Полный текст (6 550 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
ثانيا: أنه لو كان له ذلك فلماذا نفذ الحد بالرجل دون المرأة وهما في ذلك
سواء؟ .
ثالثا: إن الزاني المحصن حكمه شرعا القتل رجما، وليس القتل بغير الرجم.
ومن ذلك يتبين أن ذلك الشيخ قد خالف الشرع من وجوه، وكذلك شأن ذلك المرشد
الذي بنى على القصة ما بنى من وجوب إطاعة الشيخ ولو خالف الشرع ظاهرا، حتى
لقد قال لهم: إذا رأيتم الشيخ على عنقه الصليب فلا يجوز لكم أن تنكروا عليه!
ومع وضوح بطلان مثل هذا الكلام، ومخالفته للشرع والعقل معا نجد في الناس من
ينطلي عليه كلامه وفيهم بعض الشباب المثقف. ولقد جرت بيني وبين أحدهم
مناقشة حول تلك القصة وكان قد سمعها من ذلك المرشد وما بنى عليها من حكم،
ولكن لم تجد المناقشة معه شيئا وظل مؤمنا بالقصة لأنها من باب الكرامات في
زعمه، قال: وأنتم تنكرون الكرامة ولما قلت له: لو أمرك شيخك بقتل والدك
فهل تفعل؟ فقال: إنني لم أصل بعد إلى هذه المنزلة! ! فتبا لإرشاد يؤدي إلى
تعطيل العقول والاستسلام للمضلين إلى هذه المنزلة، فهل من عتب بعد ذلك على من
يصف دين هؤلاء بأنه أفيون الشعب؟
الطائفة الثانية: وهم المقلدة الذين يؤثرون اتباع كلام المذهب على كلام النبي
ﷺ ، مع وضوح ما يؤخذ منه، فإذا قيل لأحدهم مثلا: لا تصل سنة
الفجر بعد أن أقيمت الصلاة لنهي النبي ﷺ عن ذلك صراحة لم يطع
وقال المذهب: يجيز ذلك، وإذا قيل له: إن نكاح التحليل باطل لأن النبي صلى
الله عليه وسلم لعن فاعله، أجابك بقوله: لا بل هو جائز في المذهب الفلاني!
وهكذا إلى مئات المسائل، ولهذا ذهب كثير من المحققين إلى أن أمثال هؤلاء
المقلدين ينطبق عليهم قول
стр. 352
الله ﵎ في النصارى (اتخذوا أحبارهم
ورهبانهم أربابا من دون الله) كما بين ذلك الفخر الرازي في " تفسيره ".
الطائفة الثالثة: وهم الذين يطيعون ولاة الأمور فيما يشرعونه للناس من نظم
وقرارات مخالفة للشرع كالشيوعية وما شابهها وشرهم من يحاول أن يظهر أن ذلك
موافق للشرع غير مخالف له. وهذه مصيبة شملت كثيرا ممن يدعي العلم والإصلاح
في هذا الزمان، حتى اغتر بذلك كثير من العوام، فصح فيهم وفي متبوعيهم الآية
السابقة " اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله " نسأل الله الحماية
والسلامة.
١٨٢ - " إذا زار أحدكم أخاه فجلس عنده، فلا يقومن حتى يستأذنه ".
رواه أبو الشيخ في " تاريخ أصبهان " (١١٣) : حدثنا إسحق بن محمد ابن حكيم
قال: حدثنا يحيى بن واقد قال: حدثنا ابن أبي غنية قال: حدثنا أبي قال:
حدثنا جبلة بن سحيم عن ابن عمر قال: قال النبي ﷺ :
فذكره.
قلت: وهذا سند صحيح، رجاله كلهم ثقات معرفون.
أما جبلة بن سحيم فهو ثقة أخرج له البخاري في " الأدب المفرد ".
وابن أبي غنية فهو يحيى بن عبد الملك بن حميد بن أبي غنية، فهو ثقة من رجال
الشيخين، وكذا أبوه عبد الملك.
وأما يحيى بن واقد، فترجمه أبو الشيخ فقال:
стр. 353
" كان رأساً في النحو والعربية، كثير الحديث. وقال إبراهيم بن أرومة: يحيى
من الثقات، وذكر أن مولده سنة خمس وستين، خلافة المهدي. ومن حسان حديثه
.. ".
قلت: ثم ساق له ثلاثة أحاديث هذا أولها.
وأما إسحاق بن محمد بن حكيم، فهو إسحاق بن محمد بن إبراهيم بن حكيم قال
أبو الشيخ (٢٦٧) :
" شيخ صدوق من أهل الأدب والمعرفة بالحديث، عنده كتب أبي عبيدة وعبد الرزاق
.. كثير الحديث. وكان صدوقا ثقة، لا يحدث إلا من كتابه. توفي سنة اثنتي
عشرة وثلاثمائة ".
قلت: ومن العجائب أن هذا الحديث مما فات السيوطي في " الجامع الكبير " فلم
يورده فيه، بينما هو ذكره في " الجامع الصغير " من رواية الديلمي عن ابن عمر،
فكأنه استدركه فيه، ولكنه فاته هذا المصدر العالي وهو " تاريخ أصبهان " كما
فات ذلك شارحه المناوي أيضا وقال معللا سند الديلمي:
" وفيه من لا يعرف ".
قلت: فإما أن يكون إسناد الديلمي غير إسناد أبي الشيخ، وأما أن يكون هو هذا
ولكن خفي عليه بعض رواته لأنهم لم يترجموا في غير هذا " التاريخ "، وهو الذي
أرجحه. والله أعلم.
وبالجملة فهذا الحديث من الفوائد العزيزة التي لا تراها في كتاب بهذا الإسناد
والتحقيق. فلله الحمد، وهو ولي التوفيق.
стр. 354
وفي الحديث تنبيه على أدب رفيع وهو أن الزائر لا ينبغي أن يقوم إلا بعد أن
يستأذن المزور، وقد أخل بهذا التوجيه النبوي الكريم كثير من الناس في بعض
البلاد العربية، فتجدهم يخرجون من المجلس دون استئذان، وليس هذا فقط، بل
وبدون سلام أيضا! وهذه مخالفة أخرى لأدب إسلامي آخر، أفاده الحديث الآتى:
" إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلم، فإذا أراد أن يقوم فيسلم، فليست الأولى
بأحق من الآخرة ".
١٨٣ - " إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلم، فإذا أراد أن يقوم فيسلم، فليست الأولى
بأحق من الآخرة ".
رواه البخاري في " الأدب المفرد " (١٠٠٧ و ١٠٠٨) وأبو داود (٥٢٠٨)
والترمذي (٢ / ١١٨) والطحاوي في " المشكل " (٢ / ١٣٩) وأحمد (٢ / ٢٣٠،
٢٨٧، ٤٢٩) والحميدي (١١٦٢) وأبو يعلى في " مسنده " (ق ٣٠٦ / ١)
والفاكهي في " حديثه عن أبي يحيى بن أبي ميسرة " (١ / ٥ / ٢) عن ابن عجلان
عن سعيد المقبري عن أبي هريرة مرفوعا به وقال الترمذي: " حديث حسن ".
قلت: وإسناده جيد، رجاله كلهم ثقات، وفي ابن عجلان واسمه محمد، كلام
يسير لا يضر في الاحتجاج بحديثه، لاسيما وقد تابعه يعقوب ابن زيد التيمي عن
المقبري به. والتيمي هذا ثقة: فصح الحديث، والحمد لله. وله شواهد تقويه
كما يأتي.
والحديث عزاه السيوطي في " الجامع الصغير " و " الكبير " (١ / ٤٥ / ١) لابن
стр. 355
حبان والحاكم في " المستدرك " أيضا، ثم عزاه في مكان آخر من " الكبير "
(١ / ٢١ / ١) لابن السني في " عمل اليوم والليلة " والطبراني في " الكبير "
ولم أره في " المستدرك " بعد أن راجعته فيه في " البر " و " الصلة " و " الأدب
". والله أعلم.
ومن شواهد الحديث ما أخرجه أحمد (٣ / ٤٣٨) من طريق ابن لهيعة حدثنا زبان عن
سهل بن معاذ عن أبيه عن رسول الله ﷺ قال:
" حق على من قام على مجلس أن يسلم عليهم، وحق على من قام من مجلس أن يسلم.
فقام رجل ورسول الله ﷺ يتكلم، ولم يسلم، فقال رسول الله
ﷺ : ما أسرع ما نسي؟ !
قلت: وهذا سند ضعيف، ولكن لا بأس به في الشواهد. ويقويه أن البخاري أخرجه
في " الأدب المفرد " (١٠٠٩) من طريق أخرى عن بسطام قال: سمعت معاوية بن قرة
قال: قال لي أبي:
" يا بني إن كنت في مجلس ترجو خيره فعجلت بك حاجة فقل: سلام عليكم، فإنك
تشركهم فيما أصابوا في ذلك المجلس، وما من قوم يجلسون مجلسا فيتفرقون عنه لم
يذكروا الله، إلا كأنما تفرقوا عن جيفة حمار ".
وإسناده صحيح، رجاله كلهم ثقات، وهو وإن كان موقوفا، فهو في حكم المرفوع
لأنه لا يقال من قبل الرأي، لاسيما وغالبه قد صح مرفوعا، فطرفه الأول ورد
في حديث أبي هريرة هذا، والآخر ورد من حديثه أيضا، وقد سبق برقم (٧٧)
وانظر ما قبله وما بعده.
والسلام عند القيام من المجلس أدب متروك في بعض البلاد، وأحق من يقوم
بإحيائه هم أهل العلم وطلابه، فينبغي لهم إذا دخلوا على الطلاب في غرفة الدرس
مثلا أن يسلموا، وكذلك إذا خرجوا، فليست الأولى بأحق من الأخرى، وذلك من
إفشاء السلام المأمور به في الحديث الآتى:
" إن السلام اسم من أسماء الله تعالى وضعه في الأرض، فأفشوا السلام بينكم ".
стр. 356
١٨٤ - " إن السلام اسم من أسماء الله تعالى وضعه في الأرض، فأفشوا السلام بينكم ".
رواه البخاري في " الأدب المفرد " (٩٨٩) حدثنا شهاب قال: حدثنا حماد بن سلمة
عن حميد عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : فذكره.
قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير حماد بن سلمة فمن
رجال مسلم وحده.
وله شاهد من حديث عبد الله بن مسعود مرفوعا به.
أخرجه أبو الشيخ في " الطبقات " (١٤٧، ٢٩٥) من طريق عبد الله بن عمر قال:
حدثنا يحيى بن سعيد عن الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الله به. وقال:
" تفرد به عبد الله بن عمر ".
قلت: وهو عبد الله بن عمر بن يزيد الزهري قال أبو الشيخ:
" يكنى أبا محمد، ولي القضاء بالكرخ، وخرج إليها، مات سنة اثنتين وخمسين
ومائتين، وكان راوية عن يحيى، وعبد الرحمن وروح وحماد بن مسعدة ومحمد
بن بكر وأبو قتيبة وغيرهم، وله مصنفات كثيرة، وقد حدث بغير حديث يتفرد به
".
ثم ساق له أحاديث هذا أولها.
وقد أورده ابن أبي حاتم (٢ / ٢ / ١١١) ولم يذكر فيه جرحا.
قلت: فالرجل يستشهد به إن لم يحتج به، فإنه ليس فيما ساق له أبو الشيخ من
الأحاديث ما ينكر عليه، والله أعلم.
والحديث أورده المنذري في " الترغيب " (٣ / ٢٦٧ - ٢٦٨) بزيادة:
" فإن الرجل المسلم إذا مر بقوم فسلم عليهم فردوا عليه كان له عليهم
стр. 357
فضل درجة
بتذكيره إياهم السلام، فإن لم يردوا عليه رد عليه من هو خير منهم ".
وقال:
" رواه البزار والطبراني وأحد إسنادي البزار جيد قوي ".
وفي الباب عن أبي هريرة مثل حديث أنس.
أخرجه العقيلي كما في " الجامع الكبير " (١ / ١٥٩ / ١) .
وبالجملة فالحديث صحيح لا شك فيه، والأحاديث في الأمر بإفشاء السلام كثيرة
صحيحة، بعضها في الصحيح، وقد اخترت منها هذا الحديث للكلام عليه، لأنه ليس
في " الصحيح " مع أن إسناده صحيح، وله تلك الشواهد فأحببت أن أبين ذلك.
إذا عرفت هذا فينبغي أن تعلم أن إفشاء السلام المأمور به دائرته واسعة جدا،
ضيقها بعض الناس جهلا بالسنة، أو تهاملا في العمل بها. فمن ذلك السلام على
المصلي، فإن كثيرا من الناس يظنون أنه غير مشروع، بل صرح النووي في الأذكار
بكراهته، مع أنه صرح في " شرح مسلم ": " أنه يستحب رد السلام بالإشارة "
وهو السنة. فقد جاءت أحاديث كثيرة في سلام الصحابة على النبي صلى الله عليه
وسلم وهو يصلي فأقرهم على ذلك، ورد ﵈، فأنا أذكر هنا حديثا
واحدا منها وهو حديث ابن عمر قال:
" خرج رسول الله ﷺ إلى قباء يصل فيه. فجاءته الأنصار فسلموا
عليه وهو يصلي، قال: فقلت لبلال: كيف رأيت رسول الله ﷺ
يرد عليهم حين كانوا يسلمون عليه وهو يصلي؟ قال: يقول هكذا، وبسط كفه
وبسط جعفر بن عون كفه، وجعل بطنه أسفل، وجعل ظهره إلى فوق ".
١٨٥ - " خرج رسول الله ﷺ إلى قباء يصلي فيه. فجاءته الأنصار فسلموا
عليه وهو يصلي، قال: فقلت لبلال: كيف رأيت
стр. 358
رسول الله ﷺ
يرد عليهم حين كانوا يسلمون عليه وهو يصلي؟ قال: يقول هكذا، وبسط كفه
وبسط جعفر بن عون كفه، وجعل بطنه أسفل، وجعل ظهره إلى فوق ".
أخرجه أبو داود (٩٢٧) بسند جيد وبقية أصحاب السنن.
وقال الترمذي (٢ / ٢٠٤) : " حديث حسن صحيح ".
وله طريق أخرى في المسند (٢ / ٣٠) وغيره عن ابن عمر.
وسنده صحيح على شرط الشيخين.
وقد ذهب إلى الحديث الإمامان أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه فقال المروزي في
" المسائل " (ص ٢٢) :
" قلت (يعني لأحمد) : يسلم على القوم وهم في الصلاة؟ قال: نعم، فذكر قصة
بلال حين سأله ابن عمر، كيف كان يرد؟ قال: كان يشير، قال إسحاق: كما قال "
:
واختار هذا بعض محققي المالكية فقال القاضي أبو بكر بن العربي في " العارضة "
(٢ / ١٦٢) :
" قد تكون الإشارة في الصلاة لرد السلام لأمر ينزل بالصلاة، وقد تكون في
الحاجة تعرض للمصلي. فإن كانت لرد السلام ففيها الآثار الصحيحة كفعل النبي
ﷺ في قباء وغيره. وقد كنت في مجلس الطرطوشي، وتذاكرنا
المسألة، وقلنا الحديث واحتججنا به، وعامي في آخر الحلقة، فقام وقال:
ولعله كان يرد عليهم نهيا لئلا يشغلوه! فعجبنا من فقهه! ثم رأيت بعد ذلك أن
فهم الراوي أنه كان لرد السلام قطعي في الباب، على حسب ما بيناه في أصول الفقه
".
стр. 359
ومن العجيب أن النووي بعد أن صرح في الأذكار بكراهة السلام على المصلي قال ما
نصه:
" والمستحب أن يرد عليه في الصلاة بالإشارة، ولا يتلفظ بشيء ".
أقول: ووجه التعجب أن استحباب الرد فيه أن يستلزم استحباب السلام عليه
والعكس بالعكس، لأن دليل الأمرين واحد، وهو هذا الحديث وما في معناه،
فإذا كان يدل على استحباب الرد، فهو في الوقت نفسه يدل على استحباب الإلقاء،
فلو كان هذا مكروها لبينه رسول الله ﷺ ولو بعدم الإشارة
بالرد، لما تقرر أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. وهذا بين ظاهر
والحمد لله.
ومن ذلك أيضا السلام على المؤذن وقارىء القرآن، فإنه مشروع، والحجة ما
تقدم فإنه إذا ما ثبت استحباب السلام على المصلي، فالسلام على المؤذن
والقارىء أولى وأحرى. وأذكر أنني كنت قرأت في المسند حديثا فيه سلام النبي
ﷺ على جماعة يتلون القرآن، وكنت أود أن أذكره بهذه المناسبة
وأتكلم على إسناده، ولكنه لم يتيسر لي الآن.
وهل يردان السلام باللفظ أم بالإشارة؟ الظاهر الأول، قال النووي: " وأما
المؤذن فلا يكره له رد الجواب بلفظه المعتاد لأن ذلك يسير، لا يبطل الأذان
ولا يخل به ".
ومن ذلك تكرار السلام بعد حصول المفارقة ولو بعد مدة يسيرة، لقوله صلى الله
عليه وسلم:
" إذا لقي أحدكم أخاه فليسلم عليه، فإن حالت بينهما شجرة أو جدار أو حجر ثم
لقيه فليسلم عليه أيضا ".
١٨٦ - " إذا لقي أحدكم أخاه فليسلم عليه، فإن حالت بينهما شجرة أو جدار أو حجر ثم
لقيه فليسلم عليه أيضا ".
رواه أبو داود (٥٢٠٠) من طريق ابن وهب قال. أخبرني معاوية ابن صالح عن أبي
موسى عن أبي مريم عن أبي هريرة قال: إذا لقي ... قال معاوية: وحدثني
стр. 360
عبد الوهاب بن بخت عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم مثله سواء.
قلت: وإسناد المرفوع صحيح رجاله كلهم ثقات، وأما إسناد الموقوف ففيه
أبو موسى هذا وهو مجهول. وقد أسقطه بعضهم من السند، فرواه عبد الله
بن صالح قال: حدثني معاوية عن أبي مريم عن أبي هريرة به موقوفا.
أخرجه البخاري في " الأدب المفرد " (١٠١٠) . وعبد الله ابن صالح فيه ضعف فلا
يحتج به، وخصوصا عند مخالفته، لكن قد أخرجه أبو يعلى (٢٩٧ / ١) عنه هكذا،
وعنه عن معاوية ابن صالح عن عبد الوهاب بن بخت مثل رواية ابن وهب المرفوعة،
فهذا أصح.
وقد ثبت أن الصحابة كانوا يفعلون بمقتضى هذا الحديث الصحيح.
فروى البخاري في " الأدب " (١٠١١) عن الضحاك بن نبراس أبي الحسن عن ثابت عن
أنس بن مالك.
" إن أصحاب النبي ﷺ كانوا يكونون، فتستقبلهم الشجرة، فتنطلق
طائفة منهم عن يمينها وطائفة عن شمالها، فإذا التقوا سلم بعضهم على بعض ".
قلت: والضحاك هذا لين الحديث، لكن عزاه المنذري (٣ / ٢٦٨) والهيثمي
(٨ / ٣٤) للطبراني في الأوسط وقالا: " وإسناده حسن ".
فلا أدري أهو من طريق أخرى، أم من هذه الطريق؟ ثم إنه بلفظ:
" كنا إذا كنا مع رسول الله ﷺ ، فتفرق بيننا شجرة، فإذا
التقينا يسلم بعضنا
стр. 361
على بعض ". ثم رأيته في " عمل اليوم والليلة " لابن السني
رقم (٢٤١) من طريق أخرى عن حماد بن سلمة حدثنا ثابت وحميد عن أنس به.
وهذا سند صحيح.
ويشهد له حديث المسيء صلاته المشهور عن أبي هريرة.
" إن رسول الله ﷺ دخل المسجد، فدخل رجل فصلى، ثم جاء فسلم
على رسول الله ﷺ ، فرد رسول الله ﷺ السلام،
قال: ارجع فصل فإنك لم تصل، فرجع الرجل فصلى كما كان صلى، ثم جاء إلى النبي
ﷺ فسلم عليه. (فعل ذلك ثلاث مرات) ".
أخرجه الشيخان وغيرهما. وبه استدل صديق حسن خان في " نزل الأبرار "
(ص ٣٥٠ - ٣٥١) على أنه:
" إذا سلم عليه إنسان ثم لقيه على قرب يسن له أن يسلم عليه ثانيا وثالثا ".
وفيه دليل أيضا على مشروعية السلام على من في المسجد، وقد دل على ذلك حديث
سلام الأنصار على النبي ﷺ في مسجد قباء كما تقدم ومع هذا كله
نجد بعض المتعصبين لا يعبؤون بهذه السنة، فيدخل أحدهم المسجد ولا يسلم على من
فيه، زاعمين أنه مكروه. فلعل فيما كتبناه ذكرى لهم ولغيرهم، والذكرى تنفع
المؤمنين.
стр. 362
١٨٧ - " تعلم كتاب اليهود، فإني لا آمنهم على كتابنا ".
رواه أبو داود (٣٦٤٥) والترمذي (٢ / ١١٩) والحاكم (١ / ٧٥) وصححه
وأحمد (٥ / ١٨٦) والفاكهي في " حديثه " (١ / ١٤ / ٢) واللفظ له، كلهم
عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن خارجه بن زيد عن أبيه قال:
" لما قدم النبي ﷺ المدينة، أتي بي إليه، فقرأت عليه،
فقال لي.. " فذكره، قال: فما مر بي خمس عشرة حتى تعلمته، فكنت أكتب للنبي
ﷺ ، وأقرأ كتبهم إليه ".
وقال الترمذي: " حديث حسن صحيح ".
قلت: وإسناده حسن، وإنما صححه الترمذي لأن له طريقا أخرى، وقد قال
الترمذي عقب ذلك:
" وقد روي من غير هذا الوجه عن زيد بن ثابت، رواه الأعمش، عن ثابت بن عبيد
الأنصاري عن زيد بن ثابت قال:
(أمرني رسول الله ﷺ أن أتعلم السريانية) ".
قلت: وصله أحمد (٥ / ١٨٢) والحاكم (٣ / ٤٢٢) عن جرير عن الأعمش به بلفظ:
قال لي رسول الله ﷺ :
" أتحسن السريانية؟ فقلت: لا، قال: فتعلمها فإنه يأتينا كتب، فتعلمها في
سبعة عشر يوما ".
زاد الحاكم:
" قال الأعمش: كانت تأتيه كتب لا يشتهي أن يطلع عليها إلا من يثق به ".
وقال:
стр. 363
" صحيح إن كان ثابت بن عبيد سمعه من زيد بن ثابت ".
قلت: لا أدري الذي حمل الحاكم على التردد في سماع ثابت إياه من زيد وهو مولاه
ولم يتهم بتدليس! قال ابن حبان في " الثقات " (١ / ٦) :
" ثابت بن عبيد الأنصاري، كوفي يروي عن عمر وزيد بن ثابت، روى عن ابن سيرين
والأعمش، وهو مولى زيد بن ثابت ":
وقد قيل إن ثابت بن عبيد الأنصاري هو غير ثابت بن عبيد مولى زيد، فرق بينهما
أبو حاتم في " الجرح والتعديل " (١ / ١ / ٤٥٤) ، وعزى الحافظ في " التهذيب
" هذا التفريق إلى ابن حبان أيضا وهو وهم، بل ما نقلته عن ابن حبان آنفا يدل
عن عدم التفريق وهو الذي اعتمده الحافظ في " التقريب " وسواء كان هذا أو ذاك
فكلاهما ثقة، فالسند صحيح.
والحديث علقه البخاري في صحيحه فقال: " وقال خارجة بن زيد ابن ثابت عن زيد
بن ثابت أن النبي ﷺ أمره أن يتعلم كتاب اليهود ".
قال الحافظ ابن حجر في شرحه (١٣ / ١٦١) :
" وقد وصله مطولا في (كتاب التاريخ) ".
ثم ذكر ابن حجر الطريق الأخرى التي علقها الترمذي ثم قال:
" وهذا الطريق وقعت لي بعلو في " فوائد هلال الحفار ".
وأخرجه أحمد وإسحاق في " مسنديهما "، وأبو بكر بن أبي داود في
" كتاب المصاحف " وأبو يعلى، وعنده: إني أكتب إلى قوم فأخاف أن يزيدوا علي
وينقصوا فتعلم السريانية. فذكره.
وله طريق أخرى أخرجها ابن سعد. وفي كل ذلك رد على من زعم أن عبد الرحمن
بن أبي الزناد تفرد به. نعم لم يروه عن أبيه عن خارجة إلا عبد الرحمن.
стр. 364
فهو تفرد نسبي. وقصة ثابت يمكن أن تتحد مع قصة خارجة، فإن من لازم تعلم
كتابة اليهود تعلم لسانهم، ولسانهم السريانية، لكن المعروف أن لسانهم
العبرانية، فيحتمل أن زيدا تعلم اللسانين لاحتياجه إلى ذلك ".
قلت: وهذا الحديث في معنى الحديث المتداول على الألسنة: " من تعلم لسان قوم
أمن من مكرهم " لكن لا أعلم له أصلا بهذا اللفظ، ولا ذكره أحد ممن ألف في
الأحاديث المشتهرة على الألسنة، فكأنه إنما اشتهر في الأزمنة المتأخرة.
١٨٨ - " انقضي شعرك واغتسلي. أي في الحيض ".
رواه ابن أبي شيبة في " المصنف " (١ / ٢٦ / ١) : أنبأنا وكيع عن هشام عن أبيه
عن عائشة أن النبي ﷺ قال لها في الحيض: فذكره.
وأخرجه ابن ماجه (٦٤١) من طريق ابن أبي شيبة وعلي بن محمد قالا: حدثنا
وكيع به.
قلت: وهذا سند صحيح على شرط الشيخين. وهو عندهما في أثناء حديث عائشة في
قصة حيضها في حجة الوداع وأن النبي ﷺ قال لها:
" انقضي رأسك وامتشطي وأمسكي عن عمرتك.. الحديث وليس فيه " واغتسلي " وهي
زيادة صحيحة بهذا السند الصحيح، وسياق الشيخين، يقتضيها ضمنا، وإن لم يصرح
بها لفظا. ولعل هذا هو وجه استدراك السندي على البوصيري قوله في " الزوائد "
: " وهذا إسناد رجاله ثقات "
стр. 365
فقال السندي " قلت: ليس الحديث من الزوائد،
بل هو في الصحيحين وغيرهما ".
وأقول: ولكل وجهة، فالسندي راعى المعنى الذي يقتضيه السياق كما أشرت إليه.
والبوصيري راعى اللفظ، ولا شك أنه بهذه الزيادة " واغتسلي " إنما هو من
الزوائد على الشيخين، ولذلك أورده البوصيري، وتكلم في إسناده ووثقه.
وكان عليه أن يصرح بصحته كما فعل المجد ابن تيمية في " المنتقى " والله
الموفق.
ولا تعارض بين الحديث وبين ما رواه أبو الزبير عن عبيد بن عمير قال:
" بلغ عائشة أن عبد الله بن عمرو يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن،
فقالت: يا عجبا لابن عمرو هذا، يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن!
أفلا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن؟ ! لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه
وسلم من إناء واحد، ولا أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات ".
أخرجه مسلم (١ / ١٧٩) وابن أبي شيبة (١ / ٢٤ / ١ - ٢) والبيهقي
(١ / ١٨١) وأحمد (٦ / ٤٣) .
أقول: لا تعارض بينه وبين هذا لأمرين:
الأول: أنه أصح من هذا. فإن هذا وإن أخرجه مسلم فإن أبا الزبير مدلس
وقد عنعنه.
الثاني: أنه وارد في الحيض، وهذا في الجنابة، كما هو ظاهر، فيجمع
بينهما بذلك، فيقال يجب النقض في الحيض دون الجنابة. وبهذا قال الإمام
أحمد وغيره من السلف.
وهذا الجمع أولى، فقد جاء ما يشهد لهذا الحديث، عن أم سلمة قالت:
стр. 366
" قلت: يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي، فأنقضه لغسل الجنابة؟ قال:
" لا إنما يكفيك إن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك فتطهرين ".
١٨٩ - " لا إنما يكفيك إن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك فتطهرين ".
رواه مسلم (رقم ١٧٨) وأصحاب السنن الأربعة وأبو علي الحسين ابن محمد
اللحياني في " حديثه " (ق ١٢٣ / ١) وابن أبي شيبة والبيهقي (١ / ١٨١)
وأحمد (٦ / ٢٨٩ و ٣١٤ - ٣١٥) من طريق سفيان الثوري وابن عيينة واللفظ له
وروح بن القاسم وأيوب (وهو السختياني) عن أيوب بن موسى عن سعيد بن أبي
سعيد المقبري عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة عن أم سلمة قالت: فذكره
وقد رواه عن الثوري ثقتان يزيد بن هارون، وعبد الرزاق بن همام، وقد اختلفا
عليه، فالأول رواه كرواية ابن عيينة، والآخر قال في حديثه،
" أفأنقضه للحيضة والجنابة "؟ .
فزاد فيه (والجنابة) ، فأرى أنها زيادة شاذة لتفرد عبد الرزاق بها عن سفيان
الثوري دون يزيد بن هارون، ورواية هذا أرجح لموافقتها للفظ ابن عيينة وروح
بن القاسم والسختياني. والله أعلم.
وقد أفاض ابن القيم في " التهذيب " في بيان شذوذ هذه الزيادة فمن أراد التحقق
من ذلك فليرجع إليه (١ / ١٦٧) .
стр. 367
١٩٠ - " لا خير فيها، هي من أهل النار. يعني امرأة تؤذي جيرانها بلسانها ".
رواه البخاري في " الأدب المفرد " (رقم ١١٩) وابن حبان (٢٠٥٤) والحاكم
(٤ / ١٦٦) وأحمد (٢ / ٤٤٠) وأبو بكر محمد ابن أحمد المعدل في " الأمالي "
(٦ / ١ - ٢) من طريق الأعمش قال:
حدثنا أبو يحيى مولى جعدة بن هبيرة قال سمعت أبا هريرة يقول:
" قيل للنبي ﷺ : يا رسول الله إن فلانة تقوم الليل وتصوم
النهار، وتفعل وتصدق، وتؤذي جيرانها بلسانها فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: لا خير فيها، هي من أهل النار، قال: وفلانه تصلي المكتوبة وتصدق
بأتوار (من الأقط) ولا تؤذي أحدا، فقال رسول الله ﷺ : هي
من أهل الجنة ".
قلت: وإسناده صحيح رجاله كلهم ثقات معروفون غير أبي يحيى هذا وقد بيض
له الحافظ في " التهذيب " فلم يذكر توثيقه عن أحد، وبناء عليه قال في
" التقريب ": مقبول. أي لين الحديث. وهذا منه عجيب، فقد روى ابن أبي حاتم
(٤ / ٢ / ٤٥٧) عن ابن معين أنه قال فيه " ثقة ". واعتمده الذهبي في
" الميزان " فقال أيضا: " ثقة ". ويقوي ذلك أن مسلما أخرج له حديثا واحدا،
كما في " تهذيب الكمال ".
والحديث أخرجه البزار وابن أبي شيبة كما في " الترغيب " (٤ / ٢٣٥) وصحح
إسناده.
(أتوار) جمع (تور) بالمثناة الفوقية إناء من صفر.
стр. 368
١٩١ - " كان يصوم في السفر ويفطر، ويصلي ركعتين لا يدعهما، يقول: لا يزيد عليهما
. يعني الفريضة ".
أخرجه الطحاوي (١ / ٣٣٣) وأحمد (١ / ٤٠٢ و ٤٠٧) من طريق حماد عن إبراهيم
عن علقمة عن ابن مسعود مرفوعا.
قلت: وهذا سند جيد، وهو على شرط مسلم وحماد هو ابن أبي سليمان الفقيه
وفيه كلام لا يضر، والحديث صحيح قطعا بشقيه، أما قصر الصلاة ففيه أحاديث
كثيرة مشهورة عن جماعة من الصحابة فلا نطيل الكلام بذكرها. وأما الصوم في
السفر، فقد بدرت من الصنعاني في " سبل السلام " كلمة نفى فيها أن يكون النبي
ﷺ صام في السفر فرضا فقال (٢ / ٣٤) :
ثبت عنه ﷺ أنه لم يتم رباعية في سفر، ولا صام فيه فرضا "!
ولهذا توجهت الهمة إلى ذكر بعض الأحاديث التي تدل على خطأ النفي المذكور،
فأقول:
ورد صومه ﷺ في السفر عن جماعة من الصحابة منهم عبد الله
بن مسعود. وعبد الله بن عباس وأنس بن مالك، وأبو الدرداء.
١ - أما حديث ابن مسعود، فهو هذا.
٢ - وأما حديث ابن عباس، فقال أبو داود الطيالسي (١ / ١٩٠) :
حدثنا سليمان (وهو ابن معاذ الضبي) عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعا
بالشطر الأول منه.
وهذا سند حسن رجاله رجال مسلم، وقد أخرجه في صحيحه (٣ /
стр. 369
١٤١) وكذا أحمد
(١ / ٢٣٢) من طريق طاووس عن ابن عباس قال:
" لا تعب على من صام، ولا على من أفطر، فقد صام رسول الله صلى الله عليه
وسلم في السفر وأفطر ".
وأخرجه البخاري (٣ / ١٤٦) ومسلم وغيرهما من طريق عبيد الله بن عتبة عن
ابن عباس:
" أن رسول الله ﷺ خرج إلى مكة في رمضان فصامه حتى بلغ الكديد
أفطر، فأفطر الناس ".
(الكديد) بفتح الكاف مكان معروف بين عسفان وقديد، وبين الكديد ومكة
مرحلتان، وبينه وبين المدينة عدة أيام كما في " الفتح " (٣ / ١٤٧) .
وفي رواية للبخاري (٣ / ١٥١) ومسلم (٣ / ١٤١) من طريق مجاهد عن طاووس
عن ابن عباس قال:
" خرج رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة فصام حتى بلغ عسفان،
ثم دعا بماء فرفعه إلى يده ليراه الناس فأفطر حتى قدم مكة، وذلك في رمضان،
فكان ابن عباس يقول: قد صام رسول الله ﷺ وأفطر، فمن شاء
صام، ومن شاء أفطر ".
وأخرجه ابن جرير في تفسيره (٣ / ٤٦٨ / ٢٨٨٣) عن العوام بن حوشب قال:
" قلت لمجاهد: الصوم في السفر؟ قال: كان رسول الله ﷺ يصوم
فيه ويفطر، قلت: فأيهما أحب إليك؟ قال: إنما هي رخصة، وأن تصوم رمضان
أحب إلي ".
وسنده مرسل صحيح.
٣ - وأما حديث أنس، فرواه عنه زياد النميري: حدثني أنس ابن مالك قال:
" وافق رسول الله ﷺ رمضان في سفر فصامه، ووافقه رمضان في
سفر
стр. 370
فأفطره ".
رواه البيهقي (٤ / ٢٤٤) ، وزياد هذا هو ابن عبد الله النميري البصري ضعيف،
يكتب حديثه للشواهد.
٤ - وأما حديث أبي الدرداء، فيرويه الوليد بن مسلم عن سعيد ابن عبد العزيز
عن إسماعيل بن عبيد الله عن أم الدرداء عن أبي الدرداء ﵁ قال:
" خرجنا مع رسول الله ﷺ في شهر رمضان، في حر شديد، حتى إن
كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا رسول الله
ﷺ وعبد الله بن رواحة ".
أخرجه مسلم (٣ / ١٤٥) : حدثنا داود بن رشيد حدثنا الوليد بن مسلم به.
والوليد بن مسلم وإن كان ثقة فإنه يدلس تدليس التسوية، وقد عنعن الإسناد
كله، لكن أخرجه أبو داود في " سننه " (١ / ٣٧٨) :
حدثنا مؤمل بن الفضل حدثنا الوليد حدثنا سعيد بن عبد العزيز ... فساقه مسلسلا
بالتحديث في جميع الرواة إلا في أم الدرداء فقال: عن أبي الدرداء به. إلا أنه
قال:
" في بعض غزواته " ولم يقل " في شهر رمضان ".
وهذا هو الصواب عندي أن حديث أبي الدرداء ليس فيه " في شهر رمضان "، وذلك
لأمور:
الأول: أن سعيد بن عبد العزيز وإن كان ثقة، فقد كان اختلط قبول موته كما قال
أبو مسهر، وقد اختلف عليه في قوله " في شهر رمضان " فأثبته عنه الوليد بن
مسلم في رواية داود بن رشيد عنه، ولم يثبتها عنه في رواية مؤمل بن الفضل،
وهو ثقة. وتترجح هذه الرواية عن الوليد بمتابعة بعض الثقات له عليه، منهم
عمرو بن أبي سلمة عن سعيد بن عبد العزيز به بلفظ:
стр. 371
" كنا مع رسول الله ﷺ في السفر ... ".
أخرجه الشافعي في " السنن " (١ / ٢٦٩) .
ومنهم أبو المغيرة واسمه عبد القدوس بن الحجاج الحمصي.
أخرجه أحمد (٥ / ١٩٤) عنه.
فهؤلاء ثلاثة من الثقات لم يذكروا ذلك الحرف " شهر رمضان "، فروايتهم مقدمة
على رواية الوليد الأخرى كما هو ظاهر لا يخفى، ويؤيده الأمر التالي، وهو:
الثاني: أن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قد تابع سعيدا على رواية الحديث عن
إسماعيل بن عبيد الله بتمامه، ولكنه خالفه في هذا الحرف فقال:
" خرجنا مع رسول الله في بعض أسفارنا ... "
أخرجه البخاري (٣ / ١٤٧) ، وعبد الرحمن هذا أثبت من سعيد، فروايته عند
المخالفة أرجح، لاسيما إذا وافقه عليها سعيد نفسه في أكثر الروايات عنه كما
تقدم.
الثالث: أن هشام بن سعد قد تابعه أيضا ولكنه لم يذكر فيه الحرف المشار إليه.
أخرجه أحمد (٦ / ٤٤٤) عن حماد بن خالد قال: حدثنا هشام بن سعد عن عثمان
بن حيان وإسماعيل بن عبيد الله عن أم الدرداء عن أبي الدرداء به.
وهشام بن سعد ثقة حسن الحديث، وقد احتج به مسلم كما يأتي.
الرابع: أن الحديث جاء من طريق أخرى عن أم الدرداء لم يرد فيه الحرف المذكور.
أخرجه مسلم (٣ / ١٤٥) وابن ماجه (١ / ٥١٠) والبيهقي (٤ / ٢٤٥) وأحمد
(٥ / ١٩٤) من طرق عن هشام بن سعد عن عثمان بن حيان الدمشقي عن أم الدرداء به
بلفظ:
стр. 372
" لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره.. ".
وقرن أحمد في رواية له كما تقدم إسماعيل بن عبيد الله مع عثمان بن حيان، فقد
روى هشام بن سعد الحديث من الطريقين عن أم الدرداء.
قلت: فهذه الوجوه الأربعة ترجح أن قوله في رواية مسلم " في شهر رمضان " شاذ لا
يثبت في الحديث، وقد أوهم الحافظ عبد الغني المقدسي في " عمدة الأحكام " حيث
أورد الحديث (رقم ١٨٣) بلفظ مسلم بهذه الزيادة أنها من المتفق عليها بين
الشيخين. لأنه لم يقل على الأقل " واللفظ لمسلم " كما هو الواجب في مثله،
ولم أجد من نبه على شذوذ هذه الزيادة، حتى ولا الحافظ ابن حجر، بل إنه
ذكرها من رواية مسلم ثم بنى عليه قوله:
" وبهذه الزيادة يتم المراد من الاستدلال (يعني على جواز إفطار المسافر في
رمضان) ويتوجه الرد بها على ابن حزم في زعمه أن حديث أبي الدرداء هذا لا حجة
فيه، لاحتمال أن يكون ذلك الصوم تطوعا ".
فأقول: إن الرد المذكور غير متجه بعد أن حققنا شذوذ رواية مسلم، شذوذا لا يدع
مجالا للشك فيه، ولو أن الحافظ ﵀ تيسر له تتبع طرق هذا الحديث
وألفاظه لما قال ما ذكر.
وقد وهم في الحديث الصنعاني في " العدة " وهما آخر فقال (٣ / ٣٦٨) :
" وهذا الحديث في مسلم لأبي الدرداء وفي البخاري نسبة لأم الدرداء ".
والصواب أن الحديث عند البخاري كما هو عند مسلم من مسند أبي الدرداء، لكنهما
أخرجاه من طريق أم الدرداء عنه.
هذا، وإنما يتجه الرد على ابن حزم بالأحاديث الأخرى التي سقناها عن جماعة من
الصحابة، وكذلك يرد عليه بالحديث الآتي:
" هي رخصة " يعني الفطر في السفر " من الله، فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن
يصوم، فلا جناح عليه ".
стр. 373
١٩٢ - " هي رخصة ـ يعني الفطر في السفر ـ من الله، فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن
يصوم، فلا جناح عليه ".
رواه مسلم (٣ / ١٤٥) والنسائي (١ / ٣١٧) والبيهقي (٤ / ٢٤٣) من طريق
أبي مراوح عن حمزة بن عمرو الأسلمي ﵁ أنه قال:
" يا رسول الله! أجد بي قوة على الصيام في السفر، فهل علي جناح؟ فقال رسول
الله ﷺ ... " فذكره.
قال مجد الدين بن تيمية في " المنتقى ":
" وهو قوي الدلالة على فضيلة الفطر ".
قلت: ووجه الدلالة قوله في الصائم " فلا جناح عليه "، أي: لا إثم عليه،
فإنه يشعر بمرجوحية الصيام كما هو ظاهر، لاسيما مع مقابلته بقوله في الفطر
" فحسن "، لكن هذا الظاهر غير مراد عندي، والله أعلم، وذلك لأن رفع الجناح
في نص ما عن أمر ما، لا يدل إلا على أنه يجوز فعله وأنه لا حرج على فاعله،
وأما هل هذا الفعل مما يثاب عليه فاعله أو لا، فشيء آخر لا يمكن أخذه من النص
ذاته بل من نصوص أخرى خارجة عنه، وهذا شيء معروف عند من تتبع الأمور التي ورد
رفع الجناح عن فاعلها وهي على قسمين:
أ - قسم منها يراد بها رفع الحرج فقط مع استواء الفعل والترك، وهذا هو
الغالب، ومن أمثلته قوله ﷺ :
" خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح: الغراب، والحدأة، والفأرة
والعقرب، والكلب العقور ".
١٩٣ - " خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح: الغراب، والحدأة، والفأرة
والعقرب، والكلب العقور ".
أخرجه الشيخان ومالك وأصحاب السنن الأربعة إلا الترمذي والدارمي (٢ / ٣٦)
والبيهقي وأحمد (٢ / ٨، ٣٢، ٣٧، ٤٨، ٥٢، ٥٤، ٦٥، ٨٢، ١٣٨)
стр. 374
من طرق
عن ابن عمر مرفوعا به.
ومن الواضح أن المراد من رفع الجناح في هذا الحديث هو تجويز القتل، ولا يفهم
منه أن القتل مستحب أو واجب أو تركه أولى.
ب - وقسم يراد به رفع الحرج عن الفعل، مع كونه في نفسه مشروعا له فضيلة، بل
قد يكون واجبا، وإنما يأتي النص برفع الحرج في هذا القسم دفعا لوهم أو زعم من
قد يظن الحرج في فعله، ومن أمثلة هذا ما روى الزهري عن عروة قال:
" سألت عائشة ﵂؟ فقلت لها: أرأيت قول الله تعالى (إن الصفا
والمروة من شعائر الله، فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما)
فوالله ما على أحد جناح أن لا يطوف بالصفا والمروة! قالت: بئس ما قلت يا ابن
أختي، إن هذه لو كانت كما أولتها عليه كانت " لا جناح عليه أن لا يطوف بهما "
! ولكنها أنزلت في الأنصار، كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية التي
كانوا يعبدونها عند المشلل، فكان من أهل يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة، فلما
أسلموا سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك، قالوا: يا رسول الله إنا
كنا نتحرج أن نطوف بالصفا والمروة، فأنزل الله: (إن الصفا والمروة من
شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما) ، قالت عائشة
﵂: وقد سن رسول الله ﷺ الطواف بينهما، فليس
لأحد أن يترك الطواف بينهما ".
أخرجه البخاري (١ / ٤١٤) وأحمد (٦ / ١٤٤، ٢٢٧) .
إذا تبين هذا فقوله ﷺ في الحديث " ومن أحب أن يصوم فلا جناح
عليه "، لا يدل إلا على رفع الإثم عن الصائم، وليس فيه ما يدل على ترجيح
الإفطار على الصيام،
стр. 375
ولكن إذا كان من المعلوم أن صوم رمضان في السفر عبادة
بدليل صيامه ﷺ فيه، فمن البدهي حينئذ أنه أمر مشروع حسن،
وإذا كان كذلك فإن وصف الإفطار في الحديث بأنه حسن، لا يدل على أنه أحسن من
الصيام، لأن الصيام أيضا حسن كما عرفت، وحينئذ فالحديث لا يدل على أفضلية
الفطر المدعاة، بل على أنه والصيام متماثلان.
ويؤكد ذلك حديث حمزة بن عمرو من رواية عائشة ﵂: أن حمزة بن عمرو
الأسلمي سأل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني رجل أسرد
الصوم، فأصوم في السفر؟ قال:
" صم إن شئت، وأفطر إن شئت ".
١٩٤ - " صم إن شئت، وأفطر إن شئت ".
أخرجه الشيخان وغيرهما من أصحاب الستة وابن أبي شيبة (٢ / ١٥٠ / ١) وعنه
أبو حفص الكناني في " الأمالي " (١٧ / ١) .
قلت: فخيره ﷺ بين الأمرين، ولم يفضل له أحدهما على الآخر،
والقصة واحدة، فدل على أن الحديث ليس فيه الأفضلية المذكورة.
ويقابل هذه الدعوى قول الشيخ علي القاري في " المرقاة " أن الحديث دليل على
أفضلية الصوم. ثم تكلف في توجيه ذلك.
والحق أن الحديث يفيد التخيير لا التفضيل، على ما ذكرناه من التفصيل.
نعم يمكن الاستدلال لتفضيل الإفطار على الصيام بالأحاديث التي تقول:
" إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته. (وفي رواية) : كما
يحب أن تؤتى عزائمه ".
وهذا لا مناص من القول به، لكن يمكن أن يقيد ذلك بمن لا يتحرج بالقضاء،
وليس عليه حرج في الأداء، وإلا عادت الرخصة عليه بخلاف المقصود. فتأمل.
стр. 376
وأما حديث " من أفطر (يعني في السفر) فرخصة، ومن صام فالصوم أفضل ".
فهو حديث شاذ لا يصح. والصواب أنه موقوف على أنس كما بينته في " الأحاديث
الضعيفة " (رقم ٩٣٦) ، ولو صح لكان نصا في محل النزاع، لا يقبل الخلاف،
وهيهات، فلابد حينئذ من الاجتهاد والاستنباط، وهو يقتضى خلاف ما أطلقه
هذا الحديث الموقوف، وهو التفصيل الذي ذكرته. والله الموفق.
١٩٥ - " إن الله يبغض كل جعظرى جواظ، سخاب في الأسواق، جيفة بالليل، حمار بالنهار
عالم بأمر الدنيا، جاهل بأمر الآخرة ".
رواه بن حبان في " صحيحه " (١٩٥٧ - موارد) : أخبرنا أحمد ابن محمد بن الحسن:
حدثنا أحمد بن يوسف السلمي: أنبأنا عبد الرزاق: أنبأنا عبد الله بن سعيد بن
أبي هند عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ ،
فذكره.
قلت: وهذا سند صحيح، رجاله كلهم ثقات معروفون من رجال مسلم، غير شيخ ابن
حبان أحمد بن الحسن وهو أبو حامد النيسابوري المعروف بابن الشرقي قال الخطيب
(٤ / ٤٢٦ - ٤٢٧) :
" وكان ثقة، ثبتا متقنا حافظا ".
وتابعه أبو بكر القطان حدثنا أحمد بن يوسف السلمي به.
أخرجه البيهقي (١٠ / ١٩٤) .
(الجعظري) الفظ الغليظ المتكبر.
(الجواظ) الجموع المنوع.
(السخاب) كالصخاب: كثير الضجيج والخصام. وفي رواية ذكرها ابن الأثير
(خشب بالليل، سخب بالنهار. أي إذا جن عليهم الليل سقطوا نياما كأنهم خشب
فإذا أصبحوا تساخبوا على الدنيا شحا وحرصا ".
(جيفة) أي كالجيفة، لأنه يعمل كالحمار طوال النهار لدنياه، وينام طول ليله
كالجيفة التي لا تتحرك.
стр. 377
قلت: وما أشد انطباق هذا الحديث على هؤلاء الكفار الذين لا يهتمون لآخرتهم،
مع علمهم بأمور دنياهم، كما قال تعالى فيهم (يعلمون ظاهر من الحياة الدنيا،
وهم عن الآخرة هم غافلون) ولبعض المسلمين نصيب كبير من هذا الوصف، الذين
يقضون نهارهم في التجول في الأسواق والصياح فيها، ويضيعون عليهم الفرائض
والصلوات، (فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون. الذين هم يراؤن.
ويمنعون الماعون) .
١٩٦ - " كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة " حين يسلم ": لا إله إلا الله وحده لا شريك
له، له الملك وله الحمد " يحيي ويميت، وهو حي لا يموت بيده الخير "، وهو
على كل
стр. 378
شيء قدير " ثلاث مرات "، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت
ولا ينفع ذا الجد منك الجد ".
رواه البخاري (٢ / ٢٦٤ - ٢٦٥) ومسلم (٢ / ٩٥) وأبو داود (١ / ٢٣٦)
والنسائي (١ / ١٩٧) وابن السني في " عمل اليوم والليلة " (رقم ١١٢)
وأحمد (٤ / ٢٤٥، ٢٤٧، ٢٥٠، ٢٥١، ٢٥٤، ٢٥٥) من طريق وراد كاتب المغيرة
بن شعبة قال:
" أملى علي المغيرة بن شعبة في كتاب إلى معاوية أن النبي صلى الله عليه
وسلم " فذكره.
وهذا إسناد صحيح، وحديث معروف بالصحة، وإنما ذكرته لهذه الزيادات فإنها
غير مشهورة عند أكثر الناس، والزيادة الأولى لأحمد وأبي داود، والثانية
للطبراني من طريق أخرى عن المغيرة ورواته موثقون كما قال الحافظ، وعند ابن
السني من الطريق الأولى قوله " بيده الخير " وسنده صحيح. والزيادة الثالثة
للنسائي وأحمد في رواية، وسندها صحيح.
ورواها ابن خزيمة أيضا كما في " الفتح ".
وفي الحديث مشروعية هذا الذكر بعد السلام من الفريضة، وقد حرم فضله من ذهب
إلى عدم مشروعية الزيادة على قوله " اللهم أنت السلام.. " الخ عقب الفرض،
وأن ما سواه من الأوراد إنما تقال عقب السنة البعدية! وفي هذا الحديث رد
صريح عليهم لا يقبل الرد، ومثله الحديث المتقدم برقم (١٠٢) .
١٩٧ - " إذا رأيتني على مثل هذه الحالة فلا تسلم علي، فإنك إذا فعلت ذلك لم أرد
عليك ".
رواه بن ماجه (١ / ١٤٥ / ١٤٦) وابن أبي حاتم في " العلل " (١ / ٣٤) عن
عيسى بن يونس عن هاشم بن البريد عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر بن عبد
الله " أن رجلا مر على النبي ﷺ وهو يبول فسلم عليه، فقال
رسول الله ﷺ ... " الحديث.
стр. 379
وقال ابن أبي حاتم عن أبيه:
" لا أعلم روى هذا الحديث أحد غير هاشم بن البريد ".
قلت: وهو ثقة، ولا يضره أنه رمي بالتشيع، ولهذا قال البوصيري في
" الزوائد " (ق ٢٧ / ٢) :
" هذا إسناد حسن ".
قلت: وظاهر الحديث أنه ﷺ قال ذلك وهو يبول، ففيه دليل على
جواز الكلام على الخلاء، والحديث الوارد في أن الله يمقت على ذلك مع أنه لا
يصح من قبل إسناده، فهو غير صريح فيه فإنه بلفظ:
" لا يتناجى اثنان على غائطهما، ينظر كل منهما إلى عورة صاحبه، فإن الله يمقت
على ذلك ".
فهذا النص إنما يدل على تحريم هذه الحالة وهي التحدث مع النظر إلى العورة،
وليس فيه أن التحدث وحده - وإن كان في نفسه مستهجنا - مما يمقته الله تبارك
وتعالى، بل هذا لابد له من دليل يقتضي تحريمه وهو شيء لم نجده، بخلاف
تحريم النظر إلى العورة، فإن تحريمه ثابت في غير ما حديث.
ثم رأيت للحديث شاهدا من حديث ابن عمر بهذا اللفظ نحوه.
أخرجه ابن الجارود في " المنتقى " (٢٧ - ٢٨) وسنده حسن أيضا.
ثم رأيته في " فوائد عبد الباقي بن قانع " (١٦٠ / ١ - ٢) أخرجه من طريقين
عن نافع عن ابن عمر، ورجالهما ثقات معروفون إلا أن شيخه في الأول منهما محمد
بن عثمان بن أبي شيبة، وفيه كلام، وشيخه في الطريق الأخرى محمد بن عنبسة
بن لقيط الضبي، أورده الخطيب (٣ / ١٣٩) وساق له هذا الحديث من طريق ابن
قانع عنه، ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، لكنه متابع عند ابن الجارود،
فالحديث صحيح.
стр. 380
١٩٨ - " من نسي أن يذكر الله في أول طعامه فليقل حين يذكر: بسم الله في أوله وآخره
فإنه يستقبل طعاما جديدا، ويمنع الخبيث ما كان يصيب منه ".
رواه ابن حبان في " صحيحه " (١٣٤٠ - موارد) وابن السني في " عمل اليوم
والليلة " (٤٥٣) والطبراني في " المعجم الكبير " (٣ / ٧٤ / ١) عن خليفة
بن خياط حدثنا عمر بن علي المقدمي قال: سمعت موسى الجهني يقول:
أخبرني القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه عن جده قال:
قال رسول الله ﷺ : فذكره.
قلت: وهذا سند صحيح، رجاله كلهم ثقات، وموسى الجهني هو ابن عبد الله،
ويقال: ابن عبد الرحمن أبو سلمة ويقال أبو عبد الله الكوفي.
والحديث قال الهيثمي (٥ / ٢٣٥) :
" رواه الطبراني في الأوسط والكبير ورجاله ثقات ".
قلت ولأبي سلمة الجهني هذا حديث آخر بهذا الإسناد، إلا أنه جاء فيه مكنيا غير
مسمى، فخفي حاله على أئمة الحديث وجهلوه وصرح بذلك الحافظ الذهبي وغيره،
فاغتررت بذلك برهة من الزمن، فتوقفت عن تصحيح الحديث المشار إليه، إلى أن
وقفت على حديث الطعام هذا وأنه من رواية موسى الجهني ففتح لي طريق
стр. 381
معرفة أبي
سلمة وأنه هو نفسه، فرجعت عن التوقف المشار إليه، ووقفت لتصحيح الحديث
والحمد لله الموفق والحديث هو:
" ما أصاب أحدا قط هم ولا حزن، فقال: اللهم إني عبدك، وابن عبدك، وابن
أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت
به نفسك، أو علمته أحدا من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم
الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب
همي، إلا أذهب الله همه وحزنه، وأبدله مكانه فرجا. قال: فقيل: يا رسول
الله ألا نتعلمها؟ فقال بلى، ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها ".
١٩٩ - " ما أصاب أحدا قط هم ولا حزن، فقال: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك
ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك،
أو علمته أحدا من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك
أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي. إلا أذهب الله
همه وحزنه وأبدله مكانه فرجا. قال: فقيل: يا رسول الله ألا نتعلمها؟ فقال
بلى ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها ".
رواه أحمد (٣٧١٢) والحارث بن أبي أسامة في مسنده (ص ٢٥١ من زوائده)
وأبو يعلى (ق ١٥٦ / ١) والطبراني في " الكبير " (٣ / ٧٤ / ١) وابن حبان
في " صحيحه " (٢٣٧٢) والحاكم (١ / ٥٠٩) من طريق فضيل بن مرزوق حدثنا
أبو سلمة الجهني عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله قال:
قال رسول الله ﷺ : فذكره.
وقال الحاكم:
" حديث صحيح على شرط مسلم، إن سلم من إرسال عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه،
فإنه مختلف في سماعه من أبيه ".
وتعقبه الذهبي بقوله:
" قلت: وأبو سلمة لا يدري من هو ولا رواية له في الكتب الستة ".
قلت: وأبو سلمة الجهني ترجمه الحافظ في " التعجيل " وقال:
стр. 382
" مجهول. قاله الحسيني. وقال مرة: لا يدري من هو. وهو كلام الذهبي في
" الميزان "، وقد ذكره ابن حبان في " الثقات "، وأخرج حديثه في " صحيحه "،
وقرأت بخط الحافظ بن عبد الهادي: يحتمل أن يكون خالد بن سلمة.
قلت: وهو بعيد لأن خالدا مخزومي وهذا جهني ".
قلت: وما استبعده الحافظ هو الصواب، لما سيأتي، ووافقه على ذلك الشيخ أحمد
شاكر رحمه الله تعالى في تعليقه على المسند (٥ / ٢٦٧) وأضاف إلى ذلك قوله:
" وأقرب منه عندي أن يكون هو " موسى بن عبد الله أو ابن عبد الجهني ويكنى أبا
سلمة، فإنه من هذه الطبقة ".
قلت: وما استقر به الشيخ هو الذي أجزم به بدليل ما ذكره، مع ضميمة شيء آخر
وهو أن موسى الجهني قد روى حديثا آخر عن القاسم بن عبد الرحمن به، وهو
الحديث الذي قبله فإذا ضمت إحدى الروايتين إلى الأخرى ينتج أن الراوي عن القاسم
هو موسى أبو سلمة الجهني، وليس في الرواة من اسمه موسى الجهني إلا موسى بن
عبد الله الجهني وهو الذي يكنى بأبي سلمة وهو ثقة من رجال مسلم، وكأن
الحاكم ﵀ أشار إلى هذه الحقيقة حين قال في الحديث " صحيح على شرط مسلم
... " فإن معنى ذلك أن رجاله رجال مسلم ومنهم أبو سلمة الجهني ولا يمكن أن
يكون كذلك إلا إذا كان هو موسى بن عبد الله الجهني. فاغتنم هذا التحقيق فإنك
لا تراه في غير هذا الموضع. والحمد لله على توفيقه.
стр. 383
بقي الكلام على الانقطاع الذي أشار إليه الحاكم، وأقره الذهبي عليه، وهو
قوله:
" إن سلم من إرسال عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه ... ".
قلت: هو سالم منه، فقد ثبت سماعه منه بشهادة جماعة من الأئمة، منهم سفيان
الثوري وشريك القاضي وابن معين والبخاري وأبو حاتم، وروى البخاري في
" التاريخ الصغير " بإسناد لا بأس به عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله
بن مسعود عن أبيه قال:
" لما حضر عبد الله الوفاة، قال له ابنه عبد الرحمن: يا أبت أوصني، قال:
ابك من خطيئتك ".
فلا عبرة بعد ذلك بقول من نفى سماعه منه، لأنه لا حجة لديه على ذلك إلا عدم
العلم بالسماع، ومن علم حجة على من يعلم.
والحديث قال الهيثمي في " المجمع " (١٠ / ١٣٦) :
" رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني ورجال أحمد رجال الصحيح غير
أبي سلمة الجهني وقد وثقه ابن حبان "!
قلت: وقد عرفت مما سبق من التحقيق أنه ثقة من رجال مسلم وأن اسمه موسى
بن عبد الله. ولم ينفرد بهذا الحديث بل تابعه عبد الرحمن بن إسحاق عن القاسم
بن عبد الله بن مسعود به، لم يذكر عن أبيه.
أخرجه محمد بن الفضل بن غزوان الضبي في " كتاب الدعاء " (ق ٢ / ١ - ٢)
وابن السني في " عمل اليوم والليلة " (٣٣٥) ، وعبد الرحمن ابن إسحاق
وهو أبو شيبة الواسطي متفق على تضعيفه.
стр. 384
ثم رأيت الحديث قد رواه محمد بن عبد الباقي الأنصاري في " ستة مجالس "
(ق ٨ / ١) من طريق الإمام أحمد، وقال مخرجه الحافظ محمد بن ناصر أبو الفضل
البغدادي:
" هذا حديث حسن عالي الإسناد، ورجاله ثقات ".
وللحديث شاهد من حديث فياض عن عبد الله بن زبيد عن أبي موسى ﵁
قال: قال رسول الله ﷺ : فذكره نحوه.
أخرجه ابن السني (٣٤٣) بسند صحيح إلى فياض وهو ابن غزوان الضبي الكوفي قال
أحمد: ثقة. وشيخه عبد الله بن زبيد هو ابن الحارث اليامي الكوفي.
قال ابن أبي حاتم (٢ / ٢ / ٦٢) عن أبيه:
" روى عنه الكوفيون ". ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا.
قلت: فهو مستور، ومثله يستشهد بحديثه إن شاء الله تعالى.
والحديث قال الهيثمي:
" رواه الطبراني وفيه من لم أعرفه ".
قلت: وكأنه يعني عبد الله بن زبيد، وعليه فكأنه لم يقف على ترجمته في
" الجرح والتعديل "، ولو أنه لم يذكر فيه تعديلا أو تجريحا، فإن العادة أن
لا يقال في مثله " لم أعرفه "، كما هو معلوم عند المشتغلين بهذا العلم الشريف.
(تنبيه) وقع في هامش المجمع تعليقا على الحديث خطأ فاحش، حيث جاء فيه:
стр. 385
" قلت (القائل هو ابن حجر) : هذا الحديث أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي
من رواية عبد الجليل بهذا الإسناد، فلا وجه لاستدراكه. ابن حجر ".
ووجه الخطأ أن هذا التعليق ليس محله هذا الحديث، بل هو الحديث الذي في
" المجمع " بعد هذا، فإن هذا لم يروه أحد من أصحاب السنن المذكورين، وليس في
إسناده عبد الجليل، بل هو في إسناده الحديث الآخر، وهو عن أبي بكرة رضي الله
عنه، فأخطأ الناسخ أو الطابع فربط التعليق بالحديث الأول، وهو للآخر، وخفي
ذلك على الشيخ أحمد شاكر ﵀، فإنه بعد أن أشار لهذا الحديث ونقل قول
الهيثمي السابق في تخريج الحديث قال:
" وعلق عليه الحافظ ابن حجر بخطه بهامش أصله ... ".
ثم ذكر كلام الحافظ المتقدم!
وجملة القول أن الحديث صحيح من رواية ابن مسعود وحده، فكيف إذا انضم إليه
حديث أبي موسى ﵄. وقد صححه شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه
ابن القيم، هذا وقد صرح بذلك في أكثر من كتاب من كتبه منها " شفاء العليل "
(ص ٢٧٤) ، وأما ابن تيمية فلست أذكر الآن في أي كتاب أو رسالة ذكر ذلك.
٢٠٠ - " نهى عن الصلاة بعد العصر إلا والشمس مرتفعة ".
رواه أبو داود (١ / ٢٠٠) والنسائي (١ / ٩٧) وعنه ابن حزم في " المحلى "
(٣ / ٣١) وأبو يعلى في " مسنده " (١ / ١١٩) وابن حبان في " صحيحه "
(٦٢١،
стр. 386
٦٢٢) وابن الجارود في " المنتقى " (٢٨١) والبيهقي (٢ / ٤٥٨)
والطيالسي (١ / ٧٥ - من ترتيبه) وأحمد (١ / ١٢٩، ١٤١) والمحاملي في
" الأمالي " (٣ / ٩٥ / ١) والضياء في " الأحاديث المختارة، (١ / ٢٥٨،
٢٥٩) عن هلال بن يساف عن وهب بن الأجدع عن علي ﵁ مرفوعا.
وقال ابن حزم:
" وهب بن الأجدع تابع ثقة مشهور، وسائر الرواة أشهر من أن يسأل عنهم، وهذه
زيادة عدل لا يجوز تركها ".
وصرح ابن حزم في مكان آخر (٢ / ٢٧١) بصحة هذا عن علي ﵁ ولا شك
في ذلك، ولهذا قال الحافظ العراقي في " طرح التثريب " (٢ / ١٨٧) وتبعه
الحافظ ابن حجر في " الفتح " (٢ / ٥٠) : " وإسناده صحيح ".
وأما البيهقي فقد حاد عن الجادة حين قال:
" ووهب بن الأجدع ليس من شرطهما ".
قلت: وهل من شرط صحة الحديث أن يكون على شرط الشيخين؟ أو ليس قد صححا أحاديث
كثيرة خارج كتابيهما وليست على شرطهما؟ ! ثم قال:
" وهذا حديث واحد، وما مضى في النهي عنهما ممتد إلى غروب الشمس حديث عدد،
فهو أولي أن يكون محفوظا ".
قلت: كلاهما محفوظ، وإن كان ما رواه العدد أقوى، ولكن ليس من أصول أهل
العلم، رد الحديث القوي لمجرد مخالفة ظاهرة لما هو أقوى منه مع إمكان الجمع
بينهما! وهو كذلك هنا، فإن هذا الحديث مقيد للأحاديث التي أشار إليها
البيهقي كقوله ﷺ :
" ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس " متفق عليه.
стр. 387
فهذا مطلق، يقيده حديث علي ﵁، وإلى هذا أشار ابن حزم ﵀
بقوله المتقدم:
" وهذه زيادة عدل لا يجوز تركها ".
ثم قال البيهقي:
" وقد روي عن علي ﵁ ما يخالف هذا. وروي ما يوافقه ".
ثم ساق هو والضياء في " المختارة " (١ / ١٨٥) من طريق سفيان قال: أخبرني
أبو إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي ﵁ قال:
" كان رسول الله ﷺ يصلي ركعتين في دبر كل صلاة مكتوبة،
إلا الفجر والعصر ".
قلت: وهذا لا يخالف الحديث الأول إطلاقا، لأنه إنما ينفي أن يكون النبي
ﷺ صلى ركعتين بعد صلاة العصر، والحديث الأول لا يثبت ذلك
حتى يعارض بهذا، وغاية ما فيه أنه يدل على جواز الصلاة بعد العصر إلى ما قبل
اصفرار الشمس، وليس يلزم أن يفعل النبي ﷺ كل ما أثبت جوازه
بالدليل الشرعي كما هو ظاهر.
نعم قد ثبت عن أم سلمة وعائشة ﵄ أن النبي ﷺ صلى
ركعتين سنة الظهر البعدية بعد صلاة العصر، وقالت عائشة: إنه صلى الله عليه
وسلم داوم عليها بعد ذلك، فهذا يعارض حديث علي الثاني، والجمع بينهما سهل،
فكل حدث بما علم، ومن علم حجة على من لم يعلم، ويظهر أن عليا ﵁
علم فيما بعد من بعض الصحابة ما نفاه في هذا الحديث، فقد ثبت عنه صلاته صلى
الله عليه وسلم بعد العصر وذلك قول البيهقي:
" وأما الذي يوافقه ففيما أخبرنا ... " ثم ساق من طريق شعبة عن أبي إسحاق
عن عاصم بن ضمرة قال:
" كنا مع علي ﵁ في سفر فصلى بنا العصر ركعتين ثم دخل
стр. 388
فسطاطه وأنا
أنظر، فصلى ركعتين ".
ففي هذا أن عليا ﵁ عمل بما دل عليه حديثه الأول من الجواز.
وروى ابن حزم (٣ / ٤) عن بلال مؤذن رسول الله ﷺ قال:
" لم ينه عن الصلاة إلا عند غروب الشمس ".
قلت: وإسناده صحيح، وهو شاهد قوي لحديث علي ﵃.
وأما الركعتان بعد العصر، فقد روى ابن حزم القول بمشروعيتهما عن جماعة من
الصحابة، فمن شاء فليرجع إليه.
وما دل عليه الحديث من جواز الصلاة ولو نفلا بعد صلاة العصر وقبل اصفرار
الشمس هو الذي ينبغي الاعتماد عليه في هذه المسألة التي كثرت الأقوال فيها،
وهو الذي ذهب إليه ابن حزم تبعا لابن عمر ﵁ كما ذكره الحافظ
العراقي وغيره، فلا تكن ممن تغره الكثرة، إذا كانت على خلاف السنة.
ثم وجدت للحديث طريقا أخرى عن علي ﵁ بلفظ:
(لا تصلوا بعد العصر، إلا أن تصلوا والشمس مرتفعة) .
أخرجه الإمام أحمد (١ / ١٣٠) : حدثنا إسحاق بن يوسف: أخبرنا سفيان عن أبي
إسحاق عن عاصم عن علي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال:
فذكره:
قلت: وهذا سند جيد، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير عاصم وهو ابن ضمرة
السلولي وهو صدوق. كما في " التقريب ".
قلت: فهذه الطريق مما يعطي الحديث قوة على قوة، لاسيما وهي من طريق عاصم
الذي روى عن علي أيضا أن النبي ﷺ كان لا يصلي بعد العصر،
فادعى البيهقي من أجل هذه الرواية إعلال الحديث، وأجبنا عن ذلك بما تقدم، ثم
تأكدنا من صحة الجواب حين وقفنا على الحديث من طريق عاصم أيضا. فالحمد لله على
стр. 389
توفيقه.
ثم وجدت له شاهدا حسنا من حديث أنس، سيأتي برقم (٣٠٨) .
٢٠١ - " من حدثكم أن النبي ﷺ كان يبول قائما فلا تصدقوه، ما كان
يبول إلا قاعدا ".
أخرجه النسائي (١ / ١١) والترمذي (١ / ١٧) وابن ماجه (١ / ١٣٠)
والطيالسي (١ / ٤٥ من ترتيبه) كلهم عن شريك بن المقدام عن شريح عن أبيه عن
عائشة قالت ... فذكره.
وقال الترمذي:
" حديث عائشة أحسن شيء في الباب وأصح ".
قلت ... وهذا ليس معناه تحسين الحديث بله تصحيحه كما هو معروف في علم المصطلح
وكأن ذلك لضعف شريك القاضي، ولكنه لم ينفرد به. بل تابعه سفيان الثوري عن
المقدام بن شريح به.
أخرجه أبو عوانة في " صحيحه " (١ / ١٩٨) والحاكم (١ / ١٨١) والبيهقي
(١ / ١٠١) وأحمد (١ / ١٣٦، ١٩٢، ٢١٣) من طرق عن سفيان به.
وقال الحاكم:
" صحيح على شرط الشيخين "، ووافقه الذهبي، وفيه نظر، فإن المقدام ابن شريح
وأبوه لم يحتج بهما البخاري فهو على شرط مسلم وحده.
وقال الذهبي في " المهذب " (١ / ٢٢ / ٢) : " سنده صحيح ".
فتبين مما سبق أن الحديث صحيح بهذه المتابعة، وقد خفيت على الترمذي
стр. 390
فلم يصحح
الحديث، وليس ذلك غريبا، ولكن الغريب أن يخفى ذلك على غير واحد من الحفاظ
المتأخرين، أمثال العراقي والسيوطي وغيرهما، فأعلا الحديث بشريك، وردا
على الحاكم تصحيحه إياه متوهمين أنه عنده من طريقه، وليس كذلك كما عرفت،
وكنت اغتررت بكلامهم هذا لما وضعت التعليق على " مشكاة المصابيح "، وكان
تعليقا سريعا اقتضته ظروف خاصة، لم تساعدنا على استقصاء طرق الحديث كما هي
عادتنا، فقلت في التعليق على هذا الحديث من " المشكاة " (٣٦٥) .
" وإسناده ضعيف فيه شريك، وهو ابن عبد الله القاضي وهو سيء الحفظ ".
والآن أجزم بصحة الحديث للمتابعة المذكورة. ونسأل الله تعالى أن لا يؤاخذنا
بتقصيرنا.
قلت آنفا: اغتررنا بكلام العراقي والسيوطي، وذلك أن الأخير قال في " حاشيته
على النسائي " (١ / ١٢) .
" قال الشيخ ولي الدين (هو العراقي) : هذا الحديث فيه لين، لأن فيه شريكا
القاضي وهو متكلم فيه بسوء الحفظ، وما قال الترمذي: إنه أصح شيء في هذا
الباب لا يدل على صحته، ولذلك قال ابن القطان: إنه لا يقال فيه: صحيح،
وتساهل الحاكم في التصحيح معروف، وكيف يكون على شرط الشيخين مع أن البخاري
لم يخرج لشريك بالكلية، ومسلم خرج له استشهادا، لا احتجاجا ".
نقله السيوطي وأقره! ثم تتابع العلماء على تقليدهما كالسندي في حاشيته على
النسائي، ثم الشيخ عبد الله الرحماني المباركفوري في " مرقاة المفاتيح شرح
مشكاة المصابيح " (١ / ٢٥٣) ، وغيرهم، ولم أجد حتى الآن من نبه على أوهام
هؤلاء العلماء، ولا على هذه المتابعة، إلا أن الحافظ ﵀ كأنه أشار
إليها في " الفتح " (١ / ٣٨٢) حين ذكر الحديث:
следующие страницы →