢ / ١) والقضاعي في " مسند الشهاب " (ق ٧٩ / ٢) من طريق علي بن زيد ابن جدعان القرشي عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري مرفوعا به. وقال الترمذي: " حديث حسن صحيح ". وقال الحاكم: " علي بن زيد لم يحتج به الشيخان ". قال الذهبي: " قلت: هو صالح الحديث ". وأقول: الصواب فيه أن العلماء اختلفوا، والأرجح أنه ضعيف، وبه جزم الحافظ في " التقريب "، ولكنه ضعف بسبب سوء الحفظ، لا لتهمه في نفسه، فمثله يحسن حديثه أو يصحح إذا توبع. وهذا الحديث لم يتفرد به عن أبي نضرة، بل قد تابعه عليه جماعة:

стр. 321

الأول: أبو سلمة أنه سمع أبا نضرة به. أخرجه أحمد (٣ / ٤٤) وابن عساكر (٧ / ٩١ / ٢) وسمى أبا سلمة سعيد بن زيد ولم أعرفه، والظاهر أن هذه التسمية وهم من بعض رواته، فإني لم أجد فيمن يكنى بأبي سلمة أحدا بهذا الاسم ولا في " الكنى " للدولابي، فالأقرب أنه عباد بن منصور الناجي البصري القاضي فإنه من هذه الطبقة، ومن الرواة عنه شعبة بن الحجاج، وهو الذي روى عنه هذا الحديث، فإذا صح هذا فالسند حسن بما قبله، فإن عبادا هذا فيه ضعف من قبل حفظه أيضا. الثاني: المستمر بن الريان الإيادي حدثنا أبو نضرة به. أخرجه الطيالسي (٢١٥٨) وأحمد (٣ / ٤٦ - ٤٧) ، وأبو يعلى في " مسنده " (٧٨ / ٢، ٨٣ / ١) . والمستمر هذا ثقة من رجال مسلم، وكذلك سائر الرواة، فهو سند صحيح على شرط مسلم. الثالث: التيمي حدثنا أبو نضرة به إلا أنه قال: " إذا رآه أو شهده أو سمعه. فقال أبو سعيد: وددت أني لم أكن سمعته، وقال أبو نضرة: وددت أني لم أكن سمعته ". أخرجه أحمد (٣ / ٥٣) : حدثنا يحيى عن التيمي به. قلت: وهذا سند صحيح أيضا على شرط مسلم، والتيمي اسمه سليمان بن طرخان وهو ثقة احتج به الشيخان. الرابع: قتادة: سمعت أبا نضرة به. وزاد: " فقال أبو سعيد الخدري: فما زال بنا البلاء حتى قصرنا، وإنا لنبلغ في الشر ". أخرجه الطيالسي (٢١٥١) حدثنا شعبة عن قتادة به، وأحمد (٣ / ٩٢) والبيهقي (١٠ / ٩٠) من طريقين آخرين عن شعبة وفي رواية عنده

стр. 322

(٣ / ٨٤) : حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن رجل عن أبي سعيد الخدري مرفوعا به، قال شعبة: فحدثت هذا الحديث قتادة فقال: ما هذا؟ عمرو بن مرة عن أبي البختري عن رجل عن أبي سعيد! حدثني أبو نضرة به إلا أنه قال: " إذا شهده أو علمه. قال أبو سعيد: فحملني على ذلك أني ركبت إلى معاوية فملأت أذنيه، ثم رجعت. قال شعبة: حدثني هذا الحديث أربعة نفر عن أبي نضرة: قتادة وأبو سلمة (و) الجريري ورجل آخر ". قلت: وهذا سند صحيح أيضا. وللحديث طريق أخرى يرويه المعلى بن زياد القردوسي عن الحسن عن أبي سعيد به بلفظ: " إذا رآه أو شهد، فإنه لا يقرب من أجل، ولا يباعد من رزق، أو يقول بحق، أو يذكر بعظيم ". أخرجه أحمد (٣ / ٥٠، ٨٧) وأبو يعلى (٨٨ / ١ - ٢) وصرح الحسن بالتحديث عنده، فهو صحيح الإسناد. ثم رواه أحمد (٣ / ٧١) من طريق على بن زيد عن الحسن عنه به. دون الزيادة. ورجال هذه الطريق ثقات لولا أن الحسن مدلس وقد عنعنه، ومع ذلك فلا بأس بها في الشواهد.

стр. 323

والحديث أورده السيوطي في " الجامع الكبير " من رواية أحمد وعبد بن حميد وأبي يعلى والطبراني في الكبير وابن حبان والبيهقي عن أبي سعيد، وابن النجار عن بن عباس، وأورده (١ / ٢٩٣ / ١) عن أبي يعلى عن أبي سعيد بالزيادة : " فإنه لا يقرب من أجل، ولا يبعد من رزق ". ففاته أنها في مسند أحمد كما ذكرنا، كما فاته كون الحديث في الترمذي وابن ماجه والمستدرك! وفي الحديث: النهي المؤكد عن كتمان الحق خوفا من الناس، أو طمعا في المعاش. فكل من كتمه مخافة إيذائهم إياه بنوع من أنواع الإيذاء كالضرب والشتم، وقطع الرزق، أو مخافة عدم احترامهم إياه، ونحو ذلك، فهو داخل في النهي ومخالف للنبي ﷺ ، وإذا كان هذا حال من يكتم الحق وهو يعلمه فكيف يكون حال من لا يكتفى بذلك بل يشهد بالباطل على المسلمين الأبرياء ويتهمهم في دينهم وعقيدتهم مسايرة منه للرعاع، أو مخافة أن يتهموه هو أيضا بالباطل إذا لم يسايرهم على ضلالهم واتهامهم؟ ! فاللهم ثبتنا على الحق، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك غير مفتونين. ١٦٩ - " كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء ". أخرجه أبو داود (٤٨٤١) وابن حبان (١٩٩٤) والبيهقي (٣ / ٢٠٩) وأحمد (٢ / ٣٠٢، ٣٤٣) والحربي في " غريب الحديث " (٥ / ٨٢ / ١) من طرق عن عبد الواحد بن زياد حدثنا عاصم بن كليب عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعا. ثم روى البيهقي عن أبي الفضل أحمد بن سلمة: سمعت مسلم بن الحجاج يقول: لم يرو هذا الحديث عن عاصم بن كليب إلا عبد الواحد ابن زياد، فقلت له:

стр. 324

حدثنا أبو هشام الرفاعي حدثنا ابن فضيل عن عاصم به. فقال مسلم: " إنما تكلم يحيى بن معين في أبي هشام بهذا الذي رواه عن ابن فضيل ". قال البيهقي: " عبد الواحد بن زياد من الثقات الذين يقبل منهم ما تفردوا به ". قلت: وهو ثقة، في حديثه عن الأعمش وحده مقال، وقد احتج به الشيخان، فليس هذا من روايته عن الأعمش فهو حجة، وبقية رجال الإسناد ثقات، فالسند صحيح. على أن متابعة أبي هشام الرفاعي - واسمه محمد بن يزيد بن محمد الكوفي - لا بأس بها. فإن أبا هشام، وإن ضعفه بعض الأئمة فليس من أجل تهمة فيه، وقد أخرجه عنه الترمذي (١ / ٢٠٦) وقال: " حديث حسن صحيح غريب ". (فائدة) : قال المناوي في " فيض القدير ": " وأراد بالتشهد هنا الشهادتين، من إطلاق الجزء على الكل، كما في التحيات. قال القاضي: أصل التشهد الإتيان بكلمة الشهادة، وسمي التشهد تشهدا لتضمنه إياهما، ثم اتسع فيه، فاستعمل في الثناء على الله تعالى والحمد له ". قلت: وأنا أظن أن المراد بالتشهد في هذا الحديث إنما هو خطبة الحاجة التي كان رسول الله ﷺ يعلمها أصحابه: " إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ". ودليلي على ذلك حديث جابر بلفظ: " كان رسول الله ﷺ يقوم فيخطب فيحمد الله ويثني عليه بما هو أهله ويقول:

стр. 325

من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، إن خير الحديث كتاب الله.... " الحديث. وفي رواية عنه بلفظ: " كان يقول في خطبته بعد التشهد: إن أحسن الحديث كتاب الله.. " الحديث رواه أحمد وغيره. فقد أشار في هذا اللفظ إلى أن ما في اللفظ الأول قبيل " إن خير الحديث ... " هو التشهد، وهو وإن لم يذكر فيه صراحة فقد أشار إليه بقوله فيه: " فيحمد الله ويثني عليه " وقد تبين في أحاديث أخرى في خطبة الحاجة أن الثناء عليه تعالى كان يتضمن الشهادتين، ولذلك قلنا: إن التشهد في هذا الحديث إشارة إلى التشهد المذكور في خطبة الحاجة، فهو يتفق مع اللفظ الثاني في حديث جابر في الإشارة إلى ذلك. وقد تكلمت عليه في " خطبة الحاجة " (ص ٣٢ طبع المكتب الإسلامي) ، فليراجعه من شاء. وقوله: " كاليد الجذماء " أي المقطوعة، والجذم سرعة القطع، يعني أن كل خطبة لم يؤت فيها بالحمد والثناء على الله فهي كاليد المقطوعة التي لا فائدة بها " مناوي. قلت: ولعل هذا هو السبب أو على الأقل من أسباب عدم حصول الفائدة من كثير من الدروس والمحاضرات التي تلقى على الطلاب أنها لا تفتتح بالتشهد المذكور، مع حرص النبي ﷺ البالغ على تعليمه أصحابه إياه، كما شرحته في الرسالة المشار إليها. فلعل هذا الحديث يذكر الخطباء بتدارك ما فاتهم من إهمالهم لهذه السنة التي طالما نبهنا عليها في مقدمة هذه السلسلة وغيرها. (تنبيه) : عزى السيوطي في " الجامع الصغير " الحديث إلى أبي داود فقط وزاد

стр. 326

عليه في " الكبير " العسكري والحلية والبيهقي في السنن، ففاته الترمذي وأحمد والحربي! ولم أره في فهرست " الحلية " للغماري والله أعلم. ١٧٠ - " إذا قلت للناس أنصتوا وهم يتكلمون، فقد ألغيت على نفسك ". رواه الإمام أحمد (٢ / ٣١٨) : حدثنا عبد الرزاق بن همام حدثنا معمر عن همام عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ .. قلت: فذكر أحاديث كثيرة هذا أحدها. وهذا سند صحيح على شرط الشيخين. وقد أخرجاه في الصحيحين من طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ: " إذا قلت لصحابك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت ". وكذلك أخرجه مسلم وغيره من طرق أخرى عن أبي هريرة كما بينته في " إرواء الغليل " (رقم ٦١٢) . والظاهر أن هذا حديث آخر يرويه همام - وهو ابن منبه أخو وهب - عن أبي هريرة، غير الذي رواه سعيد ومن أشرنا إليه عن أبي هريرة. والله أعلم. والحديث مما فات السيوطي في " الجامع الكبير "، فخذه فائدة عزيزة قد لا تجدها في مكان آخر. والله الموفق. (ألغيت) أي قلت اللغو وما لا يحسن من الكلام، قال الراغب الأصبهاني في " المفردات ":

стр. 327

" اللغو من الكلام ما لا يعتد به، وهو الذي يورد لا عن روية فكر، فيجري مجرى اللغا، وهو صوت العصافير، ونحوها من الطيور، قال أبو عبيدة: لغو ولغا، نحو عيب وعاب. وأنشدهم: عن اللغا ورفث الكلم، يقال: لغيت تلغى، نحو لقيت تلقى، وقد يسمى كل كلام قبيح لغوا ". قلت: وفي الحديث التحذير من الإخلال بأدب رفيع من آداب الحديث والمجالسة، وهو أن لا يقطع على الناس كلامهم، بل ينصت هو حتى ينتهي كلامهم، وإن كان كبير القوم، ثم يتكلم هو بدوره إن شاء، فذلك أدعى إلى حصول الفائدة من الكلام المتبادل بين الطرفين، لاسيما إذا كان في بحث علمي شرعي، وقد أخل - مع الأسف - بهذا الأدب أكثر المتباحثين، فإليه نلفت أنظارهم، أدبنا الله تعالى جميعا بأدب نبيه ﷺ . ١٧١ - " كان ﷺ يخرج يوم الفطر فيكبر حتى يأتى المصلى، وحتى يقضي الصلاة، فإذا قضى الصلاة قطع التكبير ". أخرجه ابن أبي شيبة في " المصنف " (٢ / ١ / ٢) : حدثنا يزيد بن هارون عن ابن أبي ذئب عن الزهري: " أن رسول الله ﷺ كان.. " الحديث.

стр. 328

ومن هذا الوجه أخرجه المحاملي في " كتاب صلاة العيدين " (٢ / ١٤٢ / ٢) . قلت: وهذا إسناد صحيح لولا أنه مرسل لكن له شاهد موصول يتقوى به، أخرجه البيهقي (٣ / ٢٧٩) من طريق عبد الله بن عمر عن نافع عن عبد الله بن عمر: " أن رسول الله ﷺ كان يخرج في العيدين مع الفضل بن عباس وعبد الله والعباس، وعلي، وجعفر، والحسن، والحسين، وأسامة بن زيد وزيد بن حارثة، وأيمن بن أم أيمن ﵃، رافعا صوته بالتهليل والتكبير، فيأخذ طريق الحذائين حتى يأتي المصلى، وإذا فرغ رجع على الحذائين حتى يأتي منزله ". قلت: ورجاله كلهم ثقات رجال مسلم، غير أن عبد الله بن عمر وهو العمري المكبر، قال الذهبي: " صدوق في حفظه شيء ". قلت: فمثله مما يصلح للاستشهاد به، لأن ضعفه لم يأت من تهمة في نفسه، بل من حفظه، فضعفه يسير، فهو شاهد قوي لمرسل الزهري، وبذلك يصير الحديث صحيحا كما تقتضيه قواعد هذا العلم الشريف. وللحديث طريق أخرى عن ابن عمر، روي من طريق الزهري أخبرني سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر أخبره به. مثل المرسل. غير أن إسناده إلى الزهري واه جدا كما بينته في " إرواء الغليل " (٦٤٣) فمثله لا يستشهد به، فلذلك أعرضت عن إيراده هنا. وقد صح من طريق نافع عن ابن عمر موقوفا مثله. ولا منافاة بينه وبين المرفوع لاختلاف المخرج، كما هو ظاهر، فالحديث صحيح عندي مرفوعا وموقوفا. ولفظ الموقوف: " كان يجهر بالتكبير يوم الفطر إذا غدا إلى المصلى حتى يخرج الإمام، فيكبر بتكبيره ".

стр. 329

أخرجه الفريابي في " كتاب أحكام العيدين " (ق ١٢٩ / ١) بسند صحيح، ورواه الدارقطني (١٨٠) وغيره بزيادة: " ويوم الأضحى ". وسنده جيد. وفي الحديث دليل على مشروعية ما جرى عليه عمل المسلمين من التكبير جهرا في الطريق إلى المصلى، وإن كان كثير منهم بدأوا يتساهلون بهذه السنة حتى كادت أن تصبح في خبر كان، وذلك لضعف الوازع الديني منهم، وخجلهم من الصدع بالسنة والجهر بها، ومن المؤسف أن فيهم من يتولى إرشاد الناس وتعليمهم، فكأن الإرشاد عندهم محصور بتعليم الناس ما يعلمون! ، وأما ما هم بأمس الحاجة إلى معرفته، فذلك مما لا يلتفتون إليه، بل يعتبرون البحث فيه والتذكير به قولا وعملا من الأمور التافهة التي لا يحسن العناية بها عملا وتعليما، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ومما يحسن التذكير به بهذه المناسبة، أن الجهر بالتكبير هنا لا يشرع فيه الاجتماع عليه بصوت واحد كما يفعله البعض وكذلك كل ذكر يشرع فيه رفع الصوت أو لا يشرع، فلا يشرع فيه الاجتماع المذكور، ومثله الأذان من الجماعة المعروف في دمشق بـ " أذان الجوق "، وكثيرا ما يكون هذا الاجتماع سببا لقطع الكلمة أو الجملة في مكان لا يجوز الوقف عنده، مثل " لا إله " في تهليل فرض الصبح والمغرب، كما سمعنا ذلك مرارا. فنكن في حذر من ذلك ولنذكر دائما قوله ﷺ : " وخير الهدي هدي محمد ". ١٧٢ - " يقول الله لأهون أهل النار عذابا يوم القيامة: يا ابن آدم! كيف وجدت مضجعك؟ فيقول: شر مضجع، فيقال له: لو

стр. 330

كانت لك الدنيا وما فيها أكنت مفتديا بها؟ فيقول: نعم، فيقول: كذبت قد أردت منك أهون من هذا، وأنت في صلب " وفي رواية: ظهر " آدم أن لا تشرك بي شيئا ولا أدخلك النار، فأبيت إلا الشرك ، فيؤمر به إلى النار ". رواه البخاري (٢ / ٣٣٣ و ٤ / ٢٣٩، ٢٤٢) ومسلم (٨ / ١٣٤، ١٣٥) وأحمد (٣ / ١٢٧، ١٢٩) وكذا أبو عوانة وابن حبان في صحيحيهما كما في " الجامع الكبير " (٣ / ٩٥ / ١) من طريق أبي عمران الجوني - والسياق له عند مسلم وقتادة، كلاهما عن أنس عن النبي ﷺ . وله طريق ثالث: عن ثابت عن أنس به نحوه. عزاه الحافظ في " الفتح " (٦ / ٣٤٩) لمسلم والنسائي، ولم أره عند مسلم، وأما النسائي، فالظاهر أنه يعني " السنن الكبرى " له والله أعلم. قوله: (فيقول: كذبت) قال النووي: " معناه لو رددناك إلى الدنيا لما افتديت لأنك سئلت أيسر من ذلك، فأبيت فيكون من معنى قوله تعالى: (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه، وإنهم لكاذبون) ، وبهذا

стр. 331

يجتمع معنى هذا الحديث مع قوله تعالى: (لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به) . قوله: (قد أردت منك) أي أحببت منك، والإرادة في الشرع تطلق ويراد بها ما يعم الخير والشر والهدى والضلال كما في قوله تعالى (ومن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام، ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء) . وهذه الإرادة لا تتخلف. وتطلق أحيانا ويراد بها ما يرادف الحب والرضا، كما في قوله تعالى (يريد الله بكم اليسر، ولا يريد بكم العسر) ، وهذا المعنى هو المراد من قوله تعالى في هذا الحديث (أردت منك) أي أحببت والإرادة بهذا المعنى قد تتخلف، لأن الله ﵎ لا يجبر أحدا على طاعته وإن كان خلقهم من أجلها (فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر) ، وعليه فقد يريد الله ﵎ من عبده ما لا يحبه منه. ويحب منه ما لا يريده، وهذه الإرادة يسميها ابن القيم رحمه الله تعالى بالإرادة الكونية أخذا من قوله تعالى (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له: كن فيكون) ، ويسمى الإرادة الأخرى المرادفة للرضا بالإرادة الشرعية، وهذا التقسيم، من فهمه انحلت له كثير من مشكلات مسألة القضاء والقدر، ونجا من فتنة القول بالجبر أو الاعتزال وتفصيل ذلك في الكتاب الجليل " شفاء

стр. 332

العليل في القضاء والقدر والحكمة والتعليل " لابن القيم رحمه الله تعالى. قوله (وأنت في صلب آدم) . قال القاضي عياض: " يشير بذلك إلى قوله تعالى (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم) الآية، فهذا الميثاق الذي أخذ عليهم في صلب آدم، فمن وفى به بعد وجوده في الدنيا فهو مؤمن، ومن لم يوف به فهو كافر، فمراد الحديث: اردت منك حين أخذت الميثاق، فأبيت إذ أخرجتك إلى الدنيا إلا الشرك ". ذكره في " الفتح ". ١٧٣ - " لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا إلا قالت زوجته من الحور العين: لا تؤذيه قاتلك الله، فإنما هو عندك دخيل، يوشك أن يفارقك إلينا ". أخرجه الترمذي (٢ / ٢٠٨ بشرح التحفة) وابن ماجه (٦ / ٦٤١) وأحمد (٥ / ٢٤٢) وأبو عبد الله القطان في " حديثه عن الحسن بن عرفة " (ق ١٤٥ / ١) والهيثم بن كليب في " مسنده " (١٦٧ / ١) وأبو العباس الأصم في " مجلسين من الأمالي " (ق ٣ / ١) وأبو نعيم في " صفة الجنة " (١٤ / ٢) من طرق عن إسماعيل بن عياش عن بحير بن سعد عن خالد بن معدان عن كثير بن مرة الحضرمي عن معاذ بن جبل عن النبي ﷺ به.

стр. 333

وقال الترمذي: " حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، ورواية إسماعيل بن عياش عن الشاميين أصلح، وله عن أهل الحجاز والعراق مناكير ". قلت: وقد وثقه أحمد وابن معين والبخاري وغيرهم في روايته عن الشاميين وهذه منها، فإن بحير بن سعد شامي ثقة وكذلك سائر الرواة فالسند صحيح، ولا أدري لماذا اقتصر الترمذي على استغرابه، ولم يحسنه على الأقل. ثم رأيت المنذري في " الترغيب " (٣ / ٧٨) نقل عن الترمذي أنه قال فيه: " حديث حسن ". قلت: وكذا في نسخة بولاق من " الترمذي " (١ / ٢٢٠) ، وهذا أقل ما يمكن أن يقال فيه.

стр. 334

(دخيل) أي ضيف ونزيل. يعني هو كالضيف عليك، وأنت لست بأهل له حقيقة، وإنما نحن أهله، فيفارقك قريبا، ويلحق بنا. (يوشك) أي يقرب، ويسرع، ويكاد. في الحديث - كما ترى - إنذار للزوجات المؤذيات. ١٧٤ - " لا بأس بالغنى لمن اتقى، والصحة لمن اتقى خير من الغنى، وطيب النفس من النعيم ". أخرجه ابن ماجه (٢١٤١) والحاكم (٢ / ٣) وأحمد (٥ / ٢٧٢ و ٣٨١) من طريق عبد الله بن سليمان بن أبي سلمة أنه سمع معاذ بن عبد الله بن خبيب عن أبيه عن عمه قال: " كنا في مجلس، فجاء النبي ﷺ وعلى رأسه أثر ماء، فقال له بعضنا: نراك اليوم طيب النفس، فقال: أجل، والحمد لله، ثم أفاض القوم في ذكر الغنى، فقال: " فذكره. وقال الحاكم: " صحيح الإسناد، والصحابى الذي لم يسم هو يسار بن عبد الله الجهني ". ووافقه الذهبي. قلت: وهو كما قالا، فإن رجاله ثقات كلهم، وقال البوصيري في الزوائد ": " إسناده صحيح، ورجاله ثقات ".

стр. 335

١٧٥ - " لا يشربن أحد منكم قائما ". رواه مسلم (٦ / ١١٠ - ١١١) عن عمر بن حمزة أخبرني أبو غطفان المري أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : فذكره. وزاد: " فمن نسي فليستقىء ". قلت: وعمر هذا وإن احتج به مسلم فقد ضعفه أحمد وابن معين والنسائي وغيرهم ولذلك قال الحافظ في " التقريب ": " ضعيف "، فالحديث بهذه الزيادة ضعيف. لكن صح بلفظ آخر، ولذلك أوردته هنا بدونها، فقد رواه أبو زياد الطحان قال: سمعت أبا هريرة يقول، عن النبي ﷺ : أنه رأى رجلا يشرب قائما فقال له: قه، قال، لمه؟ قال، أيسرك أن يشرب معك الهر؟ قال: لا، قال: فإنه قد شرب معك من هو شر منه! الشيطان!! أخرجه أحمد (٧٩٩٠) والدارمي (٢ / ١٢١) والطحاوي في " مشكل الآثار " (٣ / ١٩) عن شعبة عن أبي زياد به. وهذا سند صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين غير أبي زياد هذا، قال ابن معين ثقة. وقال أبو حاتم: " شيخ صالح الحديث ". كما في " الجرح والتعديل " (٤ / ٢ / ٣٧٣) ، فقول الذهبي فيه " لا يعرف "، مما لا يعرج عليه، بعد توثيق هذين الإمامين له. وقد ورد الحديث بلفظ آخر وهو: " لو يعلم الذي يشرب وهو قائم ما في بطنه لاستقاء ".

стр. 336

١٧٦ - " لو يعلم الذي يشرب وهو قائم ما في بطنه لاستقاء ". أخرجه أحمد (٧٧٩٥ و ٧٧٩٦) عن الزهري عن رجل، وعن الأعمش عن أبي صالح كلاهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ورواه الطحاوي في " مشكل الآثار " (٣ / ١٨) عن الأعمش به وزاد: " فبلغ علي بن أبي طالب، فقام فشرب قائما ". قلت: والإسناد الثاني صحيح رجاله الشيخين، وفي السند الأول الرجل الذي لم يسم، فإن كان غير الأعمش، فهو تقوية للحديث، وإن كان هو هو، فلا يعله، كما هو ظاهر. وفي " مجمع الزوائد " (٥ / ٧٩) : " رواه أحمد بإسنادين، والبزار، وأحد إسنادي أحمد رجاله رجال الصحيح ". وفي الحديث تلميح لطيف إلى النهي عن الشرب قائما، وقد جاء التصريح بذلك من حديث أنس ﵁ وهو: " نهى " وفي لفظ: زجر " عن الشرب قائما ".

стр. 337

١٧٧ - " نهى " وفي لفظ: زجر " عن الشرب قائما ". رواه مسلم (٦ / ١١٠) وأبو داود (رقم ٣٧١٧) والترمذي (٣ / ١١١) والدارمي (٢ / ١٢٠ - ١٢١) وابن ماجه (٢ / ٣٣٨) والطحاوي في " شرح المعاني " (٢ / ٣٥٧) و " المشكل " (٣ / ١٨) والطيالسي (٢ / ٣٣٢) وأحمد (٣ / ١١٨، ١٣١، ١٤٧، ١٩٩، ٢١٤، ٢٥٠، ٢٧٧، ٢٩١) وأبو يعلى (١٥٦ / ٢، ١٥٨ / ٢، ١٥٩ / ٢) و " الضياء " في " المختارة " (٢٠٥ / ٢) من طريق قتادة عن أنس مرفوعا، وزاد الأخيران: " والأكل قائما ". وفي إسنادهما مطر الوراق، ضعيف، وقد خولف، ففي رواية مسلم وغيره: " قال قتادة: فقلنا: فالأكل؟ فقال: ذاك أشر وأخبث ". قلت: فروايتهما مدرجة. ولقتادة فيه إسنادان آخران: فرواه عن أبي عيسى الأسواري عن أبي سعيد الخدري، باللفظ الثاني. أخرجه مسلم والطحاوي. ثم رواه عن أبي مسلم الجذمي عن الجارود بن العلاء ﵁. أخرجه الطحاوي والترمذي وقال: " حديث حسن غريب ". وله شاهد من حديث أبي هريرة مثله. أخرجه أحمد (٢ / ٣٢٧) والطحاوي وسنده صحيح. وله شاهد آخر من حديث جابر نحوه.

стр. 338

أخرجه أبو عروبة الحراني في " حديث الجزريين " (٥١ / ١) بسند صحيح. وظاهر النهي في هذه الأحاديث يفيد تحريم الشرب قائما بلا عذر، وقد جاءت أحاديث كثيرة أن النبي ﷺ شرب قائما، فاختلف العلماء في التوفيق بينها، والجمهور على أن النهي للتنزيه، والأمر بالاستقاء للاستحباب. وخالفهم ابن حزم فذهب إلى التحريم، ولعل هذا هو الأقرب للصواب، فإن القول بالتنزيه لا يساعد عليه لفظ " زجر "، ولا الأمر بالاستقاء، لأنه أعني الاستقاء فيه مشقة شديدة على الإنسان، وما أعلم أن في الشريعة مثل هذا التكليف كجزاء لمن تساهل بأمر مستحب! وكذلك قوله " قد شرب معك الشيطان " فيه تنفير شديد عن الشرب قائما، وما إخال ذلك يقال في ترك مستحب. وأحاديث الشرب قائما يمكن أن تحمل على العذر كضيق المكان، أو كون القربة معلقة وفي بعض الأحاديث الإشارة إلى ذلك. والله أعلم. ١٧٨ - " ارقيه، وعلميها حفصة، كما علمتيها الكتاب، وفي رواية الكتابة ". أخرجه الحاكم (٤ / ٥٦ - ٥٧) من طريق إبراهيم بن سعد عن صالح بن كيسان حدثنا إسماعيل بن محمد بن سعد أن أبا بكر بن سليمان بن أبي حثمة القرشي حدثه أن رجلا من الأنصار خرجت به نملة، فدل أن الشفاء بنت عبد الله ترقي من النملة، فجاءها فسألها أن ترقيه، فقالت: والله ما رقيت منذ أسلمت، فذهب الأنصاري إلى رسول الله ﷺ فأخبره بالذي قالت الشفاء، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 339

الشفاء، فقال اعرضي علي، فعرضتها عليه فقال: فذكر الحديث وقال: " صحيح على شرط الشيخين " ووافقه الذهبي. قلت: وقد تابع إبراهيم بن سعد عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، ولكنه خالفه في السند والمتن. أما السند فقال: عن صالح بن كيسان عن أبي بكر بن عبد الرحمن ابن سليمان بن أبي حثمة عن الشفاء بنت عبد الله. فأسقط منه إسماعيل بن محمد بن سعد. وأما المتن فرواه بلفظ: " دخل علينا النبي ﷺ وأنا عند حفصة، فقال لي: ألا تعلمين هذه رقية النملة، كما علمتها الكتابة؟ ". فلم يذكر فيه عرضها الرقية عليه ﷺ وأمره إياها بالرقية، وستعلم أهمية ذلك في فهم الحديث على الوجه الصحيح قريبا إن شاء الله تعالى. أخرجه أحمد (٦ / ٣٧٢) وأبو داود (٢ / ١٥٤) والطحاوي في " شرح معاني الآثار " (٢ / ٣٨٨) والنسائي أيضا كما في " الفتاوي الحديثية " للسخاوي (٨١ / ٢) و " نيل الأوطار " للشوكاني (٨ / ١٧٦) . والرواية الأولى أصح لوجهين: الأول: أن إبراهيم بن سعد أحفظ من مخالفه عبد العزيز بن عمر. فإنهما وإن

стр. 340

كان الشيخان قد احتجا بهما كليهما، فإن الأول قال فيه الحافظ في " التقريب ": " ثقة حجة: تكلم فيه بلا قادح ". وأما الآخر، فقال فيه: " صدوق يخطىء "، ولهذا أورده الذهبي في " الميزان " وفي " الضعفاء "، ولم يورد الأول. الثاني: أن إبراهيم معه زيادة في السند والمتن، وزيادة الثقة مقبولة كما هو معروف. وقد تابعه في الجملة محمد بن المنكدر عن أبي بكر بن سليمان به مختصرا لكنه خالفه في إسناده فقال: " عن حفصة أن النبي ﷺ دخل عليها، وعندها امرأة يقال لها شفاء ترقي من النملة، فقال النبي ﷺ : علميها حفصة ". فجعل الحديث من مسند حفصة لا الشفاء. أخرجه أحمد (٦ / ٢٨٦) والطحاوي والحاكم (٤ / ٤١٤) وأبو نعيم في " الطب " (٢ / ٢٨ / ٢) عن سفيان عن ابن المنكدر. وقال الحاكم: " صحيح الإسناد ". ووافقه الذهبي. قلت: وهو كما قالا أيضا، والخلاف المذكور لا يضر إن شاء الله تعالى، لأن من الممكن أن تكون حفصة حدثت به كما حدثت به الشفاء، فإن القصة وقعت بحضورهما ثم رواه أبو بكر بن سليمان تارة عن هذه، وتارة عن هذه، لكن ذكر السخاوي أنه اختلف على سفيان في وصله، وإرساله.

стр. 341

قلت: وهذا لا يضر أيضا، فقد رواه عنه موصولا كما أوردناه جماعة من الثقات عند الحاكم، وغيرهم عند غيره فلا عبرة بمخالفة من خالفهم. وتابعه أيضا كريب بن سليمان الكندي قال: " أخذ بيدي علي بن الحسين بن علي ﵃ حتى انطلق بي إلى رجل من قريش أحد بني زهرة يقال له: ابن أبي حثمة، وهو يصلي قريبا منه، حتى فرغ ابن أبي حثمة من صلاته، ثم أقبل علينا بوجهه، فقال له علي بن الحسين: الحديث الذي ذكرت عن أمك في شأن الرقية؟ فقال: نعم: حدثتني أمي أنها كانت ترقي برقية في الجاهلية فلما أن جاء الإسلام قالت: لا أرقي حتى أستأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبي " أرقي ما لم يكن شرك بالله ". أخرجه ابن حبان (١٤١٤) والحاكم (٤ / ٥٧) من طريق الجراح بن الضحاك الكندي عن كريب به. وعلقه ابن منده من هذا الوجه. وكريب هذا أورده ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (٣ / ٢ / ١٦٩) لكنه سمى أباه سليما، ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا. ثم رواه الحاكم وابن منده في " المعرفة " (٢ / ٣٣٢ / ١) من طريق عثمان ابن عمر بن عثمان بن سليمان بن أبي حثمة القرشي العدوي حدثني أبي عن جدي عثمان بن سليمان عن أبيه عن أمه الشفاء بنت عبد الله أنها كانت ترقي برقى الجاهلية، وأنها لما هاجرت إلى النبي ﷺ قدمت عليه فقالت: يا رسول الله إني كنت أرقي برقى في الجاهلية، فقد رأيت أن أعرضها عليك، فقال: اعرضيها فعرضتها عليه، وكانت منها رقية النملة، فقال ارقي بها وعلميها حفصة: بسم الله، صلوب، حين

стр. 342

يعود من أفواهها، ولا تضر أحدا، اللهم اكشف البأس، رب الناس، قال: ترقي بها على عود كركم سبع مرات، وتضعه مكانا نظيفا، ثم تدلكه على حجر، وتطليه على النملة. سكت عليه الحاكم. وقال الذهبي: " سئل ابن معين عن عثمان فلم يعرفه ". يعني عثمان بن عمر، وقال ابن عدي: " مجهول ". قلت: وهذه الطريق مع ضعفها وكذا التي قبلها، فلا بأس بهما في المتابعات. غريب الحديث (نملة) هي هنا قروح تخرج في الجنب. (رقية النملة) قال الشوكاني في تفسيرها: " هي كلام كانت نساء العرب تستعمله، يعلم كل من سمعه أنه كلام لا يضر ولا ينفع، ورقية النملة التي كانت تعرف بينهن أن يقال للعروس تحتفل وتختضب، وتكتحل، وكل شيء يفتعل، غير أن لا تعصي الرجل ". كذا قال، ولا أدري ما مستنده في ذلك، ولاسيما وقد بني عليه قوله الآتي تعليقا على قوله ﷺ : " ألا تعلمين هذه ... ": " فأراد ﷺ بهذا المقال تأنيب حفصة والتأديب لها تعريضا، لأنه ألقى إليها سرا فأفشته على ما شهد به التنزيل في قوله تعالى (وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا) الآية ".

стр. 343

وليت شعري ما علاقة الحديث بالتأنيب لإفشاء السر، وهو يقول: " كما علمتها الكتاب، فهل يصح تشبيه تعليم رقية لا فائدة منها بتعليم الكتابة؟ ! وأيضا فالحديث صريح في أمره ﷺ للشفاء بترقية الرجل الأنصاري من النملة وأمره إياها بأن تعلمها لحفصة، فهل يعقل بأن يأمر ﷺ بهذه الترقية لو كان باللفظ الذي ذكره الشوكاني بدون أي سند وهو بلا شك كما قال كلام لا يضر ولا ينفع، فالنبي ﷺ أسمى من أن يأمر بمثل هذه الترقية، ولئن كان لفظ رواية أبي داود يحتمل تأويل الحديث على التأنيب المزعوم، فإن لفظ الحاكم هذا الذي صدرنا به هذا البحث لا يحتمله إطلاقا، بل هو دليل صريح على بطلان ذلك التأويل بطلانا بينا كما هو ظاهر لا يخفى، وكأنه لذلك صدر ابن الأثير في " النهاية " تفسير الشوكاني المذكور لـ (رقية النملة) وعنه نقله الشوكاني، صدره بقوله " قيل " مشيرا بذلك إلى ضعف ذلك التفسير وما بناه عليه من تأويل قوله " ألا تعلمين ... "! (كركم) هو الزعفران، وقيل العصفر، وقيل شجر كالورس، وهو فارسي معرب. (صلوب) كذا ولم أعرف له معنى، ولعله - إن سلم من التحريف - لفظ عبري. والله أعلم. من فوائد الحديث وفي الحديث فوائد كثيرة أهمها اثنتان: الأولى: مشروعية ترقية المرء لغيره بما لا شرك فيه من الرقى، بخلاف طلب الرقية من غيره فهو مكروه لحديث " سبقك بها عكاشة " وهو معروف مشهور. والأخرى: مشروعية تعليم المرأة الكتابة. ومن أبواب البخاري في " الأدب المفرد " (رقم ١١١٨) : " باب الكتابة إلى النساء وجوابهن ". ثم روى بسنده الصحيح عن موسى بن عبد الله قال:

стр. 344

" حدثتنا عائشة بنت طلحة قالت: قلت لعائشة - وأنا في حجرها، وكان الناس يأتونها من كل مصر، فكان الشيوخ ينتابوني لمكاني منها، وكان الشباب يتأخوني فيهدون إلي، ويكتبون إلي من الأمصار، فأقول لعائشة - يا خالة هذا كتاب فلان وهديته. فتقول لي عائشة أي بنية! فأجيبيه وأثيبيه، فإن لم يكن عندك ثواب أعطيتك، قالت: فتعطيني ". قلت: وموسى هذا هو ابن عبد الله بن إسحاق به طلحة القرشي، روى عن جماعة من التابعين، وعنه ثقتان، ذكره ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (٤ / ١ / ١٥٠) ومن قبله البخاري في " التاريخ الكبير " (٤ / ٢٨٧) ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا، وقد ذكره ابن حبان في " الثقات "، وقال الحافظ في " التقريب ": " مقبول ". يعني عند المتابعة، وإلا فهو لين الحديث. وقال المجد ابن تيمية في " منتقى الأخبار " عقب الحديث: " وهو دليل على جواز تعلم النساء الكتابة ". وتبعه على ذلك الشيخ عبد الرحمن بن محمود البعلبكي الحنبلي في " المطلع " (ق ١٠٧ / ١) ، ثم الشوكاني في " شرحه " (٨ / ١٧٧) وقال: " وأما حديث " لا تعلموهن الكتابة، ولا تسكنوهن الغرف، وعلموهن سورة النور "، فالنهي عن تعليم الكتابة في هذا الحديث محمول على من يخشى من تعليمها الفساد ". قلت: وهذا الكلام مردود من وجهين: الأول: أن الجمع الذي ذكره يشعر أن حديث النهي صحيح، وإلا لما تكلف التوفيق بينه وبين هذا الحديث الصحيح. وليس كذلك، فإن حديث النهي موضوع كما قال الذهبي. وطرقه كلها واهية جدا، وبيان ذلك في " سلسلة الأحاديث الضعيفة " رقم (٢٠١٧) ، فإذا كان كذلك فلا حاجة للجمع المذكور، ونحو صنيع الشوكاني

стр. 345

هذا قول السخاوي في هذا الحديث الصحيح " أنه أصح من حديث النهي "! فإنه يوهم أن حديث النهي صحيح أيضا. والآخر: لو كان المراد من حديث النهي من يخشى عليها الفساد من التعليم لم يكن هناك فائدة من تخصيص النساء بالنهي، لأن الخشية لا تختص بهن، فكم من رجل كانت الكتابة عليه ضررا في دينه وخلقه، أفينهى أيضا الرجال أن يعلموا الكتابة؟ ! بل وعن تعلم القراءة أيضا لأنها مثل الكتابة من حيث الخشية! والحق أن الكتابة والقراءة، نعمة من نعم الله ﵎ على البشر كما يشير إلى ذلك قوله (اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم. الذي علم بالقلم) ، وهي كسائر النعم التي امتن الله بها عليهم وأراد منهم استعمالها في طاعته، فإذا وجد فيهم من يستعملها في غير مرضاته، فليس ذلك بالذي يخرجها عن كونها نعمة من نعمه، كنعمة البصر والسمع والكلام وغيرها، فكذلك الكتابة والقراءة، فلا ينبغي للآباء أن يحرموا بناتهم من تعلمها شريطة العناية بتربيتهن على الأخلاق الإسلامية، كما هو الواجب عليهم بالنسبة لأولادهم الذكور أيضا، فلا فرق في هذا بين الذكور والإناث. والأصل في ذلك أن كل ما يجب للذكور وجب للإناث، وما يجوز لهم جاز لهن ولا فرق، كما يشير إلى ذلك قوله ﷺ : " إنما النساء شقائق الرجال "، رواه الدارمي وغيره، فلا يجوز التفريق إلا بنص يدل عليه، وهو مفقود فيما نحن فيه، بل النص على خلافه، وعلى وفق الأصل، وهو هذا الحديث الصحيح، فتشبث به ولا ترض به بديلا، ولا تصغ إلى من قال: ما للنساء وللكتا ... بة والعمالة والخطابة هذا لنا ولهن منـ ... ـا أن يبتن على جنابة!

стр. 346

فإن فيه هضما لحق النساء وتحقيرا لهن، وهن كما عرفت شقائق الرجال. نسأل الله تعالى أن يرزقنا الإنصاف والاعتدال في الأمور كلها. ١٧٩ - " لا طاعة لأحد في معصية الله ﵎ ". رواه أحمد (٥ / ٦٦) عن عبد الله بن الصامت قال: " أراد زياد أن يبعث عمران بن حصين على خراسان، فأبى عليهم، فقال له أصحابه: أتركت خراسان أن تكون عليها؟ قال: فقال إني والله ما يسرني أن أصلى بحرها وتصلون ببردها وإني أخاف إذا كنت في نحور العدو أن يأتيني كتاب من زياد، فإن أنا مضيت هلكت، وإن رجعت ضربت عنقي، قال: فأراد الحكم بن عمرو الغفاري عليها، قال: فانقاد لأمره، قال: فقال عمران: ألا أحد يدعو لي الحكم؟ قال: فانطلق الرسول، قال: فأقبل الحكم إليه، قال: فدخل عليه، قال: فقال عمران للحكم: أسمعت رسول الله ﷺ يقول: (فذكره) قال: نعم قال عمران: لله الحمد أو الله أكبر ". قلت: وإسناده صحيح على شرط مسلم، وقواه الحافظ في " الفتح " (١٣ / ١٠٩) وروى الطبراني في " الكبير " (١ / ١٥٤ / ٢) المرفوع منه فقط بهذا اللفظ. وله طريق أخرى عند الطيالسي (٨٥٦) وأحمد (٤ / ٤٣٢، ٥ / ٦٦) والطبراني (١٥٥ / ١) من طرق عن محمد قال: " جاء رجل إلى عمران بن حصين ونحن عنده، فقال: استعمل الحكم بن عمرو الغفاري على خراسان، فتمناه عمران حتى قال له رجل من القوم ألا ندعو لك؟ فقال له: لا ثم قام عمران، فلقيه بين الناس فقال عمران: إنك قد وليت أمرا من أمر

стр. 347

المسلمين عظيما، ثم أمره ونهاه ووعظه، ثم قال: هل تذكر يوم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا طاعة لمخلوق في معصية الله ﵎ "؟ قال الحكم: نعم، قال عمران: الله أكبر ". وفي رواية لأحمد عن محمد: " أنبئت أن عمران بن حصين قال للحكم الغفاري - وكلاهما من أصحاب رسول الله ﷺ : هل تعلم يوم قال رسول الله ﷺ : لا طاعة في معصية الله ﵎؟ قال: نعم، قال: الله أكبر، الله أكبر ". ورجاله ثقات رجال الشيخين لكنه منقطع بين محمد وهو ابن سيرين وبين عمران كما هو صريح الرواية الثانية. ثم أخرجه أحمد والطبراني والحاكم (٣ / ٤٤٣) من طريقين عن الحسن: " أن زيادا استعمل الحكم الغفاري على جيش فأتاه عمران بن حصين فلقيه بين الناس فقال: أتدري لم جئتك؟ فقال له " لم؟ قال: هل تذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم للرجل الذي قال أميره قع في النار! " فقام الرجل ليقع فيها " فأدرك فاحتبس، فأخبر بذلك النبي ﷺ فقال: لو وقع فيها لدخلا النار جميعا، لا طاعة في معصية الله ﵎؟ قال: قال: إنما أردت أن أذكرك هذا الحديث ". وقال الحاكم: " صحيح الإسناد ". ووافقه الذهبي. قلت: وهو كما قالا إن كان الحسن - وهو البصري - سمعه من عمران فقد كان مدلسا وقال الهيثمي في " المجمع " (٥ / ٢٢٦) بعد أن ساقه من طريق عبد الله بن

стр. 348

الصامت، وطريق الحسن هذه: " رواه أحمد بألفاظ، والطبراني باختصار، وفي بعض طرقه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ورجال أحمد رجال الصحيح ". وللمرفوع منه طريق أخرى مختصرا بلفظ: " لا طاعة في معصية الله ﵎ ". ١٨٠ - " لا طاعة في معصية الله ﵎ ". أخرجه أحمد (٤ / ٤٢٦، ٤٢٧، ٤٣٦) وكذا الطيالسي (٨٥٠) عن قتادة قال: سمعت أبا مراية العجيلي قال سمعت عمران بن حصين يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: فذكره. قلت: ورجاله ثقات رجال الشيخين غير أبي مراية هذا ذكره ابن حبان في " الثقات ". وأورده الهيثمي (٥ / ٢٢٦) بهذا اللفظ من حديث عمران والحكم ابن عمرو معا وقال: " رواه البزار والطبراني في " الكبير " و " الأوسط " ورجال البزار رجال الصحيح ". وأورده السيوطي في " الجامع الكبير " (٣ / ١٣ / ١) بلفظ الطبراني من رواية أحمد وابن جرير وابن خزيمة والطبراني في الكبير وابن قانع عن عمران بن حصين والحكم بن عمرو الغفاري معا وأبي نعيم في " معجمه " والخطيب عن أنس، والشيرازي في " الألقاب " عن جابر، والطبراني في " الكبير " عن النواس بن سمعان. قلت: وفي هذا التخريج ما لا يخفى من التساهل، فقد علمت أن اللفظ ليس عند أحمد والحاكم، وإنما هو عند الطبراني فقط كما أفاده الهيثمي، ولا أدري هل هو عند سائر من عزاه إليهم بهذا اللفظ أم بنحوه.

стр. 349

وأكثر من ذلك تسامحا ما فعله في الجامع الصغير، فقد أورده فيه باللفظ المذكور من رواية أحمد والحاكم فقط! وهذا خطأ واضح، وكأن منشأه أنه لما وجد الحديث في " الجامع الكبير " بهذا اللفظ معزوا للجماعة الذين سبق ذكرهم نسي أنه كان تسامح في عزوه إليهم جميعا وأن اللفظ إنما هو لأحدهم وهو الطبراني، فلما اختصر التخريج في " الجامع الصغير " اقتصر فيه على أحمد والحاكم في العزو فنتج من ذلك هذا الخطأ. والعصمة لله وحده. وللحديث شاهد من حديث علي وفيه تفصيل قصة الأمير الذي أمر جنده بدخول النار، وهو: " لا طاعة " لبشر " في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف ". ١٨١ - " لا طاعة " لبشر " في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف ". أخرجه البخاري (١٣ / ٢٠٣ - فتح) ومسلم (٦ / ١٥) وأبو داود (٢٦٢٥) والنسائي (٢ / ١٨٧) والطيالسي (١٠٩) وأحمد (١ / ٩٤) عن علي. " أن رسول الله ﷺ بعث جيشا، وأمر عليهم رجلا فأوقد نارا، وقال: ادخلوها، فأراد ناس أن يدخلوها، وقال الآخرون: إنا قد فررنا منها، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال للذين أرادوا أن يدخلوها: لو دخلتموها لم تزالوا فيها إلى يوم القيامة، وقال للآخرين قولا حسنا، وقال " فذكره. والزيادة للطيالسي والسياق لمسلم. وفي رواية عنه قال: " بعث رسول الله ﷺ سرية واستعمل عليهم رجلا من الأنصار وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا، فأغضبوه إلى شيء، فقال: اجمعوا لي حطبا فجمعوا له، ثم قال. أوقدوا نارا، فأوقدوا، ثم قال: ألم يأمركم رسول الله ﷺ أن تسمعوا لي وتطيعوا؟ قالوا: بلى، قال: فادخلوها! قال: فنظر بعضهم إلى بعض فقالوا (وفي رواية: فقال

стр. 350

لهم شاب) إنما فررنا إلى رسول الله ﷺ من النار (فلا تعجلوا حتى تلقوا النبي صلى الله عليه وسلم، فإن أمركم أن تدخلوها فادخلوها) فكانوا كذلك، وسكن غضبه وطفئت النار، فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال: لو دخلوها ما خرجوا منها، إنما الطاعة في المعروف ". أخرجه البخاري (٨ / ٤٧، ١٣ / ١٠٩) ومسلم (٦ / ١٦) وأحمد (١ / ٨٢، ١٣٤ ) والرواية الأخرى مع الزيادة هي له في رواية. وفي الحديث فوائد كثيرة أهمها أنه لا يجوز إطاعة أحد في معصية الله تبارك وتعالى، سواء في ذلك الأمراء والعلماء والمشايخ. ومنه يعلم ضلال طوائف من الناس: الأولى: بعض المتصوفة الذين يطيعون شيوخهم ولو أمرهم بمعصية ظاهرة بحجة أنها في الحقيقة ليست بمعصية، وأن الشيخ يرى ما لا يرى المريد، وأعرف شيخا من هؤلاء نصب نفسه مرشدا قص على أتباعه في بعض دروسه في المسجد قصة خلاصتها أن أحد مشايخ الصوفية أمر ليلة أحد مريديه بأن يذهب إلى أبيه فيقتله على فراشه بجانب زوجته، فلما قتله، عاد إلى شيخه مسرورا لتنفيذ أمر الشيخ! فنظر إليه الشيخ وقال: أتظن أنك قتلت أباك حقيقة؟ إنما هو صاحب أمك! وأما أبوك فهو غائب! ثم بنى على هذه القصة حكما شرعيا بزعمه فقال لهم: إن الشيخ إذا أمر مريده بحكم مخالف للشرع في الظاهر أن على المريد أن يطيعه في ذلك، قال: ألا ترون إلى هذا الشيخ أنه في الظاهر أمر الولد بقتل والده، ولكنه في الحقيقة إنما أمره بقتل الزاني بوالدة الولد، وهو يستحق القتل شرعا! ولا يخفى بطلان هذه القصة شرعا من وجوه كثيرة. أولا: أن تنفيذ الحد ليس من حق الشيخ مهما كان شأنه، وإنما هو من الأمير أو الوالي.

стр. 351

ثانيا: أنه لو كان له ذلك فلماذا نفذ الحد بالرجل دون المرأة وهما في ذلك سواء؟ . ثالثا: إن الزاني المحصن حكمه شرعا القتل رجما، وليس القتل بغير الرجم. ومن ذلك يتبين أن ذلك الشيخ قد خالف الشرع من وجوه، وكذلك شأن ذلك المرشد الذي بنى على القصة ما بنى من وجوب إطاعة الشيخ ولو خالف الشرع ظاهرا، حتى لقد قال لهم: إذا رأيتم الشيخ على عنقه الصليب فلا يجوز لكم أن تنكروا عليه! ومع وضوح بطلان مثل هذا الكلام، ومخالفته للشرع والعقل معا نجد في الناس من ينطلي عليه كلامه وفيهم بعض الشباب المثقف. ولقد جرت بيني وبين أحدهم مناقشة حول تلك القصة وكان قد سمعها من ذلك المرشد وما بنى عليها من حكم، ولكن لم تجد المناقشة معه شيئا وظل مؤمنا بالقصة لأنها من باب الكرامات في زعمه، قال: وأنتم تنكرون الكرامة ولما قلت له: لو أمرك شيخك بقتل والدك فهل تفعل؟ فقال: إنني لم أصل بعد إلى هذه المنزلة! ! فتبا لإرشاد يؤدي إلى تعطيل العقول والاستسلام للمضلين إلى هذه المنزلة، فهل من عتب بعد ذلك على من يصف دين هؤلاء بأنه أفيون الشعب؟ الطائفة الثانية: وهم المقلدة الذين يؤثرون اتباع كلام المذهب على كلام النبي ﷺ ، مع وضوح ما يؤخذ منه، فإذا قيل لأحدهم مثلا: لا تصل سنة الفجر بعد أن أقيمت الصلاة لنهي النبي ﷺ عن ذلك صراحة لم يطع وقال المذهب: يجيز ذلك، وإذا قيل له: إن نكاح التحليل باطل لأن النبي صلى الله عليه وسلم لعن فاعله، أجابك بقوله: لا بل هو جائز في المذهب الفلاني! وهكذا إلى مئات المسائل، ولهذا ذهب كثير من المحققين إلى أن أمثال هؤلاء المقلدين ينطبق عليهم قول

стр. 352

الله ﵎ في النصارى (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله) كما بين ذلك الفخر الرازي في " تفسيره ". الطائفة الثالثة: وهم الذين يطيعون ولاة الأمور فيما يشرعونه للناس من نظم وقرارات مخالفة للشرع كالشيوعية وما شابهها وشرهم من يحاول أن يظهر أن ذلك موافق للشرع غير مخالف له. وهذه مصيبة شملت كثيرا ممن يدعي العلم والإصلاح في هذا الزمان، حتى اغتر بذلك كثير من العوام، فصح فيهم وفي متبوعيهم الآية السابقة " اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله " نسأل الله الحماية والسلامة. ١٨٢ - " إذا زار أحدكم أخاه فجلس عنده، فلا يقومن حتى يستأذنه ". رواه أبو الشيخ في " تاريخ أصبهان " (١١٣) : حدثنا إسحق بن محمد ابن حكيم قال: حدثنا يحيى بن واقد قال: حدثنا ابن أبي غنية قال: حدثنا أبي قال: حدثنا جبلة بن سحيم عن ابن عمر قال: قال النبي ﷺ : فذكره. قلت: وهذا سند صحيح، رجاله كلهم ثقات معرفون. أما جبلة بن سحيم فهو ثقة أخرج له البخاري في " الأدب المفرد ". وابن أبي غنية فهو يحيى بن عبد الملك بن حميد بن أبي غنية، فهو ثقة من رجال الشيخين، وكذا أبوه عبد الملك. وأما يحيى بن واقد، فترجمه أبو الشيخ فقال:

стр. 353

" كان رأساً في النحو والعربية، كثير الحديث. وقال إبراهيم بن أرومة: يحيى من الثقات، وذكر أن مولده سنة خمس وستين، خلافة المهدي. ومن حسان حديثه .. ". قلت: ثم ساق له ثلاثة أحاديث هذا أولها. وأما إسحاق بن محمد بن حكيم، فهو إسحاق بن محمد بن إبراهيم بن حكيم قال أبو الشيخ (٢٦٧) : " شيخ صدوق من أهل الأدب والمعرفة بالحديث، عنده كتب أبي عبيدة وعبد الرزاق .. كثير الحديث. وكان صدوقا ثقة، لا يحدث إلا من كتابه. توفي سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة ". قلت: ومن العجائب أن هذا الحديث مما فات السيوطي في " الجامع الكبير " فلم يورده فيه، بينما هو ذكره في " الجامع الصغير " من رواية الديلمي عن ابن عمر، فكأنه استدركه فيه، ولكنه فاته هذا المصدر العالي وهو " تاريخ أصبهان " كما فات ذلك شارحه المناوي أيضا وقال معللا سند الديلمي: " وفيه من لا يعرف ". قلت: فإما أن يكون إسناد الديلمي غير إسناد أبي الشيخ، وأما أن يكون هو هذا ولكن خفي عليه بعض رواته لأنهم لم يترجموا في غير هذا " التاريخ "، وهو الذي أرجحه. والله أعلم. وبالجملة فهذا الحديث من الفوائد العزيزة التي لا تراها في كتاب بهذا الإسناد والتحقيق. فلله الحمد، وهو ولي التوفيق.

стр. 354

وفي الحديث تنبيه على أدب رفيع وهو أن الزائر لا ينبغي أن يقوم إلا بعد أن يستأذن المزور، وقد أخل بهذا التوجيه النبوي الكريم كثير من الناس في بعض البلاد العربية، فتجدهم يخرجون من المجلس دون استئذان، وليس هذا فقط، بل وبدون سلام أيضا! وهذه مخالفة أخرى لأدب إسلامي آخر، أفاده الحديث الآتى: " إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلم، فإذا أراد أن يقوم فيسلم، فليست الأولى بأحق من الآخرة ". ١٨٣ - " إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلم، فإذا أراد أن يقوم فيسلم، فليست الأولى بأحق من الآخرة ". رواه البخاري في " الأدب المفرد " (١٠٠٧ و ١٠٠٨) وأبو داود (٥٢٠٨) والترمذي (٢ / ١١٨) والطحاوي في " المشكل " (٢ / ١٣٩) وأحمد (٢ / ٢٣٠، ٢٨٧، ٤٢٩) والحميدي (١١٦٢) وأبو يعلى في " مسنده " (ق ٣٠٦ / ١) والفاكهي في " حديثه عن أبي يحيى بن أبي ميسرة " (١ / ٥ / ٢) عن ابن عجلان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة مرفوعا به وقال الترمذي: " حديث حسن ". قلت: وإسناده جيد، رجاله كلهم ثقات، وفي ابن عجلان واسمه محمد، كلام يسير لا يضر في الاحتجاج بحديثه، لاسيما وقد تابعه يعقوب ابن زيد التيمي عن المقبري به. والتيمي هذا ثقة: فصح الحديث، والحمد لله. وله شواهد تقويه كما يأتي. والحديث عزاه السيوطي في " الجامع الصغير " و " الكبير " (١ / ٤٥ / ١) لابن

стр. 355

حبان والحاكم في " المستدرك " أيضا، ثم عزاه في مكان آخر من " الكبير " (١ / ٢١ / ١) لابن السني في " عمل اليوم والليلة " والطبراني في " الكبير " ولم أره في " المستدرك " بعد أن راجعته فيه في " البر " و " الصلة " و " الأدب ". والله أعلم. ومن شواهد الحديث ما أخرجه أحمد (٣ / ٤٣٨) من طريق ابن لهيعة حدثنا زبان عن سهل بن معاذ عن أبيه عن رسول الله ﷺ قال: " حق على من قام على مجلس أن يسلم عليهم، وحق على من قام من مجلس أن يسلم. فقام رجل ورسول الله ﷺ يتكلم، ولم يسلم، فقال رسول الله ﷺ : ما أسرع ما نسي؟ ! قلت: وهذا سند ضعيف، ولكن لا بأس به في الشواهد. ويقويه أن البخاري أخرجه في " الأدب المفرد " (١٠٠٩) من طريق أخرى عن بسطام قال: سمعت معاوية بن قرة قال: قال لي أبي: " يا بني إن كنت في مجلس ترجو خيره فعجلت بك حاجة فقل: سلام عليكم، فإنك تشركهم فيما أصابوا في ذلك المجلس، وما من قوم يجلسون مجلسا فيتفرقون عنه لم يذكروا الله، إلا كأنما تفرقوا عن جيفة حمار ". وإسناده صحيح، رجاله كلهم ثقات، وهو وإن كان موقوفا، فهو في حكم المرفوع لأنه لا يقال من قبل الرأي، لاسيما وغالبه قد صح مرفوعا، فطرفه الأول ورد في حديث أبي هريرة هذا، والآخر ورد من حديثه أيضا، وقد سبق برقم (٧٧) وانظر ما قبله وما بعده. والسلام عند القيام من المجلس أدب متروك في بعض البلاد، وأحق من يقوم بإحيائه هم أهل العلم وطلابه، فينبغي لهم إذا دخلوا على الطلاب في غرفة الدرس مثلا أن يسلموا، وكذلك إذا خرجوا، فليست الأولى بأحق من الأخرى، وذلك من إفشاء السلام المأمور به في الحديث الآتى: " إن السلام اسم من أسماء الله تعالى وضعه في الأرض، فأفشوا السلام بينكم ".
следующие страницы →