← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 9463

الأنوار الكاشفة لما في كتاب «أضواء على السنة» - ط السلفية

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (306 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

«لا أحرم إلا ما حرم الله كتابه» راجع أحكام ابن حزم ٧٧:٢ ومجمع الزوائد ١٧١:١ وهو على كل حال غير ثابت، ومع ذلك قد فسره الشافعي ثم ابن حزم بما يصحح معناه، ومن تتبع أقوال أبي يوسف في الفقة والاستدلالاته على أنه نفسه لا يرى صحة هذه الأخبار ولا يبني عليها، وإنما كثر بها السواد في بيان أن الأحكام لا تبنى إلا على رواية الثقات كما أشار إليه الشافعي إذ قال في تعقبه: وقد كان عليه أن يبدأ بنفسه فيما أمر به أن لا يروي عن النبي صلى الله عليه ولسم إلا من الثقات وقال ص٢٥١ «رأى مالك وأصحابه أنهم يقولون تثبت السنة من وجهين: أحدهما أن نجد الأئمة من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا بما يوافقها. الثاني أن لا نجد الناس اختلفوا فيها» أقول: لم يذكر مصدره، وهذه كتب المالكية أصولاً وفروعاً لا تعطي هذا نعم قد يقف المجتهد عن حديث ولا يبين غيره، أوريروي عنه بعض أصحابه كما لا يريد بها أن تكون قاعدة، فيذهب بعض أصحابه يحاول أن يضع قواعد يعتذر بها. وفي الأم ١٧٧:٧- من قول الربيع: «قلت [للشافعي] فاذكر ما ذهب إليه صاحبنا [مالك] من حديث النبي ﷺ مما لم يروت الأئمة أبي بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي شيئاً يوافقه. فقال: نعم سأذكر من ذلك إن شاء الله ما يدل على ما وصفت، وأذكر أيضاً ما ذهب إليه من حديث رسول الله ﷺ وفيه عن بعض الأئمة ما يخالفه ... قال أبو رية «قد روى الدارقطني أن رسول الله ﷺ قال: إنها تكون بعدي رواة / يروون عني الحديث، فأعرضوا حديثهم على القرآن فما وافق القرآن فحدثوا به، وما لم يوافق القرآن فلا تحدثوا به» أقول: لم يذكر مصدره، وهذا هو الخبر الأول في عبارة أبي يوسف المتقدمة

стр. 247

ص ١٧٨ وقد حكم الأئمة بأنه موضوع كما مر قال «وقد طعن رجال الأثر في هذا الحديث، ورووا حديثاً هذا نصه «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه» وهذا من أعجب العجب، لأنه إن كان النبي ﷺ قد أوتي الكتاب- أي مثل القرآن ليكون تماماً على القرآن لبيان دينه وشريعته فلم لم يعن صلوات الله عليه بتدوينه وكتابته قبل أن ينظر إلى الرفيق الأعلى كما عني بالقرآن» أقول: قد تقدم البيان المنير في مواضع، منها ص٢٠-٢١ قال: «ولم ينه عن كتابته بقوله: لا تكتبوا عني غير القرآن» أقول: تقدم البيان الواضح ص ٢٢-٢٤ قال «وهل يصح أن يدع الرسول نصف ما أوحاه الله إليه يعدوا بين الأذهان بغير قيد، يمكسه هذا وينساه ذاك؟ وهل يكون الرسول- بعمله هذا- قد بلغ الرسالة على وجهها وأدى الأمانة كاملة لى أهلها» ؟ أقول: قد تقدم دفع هذا الريب ص٢٠-٢١ والقدر الذي يحصل به تيبليغ الرسالة وأداة الأمانة إنما تحديده إلى الله لا إلى المرتابين في حكمته وقدرته، وراجع ص٣٢-٣٣و٥٢ قال ص٢٥٢ «وأين كان هذا الحديث عندما قال أبي بكر للناس..؟ وعند ما قال عمر ... ؟ ولم يشفق.... عندما فزغ إلى أبي بكر» أقول راجع ص٣٦و ٣٩و ١٧٣-١٧٤ وذكر توقف مالك وأبي حنيفة عن بعض الأحاديث لمعارضتها ما هو أقوى منها عندهما، وقد مر جوابه ص١٧٨ وذكر ص٢٥٣ قصة مناظرة جرت بين الأوزاعي وأبي حنيفة، وهي قصة

стр. 248

مكذوبة عارض بها بعض من لايخاف الله من الحنفي ة قصة مناظرة رواها الشافعية بسند واه، راجع سنن البيهقي ٨٢:٢ وفضائل أبي حنيفة الموفق ١٣١:١، وكلتا القصتين مروية عن «الشاذكوني قال: سمت سفيان بن عيينة ... » ثم ذكر ص ٢٥٤ ... كلام النحاة في الاستدلال بالأحاديث وهذا لا يهمنا مع أن الحق أن ابن مالك توسع، وأنه كما مر ص ٦٠ يمكن بالنظر في روايات الأحاديث وأحوال رواتها أن يعرف في طائفة منها أنها بلفظ النبي ﷺ أو بلفظ الصحابي أو بلفظ التابعي، وهو ممن يحتج به في العربية لكن تحقيق ذلك يصعب على غير أهله، فلذلك أعرض قدماء النحاة عن الاحتجاج بالحديث ووجدوا في المتيسر لهم من القرآن وكلام العرب ما يكفي وذكر ص٢٥٩ كلاماً للشيخ محمد عبده في حديث أن يهودياً سحر النبي ﷺ أقول: النظر في هذا في مقامات: المقام الأول: ملخص الحديث بأنه ﷺ في فترة من عمره ناله مرض خفيف ذكرت عائشة أشد اعراضه بقولها «حتى كان يرى أنه يأتي أهله ولا يأتيهم» وفي رواية «حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن» وفي أخرى «يخيل إليه أنه كان يفعل الشيء وما فعله» ، ولرواية الأولى فيما يظهر أصح الروايات فالأخريان محمولتان عليها ... وفي فتح الباري ١٩٣:١٠ «قال بعض العلماء: لا يلزم من أنه كان يظن أنه فعل الشيء ولم يكن فعله، أن يجزم بفعله لذلك، وإنما يكون ذلك من جنس الخاطر يخطر ولا يثبت» أقول: وفي سياق الحديث ما يشهد لهذا، فغن فيه شعوره ﷺ بذاك المرض ودعاءه ربه أن يشفيه» فالذي يتحقق دلالة الخبر عليه أن ﷺ كان في تلك الفترة يعرض له خاطر أنه قد جاء إلى عائشة وهو ﷺ عالم أنه لم يجئها ولكنه كان يعاوده ذاك الخاطر على خلاف عادته، فتأذى ﷺ عن ذلك، وليس في حمل الحديث على هذا تعسف ولا تكلف

стр. 249

المقام الثاني: في الحديث عن عائشة «حتى إذاكان ذات يوم وهو عندي لكنه دعا ودعا ثم قال: يا عائشة أشرت أن الله أفتاني فيما استفتنيه فيه؟ أتاني رجلان (أي ملكان – كما في رواية أخرى- في صورة رجلين) .. فقال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ فقال: مطبوب. قال: من طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم. قال في أي شيء؟ قال: في مشط ومشاطة وجف طلع نخلة ذكر. قال: وأين هو؟ قال: في بئر ذروان. فأتاها رسول الله صلى الله٩ عليه وسلم في ناس من أصحابه فجاء.. قلت يا رسول الله أفلا تستخرجه؟ قال قد عافاني الله، فكرهت أن أثبر على الناس شراً، فأمرت بها فدفنت» ومحصل هذا أن لبيد أراد الحاق ضرر بالنبي ﷺ فعمل عملاً في شط ومشاطة الخ، فهل من شأن ذلك أن يؤثر؟ / قد يقال: لا، ولكن إذا شاء الله تعالى خلق الأثر عليه. والأقرب من ذلك: نعم بإذن الله، والإذن هنا خاص. وبيانه أن الأفعال التي من شأنها أن تؤثر ضربان: الأول ما أذن الله تعالى بتأثيره إذناً مطلقاً ثم إذا شاء منعه، وذلك كالإتصال بالنار مأذون فيه بالإحراق إذنا مطلقاً، فلما أراد الله تعالى منعه (قال يانار كوني برداً وسلماً على إبراهيم) ، من التأثير رفع المنع فيؤثر. وقوله تعالى في السحر «وما هم بضارين من أحد إلا بإذن الله) يدل أنه من الضرب الثاني، وأنا المراد بالإذن الإذن الخاص، والحكمة في مصلحة الناس تقتضي هذا، والواقع في شئونهم يشهد له، وإذ كان هذا حاله فلا غرابة في خفاء وجه التأثير علينا المقام الثالث: النظر في كلام الشيخ محمد عبده. وفيه ثلاث قضايا: القضية الأولى: قال «فعلى فرض صحته هو آحاد، والآحاد لا يؤخذ بها في باب العقائد»

стр. 250

أقول: ما صحته فثابتة باثبات أئمة الحديث لها، فإن أراد الصحة في نفس الأمر فهب أنا لا نقطع بها ولكنا نظنها ظناً غالباً، وعلى كل الحالين فواضعو تلك القاعدة لا ينكرون أنه يفيد الظن، ومن أنكر ذلك فهو مكابر، وإذا أفاد الظن فلا مفر من الظن وما يترتب على الظن، فلم يبق إلا أنه لا يفيد القطع، وهذا حق في كل دليل لا يفيد إلا الظن القضية الثانية: أنه مناف للعصمة في التبليغ قال «فإنه قد خالط عقله وإدراكه في ز عمهم.. فإنه إذا خولها.. في عقله كما زعموا جاز عليه أن يظن أنه بلغ شيئاً وهو لم يبلغه، أو أن شيئاً ينزل عليه وهو لم ينزل عليه» أقول: أما المتحقق من معنى الحديث كما قدمنا في المقام الأول فليس فيه ما يصح أن يعبر عنه بقولك: «خولط في عقله» وإنما ذاك خاطر عابر، لو فرض أنه بلغ الظن فهو في أمر خاص من أمور الدنيا لم يتعده إلى سائر أمور الدنيا فضلاً عن أمور الدين، ولا يلزم من حدوثه في ذاك الأمر جوازه في ما يتعلق بالتبليغ بل سبيله سبيل ظنه أن النخل لا يحتاج إلى التأبير، وظنه بعد أن صلى ركعتين أنه صلى أربعاً وغير ذلك من قضايا السهو في الصلاة، وراجع ص١٨-١٩ وفي القرآن ذكر غضب موسى على أخيه هارون وأخذ برأسه لظنه انه قصر مع أنه لم يصر، وفيه قول يعقوب لبنيه لما ذكروا له ما جرى لابنه الثاني (بل سولت لكم أنفسكم أمراً» يتهمهم بتدير مكيدة مع أنهم حينئذ أبرياء صادقين. وقد يكون من هذا بض كلمات موسى للخضر. وانرظ قوله تعالى عن يونس (فظن أن لن نقدر عليه» القضية الثالثة: الحديث مخالف للقرآن (في نفيه السحر عنه ﷺ وعده من افتراء المشركين عليه ... مع أن الذي قصده المشركون ظاهر، لأنهم كانوا يقولون: إن الشيطان يلابسه ﵇، وملابسة الشيطان تعرف بالسحر

стр. 251

عندهم وضرب من ضروبه، وهو بعينه أثر الحس رالذي نسب إلى لبيد ... وقد جاء بنفي السحر عليه السام حيث نسلب القول بإثبات حصول السحر له إلى المشركين أعداءه ووبخهم على زعمهم هذا، فإذا هو ليس بمحسور قطعاً» أقول: كان المشركون يعلمون أنه لا مساغ لأن يزعموا أنه ﷺ يفتري- أي يعتمد – الكذب على الله فيما يخبر به عنه، ولا لأنه يكذب في ذلك مع كثرته غير عامد، فلجأوا إلى محاولة تقريب هذا الثاني. بزعم أن له اتصالاً بالجن، وأن الجن يلقون إليه ما يلقون فيصدقهم ويخبر الناس بما ألقوه إليه، هذا مدار شبهتهم، وهو مرادهم بقولهم: به جنة. مجنون. كاهن. ساحر. مسحور. شاعر، كانوا يزعمون أن للشعراء قرناء من الجن تلقي إ ليهم الشعر فزعموا أن شاعر أي أن الجن تلقي إليه كما تلقى إلى الشعراء ن ولم يقصدوا أنه يقول للشعر. أو أن القرآن شعر إذ عرف هذا فالمشركون أرادوا بقولهم (إن تتبعون إلا رجلاً مسحورا) أن أمر النبوة كله سحر – وأن ذلك الشيء عن الشياطين استولوا عليه- بزعمهم- يلقون إليه القرآن ويأمرونه ويفهمونه فيصدقهم في ذلك كله ظاناً أنه إنما يتلقى من الله وملائكته. ولا ريب أن الحال التي ذكر في الحديث عروضها له ﷺ لفترة خاصة ليست هي هذه التي زعمها المشركون، ولا هي من قبلها في شيء من الأوصاف المذكورة إذن تكذيب القرآن وما زعمه المشركون لا يصح أن يؤخذ منه نفيه لما في الحديث فإن قيل قد أطلق لى تلك الحالة أنها سحر، ففي الحديث عن عائشة «سحر رسو ل الله ﷺ رجل ... » والسحر من الشياطين، وقد قال الله تعالى للشيطان (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان) قلت: أما الذي أخبر به النبي ﷺ عن الملك فإ نما سماها طبا كما مر في

стр. 252

الحديث، وقد أنشد ابن فارس في مقايين السنة ٤٠٨:٣: وإن منت مسحوراً فلا برأ السحر فإ ن كنت مطبوباً فلا زالت هكذا وأقل ما يدل عليه هذا أن الطب أخص من لاسحر، وأن من الأننواع التي يصاب بها الإنسان ويطلق عليها صحر ما يقال له «طب» وما لا يقال «طب» وعلى كل حال فالذي ذكر في الحديث ليس من نوع ما زعمه المشركون، ولا هو من ملابسة الشيطان، وإنما هو أثر النفس الساحر وفعله، وقد قدمت أن وقوع أثر ذلك نادر فلا غرابة في خفاء تفسيره. وهذا يغني عما تقدم ص ٩٨ ثم نقل أبو رية ص٢٦١- فصلاً عن صاحب المنار فيه «إن بعض أحاديث الآحاد تكون حجة على من تثبت عنده واطمأن قلبه بها، ولا تكون حجة على غيره يلزم العمل بها» أقول عدم الثبوت والطمأنية قد يكو لسبب بين، وقد يكون لسبب محتمل يقوى عند بعض أهل العلم ويضعف عند بعضهم، وقد يكون لمادون ذلك من خهوى وزيغ وارتياب وتكذيب، وعلى الأمة أن تنزل كل واحد من هؤلاء منزلته بحسب ما يتبين من حاله، وكما أننا إذا رأينا من يتعبد عبادة غير ثابتة شرعاً فسألته فذكر حديثاً باطلاً فبينا له فقال: هو ثابت عندي مطمئن به قلبي. كان علينا أن ننكر عليه، وكان على ولي الأمر ومن في معناه منعه ومعاقبته، فكذلك إ ذا رأينا رجلاً ينفي حديثاً ثابتاً وبينا له ثبوته فقالك لم يثبت عندي ولم يطمئن به قلبي. ولم يذكر سبباً، أو ذكر سبباً لا يعتد به شرعاً قال «ولذلك لم يكن الصحابة يكتبون جميع ما سمعوا من الأحاديث ويدعون إليها ... » أقول: قد تقدم الكشف عن هذا ص٢٠-٥٠ قال «ولم يرض الإمام مالك من الخليفتين المنصور والرشيد أن يحمل الناس

стр. 253

على العمل بكتبه حتى الموطأ» أقول: إنما ينكر الالزام بالموطأ، لأنه يعلم أن فيه أحاديث أخذ بها هو وقد يكون عند غيره ما يخصصها، أو يقيدها أو يعارضها، وفيه توقف عن أحاديث قد يكون عند غيره وما يقويها ويؤيدها، وقد يكون عند غيره أحاديث لم يقف عليها هو. وفيه كثير مما قاله باجتهاده في الأمة علماء لهم أن يجتهدوا ويعملوا بها رجع عندهم وإن خالفوا مالكاً، وفوق هذا كله فهو يعلم أنه نبي على ما فهمه من القرآن ومن الأحاديث التي ذكرها، وأن في علماء الأمة من يخالفه في بعض ذلك الفهم. وعلى كل حال فليس في امتناع مالك من إلزام الأمة كلها علمائها وعامتها بقوله ما يقتضي أن لا يلزم بالعلمك بالحديث من يعلم أنه ليس عنده من يخالفه إلا الهوى والزيع والارتياب والتكذيب والعناد ثم قال ص ٢٦٢ «وإنما يجب العمل ... » كرر معنى ما تقدم / قال «أحاديث الآحاد لا يؤخذ بها في العقائد ... » أقول: راجع ص ١٨٢ قال «وكل من ظهر له علة في رواية حديث فلم يصدق رفعه لأجلها فهو معذور كذلك» أقول: الصواب في هذا أن ينظر في تلك العلة ويعامل صاحبها بما يستحق كما مر قال «ولا يصح أن يقال إنه مكذب لحديث كذا» أقول: إما إن زعم أنه كذب فهو مكذب له، ولا يضره ذلك مالم يلزمه أحد أمرين: إما تكذيب النبي ﷺ ، وإما تكذيب صادق بغير حجة قال «وهي تفيد الظن»

стр. 254

أقول: وفي هذا كلام معروف قال «ومن القواع الجليلة ... أن طروء الاحتمال في المرفوع من وقائع الأحوال يكسوها ثوب الإجمال فيسقط به الاستدلال» أقول: موضع هذا أن يحتمل الخبر وجهين ولا دليل فيه على أحدهما، فإنه إذا كان أحدهما راجحاً فالحكم له ثم قال أبو رية ص٢٦٣ «ليس في الحديث متواتر ... » أقول: من نفى هذا إنما نفى التواتر اللفظي، فأما المعنوي فكثير، فلتراجع الكتب التي نقل عنها وذكر في الحاشية حديث الحوض، وكأنه استهزأ به، ومن استهزأ به فليس من أهله ثم ذكر شيئاً من تقسيم العلماء للحديث، إلى أن قال ص٢٦٧ «تعدد طرق الحديث لا يقويها. قال العلامة السيد رشيد رضا: يقول المحدثون في بعض الأحاديث حتى التي لم يصح لها سند: إن تعدد طريقها يقويها وهي قاعدة نظرية غير مطردة أقول: أما اطلاق أبي رية في العنوان فباطل قطعاً كما سترى. وأما إشارة القرآن فيكن إ ثباتها باشتراط القرآن العدد في المشهور وقوله تعالى (١٤:٣٦ إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث) ، ومن السنة حديث ذي اليدين والمعقول واضح. نعم قوله «غير مطردة» حق لا ريب فيه، بل أزيد على ذلك أن بعض الأخبار يزيده تعدد الطرق وهنا، كأن يكون الخبر في فضل رجال من كل طريق من طرق كذاب أو متهم ممن يتعصب له أو مغفل أو مجهول

стр. 255

/ قال «فتعدد الطرق في مسألة مقطوع ببطلانها شرعاً كمسألة الغرانيق أوعقلاً لا قيمة له لجواز تلك الطرق على الباطل» أقول: أما الباطل يقنياً فلا يقيده التعدد شيئاً، بل يبعد جداً أن تتعدد طرقه تعدداً يفيده قوة قوية، نعم قجد يختلف المتن في الجملة ويكون الحكم بالبطلان إنما هو بالنظر إلى ما وقع في بعض الطرق، وقد يكون ذلك الخطأ وقع فيه وقد يفهم الناظر معنى بحكم بطلانه ن وللخبر معنى آخر مستقيم، وكثيراً ما يقع الخلل في الحكم بالبطلان وقال أبو رية ص ٢٦٩ «كتب الحديث المشهورة» ثم ذكر الموطأ وذكر أشياء ينبغي مراجعة مصادرها، إلى أن قال ص٢٧٣ «قال ابن معين: إن مالكاً لم يكن صاحب حديث، بل كان صاحب رأي» أقول: لم يذكر مصدره إن كان له مصدر، ومن المتواتر ثناء ابن معين البالغ على مالك بمعرفة الحديث ورواته والإتقان والتثبت، وليس من شأن ابن معين النظر في الفقه قال «وقال الليث بن سعد: أحصيت على مالك سبعين مسألة وكلها مخالفة لسنة الرسول» أقول: قد عرفنا أن مالكاً ربما توقف عن الأخذ بالحديث لاعتقاده أنه منسوخ أو نحو ذلك، وقد تبني على الحديث الواحد مئات من المسائل، وقد قال مالك «إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي فما وافق السنة فخذوا به (١) » قال «وقد اعترف مالك بذلك» أقول: لم يذكر مأخذه حتى نبين له غلطة أو مغالطته قال «وألف الدارقطني جزءاً يما خولف يه مالك من الأحاديث في الموطأ وغيره، وفيه أكثر من عشرين حديثاً»

стр. 256

أقول: منها ما الصواب فيه مع مالك، ومنها ما كلا الوجهين صحيح، ومنها م الإختلاف فيه في أمر لا يضر ثم قال «البخاري وكتابه ... » إلى أن قال ص٢٧٤ «كان البخاري يروي بالمعنى ... » أقول: تقدم النظر في ذلك ص٩٥ قال «قال ابن حجر: من نوادر ما وقع في البخاري أنه يخرج الحديث تاماً بإسناد واحد ولفظين ... » أقول: عزاه إلى فتح الباري ١٨٦:١٠ وإنما هو في ١٩٣:١٠ من الطبعة الأولى الميرية، وبين ابن حجر هناك أن اختلاف اللفظ وقع ممن فوق البخاري لا من البخاري، فراجعه، وتعجب من أمانة أبي رية! / ثم قال «موت البخاري قبل أن يبيض كتابه. يظهر أن البخاري مات قبل أن يتم تبيض كتابه، فقد ذكر ابن حجر في مقدمة فتح الباري أن أبا إسحق إبراهيم بن أحمد المستملي قال: انتسخت كتاب البخاري من أصهل الذي كان عنده صاحبه محمد بن يوسف الفربري، فرأيت فيه أشياء لم تتم، وأشياء مبيضة، منها تراجم لم يثبت بعدها شيئاً، ومنها أحاديث لم يترجم لها. فأضفنا بعض ذلك إلى بعض. قال أبو الوليد الباجي: ومما يدل على صحة هذا القول أن رواية أبي إسحاق المستملي ورواية ... مختلفة بالتقديم والتأخير، مع أنهم انتسخوا من أصل احد، وإنما ذلك بحسب ما قدر كل واحد منهم فيما كان في طرق أو رقعة مضافة أنه من موضع ما أضافه إليه. ويبين ذلك أنك تجد ترجمتين أو أكثر من ذلك متصلة ليس بينهما أحاديث» أقول: قول ابي رية «قبل أبن يبيض» يوهم احتمال أن يكون في النسخة مالم يكن البخاري مطمئناً إليه على عادة المصنفين، يستعجل أحدهم في التسويد على

стр. 257

أن يعود فينقح. وهذا باطل هنا، فإن البخاري حدث بتلك النسخة وسمع الناس منه منها وأخذوا لأنفسهم نسخاً في حياته، فثبت بذلك أنه مطمئن إلى جميع ما أثبته فيها. لكن ترك مواضع بياضا رجاء أن يضيفها فيما بعد فلم يتفق ذلك، وهي ثلاثة أنواع: الأول أن يثبت الترجمة وحديثاً أو أكثر ثم يترك بياضاً لحديث كان يفكر في زيادته، وأخر ذلك لسبب ما ككونه كان يجب إثباته كما هو في أصله ولم يتيسر له الظفر به حينئذ الثاني أن يكون في ذهنه حديث يرى إفراده بترجمة فيثبت الترجمة ويؤخر إثبات الحديث لنحو ما مر الثالث أن يثبت الحديث ويترك قبله بياضاً للترجمة لأنه يعني جداً بالتراجم ويصمنها حديثاً وينبه فيها على معنى خفي في الحديث أحمله على معنى خاص أو نحو ذلك. فإذا كان متردداً ترك بياضاً ليتمه حين يستقر رأيه وليس في شيء من ذلك ما يوهم احتمال خلل في ما أثتبه. فأما التقديم وا لتأخير فالاستقرار يبين أنه لم يقع إلا في الأبواب والتراجم يتقدم أحد البابين في نسخه ويتأخر في أخرى، وتقع الترجمة قبل هذا الحديث في نسخة وتتأخر عنه في أخرى فيلتحق بالترجمة السابقة، ولم يقع من ذلك ما يمس سياق الأحاديث بضرر. وفي مقدمة الفتح بعد العبارة السابقة «قلت: وهذه قاعدة حسنة يفزع إليها حيث يتعسر وجه الجمعه بني الترجمة والحديث وهي مواضع قليلة جداً» ثم قال أبو ر ية ص ٢٧٥ «وقد انتقده الحفاظ في عشرة ومائة حديث، م منها ٣٢ حديثاً وافقه مسلم على إخراجها» أقول: قد ساقها الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح وبين حالها، ومن تدبر ذلك علم أن الأمر فيها هين / ليس فيه ما يحط من قدر البخاري وصحيحه قال «وكذلك ضغف الحفاظ من رجل البخاري نحو ثمانين رجلاً ... »

стр. 258

أقول: سيأتي النظر في هذا قريبا قال «وقال السيد محمد رشيد رضا بعد أن عرض للأحاديث المتنقدة على البخاري ما يلي: إذا قرأت ما قاله الحافظ فيه رأيتها كلها في صناعة الفن ... ولكنك إذا قرأت الشرح نفسه (فتح الباري) رأيت له في أحاديث كثيرة إشكالات في معانيها أو تعارضها مع غيرها مع محاولة الجمع بين المختلفات وحل للمشكلات بما يرضيك بعضه فوق بعض» أقول: السيد رشيد رضا وغيره يعلمون أن في القرآن آيات يشكل بعضها على كثير من الناس، وآيات يتراءى فيها التعارض، والذين فسروا القرآن ومنهم السيد رشيد يحاولون حل ما يتراءى إشكاله والجمع بين ما يتراءى تعارضه (بما يرضيك بعضه دون بعض) . والقرآن كله حق (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد) فثبت بهذا أن ما ذكره السيد رشيد رضا في تلك الأحاديث لا تصلح دليلاً على البطلان هذا وللإستشكال أسباب، أشدها استعصاء أن يدل النص على معنى هو حق في نفس الأمر لكن سبق لك أن اعتقدت اعتقاداً جازماً أنه باطل وقال ص ٢٧٦ «وقال الدكتور أحمد أمين.... إن بعض الرجال الذين روى لهم [البخاري] غير ثقات، وقد ضعف الحافظ من رجال البخاري فوق الثمانين» أقول: هذا الأمر يتراءى مهولاً، فإذا تدبرنا حال أولئك الثمانين واستقر أنا ما أخرجه البخاري لهم اتضح أن الأمر هين، وقد ساق الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري تراجم هؤلاء وما قيل فيهم من مدح وقدح وما أخرجه لهم البخاري فذكر في أولهم ممن اسمه أحمد تسعة نفر اختلف فيهم وغالبهم من شيوخ البخاري الذين لقيهم واختبرهم، فثلاثة منهم اتضح أنهم ثقات وأن قدح من قدح

стр. 259

فيهم ساقطاً كما تراه جلياً في مقدمة الفتح. وثلاثة فيهم كلام، وإنما أخرج لكل واحد منهم حديثاً واحداً متابعة، يروى البخاري الحديث عن ثقة أو أكثر ويرويه مع ذلك عن ذاك المتكلم فيه، واثنان روى كلم منهما أحاديث / يسيرة ولكن المتسعملي - أحد رواة الصحيح عن الفربري عن البخاري - أدرج في بابرفع الأمانة من الرقاق قوله «قال الفربري: قال أبو جعفر حدثت أبا عبد الله [البخاري] فقال: سمعت أبا [جعفر] أحمد بن عاصم يقول: سمعت أبا عبيد يقول قال الأصمعي وأبو عمرو وغيرهما: جذو قلوب الرجال - الجذر الأصل من كل شيء والو كت أثر الشيء» هذا هو التحقيق، وإن وقع في التهذيب ومقدمة الفتح ما يوهم خلافه، وراجع الفتح ٢٨٦:١١ وإذا قد عرفت حال الستعسة الأولين فقس عليهم الباقي، وإن شئت فراجع وابحث واتضح لك أن البخاري عن اللوم بمنجاة ثم قال أحمد أمين «وفي الواقع هذه مشكلة المشاكل، فالوقوف على أسرار الرجال محال، نعم إن من زل واضحة سهل الحكم عليه، ولكن ماذا يصنع بمستور الحال» ؟ أقول: الخبير الممارس لأحوال الناس وطباعتهم وللرواية وأحوال الرواة وما جرى عليه أئمة النقد يتبين له أن الله تعالى قد هيأ الأسباب لبيان الحق من الباطل وراجع ص ٥٥و ٦٢ قال «ثم إن أحكام الناس على الرحال تختلف كل الاختلاف، فبعض يوثق رجلاً وآخر يكذبه، والبواعث النفسية على ذلك لا حد لها ... » أقول: إذ نظرنا إلى الواقع فعلا انقشع هذا الضباب، حسبك أن رجال

стр. 260

البخاري يناهزون ألفي رجل، وإنما وقع الاختلاف في ثمانين منهم، وقد عرضت سابقاً حال الثمانين قال «ولعل من أوضح ذلك عكرمة مولى ابن عباس ... » أقول: ترجمة عكرمة في فتح الباري فلبيراجعها من احب، أما البخاري فكان الميزان بيده، لأنه كان يعرف عامة ما صح عن عكرمة أن حدث به فاعتبر حديثه بعضه ببعض من رواية أصحابه كلهم فلم يجد تناقضاً ولا تعارضاً ولا اختلافاً لا يقع في أحاديث الثقات، ثم اعتبر أحاديث عكرمة عن ابن عباس وغيره بأحاديث الثقات عنهم فوجدها يصدق بعضها بعض، إلا أن ينفرد بعضهم بشيء له شاهد في القرآن أو من حديث صحابي آخر. فتيبن للبخاري أنه ثقة. ثم تأمل ما يصح من كلام من تكلم فيه فلم يجد حجة تنافي ما تبين له قال: فابن جريج الطبري يثق به كل الثقة، ويملأ تفسيره وتاريخه بأقواله والرواية عنه / أقول: نعم يثق به ابن جرير، لكن ليس روايته عنه في تفسيره وتاريخه بدليل على ذلك، فإنه كثيراً ما يروي فيهما عمن ليس بثقة عنده ولا عند غيره لأنه لم يلتزم بالصحة قال «وسلم ترجح عنده كذبه فلم يرو إلا حديثاً واحداً في الحج، ولم يعتمد فيه عليه وحده وإنما ذكره تقوية لحديث سعيد بن جبير» أقول: كلمة «كذبه» لا وجه لها، ويردها ما بعدها، فإن من استقر الحكم عليه بأنه متهم بالكذب لا يتقوى بروايته أصلاً ولا سيما في الصحيح، لكن لعل مسلماً لم يتجشم ما تجشم البخاري من تتبع حديث عكرمة واعتباره، فلم يتبين له ما تبين للبخاري، فوقف عن الاحتجاج بعكرمة

стр. 261

ثم ساق أبو رية فصولاً لم أنعم النظر فيها، وفيها مواضع قد تقدم الكلام فيها، إلى أن قال ص٣٠٠ «المحدثون لا يعنون بغلط المتون، والمحدثون قلماً يحكمون على الحديث بالاضطراب إذا كان الاختلاف فيه واقعاً في نفس المتن، لأن ذلك ليس من شأنهم من جهة كونهم محدثين، وإنما هو من شأن المجتهدين، وإنما يحكمون على الحديث بالاضطراب إذا كان الاختلاف فيه في نفس الإسناد لأنه من شأنهم» أقول: الاختلاف في المتن على أضرب: الأول ما لا يختلف به المعنى. وهذا ليس باضطراب الثاني ما يختلف به معنى غير المعنى المقصود، وهذا قريب من سابقه، ومنه القضية التي استدل بها أبو رية في عدة مواضع يحسب أنه قد ظفر بقاسمة الظهر للحديث النبوي! وهي الاختلاف والشك في الصلاة الرباعية التي سها فيها النبي ﷺ فسلم من ركعتين فنبهه ذو اليدين، فوقع في رواية «إحدى صلاتي العشي» وي رواية «الظهر» وفي أخرى «العصر» فالأخريان مختلفتان لكن ذلك لا يوجب اختلافاً في المعنى المقصود فإن حكم لصلوات في السهو الواحد الثالث ما يختلف به معنى مقصود لكن في الحديث معنى آخر مقصود لا يختلف كقصة المرأة التي زوجها النبي ﷺ رجلاً بأن يعلمها ما معه من القرآن وقد تقدمت ص ٥٩ الرابع ما يختلف به المعنى المقصود كله، فهذا لا يصح السند بالوجهين وأمكن الترجيح فالراجح هو الصحيح، وإلا فالوقف، والغالب أن البخاري ومسلماً ينبهان على الترجيح بطرق يعرفها من مارس الصحيحين، وكذلك كتب السنن يكثر فيها بيان الراجح، لكن قد لا يتبين لأحدهم فيرى أن عليه إثبات الوجهين يحفظهما لمن بعده، فرب مبلغ أوعى من سامع

стр. 262

/ وذكر ص ٣٠١ عن السيد رشيد رضا: أن علماء الحديث قلماً يعنون بغلط المتون ما يخص معانيها وأحكامها.. وإنما يظهر معاني غلط المتون للعلماء والباحثين في شروحها من أصول الدين وفروعه وغير ذلك» أقول: أما الكتب التي لم تلتزم الصحة ولا الاحتجاج فنعم، وقد يقع يسير من ذلك في صحيح مسلم، فأما صحيح البخاري وما يصححه الإمام أحم ونظراؤه فإنهم يعنون بذلك، وراجع لأصول الدين ما تقدم ص ٢ وأشار إلى حديث «خلق الله التربة الخ» وقد تقدم ص ١٣٥-١٣٨، وإلى حديث أبي ذر في شأن الشمس وقد مر ص١٦٥ ويأتي ص٢١٣ وقال «لو انتقدت الرواية من جهة فحوى متنها مكمنا تنتقد من جهة سندها لقضت المتون على كثير من الأسانيد بالنقض» أقول: هذه دعوى إجمالية، والعبرة بالنظر في الجزئيات، فقد عرفنا من محاولي النقد أنهم كثيراً ما يدعون القطع حيث لا يقطع، ويدعون قطعاً يكذبه القرآن، ويقيمون الاستبعاد القطع مع أن الاستبعاد كثيراً ما ينشأ عن جهل بالدين وجهل بطبيعته وجهل بما كامن عليه الحال في العهد النبوي، وكثيراً ما يسيئون فهم النصوص وقال ص٣٠٣ «وقد تعرض كثير من أئمة الحديث النقد من جهة المتن إلا أن ذلك قليل جداً بالنسبة لما تعرضوا له من النقد من جهة الإسناد» أقول: من تتبع كتب تواريخ رجال الحديث وتراجمهم وكتب العلل وجد كثيراً من الأحاديث يطلق الأئمة عليها «حديث منكر. باطل. شبه الموضوع. موضوع» وكثيراً ما يقولون في الراوي «يحدث بالمناكير، صاحب مناكير، عنده مناكير منكر الحديث» ومن أنعم النظر في أحاديثهم والطعن فيمن جاء بمنكر صار

стр. 263

الغالب أن لا يوجد حديث منكر إلا وفي سنده مجروح، أو خلل، فلذلك صاروا إذا استنكروا الحديث نظروا في سنده فوجدوا منا بينه وهنه فيذكرونه، وكثيراً ما يستغنون بذلك عن التصريح بحال المتن، انظر موضوعات ابن الحوزي وتدبر تجده إنما يعمد إلى المتون التي يرى فيها ما ينكره ولكنه قلما يصرح بذلك بل يكتفي غالباً بالطعن في السند وكذلك كتب العلل وما يعل من الأحاديث في التراجم تجد غالب ذلك ما ينكره متنه، ولكن الأئمة يستغنون عن بيان ذلك بقولهم «منكر» أو نحوه أو الكلام في الراوي أو التنبيه على خلل من السند كقولهم: فلان / لم يلق فلاناً لم يسمع منه. لم يذكر سماعاً. اضطرب فيه. لم يتابع عليه. خالفه غيره. يروي هذا موقوفاً وهو أصح، ونحو ذلك وذكر حديث «يلقى إبراهيم أبيه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصني؟ فيقول أبوه: فاليوم لا أعصيك. فيقول إبراهيم: يا رب إ نك وعدتني أن لا تخزني يوم يبعثون، فأي خزي أخزى من أبي الأبعد. فقال الله تعالى: إني حرمت الجنى على الكافرين ... » وذكر قول الإسماعيلي «هذا حديث في صحته نظر من جهة أن إبراهيم عالم بأن الله لا يخلف الميعاد، فكيف يجعل ما بأبيه خزياً له مع إخباره أن الله قد وعده ان لا يخزيه يوم يبعثون، وأعلمه أنه لا خلف لوعده» أقول: عن هذا جوابان: الأول أن إبراهيم لم يجعل ما بأبيه حينئذ من القترة والغبرة خزياً، إنما جعل الخزي ما كان منتظراً من دخول النار كا يدل على إجابة الله تعالى له بقوله: إني حرمت الجنة على الكافرين وكما يشهد له ما ذكره الله من قول عباده (١٩٢:٣ ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته» فدعاؤه إنما هو استنجار الموعد كما في (١٩٤:٣ ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد) وكان النبي ﷺ يدعو في عريش بدر (اللهم إني

стр. 264

أنشدك عهدك ووعدك) . ومن هذا أو مما يأتي ما قصه الله تعالى عن نوح من قوله (٤٥:١١ رب إن ابني من أهلي وإ ن وعدك الحق) . الثاني أن المخلوق قد يتملكه النظر من جهة فيناله ذهول من الجهة الأخرى، كا قصه الله تعالى عن الملئكة من قولهم (٣٠:٢أتجعل من يفسد فيها ويسفك الدماء) ومن قول زكريا أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا) وقد بين الله تعالى لخليله أن الجنة محرمة على الكافرين، وبذلك لا يكون أبوه داخلاً في الوعد بل ليس في دخول آزر بكفره النار خزي لإبراهيم، لكن هذه الحقيقة إنما تكشف حق الانكشاف لأهل الجنة بعد دخولها، وقد يكون في بقية الحديث ما يستفاد من أن الله تعالى كشف لإبراهيم تلك الحقيقة حينئذ، فراجعه وتدبر ما مر واعتبر به ثم ذكر أبو رية فصولاً، إلى أن قال ص ٣٠٧ «اختلافهم في الجرح والتعديل» وسمي جماعة ينبغي مراجعة تراجمهم في كتب الحال، وراجع ص ١٨٩ وقال ص٣٠٩ «وقال صاحب العلم الشامخ: قد اختلفت آراء الناس واجتهاداتهم في التعديل والتجريح، فترى الرجل الواحد تختلف فيه الأقوال حتى يوصف بأنه أمير المؤمنين وبأنه أكذب الناس، أو قريب من هاتين العبارتين» / أقول: قد تقدم ص١٨٩ أن المختلف فيهم قليل، ولا تبلغ كلمتان في رجل واحد هذا التفاوت الذي ذكره ولا ما يقاربه إلا قليلاً حيث يكون في إحداهما خلل، وللخلل أسباب وعلامات بسطت القول فيها بعض البسط في (التنكيل) ، والناظرون في العلم ثلاثة: مخلص مستعجل يجأر بالشكوى، ومتبع لهؤلاء فأنى يهديه الله، ومخلص دائب فهذا ممن قال الله تعالى فيهم (والذين جاهدا فينا

стр. 265

لنهديهم سبلنا، وإن الله لمع المحسنين) وسنة الله في المطالب العالية والدرجات الرفيعة أن يكون في نيلها مشقة ليتم الابتلاء ويستحق البالغ إلى تلك الدرجة شرفها وثوابها قال الله تعالى (٣١:٤٧ ولنبولنكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم) وذكر عن السيد رشيد رضا «إن توثيق من وثقه المتقدمون وإن ظهر خلاف ذلك بالدليل يفتح باب الطعن في أنفسنا ينبذ الدليل ... » أقول: هذا حق، ولكن شأن في الدليل الصحيح الذي يعارضه ما هو أقوى منه الصحابة ﵃ ثم قال أبو رية ص٣٠ «عدالة الصحابة ... » أقول: الآيات القرآنية في الثناء على الصحابة والشهادة لهم بالإيمان والتقوى وكل خير معروفة، ومن آخرها نزولاً قول الله (١١٧:٩ لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف رحيم. وعلى الثلاثة الذين خلفوا) ساعة العسرة غزوة تبوك، وكلمة «المهاجرين» هنا تشمل السابقين واللاحقين ومن كان معهم من غير الأنصار، ولا نعلمه تخلف ممن كان بالمدينة من هؤلاء أحد إلا عاجزاً أو مأمور بالتخلف مع شدة حرصه على الخروج، وفي الصحيح قول النبي ﷺ لما رجع من تبوك «إن المدينة أقواماً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم.. حبسهم العذر» . وفي الفتح أن المهاب استشهد لهذا الحديث بقول الله تعالى (٥٩:٤ لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون» وهو استشهاد متين، والمأمور بالتخلف أولى بالفضل. وفي هذا وآيات أخرى ثناء يعم المهاجرين من لحق بهم لا نعلم ثم ما يخصصه، فأما الأنصار فقد عمت الآية من خرج معهم إلى تبوك والثلاثة الذين خلفوا والمهاجرين، ولم يبق إلا نفر

стр. 266

كانوا منافقين. وفي الصحيح في حديث كعب بن مالك وهو أحد الثلاثة الذين خلفوا: «فكنت إذا خرجت إلى الناس بعد خروج رسول الله ﷺ فطفت فيهم أحزنني أني لا أرى / إلا رجلاً مغموصاً عليه النفاق، أو رجلاً ممن عذر الله من الضعفاء» وفي هذا بيان أن المنافقين قد كانوا معروفين في الجملة قبل تبوك، ثم تأكد ذلك بتخلفه لغير عذر وعدم ثبوبتهم، ثم نزلت سورة براءة فقشقشتهم وبهذا يتضح أنهم قد كانوا مشاور إليهم بأعيانهم قبل وفاة النبي ﷺ فأما قول الله (لا تلعمهم، نحن نعلمهم) فالمراد والله أعلم بالعلم ظاهره أي باليقين، وذلك لا ينفي كونهم مغموصين أي متهمين، غاية الأمر أنه يحتمل أن يكون في المتهمين من لم يكن منافقاً في نفس الأمر، وقد قال تعالى (ولتعرفنهم في لحن القول) ونص في سورة براءة وغيرها على جماعة منهم بأوصافهم، وعين النبي ﷺ جماعة منهم، فمن المحتمل أن الله بعد أن قال (لا تعلمهم) أعلمه به كلهم، وعلى كل حال فلم يمت النبي ﷺ إلا وقد عرف أصحابه المنافقين يقيناً أو ظناً أو تهمة، ولم يبق أحد من المنافقين غير متهم بالنفاق. ومما يدل على ذلك، وعلى قلتهم وذلتهم وانقماعهم ونفرة الناس عنهم، أنه لم يحس لهم عند وفاة النبي ﷺ حراك، ولما كانوا بهذه المثابة لم يكن لأحد منهم مجال في أن يحدث عن النبي ﷺ لأنه يعلم أن ذلك لا يعرضه لزيادة التهمة ويجر إليه ما يكره. وقد سمي أهل السير والتاريخ جماعة من المنافقين لا يعرف عن أحد منهم أنه حدث عن النبي ﷺ ، وجميع الذين حدثوا كانوا معروفين بين الصحابة أنهم من خيارهم وأما الأعراب فإن الله ﵎ كشف أمرهم بموت رسوله ﷺ ، فارتد المنافقون منهم، فيتبين أنه لم يحصل لهم بالاجتماع بالنبي ﷺ ما يستقر لهم به اسم الصحبة الشرعية، فمن أسلم بعد ذلك منهم فحكمه حكم التابعين وأما مسلمة الفتح فإن الناس يغلطون فيهم يقولون: كيف يعقل أن ينقلبوا

стр. 267

كلهم مؤمنين بين عشية وضحاها، مع أنهم إذا أسلموا حين قهروا وغلبوا ورأوا أن بقاءهم على الشرك يضر بدنياهم، والصواب أن الإسلام لم يزل يعمل في النفوس منذ نشأته. ويدلك على قوة تأثيره أمور: الأول ما قصه الله ﵎ من قولهم (٢٦:٤١ لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون) وقولهم (٤٢:٢٥ إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها) الثاني ما ورد من صدهم للناس أن يسمعوا القرآن حتى كان لا يرد مكة وارد إلا حذروه أن يستمع إلى / النبي ﷺ ، ومن اشتراطهم على الذي أجار أبا بكر أن يمنعه من قراءة القرآن بحيث يسمعه الناس الثالث وهو أوضحها إسلام جماعة من أبناء كبار رؤسائهم ومفارقتهم آباءهم قديماً، فمنهم عمرو وخالد ابنا أبي أحيحة سعيد بن العاص، والوليد بن الوليد بن المغيرة، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وهشام بن العاص بن وائل، وعبد الله أبو جندل انبا سهيل بن عمرو وغيرهم، وآباء هؤلاءهم أكابر رؤساء قريش وأعزهم وأغناهم، فارقهم أبناؤهم وأسلموا، فتدبر هذا، فقد جرت عادة الكتاب إذا ذكروا السابقين إلى الإسلام ذكروا الضعفاء فيتوهم القارئ أنهم أسلموا لضعفهم وسخطهم على الأقوياء وحبهم للانتقام منهم على الأقل لأنه لم يكن لهم من الرياسة والعز والغنى ما يصدهم عن قبول الحق وتحمل المشاق في سبيله والحقيقة أعظم من ذلك كما رأيت، إلا أن الرؤساء عاندوا واستكبروا، وتابعهم أكثر قومهم مع شدة تأثرهم بالإسلام، فكان في الشبان من كان قوي العزيمة فأسلموا وضحوا برياستهم وعزهم وغناهم، متقبلين ما يستقبلهم من مصاعب ومتاعب، وبقي الإسلام يعمل عمله في نفوس الباقين، فلم يزل الإسلام يفشوا فيهم حتى بعد هجرة المصطفى ﷺ ثم لما كان صلح الحديبية وتمكن المسلمون بعده من الاختلاط بالمشركين ودعوة كل واحد قريبه وصديقه فشا الإسلام بسرعة

стр. 268

وأسلم في هذه المدة من الرؤساء خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة وغيرهم، والإسلام يعمل عمله في نفوس الباقين ونستيطع أن نجزم أن الإسلام كان قد طرد الشرك خرافاته من النفوس عقلاء قريش كلهم قبل فتح مكة، ولم يبق إلا العناد المحض بلفظ آخر أنفاسه، فلما فتحت مكة مات العناد ودخلوا في الإسلام الذي قد كان تربع في نفوسهم من قبل. نعم بقي أثر في صدور بعض الرؤسا. فسط لهم النبي صى الله عليه وسلم التأليف يوم فتح مكة وبعده وآثرهم بغنائم حنين، ولم يزل يتحراهم بحسن المعاملة حتى اقتلع البقية الباقية من أثر العناد ثم كان من معارضة الأنصار بعد النبي ﷺ لقريش في الخلافة واستقرار الخلافة لقريش غير خاصة بيت من بيوتها، وخضوع العرب لها ثم العجم، ما أكد حب الإسلام في صدر كل قرشي، وكيف لا وقد جمع لهم إلى كل شير كانوا يعتزون به من بطحاء مكة آلاف الأميال، وجعلهم ملوك الدنيا والآخرة، م يوضخح لك لك أن الذين عاندوا إل يوم الفتح كانوا بعد ذلك من أجد الناس في الجهاد / كسهيل بن عمرو وعكرمة بن أبي جهل وعمه الحارث ويزيد بن أبي سفيان فأما ما يذكره كثير من الكتاب من العصبية بني بني هاشم وبني أمية فدونك الحقيقة: شمل الإسلام الفريقين ظاهراً وباطناً، وكما أسلم قديماً جماعة من بني هاشم فكذلك من بني أمية كابني سعيد بن العاص وعثمان بن عفان وأبي حذيفة بن عتبة، وكما تأخر الإسلام جماعة من بني أمية فكذلك من بني هاشم، وكما عاداه بعض بني أمية فكذلك بعض بني هاشم كأبي لهب بن عبد المطلب وأبي سفيان بن الحارث بن المطلب، ونزل القرآن يذم أبي لهب ولا نعلمه نزل في ذم أموي معين، وتزوج النبي

стр. 269

صلى الله عليه وسلم بنت أبي سفيان بن حرب الأموي ولم يتزوج هاشمية، وزوج إحدى بناته في بني هاشم وزوج ثلاثاً في بني أمية، فلم يبق الإسلام في أحد الجانبين حتى يحتمل أن يستمر هدفاً لكراهية الجانب الآخر. بل ألف الله قلوبهم فأصبحوا بنعمتة إخوانا وأصبح الإسلام يلفهم جميعاً: يحبونه جميعاً ويعظمونه جميعاً ويعتزون به جميعاً ويحاول كل منهم أن يكون حظه منه أوفر، ولم تكن بيين فتح مكة وبين ولاية عثمان الخلافة تفرد ما بين العشيرتين، فلما كانت الشورى وانحصر الأمر في علي وعثمان فاختير عثمان وجدت الأوهام منقذاً إلى الخواطر ثم لما صار في أواخر خلافة عثمان جماعة من عشيرته بني أمية وعمالاً وصار بعض الناس يشكوهم أشيعت عن علي كلمات يندد بهم ويتوعدهم بإنه إذا ولى خلافة عزلهم وأخذ أموالهم وفعل وفعل، ثم كانت الفتنة وكان لبعض من يعد من أصحاب على إصبع فيها، حتى قتل عثنمان وقام قلتلته بالسعي لمبايعة علي فبويع علي وبقي جماعة منهم في عسكره، فمن تدبر هذا وجد هذه الأسبباب العارضة كافية لتعليل ما حدث بعد ذلك، إذن فلا وجه لاقحام ثارات بدر وأحد التي أماتها الإسلام وما حكى مما يشعر بذلك لا صحة له البتة، إلا نزعة شاعر فاجر في زمن بني العباس يصح أن تعد من آثار الاسراف في النزاع لا من مؤثراته، وجرى من طلحة والزبير ما جرئ فأي ثار لهما كان عند بني هاشم؟ وبهذا يتضح جلياً أن لا مساغ البتة لأن يعلل خلاف معاوية يطلبه بثأر من قتل من آله ببدر، ثم يتذرع بذلك إلى الطعن في إسلامه، ثم في إسلامه نظرائه ! فإن قيل: مهما يكن من حال الصحابة فإنهم لم يكونوا معصومين فغاية الأمر أن يحملوا على العدالة ما لم يتبين / خلافها، فلماذا يعدل المحدثون من تبين ما يوجب جرحه منهم؟ فالجواب من أوجه: الأول أنهم تدبروا ما نقل من ذلك فوجدوه ما بين

стр. 270

غير ثابت نقلاً أو حكماً أو زلة تيب منها أو كان لصاحبها تأويل الوجه الثاني: أن القرآن جعل الكذب على الله كفراً، قال تعالى (٦٨:٢ ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذب بالحق لما جاءه أليس في جهنم مثوي للكافرين) والكذب على النبي ﷺ في أمر الدين والغيب كذب على الله، ولهذا صرح بعض أهل العلم بأنه كفر، اقتصر بعضهم على أنه من أكبر الكبائر، وفرق شيخ الإ سلام ابن تيمية بين من يخبر عن النبي ﷺ فلا وساطة الصحابي إذا قال: قال النبي ﷺ كذا، وبين غيره، فمال إلى تعمد الأول الكذب كفر وتردده في الثاني. ووقوع الزلة أو الهفوة من الصحابي لا يسوغ احتمال وقوع الكفر منه. هب أن بعضهم لم يكن يرى الكذب على النبي ﷺ كفراً، فإنه علىكل حال – يراه أغلظ جداً من الزلات والهفوات المنقولة الوجة الثالث: أن أئمة الحديث اعتمدوا فيمن يمكن التشكك في عدالته من الصحابة اعتباراً لما ثبت أنهم حدثوا به عن النبي ﷺ أو عن صحابي آخر عنه، وعرضوها على لكتاب والسنة وعلى رواية غيرهم مع ملاحظة أحوالهم وأهوائهم، فلم يجدوا من ذلك ما يوجب التهمة، بل وجدوا عامة ما رووه قد رواه غيرهم من الصحابة ممن لا تتجه إليه تهمة، أو جاء في الشريعة ما في معناه أو ما يشهد له، وراجع ص٦٤ وهذا الوليد بن عقبة بن ابيم معيط يقول المشنعون: ليس من المهاجرين والأنصار، إنما هو من الطلقاء. ويقولون: إن النبي ﷺ لما أمر بقتل أبيه عقب بدر قال يا محمد فمن للصبية؟ يعني بنيه. فقال النبي ﷺ : لهم النار. ويقولون إن هو الذي أنزل الله تعالى فيه (يا آيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبنوا) فنص القرآن أنه فاسق يجب التبين في خبره، ويقولون إنه في زمن عثمان كان أميراً على الكوفة فتشهدوا عليه أنه شرب الخمر وكلم علي عثمان في ذلك فأمره أن يجلده فامر علي عبد الله بن جعفر فجلده، ومنهم من يزيد أنه صلى

стр. 271

بهم الصبح سكران فصلى أربعاً ثم التفت فقال: أزيدكم؟ وكان الوليد أخا عثمان لأمه، فلما قتل عثمان صار الوليد ينشء الأشعار يتهم علياً بالموالاة على قتل عثمان ويحرض معاوية على قتال علي / هذا الرجل أشد ما يشنع به المعترضون على إطلاق القول بعدالة الصحابة، فإذا نظرنا إلى ريواته عن النبي ﷺ لنرى كم حديثاً روى في فضل أخيه، وولى نعمته عثمان؟ وكم حديثاً روى في ذم الساعي في جلده الممالي على قتل أخيه في ظنه، علي؟ وكم حديثاً روى في فضل نفسه ليدافع ما لحقه من الشهرة بشرب الخمر؟ هالنا أننا لا نجد له رواية البتة، الهلم إلا أنه يوجد عنه حديث في غير ذلك لا يصح عنه، وهو ما رواه أحمد وأبو داود نم طريق رجل يقال له أبو موسى عبد الله الهمداني عن الوليدبن عقبة قال: «لما فتح النبي ﷺ مكة جعل أهل مكة يأتونه بصيبيانهم فيمسح على رءوسهم ويدعو لهم، فجئ بي إليه وأنا مطبيب بالخلوق فلم يمسح رأسي، ولم يمنعه من ذلك إلا أن أمي خلقتني بالخلوق، فلم يمسني من أجل الخلوق» هذا جميع ما وجدناه عن الوليد عن النبي ﷺ وأنت إذا تفقدت السند وجدته غير صحيح لجهالة الهمداني، وإذا تأملت المتن لم تجده منكراً ولا فيه ما يمكن أ، يتم فيه الوليد، بل الأمر بالعكس فإنه لم يذكر النبي ﷺ دعا له، وذكر أنه لم يمسح رأسه، ولذلك قال بعضهم: قد علم الله تعالى حاله فحرمه بركة يد النبي ﷺ ودعائه. أفلا ترى معي في هذا دلالة واضحة على أنه كان بين القوم وبين الكذب على النبي ﷺ حجر محجور؟ قال شيخ الإسلام ابن تيمية في رده على الاخنائي ص١٦٣ «فلا يعرف من من الصحابة من كان يعتمد الكذب على رسول الله ﷺ ، وإن كان فيهم من له ذنوب لكن هذا الباب مما عصمهم الله فيه»

стр. 272

قد ينفر بعض الناس من لفظه «العصمة» وإنما المقصود أن الله وفاء بما تكفل به من حفظ دينه وشريعته هيأ من الأسباب ما حفظهم به وبتوفيقه سحانه من أن يتعمد أحد منهم الكذب على رسول الله ﷺ فإن قيل: فلماذا لم يحفظهم الله تعالى من الخطأ؟ قلت الخطأ إذا وقع من أحد منهم فإن الله تعالى يهيئ ما يوقف به عليه، وتبقي الثقة به قائمة في سائر الأحاديث التي حديث بها مما لم يظهر فيه خطأ، فأما تعمد الكذب فإنه إن وقع في حديث واحد لزم إهدار الأحاديث التي عند ذاك الرجل كلها، وقد تكون عنده أحاديث ليست عند غيره. راجع ص٢٠-٢١ هذا وفي كتاب أبي رية ص٤٢-٥٣ «كلام أخرت النظر فيه إلى هنا كما أشرت إليه ص٥٢ من كتابي هذا، قال ص٤٢ «الكذب على النبي ﷺ قبل وقاته ... » / ثم ذكر ما روى عن ابن بريدة عن أبيه بريدة بن الحصيب قال «كان حي من بني ليث على ميلين من المدينة، فجاءهم رجل وعليه حل، فقال: إن رسول الله ﷺ كساني هذه الحلة وأمرني أن أحكم في دمائكم وأموالكم بما أرى – وكان قد خطب منهم امرأى [في الجاهلية] فلم يزوجوه، فانطلق [حتى نزل] على تلك المرأة، فأرسلوا إلى رسول الله ﷺ . فقال: كذب عدو الله، ثم أرسل رجلاً. فقال إن وجدته حياً [ولا أراك تجده] فاضرب عنقه، وإن وجدته شيئاً فحرقه بالنار» أقول: عزاه إلى أحكام ابن حزم، ومنه أضفت الكلمات المحجوزة، وانظر لماذا أسقطها أبو رية؟ ورواية عن ابن بريدة صالح بن حيان وهو ضعيف له أحاديث منكرة، وفي السند غيره، وقد رويت القصة من وجهين آخرين بقريب من هذا المعنى وفي كل منها ضفع. راجع مجمع الزوائد ١٤٥:١. وعلى

стр. 273

فرض صحته فهذا الرجل كان خطب تلك المرأة في الشرك فردوه، فلما أسلم أهلها سولت له نفسه أن يظهر الإسلام ويأتيهم بتلك الكذبة لعله يتمكن من الخلوة بها ثم يقر، إذ لا يعقل أن يريد البقاء وهو يعلم أنه ليس بينه وبين النبي ﷺ سوى ميلين، فأنكر أهلها أن يقع مثل ذلك عن أمر رسول الله ﷺ ، فرأوا أن ينزلوا الرجال محترسين منه، ويرسلوا إلى النبي ﷺ يخبرونه. وقوله ﷺ «ولا أراك تجده» ظن منه أن عقوبة الله ستعاجل الرجل. وكذلك كان كما في الطرق الأخرى، وجده الرسول قد مات، وفي رواية «خرج ليبول فلدغته حية فهلك» وحدوث مثل هذا لا يصلح للتشكيك في صدق بعض من صحب النبي ﷺ غير متهم بالنفاق ثم استمر على الإسلام بعد وفاة النبي ﷺ . يراحع ص١٣ فما بعدها، وتعجيل العقوبة القدرية لذلك الرجل يمنع غيره من أن تحدثه نفسه بكذب على النبي صلى الله عليهوسلم في حياته، وكذا من باب أولى بعد وفاته، فإن العقوبة القدرية لم تمهل ذاك مع أنه يصدد أن تناله العقوبة الشرعية، ولا يترتب على كذبه المفاسد؟ ولهذا جاء في رواية أن الصحابي بعد ﷺ ذكر حديثاً فاستثبته بعض الناس فحدث بالقصة ثم قال «أتراني كذبت على رسول الله ﷺ بعد هذا» ؟ وذكر أبو رية خبر المقنع التميمي، ويقال: المنقع، وسنده واه جداً يشمل على مجاهيل وضعفاء فلا أطيل به، هذا من الحكمة في اختصاص الله تعالى اصحاب رسوله بالحفظ من الكذب عليه أنه سبحانه كره أن يكونوا هدفاً لطعن من بعدهم لأن ذريعة إلى الطعن في الإسلام جملة. وليس هناك سبب مقبول للطعن إلا أن يقال: نحن مضطرون إلى بيان أحوالهم ليعرف من لا يحتج بروايته منهم، فاقتضت الحكمة حسم هذا لقع العذر عمن يحاول الطعن في أحد منهم وقال ص٤٣ «الكذب على النبي ﷺ ... فإن الكذب

стр. 274

قد كثر عليه بعد وفاته ... » أقول: قد كان كذب، لكن متى؟ وممن؟ لا شأن لنا بدعاوي أبي رية، وإنما ننظر في شواهده: / ذكر قصة بشير «بالتصغير) بن كعب العدوي مع ابن عباس في مقدمة صحيح مسلم وجعلها قصتين وإنما هي روايتان. ويشير هذا غير بشير (بفتح فكسر) بن كعب بن أبي الحميري العامري الذي شهد اليرموك، بل هذا أصغر منه بكثير، وأخطأ من عدهما واحداً، راجع الإصابة. وهذا عراقي بصري له قصة مع عمران بن حصين في الحياة تدل أنه كان يقرأ صحف أهل الكتاب، وقصته مع ابن عباس يظهر أنها كانت حوالي ستة سنين، فإن ابن عباس توفي سنة ٦٨ أبو بعدها وعاش بشير بعد ابن عباس زمانا روى مسلم قصة من طريق طاوس ومجالد، وحاصلها أن بشيراً جاء إلى ابن عباس فجعل يحدث (زاد مجاهد: ويقول قال رسول الله صلى الله عليهوسلم. قال رسول الله ﷺ قال طاوس: فقال له ابن عباس عد لحديث كذا وكذا، فعاد له. ثم حدثه فقال له: عد لحديث كذا وكذا، فعاد له، فقال له ما أدري أعرفت حديثي كله وأنكرت هذا. أم أنكرت حديثي كله وعرفت هذا؟ فقال ابن عباس: إنا كنا نحدث عن رسول الله ﷺ إذ لم يكن يكذب عليه. فلما ركب الناس الصعب والذلول تركنا الحديث عنه (وفي رواية طاوس هي أثتب عن الأولى، قال: إنا كنا نحف الحديث والحديث يحفظ عن رسول الله ﷺ . فأما إذ ركبتم كل صعف وذلول فهيهات) ولفظ مجاهد: فجعل اب عباس لا يأذن لحديثه ولا ينظر إليه، فقال: يا ابن عباس مالي لا أراك تسمع لحديثي ... فقال ابن عباس: «إذا كنا مرة إذ سمعنا رجلاً يقول قال رسول الله ﷺ ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا من نعرف»

стр. 275

عرف ابن عباس أن بشيرا ً ليس بصحابي، ومع ذلك لم يدرك كبار الصحابة، ولعله مع ذلك لم يكن يعرف بالثقة، وفوق ذلك كأن يرسل، لا جرم لم يصغ إلى أحاديثه، فأما استعادته بعضها فكأن المستعاد كأن أحاديث يرفعها عن ابن عباس، فأراد أن يصححها لبشير إن كان عنده فيها خطأ كانت القصة حوالي سنة ستين كما مر، وقد ظهر الكذب بالعراق قبل ذلك كما يؤخذ مما يأتي، وبشير عراقي فليس في القصة ما يخدش في صدق الصحابة ﵃، ولا ما يدل على ظهور الكذب بعد وفاة النبي بمدة يسيره، وقوله في إحدى روايتي طاوس «تركنا الحديث عنه» يريد تركنا أخذ الحديث عنه إلا من حيث نعرف وذكر ص٤٤ ما في مقدمة صحيح مسلم أيضاً عن ابن أبي مليكة «كتبت إلى ابن عباس أسأله أن يكتب لي كتاباً ويخفي عني قال: ولد ناصح، وأنا أختار له الأمور اختياراً وأخفي عنه، قال: فدعا بقضاء علي ﵁ / فجعل يكب منه أشياء ويمر به الشيء فيقول: والله ما قضي بهذا علي، إلا أن يكون ضل» أقول: أورد مسلم بعد هذا «عن طاوس قال: أتى ابن عباس بكتاب فيه قضاء علي ... » ثم أورد «عن ابن إسحاق قال: لما أحدثوا تلك الأشياء بعدعلي ﵁ قال رجل من أصحاب علي: قاتلهم الله أي علم أفسدوا» التف حول علي ﵁ بالكوفة نفر ليس لهم علم ولا كبير دين، وذاك الكتاب جمع من حكاياتهم وحكايات غيرهم عن قضاء علي، وجئ إلى ابن عباس بنسخة منه. وذكر مسلم أيضاً ونقله أبو رية عن المغيرة بن مقسم قال «لم يكن على علي ﵁ في الحديث عنه إلا من أصحاب عبد الله بن مسعود» وذلك أن أبا مسعود كان بالكوفة في عهد علي وبعد، فكان له أصحاب طالت صحبتهم له وفقهوا، فلما جاء علي إلى الكوفة أخذوا عنه أيضاً وكانوا أوثق

стр. 276

أصحابه، وهذه الآثار إنما تدل على فشو الكذب بالكوفة بعد علي ﵁ درجات الصحابة وقال أبو رية ٤٥ «درجات الصحابة ... » ثم قال ص٤٧: «رواية الصحابة بعضهم عن بعض، وروايتهم عن التابعين..» وعاد بيدئ ويعيد لتأكيد تلك المكيدة الجهنمية التي سبق الكشف عنها ص٧٢-٧٥و ٨٢و ٨٩-٩٠و ١٠٩-١١٠و ١٥٧و ١٧١ ثم قال ص٤٩ «نقد الصحابة بعضهم لبعض ... » أقول: ذكر أشياء معروفة مع أجوبتها في كتب الحديث، وحاصلها أن أحدهم كان إذا سمع من أخيه حديثاً يراه معارضاً لببعض ما عده توقف فيه، وظن أب جوز أن أخاه أخطأ، مع تميزه بعضهم لبعض عن تعمد الكذب وذكر فيها ص٥٢ «ولما بلغها- يعني عائشة – قول أبي الدرداء: من أدرك الصبح فلا وتر عليه. فقالك لا، كذب ابو الدرداء، كان النبي صلى اله عليه وسلم يصبح فيوتر» أقول: الخبر في سنن البيهقي ٤٧٩:٢ ولفظه فلا وتر له» ورواية عن أبي الدرداء وعائشة أبو نهيك الأزد الفراهيدي، قال ابن القطان «لا يعرف» يعني أنه مجهول الحال، ولا يخرجه عن ذلك ذكر ابن حبان له في الثقات، وفوق ذلك لايعلم له إدراك لأبي الدرداء وعائشة، بل الظاهر عنده فالخبر منقطع، ويعارضه ما في الصحيحين وغيرهما عن عائشة أن النبي ﷺ «انتهى وتره إلى السحر» . وعلى فرض صحة الحكاية فإنما قال أبو الدرداء من قبل نفسه لم يذكر رواية، فكلمة/ «كذب «بمعنى «أخطأ» كما هو معروف عنه راجع ص٥١

стр. 277

قال «وقالت عن أنس بن مالك وأبي سعيد الخدري: ما علم أنس بن مالك وأبي سعيد بحديث رسول الله ﷺ ؟ وإنما كانا غلامين صغيرين» أقول: ينظر في صحة هذا، فقد كانا في مثل سنها أو أكبر منها، وكانا ممن يلزم النبي ﷺ ولا سيما أنس قال «وكانت عائشة ترد ما روى مخالفاً للقرآن» أقول: راجع ص١٤ لتعرف ما هو الخلاف الذي يقتضي الرد قال «وتحمل رواية الصادق من الصحابة على خطأ السمع وسوء الفهم» أقول: كلهم بحمد الله كان صادقاً عندهم ثم حكى عن أحمد امين عن بعض الزيدية كلهم فيها أن الصحابة تلك بعضهم في بضع وقاتل بعضهم بعض، ونحو هذا. والجواب عن ذلك مبسوط في كتب أهل العلم، وموضاعنا هنا بيان صدقهم في الحديث النبوي، وقد أثبتناه ولله الحمد قال «وإنما اتخذهم العامة أرباباً بعد ذلك» أقول: أما أهل السنة فلم يتخذوا أحداً من الصحابة ربا، وإنما أولئك غلاة أصحابك الشيعة (١) . قال «ومن أساء منهم ذممناه، ومن أحسن منهم حمدناه» أقول: أنت وهواك، أما نحن فنقول (ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، ربنا إ نك رءوف رحيم) وذكر أبو رية ص٣١١ كلاماً للذهبي ذكر فيه ما حكى ابن وضح قال

стр. 278

«سألت يحيى بن معين عن الشافعي، فقال: ليس بثقة، ثم قال للذهبي وكلام ابن معين في الشافعي إنما كان نم فلتات اللسان بالهوى والعصيان، قال ابن معين كان من الحنفية وإن كان محدثاً» أقول: هذه من فلتات القلمن وقد برأ الله ابن معين من اتباع الهوى والعصبية، وإنما كان يأخذ بقول أبي حنيفة فيما لم يتضح له الدليل بخلافه، وعدخ ميله إلى الشافعي كان لسبب آخر، وثم علل تقدح في صحة هذه الكلمة «ليس بثقة» عنه، وقد أوضحتُ ذلك في «التنكيل» / ثم ذكر أبو رية ص٣٢١-٣٢٢ كلاماً للعقيلي، والمقبلي نشأ في بيئة اعتزالية المعتقد، هادوية الفقه، شيعية تشيعاً مختلفاً، يلفظ في أناس ويخلف في آخرين، فحاول التحرير فنحج تقريباً في الفقة، وقارب التوسط في التشيع، أما الاعتزال فلم يكد يتخلص إلا من تكفير أهل السنة مطلقاً، وكلامه هنا يدور حول قضايا الاعتزال: كالقدر، ونفي رؤية المؤمنين ربهم في الآخرة، والقول بخلق القرآن، والدفاع عن عمرو بن عبيد أحد قدماء المعتزلة، وهذه المسائل معروفة مدروسة، والمقبلي لم يسير غورها، ولا حقق ما كان عليه الأمر في عهد الني ﷺ وأصحابه وا لتابعين بإحسان، فلذلك أخذ يلوم أحمد وينسبه إلى الافراط في التشدد، ولعله لو علم أحمد بالنسبة إلى التسامح وذكر ص٣١٥ ما روى عن أحمد في شأن ابن علية ومحمد بن هارون، والإمام أحمد وإن رجا المغفرة للأمين فلم يزد في ابن علية على إنكار قوله تنقيراً للناس عن الباطل، واستمر أحمد على الرواية عن ابن علية، والاحتجاج به والثناء عليه بالثبت وذكر ص٣١٦ مسألة الرؤية، فخلط بين رؤية النبي ﷺ ربه ليلة الإسراء وهي التي أنكرتها عائشة ومن معها، وبين الرؤية في الآخرة

стр. 279

وقال أيضاً: «لكن المحدثون لم يعرفوا مقدار الخطأ في الكلام لأنه غير صنعتهم» اقول: بل أنت لم تعرف مقدار الخطأ في العقيدة الإسلامية الحقة، ولا عرفت غور القضايا المخالفة لها وقال ص٣١٧ «وقال يحيى بن معين في عتبة بن سعيد بن العاص بن أمية: ثقة، وهوجليس الحجاج.... بل روى له البخاري ومسلم» أقول: إنما هو عتبة بن سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية، له عند البخاري خبر واحد ذكره في الجهاد والمغازي مع روايته من طريق غيره، راجع فتح الباري ٣٠:٦و ٣٧٦:٧ وعند مسلم خبر واحد جاء ذكره في قصة العرنيين، وقد أخرجها أيضاً من رواية غيرهما. هذا جميع ما لعتبسة في الصحيحين كما يعلم من ترجمته في كتاب الجمع بين رجال الصحيحين، ومعنى هذا أنهما لم يحتجا به ولا أحدهما، فأما الذين وثقوه فإنهم تتبعوا أحاديثه فوجدوها معروفة من رواية غيره من الثقات ن ولم يثت عليه جرح بين. أما مجالسته للحجاج / فليست بجرح بين، إذ قد يجالسه ولا يشركه في ظلمه بل يحرص على رد ظلمه ما استطاع، ويرى أن استمراره على ذلك أنفع للدين وللمسلمين من مباينته له، وقد كان نبي الله يوسف عاملاً للمشركين بمصر والملك فيهم ولم يكن يستطيع أن يحكم بخلاف دينهم بدليل قول الله (ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك) وإنما كان ﵇ يعينهم ما ليس بكفر ولا محرم عليه، فإذا جاء ما هو كفر أو محرم ولم يمكنه أن يصرفه تركه لهم، وقد أنذرهم بلطف وأذن الله تعالى أن يبقى معهم لما علم في ذلك من المصلحة قال: «وروى البخاري لمروان بن الحكم»

стр. 280

أقول: اعتبر البخاري أحاديث مروان فوجدها مستقيمة معروفة لها متابعات وشواهد، ووجد أن أهل عصر مروان كانوا يثقون بصدقة في الحديث، حتى ر وى عن سهل بن سعد الساعدي وهو صحابي، وروى عنه زين العابدين على بن الحسين بن علي بن أبي طالب. بقى عدالته في سيرته فلعل البخاري لم يثبت عنده ما يقطع بأن مروان ارتكب ما يخل بها غير متأول، وعلى كل حال فلا وجه للتشنيع إذ ليست المفسدة في الرواية عمن تذم حاله في الصحيح ما دام المروي ثابتاً من طريق غيره، ألا ترى أنه لو وقع في سند إلى بعض ثقات التابعين أنه سمع يهودياً يقول لعلي بن أبي طالب سمعت نبيكم يقول كيت وكيت. فقال علي: وأنا سمعته يقول ذلك: لصح إثبات هذا الخبر في الصحيح وإن كان فيه صورة الرواية عن يهودي؟ فما بالك بمروان، مع أن روايته لا تخلوا من تقوية لرواية غيره لأنه على كل حال مسلم قد عرف تحرية الصدق في الحديث وذكر ص٣١٨ بعض ما نسب إلى بعض الصحابة ثم قال «وما لا يحصى سكت عنه رعاية الحق النبي ﷺ ما لم يلجئ إليه ملجئ ديني فيجب ذكره، ومن الملجئات ترتب شيء من الدين على مروان والوليد [بن عقبة] وغيرهما فإنهما أعظم خيانة لدين الله ... » أقول: أما الوليد فقد تقدم ص١٩٨ أنه لم يرو شيئاً، وإنما روى عنه مجهول خبراً لو صح لما دل إلا على صدقه، وأما مروان فمن تتبع أحاديثه الثابتة عنه علم أن البخاري لم يبن شيئاً من الدين على رواية تفرد بها لفظاً ومعنى، وأما غيرها فراجع ص١٩٧ وقال ص٣٢٠ «وأعجب من هذا أن في رجالها من لم يثبت تعديلها..» وذكر حفص بن بغيل (١) ومالك بن الخير الزبادي (٢) وكلاماً للذهبي في ترجمتيها

стр. 281

قد رده الحافظ ابن حجر في ترجمة مالك بن الخير من لسان / الميزان، وفي مواضع آخر، وحفص ومالك ليسا ولا أحدهما في الصحيحين ولا أحدهما، ولا فيهما ولا في أحدهما من هو مثل حفص ومالك، فإن وجد من هو قريب من ذلك فنادرا في المتابعات ونحوها كما بينه ابن حجر، على أنه لو فرض أن البخاري احتج في الصحيح بمن لم يوثقه غيره فاحتجاجه به في الصحيح توثيق وزيادة وذكر بعد ذلك في المتن والحاشية كلاماً قد تقدم بيان الحق فيه ولله الحمد ثم ذكر ص٣٢٤-٣٢٧ كلاماً للدكتور طه حسين ذكره في معرض الرد على الذين يكذبون غالب ما روى من الأحداث في زمن عثمان ويقولون إنه «على كل حال لم يرد إلى الخير، ولم يكن يريد ولا يمكن أن يريد إلا الخير» ويرون في سائر الصحابة أنهم «يخطئون ويصيبون، ولكنهم يجتهدون دائماً ويسرعون إلى الخير دائماً فلا يمكن أن يتورطوا في الكبائر، ولا أن يحدثوا إلا هذه الصغائر التي يغفرها الله المحسنين من عباده» أقول: أما أهل العلم من أهل السنة فلا يقولون في عثمان ولا في غيره من آحاد الصحابة إنه معصوم مطلقاً أو من الكبائر، وإنما يقولون في المبشرين بالجنة: إنه لا يمكن أن يقع منهم ما يحول بينهم وبين ما بشروا به، وإن الصحابي الذي سمع من النبي ﷺ ولم يعرف بنفاق في عهده ولا ارتد بعد موته لا يكذب عليه ﷺ متعمداً، وقد تقدم بيان ذلك، ولا يظن به أن يرتكب كبيرة غير متأول ويصر عليها، والعارف المنصف لا يستطيع أن يجحد أن هذا الحال كانت هي الغالبة فيهم، فالواجب الحمل عليها ما دام ذلك محتملاً، وعلماء السنة يجدون الاحتمال قائماً في كل ما نقل نقلاً ثابتاً، نعم قد يبعد في بعض القضايا ولكنهم يرونه مع بعده أقرب من ضده، وذلك مبسوط في كتبهم قال ص٣٢٥ «ونحن لا نغلو في تقديس الناس إلى هذا الحد البعيد» أقول:

стр. 282

وعلماء السنة كما رأيت لا يبلغون هذا الحد، وإن كانوا يعلمون أن حال الصحاب لا تقاس بحال غيرهم قال: «ولا نرى في أصحاب النبي ﷺ مالم يكونوا يرون في أنفسهم» أقول: المدار على الحجة، فإذا ثبت عندنا أن أحدهم كان يرى في صاحبه أمراً فليس لنا أن نوافقه إذا لم نعلم له حجة، فكيف إذا ماقامت الحجة على خلافه؟ وأوضح من ذلك أنه ليس لنا أن نتهم غير صاحبه بمثل تلك التهمة ما دام لا حجة لنا على ذلك. فأما الاستدلال على الإمكان فعلماء السنة لم يتفوا الإمكان إلا فيما قام عليه دليل شرعي كالتبشير بالجنة. والدليل الشرعي لا يعارضه ما دونه / قال «وهم تقاذفوا التهم الخطيرة، وكان منهم فريق تراموا بالكفر والفسوق، فقد روى أن عمار بن ياسر ... » أقول: أما الترامي بالفسوق بمعنى ارتكاب بعض الكبائر فقد كان بعض ذلك وعلم حكمه مما مر، وأما الترامي بالكفر فلم يثبت، بل الثابت خلافه، وما ذكر أنه ما روى عن عمار وابن مسعود لم يثبت، وعلى فرض أنه ثبت عن بعضهم كلمة يظهر منها ذاك لامعنى فهي فلتة لسان عندثورة غضب لا يجوز أخذها على ظاهرها لشذوذها ونفي جمهور الصحابة لما يزعمه ظاهرها، فكيف وقد ثبت عن النبي ﷺ تبشير عثمان بالشهادة والجنة؟ ثم قال ص٣٢٦ «الذين رووا أخبار هذه الفتن هم أنفسهم الذين رووا أخبار الفتح وأخبار المغازي وسيرة النبي ﷺ والخلفاء، فما ينبغي أن نصدقهم حين يروون ما يروقنا، وأن نكذبهم حين يروون ما لا يعجبنا ... وما ينبغي كذلك أن نصدق كل ما يروي أو نكذب كل ما يروي وإنما الرواة أنفسهم ناس من الناس يجوز عليهم الخطأ والصواب ويجوز عليهم الصدق والكذب، والقدماء أنفسهم قد عرفوا ذلك وتهيئوا له ووضعوا قواعد.. فليس علينا بأس من أن

стр. 283

نسلك الطريق التي سلكوها وأن نضيف إلى القواعد التي عرفوها ما عرف المحدثون من القواعد الجديدة ... » أقول: الرواة كما وصف، ولكن لا يجهل عاقل أن أحوالهم مختلفة: فمنهم المغفل المتساهل الذي يبني على التوهم فيكثر غلطه، ومنهم الضابط المتقن المثبت الذي يندر جداً أو يخطئ، وليس كل ما يصلح مستنداً للتوقف عن خبر الأول أو رده يصلح لمثل ذلك في خبر الثاني. فأما الصدق وتعمد الكذب ولا سيما في الحديث النبوي فالأمر فيها أعظم، وللكذب دواع وموانع، والناس متفاوتون جداً في الانقياد للدواعي أو الموانع، فإني أعرف من الأغنياء الوجهاء من يساوم بالسلمة الخفيفة فيقول له الدكاني: ثنمها ثلاثة قروش، فيقول كاذباً: إن صاحب ذلك الدكان يبيعها بقرشين، يكذب هذه الكذبة طبعاً في أن يغر الدكان فيعط يه إياها بقرشين مع علمه أن كذبه قد ينكشف عن قريب، بل إذا نجح فأخذها بقرشين، قد يذهب فيخبر بالقصة متمدحاً بكذبه، وأعرف من المقلين من لا تسمح له نفسه بمثل هذا الكذب ولو ظن أنه يتحصل به على مقدار كبير، فأما الحديث النبوي فالأمر فيه أشد، والمتدينون من الكذب فيه أبعد أبعد فإن قيل: قد ذكر أهل الحديث أن جماعة صالحين كانوا يكذبون في الحديث عمداً في المواعظ ونحوها / وذكروا في الهيثم بن عدي – وهو ممن يكذبون – أنه كان يقوم عامة الليل يصلي، فإذا أصبح جلس يكذب قلت: أما صالح يتعمد الكذب فلا يكون إلا شديد الجهل بالدين، ومثل هذا نادر لا يسوغ أن يقاس به من عرف بالدين والعلم والصدق، ولو ساغ هذا لساغ أن يتهم كل إنسان بكل نقيصة عرفت لغيره، ولو عرف بأنه من أبعد الناس عنها فأما الهيثم بن عدي فتلك الحكاية إنما حكاها عباس الدوري قال «حدثنا

стр. 284

بعض أصحابنا قال: قالت جارية بن الهيثم بن عدي: كان مولاي ... » والجارية لا يعرف حالها، والمخبر عنها لا يدري من هو وما حاله، وإنما استندوا في تكذيب على أنها نادرة مستطرفة لأن مثل هذا نادر كما مر، وإنما استندوا في تكذيب الهيثم إلى دلائل ثابتة. هذا وعلماء السنة لا يستندرون في التصديق والتكذيب إلى أن ذاك يروقهم هذا لا يعجبهم، ولكنهم ينظرون إلى الرواة فمن كان من أهل الصدق والأمانة والثقة لا يكذبونه، غير أنهم إذا قام الدليل على خطئه خطأوه، سواء كاذن ذلك فيما يسوءهم أم فيما يعجبهم، وأما من كان كذاباً أو متهماً أو مغفلاً أو مجهولاً أو نحو ذلك فإنهم لا يحتجون بروايته. ومن هؤلاء جماعة كثير قد رووا عنهم في كتب التفسير وكثير من كتب الحديث والسير والمناقب والفضائل والتاريخ والأدب، وليست روايتهم عنهم تصديقاً لهم وإنما هي على سبيل التقييد والاعتبار، فإذا جاء دور النقد جروا على ما عرفوه، فما ثبت عما رواه هؤلاء برواية غيرهم منأهل الصدق قبلوه، وما لم يثبت فإن كان مما يقرب وقوعه لم يرو بذكره بأساً وإن لم يكن حجة، وإن كان مما يستبعد أنكروه، فإن اشتد البعد كذبوه، وهذا التفصيل هو الحق المعقول، ومعلوم أن الكذوب قد يصدق فإذا صدقناه حيث عرفنا صدقه واستأنسنا بخبره حيث يقرب صدقه لم يكن علينا – بل إن لم يكن لنا - أن نصدقه حيث لم يتبين لنا صدقه، فكيف إذا تبين لنا كذبه؟ أما القواعد النظرية قديمها وحديثها فحقها أن تضاف- كما أشار إليه الدكتور – إلى القواعد السندية بعد داسة الناقد لهذه دراسة وافية وإيفائها حقها. فأما الأثبات، أو الاستدلال به على صدق الحكايات الواهية فضرره أكثر من نفسه، كثيراً ما يبلغنا حدوث حادثة في عصرنا هذا فترى صحتها لأننا نرى أن الأسباب تستدعيها وتكاد توجب وقوعها، ثم يتبين أنها لم تقع، وتبلغنا واقعة فترتاب فيها

стр. 285

ونكاد نجزم تكذيبها، ثم تبين أنها وقعت/ فإن قيل: إنما ذلك لخطئنا في اعتقاد أن هذا سبب أو مانع، أو في تقدير قوته، أو لجهلنا بأسباب وموانع أخرى أقوى مما عرفناه، قلت: فإذا كان هذا جهلنا بزماننا ومكاننا وبيئتنا، فكيف بما مضى عليه بضعة عشر قرناً؟ ومما يجب التنبيه له أنه قد يثبت من جهة السند نص يستنكره بعض النقاد، وحق مثل هذا أن لا يبادر إلى رده، بل يمعن النظر في أمرين: الأول معنى النص، فقد يكون المراد منه معنى غير الذي استنكر، الثاني سبب الاستنكار فكثيراً ما يجئ الخلل من قبله وقد تقضي القرآن وقوع أمر سكت عنه الروايات الصحيحة وترد رواية واهبة السند فيها ما يؤدي ذاك الأمر في الجملة فيبادر الناقد إلى تثبيتها، وفي هذا ما فيه، ألا ترى أنه قد يجيئك شخص ضربه آخر فنسأله: لم ضربك؟ فيقول: بلا سبب، فترتاب في صدقه، فإذا جاء خصمة فقال إنما ضرته لأنه سبني سباً شنيعاً، قال كيت وكيت، ظننت أنه صادق في الجملة، أي أنه قد كان سب، ولكنه قد يكون دون ما ذكره الضارب بكثير، فالصواب أن نذكر الرواية وأنها واهية السند، ثم يقال: ولكن القرآن تقتضي أنه قد كان شيء من ذاك القبيل هذا هو مقتضي التحقيق والأمانة ثم قال أبو رية ص ٣٢٨ «طالب الحديث بغير فقه ... » أقول: قال أبو رية ص٤٦ «وروى البخاري ومسلم عن النبي ﷺ قال: إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكبير أصاب أرضاً، منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب بها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ»
следующие страницы →