بفقيه أو مجتهد، قال ابن الهمام في التحرير « ... يقسم الراوي الصحابي إلى مجتهد كالأربعة والعبادلة، فيقدم على القياس مطلقاً، وعدل ضابط كأبي هريرة وأنس وسلمان وبلال فيقدم، إلا أن خالف كل الأقيسة على قول عيسى والقاضي أبي زيد ... » ثم قال بعد ذلك «أبو هريرة مجتهد» كما تقدم. وغير عيسى وأبي زيد ومن تبعه يرون تقديم الخبر مطلقاً. راجع فواتح الرحموت ١٤٥:٢
ثم حكى أبو رية ما روى عن إبراهيم: «كان أصحابنا يدعون من حديث أبي هريرة، ما كانوا يأخذون بكل حديث أبي هريرة، كانوا يروون في حديث أبي هريرة شيئاً ما كانوا يأخذون بكل حديث أبي هريرة إلا ما كان من حديث صفة جنة أو نار أو حث على عمل صالح أو نهى عن شر جاء بالقرءان، دعني من حديث أبي هريرة، إنهم كانوا يتركون كثيراً من حديثه»
أقول: ذكره ابن كثير في البداية ١٠٩:٨ بعض هذه الكلمات عن ابن عساكر، ولم يسق السند بتمامه، وباقيها أخذه أبو رية من شرح النهج لابن أبي الحديد ٣٦٠:١ حكاه بن أبي الحديد عن الاسكافي، وراجع ص ١٠٩، وقد تقدم ص ١٢١ أخذ إبراهيم بحديث أبي هريرة الذي أخبرت عائشة بخلافه فترك أبو هريرة / الافتاء به وقال «إنما حدثنيه الفضل بن عباس» وأخذ به يدل على ثقة بالغة بأبي هريرة وحديثه، ثم إن صحت تلك الكلمات أو بعضها فقوله «كان أصحابنا» يريد بهم أشياخه من الكوفيين وإليهم يرجع الضمير في قوله «كانوا» وحتى هذه الكلمات - إن صحت عن إبراهيم - أن تنتقد عليه لا على أبي هريرة. وقد تقدم بيان حال أبي هريرة عند الصحابة وثناؤهم عليه وسماعهم منه وروايتهم عنه، ويأتي لذلك مزيد، وبان سقوطه كل ماخالف ذلك من مزاعم أهل البدع وظهرت حجة أبي هريرة فيما انتقده بعضهم عليهم، ثم إن التابعين من أهل الحجاز وعلمائه وهم أبناء علماء الصحابة وتلاميذهم والذين حضروا مناظرتهم لأبي هريرة وعرفوا
стр. 177
حقيقة رأيهم فيه أطبقوا هم وعلماء البصرة والشام وسائر الأقطار- سوى ما حكى عن بعض الكوفيين- على الوثوق التام بأبي هريرة وحديثه. وقد كان بين الكوفيين والحجازيين تباعد، والكوفيون نشأوا على الأحاديث التي عرفوها من رواية الصحابة الذين كانوا عندهم، ثم حاولوا تكميل فقههم بالرأي وجروا على مقتضاه، ثم كانوا إذا جاءهم بعد ذلك حديث بخلاف ما قد جروا عليه وألقوه تلكاوا في قبوله وضربوا له الأمثال، وإذ كان أبو هريرة مكثرا كانت الأحاديث التي جاءتهم عنه بخلاف رأيهم أكثر من غيره، فلهذا ثقل على بعضهم بعض حديثه، وساعد على ذلك ما بلغهم أن بعض الصحابة قد انتقد بعض أحاديث أبي هريرة، وقد كان أهل الحجاز أيضاً ينفرون عن الأحاديث التي تأتيهم عن أهل العراق حتى اشتهر قولهم: نزلوا أهل العراق منزلة أهل الكتاب، لا تصدقوهم ولا تكذبوهم، وعلى كل حال فقد انحصر مذهب أهل
العراق في أصحاب أبي حنيفة، وقد علمت بأن أبا هريرة عندهم عدل ضابط، واعتراف محققيهم بأنه مع ذلك فقيه مجتهد، والأحاديث التي يخالفونها من مروياته سبيلها سبيل ما يخالفونه نم مرويات غيره من الصحابة، والحق أحق أن يتبع، والله الموفق
قال أبو رية ص ١٧١ «وقال أبو جعفر الاسكافي: وأبو هريرة مدخول عند شيوخنا غير مرضي بالرواية»
أقول:
وقد زادني حباً لنفسي أنني ... يفيض إلى كل امرئ غير طائل
قال «ضربه عمر وقال: أكثرت من الحديث، وأحر بك أن تكون كاذباً على رسول الله»
أقول: عزاه أبو رية إلى شرح النهج لابن أبي الحديد، وقد مر النظر
стр. 178
فيه ص ١٠٩» وراجع ص ١١٩
قال: وفي الأحكام للآمدي «أنكر الصحابة على أبي هريرة كثرة روايته ... »
أقول: قد فرغنا من هذا
/ قال «وجرت المسألة المصراة في مجلس الرشيد، فتنازع القوم فيها وعلت أصواتهم، فاحتج بعضهم بالحديث الذي رواه أبو هريرة، فرد بعضهم الحديث وقال: أبو هريرة متهم، ونحا نحوه الرشيد»
أقول: جواب الحكاية في تتمتها التي حذفها أبو رية وأخفى المصدر، وقد كنت وقعت عليها بتمامها في تاريخ بغداد أحسب، ولم أهتد إليها الآن، وقد كان يحضر مجلس الرشيد بعض رؤوس البدعة كبشر المريسي
وذكر أبو رية كلاما لجولد زيهر اليهودي وغيره من المستشرقين لا شأن لنا به لأننا نعرف هؤلاء، وافتراءهم على رسول الله ﷺ وعلى القرآن، وراجع ص ٧٢و ٩٤و ٩٩
وقال أبو رية ص ١٧٢ «أخذه عن كعب الأحبار ... اليهودي الذي أظهر إسلامه خداعاً وطوى قلبه على يهوديته»
أقول: قد تقدم النظر في حال كعب بما فيه كفاية، وسيلقي المجازف عاقبة تهجمه (ستكتب شهادتهم ويسألون)
ثم ذكر رواية الصحابة عن كعب، وقد تقدم النظر في ذلك ص٧٣و ١١٠و ١١٥
قال «ويبدو أن أبا هريرة كان أول الصحابة انخداعا وثقة فيه»
أقول: إنما الثابت أنه حكى عنه شيئاً مما نسبه كعب إلى صحف أهل
стр. 179
الكتاب، وليس في هذا ما يدل على ثقة
قال «ورواية عنه وعن إخوانه»
أقول: إنا نتحدى أبا رية أن يجمع عشر حكايات مختلفة يثبت أن أبا هريرة رواها عن كعب، فأما إخوانه فعبد الله بن سلام لا يطعن فيه مسلم، وتميم الداري قريب منه، ولعله لا يثبت لأبي هريرة عن كل منهما إلا خبر واحد
وذكر كلاماً من تهويله تعرف قيمته من النظر في شواهده
قال «فقد روى الذهبي في طبقات الحفاظ في ترجمة أبي هريرة أن كعباً قال فيه، أي في أبي هريرة: ما رأيت أحداً لم يقرأ التوراة أعلم بما فيها من أبي هريرة. ورواية البيهقي في المدخل من (١) طريق بكر بن عبد الله عن (٢) أبي رافع أن أبا هريرة لقي كعباً فجعل يحدثه ويسأله، فقال لكعب: ما رأيت رجلاً لم يقرأ التوراة أعلم بما في التوراة من أبي هريرة»
أقول: هي حكاية واحدة. فالذي في كتاب الذهبي «الطيالسي أخبرنا عمران القطان عن بكر بن عبد الله عن أبي رافع ... » فذكرها. وعمران القطان ضعيف ولا يتحقق سماعه من بكر، وفي القرآن والسنة قصص كثيرة مذكورة في التوراة الموجودة بأيدي أهل الكتاب الآن، فإذا تتبعها أبو هريرة وصار يذكرها لكعب كان ذلك كافياً لأن يقول كعب تلك الكلمة، ففيم التهويل الفارغ؟
/ قال «ومما يدلك على أن هذا الخبر الداهية قد طوى أبا هريرة تحت جناحه حتى جعله يردد كلام هذا الكاهن بالنص ويجعله حديثاً مرفوعاً ما ورد لك شيئاً منه، روى البزار [عن أبي سلمة] عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: إن الشمس والقمر ثوران في النار يوم القيامة. فقال الحسن: وما ذنبهما؟ فقال [أبو سلمة] : أحدثك عن رسول الله وتقول: ما ذنبهما؟. وهذا الكلام نفسه
стр. 180
قد قاله كعب بنصه، فقد روى أبو يعلى الموصلي قال كعب: يجاء الشمس والقمر كأنهما ثوران عقيران فيقذفان في جهنم»
أقول: عزاه أبو رية إلى حياة الحيوان، وسيأتي ما فيه قال البخاري في باب صفة الشمس والقمر منبدء الخلق من صحيحه «حدثنا مسدد حدثنا عبد العزيز بن المختار حدثنا عبد الله الداناج قال: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: الشمس والقمر مكوران يوم القيامة»
وفي فتح الباري ٢١٤:٦ أن البزا والاسماعيلي والخطابي أخرجوه من طريق يونس بن محمد بن عبد العزيز بن المختار، وزادوا بعد كلمة (مكوران) : «في النار»
أما حياة الحيوان للدميري - مصدر أبي رية - فإنه ذكر أولاً حديث البخاري، ثم حديث البزار وفيه «ثوران» كما مر، وظاهر ما في فتح الباري أوصريحه أن الذي في رواية البزار والاسماعيلي والخطابي «مكوران» كرواية البخاري لا «ثوران» (١) ثم قال الدميري: وروى الحافظ أبو يعلى الموصلي عن طريق درست بن زياد عن يزيد الرقاشي، وهما ضعيفان، عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: الشمس والقمر ثوران عقيران في النار، وقال كعب الأحبار: يجاه الشمس والقمر يوم القيامة كأنهما ثوران عقيران فيقذفان في جهنم ليراهما من عبدهما، كما قال الله تعالى (إنكم وما تعبدن من دون الله حصب جهنم) الآية
درست ويزيد تالفان، فالخبر عن أنس وكعب ساقط، مع أنه لم يتبين من القائل «قال كعب ... » ؟ وبهذا يعلم بعض أفاعيل أبي ري، فأما المتن كما رواه
стр. 181
البخاري فمعناه في كتاب الله ، ففي سورة القيامة (وخسف القمر وجمع الشمس والقمر) وفي سورة التكوير (إذا الشمس كورت)
وزيادة غير البخاري «في النار» يشهد له قول الله تعالى (٩٨:٢١ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون) وفي صحيح البخاري وغيره من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعاً في صفة الحشر: «ثم ينادي مناد: ليذهب إلى قوم إلى ما كانوا يعبدون. فيذهب أصحاب الصليب مع صليبهم، وأصحاب / الأوثان مع أوثانهم وأصحاب كل آلهة مع آلهتهم» والحديث في صحيح مسلم وفيه «فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النار»
وفي الصحيحين حدث به أبو هريرة، وأبو سعيد حاضر يستمع له فلم يرد عليه شيئاً، إلا كلمة في آخر، وفيه «يجمع الله الناس فيقول: من كان يعبد شيئاً فليتبعه، فيتبع منكان يعبد الشمس الشمس ومن كان يعبد القمر القمر ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت ... » ويوافق ذلك قوله تعالى في فرعون (يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار»
وإن صحت كلمة «ثوران» أو «ثوران عقيران» كما في خبر أبي يعلى على سقوط سنده فذلك والله أعلم تمثيل وقد ثبت أن المعاني تمثل يوم القيامة كما يمثل الموت بصورة كبش وغير ذلك، فما بالك بالأجسام؟ ومن الحكمة في تمثيل الشمس والقمر أن عبادهما يعتقدون لهما الحياة، والمشهور بعبادة الناس له من الحيوان العجل فمثلاً من جنسه، وفي الفتح «قال الإسماعيلي: لا يلزم من جعلها في النار تعذيبها، فإن لله في النار ملئكة وحجارة وغيرها لتكون لأهل النار عذاباً وآلة من آلات العذاب وما شاء الله من ذلك فلا تكون هي معذبة» فأنت ترى شهادة القرآن والأحاديث الصحيحة لحديث ابي هريرة، ولم يثبت عن كعب شيء، ولو ثبت لكان المعقول أنه هو الآخذ ذل عن أبي هريرة أو غيره من الصحابة
стр. 182
وقول الحسن لأبي سلمة «وما ذنبهما» قد عرفت جوابه، وهو يمثل حاله أهل العراق في استعجال النظر فيما يشكل عليهم. وجواب أبي سلمة يمثل حال علماء الحجاز في التزام ما يقضي به كمال الإيمان من المسارعة إلى القبول والتسليم ثم يكون النظر بعد، وجوابه وسكوت الحسن يبين مقدار كما الوثوق من علماء التابعين بأبي هريرة وثقته وإتقانه وأن ما يحكي مما يخالف ذلك إنما هو من خلاف أهل البدع، وأبو سلمة هو ابن عبد الرحمن بن عوف من كبار أئمة التابعين بالمدينة مكثر الرواية عن الصحابة كأبي قتادة وأبي الدرداء وعائشة وأم سلمة وابن عمر وأبي هريرة، فهو من أعلم الناس بحال أبي هريرة في نفسه وعند سائر الصحابة ﵃
قال أبو رية ص ١٧٤ «وروى الحاكم في المستدرك والطبراني ورجاله رجال الصحيح عن أبي هريرة أن النبي قال: إن الله أذن لي أن أحدث عن ديك رجلاه في الأرض عنقه مثنية تحت العرش وهو يقول: سبحانك ما أعظم شانك، فيرد عليه: ما يعلم ذلك من حلف بي كاذباً، وهذا الحديث من قول كعب الأحبار
ونصه: إن الله ديكا عنقه تحت العرش وبراثنه في أسفل الأرض، فإذا صاح صاحت الديكة فيقول: سبحان القدوس الملك الرحمن لا إله غيره»
أقول: عزا هذا إلى نهاية الأرب للنويري، والنويري أديب من أهل القرن السابع، ولا يدري من أين أخذ هذا، والحديث يروى عن جماعة من الصحابة بألفاظ مختلفة، منهم جابر والعرس بن عميرة وعائشة وثوبان وابن عمر وابن عباس وصفوان بن عسال وأبو هريرة. ذكر ابن الجوزي حديث جابر والعرس في الموضوعات، وتعقبه السيوطي وذكر رواية الآخرين. راجع اللآلي المصنوعة ٣٢:١. أما عن أبي هريرة فهو من طريق إسرائيل عن معاوية بن إسحاق بن سعيد المقبري عن أبي هريرة، ومعاوية لم يخرج له مسلم وأخرج له البخاري حديثاً وا حداً متابعة، وقد قال فيه أبوزرعة «شيخ واه» ووثقة
стр. 183
بعضهم، والمقبري اختلط قبل موته بأربع سنين، ولفظ الخبر مع ذلك مخالف لما نسبه النويري إلى كعب
قال أبو رية «وروى أبو هريرة أن رسول الله قال: النيل وسيحان وجيحان والفرات من أنهار الجنة، وهذا القول نفسه رواه كعب إذ قال: أربعة أنها وصفها الله في الدنيا، فالنيل نهر العسل في الجنة، والفرات نهر الخمر في الجنة، وسيحان نهر الماء في الجنة، وجيجان نهر اللبن في الجنة»
أقول: أما حديث «سيحان وجيجان والفرات والنيل كل من أنهار الجنة» ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة مرفوعاً، وذكر القاضي عياض فيه وجهين ثانيهما أنه كتابة أوبشارة عن أن الإيمان يعم بلادها، وتقريبه أنه بحذف مضاف، أي أنها أهل الجنة وهم المسلمون، فأما خبر كعب فيروى عن عبد الله بن صالح كاتب الليث- وهو متكلم فيه - فإن صح فإنما أخذ كعب حديث أبي هريرة وزاد فيه ما زاد أخذا من قول الله (١٥:٤٧: مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنها من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى» وكأنه يرى أن في الجنة حقيقة أنهار سميت بأسماء أنهار الدنيا، والله أعلم (١) .
ثم قال أبو رية «وقال ابن كثير في تفسيره إن حديث أبي هريرة في يأجوج ومأجوج ... لعل أبا هريرة تلقاه من كعب، فإنه كان كثيراً ما كان يجالسه ويحدثه»
أقول: تتمة عبارة ابن كثير «فحدث به أبو هريرة [عن كعب] فتوهم بعض الرواة عنه أنه مدفوع فرفعه» / وفي كلام أبي رية «وقد روى أحمد هذا
стр. 184
الحديث عن كعب» ، وهذا كذب، إنما قال ابن كثير «لكن هذا (يعني المعنى بل بعضه) قد روى عن كعب....» وساق بعضه ولم يذكر سنده ولا من أخرجه. وصنيع ابن كثير هنا غير جيد، من أوجه لا أطيل بذكرها
وهذا الحديث مداره على قتادة بن أبي رافع عن أبي هريرة، وراه عن قتادة فيما وقعت عليه ثلاثة: الأول شيبان بن عبد الرحمن في مسند أحمد ٥٢٣:٢. الثاني أبو عوانة في سنن الترمذي ومستدرك الحاكم ٤٨٨:٤ الثالث سعيد بن أبي عروبة في تفسير ابن جرير ١٦:١٦ وسنن ابن ماجه ومسند أحمد ٥٣٢:٢
فأما شيبان وأبو عوانة ففي رايتهما « ... قتادة عن أبي رافع»
وأما سعيد فرواه عنه فيما وقفت عليه ثلاثة: الأول يزيد بن زريع عند ابن جرير وفيه أيضاً « ... قتادة عن أبي رافع» . الثاني عبد الأعلى بن عبد الأعلى عند ابن ماجه وفيه « ... قتادة قال حدث أبو رافع» هكذا نقله ابن كثير في تفسيره طبعة بولاق ١٧٣:٦ وطبعة المنار ٣٣٣:٥ ومخطوط مكتبة الحرم المكي، وهكذا في سنن ابن ماجه نسخ مكتبة الحرم المكي المخطوطة وهي أربع، وطبعة عمدة المطابع بدهلى في الهند سنة ١٢٧٣، ووقع في أربع نسخ مطبوعة هنديتين ومصريتين « ... قتادة قال حدثنا أبو رافع» مع أن سياق السند من أوله فيها هكذا «حدثنا أزهر بن مروان ثنا عبد الأعلى ثنا سعيد بن قتادة ... » فلو كان في الأصل «قال حدثنا» لاختصر في الأصول المخطوطة لهذه النسخ الأربع إلى «ثنا» كسابقيه في أثناء السند، ولكنه جهل الطابعين، حسبوا أنه لا يقال «حدث فلان» وإنما يقال «حدثنا فلان» فأصلحوا بزعمهم، وتبع متأخرهم متقدمهم والله المستعان. الثالث روح بن عبادة عند أحمد وفيه « ... قتادة ثنا أبو رافع» وأحسب هذا خطأ من ابن المذهب راوي السند عن القطيعي عن عبد الله بن أحمد ترجمته في الميزان واللسان قول الذهبي «الظاهر من ابن المذهب
стр. 185
أنه شيخ ليس بمتقن، وكذلك شيخه ابن مالك، ومن ثم وقع في السند أشياء غير محكمة المتن ولا الإسناد» ومن المحتمل أن يكون الخطأ من روح، فإن كلا من يزيد وعبد الأعلى اثبت منه، وقتادة مشهو بالتدليس فول كان الخبر عند سعيد عنه مصرحاً فيه بالسماع لحرص شديد على أن يرويه كذك دائماً بل أطلق أبو داود أن قتادة لم يسمع من أبي رافع، وظاهره أنه لم يسمع منه شيئاً، ولكن نظر فيه ابن حجر، على كل حال فم يثبت تصريح قتادة في هذا بالسماع فلم يصح الخبر عن أبي رافع، وأبو رافع هو نفيع البصري مخضرم ثقة لا يظن به أن يخطئ الخطأ الذي أشاء إليه ابن كثير، فلو صح الخبر عنه لازم تصحيحه عن أبي هريرة، ولو صح عن أبي هريرة لصح عن النبي ﷺ ، ولو صح مع ذلك أن كعباً أخبر بما يشبهه لكان محلة الطبيعي أن كعباً سمع الحديث من أبي هريرة أو غيره من الصحابة فاقتبس منه خبره، لكن الخبر لم يصح عن أبي رافع فلم يصح عن أبي هريرة فلم يصح عن النبي ﷺ ، ولا ندري ممن سمعه قتادة، والله أعلم.
قال أبو رية «وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة: إن الله خلق آدم على صورته. وهذا الكلام قد جاء في الإصحاح الأول من التوراة ونصه هناك: وخلق الله الإنسان على صورته، على صورة الله خلقه»
أقول: قد علم الجن والإنس أن في الكتاب الموجود بأيدي أهل الكتاب مسمى بالتورة، وكذك في السنة، فإذا كان هذا منه كان ماذا؟ والكلام في معناه معروف (١) .
وعلق أبو رية في الحاشية بذكر ما ورد في سياق الحديث أن طول آدم كان
стр. 186
ستين ذراعاً، فلم يزل الخلق ينقص، واستشكال ابن حجر له بما يوجد من مساكن الأمم السابقة
أقول: لم يتحقق بحجة فاطمة كم مضى للجنس البشري منذ خلق آدم؟ وما في التوارة لا يعتمد عليه، وقد يكون خلق ستين ذراعاً فلما أهبط إلى الأرض نقص من طوله دفعة واحدة ليناسب حال الأرض إلا أنه بقي أطول مم عليه الناس الآن بقليل ثم لم يزل ذلك القليل يتناقص في الجملة. والله أعلم وفي فتح الباري ٦٠:٦ «روى ابن أبي حاتم بإسناد حسن عن أبي بن كعب مرفوعاً: إن الله خلق آدم رجلاً طوالاً كثير شعر الرأس كأنه نخلة سحوق»
وقال في حاشية ص ١٧٥ «وأنكر لمالك هذا الحديث وحديث إن الله يكشف عن ساقه يوم القيامة، وأنه ... يدخل النار يده حتى يدخل من أراد إنكاراً شديداً»
أقول: لم يذكر أبو رية مصدره إن كان له مصدر، والحديث الثالث أحسبه يريد به حديث الصحيحين عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً، وفيه «فيقبض قبضة من النار فيخرج أقواماً» ومالك ﵀ يؤمن بهذه الأحاديث ونظائرها الكثيرة في الكتاب والسنة
/ قال «وحديث كشف الساق من رواية أبي هريرة في الصحيحين ... »
أقول: هذا كذب، وإنما هو في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري، وله شاهد من حديث عبد الله بن مسعود، وآخر من حديث أبي موسى، ﵃
قال أبو رية ص ١٧٥ «ولما ذكر كعب صفة النبي في التوراة قال أبو هريرة في صفته ﷺ : لم يكن فاحشاً ولا متفحشاً ولا سخاباً في الأسواق، وهذا عن كلام كعب ما أوردناه من قبل»
стр. 187
أقول: ثبتت هذه الفقرة في خبر عبد الله بن عمرو بن العاص في صفة النبي ﷺ في التوراة، وجاء نحوه عن عبد الله بن سلام وعن كعب كما ص ٧١. أما أبوهريرة في المسند ٤٤٨:٢ من طريق صالح مولى التوأمة وهو ضعيف: «سمعت أبا هريرة ينعت النبي صى الله عليه وسلم فقال:: كان شيخ الذراعيين أهدب أشفار العينين بعيد ما بين المنكبين يقبل إذا أقبل جميعاً ويدبر إذا أدبروا جميعاً» زاد بعض الرواة «بأبي وأمي، لم يكن فاحشاً ولا متفحشاً ولا سخاباً بالأسواق» وقد علم أبو هريرة معنى هذه الفقرة يقناً بالمشاهدة والصحبة، فأي شيء عليه في أخذ لفظها مما ذكره عبد اله بن عمرو أو غيره؟
قال «وروى مسلم عن أبي هريرة: أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال: خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الإثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة ... » وقد قال البخاري وابن كثير وغيرهما: إن أبا هريرة قد تلقى هذا الحديث عن كعب الأحبار لأنه يخالف نص القرآن في أنه خلق السموات والأرض في ستة أيام»
أقول: هذا الخبر رواه جماعة عن ابن جريج قال «أخبرني إسماعيل بن أمية عن أيوب بن خالد عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة عن أبي هريرة قال: أخذ ... » وفي الأسماء والصفات للبيهقي ص ١٧٦ عن ابن المديني وهشام بن يوسف ورواه عن ابن جريج
وقد استنكر بعض أهل الحديث هذا الخبر، ويمكن تفصيل سببب الاستنكار بأوجه:
الأول أنه لم يذكر خلق السماء، وجعل خلق الأرض في ستة أيام
الثاني أنه جعل الخلق في سبعة أيام
стр. 188
/ والقرآن يبين أن خلق السموات والأرض كان في ستة أيام، أربعة منها للأرض ويومان للسماء
الثالث أنه مخالف للآثار القائلة: إن أول الستة يوم الأحد، وهو الذي تدل عليه أسماء الأيام: الأحد- الاثنان- الثلاثاء- الأربعاء- الخميس
فلهذا حاولوا إعلاله، فأعله ابن المديني بأن إبراهيم بن أبي يحيى قد رواه عن أيوب، قال ابن المديني: «وما أرى إسماعيل بن أمية أخذ هذا إلا عن إبراهيم ابن أبي يحيى» انظر الأسماء والصفات ص ٢٧٦، يعني إبراهيم مرمى بالكذب فلا يثبت الخبر عن أيوب ولا من فوقه.
وير على هذا أن إسماعيل بن أمية ثقة عندهم غير مدلس، فلهذا والله أعلم لميرتض البخاري قول شيخ ابن المديني وأعل الخبر بأمر آخر فإنه ذكر طرفه في ترجمة أيوب من التاريخ ١/ ١/ ٤١٣ ثم قال «وقال بعضهم: عن أبي هريرة عن كعب. وهو أصح» ومؤدي صنيعه أن يحدس أن أيوب أخطأ، وهذا الحدس مبنى على ثلاثة أمور: الأول استنكار الخبر لما أمر. الثاني أن أيوب ليس بالقوي وهو مقل لا يخرج مسلم إلا هذا الحديث لما يعلم من الجمع بين رجال الصحيحين، وتكلم فيه الأزدي ولم ينقل توثيقه عن أحد من الأئمة إلا أن ابن حبان ذكره في ثقاته وشرط ابن حبان في التوثيق فيه تسامح معروف. الثالث الرواية التي أشاء إليها بقوله «وقال بعضهم» وليته ذكر سندها ومتنها فقد تكون ضعيفة في نفسها وإنما قويت عنده للأمرين الآخرين. ويدل على ضعفها أن المحفوظ عن كعب وعبد الله بن سلام ووهب بن منبه ومن يأخذ عنهم أن ابتداء الخلق كان يوم الأحد وهو قول أهل الكتاب المذكور في كتبهم وعليه ينواقولهم في السبت، انظر الأسماء والصفات ص ٢٧٢و ٢٧٥ وأوائل تاريخ ابن جريج. وفي الدر المنثور ٩١:٣ «أخرج ابن أبي شيبة عن كعب قال: بدأ الله بخلق السموات
стр. 189
والأرض يوم الأحد والإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة، وجعل كل يوم ألف سنة» وأسنده ابن جريج في أوائل التاريخ ٢٢:١- الحسينية» واقتصر على أوله «بدأ الله بخلق السموات والأرض يوم الأحد والإثنين» فهذا يدفع أن يكون ما في الحديث من قول كعب
وأيوب لا بأس به وصنيع ابن المديني يدل على قوته عنده. وقد أخرج له مسلم في صحيحه كما علمت وإن لم يكن حده أن يحتج به في الصحيح» . فمدار الشك في هذا الحديث على الاستنكار، وقد يجاب عنه بما يأتي:
أما الوجه الأول فيجاب عنه بأن الحديث وإن لم ينص على خلق السماء فقد أشاء بذكره في اليوم الخامس النور وفي السادس الدواب وحياة الدواب محتاجة إلى الحرارة، والنور والحرارة مصدرهما/ الأجرام السماوية. والذي فه أن خلق الأرض نفسها كان في أربعة أيام كما في القرآن، والقرآن إذ ذكر خلق الأرض في أربعة أيام، لم يذكر ما يدل على أن جملة ذلك خلق النور والدواب، وإذ ذكر خلق السماء في يومين لم يذكر ما يدل على أنه في اثناء ذلك لم يحدث في الأرض شيئاً، والمعقول أنها بعد تمام خلقها أخذت في التطور بما أودعه الله تعالى فيها. والله سبحانه لا يشغله شأن عن شأن
ويجاب عن الوجه الثاني بأنه ليس في هذا الحديث أنه خلق في اليوم السابع غير آدم، وليس في القرآن ما يدل على أن خلق آدم كان في الأيام الستة بل هذا معلوم البطلان. وفي آيات خلق آدم أوائل البقرة وبعض الآثار ما يؤخذ منه أنه قد كان في الأرض عمار قبل آدم عاشوا فيها دهراً فهذا يساعد القول بأن خلق آدم متأخر بمدة عن خلق السموات والأرض
فتدبر الآيات والحديث على ضوء هذا البيان يتضح لك إن شاء الله أن
стр. 190
دعوى مخالفة هذا الحديث لظاهر القرآن قد اندفعت ولله الحمد
وأما الوجه الثالث فالآثار القائلة أن ابتداء الحق الخلقي يوم الأحد ما كان منها مرفوعاً فهو أضعف من هذا الحديث بكثير، وأما غير المرفوع فعامته من قول عبد الله بن سلام وكعب ووهب ومن يأخذ عن الاسرائيليات. وتسمية الأيام كانت قبل الإسلام تقليداً لأهل الكتاب، فجاء الإسلام وقد اشتهرت وانتشرت فلم ير ضرورة إلى تغييرها، لأن إقرار الأسماء التي قد عرفت واشتهرت وانتشرت لا يعد اعترافاً لمناسبتها لما أخذت منه أو بنيت عليه، إذ قد أصحبت لا تدل على ذلك وإنما تدل على مسمياتها فحسب، ولأن القضية ليست مما يجب اعتقاده أو يتعلق به نفسه حكم شرعي، فلم تستحق أن يحتاط لها بتغيير ما اشتهر وانتشر من تسمية الأيام
وقد ذكر السهيلي في الروض الأنف ٢٧١:١ هذه القضية وانتصر لقول ابن إسحاق وغيره الموافق لهذا الحديث حتى قال «والعجب من الطبري على تبحره في العلم كيف خالف مقتضى هذا الحديث وأعنق في الرد على ابن إسحاق وغيره ومال إلى قول اليهود إن الأحد هو الأول ... »
وفي بقية كلام لطائف: منها إن تلك التسمية خصت خمسة أيام لم يأت في القرآن منها شيء، وجاء فيه اسماً اليومين الباقيين- الجمعة والسبت- لأنه لا تعلق لها بتلك التسمية المدخولة
ومنها أنه على مقتضى الحديث يكون الجمعة سابعاً وهو وتر مناسب لفضل الجمعة كما ورد «إن الله وتر يحب الوتر» ويضاف إلى هذا يوم الإثنين فإنه على هذا الحديث يكون الثالث وهو المناسب لفضله، وفي الصحيح: «فيه ولدت وفيه أنزل علي» فأما الخميس فإنما ورد فضل صومه وق يوجه ذلك بأنه لما امتنع صوم اليوم الفاضل وهو الجمعة لأنه عيد الأسبوع عوض عنه بصوم اليوم الذي
стр. 191
قبله، وفي ذلك ما يقوي الجمعة بالعيد، وفي الصحيحين في حديث الجمعة «نحن الآخرون السابقون ... » ولمناسب أن يكون اليوم الذي للآخرين هو آخر الآيام
هذا وفي البداية لابن كثير ٧١:١ «وق أورده النسائي في التفسير عن إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني عن محمد بن الصباح بن أبي عبيدة الحداد عن الأخضر بن عجلان عن ابن جريج عن عطاء عن ابن أبي رباح عن أبي هريرة: إن رسول الله ﷺ أخذ بيدي فقال: يا أبا هريرة إن الله خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش يوم السابع، وخلق التربة يوم السبت» وذكر بتمامه بنحوه. فقد اختلف على ابن جريج»
أقول: في صحة هذه الرواية عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح نظر لا أطيل ببيانه، فمن أحب التحقيق فليراجع تهذيب التهذيب ٢١٣:٧ وفتح الباري ٥١١:٨ ومقدمته ص ٣٧٣ وترجمي أخضر وعثمان بن عطاء من الميزان وغيره. والله الموفق
ثم قال أبو رية «ومن العجيب أن أبا هريرة قد صرح في هذا الحديث بسماعه من النبي صلى الله عيه وسلم وأنه ق أخذ بيده حين حدثه به. وإني لأتحدى الذين يزعمون في بلادنا أنهم على شيء من علم الحديث وجميع من هم على شاكلتهم في غير بلادنا أن يحلوا لنا هذا المشكل، وأن يخرجوا بعلمهم الواسع شيخهم من الهوة التي سقط فيها ... »
أقول: لم يقع شيخنا ﵁ في هوة، ولا قال أحد من أهل العلم إنه وقع فيها، أما إذا بقينا على صحة الحديث عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ ، وهو الحق إن شاء الله فواضح، وأما على ما زعمه ابن المديني فلم يصح عن أبي هريرة ولا عمن روى عنه ولا عن الثالث شيء من هذا، لا قوله «أخذ رسول الله بيدي
стр. 192
فقال» ولا قوله «خلق الله التربة ... »
وأما على حدس البخاري فحاصله أن أيوب غلط، وقع له أبي هريرة خبران، أحدهما «أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال» فذكر حديثاً صحيحاً غير هذا. والثاني «قال كعب: خلق الله التربة يوم السبت ... » فالتس المقولان على أيوب فجعل مقول كعب موضع قول رسول الله ﷺ وقد تقدم ص ١١٧ وقول بسر بن سعيد أنه سمع بعض من كان معهم في مجلس أبي هريرة «يجعل ما قاله كعب عن رسول الله، وما قاله رسول الله عن كعب»
أما البيهقي فلم يقل شيئاً من عنده إنما قال «زعم بعضهم أن إسماعيل بن أمية إنما أخذه عن إبراهيم بن أبي يحيى ... » فذكر قول ابن المديني
وأما ابن كثير فإنما قال «فكأن هذا الحديث مما تلقاه أبو هريرة عن كعب عن صحفه فوهم بعض الرواه فجعله مرفوعاً إلى النبي ﷺ وأكد رفعه بقوله: أخذ رسول الله ﷺ بيدي» فابن كثير جعل هذه الجملة من زيادة الراوي الواهم «وهو أيوب في حدس البخاري) وهذا أيضاً لا يمس أبا هريرة، ولكن الصواب ما تقدم
ثم قال أبو رية ص ١٧٦ «وروى البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله قال: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحر ب، وما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إلى مما افترضته عليه، وما زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحببته فكنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ... وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددى عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته» (١)
أقول: هذا الخبر نظر فيه الذهبي في ترجمة خالد بن مخلد من الميزا ن وابن حجر في الفتح ٩٢:١١: لأنه لم يرو عن أبي هريرة إلا بهذا السند الواحد: محمد بن عثمان
стр. 193
ابن كرامة (١) ، حدثنا خالد بن خلد حدثنا سليمان بن بلال، حدثني شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن عطاء عن أبي هريرة» ومثل هذا التفرد يريب في صحة الحديث مع أن خالداً له مناكير وشريكاً فيه مقال. وق جاء الحديث بأسانيد فيها ضعف من حديث علي ومعاذ وحذيفة وعائشة وابن عباس وأنس. فقد يكون وقع خطأ لخالد أو شريك، سمع المتن من بعض الأوجه الأخرى المروية عن علي أو غيره ممن سلف ذكره، وسمع حديثاً آخر بهذا السند ثم التبسا عليه فغلط، روى هذا المتن بسند الحديث الآخر. فإن كان الواقع هكذا فلم يحدث أبو هريرة بهذا، / وإلا فهو جملة من الأحاديث التي تحتاج ككثير من آيات القرآن إلى تفسير، وقد فسره أهل العلم بما تجده في الفتح وفي الأسماء والصفات ص ٣٤٥-٣٤٨ وقد أومأ البخاري إلى حاله فلم يخرجه إلا في باب التواضع من كتاب الرقاق
قال أبو رية «ومن له حاسة شم الحديث يجد في هذا الحديث رائحة إسرائيلية»
أقول: قد علمنا أن كلام الأنبياء كله حق من مشكاة واحدة، وأن الرب الذي أوحى إلى أنبياء بني إسرائيل هو الذي أوحى إلى محمد ﷺ . ولو جاز الحكم بالرائحة لما ساغ أدنى تشكك في حكم البخاري لأنه أعرف الناس برائحة الحديث النبوي، وبالنسبة إليه يكون أبو رية أخشم فاقد الشم أو فاسده.
وعلق في الحاشية أيضاً «يبدو أن أستاذ أبي هريرة في هذا الحديث هو وهب بن منبه، فقد وقع في الحلية في ترجمة هذا ... إني لأجد في كتب الأنبياء أن الله تعالى يقول: ما ترددت عن شيء قط ترددي عن قبض روح المؤمن»
أقول: من سنده من لم أعرفه، وقد ذكروا أن وهباً روى عن أبي هريرة، ولم يذكروا أن أبا هريرة حكى شيئاً عن وهب، ووهب صغير إنما ولد في أواخر خلافة عثمان، وإن صح حديث البخاري عن أبي هريرة فالمعقول إن كان أحدهما أخذ عن
стр. 194
الآخر أن يكون وهب أخذه عن أبي هريرة أو بلغه عنه. ووهب مع صغره مولود في الإسلام من أبوين مسلمين فتوسعه في قراءة كتب الأوائل إ نما يكون في كبره بعد وفاة أبي هريرة بمدة. وهذا تنازل مني إلى عقل أبي رية وأشباهه، فأما الخليفة فمكانة أبي هريرة ﵁ أعلى وأشمخ وأثبت وأرسخ من أن يحتاج للدافع عنه إل مثل ما ذكرت
ثم قال أبو رية ص ١٧٧ «وقد بلغ من دعاء كعب الأحبار واستغلاله لذاجة أبي هريرة وغفلته أن ان يلقنه ما يريد بثه في الدين الإسلامي من خرافات وترهات، حتى إذا رواها أبو هريرة عاد فصدق أبا هريرة ... وإليك مثلاً من ذلك ... روى الإمام أحمد عن أبي هريرة أن رسول الله قال: إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام، اقرأوا ما شئتم (وظل ممدود) . ولم يكد أبو هريرة يروي هذا الحديث حتى أسرع كعب فقال: صدق، والذي أنزل التوراة على موسى الفرقان على محمد ... ومن العجيب أن يروي هذا الخبر الغريب وهب بن منبه..»
أقول: عزا أبو رية هذا إلى تفسير ابن كثير ٥١٣:٤-٥١٤ كذباً، وأبدله في التصويبات ٢٨٩:٤، وهو كذب أيضاً، وإنما ذكر ابن كثير الحديث وما يتعلق به ١٨٧:٨-١٨٩، ذكره من حديث أربعة/ من الصحابة ثلاثة في الصحيحين أبو هريرة وأبو سعيد الخدري وسهل بن سعد، وواحد في صحيح البخاري فقط وهو أنس، قال ابن كثير «فهذا حديث ثابت عن رسول الله ﷺ بل متواتر مقطوع بصحته عند أئمة الحديث» ولم أجد هناك ذكرا لوهب، إنما ذكره ابن كثير أثرا ً عن ابن عباس بمعنى الحديث وفيه زيادة، وقال هذا أثر غريب إسناده جيد قوي حسن» وأين ابن عباس من وهب بن منبه؟ (فاعتبروا يا أولي الأبصار)
стр. 195
ثم قال أبو رية «ضعف ذاكرته: كان أبو هريرة يذكر عن نفسه أنه كان كثير النسيان لا تكاد ذاكرته تمسك شيئاً مما سمعه، ثم زعم أن النبي ﷺ دعا له فأصبح لا ينسي شيئاً يصل إليه إلى أذنه، وقد ذكر ذلك كي يسوغ كثرة أحاديثه ويثبت في أذهان السامعين صحة ما يرويه»
أقول: في باب ما جاء في الغرس في صحيح البخاري من طريق الزهري عن الأعرج عن أبي هريرة « ... وقال النبي ﷺ : لن يبسط أحد منكم ثوبه حتى أفضي مقالتي هذه ثم يجمعه إلى صدره فينس من مقالتي شيئاً أبداً. فسطت نمرة ... ثمم جمعتها إلى صدري، فوالله الذي بعثه بالحق ما نسيت من مقالته تلك إلا يومي هذا» هذه الرواية صريحة في اختصاص عم النسيان بما حدث به النبي ﷺ في ذاك المجلس
وفي باب الحجة على من قال الخ من كتاب الاعتصام من صحيح البخاري أيضاً من طريق الزهري عن الأعرج أيضاً عن أبي هريرة « ... وقال: من يبسط رداءه حتى أفضي مقالتي ثم قبضه فإنه لن ينسى شيئاً سمعه مني. فبسطت بردة كانت علي فوالذي بعثه بالحق ما نسيت شيئاً سمعته منه»
في هذه الرواية إطلاق، ولكن السياق ونص الرواية الأولى يقضي بالتقييد
وفي أوائل البيوع من صحيح البخاري أيضاً من طريق الزهري عن ابن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة «.. وقد قال رسول الله ﷺ في حديث يحدثه: إنه لن يبسط أحد ثوبه حتى أفضي مقالتي هذه ثم يجمع ثوبه إلا وعى ما أقول: فسطت نمرة علي حتى إذا قضى رسول الله مقالته جمعتها إلى صدري، فما نسيت من مقالة رسول الله تلك من شيء»
وهذه الرواية صريحة في الاختصاص أيضاً
وفي باب حفظ العلم من صحيح البخاري أيضاً من طريق ابن أبي ذئب عن المقبري عن أبي هريرة: قلت يا رسول الله إني أسمع منك حديثاً كثيراً أنساه. قال: ابسط
стр. 196
رداءك، قال فبسطته، قال فغرف بيديه/ ثم قال: ضم. فضممت، فما نسيت شيئاً بعد»
هذه الرواية تصف فيما يظهر واقعة أخرى، فكأن أبا هريرة استفاد من الواقعة الأولى حفظ المقالة التي حدث بها النبي ﷺ في ذاك المجلس على وجهها رغب في الزيد فقال للنبي ﷺ «إ ني أسمع منك حديثاً كثيراً أنساه» وهذا القول لا يقتضى كما لا يخفى نسيان كل ما يسمع ولا نسيان المقالة التي تقدم خبرها. على أن المفهوم قد يحمله حرصه على المبالغة في الشكوى. وتقد ص ١٠٠ ذكر شهادة النبي ﷺ لأبي هريرة بأنه أحرص الصحابة على العلم، وقد تقدم ص١٠٥ ما يتعلق بذلك، وليس هذه الرواية ذكر نص عن النبي ﷺ بعدم النسيان لشيء بعد ذلك، وإنما فيها قول أبي هريرة فما نسيت شيئاً بعد» يعني شيئاً من الحديث لأن الشكوى إنما كانت من نسيانه، وهذه الكلمة بناها على اعتقاده حين قالها فلا يمتنع أن نسي بع ذلك شيئاً من الحديث أو أن يتبين أنه قد كان نسى ولم يستحضر ذلك
ثم قال أبو رية ص ١٧٨ «روى مسلم عن الأعرج قال: سمعت أبا هريرة يقول: إنكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله، والله الموعد، كنت رجلاً مسكيناً أخدم رسول الله ﷺ على ملء بطني، وكان المهاجرون يشغلهم الصفق بالأسواق، وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم، فقال رسول الله: من يبسط ثوبه فلن ينسى شيئاً سمعه مني. فبسطت ثوبي حتى قضى حديثه ثم ضممته إلى فما نسيت شيئاً سمعته منه
قال مسلم: إن مالكاً انتهى حديثه عند انقضاء قول أبي هريرة. ولم يذكر في حديثه الرواية عن النبي: من يبسط ثوبه الخ. ولا ريب في أن رواية مالك هي الصحيحة لأن الكلام بعد ذلك مفكك الأوصال، ولا صلة بينه وبين الذي قبله»
стр. 197
أقول: كلمة أبي رية الأخيرة «لا ريب أن رواية مالك هي الصحيحة» تعطي أن الصحيح عن أبي هريرة هو ما اقتصر عليه مالك فقط، ولا يخفى أن هذا يناقض قول أبي رية سابقاً «ثم زعم أن النبي ﷺ دعا له» ويناقض كلامه الآتي «على أن هذه الذاكرة ... » فكلام أبي رية متناقض حتماً، لا مفكك الأوصال فحسب، أما من زعمه أن الخبر بتلك الزيادة مفكك الأوصال لا صلة بينه وبين الذي قبله» فإنما جاء ذلك من اختبار أبي رية بلفظ مسلم، والخبر في موضع من صحيح البخاري مرت الإشارة إليها، وسياقه هناك سليم
/ ثم قال أبو رية «على أن هذه الذاكرة ... قد خانته في مواضع كثيرة، وإن ثوبه الذي بسطه قد تمزق تتناثر ما كان بين أطرافه، وإليكم أمثلة من ذلك. روى الشيخان عن أبي هريرة أن النبي قال: لا عدوى ولا طيرةولا هامة. وقد روى هذا الحديث بألفاظ مختلفة، ولكن الحصابة عملوا بما يخالفه، فقد روى البخاري عن أسامة بن زيد أن رسول الله قال: إذا سمعتم بالطاعون أرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها. وقد جاء الحديث كذلك عن عبد الرحمن بن عوف. ولما سمع عمر هذين الحديثين وحديث لا يوردن ممرض على مصح-وهو مما رواه أبو هريرة- وكان قد خرج إلى الشام ووجد الوباء عاد بمن معه، وق اضطر أبو هريرة إزاء هذه الأخبار القوية إلى أن يعترف بنسيانه، ثم أنكر روايته الأولى، وفي رواية أنس: قال الحارث ابن [أبي] ذباب ابن عمر أبي هريرة، قد كنت أسمعك يا أبا هريرة تحدثنا مع حديث لا يوردن ممرض على مصح الخ حديث لا عدوى، فأنكر معرفته لذلك، ووقع عند الإسماعيلي من رواية شعيب: فقال الحارث ابن عم أبي هريرة: إنك حدثتنا، فأنكر أبو هريرة وغضب، وقال: لم أحدثك ما تقول»
أقول: ها هنا أمور تبين لنا تهور أبي رية ومجازفته:
стр. 198
الأول: حديث «لا عدوى» لم ينفرد به أبو هريرة، بل هو في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر وأنس، وفي صحيح مسلم وغيره من حديث جابر
الثاني: أن عمل الصحابة ليس مخالفاً له، وقد جمع بينهما أهل العلم بما هو معروف، ولبعض العصريين قول سأحكيه لينظر فيه. زعم أن العرب كانوا يعتقدون أن العدوى تحصل بالمجاورة وحدها بدون سبب آخر، حتى لو كان في شعر امرأة وثيابها قمل كثير فقامت إلى جانبها امرأة أخرى ثم بعد أيام قمل شعر الأخرى وثيابها لما سمعوا هذا عدوى، لأنهم يعرفون أنه لم يكن للمجاورة نفسها وإنما دب الفعل من تلك إلى هذه ثم تكاثر، قال وحديثاً «لا يورد ممرض على مصح» و «فر من المجذوم فراراك من الأسد» يفيدان انتقال الحرب والجذام، وقد ثبت أنه لا يكون بالمجاورة نفسها وإنما يكون بانتقال ديدان صغيرة جداً من هذا إلى ذاك فهو من قبيل انتقال القمل وليس من العدوى بالمعنى الذي كانوا يعتقدون
الثالث: أن المنقول أن عمر رجع لخبر عبد الرحمن بن عوف وحده، ولم ينقل أن عمر يخبر أسامة ولا خبر «لا يورد ممرض على مصح» كما زعم أبو رية
الرابع: أن الخبر في الطاعون استفاض في عهد عمر، وبقي أبو هريرة يحدث بحديث «لا عدوى» زمانا بعد ذلك، حتى سمعه منه أبوسلمة وغيره ممن لم يدرك عمر
الخامس: قول أبي رية «وقد اضطر ... » يعطي أن أبا هريرة لم ينس الحديث، فما معنى قوله بعد ذلك «وأن يعترف بنسيانه» مع إيراده القصة شاهداً على النسيان كما زعم؟
السادس: لم يأت أبو رية بدليل ولا شبه دليل على دعواه أن أبا هريرة
стр. 199
اعترف بأنه نسى
السابع: اختلف الرواة عن الزهري في حكاية القصة، وأحسنهم سياقاً يونس ابن يزيد الأيلي، وقد شهد له ابن المبارك بأن كتابه صحيح وأنه كتب حديث الزهري على الوجه، أي كما تلفظ به الزهري، وفي روايته في صحيح مسلم بعد كلام الحارث «فأبى أبو هريرة أن يعرف ذلك وقال: لا يورد ممرض على مصح. فما رواه الحارث في ذلك حتى غضب أبو هريرة: قلت: أبيت. قال ابن سلمة: ولعمري لقد كان أبو هريرة يحدثنا أن رسول الله ﷺ قال: لا عدوى. فلا أدري نسي أبو هريرة أم نسخ أحد القولين الآخر» ؟
ولو صرح أبو هريرة بنفي أن يكون حدثهم من قبل لجزم أبو مسلمة بالنسيان (١) ، لكن لما سكت أبا هريرة عن الحديث وامتنع أن يجيبهم سألوه وغضب وقال: أبيت، فهم بعض الرواة من ذلك إبكاره، فعبر بعضهم عن قول أبي سلمة «فأبى أبو هريرة أن يعرف ذلك» بقوله «أنكر أبو هريرة الحديث الأول» ولا يخفى الفرق، فقوله «أبى أن يعرف» إنما معناه: امتنع أن يقول: نعم قد عرفت. وهذا الامتناع لا يفهم منه الإخبار بنفي المعرفة. ثم جاء بعض م بعدهم فعبر عن الإنكار بنسبته أبو هريرة أنه قال «لم أحدثكم» كما وقع عند الإسماعيلي من طريق شعيب ولا أدري ما سنده؟ وأصل حديث شعبة عند مسلم لكن لم يسق لفظه، وعند الطحاوي في مشكل الآثار ٢٦٢:٢ وليس فيه هذه الكلمة، وكأن أبا هريرة حدث بالحدثين مرة فتشكب بعض الناس في الجمع بينهما فرأى أبو هريرة أن التحديث بهما مظنة أن يقع الناس ارتياب أو
стр. 200
تكذيب فاختار الاقتصار على أحدهما وهو الذي يتعلق به حكم عملي: «لا يورد ممرض على مصح» وسكت على الآخر وود أن لا أكون حدث به قبل ذلك، فلما/ سئل عنه أبي أن يعترف به راجياً أن يكون في ذلك الإباء ما يمنع الذين كانوا سمعوا منه أن يحدثوا به عنه
وذكر أبو رية ص١٧٩ قصة ذي اليدين وقال «في رواية البخاري أنها صلاة العصر، وفي رواية النسائي ما يشهد أن الشك كان من أبي هريرة وهذا لفظه: أن النبي أحدى صلاتي العشي ولكني نسيت»
أقول الحديث عن النسائي من طريق «ابن عون عن محمد بن سيرين قال: قال أبو هريرة. صلى بنا النبي ﷺ إحدى صلاتي العشي. قال قال أبو هريرة: ولكني نسيت ... » وهو في صحيح البخاري في تكاب المساجد، باب تشبيك الأصابع الخ من طريق «ابن عون عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال: صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي. قال ابن سيرين قد سماها أبو هريرة ولكني نسيت أنا ... وكلتا الروايتين من طريق ابن عون عن ابن سيرين. فإن رجعنا رواية الصحيح فذاك وإلا فلا يتم الاستشهاد مع التعارض. على أن النسيان هنا لا أثر له، فإن ذلك الحكم إذ ثبت لأحدى الصلاتين ثبت للأخرى إجماعاً
قال أبو رية «ولما روى أن رسول الله قال: لأن يمتلئ جوف أحدكم قبيحاً ودما خير من أن يمتلئ شعراً، قالت عائشة: لم يحفظ، إنما قال.... من أن يمتلئ شعراً هجيت به»
أقول: قال الله ﵎ (والشعراء يتبهم الغاون، ألم تر أنهم في كل واد يهيمون، وأنهم يقولون مالا يفعلون، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا) الآية
وقال البخاري في صحيحه «باب ما يجوز من الشعر والرجز والحداء الخ»
стр. 201
وذكر أحاديث، ثم قال «باب هجاء المشركين» وذكر أحاديث، ثم قال باب ما يكره أن يكون الغالب على الإنسان حتى يصده عن ذكر الله والعلم والقرآن» وأخرج فيه حديث ابن عمر عن النبي ﷺ «لأن يمتلئ جوف أحدكم قبيحاً خيراً له من أن يمتلئ شعراً» ومن حديث أبي هريرة، «لأن يمتلئ جوف رجلاً قبيحاً يريه خير من أن يمتلئ شعراً» ، وأخرج مسلم في صحيحه حديث أبي هريرة ثم أخرج مثله من حديث سعد بن أبي وقاص، ثم من حديث أبي سعيد الخدري مثله كلمة «يريه» وقد جاء الحديث في غير الصحيحين عن غير هؤلاء من الصحابة. وأما ما ذكره أبو رية عن عائشة فهو من رواية الكلبي وهو كذاب، عن أبي صالح مولى أم هانئ وهو واه. والإناء إذا امتلأ بشيء لم يبق فيه متسع لغيره، فمن أمتلأ جوفه شعراً امتنع أن يكون ممن استثنى في الآية ووصف بقوله «وذكروا الله كثيراً» وهذا بحمد الله واضح. وقد علق أبو رية في الحاشية ما لاحاجة بنا بعد ما مر إلى النظر فيه
/ ثم قال أبو رية ص ١٨٠ «ومن عجيب أمر الذين يثقون بأبي هريرة ثقة عمياء أنهم يمنعون السهو والنسيان عنه، ولا يتحرجون من أن ينسبوهما إلى النبي صلوات الله عليه ... »
أقول: لم يمنع أحد أن يسهو أبو هريرة أو ينسى، ولكننا تصديقا النبي ﷺ إيماناً به وببركة دعائه تقول: إن أبا هريرة لم ينس شيئاً من المقالة التي أخبر النبي ﷺ أنه لن ينسى منها شيئاً وأنه فيما عداها من الحديث كان من أحفظ الناس له ومن الناس من فهم أن خبر النبي ﷺ بعدم النسيان يعم ما سمعه أبو هريرة منه في مجلسه ذلك وبعده وقد مر النظر في ذلك. والخير والفضل والكمال في ذلك كله عائد إلى الله ورسوله، فأما ما عدا الحديث فلم يقل أحد إن أبا هريرة لا يسهو ولا ينسى.
стр. 202
ثم قال ص ١٨١ «.... فلم لم يحفظ القرآن»
أقول: ومن أين لك أنه لم يحفظه؟ غاية الأمر أنه لم يذكر فيمن جمع القرآن في العهد النبوي، والذين ذكروا أفراد قليلون ليسوا من كبار الصحابة. وأبو هريرة من أئمة القراءات وهو فيها أشهر شيخ للأعرج ولأبي جعفر القارئ. وهما أشهر شيوخ نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم أشهر القراء السبعة، وبهذا علم حفظه القرآن وإتقانه. انظر ترجمته في طبقات القراء رقم ١٥٧٤
قال «وكذلك لو كان أبو هريرة قد بلغ هذه الدرجة ... وهي عدم السهو والنسيان لاشتهر......»
أقول: قد علمت أن المتحقق هو أنه لم ينس ما حديث به النبي ﷺ في مجلس خاص قد مر بيانه، وكان فيما عدا ذلك من أحفظهم، وهذ لا يرد عليه شيء مما ذكر أبو رية
قال ص ١٨٢ «ولكن الأمر قد جرى على غير ذلك ... »
أقول: عاد أشياء قد تقدم النظر فيها، ويأتي باقيها
ثم قال «حفظ الوعاءين. أخرج البخاري عن أبي هريرة قال: حفظت عن رسول الله وعاءين، فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم. وهذا الحديث معارض بحديث ... عن علي ﵁ فقد سئل: هل عندكم كتاب؟ فقالك لا إلا كتاب الله ... أو ما في هذه الصحيفة. وكذلك يعارضه ما رواه البخاري عن عبد العزيز ابن رفيع قال: دخلت أنا وشداد بن معقل على ابن عباس، فقال له شداد: أترك النبي ﷺ من شيء؟ فقال: ما ترك إلا مابين الدفتين، ولوكان هناك شيء يؤثر به النبي ﷺ أحد خواصه ... »
/ أقول: المنفي في خبرى علي وابن عباس هو كتاب مكتوب غير القرآن، ولهذا استثنى على صحيفته، ولم يقصد أبو هريرة ولا فهم أحد من كلامه أن عنده
стр. 203
كتابين أو كتاباً واحداً، وإنما قصد وفهم الناس عنه أنه حفظ ضربين من الأحاديث: ضرب يتعلق بالأحكام ونحوها مما لا يخاف هو ولا مثله من روايته. وضرب يتعلق بالفتن وذم بعض الناس، وكل أحد من الصحابة كان عنده من هذا هذا، وكانوا يرغبون عن إظهار ما هو من الضرب الثاني، وقد ذكر أبو رية حذيفة وعليه بالفتن، وكان ربما حدث منه بالحرف بعد الحرف فينكره عليه إخوانه كسلمان وغيره
وقال ص ١٨٤ «ومن هو أبو هريرة؟ فلا هو من السابقين الأولين، ولا المهاجرين»
أقول: قدمت ١٠٣ القول بأنه أسلم في بلده قبل الهجرة، وبهذا يكون من السابقين إلى الإسلام، ولم يثبت ما يخالف ذلك. فأما من قال: أسلم عام خيبر، فإنما أراد هجرته وقد ثبت في خبر هجرته أنه قدم مسلماً، فأما الهجرة فهو مهاجر حتماً وإن لم يكن من قريش ولا من أهل مكة، وإنما أسلمت قبيلته بعد أن هاجر بمدة، فقد ثبت أنه وجد النبي ﷺ بخيبر عقب الوقعة، وثبت من شعر كعب بن مالك قوله قبيل غزوة الطائف، وذلك بعد خيبر بمدة:
قضينا من تهامة كل ريب ... وخيبر ثم أجمعنا السيوفا
نخيرها ولو نطقت لقالت ... قواقطعهن دوسا أو ثقيفا
قال «ولا من المجاهدين بأموالهم ولا بأنفسهم»
أقول: بل منهم، فقد غزا مع النبي ﷺ غزواته بعد خيبر
وعلق أبو رية في الحاشية «أثبت التاريخ أنه فر يوم مؤته، ولما عبروه بذلك لم يجر جواباً»
أقول: لقى المسلمون عدوهم بمؤتة وكان عندهم أكثر من نيف وثلاثين ضعفاً فكان القتال، ثم انحار خالد بن الوليد بالمسلمين ورجع بهم فكن بعض الناس
стр. 204
يصيح فيهم: يا فرار، فيقول النبي ﷺ : بل هم الكرار إن شاء الله تعالى
قال «ولا ... ولا من المفتين»
أقول: بل هو من المفتين بلا نزاع، غير أنه لم يمكن من المكثرين لأنه كان يتوقى ويحب أن يكفيه الفتوى غيره كما تقدم ص ١٢٣. وفي فتوح البلدان ص ٩٢-٩٣ (١) : إن عمر لما ولى قدامة بن مظعون إمارة البحرين بعث معه أبو هريرة على القضاء والصلاة، ثم ولاه الإمارة أيضاً، فترك عمر تولية قدامة القضاء والصلاة مع أنه من السابقين وأهل بدر، وتوليته ذلك أبا هريرة شهادة فا طمة بأن أبا هريرة من علماء الصخابة، وأنه أعلم من بعض السابقين البدريين
قال ص ١٥ «ولا من القراء الذين حفظوا القرآن»
/ أقول: قد تقدم رد هذا آنفاً ص ١٤٦
قال «ولا جاء في فضله حديث عن الرسول» وعلق عليه «روى البخاري وغيره ... في فضل طائف كبيرة من أجلاء الصحابة لم نر فيهم أبا هريرة»
أقول: نعمم، لم يعقد البخاري لذكر أبي هريرة باباً في فضل الصحابة، لكن عنده في كتاب العلم أبواب تخص أبا هريرة كباب حفظ العلم وباب الحرص على العلم وغيره ذلك، وله باب في صحيح مسلم في كتاب فضائل الصحابة، وكذا في السنن والمستدرك وغيرها. وقد مضى أثناء الترجمة أشياء من فضائله ويأتي غيرها.
وقال ص ١٨٥ «تشيع أبي رية لبني أمية»
أقول: أسرف أبو رية في هذا الفصل سباً وتحقيراً وتهما فارغة، وبحسبى أن أقول: قد ورد أن النبي ﷺ لما بعث العلاء بن الحضرمي على البحرين أصحبه أبا هريرة وأوصاه به خيراً (٢) . ومن ثم أخذت حال أبي هريرة المالية تتحسن، ولم
стр. 205
يتحقق لي متى رجع، وبعد وفاة العلاء بن الحضرمي استعمل عمر مكانه أبا هريرة (١) ، وقدم أبو هريرة مرة على عمر بخمسمائة ألف لبيت المال فأخبره فاستكثر ذلك ولم يصدق، وقدم مرة - لا أدري هذه أم بعدها- بمال كثير لبيت المال وقدم لنفسه بعشرة آلاف (٢) ، وثبت عن ابن سيرين أن عمر سأل أبا هريرة فأخبره فأغلط له عمر وقال: فمن أين لك؟ فقال: خيل نتجت وغلة رقيق لي وأعطيه تتابعت علي (٣) قال ابن سيرين «فنظروا فوجوده كما قال. فلما كان بعد ذلك دعا عمر ليستعمله فأبى أن يعمل له، فقال له: تكره العمل وقد طلبه من كان خيراً منك؟ طلبه يوسف ﵇. فقال: إن يوسف نبي ابن نبي ابن نبي ابن نبي وأنا أبو هريرة ... » انظر البداية ١١٣:٨ وابن سيرين من خيار أئمة التابعين، والسند إليه بغاية الصحة. قال ابن كثير «وذكر غيره أن عمر غرمه» وسيأتي ذلك. فمن كان له في عهد عمر خيل نتائج ورقيق يغل مع عطائه في بيت المال كغيره من الصحابة، ومع ما كان الأئمة يتعهدون به الصحابة من الأموال زيادة عل المقرر كل سنة بحسب توفي المال في بيت المال، أقول: من كانت هذه حالة كيف يسوغ أن يقال له إنه إنام تمول في عهد بني أمية؟ ويزعم أبو رية- من حي شيطانه- أن بني أمية أقطعوا أبا هريرة وبنوا مسكنه بالعقيق وبذي الحليفة ويجعله أبو رية قصوراً وأراضي، وأعجب من ذلك زعمه أنهم زوجوا ابنه غزوان، ويعني على أبي هريرة
أنه / كان ممن نصر عثمان (وتلك شكاة ظاهر عنك عارها» ويزعم أنه مال إل معاوية، وهذه من وحي الشياطين وتفولات الرافضة والقصاصين، ولا نثبت لأبي هريرة صلة بمعاوية إلا أنه وفد إليه استقرار الأمر كله كما كان يفد إليه بنو هاشم وغيرهم، وينعى على
стр. 206
استخلاف مروان له على إمرة المدينة، وتقدم ص١٠٨ أن ذلك الاستخلاف لم يزد أبا هريرة إلا تواضعاً وانكساراً وتهاوناً بالإمارة، فإن كان لذلك أثر فهو إحياؤه كثيراً من السنة، كما تقدم. وأحاديث أبي هريرة في فضائل أهل البيت معروفة وكذلك محبته لهم وتوقيرهم وشدة إنكاره على بني أمية لما منعوا أن يفن الحسن ابن علي مع جده صلى الله علهي وسلم وقوله لمروان في ذلك «والله ما أنت بوال، وإن الوالي لغيرك، فدعه، ولكنك تدخل فيما لا يعنيك، وإنما تريد بهذا إرضاء من هو غالب عنك» يعني معاوية. راجع البداية ١٠٨:٨ ومن المتواتر عنه تعوذه بالله من عام الستين وإمارة الصبيان، كان يعلن هذا ومعاويةحي، وذلك يعني موت معاوية وتأمر ابنه يزيد وقد كان ذلك عام الستين بعد موت أبي هريرة بمدة
قال أبو رية ص١٨٨ «روى البيهقي عنه أنه لما دخل دار عثمان وهو محصور استأذن في الكلام، ولما أذن له قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنكم ستلقون بعدي فتنة واختلافاً، فقال له قائل من الناس: فمن لنا يا رسول الله ... أو ما تأمرنا؟ فقال: عليكم بالأمين وأصحابه، وهو يشير إل عثمان وقد أورده أحمد بسند جيد
أقول: الحديث في المستدرك ٩٩:٣وفيه «عليكم بالأمير» وهو الظاهر وفي سنده مقال لكنه ليس بمنكر. وقول أبي هريرة: «وهو يشير إلى عثمان» يريد أنه يفهم أن النبي ﷺ أشار بقوله «الأمير» إل عثمان ولو أراد أبو هريرة - وقد أعاذه الله - أن يكذب لجاء بلفظ صريح مؤكد مشدد
قال «ولما نسخ عثمان المصاحف دخل عليه أبو هريرة فقال: أصبت ووقعت، أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول..... قال فأعجب ذلك عثمان وأمر لأبي هريرة بعشرة آلاف. وهذا الحديث من غرائبه وهو يطق ولا ريب بأنه ابن ساعته»
стр. 207
أقول: عزاه أبو رية إلى البداية ٢٦:٧ وهو هناك من رواية الواقدي وهو متروك مرمي بالكذب عن [أبي بكر بن عبد الله بن محمد] بن أبي سبرة وهو كذاب يضع الحديث
/ قال «ومن غرائبه كذلك ما رواه البيهقي قال: أصبت بثلاث مصبيات....» ذكر قصة المزود مطولة، وأسرف أبو رية في التندر والاستهزاء وعزا الخبر إلى البداية ١١٧:٦ وهو مروي من طرق في أسانيدها ضعف، واللفظ الذي ساقه أبو رية من رواية يزيد بن أبي منصور الأزدي عن أبيه عن أبي هريرة، وأبو منصور الأزد مجهول ولا يدري أدرك أبا هريرة أم لا؟ وفيه أن المزود ذهب حين قتل عثمان
قال أبو رية «وهذا الحديث رواه عنه أحمد ولكن قال فيه ... وعلقه في سقف البيت ... »
أقول: أما هذه الرواية فرجالها ثقات، ولفظه «أعطاني رسول الله ﷺ شيئاً من نمر فجعلته في مكتل فعلقناه في سقف البيت، فلم نزل نأكل منه حتى كان آخره أصابه أهل الشام حيث أغاروا إلى المدينة» يعني من بسر بن أرطأة، وذلك الإعطاء كان في أواخر حياة النبي ﷺ
وقد جاءت أحاديث كثيرة بمثل هذا من بركة ما يدعو فيه النبي ﷺ ، وهذا المعنى متواتر قطعاً، حتى كان عند الصحابة كأنه من قيل الأمور المعتادة من كثرة ما شهدوه ومن يؤمن بقدرة الله وإجابته دعاء نبيه وخرق العادة لا يستنكر ذلك، نعم يتوقف عما يرويه الضعفاء والمجهولون لأن من شأن القصاص وأضرابهم أن يطولوا القضايا التي من هذا القبيل ويزيدوا فيها ويغيروا في أسانيدها، والله المستعان
стр. 208
قال أبو رية ص١٨٩ «ومما [زعم المفتري أن أبا هريرة] وضعه في معاوية ما أخرجه الخطيب عنه: ناول النبي ﷺ معاوية سهماً فقال خذ هذا السهم حتى تلقاني في الجنة»
أقول: في سنده وضاح بن حسان عن وزير بن عبد الله - ويقال ابن عبد الرحمن - الجزري عن غلاب بن عبيد الله العقيلي، وهؤلاء الثلاثة كلهم هلكى متهمون بالكذب، ورابعهم أبو رية القائل إن أبا هريرة كيت وكيت. والخبر أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات، وقد تفتن فيه الكذابون فرووه من حديث حابر، ومن حديث أنس، ومن حديث ابن عمر، وغير ذلك. راجع اللآلي المصنوعة ٢١٩:١
قال: «وأخرج ابن عساكر وابن عدي والخطيب البغدادي عنه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله ائتمن على وحيه ثلاثاً أنا وجبريل ومعاوية.....»
أقول وهذا أيضاً من أحاديث الموضوعات، راجع اللآلي المصنوعة ٢١٦:١-٢١٨ وقد تلاعب به الكذابون فرووه تارة عن وائلة وتارة عن انس وتارة عن أبي هريرة، ورووا نحوه في أمانة معاوية من حديث علي وابن عباس وعبادة بن الصامت وجابر وابن عمر وعبد الله بن بسر. فإن لزم من نسبة الخبرين إلى أبي هريرة ثبوتهما عنه لزم ثبوتهما عمن ذكر معه من الصحابة، بل يلزم في جميع الأحاديث الضعيفة والموضوعة ثبوتها عمن نسبت إليهم من الصحابة. ومعنى هذا أن كل فرد من أفراد الرواة معصوم عن الكذب والغلط إلا الصحابة، ولا ريب أن في الرواة المغفل والكذاب والزنديق، ولعل أبا رية أن يكون خيراً من بعضهم فيكون معصوماً فلماذا لا يستغنى بهذه العصمة ويطلق أحكامه كيف يشاء ويريح نفسه وغيره من طول البحث والتفتيش في الكتب؟
стр. 209
قال «ونظر أبو هريرة إلى عائشة بنت طلحة ... فقال ... والله ما رأيت وجهاً أحسن منك إلا وجه معاوية على منبر رسول الله»
أقول: عزاه إلى العقد الفريد، والحكاية فيه بلا سند، وحاول صاحب الأغاني إسنادها على عادته فلم يجاوز بها المدائني وأبي هريرة نحو قرن ونصف، وهؤلاء سمريون إذا ظفروا بالنكتة لم يهمهم أصدقاً كانت أم كذباً، والعلم وراء ذلك
قال «ولقد بلغ من مناصرته لبني أمية أنه كان يحث الناس على ما يطالب به عمالهم من صدقات، ويحذرهم أن يسبوهم. قال العجاج قال لي أبو هريرة: ممن أنت؟ قلت من أهل العراق. قال يوشك أن يأتيك بقعان الشام فيأخذوا صدقتك، فإذا أتوك فتلقهم بها، فإذا دخلوها فكن في أقاصيها وخل عنهم وعنها، وإياك إن تسبهم فإنك إن سبيتهم ذهب أجرك وأخذوا صدقتك، وإن صبرت جاءت في ميزانك يوم القيامة»
أقول: عزاه إلى الشعر والشعراء لابن قتيبة، والحكاية فيه بلا سند، فإن صحت فإنما هي نصيحة لا تدل عل النصح لكل مسلم، والإسلام يقضي بوجوب أداء الصدقة إلى عمال السلطان إذا طلبها وبحرمة سبهم إذا أخذوها ولو منع العجاج للصدقة الأمين وأخذت منه قهراً، ولو سب قابضيها لأثم وضر نفسه ولم يضرهم شيئاً، ويكاد أبو رية ينقم على أبي هريرة قوله لا إله إلا الله وببنى على / ذلك تهمة قال الله اللجاج
وقال ص١٩٠ «وضعه [بزعم المفتري] أحاديث على علي. قال أبو جعفر الاسكافي: إن معاوية حمل قوماً من الصحابة والتابعين على رواية أخبار قبيحة على علي تقتضى الطعن فيه والبراءة منه وجعل لهم في ذلك جعلا، فاختلفوا ما أرضاه، منهم أبو هريرة وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة ومن التابعين
стр. 210
عروة بن الزبير
أقول: قد تقدم النظر في ابن الحديد والاسكافي ص ١٠٩، وهذه التهمة باطلة قطعاً، فأبو هريرة والمغيرة وعمرو ومعاوية صحابيون وكلهم عند أهل السنة عدول، ثم كانت الدولة لبني أمية فلو كان هؤلاء يستحلون الكذب على النبي ﷺ في عيب على لامتلأ الصحيحان فضلاً عن غيرهما بعيبه وذمة وشتمه، فما بالتا لا نجد على هؤلاء حديثاً صحيحاً ظاهراً في عيب ولا ولا في فضل معاوية؟ راجع ص٦٤. وعروة من كبار التابعين الثقات عند أهل السنة لا نجد عنه خبراً صحيحاً في عيب علي، فأما الأكاذيب الموضوعات فلا دخل لها في الحساب، على أنك تجدها تنسب إلى هؤلاء وغيرهم في إطراء أكثر جداً منهما في الغض منه
قال «وروى الأعمش قال: لما قدم أبو هريرة العراق مع معاوية عام الجماعة جاء إلى مسجد الكوفة، فلما رأى كثرة من استقبله من الناس جثا على ركبتيه ثم ضرب صلمته مراراً وقال: يا أهل العراق: أتزعمون أني أكذب على الله وعلى رسوله وأحرق نفسي بالنار؟ والله لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن لكل نبي حرماً وإن حرمي المدينة ما بين عير إلى ثور، فمن أحدث فيها حدثاً فعلية لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. وأشهد بالله أن عليا ًأحدث فيها» فلما بلغ معاوية قوله أجازوه وأكرمه وولاه إمارة المدينة»
أقول: هذا من حكاية ابن أبي الحديد ٣٥٩ عن الاسكافي، وراجع ص١٠٩ ولا ندري سنده إلى الأعمش، وقد تواتر عن الأعمش رواية الحديث بنحو ما هنا «عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: خطبنا علي ... » فذكر ما في صحيفته وذكر الحديث فهو ثابت من رواية علي نفسه، ولا نعرف أن أبا هريرة قدم مع معاوية، ولا أن معاوية ولاه بالمدينة لا في ذلك الوقت ولا بعده، إنما
стр. 211
استخلفه مروان على إمرته بعد ذلك بزمان.
قال ص١٩١ «وعلى أن الحق لا يعدم أنصاراً ... فقد روى سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن القاسم بن عمر بن عبد الغفار أن أبا هريرة لم قدم الكوفة مع معاوية ... فجاء شاب من أهل الكوفة / ... فقال: يا أبا هريرة أنشدك بالله أسمعت رسول الله يقول لعلي بن أبي طالب: اللهم وال من والاه وعاد من عاداه؟ فقال: اللهم نعم. فقال: أشهد بالله لقد واليت عدوه وعاديت وليه. ثم قام عنه»
أقول: وهذا أيضاً عن ابن الحديد عن الاسكافي، ولا ندري ما سنده إلى الثوري؟ وعبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر من شيوخ الثوري، فمن عمر بن عبد الغفار؟ إنما المعروف عمرو بن عبد الغفار الفقيمي، صغير لم يدرك عبد الرحمن فكيف يروي عنه عبد الرحمن؟ مع أن عمر هالك متهم بالوضع في فضائل لأهل البيت ومثالب لغيرهم. وبينه وبين الواقعة رجلان أو ثلاث فمن هم؟ يظهر أن هذا تركيب من بعض الجهالة بالرواة وتاريخهم، ولهذا ترى الاسكافي وأضرابه يغطون على جهة من يأخذون عنه مفترياتهم بترك الإسناد، ويكتفون بالتناوش من مكان بعيد، ثم لو صح الخبر لكان فيه براءة لأبي هريرة (وهو برئ على كل حال) فإنه لم يستحز كتمان الحديث في فضل علي ﵁ فكيف يتوهم عليه ما هو أشد؟
أما الموالاة فأي موالاة كانت منه؟ سلم الحسن بن علي الأمر لمعاوية وبايعه هو وإخوته وبنو عمه وسائر بني هاشم والمسلمون كلهم وأبو هريرة.
ثم ذكر أبو رية شيئاً من فضائل علي ﵁: ولا نزاع في ذلك، وقد جاء عن أبي هريرة أحاديث كثيرة في فضائل أهل البيت تراها في خصائص علي والمستدرك وغيرهما، ولم يكن له إلا قصته عند وفاة الحسن بن علي، كان الحسن
стр. 212
قد استأذن عائشة أن يدفن مع جده النبي ﷺ فأذنت، فلما مات قام مروان ومن معه من بني أمية في منع ذلك فثار أبو هريرة وجعل يقول: أتنفسون على ابن نبيكم بتربة تدفنونه فيها، وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول من أحبهما فقد أحبني ومن أبغضهما فقد بغضني (انظر المستدرك ٧١:٣) وجرى له يومئذ مع مروان ما جرى ما تقدم بعضه ص ١٤٩ وباقيه في البداية ١٠٨:٨
ثم قال أبو رية ص١٩٢ «سيرته وولايته: استعمل عمر أبا هريرة على البحرين سنة ٢١ ثم بلغه عن أشياء تخل بأمانة الوالي العادل فعزله ... واستدعاه وقال له: ... »
أقول: قول أبي رية «بلغه عنه الخ» من تظنى أبو رية، وستعلم بطلانه. وأما ما ذكره بعد ذلك فلم يعزه إلى كتاب. وسأذكر ما أثتبه المتحرون من أهل العلم، وأقدم قبل ذلك مقدمة:
/ كان عمر ﵁ يحب للصحابة ما يحب لنفسه، فكان يكره لأحدهم أن يدخل عليه مال فيه رائحة شبهة، وله في ذلك أخبار معروفة في سيرته، كان معاذ بن جبل من خيار أصحاب النبي ﷺ ، جاء عن النبي ﷺ أنه قال «يأتي معاذ يوم القيامة أمام العلماء برتوة» وقال أيضاً «وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل» وكان معاذ سمحاً كريماً، فركبته ديون، فقسم النبي ﷺ ماله بين غرمائه، ثم بعثه على اليمن ليجيره، فعاذ بعد وفاة النبي ﷺ ومعه مال لنفسه، فلقيه عمر فأشار عليه أن يدفع المال إلى أبي بكر ليجعله في بيت المال، فأبى وقال: إنما بعثني رسول الله ﷺ ليجيرني. ثم رأى رؤيا فسمحت نفسه لذهب إلى أبي بكر وبذل له المال، فقال أبو بكر: قد وهبته لك. فقال عمر: الآن حل وطاب. يعني أن الشبهه التي كانت فيه هي احتمال أن يكون فيه حق لبيت المال فلما طيبه له أبو بكر - وهو الإمام- صار كأنه أعطاه من بيت المال، لاعتقاده
стр. 213
أنه مستحق، فبذلك حل وطاب (انظر ترجمة معاذ من الاستيعاب والمستدرك ٢٧٢:٣) فلما استخلف عمر جرى على احتياطه فكان يقاسم عماله أموالهم، فيجعل ما يأخذه في بيت المال، قال ابن سيرين «فكان يأخذ منهم ثم يعطيهم أفضل من ذلك» كما سيأتي، وكان عمر يخوف عليهم أن يكون الناس راعوهم في تجارتهم ومكاسبهم لأجل الإمارة، فكان يأخذ منهم ما يأخذ ويعضه في بيت المال لتبرأ ذممهم، ثم يعطيهم بعد ذلك من بيت المال بحسب ما ييرى من استحقاقهم، فيكون حلاً لهم بلا شبهة، وقد قاسم من خيارهم سعد بن أبي وقاص وغيره كما ذكره ابن سعد وغيره.
وكان عمر ﵁ للصحابة بمنزلة الوالد، يعطف ويشفق ويؤدب ويشدد وكان الصحابة ﵃ قد عرفوا له ذلك، وقد تناول بدرّته بعض أكابرهم كسعد بن أبي وقاص وأبي بن كعب ولم يزده ذلك عندهم إلا حباً (انظر سنن الدارمي: باب من كره الشهرة والمعرفة. وطبقات ابن سعد: ترجمة عمر) فأهل العلم والإيمان ينظرون إلى ما جرى من ذلك نظرة غبطة وإكبار لعمر ولمن أدبه عمر. وأهل الأهواء ينظرون نظرة طعن على أحد الفريقين كما صنعه أبو رية هنا. وكما يصنعه الرافضة في الطعن على عمر، أو على الفريقين مما كما ذكره أبو رية ص ٥٢ في ذكر عمر «قل أن يكون في الصحابة من سلم من لسانه أو يده»
أما أبو هريرة فقد كان النبي ﷺ بعثه مع العلاء بن الحضرمي إلى البحرين وأوصاه به خيرا / فاختار أن يكون مؤذنا كما في الإصابة والبداية وغيرهما. ثم رجع العلاء في حياة النبي ﷺ كما في فتوح البلدان ص ٩٢ ورجع معه أبو هريرة (١) ثم بعث عمر سنة ٢٠ أو نحوها قدامة بن مظعون على إمارة البحرين وبعث معه أبا هريرة على الصلاة والقضاء ثم جرت لقدامة قضية معروفة فعزله عمر
стр. 214
وولى أبا هريرة الإمارة أيضاً، ثم قدم أبو هريرة بمال لبيت المال ومال له، قال ابن كثير في البداية ١١٣:٨ «قال عبد الزاق حدثنا معمر عن أيوب عن ابن سيرين أن عمر استعمل أبا هريرة على البحرين فقدم بعشرة آلاف، فقال له عمر: استأثرت بهذه الأموال (١) أي عدو الله وعدو كتابه؟ فقال أبو هريرة: لست بعدو الله ولا عدو كتابه، ولكن عدو من عاداهما. فقال: فمن أين هي لك؟ قال: خيل نتجت وغلة رقيق لي وأعطية تتابعت علي، فنظروا، فوجدوه كما قال. فلما كان بعد ذلك دعاه ليستعمله فأبى أن يعمل له، فقال له: تكره العمل وقد طلبه من كان خيراً منك. طلبه يوسف ﵇. فقال: إن يوسف نبي ابن نبي ابن نبي ابن نبي وأنا أبو هريرة ابن أميمة، وأخشى ثلاثاً واثنين. قال عمر: فهلا قلت خمسة (؟) قال أخشى أن أقول بغير علم وأقضي بغير حلم، أو يضرب ظهري وينتزع مالي ويشتم عرضي؟
والسند بغاية الصحة. وفي فتوح البلدان ص ٩٣ من طريق يزيد بن إبراهيم التستري عن ابن سيرين عن أبي هريرة لما قدم من البحرين ... فذكر أول القصة نحوه. وفيه «فقبضها منه» والسند صحيح أيضاً. وأخرجه أيضاً من طريق أبي هلال الراسبي عن ابن سيرين عن أبي هريرة، فذكر نحوه إلا أنه وقع فيه «اثنا عشر ألفاً» والصواب الأول لأن أبا هلال في حفظه شيء، وفيه «فلما صليت الغداة قلت: اللهم اغفر لعمر قال: فكان يأخذ منهم ويعطيهم أفضل من ذلك» وفي تاريخ الإسلام للذهبي ٣٣٨:٢ «همام بن يحيى حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أن عمر قال لأبي هريرة: كيف جدت الإمارة؟ قال: بعثني وأنا كاره، ونزعتني وقد أحببتها» وأتاه بأربعمائة ألف من البحرين فقال: أظلمت أحداً؟ قال: لا. قال: فما جئت به لنفسك؟ قال: عشرين ألفاً. قال من أين أصبتها؟
стр. 215
قال: كنت أتجر. قال: انظر رأس مالك ورزقك فخذه واجعل الآخر في بيت المال»
فكأنه قدم لنفسه بعشرين ألفاً فقاسمه عمر مكا كان يقاسم سائر عماله، فذكر ابن سيرين عشرة آلالاف المأخوذة لبيت المال
/ فقد تحقق بما قدمنا من الروايات الصحيحة أن المال الذي جاء به أبو هريرة لنفسه من البحرين كان من خيله ورقيقه وأعطيته، وأخذ عمر له أو لبعضه لا يدل على ما قدمنا من الاحتياط، ثم يعطيهم خيراً منه. وبما يوضح براءة أبي هريرة في الواقع وعند عمر إظهاره المال وعزم عمر على توليته فيما بعد وامتناع أبي هريرة من ذلك
ثم قال أبو رية ص ١٩٣ «وفاته. مات أبو هريرة سنة ٥٧ أو سنة ٥٨»
أقول: أو سنة ٥٩ كما في التهذيب وغيره، وهو قول الواقدي وابن سعد
قال «عن ثمانين سنة»
أقول: المعروف «عن ثماني وسبعين سنة»
قال «وصلى عليه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وكان يومئذ أميراً على المدينة تكريماً له»
أقول: هذا رواه الواقدي بسند فيه نظر، ولكنها السنة التي كانوا يعملون بها أن يكون الأمير هو الذي يصلي على الموتى بدون تفريق
قال «ولما كتب الوليد إلى عمه ... أرسل ... ادفع إلى ورثته عشرة آلاف درهم ... ، وهكذا يترادف رقدهم له حتى بعد وفاته»
أقول: هذا رواه الواقدي بسند فيه نظر، وفيه «فاته كان ممن نصر عثمان وكان معه في الدار» وإنما حذف أبو رية هذا اليوم وغيره