استخلفه مروان على إمرته بعد ذلك بزمان.
قال ص١٩١ «وعلى أن الحق لا يعدم أنصاراً ... فقد روى سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن القاسم بن عمر بن عبد الغفار أن أبا هريرة لم قدم الكوفة مع معاوية ... فجاء شاب من أهل الكوفة / ... فقال: يا أبا هريرة أنشدك بالله أسمعت رسول الله يقول لعلي بن أبي طالب: اللهم وال من والاه وعاد من عاداه؟ فقال: اللهم نعم. فقال: أشهد بالله لقد واليت عدوه وعاديت وليه. ثم قام عنه»
أقول: وهذا أيضاً عن ابن الحديد عن الاسكافي، ولا ندري ما سنده إلى الثوري؟ وعبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر من شيوخ الثوري، فمن عمر بن عبد الغفار؟ إنما المعروف عمرو بن عبد الغفار الفقيمي، صغير لم يدرك عبد الرحمن فكيف يروي عنه عبد الرحمن؟ مع أن عمر هالك متهم بالوضع في فضائل لأهل البيت ومثالب لغيرهم. وبينه وبين الواقعة رجلان أو ثلاث فمن هم؟ يظهر أن هذا تركيب من بعض الجهالة بالرواة وتاريخهم، ولهذا ترى الاسكافي وأضرابه يغطون على جهة من يأخذون عنه مفترياتهم بترك الإسناد، ويكتفون بالتناوش من مكان بعيد، ثم لو صح الخبر لكان فيه براءة لأبي هريرة (وهو برئ على كل حال) فإنه لم يستحز كتمان الحديث في فضل علي ﵁ فكيف يتوهم عليه ما هو أشد؟
أما الموالاة فأي موالاة كانت منه؟ سلم الحسن بن علي الأمر لمعاوية وبايعه هو وإخوته وبنو عمه وسائر بني هاشم والمسلمون كلهم وأبو هريرة.
ثم ذكر أبو رية شيئاً من فضائل علي ﵁: ولا نزاع في ذلك، وقد جاء عن أبي هريرة أحاديث كثيرة في فضائل أهل البيت تراها في خصائص علي والمستدرك وغيرهما، ولم يكن له إلا قصته عند وفاة الحسن بن علي، كان الحسن
стр. 212
قد استأذن عائشة أن يدفن مع جده النبي ﷺ فأذنت، فلما مات قام مروان ومن معه من بني أمية في منع ذلك فثار أبو هريرة وجعل يقول: أتنفسون على ابن نبيكم بتربة تدفنونه فيها، وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول من أحبهما فقد أحبني ومن أبغضهما فقد بغضني (انظر المستدرك ٧١:٣) وجرى له يومئذ مع مروان ما جرى ما تقدم بعضه ص ١٤٩ وباقيه في البداية ١٠٨:٨
ثم قال أبو رية ص١٩٢ «سيرته وولايته: استعمل عمر أبا هريرة على البحرين سنة ٢١ ثم بلغه عن أشياء تخل بأمانة الوالي العادل فعزله ... واستدعاه وقال له: ... »
أقول: قول أبي رية «بلغه عنه الخ» من تظنى أبو رية، وستعلم بطلانه. وأما ما ذكره بعد ذلك فلم يعزه إلى كتاب. وسأذكر ما أثتبه المتحرون من أهل العلم، وأقدم قبل ذلك مقدمة:
/ كان عمر ﵁ يحب للصحابة ما يحب لنفسه، فكان يكره لأحدهم أن يدخل عليه مال فيه رائحة شبهة، وله في ذلك أخبار معروفة في سيرته، كان معاذ بن جبل من خيار أصحاب النبي ﷺ ، جاء عن النبي ﷺ أنه قال «يأتي معاذ يوم القيامة أمام العلماء برتوة» وقال أيضاً «وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل» وكان معاذ سمحاً كريماً، فركبته ديون، فقسم النبي ﷺ ماله بين غرمائه، ثم بعثه على اليمن ليجيره، فعاذ بعد وفاة النبي ﷺ ومعه مال لنفسه، فلقيه عمر فأشار عليه أن يدفع المال إلى أبي بكر ليجعله في بيت المال، فأبى وقال: إنما بعثني رسول الله ﷺ ليجيرني. ثم رأى رؤيا فسمحت نفسه لذهب إلى أبي بكر وبذل له المال، فقال أبو بكر: قد وهبته لك. فقال عمر: الآن حل وطاب. يعني أن الشبهه التي كانت فيه هي احتمال أن يكون فيه حق لبيت المال فلما طيبه له أبو بكر - وهو الإمام- صار كأنه أعطاه من بيت المال، لاعتقاده
стр. 213
أنه مستحق، فبذلك حل وطاب (انظر ترجمة معاذ من الاستيعاب والمستدرك ٢٧٢:٣) فلما استخلف عمر جرى على احتياطه فكان يقاسم عماله أموالهم، فيجعل ما يأخذه في بيت المال، قال ابن سيرين «فكان يأخذ منهم ثم يعطيهم أفضل من ذلك» كما سيأتي، وكان عمر يخوف عليهم أن يكون الناس راعوهم في تجارتهم ومكاسبهم لأجل الإمارة، فكان يأخذ منهم ما يأخذ ويعضه في بيت المال لتبرأ ذممهم، ثم يعطيهم بعد ذلك من بيت المال بحسب ما ييرى من استحقاقهم، فيكون حلاً لهم بلا شبهة، وقد قاسم من خيارهم سعد بن أبي وقاص وغيره كما ذكره ابن سعد وغيره.
وكان عمر ﵁ للصحابة بمنزلة الوالد، يعطف ويشفق ويؤدب ويشدد وكان الصحابة ﵃ قد عرفوا له ذلك، وقد تناول بدرّته بعض أكابرهم كسعد بن أبي وقاص وأبي بن كعب ولم يزده ذلك عندهم إلا حباً (انظر سنن الدارمي: باب من كره الشهرة والمعرفة. وطبقات ابن سعد: ترجمة عمر) فأهل العلم والإيمان ينظرون إلى ما جرى من ذلك نظرة غبطة وإكبار لعمر ولمن أدبه عمر. وأهل الأهواء ينظرون نظرة طعن على أحد الفريقين كما صنعه أبو رية هنا. وكما يصنعه الرافضة في الطعن على عمر، أو على الفريقين مما كما ذكره أبو رية ص ٥٢ في ذكر عمر «قل أن يكون في الصحابة من سلم من لسانه أو يده»
أما أبو هريرة فقد كان النبي ﷺ بعثه مع العلاء بن الحضرمي إلى البحرين وأوصاه به خيرا / فاختار أن يكون مؤذنا كما في الإصابة والبداية وغيرهما. ثم رجع العلاء في حياة النبي ﷺ كما في فتوح البلدان ص ٩٢ ورجع معه أبو هريرة (١) ثم بعث عمر سنة ٢٠ أو نحوها قدامة بن مظعون على إمارة البحرين وبعث معه أبا هريرة على الصلاة والقضاء ثم جرت لقدامة قضية معروفة فعزله عمر
стр. 214
وولى أبا هريرة الإمارة أيضاً، ثم قدم أبو هريرة بمال لبيت المال ومال له، قال ابن كثير في البداية ١١٣:٨ «قال عبد الزاق حدثنا معمر عن أيوب عن ابن سيرين أن عمر استعمل أبا هريرة على البحرين فقدم بعشرة آلاف، فقال له عمر: استأثرت بهذه الأموال (١) أي عدو الله وعدو كتابه؟ فقال أبو هريرة: لست بعدو الله ولا عدو كتابه، ولكن عدو من عاداهما. فقال: فمن أين هي لك؟ قال: خيل نتجت وغلة رقيق لي وأعطية تتابعت علي، فنظروا، فوجدوه كما قال. فلما كان بعد ذلك دعاه ليستعمله فأبى أن يعمل له، فقال له: تكره العمل وقد طلبه من كان خيراً منك. طلبه يوسف ﵇. فقال: إن يوسف نبي ابن نبي ابن نبي ابن نبي وأنا أبو هريرة ابن أميمة، وأخشى ثلاثاً واثنين. قال عمر: فهلا قلت خمسة (؟) قال أخشى أن أقول بغير علم وأقضي بغير حلم، أو يضرب ظهري وينتزع مالي ويشتم عرضي؟
والسند بغاية الصحة. وفي فتوح البلدان ص ٩٣ من طريق يزيد بن إبراهيم التستري عن ابن سيرين عن أبي هريرة لما قدم من البحرين ... فذكر أول القصة نحوه. وفيه «فقبضها منه» والسند صحيح أيضاً. وأخرجه أيضاً من طريق أبي هلال الراسبي عن ابن سيرين عن أبي هريرة، فذكر نحوه إلا أنه وقع فيه «اثنا عشر ألفاً» والصواب الأول لأن أبا هلال في حفظه شيء، وفيه «فلما صليت الغداة قلت: اللهم اغفر لعمر قال: فكان يأخذ منهم ويعطيهم أفضل من ذلك» وفي تاريخ الإسلام للذهبي ٣٣٨:٢ «همام بن يحيى حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أن عمر قال لأبي هريرة: كيف جدت الإمارة؟ قال: بعثني وأنا كاره، ونزعتني وقد أحببتها» وأتاه بأربعمائة ألف من البحرين فقال: أظلمت أحداً؟ قال: لا. قال: فما جئت به لنفسك؟ قال: عشرين ألفاً. قال من أين أصبتها؟
стр. 215
قال: كنت أتجر. قال: انظر رأس مالك ورزقك فخذه واجعل الآخر في بيت المال»
فكأنه قدم لنفسه بعشرين ألفاً فقاسمه عمر مكا كان يقاسم سائر عماله، فذكر ابن سيرين عشرة آلالاف المأخوذة لبيت المال
/ فقد تحقق بما قدمنا من الروايات الصحيحة أن المال الذي جاء به أبو هريرة لنفسه من البحرين كان من خيله ورقيقه وأعطيته، وأخذ عمر له أو لبعضه لا يدل على ما قدمنا من الاحتياط، ثم يعطيهم خيراً منه. وبما يوضح براءة أبي هريرة في الواقع وعند عمر إظهاره المال وعزم عمر على توليته فيما بعد وامتناع أبي هريرة من ذلك
ثم قال أبو رية ص ١٩٣ «وفاته. مات أبو هريرة سنة ٥٧ أو سنة ٥٨»
أقول: أو سنة ٥٩ كما في التهذيب وغيره، وهو قول الواقدي وابن سعد
قال «عن ثمانين سنة»
أقول: المعروف «عن ثماني وسبعين سنة»
قال «وصلى عليه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وكان يومئذ أميراً على المدينة تكريماً له»
أقول: هذا رواه الواقدي بسند فيه نظر، ولكنها السنة التي كانوا يعملون بها أن يكون الأمير هو الذي يصلي على الموتى بدون تفريق
قال «ولما كتب الوليد إلى عمه ... أرسل ... ادفع إلى ورثته عشرة آلاف درهم ... ، وهكذا يترادف رقدهم له حتى بعد وفاته»
أقول: هذا رواه الواقدي بسند فيه نظر، وفيه «فاته كان ممن نصر عثمان وكان معه في الدار» وإنما حذف أبو رية هذا اليوم وغيره
стр. 216
ثم ذكر أبو رية كلمات لصاحب المنار قال في أبيه هريرة « ... فأكثر أحديثه لم يسمعها من النبي ﷺ وإنما سمعها من الصحابة والتابعين»
أقول: فيه مجازفتان، الأولى زعم أن أكثر أحاديثه لم يسمها من النبي ﷺ . ونحن إ ذ نظرنا إلى أحاديثه التي رواها عن غيره من الصحابة وجدناها بسيرة، ثم إذا نظرنا في أحاديثه التي يرويها عن النبي ﷺ رأسا ولا يصرح بالسماع منه قلماً نجد فيها ما يعلم من متنه أنه كان في المدة التي لم يدركها أبو هريرة، مع أننا نجد عن غيره أحاديث كثيرة تتعلق بتلك المادة، فهذا مع ما تقدم ص١٠٦و ١١٨و ١١٩ وغيرها وما يأتي بعد من شهادة الصحابة له يقضي بعكس الدعوى المذكورة
/ المجازفة الثانية زعم أن بعض أحاديثه سمعها من التابعين، إن أريد أحاديثه عن النبي ﷺ فإننا لا نعرف له حديثاً كذلك، ورواية الصحابي الذي سمعه من النبي ﷺ كأبي هريرة عن تابعي عن صحابي عن النبي ﷺ بغاية القلة، وإنما ذكروا منهذا الضرب حديثاً لسهل بن سعد وآخر السائب بن يزيد، وقد توفي النبي ﷺ وسهل بن خمس عشرة سنة والسائب ابن سبع سنين، وذكروا أن الحفظ العراقي تتبع ما يدخل في هذا الضرب فجمع عشرين حديثاً لعل منها ما لا يصح وباقيها من أحاديث أصاغر الصحابة كالسائب
قال «وقد ثبت أنه كان يسمع من كعب الأحبار»
أقول: أي شيء سمع مه؟ إنما سمعه منه أشياء يحكيها عن صحف أهل الكتاب، وذلك فن كعب
قال «وأكثر أحاديثه عنعنة»
أقول: إما عنعنته فقد قدمنا ص ١١٤-١١٧ أنها تكون على احتمالين إما أن يكون سمع من النبي ﷺ ، وإما عن صحابي آخر عن االنبي ﷺ . فأما
стр. 217
الاحتمال الثالث أن يكون إنما سمع من تابعي - كعب أو غيره - ومع ذلك رواه عن النبي ﷺ فهذا من أبطل الباطل قطعاً، وراجع ما تقدم ص ٧٣-٧٥و ٨٢و ٨٩و٩٤و ٩٩و١٠٩-١١٠، ولا أدري أين كان أهل العلم من الصحابة والتابعين وأتباعهم وهلم جرا عن هذا الاحتمال حتى يثار في القرن الرابع عشراً؟ بل أين كان وعد الله ﵎ بحفظ دينه وشريعته فلم ينههم لهذا الاحتمال طوال تلك القرون؟ بل أين كان الشيطان عن هذا الاحتمال فلم يوسوس به لأحد؟ كلا، كانوا أعلم وأتقى من أن يطمع الشيطان أن يتصاعوا لوسوسة مثل هذه. ومن تدبر ما تقدم ١١٤-١١٧ علم أن هذا الاحتمال الثالث معناه اتهام الصحابي بالكذب، فإذا كانت الأدلة تبرئ على أبا هريرة ونظراءه من الكذب فإنها تبرثهم من هذا
قال «على أنه صرح بالسماع في حديث: خلق الله التربة يوم السبت، وقد جزموا بأن الحديث أخذه عن كعب الأحبار»
أقول: قد تقدم النظر في هذا الحديث ص ١٣٥-١٣٩ بما يعتلق الشبهة من أصلها ولله الحمد
/ قال ص ١٩٤ «وقال: إنه يكثر في أحاديثه الرواية بالمعنى
أقول: هذه مجازفة، وأبو هريرة موصوف بالحفظ كما مر ويأتي
قال «إنه انفرد بأحاديث كثيرة ... »
أقول: قد تتبع أبو رية عليه ذلك، وتقدم النظر في بعضها ويأتي الباقي
قال ص ٩٥ «وقال هو يبين أن بطلى الاسرائيليات ... هما كعب الأحبار ووهب بن منبه: وما يدرينا أن كل [ذلك] الروايات- أو الموقوفة منها- ترجع إليهما....»
أقول: كلمة «تلك» ثابتة في مصدر أبي رية، والكلام هناك في روايات
стр. 218
جاءت في قضية خاصة، فأهمل أبو رية بيان ذلك وأسقط كلمة «تلك» ليفهمك أن صاحب المنار يجيز أن تكون المرويات الإسلامية كلها راجعة على كعب ووهب
وأعاد ص ١٩٦-١٩٧ بعض دعاوية ومزاعمه، وقد تقدم ويأتي ما فيه كفاية
ثم قال ص ١٩٨ «أمثله مما رواه أبو هريرة: أخرج البخاري ومسلم عنه قال: أرسل مالك الموت إلى موسى ﵉، فلما جاءه صكة، فرجع إلى ربه فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت. فرد الله عليه عينه [في كتاب أبي رية «عينيه» وقال: ارجع فقل له بضع يده على متن ثور، فله بكل ما غطت يده بكل شعرة سنة. قال: أي رب ثم ماذا؟ قال: ثم الموت. قال: فالآن. فسأل [فيه «فأسأل» الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر. قال رسول الله ﷺ : فلو كنت ثم لأريكم قبره إلى جانب الكثيب الأحمر. وفي رواية لمسلم. قال: فلطم موسى عين مالك الموت ففقأها»
أقول القصة على ما ذكر هنا من كلام أبي هريرة: وإنما الذي من كلام النبي ﷺ قوله «فلو كنت ثم الخ» وليس فيه ما يستشكل. فأما القصة فقد أجاب عنها أهل العلم. وسألخص ذلك: ثبت الكتاب ولاسنة أن المشكلة قد يتمثلون في صور الرجال، وقد يراهم كذلك بعض الأنبياء فيظنهم من بني آدم كما في قصتهم مع إبراهيم ومع لوط ﵉ اقرا من سورة هود الآيات ٦٩-٨٠ وقال الله تعالى في مريم ﵇ (١٧:١٩ - فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشراً سويا. قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا) . وفي السنة أشياء من ذلك وأشهرها ما في حديث السؤال عن الإيمان والسلام والإحسان. / فمن كان جاحداً لهذا كله أو مرتابا فيه فليس كلامنا معه، ومن كان مصدقاً علم أنه لا مانع أن يتمثل ملك الموت رجلاً ويأتي إلى موسى فلا يعرفه موسى
стр. 219
الجسد المادي الذي يتمثل به الملك ليس جسده الحقيقي، وليس من لازم تمثله فيه أن يخرج الملك عن ملكيته، ولا أن يخرج ذاك الجسم المادي عن ماديته، ولا أن تكون حقيقة الملك إلى ذاك الجسم كنسبة أرواح الناس إلى أجسامهم، فعلى هذا لو عرض ضرب أو طعن أو قطع لذاك الجسم لم يلزم أن يتألم بها الملك ولا أن تؤثر في جسمه الحقيقي. ما المانع أن تقتضي حكمة الله أن يتمثل ملك الموت بصورة رجل ويأمره الله أن يدخل على موسى بغته ويقول له مثلاً: سأقبض روحك. وينظر ماذا يصنع؟ لتظهر رغبة موسى في الحياة وكراهيته للموت فيكون في قص ذلك عبرة لمن بعده
فعلى هذا فإن موسى لما رأى رجلاً لا يعرفه دخل بغتة وقال ما قال، حمله حب الحياة على الاستعجال بدفعه، ولولا شدة حب الحياة لتأنى وقال: من أنت وما شأنك؟ ونحو ذلك
ووقوع الصكة وتأثيرها كان على ذاك الجسد العارض، ولم ينل الملك بأس. فأما قوله في القصة «فرد الله عليه عينه» فحاصله أن الله تعالى أعاد تمثيل الملك في ذاك الجسد المادي سليماً، حتى إذا رآه موسى قد عاد سليماً مع قرب الوقت عرف لأول وهلة خطأه أول مرة.
قال أبو رية «وفي تاريخ الطبراني عن أبي هريرة أن ملك الموت ... »
أقول: رجاله كلهم موصوفون بأنهم ممن يخطئ، فلا يصح عن أبي هريرة
قال «وأخرجا كذلك عنه قال النبي ﷺ : تحاجت الجنة والنار ... »
أقول: قد وافق أبا هريرة على هذا الحديث أنس بن مالك بن مالك وحديثه في الصحيحين وغيرهما، وأبو سعيد وحديثه في صحيح مسلم ومسند أحمد وغيرهما، وأبي بن كعب وحديثه في مسند أبي يعلى. وتفسير الحديث معروف
قال «وروى البخاري عنه: مابين منكبي الكافر مسيرة ثلاثة أيام
стр. 220
للراكب المسرع. وخرج أوله مسلم عنه مرفوعاً وزاد: وغلط جلده مسيرة ثلاثة أيام»
أقول: هذا من فهم أبي رية وتحر به. راجع فتح الباري ٣٦٥:١١ تعرف ما في صنيع أبي رية وتعرف الجواب
/ وقال ص١٩٩ «وروى البخاري وابن ماجه عنه عن النبي ﷺ : إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله ثم يطرحه فإن في أحد جناحية داء والآخر شفاء»
أقول: هذا الحديث قد وافق أبا هريرة على روايته أبو سعيد الخدري وأنس. راجع مسند أحمد بتحقيق وتعليق الشيخ أحمد محمد شاكر ﵀ ١٢٤:١٢، وعلماء الطبيعة يعترفون بأنهم لم يحيطوا بكل شيء علماً، ولا يزالون يكتشفون الشيء بعد الشيء، فبأي إيمان بنفي أبو رية وأضرار به أن يكون الله تعالى أطلع رسوله ﷺ على أمر لم يصل إليه علم الطبيعة بعد؟ هذا وخالق الطبيعة ومدبرها هو واضع الشريعة، وقد علم سبحانه أن كثيراً من عباده يكونون في ضيق من العيش، وقد يكون قوتهم اللبن وحده، فلو أرشدوا إلى أن يربقوا كل ما وقعت فيه ذبابة لأجحف بهم ذلك. فأغيثوا بما في الحديث، فمن خالف هواه وطبعه في استقذار الذباب فغمسه تصديقاً لله ورسوله دفع الله عنه الضرر، فكان في غمس ما لم يكن انغمس ما يدفع ضرر ما كان انغمس، وعلماء الطبيعة يثبتون لقوة الاعتقاد تأثيراً بالغاً، فما بالك باعتقاد منشؤه الإيمان بالله ورسوله؟
قال ص٢٠٠ «وروى الطبراني في الأوسط عن النبي ﷺ : أتاني ملك برسالة من الله ثم رفع رجله فوضعها فوق السماء والأخرى في الأرض لم يرفعها»
أقول: تفرد برواية صدقة بن عبد الله السمين وهو ضعيف، والحديث معدود في
стр. 221
منكراته فلم يثبت عن أبي هريرة
قال «وروى الترمذي عنه: قال رسول الله ﷺ : العجوة من الجنة وفيها شفاء من السم»
أقول: سنده إلى أبي هريرة كما قال الترمذي، لكنه معروف من رواية غيره من الصحابة، فقد ورد من حديث أبي سعيد وجابر، وجاء من حديث بريدة مرفوعاً: العجوة من فاكهة الجنة. وفي الصحيحين من حديث سعد ابن أبي وقاص مرفوعاً: من اصطبح كل يوم تمرات عجوة لم يضره سم ولا سحر ذلك اليوم إلى الليل. وله شاهد من حديث عائشة في صحيح مسلم. وراجع ما مر قريبا
قال «وروى الحاكم وابن ما جه من حديثه بسند صحيح: خمروا الآنية وأوكثوا الأسقية وأجيفوا الأبواب واكفتوا صبيانكم عند الماء، فإن للجن انتشاراً وخطفة، وأطفئوا المصابيح عند الرقاد فإن الفويسقة ربما اجترت الفتيلة فأحرقت أهل البيت»
/ أقول: هذا حديث جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ ، وهو عن جابر بهذا اللفظ حرفاً حرفاً في صحيح البخاري كتاب بدء الخلق. انظر فتح الباري ٢٥٣:٦، وهو بألفاظ أخر في موضع آخر من صحيح البخاري وفي صحيح مسلم
قال ص٢٠١ «وروى مسلم عنه أن رسول الله ﷺ قال: إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة»
أقول: ق تقدم هذا ص ١٤٠- فراجعه وتأمل صنيع أبي رية هناك
قال: «وروايات أبي هريرة من هذا القبيل وأوهى منه تفهق الكتب بها ... »
стр. 222
أقول: انتقد أبو رية في ترجمة أبي هريرة نيفاً وثلاثين حديثاً، وهي على خمسة أضرب: ضرب نسبه إلى أبي هريرة اعتباطاً وإنما روى عن غيره. وضرب نحو عشرة أحاديث في سند كل منها كذاب أو متهم أو ضعف أو انقطاع، فهذا لا شأن أبي هريرة به لأنه لم يثبت عنه، وراجع ص١٥١. وضرب اختلف فيه أيصح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أم لا فهذا قريب من سابقه، فإنه على فرض تبين بطلان متنه يترجح عدم صحته عن أبي هريرة لأن تبعة الحديث إنم تتجه إلى الأدنى. وضرب صحيح عن أبي هريرة وقد وافقه عليه غيره من الصحابة اثنان أو ثلاثة أو أكثر. ويبقى بعد الأضرب السابقة ثلاثة أو أربعة أحاديث قد مر الجواب الواضح عنهما بحمد الله تعالى
واعلم أن الناس تختلف مداركهم وأفهاميهم وآراؤهم ولا سيما في ما يتعلق بالأمور الدينية والغيبية لقصور علم الناس في جانب علم الله تعالى وحكمته، ولهذا كان في القرآن آيات كثيرة يستشكلها كثير من الناس وقد ألفت في ذلك كتب وكذلك استشكل كثير من الناس كثيراً من الأحاديث الثابتةعن النبي ﷺ ، منها ما هو رواية كبار الصحابة أو عدد منهم كما مر، وبهذا يتبين أن استشكال النص لا يغني بطلانه. ووجود النصوص التي يستشكل ظاهرها لم يقع في الكتاب والسنة عفواً وإنما هو أمر مقصود شرعاً ليبلو الله تعالى ما في النفوس ويمتحن ما في الصدور. وييسر للعلماء أبو أبا من الجهاد يرفعهم الله به درجات
هذا وأنت تعلم أن أبا هريرة رجل أمي لا تكتب ولا يقرأ الكتب، وعاش حتى ناهز الثمانين، منها نحو أو أربعين سنة يحدث، وكثر حديثه، ولم يكن معصوماً عن الخطأ، وكذلك الموثقون من الرواة عنه ومن بعدهم. أما غير المؤثقين فلا اعتدد بهم وقد عاداه المبتدعة من الجهمية والمعتزلة والرافضة وغلاه أصحاب الرأي كما مرت شواهده في الترجمة، وحرصوا كل الحرص على أن يجدوا في أحاديثه
стр. 223
/ ما يطعنون به عليه وتتابعت جهودهم، ثم جاء أبو رية فأطال التفتيش والتنبيش وقضى في ذلك سنين من عمره، ومع ذلك كله كانت النتيجة ما تقدم، فعلى ماذا يدل هذا؟
أبو هريرة والبحرين
ذكر جماعة أن النبي ﷺ بعث أبا هريرة مع العلاء بن الحضرمي إلى البحرين وفي طبقات ابن سعد ٤/٢/٧٦ عن الواقدي بسنده إلى العلاء بن الحضرمي أن النبي ﷺ بعثه منصرفه من الجعرانة إلى المنذر بن ساوى العبدين بالبحرين ... وبعث رسول الله ﷺ معه نفراً فيهم أبو هريرة وقال له: استوص به خيراً» ثم قال الواقدي «حدثني عبد الله بن يزيد عن سالم مولى نبي نضر قال سمعت أبا هريرة يقول: بعثني رسول الله ﷺ مع العلاء بن الحضرمي وأوصاني به خيراً، فلما فصلنا قال لي: إن رسول الله ﷺ قد أوصاني بك خيراً فانظر ماذا تحب؟ قال: قلت تجعلني أؤذن لك ولا تسبقني بآمين، فأعطاه ذلك» والواقدي ليس بحجة لكن للقصة شواهد، ففي فتح الباري ٢١٧:٢ «فروى سعيد بن منصور من طريق محمد بن سيرين أن أبا هريرة كان مؤذناً بالبحرين، وأنه اشترط على الإمام أن لا يسبقه بآمين. والإمام بالبحرين كان العلاء بن الحضرمي بينه عبد الرزاق من طريق أبي سلمة عنه» وعند ابن سعد ٤/٢/٥٤ بسند صحيح عن أبي هريرة قال «صحبت النبي ﷺ ثلاث سنين، ما كنت سنوات قط أعقل مني ولا أحب إلي أن أعي ما يقول رسول الله ﷺ مني فيهن» هذا مع أن قدومه على النبي ﷺ كان في صفر سنة ٨، فمنه إلى وفاة النبي ﷺ أربع سنين وشيء فاقتصاره على «ثلاث سنين» يدل أنه غالب في أثناء المدة سنة أو نحوها، وقد كان البعث بعد الانصراف من الجعران كما مر، وكان الانصراف منها في أواخر ذي القعدة أو ذي الحجة سنة٨، وفي الطبقات ٤/٢/٧٧ أن العلاء قدم على النبي ﷺ فولى النبي ﷺ مكانه أبان بن سعيد بن العاص، فعلى هذا
стр. 224
لما رجع العلاء رجع معه أبو هريرة، وقد ثبت في الصحيح عن أبي هريرة أنه ممن رجع مع أبي بكر سنة ٩، وكان ينادي مع
على أن لا يحج بعد الطعام مشرك. انظر صحيح البخاري - تفسر سورة براءة - فصح أن غيبته كانت سنة أو دونها
وثم ما يدل أن أبا هريرة عاد إلى البحرين في خلافة أبي بكر، ففي الطبقات ٤/٢/٧٧- عن الواقدي بسند أن أبا بكر أعاد في خلافته العلاء بن الحضرمي على البحرين، وذكر القصة وفيها فتح العلاء / درين سنة أربع عشرة، ثم ذكر ابن سعد بسند آخر أن عمر كتب إلى العلاء أن يذهب ليخلف عتبة بن غزوان على عمله، فخرج العلاء ومعه أبو هريرة فمات العلاء في الطريق ورجع أبو هريرة إلى البحرين، وذكر عن أبي هريرة قوله «رأيت من العلاء بن الحضرمي ثلاثة أشياء ولا أزال أحبه أبداً، رأيته قطع البحر فلما كنا بلياس (؟) فمات..» ومن أهل الأخبار أن أبا هريرة رجع إلى البحرين مع العلاء حين ولاه أبو بكر وكان بها ستة أربع عشرة
ثم كان أبو هريرة بالبحرين أيضاً في إمارة مقدمة بن مظعون عليها كما يعلم من ترجمة قدامة في الإصابة وغيرها، وفي فتوح البلدان ص٩٢ عن أبي مخنف في ذكر العلاء بن الحضرمي « ... حتى مات وذلك في سنة أربع عشرة أو في أول ستة خمس عشرة، ثم إن عمر ولى قدامة بن مظعون الجمحي جباية البحرين وولى أبا هريرة الأحداث والصلاة ... » وفيه ص ٩٣ عن الهيثم «كان قدامة بن مظعون على الجباية والأحداث، وأبو هريرة على الصلاة والقضاء ... ثم ولاه عمر البحرين بعد قدامة، ثم عزله وقاسمه، وأمره بالرجوع فأبى فولاها عثمان بن أبي العاص....»
стр. 225
والقضية تحتاج إلى مزيد تتبع وتأمل، غير أن في ما تقدم ما يكفي الدلالة على أن إقامة أبي هريرة بالبحرين كانت كافية لأن يتمول، وبذلك يتأكد صدقة في قوله «خيل نتجت ... » كما مر ١٤٨
من فضل أبي هريرة
أما ما يسمعه وغيره من الصحابة ﵃ فيأتي في موضعه، وأما ما يخصه فمنه في الصحيحين عنه أن النبي ﷺ لقيه في طريق من طرق المدينة وهو جنب فانسل فذهب فاغتسل، فتفقده النبي ﷺ ، فلما جاء قال: أين كنت يا أبا هريرة؟ قال: يا رسول الله لقيتني وأنا جنب، فكرهت أن أجالسك حتى اغتسل. فقال رسول الله ﷺ : سبحان الله، إن المؤمن لا ينجس، لفظ مسلم
ومر ص١٠٠ ما في صحيح البخاري من قول النبي ﷺ «لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني أحد عن هذا الحديث أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث ... »
/ وفي صحيح مسلم وغيره في قصة إسلام أمه قول النبي ﷺ «اللهم حبب عبيدك هذا- يعني أبا هريرة - وأمه إلى عبادك المؤمنين ... » قال ابن كثير في البداية ١٠٥:٨ «وهذا الحديث من دلائل النبوة، فإن أبا هريرة محبب إلى جميع الناس ... »
وفي الإصابة «وأخرج النسائي بسند جيد في العلم من كتاب السنن أن رجلاً جاء إلى زيد بن ثابت فسأله فقال له زيد: عليك بأبي هريرة، فإن بينما أنا وأبو هريرة وفلان في المسجد ندعو الله ونذكره إذ خرج علينا رسول الله ﷺ حتى جلس إلينا فقال: عودوا للذي كنتم فيه، قال زيد: فدعوت أنا وصاحبي فجعل رسول الله ﷺ يؤمن على دعائنا ودعا أبو هريرة فقال: اللهم إني أسألك ما سأل صاحبي وأسألك
стр. 226
علماً لا ينسى، فقال رسول الله ﷺ : آمين. فقلنا يا رسول الله ونحن نسأل الله علماً ولا ينسى، فقال: سبقكم بها الغلام الدوسي» ونحوه في تهذيب التهذيب وفيهما بعض ألفاظ محرفة
وفي مسند أحمد ٥٤١:٢ وسنن أبي داود وغيرهما عنه قال «بينما أنا أوعك في مسجد المدينة إذ دخل رسول الله ﷺ المسجد فقال: من أحسن الفتى الدوسي؟ من أحسن الفتى الدوسي؟ فقال له قائل: هو ذاك يوعك في جانب المسجد حيث ترى يا رسول الله. فجاء فوضع يده علي وقال لي معروفاً، فقمت فانطلق حتى قام في مقامه الذي يصلي فيه ... »
ومر ما روى من تولية عمر لقدامة بن مظعون وأبي هريرة البحرين، قدامة عل الجباية، وأبا هريرة على الصلاة والقضاء، ثم جمع الكل لأبي هريرة. هذا مع أن قدامة من السابقين البدريين، ثم قاسم عمر أبا هريرة كما كان يقاسم عماله وأراج أن بعيده على الإمارة فأبى أبو هريرة
وتقدم صفحة ١٠٦و ١٢٠و ١٢٣ شهادة طلحة والزبير وأبي أيوب وعائشة له، وتقدم ص١٠٦و ١١٨- ١١٩ ثناء ابن عمر عليه. وذكر الحاكم في المستدرك أنه روى عنه بضعة وعشرون من الصحابة عد منهم أبي بن كعب وأبا موسى الأشعري وعائشة بن يزيد وأبا أيوب وابن عمر وابن عباس وابن الزبير وجابر بن عبد الله وجماعة
وفي الإصابة «قال البخاري روى عنه نحو الثمانمائة من أهل العلم، وكان أحفظ من روى الحديث / في عصره. قال وكيع في نسخته: حدثنا الأعمش عن ابن صالح قال: كان أبو هريرة أحفظ أصحاب رسول الله ﷺ . وأخرجه البغوي عن رواية أبي بكر بن عياش عن الأعمش بلفظ: ما كان أفضلهم، ولكنه كان أحفظ ... وقال الربيع قال الشافعي: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره. وقال أبو الزعيرعة كاتب مروان:/ أرسل مروان إلى أبي هريرة فجعل
стр. 227
يحدثه وكان أجلسني خلف السرير أكتب ما يحدث به، حتى إذا كان في رأس الحول أرسل إليه فسأله وأمرني أن أنظر، فما غير حرفاً من حرف» . وأخرجه الحاكم في المستدرك ٥١٠:٣ وفيه «فما زاد ولا نقص، ولا قدم ولا أخر» قال الحاكم «صحيح الإسناد» وأقرء الذهبي
وقال ابن كثير في البداية ١١٠:٨ «وقد كان أبو هريرة من الصدق والحفظ والديانة والزهادة والعمل الصالح على جانب عظيم ... »
وفي طبقات ابن سعد ٤/ ٢/ ٦٢ «أخبرنا معن بن عيسى قال: حدثنا مالك ابن أنس عن المقبري عن أبي هريرة أن مروان دخل عليه في شكواه الذي مات فيه فقال: شفاك الله يا أبا هريرة. فقال أبو هريرة: اللهم إني أحب لقاءك، فأحب لقائي. قال فما بلغ مروان أصحاب القطا حتى مات أبو هريرة»
ثم ذكر أبو رية ص ٢٠٢-٢٠٦ جماعة من الصحابة قلت أحاديثم، وقد نظرت في ذلك ص٤٢
ثم قال ص ٢٠٧ «أحاديث مشكلة.. عن ابن عباس، إن الله خلق لوحاً محفوظاً من درة بيضاء دفناه من ياقونة حمراء ... »
أقول: هذا من قول ابن عباس، أخرجه الحاكم في المستدرك ٤٧٤:٢ من طريق أبي حمزة الثمالي وقال الحاكم «صحيح الإسناد» ، تعقبه الذهبي فقال «اسم أبي حمزة ثابت، وهو واه بمرة» وينظر وجه الاستشكال؟
قال «وروى الشيخان.. عن أبي ذر قال رسول الله ﷺ لأبي ذر حين غربت الشمس: أتدري أين تذهب؟ ... »
أقول: النظر في هذا الحديث يتوقف على بيان معنى قول الله (والشمس تجري لمستقر لها) ثم جمع طرقه وتدبر ألفاظه، ولم يتسير لي ذاك الآن والله المستعان. (ثم نظرت فيه فيما يأتي ص٢١٣)
стр. 228
/ قال «وروى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص صاحب الزاملتين قال: إن في البحر شياطين ... »
أقول: هذا ذكره مسلم في مقدمة صحيحه، وهو من قول عبد الله بن عمرو، ليس بحديث عن النبي ﷺ
قال «وروى البخاري ... عن عامر بن سعيد [بن أبي وقاص] عن أبيه قال: قال النبي ﷺ : من اصطبح كل يوم ثمرات عجوة م يضره سم ولا سحر ... وفي رواية: سبع تمرات عجوة. وكذا لمسلم عن سعيد بن أبي العاص. وعند النسائي من حديث جابر: العجوة من الجنة وهي شفاء من السم؟
أقول: الحديث في الصحيحين من رواية عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه. ولم أجد ذكر سعيد بن أبي العاص وراجع ما مر ص١٦٠
قال «وأخرج الشيخان عن أبي هريرة: إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين ... ، وقال العلماء المحققون في شرح هذا الحديث: لئلا يسمع فيضطر أن يشهد بذلك يوم القيامة»
أقول: أما الحديث فلا إشكال فيه عنه من يؤمن بالقرآن، وفي بعض رواياته «وله حصاص» ، وفي صحيح مسلم عن جابر «سمعت النبي ﷺ يقول: إن الشيطان إذا سمع النداء ذهب حتى يكون مكان الروحاء» وأما التفسير الذي فيه إلى المحققين فهو قول بعضهم، فإن كان حقاً فلماذا السخرية منه؟ وإن كان باطلاً فتبعته على قائله، فلماذا يذكر هنا؟
قال ص ٢٠٨ «وروى مسلم عن أبي سفيان أنه قال النبي ﷺ : يا رسول الله أعطني ثلاثاً: تزوج ابنتي أم حبيبة، وابني معاوية اجعله كاتباً، وأمرني أن أقاتل الكفار كما قالت المسلمين ... » وأم حبيبة تزوجها النبي ﷺ وهي (١)
стр. 229
بالحبشة ... »
أقول: لفظ مسلم قال: عندي أحسن العرب وأجمله أم حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها» وفي سنده عكرمة ابن عمار بأنه يغلط ويهم، فمن أهل العلم من تكلم في هذا الحديث وقال انه من أوهام عكرمة، ومنهم من تأوله، وأقرب تأويل له أن زواج النبي ﷺ لما كان قبل إسلام أبي سفيان كا بدون رضاه فأراد بقوله «أزوجكها» أرضى بالزواج، فأقبل مني هذا الرضا
قال «وفي مسند أحمد عكرمة ابن عباس أن النبي صلى لاله عيله وسلم صدق أمية ابن أبي الصلت ... في قوله: والشمس تطلع ... » البيتين
/ أقول: مداره على محمد بن إسحاق عن يعقوب بن عتبة عن عكرمة عن ابن عباس، وفي مجمع الزوائد ١٢٧:٨ «رجاله ثقات، إلا أن ابن إسحاق مدلس» والمدلس لا يحتج بخبره وحده ما لم يتبين سماعه
قال «وروى مسلم عن أنس بن مالك أن رجلاً سأل النبي ﷺ قال: متى تقوم الساعة؟ قال فسكت رسول الله ﷺ هنيهة، ثم نظر إلى غلام بن يديه من أزدشنوءة فقال: إن عمر لم يدركه الهرم حتى تقوم الساعة، قال أنس: ذاك الغلام من أترابي يومئذ ... »
أقول: من عادة مسلم في صحيحه أنه عند سياق الروايات المتفقة في الجملة يقدم الأصح فالأصح (١) ، فقد يقع في الرواية المؤخرة إجمال أو خطأ تبينه الرواية المقدمة في ذاك الموضع قدم حديث عائشة «كان الأعراب إذا قدموا على رسول الله ﷺ سألوه عن الساعة متى الساعة؟ فنظر إلى أحداث إنسان منهم فقال: إن يعيش هذا م يدركه الهرم قامت عليكم ساعتكم» وهذا في صحيح البخاري بلفظ «كان رجال
стр. 230
من الأعراب جفاة يأتون النبي ﷺ فيسألونه: متى الساعة؟ فكان ينظر إلى أصغرهم فيقول: إن يعش هذا لا يدركه الهرم حتى تقوم عليكم ساعته. قال هشام: يعني موتهم» ثم ذكر مسلم حديث أنس بلفظ «إن يعش هذا الغلام فعسى أن لا يدركه الهرم حتى تقوم الساعة» ثم ذكره باللفظ الذي حكاه أبو رية، وراجع فتح الباري ٣١٣:١١
ثم قال ص ٢٠٩ «أحاديث المهدي ... » . وقال ص٢١٠ «المهدي العباسي» ثم قال «المهدي السفياني ... » ولم يسق الأخبار. والكلام فيها معروف.
ثم قال ص٢١٠ «الخلفاء الاثنا عشر- جاءت أحاديث كثيرة: تنبئ أن الخلفاء سيكونون اثنى عشر خليفة. للبخاري عن جابر بن سمرة: يكون اثنا عشر أميراً كلهم من قريش. ورواية مسلم: لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر رجلاً. وفي رواية أخرى: إن هذا الأمر لا يقتضي حتى يمضي له فيهم اثنا عشر خليفة، فقد رووا حديثاً يعارض هذه الأحاديث جميعاً وهو حديث سفينة ... الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم يكون ملكاً»
أقول: إن كان أص اللفظ النبوي «أميراً» كما في رواية البخاري وبعض روايات مسلم فواضح أنه لا يعارضه، وإن كان بلفظ «خليفة» فالمراد به من يتسمى بهذا الإسم أو يحلف غيره في الإمارة / والخلافة في حديث خلافة النبوة. نقل معنى هذا عن القاضي عياش وهو ظاهر
قال «وكذلك أخرج أبو داود في حديث ابن مسعود رفعه: تدور رحى الإسلام ... »
أقول: قد بسط الكلام في هذا في فتح الباري ١٨١:١٣-١٨٦ فراجعه وحكى أبو رية ص٢١٢ بعض ما قيل في ذلك مما يزيد في تصوير العارض. وهذا دأبه. كلما وجد اشكالاً قد حل، أو اعتراضاً قد أجيب عنه، ذكر الإشكال أو الاعتراض وهول، ولم يعرض للجواب
стр. 231
ثم قال ص٢١٣ «الدجال. جاء في الدجال ... أحاديث كثيرة بعضها يصرح بأن النبي ﷺ كان يرى أن من المحتمل الدجال في زمنه ... وبعضها يصرح بأنه يخرج بعد فتح المسلمين لبلاد الروم»
أقول: لم يكن ﷺ أولاً ثم أعلمه الله
قال «وبعض الأحاديث تقول بأنه سيكون معه جبال من خبز وأنهار من ماء وعسل»
أقول: لم أر في الأخبار ذكر العسل، ويظهر أن أبا رية اختطف كلماته في فتح الباري ٨١:١٣ وليس هناك ذكر العسل، فأما ذكر جبل - أو جبال- خبز فقد روى، مع أن الصحيحين عن المغيرة بن شعبة أنه قال للنبي ﷺ «يقولون إن معه جبل خبز ونهر ماء» فقال النبي ﷺ «بل هو أهون على الله من ذلك» لفظ البخاري. وقد يحمل ما ورد في أن معه «جبال خبز» على المجاز، أي أن معه مقادير عظيمة من الخبز، مع أن يخافيه محتاجون
قال «وزاد مسلم: جبال من لحم»
أقول إنما في صحيح مسلم في كلام المغيرة أنه قال للنبي ﷺ «إنهم يقولون معه جبال من خبز ولحم» فقال النبي ﷺ «هو أهون على الله من ذلك» فانظر، واعتبر !
قال «وأخرج نعيم بن حماد من طريق كعب ... »
أقول هو كلام منسوب إلى كعب من قوله، والسند إليه مع ذلك واه
قال «ومن أخباره أنه ينزل ... »
أقول: هذا كسابقه
وذكر اختلاف الرواية في مخرجه. أقول: في حديث أبي بكر الصديق
стр. 232
عند أحمد وغيره أنه يخرج من خراسان / ولا ينافيه ما صحيح مسلم أنه يتبعه يهود اصبهان، إذ لا يلزم من اتباعهم له أن يكون أول خروجه من عندهم. وكذا ما جاء في رواية «أنه خارج بين الشام والعراق» إذ لا يلزم أن يكون ذلك أول خروجه. فأما ما في حديث الجساسة أنه محبوس في جزيرة. فإن حمل على ظاهره فلا مانع مع أن يذهب بعد إطلاقه إلى خراسان ثم يظهر أمره منها، وإن حمل على التمثيل كما مرت الإشارة إليه ص٩٥ فالأمر واضح
قال «وهناك أحاديث ... كلها مرفوعة إلى النبي ﷺ »
أقول: ليس كل ما ورد في الدجال بمرفوع، على أن أبا رية ترك المرفوعات الثابتة في صحيح البخاري وغيره، وسقط على ما نسب إلى كعب مع أنه لا يصح عنه
قال «ولكن يمكنوا لهذه الخرافة أو الاسطورة في عقول المسلمين أوردوا حديثاً عن النبي ﷺ بأن من كذب بالمهدي فقد كفر، ومن كذب بالدجال فقد كفر»
أقول: لا أعرف حديثاً هكذا، ولا أرى ذكر النبي ﷺ للمهدي متواتراً ولا قريباً منه، فأما ذكره الدجال فمتواتر قطعاً، ومن اطلع على ما في صحيح البخاري وحده علم ذلك، ومع هذا فإنما أقول: من كذب رسول الله ﷺ في خبر من أخباره عن الغيب فهو كفر
قال ص٢١٤ «عمر الدنيا»
فأشار إلى صنيع السيوطي ولم يذكر الأحاديث حتى ننظر فيها، والذي أعرفه أنه ليس في ذلك صحيح صريح
قال «وقد أعرفنا أعرضنا كذلك عن إيراد أخبار الفتن وأشراط الساعة ونزول عيسى التي زخرت بها كتب السنة المعتمدة بين المسلمين والمقدسة من الشيوخ
стр. 233
الحشويين»
أقول صدق الله ﵎ (٣٩:١٠ بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله، كذلك كذب الذين من قبلهم، فانظر كيف كان عاقبة الظالمين»
قال «وكذلك أهملنا ذكر الأحاديث الواردة في خروج النيل والفرات وسيحون وجيجون من أصل سدرة المنتهى فوق السماء السابعة وهي في البخاري وغيره»
أقول: الذي في صحيح البخاري في حديث الإسراء عند ذكر سدرة المنتهى «وإذا أربعة أنهار: نهران باطنان ونهران ظاهران. فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: أما الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران/ فالنيل والفرات» وقد فسره أهل العلم بما فسروان ورأيت بعض العصريين يذكر وجهاً سأحكيه لينظر فيه، قال: لا ريب أن كل ما رآه النبي ﷺ ليلة الإسراء حق، لكن منه ما كان بضرب من التمثيل يحتاج إلى تأويل، وقد ذكر في بعض الروايات أشياء من هذا القبيل، انظر فتح الباري ١٥٣:٧، وقد يقال: إن سدرة المنتهى مع أنها حقيقة ضربت مثلاً لكمة الإسلام على نحو قوله تعالى (٢٤:١٤ ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء) الآيات، وجعل مغرسها مثلاً للأرض التي ستثبت فيها كلمة الإسلام في الدنيا والأرض التي يرثها أهله في الجنة، فرمز إلى الأولى بما فيه مثال النيل والفرات، وإلى الثانية بما فيه مثال النهرين اللذين في الجنة، وكأنه قيل النبي ﷺ : هذه كرامتك، كما يدفع الملك إلى من يكرمه وثيقة فيها رسم أرض معروفة فيها قصر وحديقة، فيكون معنى ذلك أ، هـ أنعم بها عليه، أما سيحون وجيجون فلا ذكر لهما، نعم في حديث لمسلم تقدم ص١٣٢ ذكر سيحان وجيجان، وهما غير سيحون وجيجون
ثم قال أبو رية ص٢١٥ «كلمة جامعة ... انتهى العلامة السيد رشيد رضا
стр. 234
في تفسيره ... إلى هذه النتائج القيمة: ١- أن النبي ﷺ لم يكن يعلم الغيب ... وإنما أعلمه الله ببعض الغيوب بما أنزل عليه في كتابه، وهو قسمان: صريح ومستنبط»
أقول اقتصر أبو رية على هذا، مع أن في ذاك الموضع من تفسير المنار ٥٠٤:٩ زيادة فيها «٢- إن الله تعالى اعلمه ببعض ما يقع في المستقبل بغير القرآن من الوحي ... ٣- إنه كان يتمثل له ﷺ ببعض أمور المستقبل كأنه يراه كما ثمثلت له الجنة والنار عرض الحائط وكما تمثل له في أثناء حفر الخندق ما يفتح الله لأصحابه من الملك ... وكشفه هذا حق، وهو ما يسميه أهل الكتاب نبوءاتن وقد ظهر منه شيء كثير كالشمس..»
قال «لا شك أن أكثر الأحاديث قد روى بالمعنى ... فعلى هذا كان يروى كل أحد ما فهمه، وربما يقع في فهمه الخطأ لأن هذه أمور غيبية، وربما فسر بعض ما فهمه بألفاظ يزيدها ... »
أقول: ليس من الحق إنكار هذا الاحتمال، لكن ليس من الحق أن يجاوز به حده فهو احتمال نادر يزيده أو يدفعه البتة أن تتفق روايتان صحيحتان فأكثر، والظاهر الغالب من رواية الثقة هو الصواب، وبه يجب الحكم مالم تقم حجة صحية على الخطأ
ثم قال «إن العابثين بالإسلام ... قد وضعوا أحاديث كثيرة ... وراج كثير منها بإظهار رواتها للصلاح والتقوى»
أقول: راجع ما تقدم ٦١-٦٥
قال «ولم يعرف بعض الأحاديث الموضوعة إلا باعتراف من تاب إلى الله من واضعيها»
أقول: نم تدبر ما تقدم ص ٦١-٦٥ وغيرها تبين له أن من كان حده
стр. 235
أن يكذب لا يخفى على حاله على الأئمة، غاية الأمر أنهم قد يقتصرون على قولهم «متهم بالكذب» ونحو ذلك. وبهذا تعلم أنه لو فرض عدم اعتراف من اعترف لم يلزم من ذلك أن يحكموا لخبره الصحة
قال ص٢١٦ «إن بعض الصحابة والتابعين كانوا يروون عن كل مسلم ... وقد ثبت أ، الصحابة كان يروي بعضهم عن بعض وعن التابعين حتى عن كعب الأحبار وأمثاله»
أقول: راجع ما تقدم ٧٣-٧٥-و ٨٢و ٨٩و ٩٤-٩٩و ١٠٩-١١٠و ١٥٧
قال «والقاعدة عند أهل السنة أن جميع الصحابة عدول ... وهي قاعدة أغلبية لا مطردة»
أقول: سيأتي النظر في هذا في فصل عدالة الصحابة
قال «فكل حديث مشكل المتن أو اضطراب الرواية أو مخالف لسنن الله تعالى في الخلق أو لأصول الدين أونصوصه القطعة أو للحسيات وأمثالها من القضايا اليقينية فهو مظنة لما ذكرنا. فمن صدق رواية مما ذكر ولم يجد فيها إشكالاً فالأصل فيها الصدق، ومن ارتاب في شيء منها أو أورد بعض المرتابين أو المشككين إشكالاً في متونها فليحمله على ما ذكرنا من عدم الثقة بالرواية ... »
أقول لا أدري ما عني بالمشكل، فإن كان راجعاً إلى ما أتي فذاك، أما المضطرب فحمه معروف عند أهل العلم، وأما المخالف لسنن الله فمن سنن الله تعالى أن يخرق العادة إذا اقتضت حكته، والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة لا تحصى. وراجع الوحي المحمدي ص٦٣.وأما المخالف لأصول الدين فراجع ص٢، وأما المخالف لنصوصه القطعية فراجع ص١٤، وبالجملة لا نزاع أن النبي ﷺ لا يخبر عن ربه وغيبه باطل، فإن روى عنه خبر تقوم الحجة على بطلانه
стр. 236
فالخلل من الرواية، لكن الشأن كل الشأن في الحكم بالبطلان، فقد كثر اختلاف الآراء والأهواء والنظريات وكثر غلطها، ومن تدبرها / وتدبر الرواية وأمعن فيها وهو ممن رزقه الله تعالى الإخلاص للحق والتثبت علم أن احتمال خطأ الرواية التي يثبتها المحققون من أئمة الحديث أقل جداً من احتمال الخطأ الرأي والنظر، فعلى المؤمن إذا أشكل عليه حديث قد صححه الأئمة ولم تطاوعه نفسه على حمل الخطأ على رأيه ونظره أن يعلم أنه إن لم يكن الخل في رأيه ونظره وفهمه غير في الرواية، وليفزع إلى من يثق دينه وعلمه وتقواه مع الابتهال إلى الله فإنه ولي التوفيق
ثم قال أبو رية ص٢١٧ «تدوين القرآن» ... ولو أن النبي ﷺ وصحابته كانوا قد عنوا بتدوين الحديث ... » ثم قال ص٢١٨ «كيف كان الصحابة ... » ثم قال «كتاب الوحي ... »
أقول: راجع ص٢٠-٤٧
ثم قال ص٢١٨-٢١٩ «وكان أول من كتب النبي ﷺ بمكة من قريش عبد الله بن سعيد بن أبي سرح»
أقول: أنى لأبي رية هذا؟ إنما قال لصاحب الاستيعاب وغيره عن عبد الله إنه أسلم قبل الفتح.
وقال ص٢١٩ «جمع القرآن وسببه: روى البخاري عن زيد بن ثابت أنه قال: قضى رسول الله ﷺ ولم يكن القرآن جمع في شيء ... ولما تولى أبا بكر ونشبت حرب الردة وقتل فيها كثير من الصحابة خشي عمر من ضياع القرآن بموت الصحابة فدخل على أبي بكر وقال له: إن أصحاب رسول الله باليمامة يتهافتون تهافت الفراش في النار، وإني لأخشى أن لا يشهدوا موطناً إلا فعلوا ذلك حتى يقتلوا، وهم حملة القرآن..»
أقول: حديث زيد في مواضع من صحيح البخاري، راجع الفتح ٨/٢٥٩و
стр. 237
٩/٩و١٩و١٣/١٥٩و ٣٥٠ لم أجده في صحيح البخاري باللفظ الذي ساقه أبو رية. وراجعت فهارس البخاري للأستاذ رضوان محمد رضوان فذكر الحديث في المواضع الأربعة الأولى فحسب (١) . والذي في صحيح البخاري في الموضع الأول «إن القتل قد استحر يوم اليمامة بالناس، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن» وفي الثاني «إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني لأخشى إن استحر القتل بالقراء المواطن» وتركت هذه الجملة في الثالث والخامس، وفي الرابع «إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن وإني أخشى أن يستحر القتل بقراء القرآن في المواطن» وليحذر القارئ من إساءة الظن بأبي رية، بل ينبغي أن يحمل صنيعه هذا على أنه رجع عن الميل إلى منع من رواية الحديث بالمعنى، أو رأى جوازها في / غير الحديث النبوي- ولو مع التمكن من الاتيان باللفظ الأصلي- إذا كان ذلك لمصلحته، ومصلحته هنا أنه كره أن يصرح بأن الخشية كانت من استحرار القتل بقراء القرآن خاصة، وأحب أن يحملها من استحرار القتل بالصحابة على الإطلاق ليبنى على ما علقه في الحاشية إذ قال: «مما يلفت النظر البعيد ويسترعى العقل الرشيد أن عمر لما راعه تهافت الصحابة في حرب اليمامة.. لم يقل عنهم إنهم جملة الحديث، بل قال إنهم حملة القرآن، ولم يطلب جمع الحديث وكتابته ... وفي ذلك أقوى الأدلة وأصدق البراهين على أنهم لم يكونوا يعنون بأمر الحديث ولا أن يكون لهم فيها كتاب محفوظ ويبقى على وجه الدهر كالقرآن الكريم»
أقول: الذي في الخبر كما رأيت خشية استحرار القتل بقراء القرآن، وبين القرآن والسنة فرق من وجوه: وبيان أن الله ﵎ تكفل بحفظ الشريعة مما فيه الكتاب والسنة كما مر ص ٢٠-٢١، ومع ذلك كلف الأمة
стр. 238
القيام بما تيسر لها من الحفظ، ولما كان القرآن مقصوداً حفظ لفظه ومعناه، وفي ضياع لفظة واحدة منه فوات مقصود ديني، وهو مقدار محضور يسهل على الصحابة حفظه في الصدور وكتابته في الجملة كلفوا بحفظه بالطريقتين، وبذلك جرى العمل في حياة النبي ﷺ فتوفاه الله ﵎ والقرآن كله محفوظ في الصدور مفرقا، إلا أن معظمه عند جماعة معروفين، وإنما حفظه جميعه بضعة أشخاص، ومحفوظ كله بالكتابة مفرقاً في القطع التي بأيدي الناس كم مر ص٢٠. فلما استحر القتل بالقراء في اليمامة وخشي أن يستحر بهم في كل موطن ومن شأن ذلك مع صرف النظر عن حفظ الله تعالى أن يؤدي إلى نقص في الطريقة الأولى. رأى الصحابة أنهم إذا تركوا تلك القطع كما هي مفرقة بأيدي الناس كان من شأن ذلك احتمال أن يتلف بعضها فيقع النقص في الطريقة الثانية أيضاً. ورأوا أنه يمكنهم الاحتياط للطريقة الثانية بجمع تلك القطع وكتابة القرآن كله في صحف تحفظ عند الخليفة، وإذ كان ذلك ممكنا بدون مشقة شديدة، وهو من قبيل الكتابة التي ثبت الأمر بها ولا مفسدة البتة، علموا أنه من جماعة ما كلفوا به، فوفقهم الله تعالى للقيام بهذا
أما السنة فالمقصود منها معانيها، وفوات جملة من الأحاديث لا يتحقق به فوات مقصود ديني، إذ قد يكون في القرآن وفيما بقى من الأحاديث ما يفيد معاني الجملة التي فاتت. وهي مع ذلك/ منتشرة لا تتيسر كتابتها كما تقدم ص٢١ فاكتفى النبي ﷺ من الصحابة بحفظها في الصدور كما تيسر بأ، يحفظ كل واحد ما وقف عليه ثم يبلغه عند الحاجة ولم يأمرهم بكتابتها، ولم يمكن حفظ معظمها مقصوراً على القرآن بل كا جماعة ليسوا من القراء عندهم من السنة أكثر مما عند بعض القراء
فالدلائل والقرائن التي فهم منها الصحابة أن عليهم أن يصنعوا ما صنعوا في جمع القرآن لم يتوفر لهم مثلها ولا ما يقاربها لكي يفهموا منه أن عليهم أن يجمعوا
стр. 239
السنة. على أنهم كانوا إذا فكروا في جمعها بدا لهم احتمال اشتماله على مفسدة كما مر ص٣٠، وكذلك كان فيه تفويت حكم ومصالح عظيمة (راجع ص٢١-٢٢) . وتوقفهم عن الجمع لما تقدم لا يعني عدم العناية بالأحاديث، فقد ثبت بالتواتر تدينهم وانقيادهم لها وبحثهم عنها مكا تقدم في مواضعه، ولكنهم كانوا يؤمنون بتكفل الله تعالى بحفظها ويكرهون أن يعملوا من قبلهم غير ما وضح لهم أنه مصلحة محضة، (راجع ص٣٠) ، ويعلمون أنه سيأتي زمان تتوفر فيه دواعي الجمع وتزول الموانع عنه، وقد رأوا بشائر ذلك من انتشار الإسلام وشدة إقبال الناس على من تلقى العلم وحفظه والعمل به، وقد أتم الله ذلك كما اقتضه حكمته
ثم ذكر ص٢٢٠-٢٢٢ فصولاً في جمع القرآن، ثم قال ص٢٢٣-٢٣٢ «تدوين الحديث»
أقول: راجع لكتابة التابعين الحديث ص٢٨و٥٥، فأما اتباع التابعين فكانوا يكتبون ويحتفظون بكتبهم ولا سيما بعد أن أمر أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز بالكتابة (راجع ص٣٠) وفي جامع بيان العلم لابن عبد البر بسنده إلى ابن شهاب الزهري قال «أمرنا عمر بن عبد العزيز بجمع السنن فكتبناها دفتراً دفتراً، فبعث إلى كل أرض له عليها سلطان دفترا» ثم أكثر ابن شهاب من الكتابة بعد وفاة عمر لما أمر هشام بن عبد الملك. على أن ما كتب لعمر ولهشام لم يلق قبولاً عند أهل العلم لأنهم كانوا يحرصون على تلقي الحديث من المحدث به مشافهة. لكن الرواة عن ابن شهاب وغيره انهمكوا في الكتابة. ثم شرع بعضهم في التصنيف، وقد ذكر أبو رية ص ٢٢٩ عدة من المصنفين، وأحب أن أشير إلى من مات منهم قبل سنة ١٦٠:
فمنهم ابن جريج المتوفي سنة ١٥٠ له مصنفات تلقاها عنه جماعة، منهم حجاج ابن محمد الأعور وعبد الرزاق الصنعان، وعنهما الإمام أحمد وغيره. ولعبد الرزاق مصنفات موجودة
стр. 240
ومنهم ابن إسحاق صاحب المغازي توفي سنة ١٥١،صنف السيرة وغيرها
/ ومنهم معمر بن راشد توفي سنة ١٥٣ وله مصناف بعضها موجودة وأخذها عن عبد الرزاق وغيره، ومنهم الأوزاعي وسعيد بن أبي عروية توفيا سنة ١٥٦ وكانت مصنفاتهما عند جملة من أصحابهما، تلقاها عنهم الإمام أحمد وغيره
ثم قال أبو رية ص ٢٣٣ «أثر تأ خير التدوين ... »
ذكر أنه لو دون الحديث كما دون القرآن لانسد باب الكذب على النبي ﷺ وانسد باب التفريق في الدين
أقول: أأنتم أعلم أم الله؟ أرأيت لو قال قائل: لو خلق الله عباده على هيأ كذا لانسد باب الظلم والعدون والفجور، ولو أنزل القرآن وكل دلالاته يقينية لا يمكن أحد أن يشك أو يتشكك فيها لانسد باب التفرق، ولو، ولو، إ نما شأن المؤمن أن ينظر ما قضاه الله واختاره فيعلم أنه هو الحق المطابق للحكمة البالغة ن ثم يتلمس ما عسى أن يفتح الله عليه به من فهم الحكمة، وراجع ص٥٥و ٦٠-٦٢. وذكر أموراً قد تقدم إليها النظر فيها فراجع الفهرس
ثم قال ص٢٣٧ «نشأة علم الحديث ... » إلى أن قال ص٢٤٠ «الخبر وأقسامه» وذكر المتواتر ثم علق عليه في الحاشية: « ... أنكر المسلمون أعظم الأمور المتواترة، فالنصارى واليهود هما أمتان عظيمتان يخبرون بصلب المسيح، والإنجيل يصرح بذلك، فإذا أنكروا هذ الخبر وقد وصل إلى أعلى درجات المتواتر فأي خبر بعده يمكن الاعتماد عليه والركون إليه»
أقول: هذا إما جنون، وإما كفر فاختر، وما فيهما حظ لمختار. وقد بين علماء المسلمين سقوط دعوى تواتر الصلب بما لا مزيد فيه، وكل عاقل يعرف التواتر الحقيقي ثم يتدبر الواقعة يعلم أنها ليست منه، ومقتضى سياق أبي رية أنه
стр. 241
يحاول التشكيك في المتواتر، وزعم أن دلالته ظنية فقط (ألف)
ونقل ص٢٤١-٢٤٢ (١) عبارة عن المستصفى، ينبغي مقابلتها بالمستصفى ١٤٢:١ مع قول المستصفي في الصفحة التي قبلها «الخامس) كل خبر ... » ومراجعة المسالة في الأحكام ابن حزم وغيره
وقال ص٢٤٢ «ومن قواعدهم المشهورة ... ولا يلزم من الإجماع على حكم مطابقته لحكم الله في نفس الأمر»
أقول: يراجع البحث في كتاب الأصول، والمقصود هنا أن أبا رية يرى دلالة الإجماع بلفظ (ب)
وذكر آخر ص٣٤٣ عن الرازي « ... وإذا ثبت هذا ظهر أن الدلائل النقلية ظنية، وأن العقلية قطعية، والظن لا يعارض القطع»
أقول: للرازي تفصيل معروف، وقد تعقبه شيخ الإسلام ابن تيمة وغيره والحق أن في القرآن / دلالات قطعية، وأن دلالته المقطوع فيها بالظهور تكون قطعية إذا علم أنه لم يكن وقت حاجة المخاطبين إلى الأخذ بها قربته صارفة عن ذلك الظاهر، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز، وينبغي أن يتنبه لأن القرينة إنما يعتمد بها إذا كانت بينة يدركها المخاطب إذا تدبر، ولتقرير هذا موضع آخر
ومقتضى صنيع أبي رية أن دلائل القرآن- بله الأحاديث-كلها ظنية (ج)
وقال قيل ذلك «قال الجمهور إن أخبار الآحاد لا تفيد العلم قطعاً ولو كانت مخرجة في البخاري ومسلم، وأن تلقي الأمة لهما بالقبول إنما يفيد العلم بما فيهما بناء على أن الأمة مأمورة بالأخذ بكل خبر يغلب على الظن صدقة»
أقول: مسألة أخبار الصحيحين تأتي، وإنما المهم هنا أنه علق على آخر هذه
стр. 242
العبارة قوله «ترى هل هذه القاعدة التي قررها قد أمر الله بها ورسوله؟ وترة هل هي تخرجنا من حكم اتباع الظن الذي جاء في يات كثيرة من القرآن مثل (وما يتبع أكثرهم إلا ظناً إن الظن لا يغني من الحق شيئاً) . (وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا) ومثل قوله تعالى في قول النصارى بصلب المسيح (مالهم به من علم إلا اتباع الظن) » (د)
تامل هذه القضايا المرموز على أواخرها بهذه الأحرف (الف– ب- ج-د) وانظر ماذا بقي لأبي رية من الدين؟
أما الآيات فقدقيل، وقيل. ومن تدبر السياق وتتبع مواقع لكمة «يعني» ومشتقاتها في القرآن وغيره تبين له ما يأتي: كلمة «الحق» في الآيتين مراد بها الأمر الثابت قطعياً وكلمة «يعني» معناها: «يدفع» كما حكاه البغوي في تفسيره، ويعبر عنها بقولهم «يصرف» ونحوه، راجع لسان العرب ٣٧٦:١٩ ومنها في القرآن قوله تعالى (٣١:٧٧ فهل أنتم مغنون عنها من عذاب الله من شيء) وفي رواية أخرى (٤٧:٤٠ فهل أنتم معنون عنا نصبيباً من النار) وهذا سياق الآية الأولى (٣١:١٠- قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر؟ فيقولون الله، فقل أفلا تتقون. فذلكم الله ربكم الحق، فماذا بعد الحق إلا الضلال، فأنى تصرفون) / فالكلام في محاجة المتخذين مع الله إلهاً آخر وكلمة «الحق» في قوله (فماذا بعد الحق) مراد بها الأمر الثابت قطعاً ومنه لا إله إلا الله، ثم ساق الكلام في تقريرههم إلى أن قال (٣٦:١٠ ومن يتبع أكثرهم إلا ظناً إن الظن لا يغني من الحق شيئاً) فالحق هنا هو الأمر الثابت قطعاً كما مر، والمعنى: إن الظن لا يدفع شيئاً من الحق الثابت قطعاً، وعلى تعبير أهل الأصول: الظن لا يعارض القطع
стр. 243
والآية الثانية في سياق محاجة المشركين القائلين: الملائكة بنات الله، ويمسمونهم بأسماء الإناث ويعبدونها، قال الله تعالى (٢٣:٥٣ إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان، إن يتبعون إلا الظن وما تهوي الأنفس، ولقد جاءهم من ربهم الهدى) والهدى هنا بيان الحق الثابت قطعاً، فالمعنى أنهم يتبعون الظن والهوى معرضين عما يخالفه من الق الثابت قطعياً ثم قال تعالى (٢٨:٥٣ وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن، وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً) أي ليس عندهم علم فيعارض الحق الثابت قطعاً، إنما عندهم ظن، والظن لا يدفع شيئاً من الحق الثابت قطعياً، أو: الظن لا يعارض القطع
وأما الآية الثالثة فهي (١٥٧:٤ وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله، وما قتلوه، وما صلبوه، ولكن شُبه لهم، وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه مالهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا) المراد أن اله يخبر بأنهم لم يقتلوه ولم يصلبوه، وخبره سبحانه يفيد العلم القطعي، وليس عند أهل الكتاب علم قطعي فيعاض خبر الله، وإنما عندهم ظن، والظن لا يعارض القطع
وقال أبو رية ص٢٤٤ «ابن الصلاح ومخالفوه ... » وساق الكلام إلى أن قال ٢٤٦ «أما المتكلمون فقد عرف من حالهم أنهم يردون كل حديث يخالف ما ذهبوا إليه ولو كان من الأمور الظنية»
أقول: أما في الأمور الظنية فالمعروف عنهم قبوله غير أنهم لا يجزمون بمدوله إذا كان في العقليات
ثم قال «فمن ذلك حديث: تحاجت الجنة والنار ... ، أخرخه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ... »
أقول: قد تقدم ص١٥٩ وبينت هناك أنه رواه مع أبي هريرة أنس وأبو
стр. 244
سعيد وأبي بن كعب
ثم قال ص ٢٤٧ «فهذا الحديث ونظائره وهي كثيرة يبعد على المتكلم أن يقول بصحتها فضلاً عن أن يجزم بذلك، وإذا ألجئ إلى القول بصحتها لم يأل جهداً في تأويلها ولوعلى وجه لا يساعد اللفظ عليه بحيث يعلم السامع أن المتكلم لا يقول بجوازه في الباطن»
/ أقول: هذا يتضمن الاعتراف بأن النصوص اللفظية تكون قطيعة الدلالة هذا ومسلكهم في التأويل هو عينه مسلكهم في دفاع الآيات الكثيرة لمخالفة لهم من القرآن، فإذا كان لا ينفي ثبوت الآيات القرآنية عن الله ورسوله قطعهاً فكذلك لا ينفي صحة الأحاديث الصحيحة ظناً أو قطعاً. وراجع ص٢
وقال ص٢٤٩ «من المعروف. أنك تجد الحديث يعمل به الحنفي لشهرته ثم يأتي الشافعي فيرفضه لضعف في سنده، وتجد المالكي يرفض الحديث لأن العلم جلى على خلافه، ويعمل به الشافعي لقوة في سنده على ما رأى هو»
أقول: ما دمنا نعرف أن العلماء غير معصومين فاختلافهم في بعض الأحاديث أيؤخذ بها أم لا؟ ليس فيه ما يوهم ذا عقل أن الأحاديث كلها لا تصلح للحجة، ولا ما يقضي أن تلك الأحاديث المختلف فيها تصلح أو لا تصلح، بل المدار على الحجة فقد يرى العالم اشتهاراً حديث بين الناس فيغلب على ظنه أنه لم يشتهر إلا وأصله صحيح فيؤخذ به، فيأتي غيره فيبحث فيجد مرجع تلك الشهرة إلى مصدر واحد غير صحيح كما في مسألة القهقهة في الصلاة. وقد يبلغ العالم حديث من طريق واحد ويرى أن أهل العلم خالفوه فيمسك عنه، فيجئ غيره فيبحث فيجد الحديث ثابتاً ويجد بعض أهل العلم قد أخذوا به، وأن الذين لم يأخذوا به لم يقفوا عليه، أو نحو ذلك مما يبين أن عدم أخذهم به لا يخدش في كونه حجة، وقد ينعكس الحال، وعلى من بعد المحققين اتباع الحجة، فإن بقي بين متبعي الحجة خلاف فلا حرج، وإذا اتضح وبان أن
стр. 245
الحق مع أحد المختلفين ولكن أتباع الآخر أصروا على اتباعه، فليس في هذا ما يقدح في الحجة سواء أعذرنا أولئك الأتباع أم لم نعذرهم، وهكذا الاختلاف عند معارضة الحديث لبعض القواعد الشرعية أو لجميع الأقيسة
وقال: «في مرآة الوصول وشرحها ... »
وذكر ص ٢٥٠ عبارة لأبي يوسف نقلها من الأم الشافعي ٢٠٧:٧-٣٠٨ وترك قطعاً منها. وقد تعقب الشافعي كلام أبي يوسف بما تراه هناك.
وفي كلام أبي يوسف مما أرى التنبيه عليه أخبار:
الأول قال «حدثنا ابن أبي كريمة عن جعفر عن رسول الله صلى الله ليه وسلم ... »
أشار الشافعي إلى هذا الخبر في الرسالة ص ٢٤-٢٥ وقال «رواية منقطعة عن رجل مجهول» وفي التعليق هناك عن ابن معين والخطابي وغيرهم أنه موضوع.
الثاني «وكان عمر فيما بلغناه لا يقبل الحديث عن رسول الله ﷺ إلا بشاهدين»
أقول: وهذا باطل قطعاً، تقدم رده ص٤٦
الثالث «وكان علي بن أبي طالب لا يقبل الحديث عن رسول لله ﷺ »
أقول: كذا وقع، وهو باطل قطعاً، ولعله أراد أن علياً كان يحلف من حدثه كما تقدم مع رده ص٤٧
الرابع «حدثنا الثقة عن رسول الله ﷺ أنه قال في مرضه الذي مات فيه: إني لأحرم ما حرم القرآن، والله لا تمسكون علي بشيء»
أقول: كذا وقع ولعله «لا أحرم إلا ما حرم القرآن» فقد روى بلفظ
стр. 246
«لا أحرم إلا ما حرم الله كتابه» راجع أحكام ابن حزم ٧٧:٢ ومجمع الزوائد ١٧١:١ وهو على كل حال غير ثابت، ومع ذلك قد فسره الشافعي ثم ابن حزم بما يصحح معناه، ومن تتبع أقوال أبي يوسف في الفقة والاستدلالاته على أنه نفسه لا يرى صحة هذه الأخبار ولا يبني عليها، وإنما كثر بها السواد في بيان أن الأحكام لا تبنى إلا على رواية الثقات كما أشار إليه الشافعي إذ قال في تعقبه: وقد كان عليه أن يبدأ بنفسه فيما أمر به أن لا يروي عن النبي صلى الله عليه ولسم إلا من الثقات
وقال ص٢٥١ «رأى مالك وأصحابه أنهم يقولون تثبت السنة من وجهين: أحدهما أن نجد الأئمة من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا بما يوافقها. الثاني أن لا نجد الناس اختلفوا فيها»
أقول: لم يذكر مصدره، وهذه كتب المالكية أصولاً وفروعاً لا تعطي هذا نعم قد يقف المجتهد عن حديث ولا يبين غيره، أوريروي عنه بعض أصحابه كما لا يريد بها أن تكون قاعدة، فيذهب بعض أصحابه يحاول أن يضع قواعد يعتذر بها. وفي الأم ١٧٧:٧- من قول الربيع: «قلت [للشافعي] فاذكر ما ذهب إليه صاحبنا [مالك] من حديث النبي ﷺ مما لم يروت الأئمة أبي بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي شيئاً يوافقه. فقال: نعم سأذكر من ذلك إن شاء الله ما يدل على ما وصفت، وأذكر أيضاً ما ذهب إليه من حديث رسول الله ﷺ وفيه عن بعض الأئمة ما يخالفه ...
قال أبو رية «قد روى الدارقطني أن رسول الله ﷺ قال: إنها تكون بعدي رواة / يروون عني الحديث، فأعرضوا حديثهم على القرآن فما وافق القرآن فحدثوا به، وما لم يوافق القرآن فلا تحدثوا به»
أقول: لم يذكر مصدره، وهذا هو الخبر الأول في عبارة أبي يوسف المتقدمة
стр. 247
ص ١٧٨ وقد حكم الأئمة بأنه موضوع كما مر
قال «وقد طعن رجال الأثر في هذا الحديث، ورووا حديثاً هذا نصه «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه» وهذا من أعجب العجب، لأنه إن كان النبي ﷺ قد أوتي الكتاب- أي مثل القرآن ليكون تماماً على القرآن لبيان دينه وشريعته فلم لم يعن صلوات الله عليه بتدوينه وكتابته قبل أن ينظر إلى الرفيق الأعلى كما عني بالقرآن»
أقول: قد تقدم البيان المنير في مواضع، منها ص٢٠-٢١
قال: «ولم ينه عن كتابته بقوله: لا تكتبوا عني غير القرآن»
أقول: تقدم البيان الواضح ص ٢٢-٢٤
قال «وهل يصح أن يدع الرسول نصف ما أوحاه الله إليه يعدوا بين الأذهان بغير قيد، يمكسه هذا وينساه ذاك؟ وهل يكون الرسول- بعمله هذا- قد بلغ الرسالة على وجهها وأدى الأمانة كاملة لى أهلها» ؟
أقول: قد تقدم دفع هذا الريب ص٢٠-٢١ والقدر الذي يحصل به تيبليغ الرسالة وأداة الأمانة إنما تحديده إلى الله لا إلى المرتابين في حكمته وقدرته، وراجع ص٣٢-٣٣و٥٢
قال ص٢٥٢ «وأين كان هذا الحديث عندما قال أبي بكر للناس..؟ وعند ما قال عمر ... ؟ ولم يشفق.... عندما فزغ إلى أبي بكر»
أقول راجع ص٣٦و ٣٩و ١٧٣-١٧٤
وذكر توقف مالك وأبي حنيفة عن بعض الأحاديث لمعارضتها ما هو أقوى منها عندهما، وقد مر جوابه ص١٧٨
وذكر ص٢٥٣ قصة مناظرة جرت بين الأوزاعي وأبي حنيفة، وهي قصة
стр. 248
مكذوبة عارض بها بعض من لايخاف الله من الحنفي ة قصة مناظرة رواها الشافعية بسند واه، راجع سنن البيهقي ٨٢:٢ وفضائل أبي حنيفة الموفق ١٣١:١، وكلتا القصتين مروية عن «الشاذكوني قال: سمت سفيان بن عيينة ... »
ثم ذكر ص ٢٥٤ ... كلام النحاة في الاستدلال بالأحاديث وهذا لا يهمنا مع أن الحق أن ابن مالك توسع، وأنه كما مر ص ٦٠ يمكن بالنظر في روايات الأحاديث وأحوال رواتها أن يعرف في طائفة منها أنها بلفظ النبي ﷺ أو بلفظ الصحابي أو بلفظ التابعي، وهو ممن يحتج به في العربية لكن تحقيق ذلك يصعب على غير أهله، فلذلك أعرض قدماء النحاة عن الاحتجاج بالحديث ووجدوا في المتيسر لهم من القرآن وكلام العرب ما يكفي
وذكر ص٢٥٩ كلاماً للشيخ محمد عبده في حديث أن يهودياً سحر النبي ﷺ
أقول: النظر في هذا في مقامات:
المقام الأول: ملخص الحديث بأنه ﷺ في فترة من عمره ناله مرض خفيف ذكرت عائشة أشد اعراضه بقولها «حتى كان يرى أنه يأتي أهله ولا يأتيهم» وفي رواية «حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن» وفي أخرى «يخيل إليه أنه كان يفعل الشيء وما فعله» ، ولرواية الأولى فيما يظهر أصح الروايات فالأخريان محمولتان عليها ... وفي فتح الباري ١٩٣:١٠ «قال بعض العلماء: لا يلزم من أنه كان يظن أنه فعل الشيء ولم يكن فعله، أن يجزم بفعله لذلك، وإنما يكون ذلك من جنس الخاطر يخطر ولا يثبت» أقول: وفي سياق الحديث ما يشهد لهذا، فغن فيه شعوره ﷺ بذاك المرض ودعاءه ربه أن يشفيه» فالذي يتحقق دلالة الخبر عليه أن ﷺ كان في تلك الفترة يعرض له خاطر أنه قد جاء إلى عائشة وهو ﷺ عالم أنه لم يجئها ولكنه كان يعاوده ذاك الخاطر على خلاف عادته، فتأذى ﷺ عن ذلك، وليس في حمل الحديث على هذا تعسف ولا تكلف
стр. 249
المقام الثاني: في الحديث عن عائشة «حتى إذاكان ذات يوم وهو عندي لكنه دعا ودعا ثم قال: يا عائشة أشرت أن الله أفتاني فيما استفتنيه فيه؟ أتاني رجلان (أي ملكان – كما في رواية أخرى- في صورة رجلين) .. فقال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ فقال: مطبوب. قال: من طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم. قال في أي شيء؟ قال: في مشط ومشاطة وجف طلع نخلة ذكر. قال: وأين هو؟ قال: في بئر ذروان. فأتاها رسول الله صلى الله٩ عليه وسلم في ناس من أصحابه فجاء.. قلت يا رسول الله أفلا تستخرجه؟ قال قد عافاني الله، فكرهت أن أثبر على الناس شراً، فأمرت بها فدفنت»
ومحصل هذا أن لبيد أراد الحاق ضرر بالنبي ﷺ فعمل عملاً في شط ومشاطة الخ، فهل من شأن ذلك أن يؤثر؟ / قد يقال: لا، ولكن إذا شاء الله تعالى خلق الأثر عليه. والأقرب من ذلك: نعم بإذن الله، والإذن هنا خاص. وبيانه أن الأفعال التي من شأنها أن تؤثر ضربان: الأول ما أذن الله تعالى بتأثيره إذناً مطلقاً ثم إذا شاء منعه، وذلك كالإتصال بالنار مأذون فيه بالإحراق إذنا مطلقاً، فلما أراد الله تعالى منعه (قال يانار كوني برداً وسلماً على إبراهيم) ، من التأثير رفع المنع فيؤثر. وقوله تعالى في السحر «وما هم بضارين من أحد إلا بإذن الله) يدل أنه من الضرب الثاني، وأنا المراد بالإذن الإذن الخاص، والحكمة في مصلحة الناس تقتضي هذا، والواقع في شئونهم يشهد له، وإذ كان هذا حاله فلا غرابة في خفاء وجه التأثير علينا
المقام الثالث: النظر في كلام الشيخ محمد عبده. وفيه ثلاث قضايا:
القضية الأولى: قال «فعلى فرض صحته هو آحاد، والآحاد لا يؤخذ بها في باب العقائد»
стр. 250
أقول: ما صحته فثابتة باثبات أئمة الحديث لها، فإن أراد الصحة في نفس الأمر فهب أنا لا نقطع بها ولكنا نظنها ظناً غالباً، وعلى كل الحالين فواضعو تلك القاعدة لا ينكرون أنه يفيد الظن، ومن أنكر ذلك فهو مكابر، وإذا أفاد الظن فلا مفر من الظن وما يترتب على الظن، فلم يبق إلا أنه لا يفيد القطع، وهذا حق في كل دليل لا يفيد إلا الظن
القضية الثانية: أنه مناف للعصمة في التبليغ قال «فإنه قد خالط عقله وإدراكه في ز عمهم.. فإنه إذا خولها.. في عقله كما زعموا جاز عليه أن يظن أنه بلغ شيئاً وهو لم يبلغه، أو أن شيئاً ينزل عليه وهو لم ينزل عليه»
أقول: أما المتحقق من معنى الحديث كما قدمنا في المقام الأول فليس فيه ما يصح أن يعبر عنه بقولك: «خولط في عقله» وإنما ذاك خاطر عابر، لو فرض أنه بلغ الظن فهو في أمر خاص من أمور الدنيا لم يتعده إلى سائر أمور الدنيا فضلاً عن أمور الدين، ولا يلزم من حدوثه في ذاك الأمر جوازه في ما يتعلق بالتبليغ بل سبيله سبيل ظنه أن النخل لا يحتاج إلى التأبير، وظنه بعد أن صلى ركعتين أنه صلى أربعاً وغير ذلك من قضايا السهو في الصلاة، وراجع ص١٨-١٩ وفي القرآن ذكر غضب موسى على أخيه هارون وأخذ برأسه لظنه انه قصر مع أنه لم يصر، وفيه قول يعقوب لبنيه لما ذكروا له ما جرى لابنه الثاني (بل سولت لكم أنفسكم أمراً» يتهمهم بتدير مكيدة مع أنهم حينئذ أبرياء صادقين. وقد يكون من هذا بض كلمات موسى للخضر. وانرظ قوله تعالى عن يونس (فظن أن لن نقدر عليه»
القضية الثالثة: الحديث مخالف للقرآن (في نفيه السحر عنه ﷺ وعده من افتراء المشركين عليه ... مع أن الذي قصده المشركون ظاهر، لأنهم كانوا يقولون: إن الشيطان يلابسه ﵇، وملابسة الشيطان تعرف بالسحر