← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 9442

سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها

ناصر الدين الألباني

Полный текст (6 550 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

أفأضربه؟ قال: تعفو عنه ... " الحديث. أخرجه أحمد (٢ / ٩٠) : حدثنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن يزيد حدثنا سعيد يعني ابن أبي أيوب. قلت: وهذا إسناد صحيح أيضا. وقال المنذري في " الترغيب " (٣ / ١٦٣) : " ورواه أبو يعلى بإسناد جيد عنه، وهو رواية للترمذي ". قلت: ليس هو عند الترمذي بهذا اللفظ، فاعلمه. ثم قال: " وفي بعض نسخ أبي داود " عبد الله بن عمرو ". وقد أخرجه البخاري في " تاريخه " من حديث عباس بن جليد عن عبد الله بن عمرو بن العاصى. ومن حديثه أيضا عن عبد الله بن عمر. وقال الترمذي: روى بعضهم هذا الحديث بهذا الإسناد وقال: عن عبد الله ابن عمرو. وذكر الأمير أبو نصر أن عباس بن جليد يروي عنهما كما ذكره البخاري ولم يذكر ابن يونس في " تاريخ مصر "، ولا ابن أبي حاتم روايته عن عبد الله بن عمرو بن العاصى. والله أعلم ". قلت: قد صرحت رواية سعيد بن أبي أيوب المتقدمة أنه عبد الله بن عمر ابن الخطاب وسعيد ثقة ثبت. فعلى روايته المعتمد. والله أعلم. ٤٨٩ - " من ولى منكم عملا فأراد الله به خيرا جعل له وزيرا صالحا إن نسي ذكره وإن ذكر أعانه ". أخرجه النسائي (٢ / ١٨٧) عن بقية قال: حدثنا ابن المبارك عن ابن أبي حسين عن القاسم بن محمد قال: سمعت عمتي تقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فذكره. قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات، وقد صرح بقية بالتحديث فأمنا

стр. 877

بذلك شر تدليسه. وابن أبي حسين اسمه عمر بن سعيد بن أبي حسين النوفلي المكي. وله طريق أخرى عن القاسم، يرويه الوليد بن مسلم حدثنا زهير بن محمد عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : " إذا أراد الله بالأمير خيرا جعل له وزير صدق، إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه وإذا أراد الله به غير ذلك جعل له وزير سوء، إن نسي لم يذكره، وإن ذكر لم يعنه ". أخرجه أبو داود (٢٩٣٢) وابن حبان في " صحيحه " (١٥٥١ - موارد) من طريقين عن الوليد به. ورجاله ثقات رجال الشيخين غير أن زهير بن محمد وهو أبو المنذر الخراساني ضعيف من قبل حفظه. قال الحافظ: " رواية أهل الشام عنه غير مستقيمة، فضعف بسببها. قال البخاري عن أحمد: كأن زهير الذي يروي عنه الشاميون آخر. وقال أبو حاتم: حدث بالشام من حفظه فكثر غلطه ". قلت: لكنه في هذا الحديث قد حفظ أو كاد، فإنه لم يخرج فيه عن معنى حديث بقية. والله أعلم. ٤٩٠ - " يا أيها الناس إنما أنا رحمة مهداة ". أخرجه ابن سعد في " الطبقات " (١ / ١٩٢ - طبع بيروت) : أخبرنا وكيع ابن الجراح: أخبرنا الأعمش عن أبي صالح قال: قال رسول الله ﷺ فذكره. قلت: وهذا إسناد صحيح مرسل. وكذلك أخرجه أبو سعيد بن الأعرابي في " المعجم " (ق ١٠٦ / ٢) قال: أنبأنا إبراهيم أنبأنا وكيع به.

стр. 878

وإبراهيم هذا هو ابن عبد الله أبو إسحاق العبسي كما في إسناد حديث قبل هذا عنده. وهو إبراهيم بن عبد الله بن بكير بن الحارث العبسي، وهو آخر أصحاب وكيع وفاة، توفي سنة تسع وسبعين ومائتين كما في " الشذرات " (٢ / ١٧٤) . وله جزء من حديث وكيع بن الجراح، يرويه أبو عمرو الحسن بن علي بن الحسن العطار عنه عن وكيع. وقد أخرج هذا الحديث فيه (ق ١٣٤ / ١) عن وكيع به إلا أنه وصله فقال: " عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ". وقد وجدت له متابعين عن وكيع: الأول: عبد الله بن أبي عرابة الشاشي قال حدثنا وكيع به. أخرجه أبو الحسن علي بن عمر الحربي السكري في " الفوائد المنتقاة " (١٥٧ / ٢) : حدثنا عبد الله بن محمد بن أسد قال: حدثنا حاتم بن منصور الشاشي أبو سعيد قال: حدثنا عبد الله بن أبي عرابة الشاشي. وعبد الله هذا أورده السمعاني في " الشاشي " فقال: " هذه النسبة إلى مدينة وراء نهر سيحون يقال: لها (الشاش) ، وهي من ثغور الترك، خرج منها جماعة كثيرة من أئمة المسلمين منهم عبد الله بن أبي عرابة الشاشي، رحل إلى مرو والعراق، وسمع علي بن حجر وأحمد بن حنبل، روى عنه أهل بلده، ومات سنة (٢٨٦) ". لكن الراوي عنه حاتم بن منصور لم أجد له الآن ترجمة.

стр. 879

والآخر: عبد الله بن نصر: حدثنا وكيع به. أخرجه ابن عدي في " الكامل " (ق ٢٢٣ / ١) : حدثنا عمر بن سنان المنبجي حدثنا عبد الله بن نصر به. وقال: " وهذا غير محفوظ عن وكيع عن الأعمش، إنما يرويه مالك بن سعير عن الأعمش ". يعني أنه غير محفوظ عن وكيع عن الأعمش هكذا موصولا، وإنما يرويه مالك بن سعير عن الأعمش به موصولا. لكن مجيئه من الطريقين السابقين عن وكيع موصولا مما يقوي رواية ابن نصر هذا. وعليه فيكون مالك بن سعير قد تابعه على وصله، وتكون روايته مرجحة لرواية الوصل عن وكيع على رواية الإرسال عنه، والله أعلم. وقد أخرجه ابن الأعرابي في " معجمه " (٢٤٧ / ٢) وأبو عروبة الحراني في " حديثه " (ق ٩٨ / ١) وابن الحمامي في " جزء منتخب من مسموعاته " (ق ٣٥ / ١) والرامهرمزي في " الأمثال " (ق ٢١ / ١) والحاكم في " المستدرك " والقضاعي في " مسند الشهاب " (ق ٩٦ / ١) وابن عساكر في " تاريخ دمشق " (٢ / ٩٧ / ١) من طريق أبي الخطاب زياد بن يحيى الحساني حدثنا مالك بن سعير حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة به. وقال ابن الحمامي: " تفرد به مجودا مرفوعا مالك بن سعير عن الأعمش، ورواه وكيع عن الأعمش عن أبي صالح موقوفا ". كذا قال، وهو إنما يعني مرسلا كما تقدم في رواية ابن سعد، وأيضا فالوقف في مثل هذا الحديث لا يعقل، كما هو ظاهر.

стр. 880

وقال الحاكم: " صحيح على شرطهما، فقد احتجا جميعا بمالك بن سعير، والتفرد من الثقات مقبول ". ووافقه الذهبي. وأقول: مالك بن سعير صدوق كما قال أبو زرعة وأبو حاتم، لكن البخاري لم يحتج به، وإنما أخرج له متابعة، ومسلم إنما روى له في " المقدمة "، فمثله يحتج به إذا تفرد ولم يخالف، فإن رجحنا رواية وكيع المرسلة، فيكون مالك قد خالفه فتكون روايته شاذة، ورواية وكيع المرسلة هي المحفوظة، وإن رجحنا رواية وكيع الموصولة فتتفق الروايتان، ويكون كل منهما شاهدا للآخر، وهذا هو الأرجح عندي، لأن اتفاق ثلاثة من الرواة على روايته عن وكيع موصولا، يبعد في العادة أن يتفقوا على الخطأ، ولو كان في بعضهم ضعف بدون تهمة، أو في بعض الرواة عنه فإذا انضم إلى ذلك رواية مالك بن سعير قوي الحديث وارتقى إلى درجة الحسن أو الصحة، والله أعلم. (فائدة) قال الرامهرمزي عقب الحديث: " واتفقت ألفاظهم (يعني الرواة عن أبي الخطاب) في ضم الميم من قوله: " مهداة " إلا أن البرتي قال: " مهداة " بكسر الميم من الهداية، وكان ضابطا فهما متفوقا في الفقه واللغة، والذي قاله أجود في الاعتبار لأنه بعث صلى الله عليه وسلم هاديا كما قال (وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم) ، وكما قال جل وعز (إنا أنزلنا إليك الكتاب لتبين للناس) و (لتخرجهم من الظلمات إلى النور) وأشباه ذلك. ومن رواه بضم الميم إنما أراد أن الله أهداه إلى الناس. وهو قريب ".

стр. 881

ثم وجدت للحديث شاهدا من حديث جبير بن مطعم مرفوعا بلفظ: " والذي نفسي بيده، لأقتلنهم، ولأصلبنهم، ولأهدينهم وهم كارهون، إني رحمة بعثني الله ، ولا يتوفاني حتى يظهر الله دينه، لي خمسة أسماء ... ". أخرجه الطبراني في " المعجم الكبير " (١ / ٧٦ / ٢) عن أحمد بن صالح قال: وجدت في كتاب بالمدينة: عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي وإبراهيم بن محمد ابن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف عن محمد بن صالح التمار عن ابن شهاب عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: " قال أبو جهل بن هشام حين قدم مكة منصرفه عن حمزة: يا معشر قريش إن محمدا قد نزل يثرب، وأرسل طلائعه، وإنما يريد أن يصيب منكم شيئا فاحذروا ... فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال "، فذكره وقال: " قال أحمد بن صالح: أرجو أن يكون الحديث صحيحا ". قلت: محمد بن صالح التمار صدوق يخطىء كما في " التقريب ". ثم هو وجادة عن كتاب مجهول، فمثله لا يحتج به اتفاقا، فالصحة من أين؟ ! ٤٩١ - " أفضل الجهاد كلمة عدل (وفي رواية: حق) عند سلطان جائر ". ورد من حديث أبي سعيد الخدري، وأبي أمامة، وطارق بن شهاب، وجابر ابن عبد الله، والزهري مرسلا. ١ - حديث أبي سعيد، وله عنه طريقان: الأولى: عن عطية العوفي عنه مرفوعا بالرواية الأولى.

стр. 882

أخرجه أبو داود (٤٣٤٤) والترمذي (٢ / ٢٦) وابن ماجه (٤٠١١) وقال الترمذي: " حسن غريب من هذا الوجه ". قلت: عطية ضعيف، لكن يقوي حديثه هنا الطريق الآتية، وهي: الثانية: عن علي بن زيد بن جدعان عن أبي نضرة عنه مرفوعا. أخرجه الحاكم (٤ / ٥٠٥ - ٥٠٦) والحميدي في " مسنده " (٧٥٢) وأحمد (٣ / ١٩، ٦١) بالروايتين وللحاكم الأخرى وقال: " تفرد به ابن جدعان، ولم يحتج به الشيخان ". قال الذهبي في " تلخيصه ": " قلت: هو صالح الحديث ". وقال في " الضعفاء " " حسن الحديث، صاحب غرائب، احتج به بعضهم ". وقال أبو زرعة: ليس بقوي. وقال أحمد: ليس بشيء. وأقول: هو حسن الحديث عند المتابعة كما هنا. والله أعلم. ٢ - حديث أبي أمامة يرويه صاحبه أبو غالب عنه قال: " عرض لرسول الله ﷺ رجل عند الجمرة الأولى فقال: يا رسول الله أي الجهاد أفضل؟ فسكت عنه، فلما رمى الجمرة الثانية سأله، فسكت عنه، فلما رمى جمرة العقبة وضع رجله في الغرز ليركب، قال: أين السائل؟ قال: أنا يا رسول الله، قال: كلمة حق عند ذي سلطان جائر ". أخرجه ابن ماجه (٤٠١٢) وأحمد (٥ / ٢٥١، ٢٥٦) والمخلص في " بعض الخامس من الفوائد " (ق ٢٦٠ / ١) والروياني في " مسنده " (٣٠ / ٢١٥ / ٢)

стр. 883

وأبو بكر بن سلمان الفقيه في " المنتقى من حديثه " (ق ٩٦ / ١) وأبو القاسم السمرقندي في جزء من " الفوائد المنتقاة " (ق ١١٢ / ١) وابن عدي (١١٢ / ٢) والبيهقي في " الشعب " (٢ / ٤٣٨ / ١) من طرق عن حماد بن سلمة عنه. قلت: وهذا إسناد حسن، وفي أبي غالب خلاف لا ينزل حديثه عن رتبة الحسن، وحديثه هذا صحيح بشاهده المتقدم والآتي. ٣ - حديث طارق بن شهاب ﵁: وهو صحابي رأى رسول الله ﷺ ولم يسمع منه، كما قال أبو داود أخرجه النسائي (٢ / ١٨٧) وأحمد (٤ / ٣١٥) والبيهقي والضياء المقدسي في " الأحاديث المختارة " (ق ٢١ / ٢) . قلت: وإسناده " صحيح " ومراسيل الصحابة حجة. (تنبيه) أورده السيوطي في " الجامع الصغير " من رواية ابن ماجه عن أبي سعيد. وأحمد وابن ماجه والطبراني في " الكبير " والبيهقي في " الشعب " عن أبي أمامة. وأحمد والنسائي والبيهقي أيضا عن طارق. فقال المناوي في " شرحه ": " وقضية صنيع المؤلف أن هذا هو الحديث بكماله، ولا كذلك، بل تمامه عند مخرجه ابن ماجه كأبي داود: أو أمير جائر ". فأقول: هذه الزيادة ليست عند ابن ماجه أصلا. ثم هي ليست من صلب الحديث، بل شك من بعض رواة أبي داود بدليل عدم ورودها عند غيره من حديث أبي سعيد ولا عن غيره ممن ذكرنا، فلا طائل إذن في استدراكها على السيوطي، نعم هي عند الخطيب في " التاريخ " (٧ / ٢٣٩) من طريق عطية عن أبي سعيد. فهي ضعيفة منكرة لتفرد عطية بها. ٤ - حديث جابر: أخرجه العقيلي في " الضعفاء " (٣٢١) من طريق عمار بن

стр. 884

إسحاق أخي محمد بن إسحاق عن محمد بن المنكدر عنه مثل حديث أبي أمامة وقال: " عمار بن إسحاق لا يتابع على حديثه، وليس بمشهور بالنقل، وآخر الحديث قد روي بإسناد أصلح من هذا في أفضل العمل كلمة حق عند إمام جائر ". ٥ - الزهري. قال المناوي قال البيهقي: " وله شاهد مرسل بإسناد جيد، ثم ساقه عن الزهري بلفظ: أفضل الجهاد كلمة عدل عند إمام جائر ". قلت: ولم أره عند البيهقي في " الشعب " من مرسل الزهري، وإنما من مرسل طارق بن شهاب المتقدمة. ٦ - ثم وجدته من حديثه بكر بن خنيس عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن أبيه عن جده مرفوعا أخرجه الحاكم (٣ / ٦٢٦) وسكت عليه، وضعفه الذهبي، وعلته بكر هذا فإنه ضعيف. ٤٩٢ - " من علق تميمة فقد أشرك ". أخرجه الإمام أحمد (٤ / ١٥٦) والحارث بن أبي أسامة في " مسنده " (١٥٥ من زوائده) ومن طريقه أبو الحسن محمد بن محمد البزاز البغدادي في " جزء من حديثه " (١٧١ - ١٧٢) عن عبد العزيز بن منصور حدثنا يزيد بن أبي منصور عن دخين الحجري عن عقبة بن عامر الجهني: " أن رسول الله ﷺ أقبل إليه رهط، فبايع تسعة، وأمسك عن واحد، فقالوا: يا رسول الله بايعت تسعة وتركت هذا؟ قال: إن عليه تميمة، فأدخل يده فقطعها، فبايعه وقال ". فذكره.

стр. 885

قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات رجال مسلم غير دخين وهو ابن عامر الحجري أبو ليلى المصري وثقه يعقوب بن سفيان وابن حبان وصحح له الحاكم (٤ / ٣٨٤) ، وقد أخرجه (٤ / ٢١٩) من طريق أخرى عن يزيد بن أبي منصور. وللحديث طريق أخرى، يرويه مشرح بن هاعان عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من علق تميمة فلا أتم الله له، ومن علق ودعة، فلا ودع الله له ". ولكن إسناده إلى مشرح ضعيف فيه جهالة، ولذلك أوردته في الكتاب الآخر (١٢٦٦) . (فائدة) التميمة: خرزات كانت العرب تعلقها على أولادهم يتقون بها العين في زعمهم فأبطلها الإسلام كما في " النهاية " لابن الأثير. قلت: ولا تزال هذه الضلالة فاشية بين البدو والفلاحين وبعض المدنيين ومثلها الخرزات التي يضعها بعض السائقين أمامهم في السيارة يعلقونها على المرآة! وبعضهم يعلق نعلا في مقدمة السيارة أو في مؤخرتها! وغيرهم يعلقون نعل فرس في واجهة الدار أو الدكان! كل ذلك لدفع العين زعموا، وغير ذلك مما عم وطم بسبب الجهل بالتوحيد، وما ينافيه من الشركيات والوثنيات التي ما بعثت الرسل وأنزلت الكتب إلا من أجل إبطالها والقضاء عليها، فإلى الله المشتكى من جهل المسلمين اليوم، وبعدهم عن الدين. ولم يقف الأمر ببعضهم عند مجرد المخالفة، بل تعداه إلى التقرب بها إلى الله تعالى! فهذا الشيخ الجزولي صاحب " دلائل الخيرات " يقول في الحزب السابع في يوم الأحد (ص ١١١ طبع بولاق) : " اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، ما سجعت الحمائم، وحمت

стр. 886

الحوائم وسرحت البهائم، ونفعت التمائم "! وتأويل الشارح لـ " الدلائل " بأن " التمائم جمع تميمة وهي الورقة التي يكتب فيها شيء من الأسماء أو الآيات وتعلق على الرأس مثلا للتبرك ". فما لا يصح لأن التمائم عند الإطلاق إنما هي الخرزات كما سبق عن ابن الأثير، على أنه لو سلم بهذا التأويل فلا دليل في الشرع على أن التميمة بهذا المعنى تنفع، ولذلك جاء عن بعض السلف كراهة ذلك كما بينته في تعليقي على " الكلم الطيب " (ص ٤٤ - ٤٥ طبع المكتب الإسلامي) . ٤٩٣ - " أما كان يجد هذا ما يسكن به شعره؟! ورأى رجلا آخر وعليه ثياب وسخة فقال: أما كان هذا يجد ماء يغسل به ثوبه؟! ". رواه أبو داود (رقم ٤٠٦٢) والنسائي (٢ / ٢٩٢) الشطر الأول منه وأحمد (٣ / ٣٥٧) ودحيم في " الأمالي " (٢٥ / ٢) وأبو يعلى في " مسنده " (ق ١١٤ / ١) وابن حبان (١٤٣٨) والحاكم (٤ / ١٨٦) وأبو نعيم في " الحلية " (٦ / ٧٨) عن الأوزاعي عن حسان بن عطية عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: " أتانا رسول الله ﷺ (زائرا في منزلنا) فرأى رجلا شعثا قد تفرق شعره فقال ... " فذكره. والسياق لأبي داود والزيادة لأحمد. قلت: وهذا سند صحيح على شرط الشيخين كما قال الحاكم، ووافقه الذهبي. والحديث أورده الغزالي في " الإحياء " (١ / ١٢٢) بلفظ: " دخل عليه ﷺ رجل ثائر الرأس، أشعث اللحية، فقال: أما كان لهذا دهن يسكن به شعره؟ ! ثم قال: يدخل أحدكم كأنه شيطان؟ ! ".

стр. 887

فقال الحافظ العراقي في " تخريجه ": " رواه أبو داود والترمذي وابن حبان من حديث جابر بإسناد جيد ". قلت: عزوه للترمذي خطأ، ولعله جاء من قبل الناسخ أو الطابع فهو قد عزاه إلى المخرجين بطريقة الرمز، فرمز إلى الترمذي منهم بحرف (ت) فتصحف على الناسخ أو غيره من (ن) وهو النسائي، وقد علمت أنه أخرجه مختصرا. ثم إنه ليس في حديث جابر عند أحد من مخرجيه ذكر للحية أصلا، ولا قوله: " يدخل أحدكم كأنه شيطان ". وإنما ورد ذلك في حديث عطاء بن يسار قال: " كان رسول الله ﷺ في المسجد، فدخل رجل ثائر الرأس واللحية فأشار إليه رسول الله ﷺ بيده: أن اخرج، كأنه يعني إصلاح شعر رأسه ولحيته، ففعل الرجل، ثم رجع، فقال رسول الله ﷺ : هذا خير من أن يأتي أحدكم ثائر الرأس كأنه شيطان ". أخرجه مالك في " الموطأ " (٢ / ٩٤٩ / ٧) بسند صحيح، ولكنه مرسل. ٤٩٤ - " إن من ورائكم أيام الصبر، للمتمسك فيهن يومئذ بما أنتم عليه أجر خمسين منكم قالوا: يا نبي الله أو منهم؟ قال: بل منكم ". أخرجه ابن نصر في " السنة " (ص ٩) من طريق إبراهيم بن أبي عبلة عن عتبة ابن غزوان أخي بني مازن بن صعصعة وكان من الصحابة - أن رسول الله ﷺ قال: فذكره. قلت: وإسناده صحيح رجاله كلهم ثقات لولا أن إبراهيم بن أبي عبلة عن عتبة ابن غزوان مرسل كما في " التهذيب ".

стр. 888

لكن له شاهد من حديث عبد الله بن مسعود مرفوعا به. أخرجه الطبراني في " المعجم الكبير " (٣ / ٧٦ / ١) من طريقين عن أحمد ابن عثمان بن حكيم الأودي أنبأنا سهل بن عثمان البجلي أنبأنا عبد الله بن نمير عن الأعمش عن زيد بن وهب عنه. قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات رجال مسلم. وله شاهد آخر من حديث أبي ثعلبة الخشني مرفوعا به. أخرجه أبو داود (٤٣٤١) والترمذي (٢ / ١٧٧) وابن ماجه (٤٠١٤) وابن حبان (١٨٥٠) وابن أبي الدنيا في " الصبر " (ق ٤٢ / ١) وقال الترمذي: " حديث حسن ". ٤٩٥ - " الحياء من الإيمان والإيمان في الجنة والبذاء من الجفاء والجفاء في النار ". أخرجه الترمذي (١ / ٣٦١) وابن حبان (١٩٢٩) والحاكم (١ / ٥٢ - ٥٣) وعبد الله بن وهب في " الجامع " (ص ٧٣) وأحمد (٢ / ٥٠١) ومحمد بن مخلد العطار في " المنتقى من حديثه " (٢ / ١٩ / ٢) وابن عساكر في " تاريخ دمشق " (٤ / ٣٣٥ / ١) من طرق عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ فذكره. وقال الترمذي:

стр. 889

حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: " صحيح على شرط مسلم ". ووافقه الذهبي! ومحمد بن عمرو إنما أخرج له مسلم متابعة. نعم تابعه سعيد بن أبي هلال عند ابن حبان (١٩٣٠) فبه صح والحمد لله. وله شاهد من حديث أبي بكرة قال: قال رسول الله ﷺ : فذكره. أخرجه البخاري في " الأدب المفرد " (١٣١٤) وابن ماجه (٤١٨٤) والطحاوي في " المشكل " (٤ / ٢٣٨) والحاكم من طريق هشيم عن منصور بن زاذان عن الحسن عنه وقال الحاكم: " صحيح على شرطهما ". ووافقه الذهبي. وعزاه البوصيري في " الزوائد " لابن حبان أيضا في " صحيحه "، ولم يورده الهيثمي في " زوائده " إلا من حديث أبي هريرة كما تقدم. ثم قال البوصيرى: " فإن اعترض معترض على ابن حبان والحاكم في تصحيحه بقول الدارقطني: إن الحسن لم يسمع من أبي بكرة. قلت: احتج البخاري في " صحيحه " برواية الحسن عن أبي بكرة في أربعة أحاديث، وفي " مسند أحمد " و " المعجم الكبير " للطبراني التصريح بسماعه من أبي بكرة في عدة أحاديث، منها " إن ابني هذا سيد " والمثبت مقدم على النافي ". قلت: وهذا جواب صحيح، لكن الحسن - وهو البصري - مدلس معروف بذلك، فلا يكفي إثبات سماعه من أبي بكرة في الجملة، بل لابد من معرفة سماعه لهذا الحديث منه وهذا مما لم نره في شيء من الروايات، فالاعتراض بهذا الاعتبار لا يزال قائما لكن الحديث شاهد لا بأس به لحديث أبي سلمة عن أبي هريرة. والله أعلم.

стр. 890

٤٩٦ - " لو أقررت الشيخ (يعني أبا قحافة) لأتيناه مكرمة لأبي بكر. قاله لأبي بكر ". أخرجه الإمام أحمد (٣ / ١٦٠) : حدثنا محمد بن سلمة الحراني عن هشام عن محمد بن سيرين قال: سئل أنس بن مالك عن خضاب رسول الله ﷺ ؟ فقال: " إن رسول الله ﷺ لم يكن شاب إلا يسيرا، ولكن أبا بكر وعمر بعده خضبا بالحناء والكتم. قال: وجاء أبو بكر بأبيه أبي قحافة إلى رسول الله ﷺ يوم فتح مكة يحمله. حتى وضعه بين يدي رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ لأبي بكر (فذكره) ، فأسلم ولحيته ورأسه كالثغامة بياضا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: غيروهما وجنبوه السواد ". قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم، وهشام هو ابن حسان القردوسي ثقة من أثبت الناس في ابن سيرين، وصححه ابن حبان (١٤٧٦) عن ابن سلمة وكذا الحاكم (٣ / ٢٤٤) ووافقه الذهبي. وللحديث شاهد من حديث أسماء بنت أبي بكر بقصة أبي قحافة دون قوله " وجنبوه السواد ". أخرجه الإمام أحمد (٦ / ٣٤٩) من طريق ابن إسحاق قال: حدثني يحيى ابن عباد ابن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن جدته أسماء بنت أبي بكر. قلت: وهذا إسناد حسن، وصححه ابن حبان (١٧٠٠) من هذا الوجه. وللقصة شاهد آخر من حديث جابر بن عبد الله وفيه الزيادة. أخرجه مسلم وغيره من أصحاب " السنن " وهو مخرج في " تخريج الحلال والحرام " برقم (١٠٦) .

стр. 891

وله شاهد مرسل مختصر بلفظ: " غيروا رأس الشيخ بحناء ". أخرجه ابن سعد (٥ / ٤٥٢) . ٤٩٧ - " إذا استؤذن على الرجل وهو يصلي فإذنه التسبيح وإذا استؤذن على المرأة وهي تصلي فإذنها التصفيق ". أخرجه البيهقي في " السنن الكبرى " (٢ / ٢٤٧) من طرق عن حفص ابن عبد الله حدثني إبراهيم بن طهمان عن سليمان الأعمش عن ذكوان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : فذكره. قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري. وقد أخرجه مسلم وأبو عوانة والترمذي من طرق أخرى عن الأعمش به مختصرا بلفظ. " التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء ". وقال الترمذي " حسن صحيح ". وكذلك أخرجه الشيخان وغيرهما من طرق أخرى عن أبي هريرة مرفوعا. وهو في " صحيح أبي داود " برقم (٨٦٧) . وإنما خرجته باللفظ الأول لأنه مفصل، ولبيان صحة إسناده. وقد أخرج أحمد في " مسنده " (٢ / ٢٩٠) حدثنا مروان بن معاوية الفزاري أن يزيد بن كيسان استأذن على سالم بن أبي الجعد وهو يصلي، فسبح لي فلما سلم قال: إن إذن الرجل إذا كان في الصلاة يسبح، وإن إذن المرأة أن تصفق، حدثنا مروان أنبأنا عوف عن الحسن عن النبي ﷺ مثله. حدثنا مروان أخبرني عوف عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ مثله. قلت: وهذه أسانيد ثلاثة، وكلها صحيحة إلا أن الأول موقوف على سالم ابن

стр. 892

أبي الجعد وهو تابعي ثقة. والثاني عن الحسن وهو البصري مرسل. والثالث مرفوع، وهو على شرط الشيخين، فهو شاهد قوي لرواية إبراهيم بن طهمان السابقة. وفيها رد على قول الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على " المسند " (١٥ / ١٣) : " والحديث مثل أثر سالم بن أبي الجعد، والظاهر أنه مثله معنى لا لفظا، فإني لأم أجده بهذا اللفظ قط، إلا في هذا الموضع بهذا الإجمال ". قلت: فقد وجدناه بهذا اللفظ المفصل من رواية إبراهيم بن طهمان كما رأيت، وهي تدل على أن قوله في رواية ابن سيرين " مثله " إنما أراد به لفظا، وليس معنى فقط. لاسيما وهو المراد اصطلاحا من كلمة " مثله "، ولو أراد المعنى فقط لقال: " نحوه " كما جروا عليه في استعمالهم، ونصوا عليه في " المصطلح ". والله ولي التوفيق. وفي الحديث إشارة إلى ضعف الحديث الذي يورده الحنفية بلفظ: " من أشار في صلاته إشارة تفهم عنه، فليعد صلاته ". فإن هذا الحديث الصحيح صريح في جواز الإشارة بالإذن بلفظ التسبيح، فكيف لا يجوز ذلك بالإشارة باليد أو الرأس؟ ! لاسيما وقد جاءت أحاديث كثيرة بجواز ذلك وقد خرجت بعضها في " صحيح أبي داود " رقم (٨٥٨، ٨٥٩، ٨٦٠، ٨٧٠) . وبينت علة الحديث المذكور في الإشارة المفهمة في " الأحاديث الضعيفة " (١١٠٤) ثم في " ضعيف أبي داود " رقم (١٦٩) . ٤٩٨ - " لا جناح عليك. يعني في الكذب على الزوجة تطييبا لنفسها ". أخرجه الحميدي في " مسنده " (رقم ٣٢٩) : حدثنا سفيان قال: حدثني صفوان ابن سليم عن عطاء بن يسار قال: " جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله هل علي جناح أن أكذب

стр. 893

أهلي؟ قال: لا، فلا يحب الله الكذب، قال: يا رسول الله استصلحها واستطيب نفسها، قال: لا جناح عليك ". هكذا وقع فيه عن عطاء بن يسار مرسلا، وهو قد أورده تحت " أحاديث أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ﵂ "، فلا أدري أسقط اسمها من السند، أو الناسخ أم الرواية عند الحميدي هكذا مرسلا. والسند صحيح إلى عطاء بن يسار، وقد جاء موصولا من طريق أخرى عنها. أخرجه مسلم (٨ / ٢٨) وأحمد (٦ / ٤٠٣، ٤٠٤) من طريق ابن شهاب عن حميد ابن عبد الرحمن بن عوف عن أمه أم كلثوم بنت عقبة قالت: ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص في شيء من الكذب إلا في ثلاث: الرجل يقول القول يريد به الإصلاح، والرجل يقول القول في الحرب، والرجل يحدث امرأته، والمرأة تحدث زوجها. وله شاهد من حديث أسماء بنت يزيد نحوه. أخرجه الترمذي (١ / ٣٥٢) وأحمد (٦ / ٤٥٤، ٤٥٩، ٤٦٠) من طريق شهر ابن حوشب عنها. وقال الترمذي: " حديث حسن ". وقوله " والرجل يحدث امرأته ... " قال القاضي عياض: " يحتمل أن يكون فيما يخبر به كل منهما كما له فيه من المحبة والاغتباط، وإن كان كذبا لما فيه من الاصلاح ودوام الألفة ". قلت: وليس من الكذب المباح أن يعدها بشيء لا يريد أن يفي به لها، أو يخبرها بأنه اشترى لها الحاجة الفلانية بسعر كذا، يعني أكثر من الواقع ترضية لها، لأن ذلك قد ينكشف لها فيكون سببا لكي تسيء ظنها بزوجها، وذلك من الفساد لا الإصلاح.

стр. 894

٤٩٩ - " من سأل وله ما يغنيه جاءت مسألته يوم القيامة خدوشا أو خموشا أو كدوحا في وجهه. قيل: يا رسول الله وما يغنيه؟ قال: خمسون درهما، أو قيمتها من الذهب ". أخرجه أبو داود (١٦٢٦) والنسائي (١ / ٣٦٣) والترمذي (١ / ١٢٦) والدارمي (١ / ٣٨٦) وابن ماجه (١٨٤٠) والطحاوي (١ / ٣٠٦) والحاكم (٤٠٧) وأحمد (١ / ٣٨٨، ٤٤١) وابن عدي (٦٩ / ١، ٧٣ / ٢) من طريق حكيم بن جبير عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد عن أبيه عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : فذكره. والسياق لابن ماجه وزاد هو وغيره: " فقال رجل لسفيان: إن شعبة لا يحدث عن حكيم بن جبير، فقال سفيان: قد حدثناه زبيد عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد ". قلت: حكيم بن جبير ضعيف، لكن متابعة زبيد وهو ابن الحارث الكوفي تقوي الحديث فإنه ثقة ثبت، وكذلك سائر الرواة ثقات، فالإسناد صحيح من طريق زبيد. قال الترمذي " حديث حسن ". ٥٠٠ - " من كان له شعر فيلكرمه ". أخرجه أبو داود (٤١٦٣) والطحاوي في " المشكل " (٤ / ٣٢١) والبيهقي في " الشعب " (٢ / ٢٦٥ / ٢) وأبو محمد العدل في " الفوائد " (٣ / ١ / ٢) من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: فذكره. وهذا إسناد حسن كما قال الحافظ في " الفتح " (١٠ / ٣١٠) ، وهو عندي

стр. 895

صحيح، لأن ابن أبي الزناد - وهو صدوق، تغير حفظه لما قدم بغداد - قد وجدت له متابعا قويا، فقال أبو نعيم في " تسمية ما انتهى إلينا من الرواة عن سعيد بن منصور عاليا " (ق ٢٠٩ / ١) : وروى عنه أيضا إسماعيل بن عبد الله العبدي. حدثنا عبد الله بن جعفر حدثنا إسماعيل بن عبد الله أنبأنا سعيد بن منصور أنبأنا ابن أبي ذئب عن سهيل به. قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات رجال مسلم غير العبدي هذا وهو ثقة صدوق كما قال ابن أبي حاتم (١ / ١ / ١٨٢) وعبد الله بن جعفر هو عبد الله ابن محمد بن جعفر بن حبان المعروف بأبي الشيخ وهو ثقة حافظ له ترجمة في " تذكرة الحفاظ " (٣ / ١٤٧ - ١٤٩) . وللحديث شاهدان: الأول: عن عائشة. أخرجه الطحاوي وأبو بكر الشافعي في " الفوائد " (٧ / ٨٠ / ٢) وعنه عبد العزيز الكتاني في " حديثه " (٢٣٦ / ١) والبيهقي أيضا وابن حيويه في " حديثه " (٣ / ٤ / ٢) عن ابن إسحاق عن عمارة بن غزية عن القاسم عن عائشة به مرفوعا. قال الحافظ " وسنده حسن أيضا ". وهذا تساهل منه فإن ابن إسحاق مدلس، وقد عنعنه من الطريقين عنه. إلا إن كان يعني أنه حسن لغيره، فهو صواب.. والشاهد الآخر: عن ابن عباس. أخرجه الخطيب في " الموضح " (٢ / ٦٧) عن سليمان بن أرقم عن عطاء بن أبي رباح عنه وسليمان بن أرقم ضعيف. (تنبيه) عزى السيوطي في " الجامع الكبير " (٢ / ٢٨٦ / ٢) الحديث لأبي داود والبيهقي في " الشعب " عن أبي هريرة بهذا اللفظ. ثم ذكره بزيادة: " قيل: يا

стр. 896

رسول الله وما كرامته؟ قال: بدهنه وبمشطه كل يوم ". وقال: " رواه أبو نعيم في " تاريخ أصبهان " وابن عساكر عن ابن عمر، وفيه إسحاق ابن إسماعيل الرملي، قال أبو نعيم: حدث بأحاديث من حفظه فأخطأ فيها. وقال النسائي: صالح ". قلت: وهذه الزيادة مع ضعف سندها منكرة لأنها تخالف الحديث الآتي: " نهى ﷺ عن الترجل إلا غبا ".

стр. 897

الاستدراكات ١- آخر الحديث (٣٢) ، وآخر الفائدة الثانية: ثمَّ رأيتُ بحثًا جيدًا لأَحدِ إِخواننا في مكّة المكرمة -بارك الله فيه- انتصرَ فيه لهذه السنة الظاهرة في رسالتِه التي أَهداها إِلي: "التتمات لبعض مسائل الصلاة" (ص ٤١-٤٢) ، فراجعه تزدد به علمًا وفائدةً إِن شاءَ الله تعالى. ٢- آخر الحديث (٣٦) : ثمَّ تبيّن لي أنَّ تصحيح ابن القطان للحديث من الطريق الأُولى عن ابن عباس معلولٌ بالشذوذ، ومثلها الطريقُ الثالثة عنه، فإنّ ذكرَ جملة الأُذنين فيه شاذّة أَيضًا، وقد استفدتُ هذا كلّه من تحقيقٍ قام به الأَخ الفاضل مشهور حسن في تعليقه على كتاب "الخلافيات" للبيهقي (١/٣٦٦-٣٩٣) ، يسَّرَ الله له تمامَ إِخراجِه، ونفعَ اللهُ به قرّاءه بمنّه وكرمِه. لكنّي كنتُ أَودُّ من الأَخِ الفاضلِ أن يزوِّدَ قرّاءَه بخلاصةٍ نافعةٍ بعد ذلك الجهد الجهيد، والتعبِ الشديدِ في تتبعِ طرقِ الحديث، وهي بيان مرتبةِ الحديث، لأنّها بيتُ القصيدِ من التخريجِ، فإنّ من المقررِ في علمِ المصطلحِ أنَّ الحديثَ الضعيفَ يتقوى بكثرةِ الطرقِ بالشرطِ المعروفِ هناك، فالسؤالُ الذي يطرحُ نفسَه الآن -كما يقالُ في هذا الزمانِ-: هل يبقى الحديثُ على ضعفِه كما تَدلُّ عليه مفرداتُ طرقه، ويشيرُ إِليه صنيعُ الإِمامِ الدارقطنيّ والبيهقيّ، أَم إِنَّ مجموعَ طرقه يخرجه من الضعفِ، ويرقى به إِلى مرتبةِ الاحتجاجِ به، ولو في رتبةِ الحديثِ الحسن لغيره على الأَقلّ؟

стр. 898

وجوابًا عليه أَقولُ: إِنَّ هذا الحديثَ مثالٌ صالحٌ للحديثِ الضعيفِ الّذي يتقوَّى بكثرةِ الطرقِ وبغيرِها؛ وهاك البيان: أَوّلًا - إِنَّ كثيرًا من طرقِه ليسَ شديدَ الضعفِ، إنما ضعفها سوءُ حفظٍ في بعضِ رواتِها، كما هو حالُ الطريقِ الأُولى في الحديثِ رقم (١) ، ولذلك حسّنه جمعٌ من الحفّاظِ -كما تقدّمَ منّي هناك- وفيهم المنذري، وابن دقيق العيد -وهما من الشافعيّةِ- وأَخذَ به الإِمامُ أَحمدُ. ومثلُ طريق إِسماعيل بن عياش عن يحيى بن سعيد في الحديثِ الثالثِ عن ابن عمر، فإن إِسماعيلَ ثقةٌ ضُعِّفَ في غيرِ الشاميين، وقد قال الحاكمُ فيه: "إِسماعيلُ بن عياش -على جلالتِه- إِذا انفردَ بحديث، لم يقبل منه، لسوء حفظِه". قلت: فهو حجّة مقبول الحديث هنا؛ لأنّه قد توبعَ -كما ترى-. ومثلُ طريقِ سويد بن سعيد في الحديث (٩) ، فإِنّه ثقة من شيوخِ مسلمٍ ولكنّه كانَ اختلطَ. فهذه الطرقُ الثلاثُ ممّا يتقوى الحديثُ بها لانتفاءِ شدّةِ الضعف عنها، والطرقُ الأُخرى إِن لم تزدها قوّةً فلا تضرها كما لا يخفى. ثانيًا - لقد صوّبَ الدارقطنيُّ -كما تقدّم- مرسلَ سليمان بن موسى عن النبيِّ ﷺ ، وهو تابعيٌّ حسنُ الحديثِ، والسندُ إِليه صحيح، فهو مرسلٌ قويٌّ، يحتجُّ به مطلقًا عند كثيرٍ من الفقهاءِ، وعند المحدثين -ومنهم الإِمامُ الشافعيُّ- إِذا جاءَ موصولًا من طريقٍ أُخرى، فكيفَ وقد جاءَ كذلك من طرقٍ كما تقدّمَ؟ ثالثًا - قد قال به بعضُ رواتِه من الصحابةِ؛ كابن عمر ﵁، فقد

стр. 899

صحَّ عنه أنّه قال: "الأُذنانِ من الرأس". أَخرجه الدارقطنيُّ (١/٩٨/٥) ، وكذا عبد الرزاق (١/١١) . رابعًا - قد قال به أكَثرُ العلماءِ، كما في "المجموعِ" للنووي (١/٤١٣) ، وذلك مما يتقوى به الحديثُ الضعيفُ عند الإِمامِ الشافعيّ وغيره. انظر "جلباب المرأةِ المسلمة" (ص ١٣، ٥٩-٦٠) . خامسًا - قد صحَّ عملُ النبيِّ ﷺ به من حديث المقدامِ بن معد يكرب، وابن عباس، أنّه مسحَ رأسَه وأُذنيه، ظاهرهما وباطنهما، رواهما أبو داود وغيره، وهما مخرّجانِ في "صحيح أَبي داود" (١١٢-١١٤ و١٢٦) ، فلم يأَخذ لهما ماءً جديدًا، وأَمّا حديثُ عبد الله بن زيد المازنيّ، أنَّ النبيَّ ﷺ أَخذَ لأُذنيه ماءً خلافَ الماءِ الّذي أَخذَ لرأسِه، فهو حديثٌ شاذٌّ لا يصحُّ، والمحفوظُ -كما قالَ الحافظُ- بلفظ: "مسح برأسِه بماءٍ غير فضل يديه". رواه مسلم وغيره، وهو مخرّجٌ في "صحيح أَبي داود" برقم (١١١) ، وقد فصلتُ القولَ في الشذوذِ المذكورِ في المجلدِ الثاني من "الضعيفة" تحت الحديث (٩٩٥) . فأَقولُ: بعضُ هذه الوجوهِ لو توفرت في الحديثِ المرسلِ، لكانت كافيةً لتقويته، ورفعه إِلى مرتبةِ الاحتجاجِ به، فكيفَ بها مجتمعةً؟ وهو اختيارُ الصنعانيّ. وثمّةَ وجهٌ آخر يمكنُ به تقويتُه من طريقِ النظر، وهو ما أَفادَه الإِمامُ أَبو جعفر الطحاويُّ في "شرح المعاني" (١/٢٠) ، وهو: أنّهم أَجمعوا على أنَّ المرأةَ المحرمةَ لا يجبُ عليها أَن تغطيَ وجهها، وعليها أن تغطيَ رأسها وأُذنيها ظاهرهما وباطنهما، فدلّ ذلك على أنّ حكمَهما حكمُ الرأسِ في المسحِ، لا حكم الوجه، والله أَعلم. وبعد كتابةِ ما تقدّمَ، رأيتُ الحافظَ ابن حجرٍ في "النكت على كتابِ ابن

стр. 900

الصلاحِ" قد تكلمَ على بعض هذه الطرق وبيّن عللها، ولكنّه ختمَ ذلك بخلاصةٍ جيدة وفقَ ما انتهيتُ إِليه -والحمدُ للهِ- فقال: "وإِذا نظرَ المنصفُ إِلى مجموعِ هذه الطرقِ، علمَ أنَّ للحديثِ أَصلاً، وأنّه ليسَ مما يطرحُ، وقد حسّنوا أَحاديث كثيرةً باعتبارِ طرقٍ لها دون هذه، والله أَعلمُ". "النكت" (١/٤١٥) . ٣- آخر الحديث (٩١) وهو في تحريم (العازف) وآلات الطرب: ثمَّ وقفتُ على مقالٍ في جريدةِ (الرباط) الأُردنيّة الأُسبوعيّة بقلم المدعو (حسان عبد المنان) ، ذهب فيه إِلى تضعيفِ هذا الحديثِ المتفق على صحتِه عند الأَئمةِ، والحفّاظِ المشهودِ لهم بالعلمِ والمعرفةِ لدى علماءِ الأُمّةِ كافّة، الذين لا يتفقونَ على ضلالةٍ، فجاءَ هذا (!) ليشذَّ عنهم ويخالفَ سبيلَهم، وقد كنتُ سميتُ منهم جماعةً في مقدمةِ كتابي الجديدِ "ضعيف الأَدبِ المفرد" (ص ١٤-١٥) في كلمةٍ قصيرةٍ كنتُ رددتُ بها عليه، وهم -بعد البخاريّ وابن حبان-: ١- ابن الصلاح ٢- النووي ٣- ابن تيميّة ٤- ابن قيم الجوزيّة ٥- ابن كثير الدمشقيّ ٦- ابن حجر العسقلانيّ ٧- السخاويّ ٨- ابن الوزير اليماني ٩- محمد بن إِسماعيل الصنعانيّ. ونقلتُ هناك عبارةَ النوويّ والعسقلانيّ في الرَّدِّ على ابن حزم تضعيفَه إِيّاه، وغير هؤلاءِ كثيرٌ ممّن سلكوا سبيلَهم -لم أَذكرهم هناك- ممّن لا يصحُّ في عقل عاقلٍ أن يُقرنَ مع أَحدِهم هذا الشاذُّ عنهم، فكيفَ يُقرن معهم جميعهم، ومنهم الشوكانيُّ، وأَخيرًا أُستاذه وشيخه -كما يزعمُ- الشيخ شعيب الأَرناؤوط؟!

стр. 901

لقد ذكَّرته هناك بهذه المخالفةِ الجسيمة الّتي لا أظنُّ أَنَّ مسلمًا يعترفُ بعلمِ هؤلاءِ الأَئمةِ وفضلهم يتجرّأُ على مخالفتهم، وإِضافةً إِلى ذلك بيّنتُ له وهاءَ ما تشبَّثَ به في تضعيفِ الحديث، فلمّا اطلعَ على ذلك عاند، واستكبرَ -كعادته- وركبَ رأسَه، فكتبَ ردًّا طويلًا مجموعًا فى خمسِ صفحات، ليس فيها شيءٌ من العلمِ، سوى آرائه الشحصيّة التي هي ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً﴾ ، فهو بحقٍّ رجلٌ (مَلِصٌ) ، كلما جوبه بدليلٍ لا مردَّ له تملّصَ بتأويلٍ له من عنده. خذ مثلًا (عطة بن قيس) التابعيّ الإِمام -كما وصفه الذهبيُّ- لماّ رددنا عليه قولَه فيه: " مجهول الحال " بأنَّ مسلمًا وثَّقه واحتجَّ به فى "صحيحه"، وبتوثيقِ الحافظ إِياه، تحذلقَ فقال: " لم يوثِّقه مسلم، وإِنّما ذكره فىِ الشواهدِ "، ثمَّ أَشارَ إِلى الحديثِ الذي يعْنيه أنّه فى " مسلم " برقم (٤٧٧) . وهذا ممّا لم يقله قبله أَحد، وهو خلافُ ما عليه الحفاظُ الّذينَ ترجموا للرَّجلِ كالمزيِّ والذهبيِّ والعسقلانيِّ وغيرِهم، أَطلقوا عزوَه لمسلمٍ، ولم يقولوا: "في الشواهدِ"! بينما لمّا عزوه إِلى "البخاريِّ"، قيدوه فقالوا بالرمزِ: "تعليقًا"، وهذا من دقَّتهم ﵃ الّتي يغفلُ عنها المذكورُ، أَو يتغافلُ عنها؛ لأنّه لا يثقُ بعلمِهم! بل صرّحَ بذلك المزيُّ فقال في آخرِ ترجمتِه: "استشهدَ له البخاريُّ (يعني تعليقًا) بحديثٍ واحدٍ (يعني هذا) ، وروى له الباقون". وإنَّ ممّا يؤكّدُ هذا الحديثَ الذي أَشارَ إِليه؛ فإِنّه عند مسلمٍ حديثٌ بين حديثين فيما يقولُه المصلي إِذا رفعَ رأسَه من الرُّكوعِ، وثلاثتها أحاديث صحيحة، ليس في واحدٍ منها من لم يحتجَّ به مسلم. وما مثله فيما ادعاه إِلاّ كمثلِ من لو عارضَه معارضٌ فقال في راوي الحديث

стр. 902

الثالثِ - واسمه (قيس بن سعد، وليس رجال البخاري) : لم يوثقه مسلم، وإِنّما ذكره في الشواهدِ!! هكذا فليكن الاجتهادُ والتحقيقُ يا محققَ "الرباط"! وأمّا تحذلقه في موقفِه من توثيقِ الحافظ فهو أَعجبُ، فقد قال: "لا قيمةَ لأَحكامِ ابن حجر إِن لم تستند إِلى دليلٍ واضحٍ.." يعنى عند غير العالم! وأَما هو فلحكمِه بالجهالةِ قيمةٌ -وأَية قيمة- ولو لم يستند إِلى دليلٍ! نعوذُ بالله من زمان يتكلمُ فيه (الرويبضةُ) ! ونحوُ ذلك سائرُ أَجوبتِه وردودِه (عظمٌ بدونِ لحمٍ) ! والكلامُ في ذلك يطولُ، والمجالُ والوقتُ أَضيقُ وأَعزُّ من تتبعها، فأختمها بموقفِه تجاه قول ابن سعدٍ في (عطية) : "كانَ معروفًا"، فإِنّه قال: "ليس هذا بتوثيقٍ، وإنّما هو ضد مجهولٍ، ولا علاقةَ له بمجهولِ الحالِ الّتي ذكرتها فيه"! نقول له: أَينَ الدليلُ؟! هو يطالبُ أَميرَ المؤمنين في الحديثِ بالدليلِ على التوثيقِ، أَفلا يحقُّ لنا أَن نطالبَه بالدليلِ على ما يقولُ، وهو نفسُه في هذا العلمِ مجهول؟! إِلاّ أَنني أَرى أنَّ قولَه: "كانَ معروفًا" مطلقٌ، والمطقُ ينصرفُ إِلى الكمالِ كما يقولُ العلماءُ، فهو كما قالَ: "ضد مجهول"، ولكن خفيَ عليه أنّه حجّةٌ عليه، لأنّه كما يفهمُ من هذا اللفظِ "مجهول" الإِطلاق والشمول، فهو يشملُ مجهولَ العينِ ومجهولَ الحالِ، فكذلك ضده "معروف"؛ يشملُ معروفَ العين ومعروفَ الحالِ، فسقطَ ما زعم وقال!

стр. 903

ثمَّ وجدتُ للحافظِ كلامًا يؤيّدُ ما ذكرتُ، فانظر "مقدمة الفتح" (٣٨٤) . وختامًا أَقولُ: قد تبيّنَ تكلُّفُه الإِجابةَ عن ردّي على ما كانَ تشبَّثَ به في تضعيفِ هذا الحديثِ الصحيح، بما كشفَ للقرّاءِ أنّه مبتدعٌ غيرُ متبعٍ، وإِنّ ممّا يؤكدُ ذلك صمتَه تجاه ما كنت أَدنته به من مخالفتِه لاجماعِ الأَئمةِ المُصحِّحين للحديثِ، فإِنّه لم يُجب عن ذلك ولو بحرفٍ واحدٍ، فحسبُه هذا إِدانةً له، واللهُ حسيبُه. وبقي هناك أَشياءُ كثيرةٌ في ردِّه، مجالُ ردي عليها واسعٌ جدًّا، ولكنَّ الوقتَ أَضيقُ وأَعزُّ من إِضاعتِه بالرّدِّ عليه، فإنَّ الرَّجلَ كثيرُ الكلامِ، ومن كثر كلامُه كثر سقطُه.. إلاّ أنّه لا بدَّ من بيان بعض النقاط الهامة منه: أَولاً - إِنّه يصورُ للناسِ أنَّ الخلافَ بيني وبينه خلافٌ شخصيٌّ لمجرّدِ اختلافٍ في الرأي، وهذا خلافُ الواقعِ، وإنّما هو خلافٌ منهجيٌّ؛ هو يهاجمُ السنّةَ الصحيحةَ، وأَنا أَدافعُ عنها؛ هو يضعّفُ الأَحاديثَ الصحيحة بناءً على آراءٍ وأَفكارٍ له خاصّة، وأَنا أُدافعُ عنها، وأَردُّ عليه متَّبعًا في ذلك قواعدَ العلماءِ وأحكامَهم، وهذا هو المثالُ بين يديك، وتأتي أَمثلةٌ أُخرى إِن شاءَ اللهُ تعالى، فانظر الاستدراك رقم: ١٣ ثانيًا - يطلبُ منّي الرفقَ واللينَ في الرَّدِّ عليه، وأنْ لا أَجرحَه -جاءَ ذلك في كلامٍ طويلٍ له- فأَقولُ: أَبشِرْ بكلِّ خيرٍ، ورفقٍ، ولينٍ يومَ تترفَّقُ أَنتَ بسنّةِ رسولِ الله ﷺ ، وأَحاديثه الصحيحةِ، ولا تنتهك حرمتها، وترفعُ معولَ الهدمِ عليها، وتتبعُ سبيلَ علماءِ المسلمين، وتخالفُ طريق الجهلةِ المفُسدين، وباركَ اللهُ لك في خلافٍ تخالفني فيه في رأيٍ يحتملُ الخطأَ والصوابَ.

стр. 904

وأظنُّك تعلمُ موقفَ النبيِّ ﷺ الصارمَ إِذا انتُهكت محارمُ اللهِ، وأنَّ اللينَ والشدّةَ لكلٍّ منهما مكانُه اللائقُ به، بنصِّ الكتابِ والسنّةِ، وتعلم يقينًا قول الشاعر: ووضعُ الندى في موضعِ السيف بالعُلى ... مُضرٌّ كوضعِ السيفِ في موضعِ الندى! ولكن أَينَ كنتَ من هذا المطلبِ حين ألّفتَ رسالةً خاصةً في الرَّدِّ على المتمسكينَ بالسنّةِ سميتها "مناقشة الأَلبانيّين.."؛ فلقَّبتهم بغيرِ لقبِهم؟! وإِذا كانَ هذا هو العنوان، فكيفَ يكونُ حالُ المُعَنْوَن؟! لقد حشوتَه غمزًا ولمزًا، وظهرَ فيه ما تُكنّهُ في نفسِكَ من الأدبِ واللينِ الجمّ! ومع هذا، فكلُّ ذلك يهونُ تجاه محاربتِك لسنّةِ التراصِّ بالأَقدامِ والمناكبِ في الصفّ، وتجويزِكَ فيها الصلاةَ بين السواري لغير حاجة، وتضعيفِك لثلاثةِ أحاديث صحيحة بأَساليبِك الخاصةِ الملتوية كما يأتي بيانُه إِن شاءَ اللهُ في الاستدراك رقم: ١٣. ثالثًا - إِنَّه أخذَ عليَّ ثلاثةَ أُمور، أَوهمَ القرّاءَ أَنّي اعتديتُ عليه فيها، ولا شيءَ من ذلك والحمدُ للهِ: ١- نفى ما كنتُ نسبتُه اِليه من أنّه تشبثَ بعلّةِ الانقطاعِ تقليدًا لابن حزمٍ فقال: "لم أَتعرّضْ لحجّةِ ابن حزمٍ، ولا ذكرتُ ابن حزم..". فأَقولُ: هذا من تملُّصِه الّذي وصفتُه به فيما سبقَ؛ لأنَّ الذي نَسَبْتُه إليه هو الانقطاعُ وليسَ الحجّة؛ لأنَّ حجّةَ ابنِ حزمٍ من مجموعِ أَمرين: الانقطاعُ، وترددُ الراوي في اسمِ صحابيّ الحديثِ؛ هل هو (أبو عامر، أَم أبو مالك الأَشعريّ) ؟ فهو لم يتعرض لهذه الحجّةِ، ولكنّه تعرّضَ للانقطاعِ في أَوّلِ كلامِه على الحديثِ في

стр. 905

جريدةِ (الرباط) بقولِه: "فهذا الحديثِ معلقٌ" أَي: منقطع، كما شرحه هو بعد. فليتأمّل القارئ كيفَ نفى ما لم أَنسب إِليه، وهي الحجّة، ولم ينفِ ما نسبتُه إِليه وهو الانقطاعُ، موهمًا القرّاءَ أنّني قلتُ عليه ما لم يقل! فماذا يسمِّي القرّاءُ هذا الفعلَ منه؟! إِنّه -بلا شكّ- نوعٌ من التدليسِ، شاءَ أَم أَبى، إِلاّ أَن يكونَ عييًّا عاجزًا عن بيانِ مرادِه! ٢- نفى قولي فيه: إِنّه "زادَ على ابن حزمٍ أنَّه لا مصححَ له غيرُ البخاريِّ وابن حبّانَ" فقال مستنكرًا: "أَينَ قلتُ أَنا ذلك في مقالي، بل أَينَ ما يفهمُ منه هذا؟! ". فأَقولُ: لم أَقل عنك أنّك قلتَ ذلك، وإنّما قلتُ: " زاد.. " إلخ العبارةِ المذكورةِ، فلا يجوزُ لكَ أن تنسبَ إِليَّ القولَ بذلك، ويبدو لي أنّك شعرتَ في قرارةِ نفسِك بخطئكَ فيما نسبت، ولذلك أَضربتَ عنها بقولِك: " بل أَين ما يفهمُ منه هذا في ذلك المقال؟!! ". والجوابُ فهمتُه من لسانِ حالِك، وأُسلوبك في مقالِك، والعلماءُ يقولون: "لسانُ الحالِ أَنطقُ من لسانِ المقالِ"، فأَنا على يقينٍ أنّك تعلمُ أن كثيرًا من الأَئمةِ -غير البخاريِّ وابن حبّانَ- قد صححوا الحديثَ، ومع ذلك؛ فإِنّك لم تذكر غيرَهما، فمن مجموعِ ما ذكرتَ، وما لم تذكر قلتُ ما ذكرتُه آنفًا، ولا سيّما وأنتَ معروف بكتمانِ ما هو عليكَ من أقوالِ العلماءِ، وسيأتي بعضُ الأَمثلةِ على ذلك إِن شاءَ اللهُ تعالى. ثم ليتَ شعري، لماذا اهتممتَ بما ظننتَه خطأً أَنّي نسبتُ إِليك ما لم تقل، -وظنّكَ لو كانَ ظنَّ المؤمنين، يضرّني ولا يضرُّك- ولم تهتم بما نسبتُ إِليكَ يقينًا، وهو مخالفتُك لإِجماعِ الأَئمةِ فيِ تصحيحهم لهذا الحديثِ، وقد نقلتَه عنّي في ردّك، ولم تتعرّض للجوابِ عنه ألبتّة، مع أنَّ هذه النسبةَ اليقينيّةَ تضرُّك ولا

стр. 906

تضرّني، أَليس هذا يعني أنَّ همَّكَ أن تتبعَ عثراتِ غيرِك، وتنسى نفسَك، غير آبهٍ بالحكمةِ القائلةِ: "يبصرُ أَحدُكم القذاةَ في عين أَخيه، ولا يرى الجذعَ في عينه"؟! ٣- قال: "ادعيتَ عليَّ بالكذبِ لمسألةٍ، مع أنَّ الكذبَ المعروفَ لا يدخلُ في نحوِ هذه المسائلِ، فلو كانَ كلُّ مخطئٍ في مسألةٍ كاذبًا، لما سلم أَحدٌ، ولا أَنتَ؛ لأَنَّ مدارَ هذه المسائلِ العلم". فأَقولُ: نعم، الكليّة لا يقولُ بها أَحدٌ، حتّى ولا أَنتَ، ولكن لماذا المغالطةُ والتملصُ والتعمية، لماذا قلت: "لمسألةٍ" نكّرتها ولم تبيّنها، وذهبتَ تسوّدُ ما لا علاقةَ له بالمسألةِ! لقد قلتَ في مقالِك: "فيه عطية بن قيس الحمصيّ؛ فإِنّه ليس معروفًا بالضبطِ والإِتقانِ، لم يوثقه غير ابن حبان"، فهنا قلتُ لك: " وهذا كذبٌ، فقد وثقه الإِمامُ مسلمٌ.." إِلخ. وأَنا في هذا القولِ لم أُخالف شرعًا ولا لغةً، بل اتبعتُ فيه أَفصحَ من نطقَ بالضاد، في قولِه ﷺ لمن خطؤه أَيسرُ من خطئِك بكثيرٍ، لأنّه اعتمدَ على نصٍّ عامٍّ من القرآنِ، لم يبلغْه تخصيصُه من السنّةِ: "كذبَ أَبو السنابل" (١) ، فأينَ خطؤكَ منه، ولم تستند فيه ولا إِلى قولِ عالمٍ يجبُ عليك اتباعُه؟! بل خالفتَ فيه كلَّ العلماءِ، واتبعتَ غيرَ سبيلهم! واللهُ المُستعانُ. ٤- ولعلّه ختامًا، أَخذَ عليّ شيئًا آخر، فقال: "٤- ثمَّ قلت: "إِلى غيرِ ذلك من التلبيساتِ والخطيئات (لا الأَخطاء) .." أقول: لماذا هذا الإِجمالُ أَيّها الشيخُ، هلاّ ذكرتَ لي شيئًا منها". هذا كلامُه، وفي الرَّدِّ عليه أَقول: أَمّا الإجمالُ، فأَنتَ تعرفُ سببَه، ولكنّك تتجاهله، فإنَّ ردي عليك في

стр. 907

مقدمةِ "ضعيف الأدب" لم يكن وحيدًا، بل كانَ فيها ردودٌ أُخرى على أَمثالِك ممن يضعِّفونَ الأحاديثَ الصحيحةَ، وغيرِهم من يصحِّحونَ الأحاديثَ الضعيفة بغيرِ علمٍ، وفيهم من هو كثيرُ النقلِ عنّي والاستفادة من كتبي، والإشادة بها والإِحالة عليها، فيمِا يشعرُ أنّه من المقدِّرين والمحبين، ومع ذلك فقد شملتُه معك في الرَّدِّ؛ لتعلمَ أنّي أردُّ للعلمِ والانتصارِ للسنّةِ المظلومةِ من مدعي العلمِ، لا بخصومةٍ شخصيّةٍ كما تحاولُ أنْ تتأوّلَه بغيًا وعدوانًا، والمقصودُ أنَّ الرَّدَّ عليك كانَ في جملةِ ردودٍ أُخرى، وباختصارٍ شديدٍ في أَقلَّ من (١٦) صفحة، فلو أنّني أَفردتُ في الرَّدِّ عليك وحدَك مفصلاً لكانَ منه كتاب آخرُ أكَبرُ من الذي أُقدّمُ له: "ضعيف الأَدب المفرد"، وهذا غير مناسب كما لا يخفى عليك. وما دمتَ تحضُّني على أَن أَذكرَ لكَ شيئًا من تلك "التلبيسات والخطيئات" نعم "الخطئات" (لا الأخطاء) ، فها أَنا فاعلٌ ذلك إِن شاءَ اللهُ، لا من أَجلِك، فأَنتَ على علمٍ بما صدرَ منك! ولكن من أَجلِ بعض القرّاءِ الّذين لا ينتبهونَ لها، ولا يزالونَ يحسنونَ الظنَّ بقائلِها: أَوّلاً - قلت -بعد أنْ ذكرتَ أَنَّ الحديثَ معلقٌ عند البخاريّ، لم يصرّح بالسماعِ فهو منقطعٌ-: "واختلف في "قال لي"، والأَرجحُ أنّه تعليقٌ أَيضًا؛ لأَسبابٍ لا يتسعُ المقامُ لذكرِها".! فأَقولُ: فيه ما يأتي من التلبيسِ وغيرِه: ١- ليس هناك أَيُّ اختلافٍ في اتصالِ إِسنادٍ قال فيه البخاريُّ: "قال لي فلان"، وإنّما هناك مغربيٌّ غيرُ معروفٍ قال: "إِنَّه إِسنادٌ لا يذكرُه البخاريُّ للاحتجاجِ

стр. 908

به، وإنّما للاستشهادِ"، حكاه ابن الصّلاحِ في "المقدمة" (ص ٧٥-٧٦-الحلبيّة) ثم ردّه، وبيّن ذاك الحافظُ ابن حجر في "نكته عليه" فقال (٢/٦٠١) : " قلت: لم يصب هذا المغربيُّ في التسويةِ بين قولِه: "قال فلان" وبين قولِه: "قال لي فلان"، فإنَّ الفرقَ بينهما ظاهرٌ لا يحتاجُ إِلى دليل، فإنَّ " قال لي " مثلُ التصريحِ في السماعِ، و" قال " المجرّدة ليست صريحةً أَصلاً ". ثمَّ أَفادَ ﵀ فائدةً تقصمُ ظهرَ هذا الملبّسِ فقال: "فقد رأيتُ في " الصحيح " عدّةَ أحاديث قال فيها: "قال لنا فلان"، وأَوردها في تصانيفِه خارج "الجامع" بلفظ " حدّثنا "، ووجدتُ في " الصحيح " عكسَ ذلك، وفيه دليلٌ على أنّهما مترادفان ". ٢- قوله: "والأَرجحُ أنّه تعليقٌ أيضًا". فأقولُ: فيه تلبيسٌ ظاهرٌ، فقد عرفتَ أنّه لا خلافَ هناك، وبالتالي فليس ثمّةَ راجحٌ ومرجوحٌ، وعلى افتراضِ وجودِه، فيكونُ الأَرجحَ لديه، فكانَ عليه أَن يقيِّدَه فيقول: والأَرجحُ عندي، وهو لو قالَ ذلك يكون مبطلاً مسيئًا إِلى الإِمامِ البخاريِّ؛ لأنّه يكونُ قد نسبَ إِليه ما لا يجوزُ من القولِ، كما هو ظاهرٌ لا يحتاجُ إِلى دليلٍ، فإِن أَبيتَ، نسبتُها إِليك أنّك تجوّزُ لنفسِك أَن تقولَ: "قال لي فلان" وأَنتَ تعني أنّه ما قالَ لك؟! وقد يكونُ فى قوله المتقدّمِ: "والأَرجح أنّه تعليقٌ أيضًا" تلبيسٌ آخرُ، وهو أنّه لا يعني ظاهرَه! وإنّما بتقديرِ مضافٍ محذوفٍ، أَي: في حكمِ التعليق، أَي: كما قال ذاك المغربيُّ، فإِن كانَ هذا مرادَه، فلم التلبيسُ؟ إِلاّ أنَّ مرادَه باطلٌ أيضًا كما تقدّمَ.

стр. 909

٣- قوله: "لا يتسعُ المقامُ لذكرِها"! فأَقولُ: وهذه خطيئةٌ أُخرى؛ لأنّه لا يُتصورُ أنّه يوجدُ سببٌ واحدٌ -بَلْهَ أَسباب- تثبتُ أنَّ البخاريَّ يقول فيما لم يسمعْه من فلان: "قال لي فلان"؛ لأنّه الكذبُ بعينِه. ثانيًا - قلتَ في هشام بن عمّار: "لم يحتجَّ به البخاريُّ في صحيحه". قلتُ: هذا تلبيسٌ على القرّاءِ، وقلبٌ للحقائقِ العلميّةِ، فالرَّجلُ كلُّ من ترجمَ له كالحافظِ المزيِّ وغيرِه رمزوا له بحرف (خ) إِشارةً إِلى أنّه محتجٌّ به عند البخاريِّ، ولم يذكروا أنّه لم يروِ عنه احتجاجًا، وإِنَّما متابعةً، بل صرّح بما رمزوا أَعرفُ الناسِ به، أَلا وهو الحافظُ ابن حجر العسقلانيّ، فقد ذكرَ في "مقدمةِ الفتح" (ص ٤٤٨-٤٤٩) ثلاثةَ أَحاديث لهشمام: الأوّل والثاني منها موصولان، والثالث حديث المعازفِ هذا المعلّق، ثمَّ قال عقبَ ذلك: "وهذا جميعُ ما له في كتابِه ممّا تبيَّن لي أنّه احتجَّ به". والحديثُ الثاني الموصولُ هو في مناقبِ أَبي بكر ﵁، ورقمه (٣٦٦١) ، فخالفتَ قولَ الحافظِ أنّه ممّا احتجَّ به؛ بادعائك أنّه توبعَ عند البخاري برقم (٤٦٤٠) ، ففيه تلبيسٌ شديدٌ، إِذ إِنَّ هناك فرقًا بيّنًا بين أَن يتابَعَ الثقة من غيرِه -وهذا يقعُ كثيرًا جدًّا- وبين أَن يسوقَ البخاريُّ حديثَ مَنْ فيه ضعفٌ، ثمَّ يتبعُه بإسنادٍ آخرَ فيه متابعٌ تقويةً له، ففي مثل هذا ونحوه يقال: روى له البخاريُّ متابعةً، أمّا والحديثُ في موضعين متباعدين في البخاريِّ عن شيخين له فتدّعي أَنَّ أَحدَهما لم يحتجَّ به البخاريُّ؛ لأنّه روى له متابعًا في الموضعِ الآخرِ، فهذا في غايةِ التلبيسِ مع ما في ذلك من المخالفةِ للحفاظِ كما تقدّمَ، نعوذُ باللهِ من الخذلان. ومن الفائدةِ أَن أَستدرك عليك حديثًا آخرَ لهشامٍ معلقًا عند البخاريّ، في

стр. 910

مبايعةِ النبيِّ ﷺ يومَ الحديبية برقم (٤١٨٧) ، وصله الحافظُ (٧/٤٥٦) ، وذكرَ أنّه وقعَ في بعضِ النسخِ: "وقال لي" فهو بهذا الاعتبارِ موصولٌ، فكأنّه لذلك صححه الحافظُ. لم ينتهِ -مع الأسف- تلبيسُك على القرّاء بما تقدّمَ، فقد أَتبعتَ الأحاديثَ الّتي ذكرتها، وزعمتَ أنَّ البخاريَّ لم يحتجّ بها - إِذ قلتَ: "ليس في أَحاديثه الأَربعةِ حديثٌ واحدٌ احتجَّ به البخاريُّ في "صحيحه"، وإِنّما ذكرها متابعةً وتعليقًا وفي الشواهدِ، ومثل هذا معروف عند عارفي "صحيح البخاريّ" أنّه ليسَ على شرطِه". فأَقولُ -والله المسُتعانُ-: لو أنَّه وقفَ عندَ قولِه: "وفي الشواهدِ"، لقلنا: هذا رأيه، إِلاّ أنّه باطلٌ كما سبقَ بيانُه، وأَمّا أَن يتابعَ كلامَه فينسبَ ذلك إِلى عارفي "صحيح البخاريّ"، فهو أَبطلُ وأَبطلُ، وتلبيسٌ على القرّاءِ يصعبُ على عامتِهم اكتشافُه إلاّ بالرجوعِ إِلى ما نقلتُه آنفًا عن الحفّاظِ، وبخاصةٍ منهم الحافظَ ابن حجرٍ الََّذي هو ليس فقط من "عارفي "صحيح البخاري""، بل هو أَعرفُهم به، وقد رأيت تصريحَه بخلافِ ما نسبَ إِليه هذا، فماذا أَقولُ؟ عاملَه اللهُ بما يستحقُّ. ثالثًا - بعدَ أَن سوّدَ من الجريدةِ عمودًا ونصفًا، وعرفتَ ما فيه، جاء بباقعةٍ أُخرى (ضِغثًا على إِبّالة) ، فأَخرجَ من روايةِ البيهقيِّ وابن حجر في "التغليق" متابعةَ بشر بن بكر لهشام بن عمّار، ولم يعزُها لابن عساكر -وهو أَقدمُ بقرونٍ من ابن حجر كما هو معلوم- تدليسًا وتلبيسًا من تلك التلبيساتِ الّتي حضَّني على أَن أَذكرَ له شيئًا منها! فقال عقب المتابعة المذكورة: "وهذه على أنّا سلّمنا أنّها متابعةٌ قويّةٌ لحديث هشام، ليس فيها نصٌّ صريحٌ على (المعازفِ) ؛ لأنّها رويت عند البيهقيّ وابن حجر ضمنَ روايةِ هشام بن عمّارٍ

стр. 911

المتقدمة، فذِكرُ (المعازفِ) معروفٌ في روايةِ هشام، ولم يصرِّح بها في روايةِ (بشر بن بكر) ، فلمّا امتزجت الروايتان ذكرت (المعازف) وكأنّها لهما". كذا قال -هداه الله- وفيه ما يأتي: لكنّي قبل ذلك أريدُ أن أَلفتَ النَّظرَ الى أنَّ قولَه: "وهذه على أًنَّا سلّمنا أنّها متابعةٌ قويّة لحديث هشام ... " فيه ركّة وغمغمةٌ، وعدمُ الإِفصاحِ عن مرادِه؛ فإِنّها تحتملُ التسليمَ بقوّةِ هذه المتابعةِ حقًّا، كِما تحتملُ التسليمَ بها افتراضًا، ولستُ أَدري هل كانَ هذا التعبيرُ المغمغمُ مقصودًا، أم هو خطأٌ قلميٌّ أو طبعيٌّ؟! وسواءٌ كانَ هذا أَم ذاك، فالمهمُّ الآن ما في تمامِ كلامِه من التلبيسِ والمكابرةِ، والإِنكارِ للحقائقِ العلميّةِ، وذلك قولُه: "لم يصرّح بـ (المعازف) في روايةِ (بشر بن بكر) ". فأَقولُ: هذا كذبٌ -شئتَ أم أَبيتَ- بل هو كذبٌ له قرونٌ، وبيانُه من وجوه: الأَوّلُ - أنَّ لفظه ثابتٌ صراحةً في رواِيةِ البيهقيِّ في الجزءِ وِالصفحة الّتي ذكرتَ أَنتَ (٣/٢٧٢) ! أَخرجه من طريق أبي بكر الإِسماعيليِّ: أخبرني الحسنُ ابن سفيانَ: ثنا هشامُ بن عمّارٍ.. (قلت: فساقَ إسنادَه ومتنَه كما تقدّمَ، ثمَّ قال:) قال (يعني أَبا بكر الأِسماعيليَّ) : وأَخبرني الحسن أَيضًا: ثنا عبد الرحمن بن إبراهيمَ: ثنا بشر -يعني ابن بكر-: ثنا ابن جابر عن عطية بن قيس قال: قام ربيعةُ الجرشيُّ في الناسِ -فذكرَ حديثاً فيه طول، قال: - فإِذا عبد الرحمن ابن غنم الأَشعريّ، قلت: يمينٌ حلفتُ عليها؟ قال: حدثني أبو عامر أو أبو مالكٍ.. أًنّه سمعَ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "ليكوننَّ في أُمتي أَقوامٌ يستحلّونَ -قال في حديث هشام: الخمر والحرير، وفي حديث (دحيم) : الخزَّ والحريرَ والخمرَ والمعازف، ولينزلنَّ

стр. 912

أَقوامٌ ... " الحديث. قلتُ: فأَنتَ ترى في هذه الروايةِ تكذيبَ الرَّجلِ في قولِه: إِنَّ رواية (بشر) رويت عند البيهقيّ ضمنَ روايةِ هشام، والواقعُ عكسُه تمامًا، فالسياقُ لرواية عبد الرحمن بن إِبراهيم - وهو (دحيم) ، وفي ضمنها وقعت روايةُ هشام، إلاّ أنَّ الخطبَ في هذا سهلٌ، والمهم أنَّ فيه التصريح بأنَّ في روايةِ (دحيم) ذكرَ المعازفِ، ولا ضرورةَ للتذكيرِ بأنَّ روايةَ (دحيم) هي عن بشر، وهذا هي الكذبةُ الكُبرى! واللهُ المسُتعانُ. الوجهُ الثاني - أنَّ ذلكَ كلَّه ثابتٌ أيضًا في روايةِ ابن حجرٍ في "تغليق التعليق" بنفس المكان الّذي عزاه إِليه جزءًا وصفحة (٥/١٩) ! أَخرجه من طريقٍ أُخرى عن الإِسماعيليِّ، عن شيخِه الحسن بن سفيان، عن شيخِه هشامِ بن عمّارٍ وبشرِ بن بكرٍ كما تقدّمَ عندَ البيهقي، إلاّ أنَّ الحافظَ قال عقبَه: "لفظ الحسنِ بن سفيان عن هشام بن عمّار، ولفظُ (دحيم) مثلُه". فإِذن؛ لا فرقَ بين رواية هشامٍ وبشرٍ، ففي كليهما لفظُ (المعازفِ) ، فبطل كلامُ المنكِرِ! وقد يقولُ من لم يتتبع تلبيساتِ الرَّجل: لعلّه لم يتنبّه لهذا الّذي بيَّنته، وهو واضحٌ جدًّا. فأَقولُ: ذلكَ ممكنٌ بالنسبةِ لغيرِه من أَمثالِه المبتدئين في هذا العلمِ، أَمّا هو فلا! فإِن قيل: لم؟ قلت: لكثرةِ ما أَخذنا عليه من التلبيساتِ، وتجاهلِه للنصوصِ الّتي تخالفُ هواه، وفيما سبقَ كفايةٌ لكلِّ ناشدٍ للحقِّ منصفٍ، والحبلُ جرّارٌ، كما سترى في بعضِ الاستدراكاتِ الأُخرى.

стр. 913

هذا أوّلاً. وثانيًا - لأنّه رأى في "فتح الباري" (١٠/٥٤) رواية دحيم هذه بارزةً شاخصةً مختصرةً ليس فيها القصّة، وإِنّ جملةَ (المعازفِ) -الّتي لا يمكنُ أَن تخفى على أَحدٍ- ساقها الحافظُ ليبيّنَ ما سقطَ من روايةٍ أبي داود الختصرة، وقد ذكرها الرَّجلُ في العمود الثاني من مقالِه محتجَّا بها أنّه ليسَ فيها ذكرُ (المعازفِ) ، أَخذها من "الفتح" معرضًا عن قولِ الحافظِ عقبها: "نعم، ساقَ الإِسماعيليُّ الحديثَ من هذا الوجه من روايةِ (دُحيم) عن بشرِ ابن بكر بهذا الإِسنادِ فقال: "يستحلُّونَ الحرَ والحريرَ والخمرَ والمعازفَ" الحديث". فإِن قيلَ: من أَينَ لك أنّه رآها؟ قلت: من علمي اليقيني أنّه قرأَ شرحَ الحافظِ للحديثِ، وردّه على ابن حزمٍ تضعيفَه إِيّاه، ومن ردّه هو على ابن حجرٍ في العمودِ الثالثِ دفاعًا عن تضعيفِه لعطية ابن قيس فقال: "لذا فقولُ ابن حجر في "الفتح" (١٠/٥٤) : قوّاه أبو حاتمٍ - ليس بدقيقٍ"! (١) فأَنتَ ترى أنَّه نقلَه من نفسِ الصفحةِ الّتيِ نقلتُ منها آنفًا قولَ الحافظِ في روايةِ الإِسماعيليّ، فهل بعد هذا كلِّه ترك مجالاً لأحدٍ أن يحسنَ الظنَّ به؟! وليس هذا فقط، فانظر التالي:

стр. 914

الوجه الثالث - أَخرجه الحافظُ ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١٩/١٥٥) من طريق الهيثم بن كليب الشاشي: نا عيسى بن أَحمدَ العسقلانيُّ: نا بشرُ بن بكر به مطولاً أَتم من روايةِ (دحيم) ، ومن نافلةِ القولِ أَن أَذكر أَنَّ فيه لفظَ (المعازفِ) . وما قلتُه في موقفِ الرَّجلِ من روايةِ الإِسماعيليّ وتجاهلِه إِيّاها، بل نفيه ما فيها: يمكنُ أَن أَقولَه في موقفِه من هذه من حيثُ علمُه بها وكتمانُه إِيّاها، كما أَشرتُ إِلى ذلك فيما تقدّمَ. نعم؛ يمكنُ أَن يقالَ: يحتملُ أنّه لم يتيسر له الرُّجوعُ إِليها؛ لأنّها في مصدرٍ غيرِ مطبوعٍ. فأَقولُ: هذا محتملٌ، وإِن كنتُ أَستبعدُه، ومع التسليمِ به فذلك ممّا لا يجوِّزُ له أَن ينكرَ ما لم يحط به علمُه. لقد طالُ الكلامُ جدًّا في هذا الاستدراك فوقَ ما كنتُ أَردتُ وأَتصوّرُ، وأَخذَ من وقتي الشيءَ الكثير، وذلك من شؤمِ هؤلاءِ الّذين (تزببوا قبل أَن يتحصرموا) ، وبخاصةٍ منهم هذا الّذي تميّزَ من بينهم بتضعيفِ الأَحاديثِ الصحيحةِ والطعن في رواتِها، واختلاقِ العلل لها، مع المخُالفةِ لأَئمةِ الحديثِ وحفّاظِها، لا يرقبُ فيهم إِلاًّ ولا ذمّة، ولكنّي أَتذكّرُ قولَ اللهِ ﵎: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ، محتسبًا في ذلك الأَجرَ عندَ اللهِ ﵎. ولعلَّ من الفائدةِ أَن أُلخِّصَ للقرّاءِ الكرامِ المخالفاتِ التي وقع فيها؛ تذكرةً له، وعبرةً لكلِّ من يريدُ أَن يعتبرَ: ١- خالفَ في تضعيفه لهذا الحديث الصحيح أَكثرَ من عشرة من حفّاظِ

стр. 915

الحديثِ ونقّادِه، على مرِّ العصورِ والسنينِ إِلى يومنا هذا، كالبخاريِّ وابن الصلاح وابن تيميّة ... وهلمّ جرَّا. ٢- ضعّفَ راويهَ عطية بن قيسٍ الّذي لم يضعفه أَحدٌ -حتّى ابن حزم! - وشكك في توثيقِ مسلم إِيّاه، وابن حبّان، ورفض توثيقَ ابن حجرٍ له، مع توثيق الذين صححوا حديثَه! ٣- زعمه أنَّ مسلمًا أَخرجَ له حديثًا في الشواهدِ، وهذا خلاف قول الّذين ترجموا له. ٤- قوله: لا قيمةَ لأَحكامِ ابن حجر.. إِلخ. ٥- زعمُه أَنَّ قولَ ابن سعدِ في الرّاوي: "كانَ معروفًا" ليس توثيقًا! ٦- تضعيفُه لثلاثةِ أَحاديثَ صحيحةٍ في النهي عن الصلاةِ بين السواري، وقطعِ الصفِّ، ويأتي الرَّدُّ عليه مفصّلاً في الاستدراك رقم (١٣) . ٧- تحريفه لكلامي؛ فيضعُ هو لفظ "الحجّة" مكان " الانقطاع "، لينسبَ لي ما لم أَقل، وما نسبتُه أَنا إِليه -بحقّ- لا ينفيه!! ٨- حكى الخلافَ في قولِ البخاريِّ: "قال لي" هل هو تعليقٌ كقولِه: " قال " دون زيادة (لي) ولا خلافَ! والأَنكى أنّه قال من عنده: إِنَّ الأَرجحَ سواء!! ٩- زعم أنَّ البخاريَّ لم يحتجَّ بهشامِ بن عمّارٍ! خلافًا لجميعِ الحفّاظِ المترجمين له، وخلافًا لتصريح الحافظِ. ١٠- زعمَ أنَّ ما أَسندَه له البخاريُّ من الحديث هو عنده متابعة! ١١- نسبَ إِلى عارفي "صحيح البخاري" -ومنهم ابن حجر- زعمَه
следующие страницы →