← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 9463

الأنوار الكاشفة لما في كتاب «أضواء على السنة» - ط السلفية

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (306 стр.). Показаны 281–306 · переход к 286.

стр. 281

قد رده الحافظ ابن حجر في ترجمة مالك بن الخير من لسان / الميزان، وفي مواضع آخر، وحفص ومالك ليسا ولا أحدهما في الصحيحين ولا أحدهما، ولا فيهما ولا في أحدهما من هو مثل حفص ومالك، فإن وجد من هو قريب من ذلك فنادرا في المتابعات ونحوها كما بينه ابن حجر، على أنه لو فرض أن البخاري احتج في الصحيح بمن لم يوثقه غيره فاحتجاجه به في الصحيح توثيق وزيادة وذكر بعد ذلك في المتن والحاشية كلاماً قد تقدم بيان الحق فيه ولله الحمد ثم ذكر ص٣٢٤-٣٢٧ كلاماً للدكتور طه حسين ذكره في معرض الرد على الذين يكذبون غالب ما روى من الأحداث في زمن عثمان ويقولون إنه «على كل حال لم يرد إلى الخير، ولم يكن يريد ولا يمكن أن يريد إلا الخير» ويرون في سائر الصحابة أنهم «يخطئون ويصيبون، ولكنهم يجتهدون دائماً ويسرعون إلى الخير دائماً فلا يمكن أن يتورطوا في الكبائر، ولا أن يحدثوا إلا هذه الصغائر التي يغفرها الله المحسنين من عباده» أقول: أما أهل العلم من أهل السنة فلا يقولون في عثمان ولا في غيره من آحاد الصحابة إنه معصوم مطلقاً أو من الكبائر، وإنما يقولون في المبشرين بالجنة: إنه لا يمكن أن يقع منهم ما يحول بينهم وبين ما بشروا به، وإن الصحابي الذي سمع من النبي ﷺ ولم يعرف بنفاق في عهده ولا ارتد بعد موته لا يكذب عليه ﷺ متعمداً، وقد تقدم بيان ذلك، ولا يظن به أن يرتكب كبيرة غير متأول ويصر عليها، والعارف المنصف لا يستطيع أن يجحد أن هذا الحال كانت هي الغالبة فيهم، فالواجب الحمل عليها ما دام ذلك محتملاً، وعلماء السنة يجدون الاحتمال قائماً في كل ما نقل نقلاً ثابتاً، نعم قد يبعد في بعض القضايا ولكنهم يرونه مع بعده أقرب من ضده، وذلك مبسوط في كتبهم قال ص٣٢٥ «ونحن لا نغلو في تقديس الناس إلى هذا الحد البعيد» أقول:

стр. 282

وعلماء السنة كما رأيت لا يبلغون هذا الحد، وإن كانوا يعلمون أن حال الصحاب لا تقاس بحال غيرهم قال: «ولا نرى في أصحاب النبي ﷺ مالم يكونوا يرون في أنفسهم» أقول: المدار على الحجة، فإذا ثبت عندنا أن أحدهم كان يرى في صاحبه أمراً فليس لنا أن نوافقه إذا لم نعلم له حجة، فكيف إذا ماقامت الحجة على خلافه؟ وأوضح من ذلك أنه ليس لنا أن نتهم غير صاحبه بمثل تلك التهمة ما دام لا حجة لنا على ذلك. فأما الاستدلال على الإمكان فعلماء السنة لم يتفوا الإمكان إلا فيما قام عليه دليل شرعي كالتبشير بالجنة. والدليل الشرعي لا يعارضه ما دونه / قال «وهم تقاذفوا التهم الخطيرة، وكان منهم فريق تراموا بالكفر والفسوق، فقد روى أن عمار بن ياسر ... » أقول: أما الترامي بالفسوق بمعنى ارتكاب بعض الكبائر فقد كان بعض ذلك وعلم حكمه مما مر، وأما الترامي بالكفر فلم يثبت، بل الثابت خلافه، وما ذكر أنه ما روى عن عمار وابن مسعود لم يثبت، وعلى فرض أنه ثبت عن بعضهم كلمة يظهر منها ذاك لامعنى فهي فلتة لسان عندثورة غضب لا يجوز أخذها على ظاهرها لشذوذها ونفي جمهور الصحابة لما يزعمه ظاهرها، فكيف وقد ثبت عن النبي ﷺ تبشير عثمان بالشهادة والجنة؟ ثم قال ص٣٢٦ «الذين رووا أخبار هذه الفتن هم أنفسهم الذين رووا أخبار الفتح وأخبار المغازي وسيرة النبي ﷺ والخلفاء، فما ينبغي أن نصدقهم حين يروون ما يروقنا، وأن نكذبهم حين يروون ما لا يعجبنا ... وما ينبغي كذلك أن نصدق كل ما يروي أو نكذب كل ما يروي وإنما الرواة أنفسهم ناس من الناس يجوز عليهم الخطأ والصواب ويجوز عليهم الصدق والكذب، والقدماء أنفسهم قد عرفوا ذلك وتهيئوا له ووضعوا قواعد.. فليس علينا بأس من أن

стр. 283

نسلك الطريق التي سلكوها وأن نضيف إلى القواعد التي عرفوها ما عرف المحدثون من القواعد الجديدة ... » أقول: الرواة كما وصف، ولكن لا يجهل عاقل أن أحوالهم مختلفة: فمنهم المغفل المتساهل الذي يبني على التوهم فيكثر غلطه، ومنهم الضابط المتقن المثبت الذي يندر جداً أو يخطئ، وليس كل ما يصلح مستنداً للتوقف عن خبر الأول أو رده يصلح لمثل ذلك في خبر الثاني. فأما الصدق وتعمد الكذب ولا سيما في الحديث النبوي فالأمر فيها أعظم، وللكذب دواع وموانع، والناس متفاوتون جداً في الانقياد للدواعي أو الموانع، فإني أعرف من الأغنياء الوجهاء من يساوم بالسلمة الخفيفة فيقول له الدكاني: ثنمها ثلاثة قروش، فيقول كاذباً: إن صاحب ذلك الدكان يبيعها بقرشين، يكذب هذه الكذبة طبعاً في أن يغر الدكان فيعط يه إياها بقرشين مع علمه أن كذبه قد ينكشف عن قريب، بل إذا نجح فأخذها بقرشين، قد يذهب فيخبر بالقصة متمدحاً بكذبه، وأعرف من المقلين من لا تسمح له نفسه بمثل هذا الكذب ولو ظن أنه يتحصل به على مقدار كبير، فأما الحديث النبوي فالأمر فيه أشد، والمتدينون من الكذب فيه أبعد أبعد فإن قيل: قد ذكر أهل الحديث أن جماعة صالحين كانوا يكذبون في الحديث عمداً في المواعظ ونحوها / وذكروا في الهيثم بن عدي – وهو ممن يكذبون – أنه كان يقوم عامة الليل يصلي، فإذا أصبح جلس يكذب قلت: أما صالح يتعمد الكذب فلا يكون إلا شديد الجهل بالدين، ومثل هذا نادر لا يسوغ أن يقاس به من عرف بالدين والعلم والصدق، ولو ساغ هذا لساغ أن يتهم كل إنسان بكل نقيصة عرفت لغيره، ولو عرف بأنه من أبعد الناس عنها فأما الهيثم بن عدي فتلك الحكاية إنما حكاها عباس الدوري قال «حدثنا

стр. 284

بعض أصحابنا قال: قالت جارية بن الهيثم بن عدي: كان مولاي ... » والجارية لا يعرف حالها، والمخبر عنها لا يدري من هو وما حاله، وإنما استندوا في تكذيب على أنها نادرة مستطرفة لأن مثل هذا نادر كما مر، وإنما استندوا في تكذيب الهيثم إلى دلائل ثابتة. هذا وعلماء السنة لا يستندرون في التصديق والتكذيب إلى أن ذاك يروقهم هذا لا يعجبهم، ولكنهم ينظرون إلى الرواة فمن كان من أهل الصدق والأمانة والثقة لا يكذبونه، غير أنهم إذا قام الدليل على خطئه خطأوه، سواء كاذن ذلك فيما يسوءهم أم فيما يعجبهم، وأما من كان كذاباً أو متهماً أو مغفلاً أو مجهولاً أو نحو ذلك فإنهم لا يحتجون بروايته. ومن هؤلاء جماعة كثير قد رووا عنهم في كتب التفسير وكثير من كتب الحديث والسير والمناقب والفضائل والتاريخ والأدب، وليست روايتهم عنهم تصديقاً لهم وإنما هي على سبيل التقييد والاعتبار، فإذا جاء دور النقد جروا على ما عرفوه، فما ثبت عما رواه هؤلاء برواية غيرهم منأهل الصدق قبلوه، وما لم يثبت فإن كان مما يقرب وقوعه لم يرو بذكره بأساً وإن لم يكن حجة، وإن كان مما يستبعد أنكروه، فإن اشتد البعد كذبوه، وهذا التفصيل هو الحق المعقول، ومعلوم أن الكذوب قد يصدق فإذا صدقناه حيث عرفنا صدقه واستأنسنا بخبره حيث يقرب صدقه لم يكن علينا – بل إن لم يكن لنا - أن نصدقه حيث لم يتبين لنا صدقه، فكيف إذا تبين لنا كذبه؟ أما القواعد النظرية قديمها وحديثها فحقها أن تضاف- كما أشار إليه الدكتور – إلى القواعد السندية بعد داسة الناقد لهذه دراسة وافية وإيفائها حقها. فأما الأثبات، أو الاستدلال به على صدق الحكايات الواهية فضرره أكثر من نفسه، كثيراً ما يبلغنا حدوث حادثة في عصرنا هذا فترى صحتها لأننا نرى أن الأسباب تستدعيها وتكاد توجب وقوعها، ثم يتبين أنها لم تقع، وتبلغنا واقعة فترتاب فيها

стр. 285

ونكاد نجزم تكذيبها، ثم تبين أنها وقعت/ فإن قيل: إنما ذلك لخطئنا في اعتقاد أن هذا سبب أو مانع، أو في تقدير قوته، أو لجهلنا بأسباب وموانع أخرى أقوى مما عرفناه، قلت: فإذا كان هذا جهلنا بزماننا ومكاننا وبيئتنا، فكيف بما مضى عليه بضعة عشر قرناً؟ ومما يجب التنبيه له أنه قد يثبت من جهة السند نص يستنكره بعض النقاد، وحق مثل هذا أن لا يبادر إلى رده، بل يمعن النظر في أمرين: الأول معنى النص، فقد يكون المراد منه معنى غير الذي استنكر، الثاني سبب الاستنكار فكثيراً ما يجئ الخلل من قبله وقد تقضي القرآن وقوع أمر سكت عنه الروايات الصحيحة وترد رواية واهبة السند فيها ما يؤدي ذاك الأمر في الجملة فيبادر الناقد إلى تثبيتها، وفي هذا ما فيه، ألا ترى أنه قد يجيئك شخص ضربه آخر فنسأله: لم ضربك؟ فيقول: بلا سبب، فترتاب في صدقه، فإذا جاء خصمة فقال إنما ضرته لأنه سبني سباً شنيعاً، قال كيت وكيت، ظننت أنه صادق في الجملة، أي أنه قد كان سب، ولكنه قد يكون دون ما ذكره الضارب بكثير، فالصواب أن نذكر الرواية وأنها واهية السند، ثم يقال: ولكن القرآن تقتضي أنه قد كان شيء من ذاك القبيل هذا هو مقتضي التحقيق والأمانة ثم قال أبو رية ص ٣٢٨ «طالب الحديث بغير فقه ... » أقول: قال أبو رية ص٤٦ «وروى البخاري ومسلم عن النبي ﷺ قال: إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكبير أصاب أرضاً، منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب بها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ»

стр. 286

إذا طبق هذا الحديث على أهل الحديث فثقاتهم كل هم داخلون في الفرقتين الأوليين المحمودتين، راجع فتح الباري ١٦١:١ وفي حديث زيد بن ثابت عن النبي ﷺ عند الترمذي وغيره، «نضر الله امرءا سمع منا حديثاً فحفظه حتى يبلغه غيره، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه» . فشمل الدعاء كما ترى من حفظ وبلغ وإن لم يكن فقيهاً وذكر عن الثوري «لو كان الحديث خيراً لذهب كما ذهب الخير» أقول: لم يقصد نفي الخير عن هذا الحديث نفسه، كيف والقرآن خير كله ولم يذهب ولا عن طلب الحديث جملة / فإن المتواتر المعلوم قطعاً عن الثوري خلاف ذلك، وإنما قصد أن كثيراً من الناس يطلبون الحديث لغير وجه الله وذلك أنه رأى أن الرغبة في الخير لمحض لم تزل تقل، كانت في الصحابة أكثر منها في التابعين، وفي كبار التابعين أكثر منها في صغارهم وهلم جرا، وفي جانب ذلك يعني أن كثيراً ممن يطلب الحديث يطلبه ليذكر ويشتهر ويقصده الناس ويجتمعوا حوله ويعظموه. وأقول: إن العليم الخبير أحكام الحاكمين كما شرع الجهاد في سبيله لإظهار دينه، ومع ذلك يسر ما يرغب فيه من جهة الدنيا، فكذلك شرع حفظ السنة وتبليغها، ومع ذلك يسر ما يرغب في ذلك من جهة الدنيا، لأنه كما يحصل بالجهاد عن الإسلام وإن قل ثواب بعض المجاهدين فكذلك يحصل بطلب الحديث وحفظ وحفظ االدين ونشره وإن قل أجر بعض الطالبين وذكر أبو رية ص٣٣٠ كلمات لبعض المحدثين في ذم أهل الحديث يعنون طلابه، التقطها من كتاب العلم لابن عبد البر وقد قال ابن عبد البر هناك ١٢٥:٢ «وهذا كلام خرج على ضجر، وفيه لأهل العلم نظر» وإيضاح ذلك أن الرغبة في طلب الحديث كانت في القرون الأوى شديدة، وكان إذا اشتهر شيخ ثقة معمر مكثر

стр. 287

من الحديث قصده الطلاب من آفاق الدنيا، منهم من يسافر الشهر والشهرين وأكثر ليدرك ذاك الشيخ، وأكثر هؤلاء الطلاب شبان، ومنهم من لا سعة له من المال إنما يستطيع أن يكون معه من النفقة قدر محدود يتقوت منه حتى يرجع أو يلقى تاجراً من أهل بلده يأخذه منه الشيء، وكان منهم من كل نفقته جراب يجعله فيه خبز جاف يتقوت كل يوم منه كسرة يبلها بالماء يجتزئ بهان ولهم في ذلك قصص عجيبة فكان يحتمع لدى الشيخ جماعة من هؤلاء كلهم حريص على السماع منه وعل الاستكثار ما أمكنه في أقل وقت، إذ لا يمكنه إطالة البقاء هناك لقة ما يبده من النفقة، ولأنه يخارف أن يموت الشيخ قبل أن يستكثر من السماع منه، ولأنه قد يكون شيوخ آخرون في بلدان أخرى، يريد أن يدركهم ويأخذ عنهم، فكان هؤلاء الشباب يتكاثرون على الشيخ ويلحون عليه ويبرونه، فيتعب ويضيق بهم ذراعاً، وهو إنسان له حاجات وأوقات يجب أن يسترح فيها وهم لا يدعونه، ومع ذلك فكثير منهم لا يرضون أن يأخذوا من الشيخ سلاما بسلام بل يريدون اختباره ليتبين له أضابط أم لا. فيوردون عليه بعض الأسئلة التي هي مظنة الغلط ويناقشونه في / بعض الأحاديث ويطالبونه بأن يبرز أصل سماعه، وإذا عثروا للشيخ على خطأ أو سقط أو استنكروا شيئاً من حاله خرجوا يتناقلون ذلك بقصد النصيحة، فكان بعض أولئك الشيوخ إذا أحل عليه الطلبة وضاف بهم ذرعا أطلق تلك الكلمات «أنتم سخة عين، ولو أدركنا وإياكم عمر بن الخطاب لأوجعنا ضربا، ما رأيت علماً أشرف ولا أهلاً أسخف من أهل الحديث. صرت اليوم ليس شيء أبغض إلى من أن أرى واحداً منهم. إن هذا الحديث يصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون. لأنا أشد خوفاً منهم من الفساق» لأنهم يبحثون عن خطاه وزلله ويشيعون ذلك والغريب أن أولئك الطلاب لم يكونوا يدعون هذه الكلمات تذهب، بل يكتبونها ويروونها فيما يروون، فيذكر من يريد عتاب الطلاب وتأديبهم

стр. 288

كابن عبد البر، ويهتبلها أبو رية ليعيب بها الحديث وأهله جملة فأما قول الثوري «أنا في هذا الحديث منذ ستين سنة، وودت أني خرجت منه كفافاً لا علي ولا لي» فهذا كلام المؤمن الشديد الخشية تتضاءل عنده حسناته الكثيرة العظيمة ويتعاظم في نظره ما يخشى أن يكون عرض له من تقصير أو خالطه من عجب، وقد قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب نحو هذا فيما كان له بعد رسول الله ﷺ من عمل، وإنما كان عمله ذلك جهاداً في سبيل الله وإعلاه دينه وتمكين قواعده وإقامة العدل التام، وغير ذلك من الأعمال الفاضلة، وقد كان فيها كلها أبعد الناس عن حفظ النفس، بل كان يبلغ في هضم نفسه وأهل بيته، وكل عارف بالإيمان وشأنه يعرف لكلمة عمر حقها، ولكن الرافضة عكسوا الوضع، وقفاهم أبو رية في كلمة الثوري وما يشبهها ! وعلق أبو رية عل كلمة «لو أدركنا وإياكم عمر بن الخطاب الخ» ما تقدم تقنيده في مواضع خاتمة أبي رية قال ص٣٣١: «خاتمة ... » ذكر عبارات لابن خلدون تتلخص في أمور: الأول ذكر من الدواعي إلى الكذب التشيع للمذاهب والتزلف إلى ذوى المراتب. فأقول قد عرف المحدثون هذا وعدة أسباب أخرى أشاروا إليها في البواعث على الوضع، وإنما الفرق بينهم وبين بعض من يتعاطى النقد في عصرنا أن المحدثين علموا أن هذين الداعيين مثلاً لا يدعوان إلى الكذب لأنه كذب، وإنما يدعو الأول إلى ما ذكره ما يؤيد المذهب، والثاني إلى ذكر ما يرضي ذا المرتبة، / وإن كلا من التأييد والإرضاء ليس وقفاً على الكذب، بل يمكن أن يقع بما هو صدق، إذن فالخبر بما يؤيد مذهبه أو يرضي رئيسه يجوز مع تصرف النظر عن الأمور الأخرى أن يكون صادقاً

стр. 289

وأن يكون كاذباً، فالحكم بأحدهما لوجود الداعي غير سائغ، بل يجب النظر في الأمور الأخرى ومنها الموانع، فإذا وجدوا داع ومانع وانحصر النظر فيهما تعين الأخذ بالأقوى، وكل من الدواعي والموانع تفاوت قوته في الأفراد تفاوتاً عظيماً، فلابد من مراعاة ذلك ومت تدبر هذا علم أن الحق لا ريب فيه وأنه يرى شواهده في نفسه وفي من حواليه، وعلم أن ما يملكه بعض متعاطي النقد من أهل العصر في اتهام أما أئمة الحديث فقد عرفوا الرواة وخبروهم وعرفوا أحوالهم وأخبارهم واعتبروا مروياتهم كما تقدم في مواضع منها ص٥٥و ٦٢ فمن وثقه المتثبتون منهم فمحاولة بعض العصريين اتهامه لأنه كان - مثلاً يتشيع أو يخالط بني أمية أو نحو ذلك لغو لا يرتضيه العارف البتة، هذا حكم بقية علماء السنة لهم وعليهم، ألا ترى أن مسلماً صحح حديث أبي معاوية عن الأعمش عن عدي بن ثابت عن زر قال «قال علي: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الأمي ﷺ إلى أن يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلامنافق» ولا أعلم أحداً طعن فيه، مع ان عدي بن ثابت معروف بالتشيع بل وصفه بعضهم بالغلو فيه، وكان إمام مسجد الشيخة وقاضهم، والبخاري إن لم يخرج هذا الحديث فقد احتج بعدي بن ثابت في عدة أحاديث، ولو كان يتهمه بكذب ما في الرواية لما احتج به البتة الأمر الثاني ذكر مر من أسباب الكذب خطأ أن يخطئ الخبر في معرفة حقيقة ما عاين أو سمع، وينقل الخبر بحسب ما اعتقد، أقول: قد عرف المحدثون هذا، ولذلك شرطوا في الراوي أن يكون ضابطاً متثبتاً عارفاً بمعاني الكلام إذا روى بالمعنى، ويختبرون حاله في ذلك باعتبار حديثه كما تقدم ص٥٥و٦٢ وغيرهما الأمر الثالث ذكر من أسباب تلقي الراوي الصدوق خبر الكاذب ونقله له، حسن الظن بالمخبر، وموافقة الخبر لرغبة الراوي وضعف تمحيصه. أقول:

стр. 290

وهذا قد عرفه أئمة الحديث، ولذلك لم يعدوا رواية الثقة لخبر عن رجل تصحيحاً ولا توثيقاً / الأمر الرابع ذكر أن الحكم بصحة الخبر لا ينبغي أن يكتفي فيه بثقة الراوي، بل ينبغي أن يتقدم ذلك النظر في طبيعة الخبر وعرضه على أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني ويقاس الغائب على الشاهد، فإذا عرف أنه ممكن نظر في حال الرواة، قال «أما إذا كان مستحيلاً فلا فائدة للنظر في التعديل والتجريح» أقول: وهذا قد عرفه الأئمة، وقدروا كل شيء من هذا قدره. راجع ص ١٩١ وقال ص٣٣٤ عن ابن خلدون «فأبو حنيفة ﵁ يقال بلغت روايته إلى سبعة عشر حديثاً» أقول هذه مجازفة قبيحة وتفريط شائن، أفما كان ابن خلدون يجد عالماً يسأله؟ الأحاديث المروية عن أبي حنيفة تعد بالمئات، ومع ذلك لم يرو عنه إلا بعض ما عنده، لأنه لم يتصد سماع الحديث. راجع ص٣٤ قال «ومالك ﵀ إنما صح عنده ما في كتب الموطأ» أقول وهذه مجازفة أخرى، لم يقصد مالك أن يجمع حديثه كله ولا الصحيح عنه في الموطأ، إنما ذكر في الموطأ ما رأى حاجة جمهور الناس داعية إليه قال: «وغايتها ثلثمائة حديث أو نحوها» أقول: هذه مجازفة ثالثة، انظر كتاب أبي رية ص٢٧١ حيث ذكر عن الأبهري أنها ستمائة، فأما ما ذكره هناك أن الموطأ كان عشرة آلاف حديث فلم يزل مالك ينقص منه، فقد فنده ابن حزم في أحكامه ١٣٧:٢ وقال أيضاً «إن الصحابة لم يكونوا كلهم أهل فتيا، ولا كان الذين

стр. 291

يؤخذ عن جميعهم (١) » . أقول: قال الإمام الشافعي «أصحاب النبي ﷺ كلهم ممن له أن يقول في العلم» راجع ما تقدم ص٤٢ ثم قال أبو رية ص٣٣٤-٣٣٨ «أعظم كت رزى به الإسلام. قال الأستاذ الإمام محمد عبده ... » فذكر أموراً قد تقدم النظر فيها، وذكر ص٣٣٦ قول يحيى القطان «ما رأيت الصا لحين في شيء أكذب منهم في الحديث» ففسر الصالحين بالمرائين، والمعروف عند أهل الحديث أنهم أناس استغرقوا في العبادة والتقشف وغفلوا عن ضبط الحديث، فصاروا يحدثون على التوهم، كأبان بن أبي عياش ويزيد بن أبان الرقاشي وصالح المري وغيرهم وفي آخر ص٣٣٧ «أما الأخبار الآحاد فإنما يجب الإيمان بما ورد فيها على من بلغته وصدق بصحة روايتها» أقول: ومن لم يصدق فمدار الحكم فيه على المانع له من التصديق، فمن الموانع ما لا يمنع إلا الزائع، وراجع ص٥٦ / وقال ص٣٣٨ «هل كله من وثقه جمهور المتقدمين يكون ثقة» ؟ وذكر في هذه الصفحة إلى ص ٣٤٤ كلمات لصاحب المنار، منها كلام في كعب الأحبار ووهب بن منبه، وقد تقدم النظر في ذلك ص٦٧-٧٠ وغيرها ومنها في نقد المتون «ومن تعرض له منهم كالإمام أحمد والبخاري لم يوفه حقه كما تراه فيما يورده الحافظ ابن حجر في التعارض بين الروايات الصحيحة له ولغيره» أقول من أنعم النظر في الرواة والمرويات ومساعي أئمة الحديث في الجمع والتنقيب والبحث والتخليص والتمحيص عرف كيف يثني عليهم، وأبقى الله من

стр. 292

بعدهم ما يتم به الابتلاء وتنال به الدرجات العلى ويمتاز هؤلاء عن هؤلاء وقد أسلفت ص ١٦١و ١٨٨ أن الاستشكال لا يستلزم البطلان. بدليل استشكال كثير من الناس كثيراً من آيات القرآن، وذكرت في ص١٧٢ أن الخلل في ظن البطلان أكثر جداً من الخلل في الأحاديث التي يصححها الأئمة المتثبتون قال «ومنه ما كان يتعذر عليهم العلم بموافقته أو مخالفته للواقع الظاهر حديث أبي ذر عند الشيخين وغيرهما أين تكون الشمس بعد غروبها، فقد كان المتبادر منه للمتقدمين أن الشمس تغيب عن الأرض كلها وينقطع نورها عنها مدة الليل إذ تكون تحت العرش تنتظر الإذن لها بالطلوع ثانية» أقول: للحديث روايات: إحداها رواية وكيع عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر سألت النبي ﷺ عن قوله تعالى (والشمس تجري لمستقر لها) قال «مستقرها تحت العرش» أخرجاه في الصحيح الثانية في الصحيحين أيضاً من طريق أبي معاوية عن الأعمش عن إبراهمي التيمي عن أبيه عن أبي ذر قال «دخلت المسجد ورسول الله ﷺ جالس، فلما غابت الشمس قال: يا أبا ذر هل تدري أين تذهب هذه؟ قال: قلت الله ورسوله أعلم. قال: فإنها تذهب فتستأذن في السجود فيؤذن لها. وكأنها قد قيل لها ارجعي من حيث جئت، فتطلع من غروبها، قال: ثم قرأ في قراءة عبد الله: وذلك مستقر لها» لا أدري من القارئ؟ ولعله إبراهيم التيمي. وظاهر اختلاف سياق الروايتين أنهما حديثان كل منها مستقل عن الآخر، وليس في المرفوع عن هاتين الروايتين ذكر أنها حين تغرب تكون تحت العرش أو في مستقرها وهناك رواية البخاري عن الفرباني عن الثوري عن الأعمش بنحو رواية أبي معاوية إلا أنه قال «تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن..» ونحوه بزيادة في رواية لمسلم من وجه آخر عن إبراهيم التيمي وقال «حتى تنتهي إلى

стр. 293

مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة ... » فقد يقال لعل أصل الثابت / عن أبي ذر الحديثان الأولان، ولكن إ براهيم التيمي ظن اتفاق معناها فجمع بينهما في الرواية الثالثة، وقد يقال: بل هو حديث واحد اختصره وكيع على وجه وأبو معاوية على آخر، والله أعلم هذا وجرى الشمس هو والله أعلم هذا الذي يحسه الناس، فإنه على كل حال هو الذي تطلق عليه العرب (جرى الشمس) تدبر، وبحسب ذلك يفهم الحديث. وقال الله ﵎ (١٨:٢٢ ألم تر أن الله يسجد له من في السموات والأرض والشجر والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس) ومهما يكن هذا السجود فإنه يدل على الانقياد التام، والشمس منقادة لأمر ربها بهذا، وانحطاطها في رأي العين إلى أسفل أجدر بأن يسمى سجوداً، والمأمور يعمل إذا انقاه، وشأنه الانقياد دائماً، فشأنه عند توقع أن يؤمر بتركه أن يستأذن فأما طلوعها آخر الزمان من مغربها فرأيت لبعض العصريين كلاماً سأذكره لينظر فيه: ذكر أنه يحتمل أن يحدث الله ما يعوق هذه الحركة المحسوسة الدائرة بين الشمس والأرض فتبطئ تدريجاً كما يشعر به ماجاء في بعض الأخبار أن الأيام تطول آخر الزمان، حتى تصل إلى درجة استقرار، ويكون عروض هذا الاستقرار بعد غروبها من هذا الوجه من مغربهم. قال: وذاك الموضوع الذي سوف تستقر فيه معين بالنسية إلى موضعها من الأرض، فيصح أن يكون هو المستقر. قال وكان الظاهر والله أعلم أن يقال «تحت الأرض» أي بالنظر إلى أهل الوجه. لكنه عدل إلى «تحت العرش» لأوجه: منها كراهية إثارة ما يستغربه العرب حينئذ من هيأة الخلق مما يؤدي إلى شك وتساؤل واستغال

стр. 294

الأفكار بما ليس من مهمات الدين التي بعث لها الرسل، وقد ذكر بعضهم نحو هذا في قوله تعالى (ويسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج) . ومنها أنه إن كان تحت الأرض عند أهل هذا الوجه فهو فوقها عند غيرهم، أما العرش فذاك الموضع والعالم كله تحته، راجع الرسالة العرشية لشيخ الإسلام ابن تيمية، ومنها أنه لما ذكر أنه موضع سجودها كانت نسبة السجود إلى كونه تحت العرش أولى أقول: فلم يلزم مما في الرواية الثالثة من الزيادة غيبوبة الشمس عن الأرض كلها، ولا استقرارها عن الحركة / كل يوم بذاك الموضع الذي كتب عليها أن تستقر فيه متى شاء ربها سبحانه بحث مع صاحب المنار قال ص٣٣٩ « ... بعد العلم القطعي لا مندوحة لنا عن أحد أمرين، إما الطعن في سند الحديث وإن صححوه، لأن رواية ما يخالف القطعي من علامات الوضع عند المحدثين أنفسهم. وأقرب تصوير للطعن فيما اشتهر رواية بالصدق والضبط أن يكون الصحابي أو التابعي منهم سمعه من مثل كعب الأحبار. ونحن نعلم أن أبا هريرة روى عنه كعب الأحبار، وكان يصدقه، ونرى الكثير من أحاديثه عنعنة لم يصرح بسماعه من البي ﷺ ، ومن القطعي أنه لم يسمع الكثير منها من لسانه ﷺ لتأخر إسلامه، فمن القريب أن يكون سمع بعضها من كعب الأحبار، ومرسل الصحابي إنما يكون حجة إذا سمعه من صحابي مثله، ومثل هذا يقال في ابن عباس وغيره ممن روى عن كعب الأحبار وكان يصدقه. وإما تأويل الحديث بأنه مروي بالمعنى وأن بعض رواته لم يفهم المراد منه فعبر بما فهمه ... » أقول: عليه في هذا مؤاخذات: الأولى أن الأمرين اللذين ذكر أنه لا مندوحة عنهما وهما الطعن والتأويل

стр. 295

لا يتعينان، بل بقي ثالث وهو التوقف، ويتعين حيث لا يتهيأ للناقد تأويل مقبول ولا طعن مقبول الثانية أنه قدم الطعن على التأويل، والواجب ما دام النظر في حديث ثابت في الصحيحين تقديم التأويل الثالثة قوله: إن مخالفة القطعي من علامات الوضع، محله إذا تحققت المخالفة، ولم يكن هناك احتمال للتأويل البتة الرابعة الطعن المعقول هو الذي يتحرى أضعف نقطة في السند، فما باله عمد إلى أقوى من فيه وهو الصحابي، وهو أبو ذر الغفاري، وقد قال الني ﷺ «ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر» ثبت من حديث أمير المؤمنين علي وعدد من الصحابة الخامسة أن أبا ذر لم ينقل عنه إصغار إلى كعب، ولا إلى من هو مثل كعب، بل جاء أن كعب قال في مجلس عثمان: ما أديت زكاته فليس بكنز. فضربه أبو ذر بعصاه. وقال: ما أنت وهذا يا ابن اليهودية؟ أو كما قال. وفي المسند ١٦٢:٥ عنه «لقد تركنا رسول الله ﷺ وما يتقلب في السماء طائر إلا ذكرنا منه علماً» وفي البخاري عنه أنه قال في زمان عثمان «لا والله أسألهم ديناً ولا أستفتيهم عن دين حين ألقى الله » افتراه يستغني عن إخوانه من جلة الصحابة هذا الاستغناء ثم يأخذ عن كعب أو نحوه؟ / السادسة أن من سمع الصحابة من كعب لم يسمعوا منه إلا بعض ما يخبر به عن صحف أهل الكتاب، ورواية أبي هريرة عن كعب قليلة وكلها من هذا القبيل، وراجع ص٦٨و ٧٣ السابعة لم يذكر دليلاً على دعواه أبا هريرة وابن عباس كانا يصدقان كعباً، ولا أعلم أنا دليلاً على ذلك، أما إخبارهما عنه ببعض ما يخبر به عن صحف

стр. 296

أهل الكتاب فغايته أنهما كانا يميلان إلى عدم كذبه الثامنة أن الذي عرف للصحابة في قول أحدهم «قال النبي ﷺ ... » أنه قال لم يكن سماعاً له من النبي ﷺ فهو سماع له من صحابي آخر ثابت الصحبة كما تقدم ص١١٥، وجميع ما ثبت عنهم جملة وتفصيلاً مما فيه ذر إرسالهم إنما هو هذا أو الدليل الصريح الذي استدلوا به على أ، أبا هريرة قد يرسل إنما هو حديثه في من أصبح جنباً فلا يصبح، وقد بين أنه سمعه من صحابين فاضلين وهما أسامة بن زيد والفضل بن عباس، مع أنه قلماً كان يذكر الحديث بل كان الغالب من حاله أن يفتي ولا يذكر النبي ﷺ . ولا يعلم أحداً من الصحابة قال في حديث «قال النبي ﷺ ... » ثم بين أو ذكر مرة أخرى أو تبين بوجه من الوجوه أنه عند من تابعي عن صحابي عن النبي ﷺ . بل يعز جداً أخذ الصحابي عن تابعي عن صحابي عن النبي ﷺ ، إنما توجد أمثلة يسيرة جداً لصغار الصحابة يسندونها على وجهها، راجع ص ١٥٦-١٥٧ وكان الصحابي إذا قال «قال النبي ﷺ ... » كان محتملاً عند السامعين للوجهين كما مر، فأما أن يكون إنما سمعه من تابعي عن صحابي عن النبي ﷺ فلم يكن عندهم محتملاً، وإذ لم يكن محتملاً فارتكاب الصحابي إياه كذب، وق برأهم الله تعالى من الكذب، وأبعد من ذلك أن يكون إ نما سمعه من تابعي عن النبي ﷺ ، وأبعد وأبعد أن يكون التابعي مثل كعب التاسعة زعم- مع الأسف - أن هذا أقرب تصوير للطعن، وهو كما ترى أبعد تصوير، بل هو محض للباطل، ولو احتجت إلى الطعن في سند الخبر لأريتك كيف يكون الطعن المعقول بشواهده من كلام الأئمة كابن المديني والبخاري وأبي حاتم وغيرهم، فأن لهم عللاً ليس كل منها قادحة حيث وقعت، ولكنها تقح إذا وقعت في خبر تحقق أنه منكر، وهذا من أسرار الفتن

стр. 297

العاشرة أن هذا الطعن يترتب عليه من المفاسد مالا يعلمه إلا الله تعالى، وهي المكيدة التي مرت الإشارة إليها ص ٢٠١ وإيضاحها قبل ذلك، وكل من التأويل ولو مستكرها والوقف أسلم من هذا الطعن / ولو غير السيد رشيد رضا قاله لذكرت قصة المرأة التي اشتكى طفلها ولم تعلم ما شكواه غير أنها نظرت إلى يافوخه يصطرب كما هو شأن الأطفال، فأخذت سكيناً وبطت يافوخه كما يصنع بالدمل ... إلى آخر ما جرى الحادية عشر قوله في أبي هريرة «من القطعي ... لتأخر إسلامه» . قد تقدم رده ص١٥٦ الثانية عشر لا يخفى حال ما ذكره أخيراً وسماه تأويلاً وذكر ص٣٤٠ الحكايات عن كعب ووهب وقال «لم يكن يحيى بن سين وأبو حاتم وابنه وأمثالهم يعرفون ما يصح من ذلك وما لا يصح، لعدم اطلاعهم على تلك الكتب» أقول: في هذا أمور. الأول أن الأئمة كانوا يعرفون النبي ﷺ وسنته، فبذلك كانوا يعرفون حال كعب ووهب في ما نسباه إلى النبي ﷺ ، فإذا وثقوها فمعنى ذلك أنهم عرفوا صدقهما في هذا الباب، وهذا هو الذي يهم المسلمين. فأما ما حكياه عن صحف أهل الكتاب فليس بحجة سواء أصدقاً فيها أم كذبا الثاني تقدم في فصل الاسرائيليات ص٦٧-٩٥ يعلم منه أن غالب ما ينسب إلى كعب لا يثبت عنه، ومر ص٩١ أن في كتاب فضائل الشام سبع عشرة حكاية عن كعب لا تثبت عنه ولا واحدة منها. وعسى أن يكون حال وهب كذلك، فمن أراد التحقيق فليتبع ما يثبت عنهما صريحاً بالأسانيد الصحيحة ثم ليعرضه على كتب أهل الكتاب الموجودة كلها، ويتدبر الأمر الثالث وهو ما تقدم ص٦٩-٧٢ من تتبع اليهود ما كان موجوداً في العالم عن ظهور

стр. 298

الإسلام وبعده إلى مدة من نسخ كتبهم في العالم كله وإتلافها لمخالفتها ما يرضونه من نسخ حديثه أبقوها، مع ما عرف عنهم من استمرار التحريف عمداً، وانقراض كثير من كتبهم البتة، ثم ليحكم قال «وإننا نرى بعض الأئمة المجتهدين قد تركوا الأخذ بكثير من الأحاديث الصحيحة ... » أقول: قد تقدم النظر في هذا ص ٣٥و ١٧٨ وقال ص٣٤١ في حكايات كعب ووهب «وما كان منها غير خرافة فقد تكون الشبهة فيه أكبر، كالذي ذكره كعب من صفة النبي ﷺ في التوراة» أقول: قد مر الخبر ص ٧٠-٧١ وأنه ثابت عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن التوراة، ويروى عن عبد الله بن سلام بن كعب، / فأما الشبهة التي أشار إليها فلا يكاد يوجد حق لا يمكن أن يحاول مبطل بناء شبهة عليها، فمن التزم أن يتخلى عن كل ما يمكن بناء شبهة عليه أو شك أن يتخلى عن الحق كله وقال «وإني لا أعتقد صحة سند حديث ولا قول عالم صحابي يخالف ظاهر القرآن، وإن وثقوا رجاله، قرب راو يوثق للاغترار بظاهر حاله وهي سيئ الباطن» أقول: قد تقدم ص١٤ ما نقله أبو رية عن صاحب المنار قال «النبي ﷺ مبين القرآن بقوله وفعله، ويدخل في البيان التفصيل والتخصيص والتقييد، لكن لا يدخل فيه إبطال حكم من أحكامه أو نقص خبر من أخباره» وأوضحت ذلك هناك، فإن أراد هنا بقوله «يخالف ظاهر القرآن» ما لو صح لكان إبطالاً أو نقصاً فذاك، فأما البيان بالتفصيل والتخصيص والتقييد ونحوها فإن يثبت بخبر الواحد بشرطه، وأدلة خبر الواحد ومنها جريان العمل به في عهد النبي ﷺ وأصحابه وممن أهل العلم تشمل هذا ومنها ما هو نص فيه. راجع ص٢٢و ٤٥و ٤٩.

стр. 299

ومما يزيده وضوحاً أن دلالة العموم ونحوه كثيراً ما تتخلف. وقد قيل: ما من عام إلا وقد خص. وذهب بعضهم إلى أنه خص شيء من العام سقطت دلالته على الباقي. وتخصيص العمومات ثابت في قضايا لا تحصى، فاحتمال القضية له أبين وأوضح وأولى من احتمال لا يمكنك أن تثبته في واقعة واحدة وهو كذب راو وثقة الأئمة المتثبتون وصححوا حديثه محتجين به، ولم يطعن فيه أحد منهم طعناً بينا. أما كعب ووهب فليسا من هذا الوجهين: الأول أنهما ليسا بهذه الدرجة، راجع ص٦٩-٧٠ الثاني أنه لم يثبت ما نسبه إليهما من سوء الظن ثم قال أبو رية ص٣٤٢ «جل أحاديث الآحاد لم تكن مستفيضة في القرن الأول» ونقل عبارة للسيد رشيد رضا في مقدمته لمغني ابن قدامة، وقد تقدم النظر فيها ص١٥، وعبارة السيد رشيد «جل الأحاديث التي يحتج بها أهل الحديث على أهل الرأي والقياسين من علماء الأمة» ثم قال صاحب المنار «فعلم بذلك أنها ليست من التشريع العام الذي جرى عليه عمل النبي ﷺ وأصحابه، وليستب بما أمر النبي ﷺ أن يبلغ الشاهد فيه الغائب ... » أقول: قد تقدم دفع هذا ص٢٨-٣٥، وراجع ص٢٠-٢١ وص ٥٢ / ثم حكى كلمات عمن ليس قوله حجة، ولا ذكر حجة، فأعرضت عنها، ومنها ما عزاه إلى كتاب ليس عنده، فليراجع ثم ذكر (ص٣٤٧-٣٤٨) آيات من القرآن، وقد تقدم ما يتعلق بذلك ص ١٣ ثم ذكر (ص٣٤٨) قول ابن حجر في الفتح في الكلام على حديث إيصاء النبي ﷺ بالقرآن «اقتصر على الوصية بكتاب الله لكونه أعظم وأوهم ن ولأن فيه تبيان كل شيء إما بطريق النص أو بطريق الاستنباط، فإذا تبع الناس

стр. 300

ما في الكتاب عملوا بكل ما أمرهم به» كذا صنع أبو رية، وآخر عبارة ابن حجر في الفتح (٥:٢٦٨) هكذا: « ... عملوا بكل ما أمرهم النبي ﷺ به لقوله تعالى (وما أتاكم الرسول فخذوه) الآية ... » وقال ص٣٤٩ «وعن أبي الدرداء مرفوعاً: ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وماحرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عافية ... » أقول: هذا ما يرويه إسماعيل بن عياش وهو صدوق بن عاصم بن رجاء بن حيوة وهو صدوق بهم، عن أبيه رجاء، عن أبي الدرداء، ورجاء لم يدرك أبا الدرداء، فالخبر منقطع مع ما في سنده، ولو صح لما كان فهي ما يخالف الحجج القطعية، فقد حرم الله في كتابه معصية رسول الله والمخالفة عن أمره، وأمر بأخذ ما آتى والانتهاء عما نهى. وراجع ص١٣ ثم ذكر مرسل ابن أبي مليكة، وقول عمر «وعندنا كتاب الله حسبنا» وقد خله القرآن» أقول: خلقه ﷺ يشمل جميع أحواله وأفعاله وأقواله، فرأت عائشة أنه لا يمكنها تفصيل ما تعلم من ذلك كله لذلك السائل، وعلمت أنه يقرأ القرآن وفيه تفصيل كثير من الأخلاق التي كانت من خلق النبي ﷺ وإجمال الباقي فاحالته عليه، وقد عاد السائل فسألها عن هدي النبي ﷺ في أعماله، فأخبرته. وفي ذلك وسائر أحاديث عائشة نفسها ذكر أشياء كثيراً جداً لا يفهمها الناس من نص القرآن وإنما هي من بيان له بما فيه التفصيل والتخصيص والتقييد ونحو ذلك ثم قال أبو رية «وقال الأستاذ الإمام محمد عبده ﵁: إن المسلمين

стр. 301

ليس لهم إمام في هذا العصر غير القرآن» / أقول: هاأنتم تلقبون الشيخ محمد عبده نفسه بهذا اللقب نفسه (الإمام) وتقتدون به، وتترضون ععنه كما يترضى عن الصحابة، مع أنكم كثيراً ما تذكرون النبي ﷺ فلا تصلون عليه، وتسيئون القول فث الصحابة ﵃، وفي كتاب أبي رية كثيراً من ذلك - فكأنكم أردتم له أن تسلبوا أئمة الحق هذا اللقب وتخصوه به. أما القرآن فهو الإمام حقا، وهو نفسه يثبت الإمامة للنبي ﷺ ثم كل راسخ في العلم والدين مبلغ لأحكام الشرع فإنه إمام، إلا أنه كالمبلغ لتكبيرات إمام الصلاة، وإن بان وقوعه في مخالفة للإمام ابتعنا الإمام دونه وقال «لا يمكن لهذه الأمة أن تقوم ما دام هذه الكتب فيها» أقول: إن المراد جميع الكتب غير القرآن فالواقع أن فيها الحق والباطل، وكثير من الحق الذي فيها إذا فات لا يعوض، فأما الباطل فكما قيل: إن ذهب عير، فعير في الرباط، ومن عرف الحق واتبه فقد استقام، ولا يضر بعد ذلك أن يعرف أضعاف أضعافه من الباطل وذكر ص٣٥٠ أموراً قد تقدم النظر فيها ص ١٧٥-١٧٧وغيرها ثم قال « ... ومن عمل بالمتفق عليه كان مسلماً ناجياً» أقول تقدم تفنيد هذا، وبيان ما وقع فيه من الغلط ص١٥ قال ص٣٥١ «هذه هي سنة الرسول ﷺ لم يعمل بها جمهور السلف هي محل اجتهاد

стр. 302

في أسانيدها ومتونها، لأن ما صح منها يكون خاصاً بصاحبه» أقول: إن أراد بقوله «صاحبه» من عرف صحته بمعنى أنه ليس له إلزام غيره فسيأتي قريباً، وإن أراد به الصحابي الذي ورد فيه فإنما يصح هذا حديث يثبت دليل على الخصوصية. وراجع ص٢٨-٣٥ قال «ومن صح عنده شيء منها رواية ودلالة عمل به، ولا تجعل تشريعاً عامة تلزمه الأمة إلزاماً تقليداً لمن أخذ به» أقول: على من صح عنده أن يبين ذلك لغيره ويعذره إن خالفه ولم يتبين له عناده أو زبغة، وإلا لزمه أمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى الإمام أن يمنع من يتبين له خطأه في الإفتاء بذلك الخطأ، ويمنع الناس من الأخذ بفتواه، وفي سيرة عمر ﵁ ما يبين هذا / ثم ذكر أشياء قد تقدم النظر فيها، إلى أن قال «وما كل مالم يصح سنده يكون متنه غير صحيح» أقول: وجه ذلك أنه قد يثبت بسند آخر صحيح، لكن لا يخفى أن هذا الاحتمال لا يفيد المتن شيئاً من القوة، غايته أن يقتضي التريث في الجزم بضعفه مطلقاً حتى يبحث فلا يوجد له سند صحيح وذكر أشياء تقدم النظر فيها، إلى أن قال ص٣٥٢ «ولم يظهر البخاري ولا غيره من كتب الحديث إلا بعد انقضاء خير القرون» أقول: هذا مأخوذ من قدح بعض الملحدين في القرآن بأن المصاحف لم تكن في عهد النبي ﷺ ، وكما يقال لهذا: أليس المدار على المصاحف إنما الدار على ما فيها، وقد ثبت أنه القرآن الذي أنزله الله على رسوله ﷺ ، فكذلك نقول هنا: الأحاديث التي في صحيح البخاري ثبت أنها كانت معروفة عند خير القرون، وإنما رواها الثقات منهم وعنهم، بل ثبتت الحجة الشرعية عن النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 303

وقال «لم يقل أحد من سلف الأمة وأئمة الفقه إن معرفة الدين تتوقف على الإحاطة بجميع ما رواه المحدثون ولا بأكثرها» أقول: لا ريب أن الأحاديث الضعيفة والواهية والمكذوبة لا تتوقف معرفة الدين على الوقوف عليها، ومن الصحيحة ما يروى من عدة طرق قد تبلغ المئتين ويكفي لمعرفة الدين معرفة المتن من طريق صحيحة منها ومنها أحاديث يتفق العدد منها في المعنى أو فيما هو المقصود، كأحاديث تحريم الربا وأحاديث التشهد، ويكفي لمعرفة الدين معرفة واحد منها ومنها أحاديث يوجد في كتاب الله ما يفيد معناها، ويكفي لمعرفة الدين معرفة تلك الدلالة على القرآن وبعد هذا كله فمعرفة الدين ليست أمراً لا يزيد ولا ينقص، وقد علمنا أن الشريعة لم توجب أن يكون كل مسلم عالماً، وإنما أوجبت على الأمة أن يكون فيها علماء بقدر الكفاية يرجع إليهم العامة في كل ما يعرض لهم، ولم توجب على العالم أن يكون محيطاً بالدين، بل كما أن العامي يستكمل ما يحتاج إليه بسؤال العلماء. وراجع ص٣٢-٣٣ قال: «قال البيضاوي في حديث «لا وصية لوارث» : والحديث من الآحاد، وتلقي الأمة له بالقبول لا يلحقه بالمتواتر» / أقول: هذا رأي البيضاوي، فإذا خالفه غيره فالمدار على الحجة. وهكذا كل ما يحكيه أبو رية عن فلان وفلان، ومن تدبر آيات المواريث علم أنها تفيد معنى هذا الحديث ثم ذكر قضايا قد تقدم النظر فيها، إلى أن قال ص٣٥٣ «رب راو هو موثوق به عند عبد الرحمن بن مهدي ومجروح عند يحيى بن سعيد القطان،

стр. 304

وبالعكس، وهما إمامان عليها مدار النقد في النقل، ومن عندهما يتلقى معظم شأن الحديث» أقول: الغالب اتفاقهما، والغالب فيما اختلفا فيه أن يستضعف يحيى رجلاً فيترك الحديث عنه، ويرى عبد الرحمن أن الرجل وإن كان فيه ضعف فليس بالشديد، فيحدث عنه، ويثنى عليه بما وافق حاله عنده، وقد قال تلميذها ابن المديني «إذا اجتمع يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي على ترك رجل لم أحدث عنه، فإذا اختلفا أخذت بقول عبد الرحمن لأنه أقصدها وكان في يحيى تشدد» والأئمة الذين جاءوا بعدهما لا يجمدون على قولهما بل يبحثون وينظرون ويجتهدون ويحكون بما بان لهم، والعارف الخبير الممارس لا يتعذر عليه معرفة الراجح فيما اختلف فيه من قبله، وعلى فرض أننا لم نعرف من حال راو إلا أن يحيى تركه وأن عبد الرحمن كان يحدث عنه، فمقتضى ذلك أن صدوق يهم ويخطئ فلا يسقط ولا يحتج بما ينفرد به قال «إن ما كان قطعي الدلالة في النصوص فهو الشرع العام الذي يجب على جميع المسلمين اتباعه عملاً وقضاء، وإن ما كان ظني الدلالة موكول إلى اجتهاد الأفراد في التعبدات والمحرمات، وإلى أولى الأمر في الأحكام القضائية إن ما كانت دلالته على التحريم من النصوص ظنية غير قطعية لا يجعل تشريعاً عاماً تطالب به كل الأمة، وإنما يعمل فيه كل أحد بإجتهاده، فمن فهم منه الدلالة على تحريم شيء امتنع منه، ومن لم يفهم منه ذلك جرى فيه على أصل الإباحة» أقول: قد تقدم النظر في نظرية «دين عام ودين خاص» ص ٩و ١٤-١٥و ٢٨-٣٤و ١٠٠ قريباً ص٢٢٠-٢٢١ وكذلك حال الاجتهاد والمجتهد هذا والأدلة القطعية تبين أن الواجب على كل مسلم طاعة الله ورسوله

стр. 305

ما استطاع، فيما ثبت بدليل قطعي المتن والدلالة أو ظنيهما أو قطعي أحدهما ظني الآخر، وإن على / العامي العمل بما يعلمه من الشريعة قطعاً أو ظناً، والرجوع فيما يجهله إلى العلماء الموثوق بعلمهم ودينهم، فإذا افتاه أحدهم بأمر لزمه العمل به سواء أكان قطعياً أو ظنياً، فإن اختلف عالمان فقد قال الله ﵎ (فاتقوا الله ما استطعتم) فعلى العامي أن يتحرى أقرب الأمرين إلى طاعة الله وطاعة رسوله، وإذا علم الله تعالى حرصه على طاعته سبحانه فلابد أن يهيئ له من أمره رشدا وعلى كل مسلم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويتأكد ذلك على الرجل في أهله، وعلى كل راع في رعيته، وعلى كل من عرف حكماً بدليل قطعي أو ظني أن يرشد من يراه من المسلمين يخالفه جهلاً به، وينكر على من يراه يعرض عنه على وجه منكر. وليس له الإنكار على من يعرض عنه على وجه معروف. والوجه المعروف هو ما يسمى «اختلاف الاجتهاد» أو «اختلاف وجهة النظر» مع اتحاد القصد في طاعة الله ورسوله أما القضاء فالغرض فيه أن يكون بما أنزل الله يقيناً أو ظناً، وذلك يشمل الأدلة الشرعية كلها، فإذا كان القاضي مجتهداً فذاك، وإلا أخذ بما يتبين له رجحانه من أقوال أهل العلم ثم ذكر قضايا تقدم النظر فيها ص ١٧٥و ٢٠٢و ٢١٨ ثم ذكر عن السيد رشيد رضا « ... ونحن نجزم بأنا نسينا وضيعنا من حديث نبينا ﷺ حظاً عظيماً لعدم كتابة علماء الصحابة كل ما سمعوه، ولكن ليس منه ما هو بيان للقرآن أو من أمور الدين، فإن أمور الدين معروفة في القرآن ومبينة بالسنة العملية، وما دون من الأحاديث فهو مزيد هداية وبيان» أقول: قد تكفل الله يحفظ دينه، فمحال أن يذهب منه ما يقتضي نقصه، والمؤسف حقاً أن يجمع بعضنا بين التحسر على ما لم يحفظ، والتجني على

стр. 306

ما حفظ، ومحاولة حطه عن درجته. راجع ص١٤-٥٠ ثم قال أبو رية «قال الإمام أبو حنيفة: ردي على كل رجل يحدث عن النبي ﷺ بخلاف القرآن ليس رداً على نبي الله ﷺ ولا تكذيباً له، ولكنه رد على ما يحدث عنه بالباطل، والتهمة دخلت عليه، ليس على نبي الله ﷺ ، وكل شيء تكلم به النبي ﷺ فعلى الرأس والعين، قد آمنا به وشهدنا أنه كما قال، ونشهد أنه لم يأمر بشيء يخالف أمر الله، ولم / يبتدع ولم يتقول غير ما قاله الله ولو كان من المتكلفين» أقول: هذه العبارة من كتاب العالم والمتعلم، وفي نسبته إلى أبي حنيفة ما فيها، والكلام هناك في مسائل اعتقادية ومخالفة يراها مناقضة. فأما تبين السنة للقرآن بما فيه التفصيل والتخصيص والتقييد ونحوها (كما مر ص١٤و ٢١٨) فثابت عند الحنفية وغيرهم، سوى خلاف يسير يتضمنه تفصيل مذكور في أصولهم يتوقف فهمه على تدبر عباراتهم ومعرفة اصطلاحاتهم، وبعض مخالفيهم يقول إنهم أنفسهم قد خالفوا ما انفردوا به هناك في كثير من فروعهم ووافقوا الجمهور. بل زاد الحنفية على الشافعية فقالوا إن السنة المتواترة تنسخ القرآن، وإن الحديث المشهور أيضاً ينسخ القرآن، وكثير من الأحاديث التي يطعن فيها أبو رية هي على اصطلاح الحنفية مشهورة ثم ختم أبو رية كتابه بنحو ما ابتدأه من إطرائه وتقديمه إلى المثقفين، والبذاءة على علماء الدين، ثم الدعاء والثناء، وأنا لا أثني على كتابي، ولا أبرئ نفسي، بل أكل الأمر إلى الله ﵎، فهو حسبي ونعم الوكيل، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على خاتم أنبيائه محمد وآله وصحبه انتهى بعون الله تعالى جمع هذا الكتاب في أواخر شهر جمادي الآخر سنة ١٣٧٨ والحمد لله رب العالمين