← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 9442

سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها

ناصر الدين الألباني

Полный текст (6 550 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

ومن المؤسف أن بعضهم كان استخرج كلمات الشيخ محي الدين ابن عربي (النكرة) الدالة على بقاء هذه النبوة المزعومة من كتابه " الفتوحات المكية " في كراس نشره على الناس، ثم لم يستطع أحد من المشايخ أن يرد عليهم. وكانوا من قبل قد ألفوا بعض الرسائل في الرد عليهم، وإنما أمسكوا عن الرد على هذا الكراس، لأن من مكر جامعه أنه لم يضع فيه من عند نفسه شيئا سوى أنه ذكر فيه كلمات الشيخ المؤيدة لضلالهم في زعمهم المذكور، فلو ردوا عليه لكان الرد متوجها إلى الشيخ الأكبر، وذلك مما لا يجرؤ أحد منهم عليه، هذا إن لم يروه زندقة! فكأنهم يعتقدون أن الباطل إنما هو باعتبار المحل، فإذا قام فيمن يعتقدونه كافرا، فهو باطل، وأما إذا قام فيمن يعتقدونه مسلما بل وليا، فهو حق!! والله المستعان. ٤٧٤ - " أيتكن تنبح عليها كلاب الحوأب ". أخرجه أحمد (٦ / ٥٢) عن يحيى وهو ابن سعيد، و (٦ / ٩٧) عن شعبة، وأبو إسحاق الحربي في " غريب الحديث " (٥ / ٧٨ / ١) عن عبدة، وابن حبان في " صحيحه " (١٨٣١ - موارد) عن وكيع وعلي بن مسهر وابن عدي في " الكامل " (ق ٢٢٣ / ٢) عن ابن فضيل، والحاكم (٣ / ١٢٠) عن يعلى بن عبيد، كلهم عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم أن عائشة لما أتت على الحوأب سمعت نباح الكلاب، فقالت: " ما أظنني إلا راجعة، إن رسول الله ﷺ قال لنا: (فذكره) . فقال لها الزبير: ترجعين عسى الله أن يصلح بك بين الناس ".

стр. 842

هذا لفظ شعبة. ومثله لفظ يعلى بن عبيد. ولفظ يحيى قال: " لما أقبلت عائشة بلغت مياه بني عامر ليلا نبحت الكلاب، قالت: أي ماء هذا؟ قالوا: ماء الحوأب، قالت: ما أظنني إلا أني راجعة، فقال بعض من كان معها، بل تقدمين فيراك المسلمون فيصلح الله ذات بينهم، قالت: إن رسول الله ﷺ قال لها ذات يوم: كيف بإحداكن تنبح ... ". قلت: وإسناده صحيح جدا، رجاله ثقات أثبات من رجال الستة: الشيخين والأربعة رواه السبعة من الثقات عن إسماعيل بن أبي خالد وهو ثقة ثبت كما في " التقريب ". وقيس بن أبي حازم مثله، إلا أنه قد ذكر بعضهم فيه كلاما يفيد ظاهره أنه مجروح، فقال الذهبي في " الميزان ": " ثقة حجة كاد أن يكون صحابيا، وثقه ابن معين والناس. وقال علي ابن عبد الله عن يحيى بن سعيد منكر الحديث، ثم سمى له أحاديث استنكرها، فلم يصنع شيئا، بل هي ثابتة، لا ينكر له التفرد في سعة ما روى، من ذلك حديث كلاب الحوأب، وقال يعقوب السدوسي: تكلم فيه أصحابنا، فمنهم من حمل عليه، وقال: له مناكير، والذين أطروه عدوها غرائب، وقيل: كان يحمل على علي ﵁. إلى أن قال يعقوب: والمشهور أنه كان يقدم عثمان، ومنهم من جعل الحديث عنه من أصح الأسانيد. وقال إسماعيل بن أبي خالد: كان ثبتا، قال: وقد كبر حتى جاوز المائة وخرف. قلت: أجمعوا على الإحتجاج به، ومن تكلم فيه فقد آذى نفسه، نسأل الله العافية وترك الهوى، فقد قال معاوية بن صالح عن ابن معين: كان قيس أوثق من الزهري ". قلت: وقد تأول الحافظ في " التهذيب " قول يحيى بن سعيد وهو القطان: " منكر الحديث " بأن مراده الفرد المطلق.

стр. 843

قلت: فإن صح هذا التأويل فيه، وإلا فهو مردود لأنه جرح غير مفسر، لاسيما وهو معارض لإطباق الجميع على توثيقه والإحتجاج به، وفي مقدمتهم صاحبه إسماعيل بن أبي خالد، فقد وصفه بأنه ثبت كما تقدم ولا يضره وصفه إياه بأنه خرف، لأن الظاهر أنه لم يحدث في هذه الحالة، ولذلك احتجوا به مطلقا، ولئن كان حدث فيها، فإسماعيل أعرف الناس به، فلا يروي عنه والحالة هذه، وعلى هذا فالحديث من أصح الأحاديث، ولذلك تتابع الأئمة على تصحيحه قديما وحديثا. الأول: ابن حبان فقد أخرجه في صحيحه كما سبق. الثاني: الحاكم بإخراجه إياه في " المستدرك " كما تقدم ولم يقع في المطبوع منه التصريح بالتصحيح منه، ولا من الذهبي، فالظاهر أنه سقط من الطابع أو الناسخ، فقد نقل الحافظ في " الفتح " (١٣ / ٤٥) عن الحاكم أنه صححه، وهو اللائق به لوضوح صحته. الثالث: الذهبي فقد قال في ترجمة السيدة عائشة من كتابه العظيم " سير النبلاء " (ص ٦٠ بتعليق الأستاذ الأفغاني) : " هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجوه ". الرابع: الحافظ ابن كثير، فقال في " البداية " بعد أن عزاه كالذهبي لأحمد في " المسند ": " وهذا إسناد على شرط الشيخين، ولم يخرجوه ". الخامس: الحافظ ابن حجر فقد قال في " الفتح " بعد أن عزاه لأحمد وأبي يعلى والبزار: " وصححه ابن حبان والحاكم، وسنده على شرط الصحيح ".

стр. 844

فهؤلاء خمسة من كبار أئمة الحديث صرحوا بصحة هذا الحديث، وذلك ما يدل عليه النقد العلمي الحديثي كما سبق تحقيقه، ولا أعلم أحدا خالفهم ممن يعتد بعلمهم ومعرفتهم في هذا الميدان سوى يحيى بن سعيد القطان في كلمته المتقدمة، وقد عرفت جواب الحافظين الذهبي والعسقلاني عليه، فلا نعيده. إلا أن العلامة القاضي أبا بكر بن العربي رحمه الله تعالى جاء في كتابه " العواصم من القواصم "، كلام قد يدل ظاهره أنه يذهب إلى إنكار هذا الحديث ويبالغ في ذلك أشد المبالغة، فقال في " عاصمة " (ص ١٦١) : " وأما الذي ذكرتم من الشهادة على ماء الحوأب، فقد بؤتم في ذكرها بأعظم حرب، ما كان شيء مما ذكرتم، ولا قال النبي ﷺ ذلك الحديث، ولا جرى ذلك الكلام، ولا شهد أحد بشهادتهم، وقد كتبت شهادتهم بهذا الباطل، وسوف تسألون ". ويشير بقوله " الشهادة " إلى ما كان ذكره من قبل في " قاصمة " (ص ١٤٨) : " فجاؤا إلى ماء الحوأب، ونبحت كلابه، فسألت عائشة؟ فقيل لها: هذا ماء الحوأب، فردت خطامها عنه، وذلك لما سمعت النبي ﷺ يقول: " أيتكن صاحبة الجمل الأدبب التي تنبحها كلاب الحوأب، فشهد طلحة والزبير أنه ليس هذا ماء الحوأب، وخمسون رجلا إليهم، وكانت أول شهادة زور دارت في الإسلام ". قلت: ونحن وإن كنا نوافقه على إنكار ثبوت تلك الشهادة، فإنها مما صان الله ﵎ أصحابه ﷺ منها، لاسيما من كان منهم من العشرة المبشرين بالجنة كطلحة والزبير، فإننا ننكر عليه قوله " ولا قال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الحديث "! كيف وهو قد ثبت عنه ﷺ بالسند الصحيح في عدة مصادر من كتب السنة المعروفة عند أهل العلم؟ !

стр. 845

ولعل عذره في ذلك أنه حين قال ذلك لم يكن مستحضرا للحديث أنه وارد في شيء من المصادر، بل لعله لم يكن قد اطلع عليها أصلا، فقد ثبت عن غير واحد من العلماء المغاربة أنه لم يكن عندهم علم ببعض الأصول الهامة من تأليف المشارقة، فهذا ابن حزم مثلا لا يعرف الترمذي وابن ماجه ولا كتابيهما! وقد تبين لي أن الحافظ عبد الحق الإشبيلي مثله في ذلك، فإنه لا علم عنده أيضا بسنن ابن ماجه، ولا بمسند الإمام أحمد، فقد رأيته يكثر العزو لأبي يعلى والبزار، ولا يعزو لأحمد وابن ماجه إطلاقا. وذلك في كتابه " الأحكام الكبرى " الذي أنا في صدد تحقيقه بإذن الله تعالى. فليس من البعيد أن أبا بكر بن العربي مثلهما في ذلك، وإن كان رحل إلى الشرق، والله أعلم. ولكن إذا كان ما ذكرته من العذر محتملا بالنسبة إلى أبي بكر بن العربي فما هو عذر الكاتب الإسلامي الكبير الأستاذ محب الدين الخطيب الذي علق على كلمة ابن العربي في " العاصمة " بقوله: " ... وأن الكلام الذي نسبوه إلى النبي ﷺ وزعموا أن عائشة ذكرته عند وصولهم إلى ذلك الماء - ليس له موضع في دواوين السنة المعتبرة ... " ! كذا قال: وكأنه عفى الله عنا وعنه، لم يتعب نفسه في البحث عن الحديث في دواوين السنة المعتبرة، بل وفي بعض كتب التاريخ المعتمدة مثل " البداية " لابن كثير، لو أنه فعل هذا على الأقل، لعرف موضع الحديث في تلك الدواوين المعتبرة أو بعضها على الأقل، ولكنه أخذ يحسن الظن بابن العربي ويقلده، فوقع في إنكار هذا الحديث الصحيح وذلك من شؤم التقليد بغير حجة ولا برهان. بيد أن هذا مع بعده عن الصواب، والإنحراف عن التحقيق العلمي الصحيح، فإنه هين بجانب قول صديقنا الأستاذ سعيد الأفغاني في تعليقه على قول الحافظ الذهبي المتقدم في " سير النبلاء ": " هذا حديث صحيح الإسناد ": " في النفس من صحة هذا الحديث شيء، ولأمر ما أهمله أصحاب الصحاح،

стр. 846

وفي " معجم البلدان " مادة (حوءب) أن صاحبة الخطاب سلمى بنت مالك الفزارية وكانت سبية وهبت لعائشة، وهي المقصودة بخطاب الرسول الذي زعموه، وقد ارتدت مع طلحة، وقتلت في حروب الردة، ومن العجيب أن يصرف بعض الناس هذه القصة إلى السيدة عائشة إرضاء لبعض الأهواء العصبية ". وفي هذا الكلام مؤاخذات: الأولى: يظن الأستاذ الصديق أن إهمال أصحاب (الصحاح) لحديث ما إنما هو لعلة فيه. وهذا خطأ بين عند كل من قرأ شيئا من علم المصطلح، وتراجم أصحاب (الصحاح) ، فإنهم لم يتعمدوا جمع كل ما صح عندهم، في " صحاحهم "، والإمام مسلم منهم قد صرح بذلك في " صحيحه "، (كتاب الصلاة) ، وما أكثر الأحاديث التي ينص الإمام البخاري على صحتها أو حسنها مما يذكره الترمذي عنه في " سننه " وهو لم يخرجها في " صحيحه ". الثانية: هذا إن كان يعني بـ (الصحاح) الكتب الستة، لكن هذا الإطلاق غير صحيح، لأن السنن الأربعة من الكتب الستة ليست من (الصحاح) لا استصطلاحا، ولا واقعا، فإن فيها أحاديث كثيرة ضعيفة والترمذي ينبه على ضعفها في غالب الأحيان. وإن كان يعني ما هو أعم من ذلك فليس بصحيح، فقد عرفت من تخريجنا المتقدم أن ابن حبان أخرجه في " صحيحه "، والحاكم في " المستدرك على الصحيحين ". الثالثة: وثوقه بما جاء في " معجم البلدان " بدون إسناد، ومؤلفه ليس من أهل العلم بالحديث، وعدم وثوقه بمسند الإمام أحمد، وقد ساق الحديث بالسند الصحيح، ولا بتصحيح الحافظ النقاد الذهبي له!! الرابعة: جزمه أن صاحبة الخطاب سلمى بنت مالك ... بدون حجة ولا برهان سوى الثقة العمياء بمؤلف " المعجم "، وقد أشرنا إلى حاله في هذا الميدان،

стр. 847

وبمثل هذه الثقة لا يجوز أن يقال قال رسول الله ﷺ لسلمى بنت مالك كذا وكذا!! الخامسة: إن الخبر الذي ذكره ووثق به لا يصح من قبل إسناده بل واه جدا، فقد قال الأستاذ الخطيب بعد الذي نقلناه عنه آنفا من الكلام على هذا الحديث. " ولو كنا نستجيز نقل الأخبار الواهية لنقلنا في معارضة هذا الخبر خبرا آخر نقله ياقوت في " معجم البلدان " (مادة حوأب) عن سيف بن عمر التميمي أن المنبوحة من كلاب الحوأب هي أم زمل سلمى ... وهذا الخبر ضعيف، والخبر الذي أوردوه عن عائشة أو هى منه ". كذا قال! (خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم) . السادسة: قوله: " إرضاء لبعض الأهواء ". وكأنه يشير بذلك إلى الشيعة الذين يبغضون السيدة عائشة ﵂ ويفسقونها إن لم يكفروها بسبب خروجها يوم الجمل، ولكن من هم الذين أشار إليهم بقوله " بعض الناس "،؟ أهو الإمام أحمد الذي وقف الأستاذ على إسناده للحديث؟ أم الذهبي الذي صححه أم هو يحيى بن سعيد القطان شيخ الإمام أحمد وهو من الثقات الأثبات، لاسيما وقد تابعه ستة آخرون من الثقات كما تقدم؟ أم إسماعيل بن أبي خالد وهو مثله كما عرفت، أم شيخه قيس بن أبي حازم وهو مثله في الثقة والضبط، غير أنه قيل: إنه كان يحمل على علي ﵁. فهو إذن من شيعة عائشة ﵂، فلا يعقل أن يروي عنها ما لا أصل له مما فيه ارضاء لمن أشار إليهم الأستاذ! وللحديث شاهد يزداد به قوة، وهو من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لنسائه:

стр. 848

" ليت شعري أيتكن صاحبة الجمل الأدبب تخرج فينبحها كلاب الحوأب، يقتل عن يمينها وعن يسارها قتلى كثير، ثم تنجو بعد ما كادت ". رواه البزار ورجاله " ثقات ". كذا قال الهيثمي في " مجمع الزوائد " (٧ / ٢٣٤) والحافظ في " فتح البارى " (١٣ / ٤٥) . لكن أورده ابن أبي حاتم في " العلل " (٢ / ٤٢٦) من طريق الأشج عن عقبة بن خالد عن ابن قدامة - يعني عصام! - عن عكرمة عن ابن عباس به. وقال: " قال أبي: لم يرو هذا الحديث غير عصام، وهو حديث منكر لا يروى من طريق غيره ". قلت: عصام هذا قال ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (٣ / ٢ / ٢٥) عن أبيه " كوفي لا بأس به ". وكذا قال أبو زرعة وأبو داود. وقال ابن معين " صالح ". وقال النسائي: " ثقة ". وذكره ابن حبان في " الثقات ". قلت: ولم يضعفه أحد، فمثله حجة، وسائر الرواة ثقات أيضا، وذلك ما صرح به الهيثمي والحافظ فالسند صحيح، فلا وجه عندي لقول أبي حاتم " حديث منكر "، إلا إن كان يعني به أنه حديث

стр. 849

غريب فرد، ويؤيده قوله عقبه: " لا يروى من طريق غيره ". فإن كان أراد هذا فلا إشكال، وإن أراد التضعيف فلا وجه له، لاسيما وهو موافق لحديث عائشة الصحيح، فأين النكارة؟ ! وجملة القول أن الحديث صحيح الإسناد، ولا إشكال في متنه خلافا لظن الأستاذ الأفغاني، فإن غاية ما فيه أن عائشة ﵂ لما علمت بالحوأب كان عليها أن ترجع، والحديث يدل أنها لم ترجع! وهذا مما لا يليق أن ينسب لأم المؤمنين. وجوابنا على ذلك أنه ليس كل ما يقع من الكمل يكون لائقا بهم، إذ لا عصمة إلا لله وحده. والسني لا ينبغي له أن يغالي فيمن يحترمه حتى يرفعه إلى مصاف الأئمة الشيعة المعصومين! ولا نشك أن خروج أم المؤمنين كان خطأ من أصله ولذلك همت بالرجوع حين علمت بتحقق نبؤة النبي ﷺ عند الحوأب، ولكن الزبير رضي الله عنه أقنعها بترك الرجوع بقوله " عسى الله أن يصلح بك بين الناس " ولا نشك أنه كان مخطئا في ذلك أيضا. والعقل يقطع بأنه لا مناص من القول بتخطئة إحدى الطائفتين المتقاتلتين اللتين وقع فيهما مئات القتلى ولا شك أن عائشة ﵂ المخطئة لأسباب كثيرة وأدلة واضحة، ومنها ندمها على خروجها، وذلك هو اللائق بفضلها وكمالها، وذلك مما يدل على أن خطأها من الخطأ المغفور بل المأجور. قال الإمام الزيلعي في " نصب الراية " (٤ / ٦٩ - ٧٠) : " وقد أظهرت عائشة الندم، كما أخرجه ابن عبد البر في " كتاب الإستيعاب " عن ابن أبي عتيق وهو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق قال: قالت عائشة لابن عمر: يا أبا عبد الرحمن ما منعك أن تنهاني عن مسيري؟ قال: رأيت رجلا غلب عليك - يعني ابن الزبير - فقالت: أما والله لو نهيتني ما خرجت انتهى ".

стр. 850

ولهذا الأثر طريق أخرى، فقال الذهبي في " سير النبلاء " (٧٨ - ٧٩) : " وروى إسماعيل بن علية عن أبي سفيان بن العلاء المازني عن ابن أبي عتيق قال: قالت عائشة: إذا مر ابن عمر فأرنيه، فلما مر بها قيل لها: هذا ابن عمر، فقالت: يا أبا عبد الرحمن ما منعك أن تنهاني عن مسيري؟ قال: رأيت رجلا قد غلب عليك. يعني ابن الزبير ". وقال أيضا: " إسماعيل بن أبي خالد عن قيس قال: قالت عائشة وكانت تحدث نفسها أن تدفن في بيتها، فقالت: إني أحدثت بعد رسول الله ﷺ حدثا، ادفنوني مع أزواجه، فدفنت بالبقيع ﵂. قلت: تعني بالحدث مسيرها يوم الجمل، فإنها ندمت ندامة كلية، وتابت من ذلك. على أنها ما فعلت ذلك إلا متأولة قاصدة للخير، كما اجتهد طلحة بن عبد الله والزبير بن العوام وجماعة من الكبار رضي الله عن الجميع ". وأخرج البخاري في صحيحه عن أبي وائل قال: ولما بعث علي عمارا والحسن إلى الكوفة ليستنفرهم خطب عمار فقال: إني لأعلم أنها زوجته في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلاكم لتتبعوه أو إياها ". يعني عائشة. وكانت خطبته قبل وقعة الجمل ليكفهم عن الخروج معها ﵂. ٤٧٥ - " لا تأكل الحمار الأهلي ولا كل ذي ناب من السباع ". أخرجه الطحاوي في " شرح المعاني " (٢ / ٣٢٠) : حدثنا علي بن معبد قال: حدثنا شبابة بن سوار قال: حدثنا أبو زيد عبد الله بن العلاء قال: حدثنا مسلم ابن مشكم كاتب أبي الدرداء ﵁ قال: سمعت أبا ثعلبة الخشني يقول:

стр. 851

" أتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله حدثني ما يحل لي مما يحرم علي، فقال: " فذكره. وأخرجه في " مشكل الآثار " (٤ / ٣٧٥) بهذا الإسناد دون سبب الحديث. قلت: وإسناده صحيح رجاله كلهم ثقات من رجال " التهذيب ". وهو في " الصحيحين " و " السنن " وغيرها من طريق أخرى بلفظ: " نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع ". وهو مخرج في " الارواء " (٢٥٥٢) . وله شاهد من حديث أبي هريرة بلفظ: " كل ذي ناب من السباع فأكله حرام ". ٤٧٦ - " كل ذي ناب من السباع فأكله حرام ". أخرجه مسلم ومالك والشافعي وأحمد والطحاوي والبيهقي من طريق عبيدة ابن سفيان عنه. وله طريق أخرى عن أبي هريرة بمعناه. وإسناده جيد، خرجته في المصدر السابق (٢٥٥٣) . فقه الحديث فيه دليل على أن الحمار الأهلي وكل ذي ناب من الوحوش حرام أكله وليس مكروها فقط، كما زعم بعض المفسرين في هذا العصر وتأول النهي على أنه للتنزيه. ولما رأى التصريح بالتحريم في حديث أبي هريرة زعم أنه رواية بالمعنى، ويدفعه أنه إن كانت الرواية بالمعنى من الصحابي وهو أبو هريرة فهو أدرى به ممن بعده، وإن كان يعني أنه من بعض من بعده فيرده مجيئه بلفظ التحريم من الطريق الأخرى. ويؤكده أن أبا ثعلبة سأل النبي ﷺ عما يحل له وما يحرم؟ فأجابه بقوله: " لا تأكل ... " فهذا نص في أن النهي للتحريم لأنه هو الذى سأل عنه أبو ثعلبة، ولا

стр. 852

يصح في النظر السليم أن يكون الجواب عليه " لا تأكل ... " وهو يعني يجوز الأكل مع الكراهة! ٤٧٧ - " البيت المعمور في السماء السابعة يدخله كل يوم ألف ملك، ثم لا يعودون إليه حتى تقوم الساعة ". أخرجه أحمد (٣ / ١٥٣) وابن جرير (٢٧ / ١١) والحاكم (٢ / ٤٦٨) وعبد ابن حميد في " المنتخب " (ق ١٣٢ / ٢) وتمام في " الفوائد " (ج ١ رقم ٦٧) من طريق حماد بن سلمة حدثنا ثابت البناني عن أنس مرفوعا. قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم، وقال الحاكم: " على شرط الشيخين " ووافقه الذهبي، وهو وهم. فإن حمادا لم يخرج له البخاري شيئا. وتابعه سليمان وهو ابن المغيرة عن ثابت به نحوه. أخرجه ابن جرير حدثنا محمد بن سنان القزاز قال: حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا سليمان. قلت: وهذا سند رجاله ثقات رجال الشيخين غير القزاز وهو ضعيف. وله طريق أخرى عند البخاري (٣ / ٣٠ - ٣٢) ومسلم (١ / ١٠٣ - ١٠٤) وابن جرير من طريق قتادة عن أنس بحديث الإسراء الطويل وفيه: " ثم رفع لي البيت المعمور، فقلت: يا جبريل ما هذا؟ قال: هذا البيت المعمور، يدخله ... ". وله شاهد من حديث أبي هريرة نحوه إلا أنه قال: " السماء الدنيا ".

стр. 853

أخرجه الحسن بن رشيق في " المنتقى من الأمالي " (ق ٤٤ / ٢) والواحدي (٤ / ٩٢ / ١) عن روح بن جناح عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة. وقد عزاه ابن كثير في " تفسيره " (٨ / ٧٦ - منار) لابن أبي حاتم من هذا الوجه بزيادة " بحيال الكعبة ". وقال: " هذا حديث غريب جدا، تفرد به روح بن جناح هذا وهو القرشي الأموي مولاهم أبو سعيد الدمشقي، وقد أنكر عليه هذا الحديث جماعة من الحفاظ منهم الجوزجاني والعقيلي والحاكم وغيرهم. وقال الحاكم: لا أصل له من حديث أبي هريرة، ولا سعيد ولا الزهري ". قلت: ووقع في رواية ابن أبي حاتم: " السماء السابعة ". فلا أدري أهكذا روايته، أم هو تحريف من الناسخ أو الطابع. وله طريق أخرى عن أبي هريرة، فقال ابن الأعرابي في " المعجم " (١٠ / ٢) : أخبرنا ابن الجنيد أنبأنا عمرو بن عاصم أنبأنا همام أنبأنا قتادة أنبأنا الحسن عنه مرفوعا به دون ذكر السماء. والحسن هو البصري، وهو مدلس، ورجاله ثقات. وله شاهد آخر من حديث ابن عباس نحوه وفيه: " وهو مثل بيت الحرام حياله، لو سقط لسقط عليه ". أخرجه الطبراني في " المعجم الكبير " (٣ / ١٥٠ / ٢) من طريق إسحاق ابن بشر أبي حذيفه والواحدي في " تفسيره " (٤ / ٩٢ / ١) عن سعيد بن سالم كلاهما عن ابن جريج عن صفوان بن سليم عن كريب عن ابن عباس مرفوعا. قلت: وهذا سند ضعيف من أجل عنعنة ابن جريج، وضعف سعيد بن سالم، وأما إسحاق بن بشر فكذاب، فلا يستشهد به ولا كرامة. وفي " الدر المنثور " (٦ / ١١٧) :

стр. 854

" أخرجه الطبراني وابن مردويه بسند ضعيف ". وأخرج ابن جرير من طريق خالد بن عرعرة: " أن رجلا قال لعلي ﵁: ما البيت المعمور؟ قال: بيت في السماء يقال له الضراح وهو بحيال الكعبة من فوقها، حرمته في السماء كحرمة البيت في الأرض، يصلي فيه كل يوم سبعون ألفا من الملائكة، ولا يعودون فيه أبدا ". ورجاله ثقات غير خالد بن عرعرة وهو مستور. قال ابن أبي حاتم (١ / ٢ / ٣٤٣) : " روى عن علي، وعنه سماك والقاسم بن عوف الشيباني ". ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا. وكذلك أورده ابن حبان في " الثقات " (١ / ٣٧) . وقد تابعه أبو الطفيل قال: " سأل ابن الكواء عليا عن البيت المعمور؟ ... ". أخرجه ابن جرير أيضا: حدثنا ابن حميد ... عن أبي الطفيل. وابن حميد اسمه محمد، وهو ضعيف جدا. ولهذه الزيادة شاهد مرسل من رواية قتادة قال: " ذكر لنا أن نبي الله ﷺ قال يوما لأصحابه: هل تدرون ما البيت المعمور؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه مسجد في السماء، تحته الكعبة، لو خر لخر عليها ... ". أخرجه ابن جرير: حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد عن قتادة. قلت: وهذا إسناد مرسل صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين، غير بشر وهو ابن هلال الصواف فمن رجال مسلم وحده.

стр. 855

وجملة القول: أن هذه الزيادة " حيال الكعبة " ثابتة بمجموع طرقها، وأصل الحديث أصح. والله أعلم. ٤٧٨ - " قال الله : لا يأتي النذر على ابن آدم بشيء لم أقدره عليه، ولكنه شيء أستخرج به من البخيل يؤتيني عليه ما لا يؤتيني على البخل. وفي رواية: ما لم يكن آتاني من قبل ". أخرجه الإمام أحمد في " المسند " (٢ / ٢٤٢) : حدثنا سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: فذكره. قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، وقد أخرجاه في " صحيحيهما " وأبو داود وغيرهم من طرق أخرى عن أبي الزناد به، إلا أنهم لم يجعلوه حديثا قدسيا، وقد ذكرت لفظه ومن خرجه وطرقه في " إرواء الغليل " (٢٦٥٠) . ورواه النسائي (٢ / ١٤٢) من طريق أخرى عن سفيان به مختصرا. وتابعه همام بن منبه عن أبي هريرة به. أخرجه ابن الجارود في " المنتقى " (٩٣٢) وأحمد (٢ / ٣١٤) بإسناد صحيح على شرطهما، ولم يخرجاه من هذا الطريق، ولا بلفظ الحديث القدسي. وللحديث طريق ثالث بلفظ: " لا تنذروا، فإن النذر لا يغني من القدر شيئا وإنما يستخرج به من البخيل ". أخرجه مسلم وصححه الترمذي. من فقه الحديث: دل الحديث بمجموع ألفاظه أن النذر لا يشرع عقده، بل هو مكروه، وظاهر النهي في بعض طرقه أنه حرام، وقد قال به قوم. إلا أن قوله تعالى: " أستخرج به من

стр. 856

البخيل " يشعر أن الكراهة أو الحرمة خاص بنذر المجازاة أو المعاوضة، دون نذر الابتداء والتبرر، فهو قربة محضة، لأن للناذر فيه غرضا صحيحا وهو أن يثاب عليه ثواب الواجب، وهو فوق ثواب التطوع. وهذا النذر هو المراد - والله أعلم - بقوله تعالى (يوفون بالنذر) دون الأول. قال الحافظ في " الفتح " (١١ / ٥٠٠) : " وقد أخرج الطبري بسند صحيح عن قتادة في قوله تعالى (يوفون بالنذر) قال: كانوا ينذرون طاعة الله من الصلاة والصيام والزكاة والحج والعمرة ومما افترض عليهم فسماهم الله أبرارا، وهذا صريح في أن الثناء وقع في غير نذر المجازاة ". وقال قبل ذلك: " وجزم القرطبي في " المفهم " بحمل ما ورد في الأحاديث من النهي، على نذر المجازاة، فقال: هذا النهي محله أن يقول مثلا: إن شفى الله مريضي فعلي صدقة كذا. ووجه الكراهة أنه لما وقف فعل القربة المذكورة على حصول الغرض المذكور ظهر أنه لم يتمحض له نية التقرب إلى الله تعالى لما صدر منه، بل سلك فيه مسلك المعاوضة، ويوضحه أنه لو لم يشف مريضه لم يتصدق بما علقه على شفائه، وهذه حالة البخيل، فإنه لا يخرج من ماله شيئا إلا بعوض عاجل يزيد على ما أخرج غالبا وهذا المعنى هو المشار إليه في الحديث بقوله: " وإنما يستخرج به من البخيل ما لم يكن البخيل يخرجه ". وقد ينضم إلى هذا اعتقاد جاهل يظن أن النذر يوجب حصول ذلك الغرض، أو أن الله يفعل معه ذلك الغرض لأجل ذلك النذر، وإليهما الإشارة بقوله في الحديث أيضا " فإن النذر لا يرد من قدر الله شيئا ". والحالة الأولى تقارب الكفر، والثانية خطأ صريح ". قال الحافظ:

стр. 857

قلت: بل تقرب من الكفر أيضا. ثم نقل القرطبي عن العلماء حمل النهي الوارد في الخبر على الكراهة وقال: " الذي يظهر لي أنه على التحريم في حق من يخاف عليه ذلك الاعتقاد الفاسد، فيكون إقدامه على ذلك محرما، والكراهة في حق من لم يعتقد ذلك ". وهو تفصيل حسن، ويؤيده قصة ابن عمر راوي الحديث في النهي عن النذر فإنها في نذر المجازاة. قلت: يريد بالقصة ما أخرجه الحاكم (٤ / ٣٠٤) من طريق فليح بن سليمان عن سعيد بن الحارث أنه سمع عبد الله بن عمر وسأله رجل من بني كعب يقال له مسعود بن عمرو: يا أبا عبد الرحمن إن ابني كان بأرض فارس فيمن كان عند عمر بن عبيد الله وإنه وقع بالبصرة طاعون شديد فلما بلغ ذلك نذرت: إن الله جاء بابني أن أمشي إلى الكعبة، فجاء مريضا، فمات، فما ترى؟ فقال ابن عمر: (أو لم تنهوا عن النذر؟ ! إن رسول الله ﷺ قال: " النذر لا يقدم شيئا، ولا يؤخره، فإنما يستخرج به من البخيل "، أوف بنذرك) . وقال الحاكم: " صحيح على شرط الشيخين ". ووافقه الذهبي. قلت: وهو عند البخاري دون القصة من هذا الوجه، وفليح يقول الحافظ في " التقريب " عنه: " صدوق كثير الخطأ ". قلت: فلا ضير على أصل حديثه ما دام أنه لم يتفرد به. والله أعلم. وبالجملة ففي الحديث تحذير للمسلم أن يقدم على نذر المجازاة، فعلى الناس أن يعرفوا ذلك حتى لا يقعوا في النهي وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا!

стр. 858

٤٧٩ - " النذر نذران، فما كان لله فكفارته الوفاء، وما كان للشيطان فلا وفاء فيه وعليه كفارة يمين ". أخرجه ابن الجارود في " المنتقى " (٩٣٥) وعنه البيهقي (١٠ / ٧٢) : حدثنا محمد بن يحيى قال: حدثنا محمد بن موسى بن أعين قال حدثنا خطاب: حدثنا عبد الكريم عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس ﵄ عن النبي صلى الله عليه وسلم. قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات رجال البخاري غير خطاب وهو ابن القاسم الحراني وهو ثقة كما قال ابن معين وأبو زرعة في رواية عنه. وقال البرذعي عنه: " منكر الحديث، يقال: إنه اختلط قبل موته ". وذكره ابن حبان في " الثقات ". وقال الحافظ في " التقريب ": " ثقة اختلط قبل موته ". قلت: جزمه باختلاطه غير جيد، ولم يذكره أحد به غير أبي زرعة كما سبق، ولكنه لم يجزم به بل أشار إلى عدم ثبوت ذلك فيه بقوله: " يقال ... " فإنه من صيغ التمريض كما هو معلوم. ثم إن الحديث له شواهد من حديث عائشة وغيرها، وقد خرجتها في " الإرواء " فراجع الأحاديث (٢٦٥٣، ٢٦٥٤، ٢٦٥٦، ٢٦٥٧) . وفي الحديث دليل على أمرين اثنين: الأول: أن النذر إذا كان طاعة لله، وجب الوفاء به وأن ذلك كفارته، وقد صح عنه ﷺ أنه قال: " من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه ".

стр. 859

متفق عليه. والآخر: أن من نذر نذرا فيه عصيان للرحمن، وإطاعة للشيطان، فلا يجوز الوفاء به، وعليه الكفارة كفارة اليمين، وإذا كان النذر مكروها أو مباحا فعليه الكفارة من باب أولى، ولعموم قوله ﵊: " كفارة النذر كفارة اليمين ". أخرجه مسلم وغيره من حديث عقبة بن عامر ﵁، وهو مخرج في " الإرواء " (٢٦٥٣) . وما ذكرنا من الأمر الأول والثاني متفق عليه بين العلماء، إلا في وجوب الكفارة في المعصية ونحوها، فالقول به مذهب الإمام أحمد وإسحاق كما قال الترمذي (١ / ٢٨٨) ، وهو مذهب الحنفية أيضا، وهو الصواب لهذا الحديث وما في معناه مما أشرنا إليه. ٤٨٠ - " هو الطهور ماؤه، الحل ميتته ". أخرجه مالك (١ / ٤٤ ـ ٤٥) عن صفوان بن سليم عن سعيد بن سلمة من آل بني الأزرق عن المغيرة بن أبي بردة وهو من بني عبد الدار أنه سمع أبا هريرة يقول: " جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا أفنتوضأ به؟ فقال رسول الله ﷺ ... " فذكره. ومن طريق مالك أخرجه أصحاب السنن وغيرهم وصححه الترمذي وجماعة من المتقدمين والمتأخرين ذكرت أسماءهم في " صحيح أبي داود " (٧٦) . وهذا إسناد رجاله ثقات غير سعيد بن سلمة، وقد ادعى بعضهم أنه مجهول لم يرو عنه غير صفوان، ومع ذلك وثقه النسائي وابن حبان، لكن قيل: إنه روى عنه أيضا الجلاح أبو كثير، وفيه نظر عندي يأتي بيانه. قال الحافظ في " التلخيص " (١ / ١٠) :

стр. 860

" وأما سعيد بن سلمة، فقد تابع صفوان بن سليم على روايته له عند الجلاح أبو كثير، رواه عنه الليث بن سعيد، وعمرو بن الحارث وغيرهما، ومن طريق الليث رواه أحمد والحاكم والبيهقي عنه ". قلت: يعني أن الجلاح هذا رواه أيضا عن سعيد بن سلمة، فيكون له راويان صفوان والجلاح. وحينئذ فعزو هذه المتابعة لأحمد فيه نظر، لأن السند عنده (٢ / ٣٧٨) هكذا: " حدثنا قتيبة بن سعيد عن ليث عن الجلاح أبي كثير عن المغيرة بن أبي بردة عن أبي هريرة ... ". فالجلاح في هذا السياق متابع لسعيد بن سلمة، لا لصفوان كما أدعى الحافظ ﵀، نعم إنما تصح دعواه بالنظر إلى سياق الحاكم لإسناده (١ / ١٤١) وعنه تلقاه البيهقي (١ / ٣) ، رواه من طريق عبيد بن عبد الواحد بن شريك حدثنا يحيى بن بكير: حدثني الليث عن يزيد بن أبي حبيب حدثني الجلاح (أبو) كثير أن ابن سلمة المخزومي حدثه أن المغيرة بن أبي بردة أخبره به. فهذا السياق مخالف لسياق أحمد في موضعين: الأول: أنه أدخل بين الليث والجلاح يزيد بن أبي حبيب، والأول أسقطه من بينهما. والآخر: أنه أدخل بين الجلاح وبين المغيرة بن سلمة المخزومي وهو سعيد ابن سلمة، والآخر أسقطه. وهذا الاختلاف كما يبدو لأول وهلة إنما هو بين قتيبة بن سعيد ويحيى بن بكير، ولو ثبتت هذه المخالفة عن يحيى لكانت مرجوحة لأنه دون قتيبة في الحفظ

стр. 861

والضبط فقد أطلق النسائي فيه الضعف، وتكلم فيه غيره، لكن قال ابن عدي: هو أثبت الناس في الليث. وهذا القول اعتمده الحافظ في " التقريب " فقال: " ثقة في الليث ". وقال في قتيبة: " ثقة ثبت ". وإذا تبين الفرق بين الرجلين، فالنفس تطمئن لرواية قتيبة المتفق على ثقته وضبطه، أكثر من رواية يحيى بن بكير المختلف فيه، ولو أن عبارة ابن عدي تعطي بإطلاقها ترجيح روايته عن الليث خاصة على رواية غيره عنه. ومع ذلك فإن في ثبوت هذا السياق عن يحيى نظر، لأن الراوي عنه عبيد ابن عبد الواحد بن شريك فيه كلام أيضا. وإليك ما جاء في ترجمته عند الخطيب في " تاريخ بغداد " (١١ / ٩٩) : " قال الدارقطني: صدوق. وقال أبو مزاحم موسى بن عبيد الله: كان أحد الثقات ولم أكتب عنه في تغيره شيئا. وقال ابن المنادي (يعني في تاريخه) : أكثر الناس عنه، ثم أصابه أذى فغيره في آخر أيامه، وكان على ذلك صدوقا. وقال الخطبي: لم أكتب عنه شيئا ". ويتلخص مما سبق أن سياق أحمد عن الليث عن الجلاح أبي كثير عن المغيرة ابن أبي بردة عن أبي هريرة، هو الصحيح عن الليث والجلاح. وإذا تبين هذا، فالسند صحيح رجاله كلهم ثقات رجال مسلم غير المغيرة وهو ثقة كما قال النسائي، وذكره ابن حبان في " الثقات " (١ / ٢١٨ - ٢١٩) وروى عنه جماعة. ولتمام الفائدة يحسن أن أسوق الآن لفظ هذا الإسناد فإنه أتم، قال أبو هريرة

стр. 862

رضي الله عنه: " أن ناسا أتوا النبي ﷺ فقالوا: إنا نبعد في البحر، ولا نحمل من الماء إلا الإداوة والإداوتين، لأنا لا نجد الصيد حتى نبعد، أفنتوضأ بماء البحر؟ قال: نعم فإنه الحل ميتته، الطهور ماؤه ". من فقه الحديث: وفي الحديث فائدة هامة وهي حل كل ما مات في البحر مما كان يحيى فيه، ولو كان طافيا على الماء، وما أحسن ما روي عن ابن عمر أنه سئل: آكل ما طفا على الماء؟ قال: إن طافيه ميتته، وقد قال رسول الله ﷺ : إن ماءه طهور، وميته حل. رواه الدارقطني (٥٣٨) . وحديث النهي عن أكل ما طفا منه على الماء لا يصح كما هو مبين في موضع آخر. ٤٨١ - " لا تقوم الساعة حتى يتسافدوا في الطريق تسافد الحمير، قلت: إن ذلك لكائن؟ قال: نعم ليكونن ". أخرجه البزار في " مسنده " (ص ٢٣٨ - مصورة المكتب) : حدثنا محمد ابن عبد الرحيم حدثنا عفان، وابن حبان في " صحيحه " (١٨٨٩ - موارد) : أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى حدثنا إبراهيم بن حجاج السامي قالا حدثنا عبد الواحد ابن زياد: حدثنا عثمان بن حكيم حدثنا أبو أمامة بن سهل بن حنيف عن عبد الله ابن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : فذكره. وقال البزار: " لا نعلمه من وجه يصح إلا من هذا الوجه ".

стр. 863

قلت: وهذا سند صحيح رجاله كلهم ثقات على شرط مسلم غير أحمد بن علي وهو أبو يعلى الموصلي الحافظ صاحب " المسند " وهو ثقة حافظ. وللحديث طريق أخرى، أخرجه الحاكم (٤ / ٤٥٧) من طريق قتادة عن أبي مجلز عن قيس بن عباد عن عبد الله بن عمرو قال: فذكره نحوه مطولا موقوفا. وهو في حكم المرفوع وقال: " صحيح الإسناد على شرطهما، موقوف ". ووافقه الذهبي. وله عنده (٤ / ٤٥٥ - ٤٥٦) طريق أخرى عنه موقوفا أيضا. وله شاهد من حديث أبي هريرة مرفوعا: " والذي نفسي بيده لا تفنى هذه الأمة حتى يقوم الرجل إلى المرأة فيفترشها في الطريق، فيكون خيارهم يومئذ من يقول لو واريتها وراء هذا الحائط ". أخرجه أبو يعلى في " مسنده " (ق ٢٩١ / ٢) عن خلف بن خليفة حدثنا يزيد ابن كيسان عن أبي حازم عنه. قلت: ورجال إسناده ثقات رجال مسلم، إلا أن خلفا هذا كان اختلط في الآخر، وادعى أنه رأى عمرو بن حريث الصحابي فأنكر عليه ذلك ابن عيينة وأحمد كما في " التقريب ". وقال الهيثمي في " مجمع الزوائد " (٨ / ٣٣١) : " رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح "! وله طريق أخرى عن أبي هريرة، بإسناده واه وزيادة في آخره: " فذاك فيهم مثل أبي بكر وعمر فيكم ".

стр. 864

ومن أجلها أوردته في " الضعيفة " (١٢٥٤) . وله شاهد آخر من حديث النواس بن سمعان في حديثه الطويل في الدجال ويأجوج ومأجوج، وفي آخره: " فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحا طيبة فتأخذهم تحت آباطهم فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم، ويبقى شرار الناس، يتهارجون فيها تهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة ". أخرجه أحمد (٤ / ١٨١ - ١٨٢) ومسلم (٨ / ١٩٧ - ١٩٨) والحاكم (٤ / ٤٩٢ - ٤٩٤) وقال: " صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه ". ووافقه الذهبي! فوهما في استدراكه على مسلم. (يتهارجون) أي يجامع الرجال النساء بحضرة الناس كما يفعل الحمير ولا يكترثون كذلك. و (الهرج) بإسكان الراء الجماع، يقال: هرج زوجته أي جامعها. نووي. قلت: وبمعناه تماما (يتسافدون) . وله شاهد ثالث من حديث أبي ذر نحو حديث أبي هريرة. أخرجه الحاكم (٣ / ٣٤٣) من طريق سيف بن مسكين الأسواري حدثنا المبارك ابن فضالة عن المنتصر بن عمارة بن أبي ذر الغفاري عن أبيه عن جده عن رسول الله ﷺ به. وقال: " تفرد به سيف بن مسكين ". قال الذهبي: " هو واه، ومنتصر وأبوه مجهولان ".

стр. 865

٤٨٢ - " ارحموا ترحموا واغفروا يغفر الله لكم وويل لأقماع القول وويل للمصرين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون ". رواه البخاري في " الأدب المفرد " (رقم ٣٨٠) وأحمد (٢ / ١٦٥، ٢١٩) وعبد بن حميد في " المنتخب من المسند " (٤٢ / ١) عن حريز بن عثمان حدثنا حبان بن زيد عن عبد الله بن عمرو مرفوعا. قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات. وقال المنذري في " الترغيب " (٣ / ١٥٥) : " رواه أحمد بإسناد جيد ". وكذلك قال العراقي كما في " فيض القدير " للمناوي، وفيه: " وقال الهيثمي رجال أحمد رجال الصحيح غير حبان بن زيد الشرعبي وثقه ابن حبان ورواه الطبراني كذلك. انتهى والمصنف رمز لصحته، وفيه ما ترى ". وأقول: ليس فيه ما ينافي الصحة، فإن الجودة قد تجامعها، وقد تنافيها حينما يراد بها ما دونها وهو الحسن. وليس هو المتحتم هنا. وحبان بن زيد وثقه أبو داود أيضا بقوله: " شيوخ حريز كلهم ثقات ". ولذلك قال الحافظ في " التقريب ": " ثقة من الثالثة، أخطأ من زعم أن له صحبة ".

стр. 866

(الأقماع) بفتح الهمزة جمع (قمع) بكسر القاف وفتح الميم وتسكن: الإناء الذي يجعل في رأس الظرف ليملأ بالمائع. شبه استماع الذين يستمعون القول ولا يعونه ولا يعملون به بالأقماع التي لا تعي شيئا مما يفرغ فيها، فكأنه يمر عليها مجتازا كما يمر الشراب في القمع. كذلك قال الزمخشري: من المجاز " ويل لأقماع القول " وهم الذين يستمعون ولا يعون. ٤٨٣ - " من لا يرحم لا يرحم، ومن لا يغفر لا يغفر له، ومن لا يتب لا يتب عليه ". أخرجه الطبراني في " المعجم الكبير " (١ / ١٨٠ / ١) وأبو الحسن الحربي في " الفوائد المنتقاة " (٣ / ١٥٥ / ١) عن هارون بن زيد بن أبي الزرقاء حدثني أبي أنبأنا المفضل بن صدقة أبو حماد الكوفي عن زياد (بن علاقة) قال سمعت جريرا يقول: قال رسول الله ﷺ : فذكره. قلت: وهذا إسناد رجاله ثقات غير المفضل بن صدقة فهو مختلف فيه فقال ابن معين: ليس بشيء. وقال أبو حاتم: ليس بقوى يكتب حديثه.

стр. 867

وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث. وقال النسائي: متروك. وقال ابن عدي: ما أرى بحديثه بأسا، وكان أحمد بن محمد بن شعيب يثني عليه ثناء تاما. وقال الأهوازي: كان عطاء بن مسلم يوثقه. وقال البغوي: صالح الحديث. قلت: فمثله يستشهد به إن شاء الله تعالى، وقد تابعه ثلاثة: الأول: قيس بن الربيع عن زياد بن علاقة به. أخرجه الطبراني. وقيس هذا ضعيف أيضا لسوء حفظه فيستشهد به. الثاني: سليمان بن أرقم عن زياد بن علاقة به دون الجملة الثالثة. أخرجه أحمد (٤ / ٣٦٥) . وسليمان أيضا ضعيف كسابقيه. الثالث: الوليد بن أبي ثور عن زياد به كالذي قبله. أخرجه الطبراني. والوليد ضعيف أيضا،

стр. 868

لكن اجتماع هؤلاء الأربعة على روايته عن زياد مما يدل على صحة الحديث، لأنهم غير متهمين في صدقهم، وليس فيهم من كان يسرق الحديث، فيبعد عادة أن يتفقوا على الخطأ. والله أعلم. والجملة الأولى من الحديث أخرجها الشيخان في " صحيحيهما " وأحمد والطبراني وغيرهم من طرق عن جرير. وقد خرجته في " مشكلة الفقر " (١٠٨) . والجملة الثانية يشهد لها الحديث الذي قبله. ٤٨٤ - " أما أبوك فلو كان أقر بالتوحيد، فصمت وتصدقت عنه نفعه ذلك ". أخرجه الإمام أحمد (٢ / ١٨٢) حدثنا هشيم أخبرنا حجاج حدثنا عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. " أن العاص بن وائل نذر في الجاهلية أن ينحر مائة بدنة، وأن هشام ابن العاص نحر حصته خمسين بدنة، وأن عمرا سأل النبي ﷺ عن ذلك؟ فقال " فذكره. قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات على الخلاف المعروف في عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده. وهشيم والحجاج كلاهما مدلس، ولكنهما قد صرحا بالتحديث، فزالت شبهة تدليسهما. ومن هنا تعلم أن قول الهيثمي في " مجمع الزوائد " (٤ / ١٩٢) : " رواه أحمد، وفيه الحجاج بن أرطأة وهو مدلس ". فليس دقيقا، فإنه يوهم أنه قد عنعنه، وليس كذلك كما ترى. والحديث دليل واضح على أن الصدقة والصوم تلحق الوالد ومثله الوالدة بعد موتهما إذا كانا مسلمين ويصل إليهما ثوابها، بدون وصية منهما. ولما كان الولد من

стр. 869

سعي الوالدين، فهو داخل في عموم قوله تعالى (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) فلا داعي إلى تخصيص هذا العموم بالحديث وما ورد في معناه في الباب، مما أورده المجد ابن تيمية في " المنتقى " كما فعل البعض. واعلم أن كل الأحاديث التي ساقها في الباب هي خاصة بالأب أو الأم من الولد، فالاستدلال بها على وصول ثواب القرب إلى جميع الموتى كما ترجم لها المجد ابن تيمية بقوله " باب وصول ثواب القرب المهداة إلى الموتى " غير صحيح لأن الدعوى أعم من الدليل، ولم يأت دليل يدل دلالة عامة على انتفاع عموم الموتى من عموم أعمال الخير التي تهدى إليهم من الأحياء، اللهم إلا في أمور خاصة ذكرها الشوكاني في " نيل الأوطار " (٤ / ٧٨ - ٨٠) ، ثم الكاتب في كتابه " أحكام الجنائز وبدعها " يسر الله إتمام طبعه، من ذلك الدعاء للموتى فإنه ينفعهم إذا استجابه الله ﵎. فاحفظ هذا تنج من الإفراط والتفريط في هذه المسألة، وخلاصة ذلك أن للولد أن يتصدق ويصوم ويحج ويعتمر ويقرأ القرآن عن والديه لأنه من سعيهما، وليس له ذلك عن غيرهما إلا ما خصه الدليل مما سبقت الإشارة إليه. والله أعلم. ٤٨٥ - " ما لبعيرك يشكوك؟ زعم أنك سانيه حتى إذا كبر تريد أن تنحره (لا تنحروه واجعلوه في الإبل يكون معها) ". أخرجه الإمام أحمد (٤ / ١٧٣) حدثنا أسود بن عامر حدثنا أبو بكر بن عياش عن حبيب بن أبي عمرة عن المنهال بن عمرو عن يعلى قال: " ما أظن أن أحدا من الناس رأى من رسول الله ﷺ إلا دون ما رأيت - فذكر أمر

стр. 870

الصبي، والنخلتين، وأمر البعير، إلا أنه قال - " فذكره. قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات رجال البخاري غير أسود بن عامر فمن أفراد مسلم. ثم استدركت فقلت: إنه منقطع كما يأتي. وقد أخرجه الحاكم (٢ / ٦١٧ - ٦١٨) من طريق يونس بن بكير عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن يعلى بن مرة عن أبيه قال: " سافرت مع رسول الله ﷺ فرأيت منه شيئا عجبا، نزلا منزلا فقال: انطلق إلى هاتين الشجرتين فقل: إن رسول الله ﷺ يقول لكما أن تجتمعا، فانطلقت فقلت لهما ذلك، فانتزعت كل واحدة منهما من أصلها، فمرت كل واحدة إلى صاحبتها، فالتقيا جميعا، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجته من ورائهما، ثم قال: انطلق فقل لهما لتعود كل واحدة إلى مكانها، فأتيتهما، فقلت ذلك لهما، فعادت كل واحدة إلى مكانها. وأتته امرأة فقالت: إن ابني هذا به لمم منذ سبع سنين يأخذه كل يوم مرتين، فقال رسول الله ﷺ : أدنيه، فأدنته منه، فتفل في فيه وقال: اخرج عدو الله أنا رسول الله، ثم قال لها رسول الله ﷺ إذا رجعنا فأعلمينا ما صنع. فلما رجع رسول الله ﷺ استقبلته ومعها كبشان وأقط وسمن، فقال لي رسول الله ﷺ : خذ هذا الكبش، فاتخذ منه ما أردت، فقالت: والذي أكرمك ما رأينا به شيئا منذ فارقتنا. ثم أتاه بعير فقام بين يديه، فرأى عينيه تدمعان، فبعث إلى أصحابه، فقال: ما لبعيركم هذا يشكوكم؟ فقالوا: كنا نعمل عليه، فلما كبر وذهب عمله تواعدنا عليه لننحره غدا. فقال رسول الله ﷺ : لا تنحروه واجعلوه في الإبل يكون معها. وقال الحاكم: " صحيح الإسناد ".

стр. 871

ووافقه الذهبي. قلت: وقوله في السند " عن أبيه " وهم كما صرح الحافظ في " التهذيب " لكنه قال في الرواة عن يعلى: " منهم من أرسل عنه كعطاء بن السائب والمنهال بن عمرو ". وذكر نحوه في ترجمة المنهال أنه أرسل عن يعلى بن مرة. وعلى هذا فالإسناد منقطع. وأخرجه أحمد (٤ / ١٧١، ١٧٢) من طريق وكيع حدثنا الأعمش به دون قصة الجمل إلا أنه لم يقل مرة عن أبيه. وأخرجه (٤ / ١٧٠) من طريق عثمان بن حكيم قال: أخبرني عبد الرحمن ابن عبد العزيز عن يعلى بن مرة قال: " لقد رأيت من رسول الله ﷺ ثلاثا ما رآها أحد قبلي ... ". فذكرها. وقال المنذري في " الترغيب " (٣ / ١٥٨) : " وإسناده جيد ". كذا قال، وعبد الرحمن هذا أورده ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " ولم يحك فيه جرحا ولا تعديلا، وقال الحسيني: " ليس بالمشهور ". وبقية رجاله ثقات رجال مسلم. وقد تابعه عبد الله بن حفص عن يعلى بن مرة الثقفي به نحوه. أخرجه أحمد (٤ / ١٧٣) من طريق عطاء بن السائب عنه. وعطاء كان اختلط. وعبد الله بن حفص مجهول كما قال الحافظ وغيره.

стр. 872

وبالجملة فالحديث بهذه المتابعات جيد. والله أعلم. ٤٨٦ - " كان في بني إسرائيل امرأة قصيرة، فصنعت رجلين من خشب، فكانت تسير بين امرأتين قصيرتين واتخذت خاتما من ذهب وحشت تحت فصه أطيب الطيب: المسك فكانت إذا مرت بالمجلس حركته فنفنخ ريحه (وفي رواية) : وجعلت له غلقا فإذا مرت بالملأ أو بالمجلس قالت به ففتحته، ففاح ريحه ". أخرجه أحمد في " المسند " (٣ / ٤٠) : حدثنا عثمان بن عمرو حدثنا المستمر ابن الريان حدثنا أبو نضرة عن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ قال: فذكره. ثم قال (٣ / ٤٦) : حدثنا عبد الصمد حدثنا المستمر بن الريان به وزاد في أوله: " أن رسول الله ﷺ ذكر الدنيا فقال: إن الدنيا خضرة حلوة، فاتقوها واتقوا النساء. ثم ذكر نسوة ثلاثا من بني إسرائيل امرأيتن طويلتين تعرفان، وامرأة قصيرة لا تعرف فاتخذت رجلين من خشب ... " الحديث نحوه وفيه الرواية الأخرى. قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم. وقد أخرجه في " صحيحه " (٧ / ٤٨) من طريق شعبة عن خليد بن جعفر والمستمر قالا: سمعنا أبا نضرة به مختصرا. ومن طريقه عن خليد وحده به نحو رواية عبد الصمد دون الزيادة في أوله. (فنفخ) كذا الأصل بالخاء المعجمة أي فاح كما في الرواية الأخرى.

стр. 873

وكنت أظن أن الصواب (فنفح) بالحاء المهملة، ففي القاموس: " نفح الطيب كمنع فاح ... " حتى رأيت في " النهاية " في مادة " نفخ ": " ... من نفخت الريح إذا جاءت بغتة " فظننت أنها صحيحة. والله أعلم. ٤٨٧ - " إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار ". أخرجه أبو داود (٢٦٧٥) : حدثنا أبو صالح محبوب بن موسى أخبرنا أبو إسحاق الفزاري عن أبي إسحاق الشيباني عن ابن سعد - قال غير أبي صالح عن الحسن بن سعد عن عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه قال: " كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فانطلق لحاجته، فرأينا حمرة معها فرخان، فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمرة، فجعلت تفرش، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها. ورأى قرية نمل قد حرقناها، فقال: من حرق هذه؟ قلنا: نحن، قال ". فذكره. قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير محبوب بن موسى، وهو ثقة. وعبد الرحمن بن عبد الله وهو ابن مسعود قد سمع من أبيه على الراجح عندنا كما سبق بيانه عند الحديث (١٩٧) . وقد تابعه المسعودي عن الحسن بن سعد به. دون قصة النمل. أخرجه أحمد (١ / ٤٠٤) .

стр. 874

وفي رواية له عن المسعودي عن القاسم والحسن بن سعد به. وقد سبق ذكر الحديث برقم (٢٥) من أجل فقرة أخرى، وقدر إعادته هنا لشيء من الزيادة في التخريج، ولنسوق له شاهدا بلفظ: " لا تعذبوا بعذاب الله ". أخرجه أحمد (١ / ٢١٩ - ٢٢٠) حدثنا سفيان عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس: قال: قال رسول الله ﷺ : فذكره. قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري. وقد أخرجه في " صحيحه " (٤ / ٣٢٩) والترمذي (١ / ٢٧٥) والنسائي (٢ / ١٧٠) وأحمد أيضا (١ / ٢١٧، ٢٨٢) وعنه أبو داود (٤٣٥١) والدارقطني (٣٣٤) من طرق أخرى عن أيوب عن عكرمة: " أن عليا حرق قوما ارتدوا عن الإسلام، فبلغ ذلك ابن عباس، فقال: لو كنت أنا لقتلتهم، لقول رسول الله ﷺ : من بدل دينه فاقتلوه. ولم أكن لأحرقهم لقول رسول الله ﷺ : لا تعذبوا بعذاب الله. فبلغ ذلك عليا فقال: صدق ابن عباس. والسياق للترمذي وقال: " حديث حسن صحيح ". وليس عند البخاري قوله " لا تعذبوا بعذاب الله " وإنما لفظه: " ... لو كنت أنا لم أحرقهم لنهي رسول الله ﷺ . ولقتلتهم ... ". وفي رواية لأحمد وهي رواية الدارقطني وقال: " ثابت صحيح ": " فقال: ويح ابن أم عباس " مكان " صدق ابن عباس ". ولا منافاة بين الروايتين، فإن " ويح " كلمة ترحم وتوجع، وقد تقال بمعنى المدح والتعجب. كما في " النهاية " فهي هنا بالمعنى الآخر كما هو ظاهر.

стр. 875

(تنبيه) عزا الحديث بلفظ الترجمة في " الفتح الكبير " لمسلم عن كعب ابن مالك، ولم أره فيه. والله أعلم. وسيأتي للحديث شاهدان آخران من حديث حمزة بن عمرو الأسلمي وأبي هريرة تحت رقم (١٥٦٥) . ٤٨٨ - " اعفوا عنه (يعني الخادم) في كل يوم سبعين مرة ". أخرجه أبو داود (٥١٦٤) من طريق ابن وهب قال: أخبرني أبو هانئ الخولاني عن العباس بن جليد الحجري قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: " جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله كم نعفو عن الخادم؟ فصمت، ثم أعاد عليه الكلام فصمت، فلما كان في الثالثة قال " فذكره. وأخرجه الترمذي (١ / ٣٥٣ - ٣٥٤) من هذا الوجه ولكنه لم يسق لفظه، وإنما أحال على لفظ رشدين بن سعد عن أبي هانىء الخولاني به نحوه. وقال: " حديث حسن غريب ". قلت: وإسناده صحيح. وأبو هانىء اسمه حميد بن هانىء وهو ثقة، ومثله العباس بن جليد الحجري. فالسند صحيح. وقول أبي حاتم: " لا أعلم سمع عباس ابن جليد من عبد الله بن عمرو " يرده تصريحه بالسماع منه في هذا السند. وتابعه ابن لهيعة عن حميد بن هانىء به. أخرجه أحمد (٢ / ١١١) . وتابعه سعيد بن أبي أيوب حدثنا أبو هانىء عن عباس الحجري عن عبد الله بن عمر ابن الخطاب: " أن رجلا أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن لي خادما يسيء ويظلم

стр. 876

أفأضربه؟ قال: تعفو عنه ... " الحديث. أخرجه أحمد (٢ / ٩٠) : حدثنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن يزيد حدثنا سعيد يعني ابن أبي أيوب. قلت: وهذا إسناد صحيح أيضا. وقال المنذري في " الترغيب " (٣ / ١٦٣) : " ورواه أبو يعلى بإسناد جيد عنه، وهو رواية للترمذي ". قلت: ليس هو عند الترمذي بهذا اللفظ، فاعلمه. ثم قال: " وفي بعض نسخ أبي داود " عبد الله بن عمرو ". وقد أخرجه البخاري في " تاريخه " من حديث عباس بن جليد عن عبد الله بن عمرو بن العاصى. ومن حديثه أيضا عن عبد الله بن عمر. وقال الترمذي: روى بعضهم هذا الحديث بهذا الإسناد وقال: عن عبد الله ابن عمرو. وذكر الأمير أبو نصر أن عباس بن جليد يروي عنهما كما ذكره البخاري ولم يذكر ابن يونس في " تاريخ مصر "، ولا ابن أبي حاتم روايته عن عبد الله بن عمرو بن العاصى. والله أعلم ". قلت: قد صرحت رواية سعيد بن أبي أيوب المتقدمة أنه عبد الله بن عمر ابن الخطاب وسعيد ثقة ثبت. فعلى روايته المعتمد. والله أعلم. ٤٨٩ - " من ولى منكم عملا فأراد الله به خيرا جعل له وزيرا صالحا إن نسي ذكره وإن ذكر أعانه ". أخرجه النسائي (٢ / ١٨٧) عن بقية قال: حدثنا ابن المبارك عن ابن أبي حسين عن القاسم بن محمد قال: سمعت عمتي تقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فذكره. قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات، وقد صرح بقية بالتحديث فأمنا

стр. 877

بذلك شر تدليسه. وابن أبي حسين اسمه عمر بن سعيد بن أبي حسين النوفلي المكي. وله طريق أخرى عن القاسم، يرويه الوليد بن مسلم حدثنا زهير بن محمد عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : " إذا أراد الله بالأمير خيرا جعل له وزير صدق، إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه وإذا أراد الله به غير ذلك جعل له وزير سوء، إن نسي لم يذكره، وإن ذكر لم يعنه ". أخرجه أبو داود (٢٩٣٢) وابن حبان في " صحيحه " (١٥٥١ - موارد) من طريقين عن الوليد به. ورجاله ثقات رجال الشيخين غير أن زهير بن محمد وهو أبو المنذر الخراساني ضعيف من قبل حفظه. قال الحافظ: " رواية أهل الشام عنه غير مستقيمة، فضعف بسببها. قال البخاري عن أحمد: كأن زهير الذي يروي عنه الشاميون آخر. وقال أبو حاتم: حدث بالشام من حفظه فكثر غلطه ". قلت: لكنه في هذا الحديث قد حفظ أو كاد، فإنه لم يخرج فيه عن معنى حديث بقية. والله أعلم. ٤٩٠ - " يا أيها الناس إنما أنا رحمة مهداة ". أخرجه ابن سعد في " الطبقات " (١ / ١٩٢ - طبع بيروت) : أخبرنا وكيع ابن الجراح: أخبرنا الأعمش عن أبي صالح قال: قال رسول الله ﷺ فذكره. قلت: وهذا إسناد صحيح مرسل. وكذلك أخرجه أبو سعيد بن الأعرابي في " المعجم " (ق ١٠٦ / ٢) قال: أنبأنا إبراهيم أنبأنا وكيع به.

стр. 878

وإبراهيم هذا هو ابن عبد الله أبو إسحاق العبسي كما في إسناد حديث قبل هذا عنده. وهو إبراهيم بن عبد الله بن بكير بن الحارث العبسي، وهو آخر أصحاب وكيع وفاة، توفي سنة تسع وسبعين ومائتين كما في " الشذرات " (٢ / ١٧٤) . وله جزء من حديث وكيع بن الجراح، يرويه أبو عمرو الحسن بن علي بن الحسن العطار عنه عن وكيع. وقد أخرج هذا الحديث فيه (ق ١٣٤ / ١) عن وكيع به إلا أنه وصله فقال: " عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ". وقد وجدت له متابعين عن وكيع: الأول: عبد الله بن أبي عرابة الشاشي قال حدثنا وكيع به. أخرجه أبو الحسن علي بن عمر الحربي السكري في " الفوائد المنتقاة " (١٥٧ / ٢) : حدثنا عبد الله بن محمد بن أسد قال: حدثنا حاتم بن منصور الشاشي أبو سعيد قال: حدثنا عبد الله بن أبي عرابة الشاشي. وعبد الله هذا أورده السمعاني في " الشاشي " فقال: " هذه النسبة إلى مدينة وراء نهر سيحون يقال: لها (الشاش) ، وهي من ثغور الترك، خرج منها جماعة كثيرة من أئمة المسلمين منهم عبد الله بن أبي عرابة الشاشي، رحل إلى مرو والعراق، وسمع علي بن حجر وأحمد بن حنبل، روى عنه أهل بلده، ومات سنة (٢٨٦) ". لكن الراوي عنه حاتم بن منصور لم أجد له الآن ترجمة.

стр. 879

والآخر: عبد الله بن نصر: حدثنا وكيع به. أخرجه ابن عدي في " الكامل " (ق ٢٢٣ / ١) : حدثنا عمر بن سنان المنبجي حدثنا عبد الله بن نصر به. وقال: " وهذا غير محفوظ عن وكيع عن الأعمش، إنما يرويه مالك بن سعير عن الأعمش ". يعني أنه غير محفوظ عن وكيع عن الأعمش هكذا موصولا، وإنما يرويه مالك بن سعير عن الأعمش به موصولا. لكن مجيئه من الطريقين السابقين عن وكيع موصولا مما يقوي رواية ابن نصر هذا. وعليه فيكون مالك بن سعير قد تابعه على وصله، وتكون روايته مرجحة لرواية الوصل عن وكيع على رواية الإرسال عنه، والله أعلم. وقد أخرجه ابن الأعرابي في " معجمه " (٢٤٧ / ٢) وأبو عروبة الحراني في " حديثه " (ق ٩٨ / ١) وابن الحمامي في " جزء منتخب من مسموعاته " (ق ٣٥ / ١) والرامهرمزي في " الأمثال " (ق ٢١ / ١) والحاكم في " المستدرك " والقضاعي في " مسند الشهاب " (ق ٩٦ / ١) وابن عساكر في " تاريخ دمشق " (٢ / ٩٧ / ١) من طريق أبي الخطاب زياد بن يحيى الحساني حدثنا مالك بن سعير حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة به. وقال ابن الحمامي: " تفرد به مجودا مرفوعا مالك بن سعير عن الأعمش، ورواه وكيع عن الأعمش عن أبي صالح موقوفا ". كذا قال، وهو إنما يعني مرسلا كما تقدم في رواية ابن سعد، وأيضا فالوقف في مثل هذا الحديث لا يعقل، كما هو ظاهر.

стр. 880

وقال الحاكم: " صحيح على شرطهما، فقد احتجا جميعا بمالك بن سعير، والتفرد من الثقات مقبول ". ووافقه الذهبي. وأقول: مالك بن سعير صدوق كما قال أبو زرعة وأبو حاتم، لكن البخاري لم يحتج به، وإنما أخرج له متابعة، ومسلم إنما روى له في " المقدمة "، فمثله يحتج به إذا تفرد ولم يخالف، فإن رجحنا رواية وكيع المرسلة، فيكون مالك قد خالفه فتكون روايته شاذة، ورواية وكيع المرسلة هي المحفوظة، وإن رجحنا رواية وكيع الموصولة فتتفق الروايتان، ويكون كل منهما شاهدا للآخر، وهذا هو الأرجح عندي، لأن اتفاق ثلاثة من الرواة على روايته عن وكيع موصولا، يبعد في العادة أن يتفقوا على الخطأ، ولو كان في بعضهم ضعف بدون تهمة، أو في بعض الرواة عنه فإذا انضم إلى ذلك رواية مالك بن سعير قوي الحديث وارتقى إلى درجة الحسن أو الصحة، والله أعلم. (فائدة) قال الرامهرمزي عقب الحديث: " واتفقت ألفاظهم (يعني الرواة عن أبي الخطاب) في ضم الميم من قوله: " مهداة " إلا أن البرتي قال: " مهداة " بكسر الميم من الهداية، وكان ضابطا فهما متفوقا في الفقه واللغة، والذي قاله أجود في الاعتبار لأنه بعث صلى الله عليه وسلم هاديا كما قال (وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم) ، وكما قال جل وعز (إنا أنزلنا إليك الكتاب لتبين للناس) و (لتخرجهم من الظلمات إلى النور) وأشباه ذلك. ومن رواه بضم الميم إنما أراد أن الله أهداه إلى الناس. وهو قريب ".
следующие страницы →