← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 9442

سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها

ناصر الدين الألباني

Полный текст (6 550 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

٦٢٢) وابن الجارود في " المنتقى " (٢٨١) والبيهقي (٢ / ٤٥٨) والطيالسي (١ / ٧٥ - من ترتيبه) وأحمد (١ / ١٢٩، ١٤١) والمحاملي في " الأمالي " (٣ / ٩٥ / ١) والضياء في " الأحاديث المختارة، (١ / ٢٥٨، ٢٥٩) عن هلال بن يساف عن وهب بن الأجدع عن علي ﵁ مرفوعا. وقال ابن حزم: " وهب بن الأجدع تابع ثقة مشهور، وسائر الرواة أشهر من أن يسأل عنهم، وهذه زيادة عدل لا يجوز تركها ". وصرح ابن حزم في مكان آخر (٢ / ٢٧١) بصحة هذا عن علي ﵁ ولا شك في ذلك، ولهذا قال الحافظ العراقي في " طرح التثريب " (٢ / ١٨٧) وتبعه الحافظ ابن حجر في " الفتح " (٢ / ٥٠) : " وإسناده صحيح ". وأما البيهقي فقد حاد عن الجادة حين قال: " ووهب بن الأجدع ليس من شرطهما ". قلت: وهل من شرط صحة الحديث أن يكون على شرط الشيخين؟ أو ليس قد صححا أحاديث كثيرة خارج كتابيهما وليست على شرطهما؟ ! ثم قال: " وهذا حديث واحد، وما مضى في النهي عنهما ممتد إلى غروب الشمس حديث عدد، فهو أولي أن يكون محفوظا ". قلت: كلاهما محفوظ، وإن كان ما رواه العدد أقوى، ولكن ليس من أصول أهل العلم، رد الحديث القوي لمجرد مخالفة ظاهرة لما هو أقوى منه مع إمكان الجمع بينهما! وهو كذلك هنا، فإن هذا الحديث مقيد للأحاديث التي أشار إليها البيهقي كقوله ﷺ : " ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس " متفق عليه.

стр. 387

فهذا مطلق، يقيده حديث علي ﵁، وإلى هذا أشار ابن حزم ﵀ بقوله المتقدم: " وهذه زيادة عدل لا يجوز تركها ". ثم قال البيهقي: " وقد روي عن علي ﵁ ما يخالف هذا. وروي ما يوافقه ". ثم ساق هو والضياء في " المختارة " (١ / ١٨٥) من طريق سفيان قال: أخبرني أبو إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي ﵁ قال: " كان رسول الله ﷺ يصلي ركعتين في دبر كل صلاة مكتوبة، إلا الفجر والعصر ". قلت: وهذا لا يخالف الحديث الأول إطلاقا، لأنه إنما ينفي أن يكون النبي ﷺ صلى ركعتين بعد صلاة العصر، والحديث الأول لا يثبت ذلك حتى يعارض بهذا، وغاية ما فيه أنه يدل على جواز الصلاة بعد العصر إلى ما قبل اصفرار الشمس، وليس يلزم أن يفعل النبي ﷺ كل ما أثبت جوازه بالدليل الشرعي كما هو ظاهر. نعم قد ثبت عن أم سلمة وعائشة ﵄ أن النبي ﷺ صلى ركعتين سنة الظهر البعدية بعد صلاة العصر، وقالت عائشة: إنه صلى الله عليه وسلم داوم عليها بعد ذلك، فهذا يعارض حديث علي الثاني، والجمع بينهما سهل، فكل حدث بما علم، ومن علم حجة على من لم يعلم، ويظهر أن عليا ﵁ علم فيما بعد من بعض الصحابة ما نفاه في هذا الحديث، فقد ثبت عنه صلاته صلى الله عليه وسلم بعد العصر وذلك قول البيهقي: " وأما الذي يوافقه ففيما أخبرنا ... " ثم ساق من طريق شعبة عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة قال: " كنا مع علي ﵁ في سفر فصلى بنا العصر ركعتين ثم دخل

стр. 388

فسطاطه وأنا أنظر، فصلى ركعتين ". ففي هذا أن عليا ﵁ عمل بما دل عليه حديثه الأول من الجواز. وروى ابن حزم (٣ / ٤) عن بلال مؤذن رسول الله ﷺ قال: " لم ينه عن الصلاة إلا عند غروب الشمس ". قلت: وإسناده صحيح، وهو شاهد قوي لحديث علي ﵃. وأما الركعتان بعد العصر، فقد روى ابن حزم القول بمشروعيتهما عن جماعة من الصحابة، فمن شاء فليرجع إليه. وما دل عليه الحديث من جواز الصلاة ولو نفلا بعد صلاة العصر وقبل اصفرار الشمس هو الذي ينبغي الاعتماد عليه في هذه المسألة التي كثرت الأقوال فيها، وهو الذي ذهب إليه ابن حزم تبعا لابن عمر ﵁ كما ذكره الحافظ العراقي وغيره، فلا تكن ممن تغره الكثرة، إذا كانت على خلاف السنة. ثم وجدت للحديث طريقا أخرى عن علي ﵁ بلفظ: (لا تصلوا بعد العصر، إلا أن تصلوا والشمس مرتفعة) . أخرجه الإمام أحمد (١ / ١٣٠) : حدثنا إسحاق بن يوسف: أخبرنا سفيان عن أبي إسحاق عن عاصم عن علي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: فذكره: قلت: وهذا سند جيد، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير عاصم وهو ابن ضمرة السلولي وهو صدوق. كما في " التقريب ". قلت: فهذه الطريق مما يعطي الحديث قوة على قوة، لاسيما وهي من طريق عاصم الذي روى عن علي أيضا أن النبي ﷺ كان لا يصلي بعد العصر، فادعى البيهقي من أجل هذه الرواية إعلال الحديث، وأجبنا عن ذلك بما تقدم، ثم تأكدنا من صحة الجواب حين وقفنا على الحديث من طريق عاصم أيضا. فالحمد لله على

стр. 389

توفيقه. ثم وجدت له شاهدا حسنا من حديث أنس، سيأتي برقم (٣٠٨) . ٢٠١ - " من حدثكم أن النبي ﷺ كان يبول قائما فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعدا ". أخرجه النسائي (١ / ١١) والترمذي (١ / ١٧) وابن ماجه (١ / ١٣٠) والطيالسي (١ / ٤٥ من ترتيبه) كلهم عن شريك بن المقدام عن شريح عن أبيه عن عائشة قالت ... فذكره. وقال الترمذي: " حديث عائشة أحسن شيء في الباب وأصح ". قلت ... وهذا ليس معناه تحسين الحديث بله تصحيحه كما هو معروف في علم المصطلح وكأن ذلك لضعف شريك القاضي، ولكنه لم ينفرد به. بل تابعه سفيان الثوري عن المقدام بن شريح به. أخرجه أبو عوانة في " صحيحه " (١ / ١٩٨) والحاكم (١ / ١٨١) والبيهقي (١ / ١٠١) وأحمد (١ / ١٣٦، ١٩٢، ٢١٣) من طرق عن سفيان به. وقال الحاكم: " صحيح على شرط الشيخين "، ووافقه الذهبي، وفيه نظر، فإن المقدام ابن شريح وأبوه لم يحتج بهما البخاري فهو على شرط مسلم وحده. وقال الذهبي في " المهذب " (١ / ٢٢ / ٢) : " سنده صحيح ". فتبين مما سبق أن الحديث صحيح بهذه المتابعة، وقد خفيت على الترمذي

стр. 390

فلم يصحح الحديث، وليس ذلك غريبا، ولكن الغريب أن يخفى ذلك على غير واحد من الحفاظ المتأخرين، أمثال العراقي والسيوطي وغيرهما، فأعلا الحديث بشريك، وردا على الحاكم تصحيحه إياه متوهمين أنه عنده من طريقه، وليس كذلك كما عرفت، وكنت اغتررت بكلامهم هذا لما وضعت التعليق على " مشكاة المصابيح "، وكان تعليقا سريعا اقتضته ظروف خاصة، لم تساعدنا على استقصاء طرق الحديث كما هي عادتنا، فقلت في التعليق على هذا الحديث من " المشكاة " (٣٦٥) . " وإسناده ضعيف فيه شريك، وهو ابن عبد الله القاضي وهو سيء الحفظ ". والآن أجزم بصحة الحديث للمتابعة المذكورة. ونسأل الله تعالى أن لا يؤاخذنا بتقصيرنا. قلت آنفا: اغتررنا بكلام العراقي والسيوطي، وذلك أن الأخير قال في " حاشيته على النسائي " (١ / ١٢) . " قال الشيخ ولي الدين (هو العراقي) : هذا الحديث فيه لين، لأن فيه شريكا القاضي وهو متكلم فيه بسوء الحفظ، وما قال الترمذي: إنه أصح شيء في هذا الباب لا يدل على صحته، ولذلك قال ابن القطان: إنه لا يقال فيه: صحيح، وتساهل الحاكم في التصحيح معروف، وكيف يكون على شرط الشيخين مع أن البخاري لم يخرج لشريك بالكلية، ومسلم خرج له استشهادا، لا احتجاجا ". نقله السيوطي وأقره! ثم تتابع العلماء على تقليدهما كالسندي في حاشيته على النسائي، ثم الشيخ عبد الله الرحماني المباركفوري في " مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح " (١ / ٢٥٣) ، وغيرهم، ولم أجد حتى الآن من نبه على أوهام هؤلاء العلماء، ولا على هذه المتابعة، إلا أن الحافظ ﵀ كأنه أشار إليها في " الفتح " (١ / ٣٨٢) حين ذكر الحديث:

стр. 391

وقال: " رواه أبو عوانة في " صحيحه " و " الحاكم ". فاقتصر في العزو عليهما لأنه ليس في طريقهما شريك، بخلاف أصحاب " السنن " ولذلك لم يعزه إليهم، والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. واعلم أن قول عائشة إنما هو باعتبار علمها، وإلا فقد ثبت في " الصحيحين " وغيرهما من حديث حذيفة ﵁ قال: " أتى النبي ﷺ سباطة قوم فبال قائما ". ولذلك فالصواب جواز البول قاعدا وقائما، والمهم أمن الرشاش، فبأيهما حصل وجب. وأما النهي عن البول قائما فلم يصح فيه حديث، مثل حديث " لا تبل قائما " وقد تكلمت عليه في " الأحاديث الضعيفة " رقم (٩٣٨) . ٢٠٢ - " إن الشمس لم تحبس على بشر إلا ليوشع ليالي سار إلى بيت المقدس " وفي رواية " غزا نبي من الأنبياء، فقال لقومه: لا يتبعني رجل قد ملك بضع امرأة، وهو يريد أن يبني بها، ولما يبن " بها "، ولا آخر قد بنى بنيانا، ولما يرفع سقفها، ولا آخر قد اشترى غنما أو خلفات، وهو منتظر ولادها، قال: فغزا، فأدنى للقرية حين صلاة العصر، أو قريبا من ذلك، " وفي رواية: فلقي العدو عند غيبوبة الشمس "، فقال للشمس: أنت مأمورة، وأنا مأمور، اللهم احبسها

стр. 392

علي شيئا، فحبست عليه، حتى فتح الله عليه، " فغنموا الغنائم "، قال: فجمعوا ما غنموا، فأقبلت النار لتأكله، فأبت أن تطعمه " وكانوا إذا غنموا الغنمية بعث الله تعالى عليها النار فأكلتها " فقال: فيكم غلول، فليبايعني من كل قبيلة رجل، فبايعوه، فلصقت يد رجل بيده، فقال: فيكم الغلول، فلتبايعني قبيلتك، فبايعته، قال: فلصقت بيد رجلين أو ثلاثة " يده "، فقال: فيكم الغلول، أنتم غللتم، " قال: أجل قد غللنا صورة وجه بقرة من ذهب "، قال: فأخرجوه له مثل رأس بقرة من ذهب، قال: فوضعوه في المال، وهو بالصعيد، فأقبلت النار فأكلته، فلم تحل الغنائم لأحد من قبلنا، ذلك بأن الله تبارك وتعالى رأى ضعفنا وعجزنا فطيبها لنا، " وفي رواية " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: إن الله أطعمنا الغنائم رحمة بنا وتخفيفا، لما علم من ضعفنا ". هذا حديث صحيح جليل، مما حفظه لنا أبو هريرة ﵁ وله عنه أربع طرق: الأولى: قال الإمام أحمد (٢ / ٣٢٥) . حدثنا أسود بن عامر، حدثنا أبو بكر عن هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ .... فذكر الرواية الأولى. وهكذا أخرجه الطحاوي في " مشكل الآثار " (٢ / ١٠) من طريقين آخرين عن الأسود بن عامر به. قلت: وهذا إسناد جيد، رجاله كلهم ثقات من رجال الشيخين عدا أبا بكر وهو ابن عياش، فإنه من رجال البخاري وحده، وفيه كلام، لا ينزل به حديثه عن رتبة الحسن، وأحسن ما قرأت فيه قول ابن حبان في ترجمته من " الثقات " (٢ / ٣٢٤) :

стр. 393

" كان أبو بكر من الحفاظ المتقنين، وكان يحيى القطان، وابن المديني يسيئان الرأي فيه، وذلك أنه لما كبر سنه، ساء حفظه، فكان يهم إذا روى، والخطأ والوهم شيئان لا ينفك عنهما البشر، فلو كثر الخطأ حتى كان غالبا على صوابه لاستحق مجانبة رواياته، فأما عند الوهم يهم، أو الخطأ يخطىء، لا يستحق ترك حديثه بعد تقدم عدالته وصحة سماعه ". ثم قال: " والصواب في أمره مجانبة ما علم أنه أخطأ فيه، والاحتجاج بما يرويه، سواء وافق الثقات " أولا "، لأنه داخل في جملة أهل العدالة، ومن صحت عدالته لم يستحق القدح ولا الجرح، إلا بعد زوال العدالة عنه بأحد أسباب الجرح. وهذا حكم كل محدث ثقة صحت عدالته، وتيقن خطؤه ". قلت: ولهذا صرح الحافظ ابن حجر في " الفتح " بصحة هذا السند، ثم قال (٦ / ١٥٤) : " فإن رجال إسناده محتج بهم في الصحيح ". وسبقه إلى نحوه الحافظ ابن كثير كما سيأتي، وكذا الذهبي كما في " تنزيه الشريعة " (١ / ٣٧٩) . الطريق الثانية: قال الإمام أحمد أيضا (٢ / ٣١٨) : " حدثنا عبد الرزاق بن همام حدثنا معمر عن همام عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ .... فذكر أحاديث كثيرة فوق المائة بهذا الإسناد، هذا الحديث أحدها، وهي جميعها في " صحيفة همام بن منبه " التي رواها أبو الحسن أحمد ابن يوسف السلمي عن عبد الرزاق به، وهذا الحديث فيها برقم (١٢٣) . وقد أخرجه مسلم في " صحيحه " (٥ / ١٤٥) من طريق محمد بن رافع: حدثنا عبد الرزاق به بالرواية الثانية، واللفظ لمسلم.

стр. 394

ثم أخرجه هو والبخاري في " صحيحه " (٦ / ١٥٤ - ١٥٦، ٩ / ١٩٣ بشرح " الفتح ") عن عبد الله بن المبارك عن معمر به. الطريق الثالثة: قال الطحاوي (٢ / ١٠ - ١١) : " حدثنا محمد بن إسماعيل بن سالم الصائغ، حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة يعني القواريري، حدثنا معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة به مثل الرواية الثانية، وفيها أكثر الزيادات التي جعلناها بين القوسين () . وهذا سند صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير محمد بن إسماعيل هذا. قال ابن أبي حاتم (٣ / ٢ / ١٩٠) : " سمعت منه بمكة، وهو صدوق ". وهذه الطريق عزاها الحافظ (٦ / ١٥٥) للنسائي وأبي عوانة وابن حبان. الطريق الرابعة: أخرجها الحاكم (٢ / ١٢٩) عن مبارك بن فضالة عن عبيد الله ابن عمر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة مثل الرواية الثانية، وزاد في آخره: " فقال كعب: صدق الله ورسوله، هكذا والله في كتاب الله، يعني في التوراة، ثم قال: يا أبا هريرة أحدثكم النبي ﷺ أي نبي كان؟ قال: لا قال كعب: هو يوشع بن نون، قال: فحدثكم أي قرية هي؟ قال: لا، قال: هي مدينة أريحا ". وقال الحاكم: " حديث غريب صحيح ". ووافقه الذهبي! كذا قالا، ومبارك بن فضالة مدلس وقد عنعنه، فليس إسناده صحيحا، بل ولا حسنا، ومن هذه الطريق رواه البزار أيضا، كما في " البداية والنهاية " لابن كثير (١ / ٣٢٤) . ثم إن في هذه الطريق نكارة واضحة، وهي في هذه الزيادة، فإن فيها تسميته

стр. 395

النبي بـ (يوشع) موقوفا على كعب، وهي في الرواية الأولى مرفوعة إلى النبي ﷺ . وفيها تسمية المدينة بـ (أريحا) ، وفي الرواية الأولى أنها بيت المقدس وهذا هو الصواب، ومن الغريب أن يغفل عن هذا الحافظ ابن حجر، فيقول في تفسير (القرية) المذكورة في رواية " الصحيحين ": " هي أريحا، بفتح الهمزة وكسر الراء، بعدها تحتانية ساكنة ومهملة مع القصر سماها الحاكم في روايته عن كعب ". فغفل عما ذكرنا من تسميتها بـ " بيت المقدس " في الحديث المرفوع مع أنه قد ذكره قبيل ذلك في كتابه وصححه كما نقلته عنه آنفا. وقد تنبه لذلك الحافظ ابن كثير، فإنه بعد أن نقل عن أهل الكتاب أن حبس الشمس ليوشع وقع في فتح (أريحا) قال (١ / ٣٢٣) : " فيه نظر، والأشبه - والله أعلم - أن هذا كان في فتح بيت المقدس الذي هو المقصود الأعظم، وفتح (أريحا) كان وسيلة إليه ". ثم استدل على ذلك بالرواية الأولى للحديث، ثم قال بعد أن ساقه من طريق أحمد وحده: " انفرد به أحمد من هذا الوجه، وهو على شرط البخاري. وفيه دلالة على أن الذي فتح بيت المقدس هو يوشع بن نون ﵇ لا موسى، وأن حبس الشمس

стр. 396

كان في فتح بيت المقدس لا أريحا لما قلنا ". غريب الحديث (بضع امرأة) . قال الحافظ: " بضم الموحدة وسكون المعجمة، البضع يطلق على الفرج والتزويج والجماع والمعاني الثلاثة لائقة هنا، ويطلق أيضا على المهر وعلى الطلاق ". (ولما يبن بها) أي لم يدخل عليها، لكن التعبير بـ (لما) يشعر بتوقع ذلك. (خلفات) بفتح المعجمة وكسر اللام بعدها فاء خفيفة جمع (خلفة) وهي الحامل من النوق، وقد يطلق على غير النوق. (احبسها على شيئا) هو منصوب نصب المصدر، أي قدر ما تقتضي حاجتنا من فتح البلد. قال عياض، اختلف في حبس الشمس هنا، فقيل: ردت على أدراجها، وقيل: وقفت، وقيل: بطئت حركتها. وكل ذلك محتمل، والثالث أرجح عند ابن بطال وغيره. قلت: وأيها كان الأرجح، فالمتبادر من الحبس أن الغرض منه أن يتمكن النبي يوشع وقومه من صلاة العصر قبل غروب الشمس، وليس هذا هو المراد، بل الغرض، أن يتمكن من الفتح قبل الليل، لأن الفتح كان يوم الجمعة، فإذا دخل الليل دخل يوم السبت الذي حرم الله عليهم العمل، وهذا إذا صح ما ذكره ابن كثير عن أهل الكتاب: " وذكروا أنه انتهى من محاصرته لها يوم الجمعة بعد العصر، فلما غربت الشمس أو كادت تغرب، ويدخل عليهم السبت الذي جعل عليهم وشرع لهم ذلك الزمان ... والله أعلم.

стр. 397

من فوائد الحديث ١ - قال المهلب: فيه أن فتن الدنيا تدعو النفس إلى الهلع ومحبة البقاء. لأن من ملك بضع امرأة، ولم يدخل بها، أو دخل بها، وكان على قرب من ذلك، فإن قلبه متعلق بالرجوع إليها، ويجد الشيطان السبيل إلى شغل قلبه عما هو عليه وكذلك غير المرأة من أحوال الدنيا. ٢ - قال ابن المنير: يستفاد منه الرد على العامة في تقديمهم الحج على الزواج، ظنا منهم أن التعفف إنما يتأكد بعد الحج، بل الأولى أن يتعفف ثم يحج. قلت: وقد روي في موضوع الحج قبل الزواج أو بعده حديثان كلاهما عن أبي هريرة مرفوعا، ولكنهما موضوعان، كما بينته في " سلسلة الأحاديث الضعيفة " (رقم ٢٢١ - ٢٢٢) . ٣ - وفيه أن الشمس لم تحبس لأحد إلا ليوشع ﵇، ففيه إشارة إلى ضعف ما يروى أنه وقع ذلك لغيره، ومن تمام الفائدة أن أسوق ما وقفنا عليه من ذلك: ١ - ما ذكره ابن إسحاق في " المبتدأ " من طريق يحيى بن عروة بن الزبير عن أبيه أن الشمس حبست لموسى ﵇ لما حمل تابوت يوسف ﷺ . قلت: وهذا موقوف، والظاهر أنه من الإسرائيليات. وقصة نقل موسى لعظام يوسف ﵉ من قبره في مصر في " المستدرك " (٢ / ٥٧١ - ٥٧٢) بسند صحيح عنه ﷺ وليس فيها ذكر لحبس الشمس. ٢ - أنها حبست لداود ﵇. أخرجه الخطيب في " ذم النجوم " له من طريق أبي حذيفة، وابن إسحاق في " المبتدأ " بإسناد له عن علي موقوفا مطولا. قال الحافظ:

стр. 398

وإسناده ضعيف جدا، وحديث أبي هريرة المشار إليه عند أحمد أولى، فإن رجال إسناده محتج بهم في الصحيح، فالمعتمد أنها لم تحبس إلا ليوشع ". ٣ - أنها حبست لسليمان بن داود ﵉، في قصة عرضه للخيل، وقوله الذي حكاه الله عنه في القرآن: " ردوها علي ". رواه الثعلبي ثم البغوي عن ابن عباس. قال الحافظ: " وهذا لا يثبت عن ابن عباس ولا عن غيره، والثابت عن جمهور أهل العلم بالتفسير من الصحابة ومن بعدهم أن الضمير المؤنث في قوله: (ردوها علي) للخيل. والله أعلم ". ٤ - ما حكاه عياض أن الشمس ردت للنبي ﷺ يوم الخندق لما شغلوا عن صلاة العصر حتى غربت الشمس، فردها الله عليه حتى صلى العصر. قال الحافظ: " كذا قال! وعزاه للطحاوي، والذي رأيته في " مشكل الآثار " للطحاوي ما قدمت ذكره من حديث أسماء ". قلت: ويأتي حديث أسماء قريبا إن شاء الله تعالى. وقصة انشغاله صلى الله عليه وسلم عن صلاة العصر في " الصحيحين " وغيرهما وليس فيها ذكر لرد الشمس عليه ﷺ ، انظر " نصب الراية " (٢ / ١٦٤) . ٥ - ومن هذا القبيل ما ذكره يونس بن بكير في زياداته في " مغازي ابن إسحاق " أن النبي ﷺ لما أخبر قريشا صبيحة الإسراء أنه رأى العير التي لهم وأنها تقدم مع شروق الشمس، فدعا الله فحبست الشمس حتى دخلت العير. قلت: وهذا معضل، وأما الحافظ فقال:

стр. 399

" وهذا منقطع، لكن وقع في " الأوسط " للطبراني من حديث جابر أن النبي ﷺ أمر الشمس فتأخرت ساعة من النهار. وإسناده حسن ".

стр. 400

٢٠٣ - " افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة ". أخرجه أبو داود (٢ / ٥٠٣ - طبع الحلبي) والترمذي (٣ / ٣٦٧) وابن ماجه (٢ / ٤٧٩) وابن حبان في " صحيحه " (١٨٣٤) والآجري في " الشريعة " (ص ٢٥) والحاكم (١ / ١٢٨) وأحمد (٢ / ٣٣٢) وأبو يعلى في " مسنده " (ق ٢٨٠ / ٢) من طرق عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعا به. وقال الترمذي: " حديث حسن صحيح ". وقال الحاكم: " صحيح على شرط مسلم ". ووافقه الذهبي.

стр. 401

قلت: وفيه نظر فإن محمد بن عمرو، فيه كلام ولذلك لم يحتج به مسلم، وإنما روى له متابعة، وهو حسن الحديث، وأما قول الكوثري في مقدمة " التبصير في الدين " (ص ٥) أنه لا يحتج به إذا لم يتابع، فمن مغالطاته، أو مخالفاته المعروفة، فإن الذي استقر عليه رأي المحدثين من المحققين الذين درسوا أقوال الأئمة المتقدمين فيه أنه حسن الحديث يحتج به، من هؤلاء النووي والذهبي والعسقلاني وغيره. على أن الكوثري إنما حاول الطعن في هذا الحديث لظنه أن فيه الزيادة المعروفة بلفظ: " كلها في النار إلا واحدة "، وهو ظن باطل، فإنها لم ترد في شيء من المصادر التي وقفت عليها من حديث أبي هريرة رضي الله عنه من هذا الوجه عنه. وقد ذكره السيوطي في " الجامع الصغير " كما أوردته بدون الزيادة، ولكنه عزاه لأصحاب " السنن " الأربعة، وهذا وهم آخر، فإن النسائي منهم ولم يخرجه، وقد نص على ذلك كله الحافظ في " تخريج الكشاف " (٤ / ٦٣) بقوله: " رواه أصحاب " السنن " إلا النسائي من رواية أبي هريرة دون قوله: (كلها الخ) ". والكوثري إنما اغتر في ذلك بكلام السخاوي على الحديث في " المقاصد الحسنة " (ص ١٥٨) فإنه ذكره من حديثه بهذه الزيادة، وعزاه للثلاثة وابن حبان والحاكم! وأما العجلوني في " الكشف " فقد قلد أصله " المقاصد " فيها، ولكنه اقتصر في العزو على ابن ماجه وابن حبان والحاكم. وكل ذلك وهم نشأ من التقليد وعدم الرجوع إلى الأصول، وممن وقع في هذا التقليد مع أنه كثير التنديد به العلامة الشوكاني فإنه أورده في " الفوائد المجموعة " بهذه الزيادة وقال (٥٠٢) : " قال في " المقاصد ": حسن صحيح، وروي عن أبي هريرة وسعد وابن عمر

стр. 402

وأنس وجابر وغيرهم ". وهذا منه تلخيص لكلام " المقاصد "، وإلا فليس هذا لفظه، ولا قال: حسن صحيح، وإنما هو قول الترمذي كما تقدم، وقد نقله السخاوي عنه وأقره، ولذلك استساغ الشوكاني جعله من كلامه، وهو جائز لا غبار عليه. وإذا كان كذلك فالشوكاني قد قلد أيضا الحافظ السخاوي في كلامه على هذا الحديث مع ما فيه من الخطأ. والعصمة لله وحده. على أن للشوكاني في هذا المقام خطأ آخر أفحش من هذا. وهو تضعيفه في " تفسيره " لهذه الزيادة مقلدا أيضا في ذلك غيره، مع أنها زيادة صحيحة، وردت عن غير واحد من الصحابة بأسانيد جيدة كما قال بعض الأئمة، وإن تجاهل ذلك كله الكوثري اتباعا منه للهوى، وإلا فمثله لا يخفى عليه ذلك، والله المستعان. وقد وردت الزيادة المشار إليها من حديث معاوية ﵁، وهذا لفظه: " ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة ". ٢٠٤ - " ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة ". أخرجه أبو داود (٢ / ٥٠٣ - ٥٠٤) ، والدارمي (٢ / ٢٤١) وأحمد (٤ / ١٠٢) وكذا الحاكم (١ / ١٢٨) والآجري في " الشريعة " (١٨) وابن بطة في " الإبانة " (٢ / ١٠٨ / ٢، ١١٩ / ١) واللالكائي في " شرح السنة " (١ / ٢٣ / ١) من طريق صفوان قال: حدثني أزهر بن عبد الله الهوزني عن أبي عامر عبد الله بن لحي عن معاوية بن أبي سفيان أنه قام فينا فقال: ألا إن رسول الله ﷺ قام فينا فقال.... فذكره. وقال الحاكم وقد ساقه عقب أبي هريرة المتقدم:

стр. 403

" هذه أسانيد تقام بها الحجة في تصحيح هذا الحديث ". ووافقه الذهبي. وقال الحافظ في " تخريج الكشاف " (ص ٦٣) : " وإسناده حسن ". قلت: وإنما لم يصححه، لأن أزهر بن عبد الله هذا لم يوثقه غير العجلي وابن حبان ولما ذكر الحافظ في " التهذيب " قول الأزدي: " يتكلمون فيه "، تعقبه بقوله: " لم يتكلموا إلا في مذهبه ". ولهذا قال في " التقريب ". " صدوق، تكلموا فيه للنصب ". والحديث أورده الحافظ ابن كثير في تفسيره (١ / ٣٩٠) من رواية أحمد، ولم يتكلم على سنده بشيء، ولكنه أشار إلى تقويته بقوله: " وقد ورد هذا الحديث من طرق ". ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية في " المسائل " (٨٣ / ٢) . " هو حديث صحيح مشهور ". وصححه أيضا الشاطبي في " الاعتصام " (٣ / ٣٨) . ومن طرق الحديث التي أشار إليها ابن كثير، وفيها الزيادة، ما ذكره الحافظ العراقي في " تخريج الإحياء " (٣ / ١٩٩) قال: " رواه الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو وحسنه، وأبو داود من حديث معاوية، وابن ماجه من حديث أنس وعوف بن مالك، وأسانيدها جياد ". قلت: ولحديث أنس طرق كثيرة جدا تجمع عندي منها سبعة، وفيها كلها

стр. 404

الزيادة المشار إليها، مع زيادة أخرى يأتي التنبيه عليها، وهذه هي: الطريق الأولى: عن قتادة عنه. أخرجه ابن ماجة (٢ / ٤٨٠) ، وقال البوصيري في " الزوائد ": " إسناده صحيح، رجاله ثقات ". قلت: وفي تصحيحه نظر عندي لا ضرورة لذكره الآن، فإنه لا بأس به في الشواهد. الثانية: عن العميري عنه. أخرجه أحمد (٣ / ١٢٠) ، والعميري هذا لم أعرفه، وغالب الظن أنه محرف من (النميري) واسمه زياد بن عبد الله فقد روى عن أنس، وعنه صدقة بن يسار، وهو الذي روى هذا الحديث عنه، والنميري ضعيف، وبقية رجاله ثقات. الثالثة: عن ابن لهيعة حدثنا خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عنه. وزاد: " قالوا: يا رسول الله من تلك الفرقة؟ قال: الجماعة الجماعة ". أخرجه أحمد أيضا (٣ / ١٤٥) وسنده حسن في الشواهد. الرابعة: عن سلمان أو سليمان بن طريف عنه. أخرجه الآجري في " الشريعة " (١٧) وابن بطة في " الإبانة " (٢ / ١١٨ / ٢) وابن طريف هذا لم أجد له ترجمة. الخامسة: عن سويد بن سعيد قال: حدثنا مبارك بن سحيم عن عبد العزيز ابن صهيب عن أنس.

стр. 405

أخرجه الآجري، وسويد ضعيف، وأخرجه ابن بطة أيضا، ولكني لا أدري إذا كان من هذا الوجه أو من طريق آخر عن عبد العزيز فإن كتابه بعيد عني الآن. السادسة: عن أبي معشر عن يعقوب بن زيد بن طلحة عن زيد بن أسلم عن أنس به. وفيه الزيادة. أخرجه الآجري (١٦) . وأبو معشر اسمه نجيح بن عبد الرحمن السندي وهو ضعيف. ومن طريقه رواه ابن مردويه كما في " تفسير ابن كثير " (٢ / ٧٦ - ٧٧) . السابعة: عن عبد الله بن سفيان المدني عن يحيى بن سعيد الأنصاري عنه. وفيه الزيادة بلفظ: " قال: ما أنا عليه وأصحابي ". أخرجه العقيلي في " الضعفاء " (ص ٢٠٧ - ٢٠٨) والطبراني في " الصغير " (١٥٠) وقال: " لم يروه عن يحيى إلا عبد الله بن سفيان ". وقال العقيلي: " لا يتابع على حديثه ". قلت: وهو على كل حال خير من الأبرد بن أشرس فإنه روى هذا الحديث أيضا عن يحيى بن سعيد به، فإنه قلب متنه، وجعله بلفظ: " تفترق أمتي على سبعين أو إحدى وسبعين فرقة كلهم في الجنة إلا فرقة واحدة، قالوا: يا رسول الله من هم؟ قال: الزنادقة وهم القدرية ". أورده العقيلي أيضا وقال:

стр. 406

" ليس له أصل من حديث يحيى بن سعيد " وقال الذهبي في " الميزان ": " أبرد بن أشرس قال ابن خزيمة: كذاب وضاع ". قلت: وقد حاول بعض ذوي الأهواء من المعاصرين تمشية حال هذا الحديث بهذا اللفظ الباطل، وتضعيف هذا الحديث الصحيح، وقد بينت وضع ذاك في " سلسلة الأحاديث الضعيفة " رقم (١٠٣٥) ، والغرض الآن إتمام الكلام على هذا اللفظ الصحيح، فقد تبين بوضوح أن الحديث ثابت لا شك فيه، ولذلك تتابع العلماء خلفا عن سلف على الاحتجاج به حتى قال الحاكم في أول كتابه " المستدرك ": " إنه حديث كبير في الأصول " ولا أعلم أحدا قد طعن فيه، إلا بعض من لا يعتد بتفرده وشذوذه، أمثال الكوثري الذي سبق أن أشرنا إلى شيء من تنطعه وتحامله على الطريق الأولى لهذا الحديث، التي ليس فيها الزيادة المتقدمة: " كلها في النار "، جاهلا بل متجاهلا حديث معاوية وأنس على كثرة طرقه عن أنس كما رأيت. وليته لم يقتصر على ذلك إذن لما التفتنا إليه كثيرا، ولكنه دعم رأيه بالنقل عن بعض الأفاضل، ألا وهو العلامة ابن الوزير اليمني، وذكر أنه قال في كتابه: " العواصم

стр. 407

والقواصم " ما نصه: " إياك أن تغتر بزيادة " كلها في النار إلا واحدة " فإنها زيادة فاسدة، ولا يبعد أن تكون من دسيس الملاحدة. وقد قال ابن حزم: إن هذا الحديث لا يصح ". وقفت على هذا التضعيف منذ سنوات. ثم أوقفني بعض الطلاب في " الجامعة الإسلامية " على قول الشوكاني في تفسيره " فتح القدير " (٢ / ٥٦) : " قال ابن كثير في تفسيره: وحديث افتراق الأمم إلى بضع وسبعين، مروي من طرق عديدة، قد ذكرناها في موضع آخر. انتهى. قلت: أما زيادة كونها في النار إلا واحدة " فقد ضعفها جماعة من المحدثين (!) ، بل قال ابن حزم: إنها موضوعة ". ولا أدري من الذين أشار إليهم بقوله: " جماعة ... " فإني لا أعلم أحدا من المحدثين المتقدمين ضعف هذه الزيادة، بل إن الجماعة قد صححوها وقد سبق ذكر أسمائهم، وأما ابن حزم فلا أدري أين ذكر ذلك، وأول ما يتبادر للذهن أنه في كتابه " الفصل في الملل والنحل " وقد رجعت إليه، وقلبت مظانه فلم أعثر عليه ثم إن النقل عنه مختلف، فابن الوزير قال عنه: " لا يصح "، والشوكاني قال عنه: " إنها موضوعة "، وشتان بين النقلين كما لا يخفى، فإن صح ذلك عن ابن حزم، فهو مردود من وجهين: الأول: أن النقد العلمي الحديثي قد دل على صحة هذه الزيادة، فلا عبرة بقول من ضعفها. والآخر: أن الذين صححوها أكثر وأعلم بالحديث من ابن حزم، لاسيما وهو

стр. 408

معروف عند أهل العلم بتشدده في النقد، فلا ينبغي أن يحتج به إذا تفرد عند عدم المخالفة فكيف إذا خالف؟ ! وأما ابن الوزير، فكلامه الذي نقله الكوثري يشعر بأنه لم يطعن في الزيادة من جهة إسنادها، بل من حيث معناها، وما كان كذلك فلا ينبغي الجزم بفساد المعنى لامكان توجيهه وجهة صالحة ينتفي به الفساد الذي ادعاه. وكيف يستطاع الجزم بفساد معنى حديث تلقاه كبار الأئمة والعلماء من مختلف الطبقات بالقبول وصرحوا بصحته، هذا يكاد يكون مستحيلا! وإن مما يؤيد ما ذكرته أمرين: الأول: أن ابن الوزير في كتاب آخر له قد صحح حديث معاوية هذا، ألا وهو كتابه القيم: " الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم " فقد عقد فيه فصلا خاصا في الصحابة الذين طعن فيهم الشيعة وردوا أحاديثهم، ومنهم معاوية ﵁، فسرد ما له من الأحاديث في كتب السنة مع الشواهد من طريق جماعة آخرين من الصحابة لم تطعن فيه الشيعة، فكان هذا الحديث منها!

стр. 409

الأمر الآخر: أن بعض المحققين من العلماء اليمانيين ممن نقطع أنه وقف على كتب ابن الوزير، ألا وهو الشيخ صالح المقبلي، قد تكلم على هذا الحديث بكلام جيد من جهة ثبوته ومعناه، وقد ذكر فيه أن بعضهم ضعف هذا الحديث فكأنه يشير بذلك إلى ابن الوزير. وأنت إذا تأملت كلامه وجدته يشير إلى أن التضعيف لم يكن من جهة السند، وإنما من قبل استشكال معناه، وأرى أن أنقل خلاصة كلامه المشار إليه لما فيه من الفوائد. قال رحمه الله تعالى في " العلم الشامخ في إيثار الحق على الآباء والمشايخ " (ص ٤١٤) : " حديث افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، رواياته كثيرة يشد بعضها بعضا بحيث لا يبقى ريبة في حاصل معناها. (ثم ذكر حديث معاوية هذا، وحديث ابن عمرو بن العاص الذي أشار إليه الحافظ العراقي وحسنه الترمذي ثم قال:) والإشكال في قوله: " كلها في النار إلا ملة "، فمن المعلوم أنهم خير الأمم، وأن المرجو أن يكونوا نصف أهل الجنة، مع أنهم في سائر الأمم كالشعرة البيضاء في الثور الأسود حسبما صرحت به الأحاديث، فكيف يتمشى هذا؟ فبعض الناس تكلم في ضعف هذه الجملة، وقال: هي زيادة غير ثابتة. وبعضهم تأول الكلام. قال: ومن المعلوم أن ليس المراد من الفرقة الناجية أن لا يقع منها أدنى اختلاف، فإن ذلك قد كان في فضلاء الصحابة. إنما الكلام في مخالفة تصير صاحبها فرقة مستقلة ابتدعها. وإذا حققت ذلك فهذه البدع الواقعة في مهمات المسائل، وفيما يترتب عليه عظائم المفاسد لا تكاد تنحصر، ولكنها لم تخص معينا من هذه الفرق التي قد تحزبت والتأم بعضهم إلى قوم وخالف آخرون بحسب مسائل عديدة. ثم أجاب عن الإشكال بما خلاصته: " إن الناس عامة وخاصة، فالعامة آخرهم كأولهم، كالنساء والعبيد والفلاحين

стр. 410

والسوقة ونحوهم ممن ليس من أمر الخاصة في شيء، فلا شك في براءة آخرهم من الابتداع كأولهم. وأما الخاصة، فمنهم مبتدع اخترع البدعة وجعلها نصب عينيه، وبلغ في تقويتها كل مبلغ، وجعلها أصلا يرد إليها صرائح الكتاب والسنة، ثم تبعه أقوام من نمطه في الفقه والتعصب، وربما جددوا بدعته وفرعوا عليها وحملوه ما لم يتحمله، ولكنه إمامهم المقدم وهؤلاء هم المبتدعة حقا، وهو شيء كبير (تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا) ، كنفي حكمة الله تعالى، ونفي إقداره المكلف، وككونه يكلف ما لا يطاق، ويفعل سائر القبائح ولا تقبح منه، وأخواتهن! ومنها ما هو دون ذلك، وحقائقها جميعها عند الله تعالى، ولا ندري بأيها يصير صاحبها من إحدى الثلاث وسبعين فرقة. ومن الناس من تبع هؤلاء وناصرهم وقوى سوادهم بالتدريس والتصنيف، ولكنه عند نفسه راجع إلى الحق، وقد دس في تلك الأبحاث نقوضها في مواضع لكن على وجه خفي، ولعله تخيل مصلحة دنيئة، أو عظم عليه انحطاط نفسه وإيذاؤهم له في عرضه وربما بلغت الأذية إلى نفسه. وعلى الجملة فالرجل قد عرف الحق من الباطل، وتخبط في تصرفاته، وحسابه على الله سبحانه، إما أن يحشره مع من أحب بظاهر حاله، أو يقبل عذره، وما تكاد تجد أحدا من هؤلاء النظار إلا قد فعل ذلك، لكن شرهم والله كثير، فلربما لم يقع خبرهم بمكان، وذلك لأنه لا يفطن لتلك اللمحة الخفية التي دسوها إلا الأذكياء المحيطون بالبحث، وقد أغناهم الله بعلمهم عن تلك اللمحة، وليس بكبير فائدة أن يعلموا أن الرجل كان يعلم الحق ويخفيه. والله المستعان. ومن الناس من ليس من أهل التحقيق، ولا هيء للهجوم على الحقائق، وقد

стр. 411

تدرب في كلام الناس، وعرف أوائل الأبحاث، وحفظ كثيرا من غثاء ما حصلوه ولكن أرواح الأبحاث بينه وبينها حائل. وقد يكون ذلك لقصور الهمة والاكتفاء والرضا عن السلف لوقعهم في النفوس. وهؤلاء هم الأكثرون عددا، والأرذلون قدرا، فإنهم لم يحظوا بخصيصة الخاصة، ولا أدركوا سلامة العامة. فالقسم الأول من الخاصة مبتدعة قطعا. والثاني ظاهره الابتداع، والثالث له حكم الابتداع. ومن الخاصة قسم رابع ثلة من الأولين، وقليل من الآخرين، أقبلوا على الكتاب والسنة وساروا بسيرها، وسكتوا عما سكتا عنه، وأقدموا وأحجموا بهما وتركوا تكلف مالا يعنيهم، وكان تهمهم السلامة، وحياة السنة آثر عندهم من حياة نفوسهم، وقرة عين أحدهم تلاوة كتاب الله تعالى، وفهم معانيه على السليقة العربية والتفسيرات المروية، ومعرفة ثبوت حديث نبوي لفظا وحكما. فهؤلاء هم السنية حقا، وهم الفرقة الناجية، وإليهم العامة بأسرهم، ومن شاء ربك من أقسام الخاصة الثلاثة المذكورين، بحسب علمه بقدر بدعتهم ونياتهم. إذا حققت جميع ما ذكرنا لك، لم يلزمك السؤال المحذور وهو الهلاك على معظم الأمة، لأن الأكثر عددا هم العامة قديما وحديثا، وكذلك الخاصة في الأعصار المتقدمة، ولعل القسمين الأوسطين، وكذا من خفت بدعته من الأول، تنقذهم رحمة ربك من النظام في سلك الابتداع بحسب المجازاة الأخروية، ورحمة ربك أوسع لكل مسلم، لكنا تكلمنا على مقتضى الحديث ومصداقة، وأن أفراد الفرق المبتدعة وإن كثرت الفرق فلعله لا يكون مجموع أفرادهم جزءا من ألف جزء من سائر المسلمين : فتأمل هذا تسلم من اعتقاد مناقضة الحديث لأحاديث فضائل الأمة المرحومة ". قلت: وهذا آخر كلام الشيخ المقبلي ﵀، وهو كلام متين يدل على علم الرجل وفضله ودقة نظره، ومنه تعلم سلامة الحديث من الإشكال الذي أظن أنه عمدة ابن الوزير ﵀ في إعلاله إياه. والحمد لله على أن وفقنا للإبانة عن صحة

стр. 412

هذا الحديث من حيث إسناده، وإزالة الشبهة عنه من حيث متنه. وهو الموفق لا إله إلا هو. ثم وقفت على كلام لأحد الكتاب في العصر الحاضر ينكر في كتابه " أدب الجاحظ " (ص ٩٠) صحة هذا الحديث للدفاع عن شيخه الجاحظ! فهو يقول: " ولو صح هذا الحديث لكان نكبة كبرى على جمهور الأمة الإسلامية. إذ يسجل على أغلبيتها الخلود في الجحيم ولو صح هذا الحديث لما قام أبو بكر في وجه مانعي الزكاة معتبرا إياهم في حالة ردة ... " إلى آخر كلامه الذي يغني حكايته عن تكلف الرد عليه، لوضوح بطلانه لاسيما بعد قراءة كلام الشيخ المقبلي المتقدم. على أن قوله " الخلود في الجحيم " ليس له أصل في الحديث، وإنما أورده الكاتب المشار إليه من عند نفسه ليتخذ ذلك ذريعة للطعن في الحديث. وهو سالم من ذلك كله كما بينا والحمد لله على توفيقه. ٢٠٥ - " إذا رأيت الناس قد مرجت عهودهم، وخفت أماناتهم وكانوا هكذا: وشبك بين أصابعه، قال (الراوي) : فقمت إليه فقلت له: كيف أفعل عند ذلك جعلني الله فداك؟ قال: الزم بيتك، واملك عليك لسانك، وخذ ما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بأمر خاصة نفسك، ودع عنك أمر العامة ". أخرجه أبو داود (٢ / ٤٣٨) والحاكم (٤ / ٥٢٥) وأحمد (٢ / ٢١٢) واللفظ له عن هلال بن خباب أبي العلاء قال: حدثني عبد الله بن عمرو قال: " بينما نحن حول رسول الله ﷺ ، إذ ذكروا الفتنة، أو ذكرت عنده، قال " فذكره. وقال الحاكم: " صحيح الإسناد ". ووافقه الذهبي. وقال المنذري والعراقي:

стр. 413

" سنده حسن ". نقله المناوي في " الفيض " وأقرهما وهو كما قالا، فإن هلالا هذا فيه كلام يسير لا ينزل حديثه عن رتبة الحسن إلا إذا خولف، وقد توبع على أصل الحديث كما يأتي. والحديث عزاه السيوطي للحاكم وحده بهذا اللفظ. وفيه مؤاخذتان: الأولى: إيهامه أنه لم يخرجه أحد من أصحاب السنن ولا من هو أعلى طبقة من الحاكم، وليس كذلك كما هو بين. الثانية: إيهامه أيضا أن اللفظ للحاكم وهو لأحمد: وللحديث عن ابن عمرو ثلاث طرق أخر: الأول: عن أبي حازم عن عمارة بن عمرو بن حزم عن عبد الله بن عمرو بلفظ: " كيف بكم وبزمان، أو يوشك أن يأتي زمان يغربل الناس فيه غربلة، تبقى حثالة من الناس قد مرجت عهودهم وأماناتهم واختلفوا فكانوا هكذا: وشبك بين أصابعه .... " الحديث مثله دون قوله " الزم بيتك واملك عليك لسانك ". أخرجه أبو داود (٢ / ٤٣٧ - ٤٣٨) وابن ماجه (٢ / ٤٦٧ - ٤٦٨) والحاكم (٤ / ٤٣٥) وأحمد (٢ / ٢٢١) . وقال الحاكم: " صحيح الإسناد ". ووافقه الذهبي. وهو كما قالا، فإن رجاله ثقات معروفون غير عمارة هذا فقد وثقه العجلي وابن حبان وروى عنه جماعة من الثقات. الطريق الثاني: عن أبي حازم أيضا عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا. " يأتي على الناس زمان يغربلون فيه غربلة يبقى منهم حثالة قد مرجت عهودهم ... " الحديث مثل الذي قبله.

стр. 414

أخرجه أحمد (٢ / ٢٢٠) وسنده حسن. الطريق الثالث: عن الحسن عن عبد الله بن عمرو قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كيف أنت إذا بقيت فى حثالة من الناس، قال: قلت: يا رسول الله كيف ذلك؟ قال إذا مرجت عهودهم وأماناتهم ... " الحديث مثله. أخرجه أحمد (٢ / ١٦٢) ورجاله ثقات رجال الشيخين غير أن الحسن البصري في سماعه من ابن عمرو خلاف، وأيهما كان، فهو مدلس وقد عنعنه. ومما يلاحظ أن هذه الطرق الثلاث، ليس فيها الزيادة التي فى الطريق التي قبل هذه " الزم بيتك واملك عليك لسانك ". فالقلب يميل إلى أنها زيادة شاذة لأن الذي تفرد بها وهو هلال بن خباب فيه كلام كما سبق، فلا يحتج به إذا خالف الثقات. نعم قد جاءت هذه الزيادة فى حديث أبي ثعلبة الخشني نحو هذا، لكن لا يصح إسناده كما بينته فى المائة التي بعد الألف من " الأحاديث الضعيفة ". وإن مما يؤيد شذوذها أنني وجدت لحديث ابن عمرو هذا شاهدا من حديث أبي هريرة مثله ليس فيه الزيادة، ولفظه: " كيف بك يا عبد الله بن عمرو إذا بقيت في حثالة من الناس مرجت عهودهم وأماناتهم، واختلفوا فصاروا هكذا: وشبك بين أصابعه قال: قلت: يا رسول الله ما تأمرني؟ قال: عليك بخاصتك، ودع عنك عوامهم ". ٢٠٦ - " كيف بك يا عبد الله بن عمرو إذا بقيت في حثالة من الناس مرجت عهودهم وأماناتهم، واختلفوا فصاروا هكذا: وشبك بين أصابعه قال: قلت: يا رسول الله ما تأمرني؟ قال: عليك بخاصتك، ودع عنك عوامهم ". أخرجه الدولابي في " الكنى " (٢ / ٣٥) وابن حبان في " صحيحه " (١٨٤٩) وأبو عمرو الداني في " السنن الواردة في الفتن " (ق ١٦ / ٢) وابن السماك في " الأول من الرابع من حديثه " (١٠٨) من طريقين عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي

стр. 415

هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : فذكره. قلت: وهذا سند صحيح على شرط مسلم. وعلقه البخاري في صحيحه (١ / ٥٤٨) من طريق عاصم بن محمد عن أخيه واقد وهو ابن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب عن أبيه قال: سمعت أبي وهو يقول: وقال عبد الله: قال رسول الله ﷺ : " يا عبد الله بن عمرو كيف بك إذا بقيت في حثالة من الناس ". ووصله إبراهيم الحربي في " غريب الحديث "، وحنبل بن إسحاق فى " كتاب الفتن " وأبو يعلى (ق ٢٦٧ / ٢) من هذا الوجه عن ابن عمر به، مثل حديث أبي هريرة سواء كما في " الفتح " (١٣ / ٣٢) . فهو شاهد قوي لحديث أبي هريرة. وله شاهد آخر من حديث سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما لعبد الله بن عمرو بن العاص: فذكره. أخرجه ابن أبي الدنيا في " الأمر بالمعروف " (ق ٥٥ / ١) وابن شاهين في " جزء من حديثه " (ق ٢١٠ / ١ - محمودية) وابن عدى (٣٦ / ١) وكذا الطبراني كما في " الفتح " عن أبي حازم عنه. وأحد الإسنادين عن أبي حازم عند ابن شاهين حسن. ٢٠٧ - " كان يغير الاسم القبيح إلى الاسم الحسن ". أخرجه الترمذي (٢ / ١٣٧) وابن عدي (٢٤٥ / ٢) عن أبي بكر بن نافع البصري حدثنا عمر بن علي المقدمي عن هشام بن عروة عن أبيه، قال مرة: عن

стр. 416

عائشة ثم أوقفه - أن رسول الله ﷺ .... الحديث. سكت عليه الترمذي، وقال ابن عدي: " وهذا قد اختلفوا على هشام بن عروة، فمنهم من أوقفه، ومنهم من أرسله، ومنهم من قال " عائشة ". ومنهم من قال: " عن أبي هريرة "، ولعمر بن علي هذا أحاديث حسان، وأرجو أنه لا بأس به ". قلت: هو في نفسه ثقة، لكنه كان يدلس تدليسا سيئا جدا بحيث يبدو أنه لا يعتد بحديثه حتى لو صرح بالتحديث كما هو مذكور في ترجمته من " التهذيب "، ولكنه لم يتفرد به كما يأتي، وبقية رجال الإسناد ثقات رجال الشيخين غير أبي بكر بن نافع واسمه محمد بن أحمد، فمن أفراد مسلم. وممن تابع المقدمي محمد بن عبد الرحمن الطفاوي عن هشام بن عروة به. أخرجه ابن عدي (٣٠٠ / ٢) وقال: " هذا الحديث ضعيف ". قلت: بل هو صحيح لما له من المتابعات والشاهد كما يأتي. والطفاوي هذا قد احتج به البخاري وفي حفظه ضعف يسير فهو حسن الحديث إن شاء الله تعالى. وقد تابعه شريك بن عبد الله القاضي أيضا بلفظ: " كان إذا سمع اسما قبيحا غيره، فمر على قرية يقال لها " عفرة " فسماها خضرة ". ٢٠٨ - " كان إذا سمع اسما قبيحا غيره، فمر على قرية يقال لها " عفرة " فسماها خضرة ". أخرجه الطبراني في " المعجم الصغير " (ص ٧٠) من طريق إسحاق بن يوسف الأزرق حدثنا شريك به. وقال: " لم يروه عن شريك إلا إسحاق ".

стр. 417

قلت: وهو ثقة. وكذلك سائر الرواة، غير أن شريكا في حفظه ضعف، لكن قد توبع في بعضه، أخرجه الطحاوي في " شرح المعاني " (٢ / ٣٤٤) من طريق عبدة بن سليمان عن هشام بن عروة به بلفظ: " أن النبي ﷺ مر بأرض تسمى عزرة فسماها خضرة ". قلت: وهذا سند صحيح، وهو يدل على أن من أرسله ولم يذكر فيه عائشة أنه قصر. وعزاه الهيثمي (٨ / ٥١) لأبي يعلى والطبراني في الأوسط وقال: " ورجال أبي يعلى رجال الصحيح "، وقال في طريق " المعجم الصغير ": " ورجاله رجال الصحيح ". كذا قال، وشريك إنما أخرج له مسلم مقرونا بغيره. (تنبيه) : " عزرة " كذا في الطحاوي بالزاي، وفي " المجمع ": " عذرة " بالذال ولعله الصواب. وللحديث شاهد صحيح بلفظ: " كان إذا أتاه الرجل وله اسم لا يحبه حوله ".

стр. 418

٢٠٩ - " كان إذا أتاه الرجل وله اسم لا يحبه حوله ". أخرجه الخلال في " أصحاب ابن منده " (ق ١٥٣ / ٢) قال: أخبرنا سعيد بن يزيد الحمصي حدثنا محمد بن عوف بن سفيان: حدثنا أبو اليمان حدثنا إسماعيل بن عياش عن ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد قال: قال عتبة بن عبد السلمي: فذكره مرفوعا. قلت: وهذا سند صحيح، رجاله كلهم ثقات معرفون، غير سعيد بن يزيد الحمصي، والظاهر أنه ابن معيوف الحجوي وهو ثقة كما في " مختصر تاريخ ابن عساكر " (٦ / ١٧٩) ، وإسماعيل بن عياش صحيح الحديث عن الشاميين كما قال البخاري وغيره، وهذا عنهم. والحديث قال الهيثمي (٨ / ٥٢) : " رواه الطبراني، ورجاله ثقات، وفي بعضهم خلاف ". قلت: وكأنه يشير إلى ابن عياش، وقد عرفت الجواب. وهذه بعض الأسماء التي غيرها رسول الله ﷺ كما جاء في الأحاديث الصحيحة برة. عاصية. حزن. شهاب. جثامة. وإليك بعض الأحاديث في ذلك: " لا تزكوا أنفسكم، فإن الله هو أعلم بالبرة منكن والفاجرة، سميها زينب ". ٢١٠ - " لا تزكوا أنفسكم، فإن الله هو أعلم بالبرة منكن والفاجرة، سميها زينب ". أخرجه البخاري في " الأدب المفرد " (٨٢١) وأبو داود (٤٩٥٣) عن محمد بن إسحاق قال: حدثني محمد بن عمرو بن عطاء أنه دخل على زينب بنت أبي

стр. 419

سلمة فسألته عن اسم أخت له عنده؟ قال: فقلت: اسمها برة، قالت: غير اسمها، فإن النبي ﷺ نكح زينب بنت جحش واسمها برة، فغير اسمها إلى زينب فدخل على أم سلمة حين تزوجها واسمي برة، فسمعها تدعوني برة، فقال: فذكره . فقالت (أم سلمة) : فهي زينب، فقلت لها: اسمي؟ فقالت: غير إلى ما غير إليه رسول الله ﷺ ، سمها زينب. قلت: وهذا سند حسن. وفي ابن إسحاق كلام لا يضر وقد صرح بالتحديث. وقد تابعه الوليد بن كثير حدثني محمد بن عمرو به مختصرا ويزيد بن أبي حبيب عن محمد بن عمرو به، وفيه " لا تزكوا أنفسكم ... ". أخرجه مسلم (٦ / ١٧٣ - ١٧٤) . وللحديث شاهد صحيح بلفظ: " كان اسم زينب برة (فقيل: تزكي نفسها) فسماها النبي ﷺ : زينب ". ٢١١ - " كان اسم زينب برة (فقيل: تزكي نفسها) فسماها النبي ﷺ : زينب ". أخرجه البخاري (٤ / ١٥٧) ومسلم (٦ / ١٧٣) والدارمي (٢ / ٢٩٥) وابن ماجه (٣٧٣٢) وأحمد (٢ / ٤٣٠ - ٤٥٩) من طرق عن شعبة عن عطاء ابن أبي ميمونة عن أبي رافع عن أبي هريرة قال: فذكره. واللفظ لأحمد والزيادة له. ولمسلم فى رواية وابن ماجه. ورواه البخاري في " الأدب المفرد " (٨٣٢) : حدثنا عمرو بن مرزوق قال: حدثنا شعبة به، بلفظ: " كان اسم ميمونة برة، فسماها النبي ﷺ ميمونة ". قلت: وهو بهذا الفظ شاذ لمخالفة ابن مرزوق لرواية الجماعة لاسيما وهو ذو أوهام كما في " التقريب "، وقد تابعه أبو داود الطيالسي لكن على الشك فقال

стр. 420

(٢٤٤٥) : حدثنا شعبة به بلفظ: " ميمونة أو زينب ". وقد أشار الحافظ في " الفتح " (١٠ / ٤٧٥) إلى شذوذ رواية ابن مرزوق هذه. وترجم البخاري للحديث بقوله " باب تحويل الاسم إلى اسم أحسن منه ". وفي الباب عن ابن عباس قال: " كانت جويرية اسمها برة، فحول رسول الله ﷺ اسمها جويرية، وكان يكره أن يقال: خرج من عند برة ". ٢١٢ - " كانت جويرية اسمها برة، فحول رسول الله ﷺ اسمها جويرية، وكان يكره أن يقال: خرج من عند برة ". أخرجه مسلم (٦ / ١٧٣) والبخاري في الأدب (٨٣١) وأحمد (١ / ٢٥٨ - ٣٢٦ - ٣٥٣) وابن سعد في " الطبقات " (٨ / ٨٤ / ٨٥) . ٢١٣ - " أنت جميلة ". رواه مسلم (٦ / ١٧٣) والبخاري في " الأدب المفرد " (٨٢٠) وأبو داود (٤٩٥٢) والترمذي (٢ / ١٣٧) وأحمد (٢ / ١٨) عن يحيى بن سعيد عن عبيد الله: أخبرني نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ غير اسم عاصية وقال: فذكره. وقال الترمذي: " هذا حديث حسن غريب، وإنما أسنده يحيى بن سعيد القطان ". قلت: بل هو صحيح، فإن القطان ثقة متقن حافظ إمام قدوة كما في " التقريب " للحافظ، وقد تابعه حماد بن سلمة عن عبيد الله به، وزاد أنها ابنة لعمر ﵁. رواه مسلم وكذا الدارمي (٢ / ٢٩٥) ولكنه لم يذكر هذه الزيادة. وأثبتها ابن ماجه (٣٧٣٣) .

стр. 421

٢١٤ - " أنت سهل ". رواه البخاري (١٠ / ٤٧٤ - فتح) وفي " الأدب المفرد " (٨٤١) وأبو داود (رقم ٤٩٥٦) وأحمد (٥ / ٤٣٣) عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبيه عن جده " أن النبي ﷺ قال له: ما اسمك؟ قال! حزن، قال: فذكره. قال: لا، السهل يوطأ ويمتهن. قال سعيد: فظننت أنه سيصيبنا بعده حزونة، لفظ أبي داود، ولفظ البخاري مثله إلا أنه قال: قال: لا أغير اسما سمانيه أبي. قال ابن المسيب: فما زالت الحزونة فينا بعد. ورواه علي بن زيد عن سعيد بن المسيب به نحوه، إلا أنه جعله من مسند المسيب بن حزن، وليس من رواية حزن نفسه، وهو رواية أحمد عن الزهري، ورواية للبخاري، والراجح الأول كما قرره الحافظ، وفي رواية علي: " قال: يا رسول الله اسم سمانيه أبواي عرفت به فى الناس. قال: فسكت عنه النبي ﷺ ". قلت: ومن المعلوم أن سكوته ﷺ إقرار، لكن علي بن زيد وهو ابن جدعان ضعيف لاسيما وقد زاد على الإمام الزهري، فلا تقبل زيادته. ٢١٥ - " بل أنت هشام ". أخرجه البخاري في " الأدب المفرد " (٨٢٥) عن عمران القطان عن قتادة عن زرارة بن أبي أوفي عن سعد بن هشام عن عائشة ﵂: " ذكر عند رسول الله ﷺ رجل يقال له: شهاب، فقال رسول الله ﷺ ... " فذكره.

стр. 422

قلت: وهذا إسناد حسن، رجاله ثقات رجال البخاري غير عمران وهو ابن داور، وهو صدوق يهم كما في " التقريب ". والحديث مما علقه أبو داود في هذا الباب. ٢١٦ - " بل أنت حسانة المزنية ". أخرجه ابن الأعرابي في " معجمه " (ق ٧٥ / ٢) وعنه القضاعي في " مسند الشهاب " (ق ٨٢ / ١) والحاكم في " المستدرك " (١ / ١٥ - ١٦) من طريق صالح بن رستم عن ابن أبي مليكة عن عائشة قالت: " جاءت عجوز إلى النبي ﷺ ، وهو عندي، فقال لها رسول الله ﷺ : من أنت؟ قالت: أنا جثامة المزنية، فقال: بل أنت حسانة المزنية، كيف أنتم؟ كيف حالكم، كيف كنتم بعدنا؟ قالت: بخير بأبي أنت وأمي يا رسول الله. فلما خرجت، قلت: يا رسول الله، تقبل على هذه العجوز هذا الإقبال؟ فقال: " إنها كانت تأتينا زمن خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان ". وقال الحاكم: " حديث صحيح على شرط الشيخين، فقد اتفقا على الاحتجاج برواته في أحاديث كثيرة وليس له علة ". كذا قال! ووافقه الذهبي! وصالح بن رستم وهو أبو عامر الخزاز البصري لم

стр. 423

يخرج له البخاري في " صحيحه " إلا تعليقا، وأخرج له في " الأدب المفرد " أيضا ثم هو مختلف فيه، فقال الذهبي نفسه في " الضعفاء ": " وثقه أبو داود، وقال ابن معين: ضعيف الحديث. وقال أحمد: صالح الحديث ". وهذا هو الذي اعتمده في " الميزان " فقال: " وأبو عامر الخزاز حديثه لعله يبلغ خمسين حديثا، وهو كما قال أحمد: صالح الحديث ". قلت: فهو حسن الحديث إن شاء الله تعالى، فقد قال ابن عدى: " وهو عندي لا بأس به، ولم أر له حديثا منكرا جدا ". وأما الحافظ فقال في " التقريب ": " صدوق، كثير الخطأ ". وهذا ميل منه إلى تضعيفه. والله أعلم. ولكنه على كل حال، فالحديث صحيح، لأنه لم يتفرد به، كما يدل عليه كلام الحافظ في " الفتح " (١٠ / ٣٦٥) فإنه قال بعد أن ذكره من هذا الوجه من رواية الحاكم والبيهقي في " الشعب ": " وأخرجه البيهقي أيضا من طريق مسلم بن جنادة عن حفص بن غياث عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة مثله، بمعنى القصة، وقال: " غريب ". ومن طريق أبي سلمة عن عائشة نحوه، وإسناده ضعيف ". قلت: وطريق أبي سلمة، أخرجها أبو عبد الرحمن السلمي في " آداب الصحبة " (٢٤) عن محمد بن ثمال الصنعاني حدثنا عبد المؤمن بن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة به. ومحمد بن ثمال وشيخه عبد المؤمن لم أجد لهما ترجمة.

стр. 424

وقد وجدت له طريقا أخرى مختصرا، أخرجه القاسم السرقسطي في " غريب الحديث " (٢ / ٢٠ / ١) عن الحميدي قال: حدثنا سفيان قال: حدثنا عبد الواحد ابن أيمن وغيره عن ابن أبي نجيح عن عائشة: " أن امرأة أتت النبي ﷺ ، فقرب إليه لحم، فجعل يناولها، قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله لا تغمر يدك! فقال ﷺ : (يا عائشة إن هذه كانت تأتينا أيام خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان) ، فلما ذكر خديجة قلت: قد أبدلك الله من كبيرة السن حديثة السن، فشدقني، وقال: ما علي - أو نحو هذا - إن كان الله رزقها مني الولد، ولم يرزقكيه، فقلت: والذى بعثك بالحق لا أذكرها إلا بخير أبدا. قال الحميدي: ثم قال سفيان: عبد الواحد وغيره يزيد أحدهما على الآخر في الحديث ". قلت: وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين لكنه منقطع بين ابن أبي نجيح - واسمه عبد الله - وعائشة، فإنه لم يسمع منها كما قال أبو حاتم، خلافا لابن المديني، ووقع التصريح بسماعه منها في " صحيح البخاري " فالله أعلم. وقصة غيرة عائشة من خديجة ﵄ ثابتة في " صحيح البخاري " " ومسلم " والترمذي (٢ / ٣٦٣) وأحمد (٦ / ١١٨، ١٥٠، ١٥٤) من طرق عنها. هذا ولقد كان الباعث على تحرير القول في هذا الحديث خاصة أن الله تبارك وتعالى رزقني بعد ظهر الثلاثاء في عشرين ربيع الآخر سنة ١٣٨٥ طفلة جميلة، فلما عزمت على أن أختار لها اسما من أسماء الصحابيات الكريمات، وقع بصري على هذا الاسم " حسانة "، فمال إليه قلبي، لتحقيق الاقتداء به (صلى الله عليه وسلم) في تسميته

стр. 425

" جثامة " به، ولكن لم أبادر إلى ذلك حتى درست إسناد الحديث على نحو ما سبق، وتحققت من صحته. والحمد لله على توفيقه، وأسأله تعالى أن يجعلها من المؤمنات الصالحات، والعابدات العالمات، السعيدات فى الدنيا والآخرة. فقه الأحاديث قال الطبري: " لا ينبغي التسمية باسم قبيح المعنى ولا باسم يقتضي التزكية له، ولا باسم معناه السب، ولو كانت الأسماء إنما هي أعلام للأشخاص لا يقصد بها حقيقة الصفة لكن وجه الكراهة أن يسمع سامع بالاسم فيظن أنه صفة للمسمى، فلذلك كان (صلى الله عليه وسلم) يحول الاسم إلى ما إذا دعي به صاحبه كان صدقا. قال: وقد غير رسول الله ﷺ عدة أسماء ". ذكره في " الفتح " (١٠ / ٤٧٦) . قلت: وعلى ذلك فلا يجوز التسمية بعز الدين ومحي الدين وناصر الدين، ونحو ذلك. ومن أقبح الأسماء التي راجت فى هذا العصر ويجب المبادرة إلى تغييرها لقبح معانيها هذه الأسماء التي أخذ الآباء يطلقونها على بناتهم مثل (وصال) و (سهام) و (نهاد) و (غادة) و (فتنة) ونحو ذلك. والله المستعان. ٢١٧ - " إنما المدينة كالكير تنفي خبثها، وينصع طيبها ". أخرجه البخاري (٤ / ٧٧، ١٣ / ١٧٤، ٢٥٨) ومسلم (٩ / ١٥٥) ومالك (٣ / ٨٤) والنسائي (٢ / ١٨٤) والترمذي (٤ / ٣٧٣) والطيالسي في " مسنده "
следующие страницы →