بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)
قرآن كريم
стр. 2
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين.
والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد الاولين والاخرين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين) .
أما بعد: فهذا الكتاب يتناول مسائل من الفقه الاسلامي مقرونة بأدلتها من صريح الكتاب وصحيح السنة، ومما أجمعت عليه الامة.
وقد عرضت في يسر وسهولة، وبسط واستيعاب لكثير مما يحتاج إليه المسلم، مع تجنب ذكر الخلاف إلا إذا وجد ما يسوغ ذكره فنشير إليه.
وهو بهذا يعطي صورة صحيحة للفقه الاسلامي الذي بعث الله به محمدا
ﷺ ، ويفتح للناس باب ألفهم عن الله ورسوله، ويجمعهم على الكتاب والسنة، ويقضي على الخلاف وبدعة التعصب للمذاهب، كما يقضي على الخرافة القائلة: بأن باب الاجتهاد قد سد.
وهذه محاولات أردنا بها خدمة ديننا، ومنفعة إخواننا نسأل الله أن ينفع بها، وأن يجعل عملنا خالصا لوجهه الكريم، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
السيد السابق
стр. 3
تمهيد رسالة الاسلام وعمومها والغاية منها أرسل الله محمدا ﷺ بالحنيفية السمحة، والشريعة الجامعة التي تكفل للناس الحياة الكريمة المهذبة والتي تصل بهم إلى أعلى درجات الرقي والكمال.
وفي مدى ثلاثة وعشرين عاما تقريبا، قضاها رسول الله ﷺ في دعوة الناس إلى الله، تم له ما أراد من تبليغ الدين وجمع الناس عليه.
عموم الرسالة:
ولم تكن رسالة الاسلام رسالة موضعية محددة، يختص بها جيل من الناس دون جيل، أو قبيل دون قبيل، شأن الرسالات التي تقدمتها، بل كانت رسالة عامة للناس جميعا إلى أن يرث الارض ومن عليها، لا يختص بها مصر دون مصر، ولا عصر دون عصر.
قال الله تعالى: (تبارك الله الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا (١)) وقال تعالى: (وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا) (٢) وقال تعالى: (قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا، الذي له ملك السموات والارض، لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الامي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون) (٣) وفي الحديث الصحيح: (كان كل نبي يبعث في قومه خاصة، وبعثت إلى كل أحمر وأسود) .
стр. 4
ومما يؤكد عموم هذه الرسالة وشمولها ما يأتي:
١ - أنه ليس فيها ما يصعب على الناس اعتقاده، أو يشق عليهم العمل به قال الله تعالى: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) (١) وقال تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) (٢) وقال تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) (٣) وفي البخاري من حديث أبي سعيد المقبري أن رسول الله ﷺ قال: (إن هذا الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه) .
وفي مسلم مرفوعا: (أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة) .
٢ - أن ما لا يختلف باختلاف الزمان والمكان، كالعقائد والعبادات، جاء مفصلا تفصيلا كاملا، وموضحا بالنصوص المحيطة به، فليس لاحد أن يزيد فيه أو ينقص منه، وما يختلف باختلاف الزمان والمكان، كالمصالح المدنية، والامور السياسية والحربية، جاء مجملا، ليتفق مع مصالح الناس في جميع العصور، ويهتدي به أولو الامر في إقامة الحق والعدل.
٣ - أن كل ما فيها من تعاليم إنما يقصد به حفظ الدين، وحفظ النفس
وحفظ العقل، وحفظ النسل، وحفظ المال، وبدهي أن هذا يناسب الفطر وبساير العقول، ويجاري التطور ويصلح لكل زمان ومكان.
قال الله تعالى: (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق، قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا، خالصة يوم القيامة، كذلك نفصل الايات لقوم يعلمون.
قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن، والاثم والبغي بغير الحق، وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا، وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون (٤)) وقال جل شأنه: (ورحمتي وسعت كل شئ فسأكتبها للذين يتقون، ويؤت ون الزكاة، والذين هم بآياتنا يؤمنون. الذين يتبعون الرسول النبي الامي الذي يجدونه مكتوبا عندهم
стр. 5
في التوراة والانجيل، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم والاغلال التي كانت عليهم، فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه، واتبعوا النور الذي أنزل معه، وأولئك هم المفلحون) (١) .
الغاية منها:
والغاية التي ترمي إليها رسالة الاسلام، تزكية الانفس وتطهيرها عن طريق المعرفة بالله وعبادته، وتدعيم الروابط الانسانية وإقامتها على أساس الحب والرحمة والاخاء والمساواة والعدل، وبذلك يسعد الانسان في الدنيا
والاخرة، قال الله سبحانه (هو الذي بعث في الاميين رسولا منهم، يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) (٢) وقال تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين (٣)) .
وفي الحديث: (أنا رحمة مهداة) .
التشريع الاسلامي أو الفقه:
والتشريع الاسلامي ناحية من النواحي الهامة التي انتظمتها رسالة الاسلام، والتي تمثل الناحية العملية من هذه الرسالة.
ولم يكن التشريع الديني المحض - كأحكام العبادات - يصدر إلا عن وحي الله لنبيه ﷺ ، من كتاب أو سنة، أو بما يقره عليه من اجتهاد.
وكانت مهمة الرسول لا تتجاوز دائرة التبليغ والتبيين (وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى) (٤) .
стр. 6
أما التشريع الذي يتصل بالامور الدنيوية، ومن قضائية وسياسية وحربية، فقد أمر الرسول ﷺ بالمشاورة فيها، وكان يرى الرأي فيرجع عنه لرأي أصحابه، كما وقع في غزوة بدر وأحد، وكان الصحابة ﵃ يرجعون إليه ﷺ يسألونه عما لم يعلموه، ويستفسرونه فيما خفي عليهم من معاني النصوص، ويعرضون عليه ما فهموه منها، فكان أحيانا يقرهم على فهمهم، وأحيانا يبين لهم موضع الخطأ فيما ذهبوا إليه.
والقواعد العامة التي وضعها الاسلام، ليسير على ضوئها المسلمون هي:
١ - النهي عن البحث فيما لم يقع من الحوادث حتى يقع، قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبدلكم تسؤكم، وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبدلكم عفا الله عنها، والله غفور حكيم) (١) وفي الحديث: أن النبي ﷺ ، نهى عن الاغلوطات، وهي المسائل التي لم تقع.
٢ - تجنب كثرة السؤال وعضل المسائل، ففي الحديث: (إن الله كره لكم قيل وقال وكثرة السؤال، وإضاعة المال) وعنه ﷺ : (إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدودا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم من غير نسيان فلا تبحثوا عنها) وعنه أيضا: (أعظم الناس جرما، من سأل عن شئ لم يحرم فحرم من أجل مسألته) .
٣ - البعد عن الاختلاف والتفرق في الدين، قال الله تعالى: (وأن هذه أمتكم أمة واحدة) (٢) وقال تعالى (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا (٣)) .
وقال تعالى: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ذيحكم) (٤) وقال تعالى: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شئ (٥)
стр. 7
وقال تعالى: (وكانوا شيعا) (١) وقال تعالى: (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات، وأولئك لهم عذاب عظيم) (٢) .
٤ - رد المسائل المتنازع فيها إلى الكتاب والسنة. عملا بقول الله تعالى: (فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول (٣)) وقوله تعالى: (وما اختلفتم فيه من شئ فحكمه إلى الله) (٤) وذلك لان الدين قد فصله الكتاب، كما قال الله تعالى: (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ) (٥) وقال تعالى: (ما فرطنا في الكتاب من شئ) (٦) وبينته السنة العملية، قال الله تعالى: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم (٧)) .
وقال تعالى: (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله) (٨) وبذلك تم أمره، ووضحت معالمه، قال الله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الاسلام دينا) (٩) .
وما دامت المسائل الدينية قد بينت على هذا النحو، وما دام الاصل الذي يرجع إليه عند التحاكم معلوما، فلا معنى للاختلاف ولا مجال له، قال الله تعالى: (وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد) (١٠) وقال تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) (١١) على ضوء هذه القواعد، سار الصحابة ومن بعدهم من القرون المشهود لها بالخير، ولم يقع بينهم اختلاف، إلا في مسائل معدودة، كان مرجعه التفاوت في فهم النصوص وأن بعضهم كان يعلم منها ما يخفي على البعض الاخر.
стр. 8
فلما جاء أئمة المذاهب الاربعة تبعوا سنن من قبلهم، إلا أن بعضهم كان أقرب إلى السنة، كالحجازيين الذين كثر فيهم حملة السنة ورواة الاثار، والبعض الاخر كان أقرب إلى الرأي كالعراقيين الذين قل فيهم حفظة الحديث) لتنائي ديارهم عن منزل الوحي.
بذل هؤلاء الائمة أقصى ما في وسعهم في تعريف الناس بهذا الدين وهدايتهم به، وكانوا ينهون عن تقليدهم ويقولون: لا يجوز لاحد أن يقول قولنا من غير أن يعرف دليلنا، صرحوا أن مذهبهم هو الحديث الصحيح، لانهم لم يكونوا يقصدون أن يقلدوا كالمعصوم ﷺ ، بل كان كل قصدهم أن يعينوا الناس على فهم أحكام الله.
إلا أن الناس بعدهم قد فترت هممهم، وضعفت عزائمهم وتحركت فيهم غريزة المحاكاة والتقليد، فاكتفى كل جماعة منهم بمذهب معين ينظر فيه، ويعول عليه، ويتعصب له، ويبذل كل ما أوتي من قوة في نصرته، وينزل قول إمامه منزلة قول الشارع، ولا يستجيز لنفسه أن يفتي في مسألة بما يخالف ما استنبطه إمامه، وقد بلغ الغلو في الثقة بهؤلاء الائمة حتى قال الكرخي: كل آية أو حديث يخالف ما عليه أصحابنا فهو مؤول أو منسوخ.
وبالتقليد والتعصب للمذاهب فقدت الامة الهداية بالكتابة والسنة، وحدث القول بانسداد باب الاجتهاد، وصارت الشريعة هي أقوال الفقهاء، وأقوال الفقهاء هي الشريعة، واعتبر كل ما يخرج عن أقوال الفقهاء مبتدعا لا يوثق بأقواله، ولا يعتد بفتاويه.
وكان مما ساعد على انتشار هذه الروح الرجعية، ما قام به الحكام والاغنياء من إنشاء المدارس، وقصر التدريس فيها على مذهب أو مذاهب معينة، فكان ذلك من أسباب الاقبال على تلك المذاهب، والانصراف عن الاجتهاد، محافظة على الارزاق التي رتبت لهم! سأل أبو زرعة شيخه البلقيني قائلا: ما تقصير الشيخ تفي الدين السبكي عن الاجتهاد وقد استكمل آلته؟ فسكت البلقيني، فقال أبو زرعة: فما عندي أن الامتناع عن ذلك إلا للوظائف التي قدرت للفقهاء على المذاهب الاربعة وأن من خرج عن ذلك لم ينله شئ من ذلك، وحرم
стр. 9
ولاية القضاء، وامتنع الناس عن إفتائه، ونسبت إليه البدعة فابتسم البلقيني ووافقه على ذلك.
وبالعكوف على التقليد، وفقد الهداية بالكتاب والسنة، والقول بانسداد باب الاجتهاد وقعت الامة في شر وبلاء ودخلت في جحر الضب الذي حذرها رسول الله ﷺ .
كان من آثار ذلك أن اختلف الامة شيعا وأحزابا، حتى إنهم اختلفوا في حكم تزوج الحنفية بالشافعي، فقال بعضهم: لا يصح، لانها تشك (١) في إيمانها، وقال آخرون، يصح قياسا على الذمية، كما كان من آثار ذلك انتشار البدع، واختفاء معالم السنن، وخمود الحركة العقلية، ووقف النشاط الفكري) ، وضياع الاستقلال العلمي، الامر الذي أدى إلى ضعف شخصية الامة، وأفقدها الحياة المنتجة، وقعد بها عن السير والنهوض، ووجد الدخلاء بذلك ثغرات ينفذون منها إلى صميم الاسلام.
مرت السنون، وانقضت القرون، وفي كل حين يبعث الله لهذه الامة من يجدد لها دينها، ويوقظها من سباتها، ويوجهها الوجهة الصالحة، إلا أنها لا تكاد تستيقظ حتى تعود إلى ما كانت عليه، أو أشد مما كانت.
وأخيرا انتهى الامر بالتشريع الاسلامي، الذي نظم الله به حياة الناس جميعا، وجعله سلاحا لمعاشهم ومعادهم، إلى دركة لم يسبق لها مثيل، ونزل إلى هوة سحيقة، وأصبح الاشتغال به مفسدة للعقل والقلب، ومضيعة للزمن، لا يفيد في دين الله، ولا ينظم من حياة الناس.
وهذا مثال لما كتبه بعض الفقهاء المتأخرين: عرف ابن عرفة الاجارة فقال، بيع منفعة ما أمكن نقله، غير سفينة ولا حيوان، لا يعقل بعوض غير ناشئ عنها، بعضه يتبعض بتبعيضها.
فاعترض عليه أحد تلاميذه، بأن كلمة بعض تنافي الاختصار، وأنه لا ضرورة لذكرها، فتوقف الشيخ يومين، ثم أجاب بما لا طائل تحته.
стр. 10
وقف التشريع عند هذا الحد ووقف العلماء لا يستظهرون غير المتون، ولا يعرفون غير الحواشي وما فيها من إيرادات واعتراضات وألغاز، وما كتب عليها من تقريرات، حتى وثبت أو رويا على الشرق تصفعه بيدها، وتركله رجلها.
فكان أن تيقظ على هذه الضربات، وتلفت ذات اليمين وذات الشمال.
إذا هو متخلف عن ركب الحياة الزاحف، وقاعد بينما القافلة تسير.
وإذا هو مام عالم جديد، كله الحياة والقوة والانتاج، فراعه ما رأى، وبهره ما شاهد، فصاح الذين تنكروا لتاريخهم وعقوا آباءهم، ونسوا دينهم وتقاليدهم: أن ها هي ذي أوروبا يا معشر الشرقيين، فاسلكوا سبيلها، وقلدوها في خيرها وشرها، وإيمانها وكفرها، وحلوها ومرها، ووقف الجامدون موقفا سلبيا، يكثرون من الحوقلة والترجيع، وانطووا على أنفسهم، ولزموا بيوتهم، فكان هذا برهانا آخر على أن شريعة الاسلام لدى المغرورين لا تجاري التطور، ولا تتمشى مع الزمن.
ثم كانت النتيجة الحتمية، أن كان التشريع الاجنبي الدخيل هو الذي يهيمن على الحياة الشرقية، مع منافاته لدينها وعاداتها وتقاليدها وأن كانت الاوضاع الاوروبية هي التي تغزو البيوت والشوارع والمنتديات والمدارس والمعاهد، وأخذت موجتها تقوى وتتغلب على كل ناحية م ن النواحي حتى كاد الشرق ينسى دينه وتقاليده ويقطع الصلة بين حاضره وماضيه، إلا أن الارض لا تخلو من قائم لله بحجة، فهب دعاة الاصلاح يهيبون بهؤلاء المخدوعين بالغربيين، أن: خذدوا حذركم، وكفوا عن دعايتكم، فإن ما عليه الغربيون من فساد الاخلاق لابد وأن ينتهي بهم إلى العاقبة السوآى، وأنهم ما لم يصلحوا فطرهم بالايمان الصحيح ويعدلوا طباعهم بالمثل العليا من الاخلاق، فسوف تنقلب علومهم أداة تخريب وتدمير، وتتحول مدنيتهم إلى نار تلتهمهم وتقضي عليهم القضاء الاخير (ألم تر كيف فعل ربك بعاد؟ إرم ذات العماد، التي لم يخلق مثلها في البلاد، وثمود الذين جابوا الصخر بالواد، وفرعون ذي الاوتاد.
الذين طغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد. فصب عليهم ربك سوط عذاب، إن ربك لبالمرصاد) (١) .
ويصيحون بهؤلاء الجامدين دونكم لنبع الصافي،
стр. 11
والهدى الكريم: لنبع الكتاب وهدى السنة، خذوا منهما دينكم وبشروا بهما غيركم، فعند ذلك تهتدي بكم هذه الدنيا الحائرة، وتسعد بكم هذه الانسانية المعذبة (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الاخر وذكر الله كثيرا) (١) .
وكان من فضل الله أن استجاب لهذه الدعوة رجال بررة، وتلقتها قلوب
مخلصة، واعتنقها شباب وهبها أعز ما يملك من الاموال والانفس.
فهل أذن الله لنوره أن يشرق على الارض من جديد؟ وهل أراد للانسان أن يحيا حياة طيبة، يسودها الايمان والحب والاحسان والعدل؟ هذا ما تشهد به الايات: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا) (٢) .
(سنريهم آياتنا في الافاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق، أو لم يكف بربك أنه على كل شئ شهيد؟) (٣) .
стр. 12
الطهارة
المياه وأقسامها
القسم الاول من المياه:
الماء المطلق
وحكمه أنه طهور: أي أنه طاهر في نفسه مطهر لغيره ويندرج تحته من الانواع ما يأتي:
١ - ماء المطر والثلج والبرد لقول الله تعالى: (وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به) (١) وقوله تعالى (وأنزلنا من السماء ماء طهورا) (٢) ولحديث أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا كبر في الصلاة سكت هنيهة قبل القراءة، فقلت: يا رسول الله - بأبي أنت وأمي - أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: (أقول اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الابيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد) رواه الجماعة إلا الترمذي.
وهي اما حقيقية كالطهارة بالماء أو حكمية كالطهارة بالتراب في التيمم.
٢ - ماء البحر، لحديث أبي هريرة ﵁ قال: سأل رجل رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله، إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء فإن توضأنا به عطينا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله ﷺ : (هو الطهور (٣) ماؤه، الحل ميتته) رواه الخمسة.
стр. 13
وقال الترمذي: هذا الحديث حسن صحيح، وسألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث فقال: حديث صحيح.
٣ - ماء زمزم، لما روي من حديث علي ﵁ (أن رسول الله ﷺ دعا بسجل (١) من ماء زمزم فشرب منه وتوضأ) رواه أحمد.
٤ - الماء المتغير بطول المكث، أو بسبب مقره، أو بمخالطة ما لا ينفك عنه غالبا، كالطحلب وورق الشجر، فإن اسم الماء المطلق يتناوله باتفاق العلماء.
والاصل في هذا الباب أن كل ما يصدق عليه اسم الماء مطلقا عن التقييد يصح التطهر به، قال الله تعالى: (فلم تجدوا ماء فتيمموا) (٢) .
القسم الثاني: الماء المستعمل
وهو المنفصل من أعضاء المتوضئ والمغتسل، وحكمه أنه طهور كالماء المطلق، سواء بسواء، اعتبارا بالاصل، حيث كان طهورا، ولم يوجد دليل يخرجه عن طهوريته، والحديث لربيع بنت معوذ في وصف وضوء رسول الله ﷺ قالت: (ومسح رأسه بما بقي من وضوء في يديه) رواه أحمد وأبو داود، ولفظ أبي داود (أن رسول الله ﷺ مسح رأسه من فضل ماء كان بيده) وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ لقيه في بعض طرق المدينة وهو جنب، فانخنس منه فذهب فاغتسل ثم جاء فقال: (أين كنت يا أبا هريرة؟) فقال: كنت جنبا، فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة، فقال: سبحان الله إن المؤمن لا ينجس) رواه الجماعة: ووجه دلالة الحديث، أن المؤمن إذا كان لا ينجس، فلا وجه لجعل الماء فاقدا للطهورية بمجرد مماسته له، إذ غايته التقاء طاهر بطاهر وهو لا يؤثر.
قال ابن المنذر: روي عن علي وابن عمر وأبي أمامة وعطاء والحسن ومكحول والنخعي: أنهم قالوا فيمن نسي مسح رأسه فوجد بللا في لحيته: يكفيه.
стр. 14
مسحه بذلك، قال: وهذا يدل على أنهم يرون المستعمل مطهرا، وبه أقول: وهذا المذهب إحدى الروايات عن مالك والشافعي، ونسبه ابن حزم إلى سفيان الثوري وأبي ثور وجميع أهل الظاهر.
القسم الثالث: الماء الذي خالطه طاهر
كالصابون والزعفران والدقيق وغيرها من الاشياء التي تنفك عنها غالبا.
وحكمه أنه طهور مادام حافظا لاطلاقه، فإن خرج عن إطلاقه بحيث صار لا يتناوله اسم الماء المطلق كان طاهرا في نفسه، غير مطهر لغيره، فعن أم عطة قالت: دخل علينا رسول الله ﷺ حين توفيت ابنته (زينب) فقال: (إغسلنها ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك - إن رأيتن - بماء وسدر واجعلن في الاخيرة كافورا أو شيئا من كافور، فإذا فرغتن فآذنني فلما فرغن آذناه، فأعطانا حقوه فقال: (أشعر نها إياه) تعني: إزاره، رواه الجماعة.
والميت لا يغسل إلا بما يصح به التطهير للحي، وعند أحمد والنسائي وابن خزيمة من حديث أم هانئ: أن النبي ﷺ اغتسل هو وميمونة من إناء واحد: قصعة فيها أثر العجين، ففي الحديثين وجد الاختلاط، إلا أنه لم يبلغ بحيث يسلب عنه إطلاق اسم الماء عليه.
القسم الرابع: الماء الذي لاقته النجاسة
وله حالتان: (الاولى) أن تغير النجاسة طعمه أو لونه أو ريحه وهو في هذه الحالة لا يجوز التطهر به إجماعا، نقل ذلك ابن المنذر وابن الملقن.
(الثانية) أن يبقي الماء على إطلاقه، بأن لا يتغير أحد أوصافه الثلاثة.
وحكمه أنه طاهر مطهر.
قل أو كثر، دليل ذلك حديث أبي هريرة ﵁ قال: قام أعرابي فبال في المسجد، فقام إليه الناس ليقعوا به.
فقال النبي ﷺ : (دعوه وأريقوا على بوله سجلا من ماء، أو
стр. 15
ذنوبا (١) من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين) رواه الجماعة إلا مسلما وحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قيل يا رسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة؟ (٢) فقال ﷺ : (الماء طهور لا ينجسه شئ)
رواه أحمد والشافعي وأبو داود والنسائي والترمذي وحسنه، وقال أحمد: حديث بئر بضاعة صحيح وصححه يحيى بن معين وأبو محمد بن حزم.
وإلى هذا ذهب ابن عباس وأبو هريرة والحسن البصري، وابن المسيب وعكرمة وابن أبي ليلى والثوري وداود الظاهري والنخعي ومالك وغيرهم، وقال الغزالي: وددت لو أن مذهب الشافعي في المياه كان كمذهب مالك.
وأما حديث عبد الله بن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال: (إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث) رواه الخمسة، فهو مضطرب سندا، ومتنا.
قال ابن عبد البر في التمهيد: ما ذهب إليه الشافعي من حديث القلتين، مذهب ضعيف من جهة النظر، غير ثابت من جهة الاثر.
قال أبو داود وسمعت قتيبة بن سعيد قال: سألت قيم بئر بضاعة عن عمقها؟ قال: أكثر ما يكون فيها الماء الى العانة، قلت: فإذا نقص؟ قال: دون العورة قال أبو داود: وقدرت أنا بئر بضاعة بردائي مددته عليها ثم ذرعته فإذا عرضها ستة أذرع، وسألت الذي فتح لي باب البستان فأدخلني إليه.
هل غير بناؤها عما كانت عليه؟ قال: لا، ورأيت فيها ماء متغير اللون، (ذرعته) ، قسته بالذراع.
السؤر:
السؤر هو: ما بقي في الاناء بعد الشرب وهو أنواع:
(١) سؤر الادمي: وهو طاهر من المسلم والكافر والجنب والحائض.
وأما قول الله تعالى: (إنما المشركون نجس) فالمراد به نجاستهم المعنوية، من جهة اعتقادهم الباطل، وعدم تحرزهم من الاقذار والنجاسات، لا أن أعيانهم وأبدانهم نجسة، وقد كانوا يخالطون المسلمين، وترد رسلهم ووفودهم على النبي ﷺ
стр. 16
ويدخلون مسجده، ولم يأمر بغسل شئ مما أصابته أبدانهم، وعن عائشة ﵂ قالت: (كنت أشرب وأنا حائض، فأناوله النبي ﷺ ، فيضع فاه على موضع في) (١) رواه مسلم.
(٢) سؤر ما يؤكل لحمه: وهو طاهر، لان لعابه متولد من لحم طاهر فأخذ حكمه. قال أبو بكر بن المنذر: أجمع أهل العلم على أن سؤر ما أكل لحمه يجوز شربه والوضوء به.
(٣) سؤر البغل والحمار والسباع وجوارح الطير: وهو طاهر، لحديث جابر ﵁ عن النبي ﷺ سئل: أنتوضأ بما أفضلت الحمر؟ قال نعم. وبما أفضلت السباع كلها) أخرجه الشافعي والدارقطني والبيهقي، وقال: له أسانيد إذا ضم بعضها إلى بعض كانت قوية، وعن ابن عمر ﵄ قال، خرج رسول الله ﷺ في بعض أسفاره ليلا فمروا على رجل جالس عند مقراة له (٢) فقال عمر ﵁: أولغت السباع عليك الليلة في متكلف!، لها ما حملت في بطونها، ولنا ما قي شراب وطهور) رواه الدارقطني، وعن يحيى بن سعيد (أن عمر خرج في ركب فيهم عمرو بن العاص حتى وردوا حوضا فقال عمرو يا صاحب الحوض هل ترد حوضك السباع؟ فقال عمر: لا تخبرنا، فإنا نرد على السباع وترد علينا) رواه مالك في الموطأ.
(٤) سؤر الهرة: وهو طاهر، لحديث كبشة بنت كعب، وكانت تحت أبي قتادة، أن أبا
قتادة دخل عليها فسكبت له..فجاءت هرة تشرب منه فأصغى (٣) لها الاناء حتى شربت منه، قالت كبشة: فرآني أنظر فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟ فقالت: نعم.
فقال: إن رسول الله ﷺ قال: (إنها ليست
стр. 17
بنجس، إنها من الطوافين عليكم والطوافات) رواه الخمسة، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وصححه البخاري وغيره.
(٥) سؤر الكلب والخنزير: وهو نجس يجب اجتنابه.
أما سؤر الكلب، فلما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: (إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا) ولاحمد ومسلم (طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب) ، وأما سؤر الخنزير فلخبثه وقذارته.
стр. 18
النجاسة:
النجاسة هي القذارة التي يجب على المسلم أن ينتزه عنها ويغسل ما أصابه منها.
قال الله تعالى: (وثيابك فطهر) وقال تعالى: (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) وقال رسول الله ﷺ : (الطهور شطر الايمان) .
ولها مباحث نذكرها فيما يلي: أنواع النجاسات (١)(١) الميتة: وهي ما مات حتف أنفه: أي من غير تذكية (٢) ، ويلحق بها ما قطع من الحي، لحديث أبي واقد الليثي.
قال رسول الله ﷺ : (ما قط من البهيمة وهي حية فهو ميتة) رواه أبو داود والترمذي وحسنه، قال: والعمل على هذا عند أهل العلم.
ويستثنى من ذلك:
١ - ميتة السمك والجراد، فإنها طاهرة، لحديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : أحل لنا ميتتان ودمان: أما الميتتان فالحوت (٣) والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال) رواه أحمد والشافعي وابن ماجه والبيهقي والدارقطني، والحديث ضعيف، لكن الامام أحمد صحح وقفه، كما قاله أبو زرعة وأبو حاتم، ومثل هذا له حكم الرفع، لان قول الصحابي: أحل لنا كذا وحرم علينا كذا.
مثل قوله: أمرنا ونهينا، وقد تقدم قول الرسول ﷺ في البحر: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) .
стр. 19
ب - ميتة ما لا دم له سائل كالنمل والنحل ونحوها، فإنها طاهرة إذا وقعت في شئ وماتت فيه لا تنجسه.
قال ابن المنذر: لا أعلم خلافا في طهارة ما ذكر إلا ما روي عن الشافعي والمشهور من مذهبه أنه نجس، ويعفى عنه إذا وقع في المائع ما لم يغيره.
ح - عظم الميتة وقرنها وظفرها وشعرها وريشها وجلدها، وكل ما هو من جنس ذلك طاهر، لان الاصل في هذه كلها الطهارة، ولا دليل على النجاسة.
قال الزهري: في عظام الموتى نحو الفيل وغيره: أدركت ناسا من سلف العلماء
يمتشطون بها ويدهنون فيها، لا يرون به بأسا، رواه البخاري، وعن ابن عباس ﵄ قال: تصدق على مولاة لميمونة بشاة فماتت، فمر بها رسول الله ﷺ فقال: (وهلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعم به؟ فقالوا: إنها ميتة، فقال: (إنما حرم أكلها) رواه الجماعة إلا أن ابن ماجه قال فيه: عن ميمونة، وليس في البخاري ولا النسائي ذكر الدباغ، وعن ابن عباس ﵄ أنه قرأ هذه الاية: (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة (١)) إلى آخر الاية، وقال: إنما حرم ما يؤكل منها وهو اللحم، فأما الجلد والقد (٢) والسن والعظم والشعر والصوف فهو حلال) ، رواه ابن المنذر وابن حاتم.
وكذلك أنفحة الميتة ولبنها طاهر، لان الصحابة لما فتحوا بلاد العراق أكلوا من جبن المجوس، وهو يعمل بالانفحة، مع أن ذبائحهم تعتبر كالميتة، وقد ثبت عن سلمان الفارسي ﵁ أنه سئل عن شئ من الجبن والسمن والفراء، فقال: الحلال ما أحله الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه.
ومن المعلوم أن السؤال كان عن جبن المجوس، حينما كان سلمان نائب عمر بن الخطاب على المدائن.
٢ - الدم: سواء كان دما مسفوحا - أي مصبوبا - كالدم الذي يجري من المذبوح،
стр. 20
أم دم حيض، إلا أنه يعفى عن اليسير منه، فعن ابن جريج في قوله تعالى: (أو دما مسفوحا) قال: المسفوح الذي يهراق.
ولا بأس بما كان في العروق
منها، أخرجه ابن المنذر، وعن أبي مجلز في الدم، يكون في مذبح الشاة أو الدم يكون في أعلى القدر؟ قال: لا بأس، إنما نهى عن الدم المسفوح، أخرجه عبد بن حميد وأبو الشيخ، وعن عائشة ﵂ قالت: كنا نأكل اللحم والدم خطوط على القدر، وقال الحسن: ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم، ذكره البخاري، وقد صح أن عمر ﵁ صلى وجرحه يشعب دما (١) ، قاله الحافظ في الفتح: وكان أبو هريرة ﵁ لا يرى بأسا بالقطرة والقطرتين في الصلاة.
وأما دم البراغيث وما يتشرح من الدمامل فإنه يعفى عنه لهذه الاثار وسئل أبو مجلز عن القيح يصيب البدن والثوب؟ فقال: ليس بشئ، وإنما ذكر الله الدم ولم يذكر القيح.
وقال ابن تيمية: ويجب غسل الثوب من المدة والقيح والصديد، قال: ولم يقم دليل على نجاسته، انتهى والاولى أن يتقيه الانسان بقدر الامكان.
٣ - لحم الخنزير: قال الله تعالى: (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس (٢)) : أي فإن ذلك كله خبيث تعافه الطباع السليمة، فالضمير راجع إلى الانواع الثلاثة، ويجوز الحرز بشعر الخنزير في أظهر قولي العلماء.
٤، ٥، ٦ - قئ الادمي وبوله ورجيعه: ونجاسة هذه الاشياء متفق عليها، إلا أنه يعفى عن يسير القئ ويخفف في بول الصبي الذي لم يأكل الطعام فيكتفى في تطهيره بالرش لحديث أم قيس ﵂ (أنها أتت النبي ﷺ بابن لها لم يبلغ أن يأكل الطعام، وأن ابنها ذاك بال في حجر النبي ﷺ ، فدعا رسول الله صلى الله
стр. 21
عليه وسلم بماء فنضحه (١) على ثوبه ولم يغسله غسلا) متفق عليه، وعن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (بول الغلام ينضح عليه، وبول الجارية يغسل) قال قتادة: وهذا ما لم يطعما فإن طعما غسل بولهما، ورواه أحمد - وهذا لفظه - وأصحاب السنن إلا النسائي.
قال الحافظ في الفتح: وإسناده صحيح، ثم أن النضح إنما يجزئ مادام الصبي يقتصر على الرضاع.
أما إذا أكل الطعام على جهة التغذية فإنه يجب الغسل بلا خلاف.
ولعل سبب الرخصة في الاكتفاء بنضحه ولوع الناس بحمله المفضي إلى كثرة بوله عليهم، ومشقة غسل ثيابهم، فخفف فيه ذلك.
٧ - الودي: وهو ماء أبيض ثخين يخرج بعد البول وهو نجس من غير خلاف.
قالت عائشة: وأما الودي فإنه يكون بعد البول فيغسل ذكره وأنثييه ويتوضأ ولا يغتسل، ورواه ابن المنذر.
وعن ابن عباس ﵄: المني والودي والمذي، أما المني ففيه الغسل، وأما المذي والودي فيهما إسباغ الطهور) رواه الاثرم والبيهقي ولفظه: (وأما الودي والمذي فقال: اغسل ذكرك أو مذاكيرك وتوضأ وضوءك في الصلاة) .
٨ - المذي: وهو ماء أبيض لزج يخرج عند التفكير في الجماع أو عند الملاعبة، وقد لا يشعر الانسان بخروجه، ويكون من الرجل والمرأة إلا أنه من المرأة أكثر،
وهو نجس باتفاق العلماء، إلا أنه إذا أصاب البدن وجب غسله وإذا أصاب الثوب اكتفي فيه بالرش بالماء، لان هذه نجاسة يشق الاحتراز عنها، لكثرة ما يصيب ثياب الشاب العزب، فهي أولى بالتخفيف من بول الغلام.
وعن علي ﵁ قال: (كنت رجلا مذاء فأمرت رجلا أن يسأل النبي ﷺ ، لمكان ابنته فسأل، فقال: توضأ واغسل ذكرك) رواه البخاري وغيره، وعن سهل بن حنيف ﵁ قال: (كنت ألقى من المذي شدة
стр. 22
وعناء، وكنت أكثر منه الاغتسال، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: (إنما يجزيك من ذلك الوضوء فقلت يا رسول الله، كيف بما يصيب ثوبي منه؟ قال (يكفيك أن تأخذ كفا من ماء فتنضح به ثوبك حيث أنه قد أصاب منه) رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي وقال حديث حسن صحيح وفي الحديث محمد بن إسحاق، وهو ضعيف إذا عنعن، لكونه مدلسا، لكنه هنا صرح بالتحديث.
ورواه الاثرم ﵁ بلفظ: (كنت ألقى من المذي عناء فأتيت النبي ﷺ فذكرت له ذلك.
فقال: يجزئك أن تأخذ حفنة من ماء فترش عليه.
٩ - المني: ذهب بعض العلماء إلى القول بنجاسته والظاهر أنه طاهر، ولكن يستحب غسله إذا كان رطبا، وفركه إن كان يابسا.
قالت عائشة ﵂: (كنت أفرك المني من ثوب رسول الله ﷺ إذا كان يابسا وأغسله إذا كان رطبا) رواه الدارقطني وأبو عوانة والبزار وعن ابن عباس ﵄ قال: سئل النبي ﷺ عن المني يصيب الثوب؟ فقال: إنما هو بمنزلة المخاط والبصاق، وإنما يكفيك أن تمسحه
بخرقة أو بإذخرة) رواه الدارقطني والبيهقي والطحاوي، والحديث قد اختلف في رفعه ووقفه.
١٠ - بول وروث ما لا يؤكل لحمه: وهما نجسان، لحديث ابن مسعود ﵁ قال: أتى النبي ﷺ الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين، والتمست الثالث فلم أجده، فأخذت روثة فأتيته بها، فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: (هذا رجس) رواه البخاري وابن ماجه وابن خزيمة، وزاد في رواية (إنها ركس (١) إنها روثة حمار) ويعفى عن اليسير منه، لمشقة الاحتراز عنه.
قال الوليد بن مسلم: قلت للاوزاعي: فأبوال الدواب مما لا يؤكل لحمه كالبغل، والحمار
стр. 23
والفرس؟ فقال: قد كانوا يبتلون بذلك في مغازيهم فلا يغسلونه من جسد أو ثوب.
وأما بول وروث ما يؤكل لحمه، فقد ذهب إلى القول بطهارته مالك وأحمد وجماعة من الشافعية.
قال ابن تيمية: لم يذهب أحد من الصحابة إلى القول بنجاسته، بل القول بنجاسته قول محدث لا سلف له من الصحابة.
انتهى.
قال أنس ﵁: (قدم أناس من عكل أو عريته (١) فاجتووا المدينة فأمرهم النبي ﷺ بلقاح وأن يشربوا من أبوالها وألبانها) رواه أحمد والشيخان دل هذا الحديث على طهارة بول الابل.
وغيرها من مأكول اللحم يقاس عليه.
قال ابن المنذر: ومن زعم أن هذا خاص بأولئك الاقوام لم يصب، إذ الخصائص لا تثبت إلا بدليل قال: وفي ترك أهل العلم بيع بعار الغنم في أسواقهم، واستعمال أبوال الابل في أدويتهم قديما وحديثا من غير نكير، دليل على طهارتها.
وقال الشوكاني: الظاهر طهارة الابوال والازبال من كل حيوان يؤكل لحمه، تمسكا بالاصل، واستصحابا للبراءة
الاصلية، والنجاسة حكم شرعي ناقل عن الحكم الذي يقتضيه الاصل والبراءة، فلا يقبل قول مدعيها إلا بدليل يصلح للنقل عنهما، ولم نجد للقائلين بالنجاسة دليلا لذلك.
١١ - الجلّالة: ورد النهي عن ركوب الجلالة وأكل لحمها وشرب لبنها.
فعن ابن عباس ﵄ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن شرب لبن الجلالة) رواه الخمسة إلا ابن ماجه، وصححه الترمذي وفي رواية: (منهي عن ركوب الجلالة) رواه أبو داود.
وعن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده ﵃ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن لحوم الحمر الاهلية، وعن الجلالة: عن ركوبها وأكل لحومها، رواه أحمد والنسائي وأبو داود.
والجلالة: هي التي تأكل العذرة، من الابل والبقر والغنم والدجاج والاوز وغيرها، حتى يتغير ريحها.
فإن حبست بعيدة عن العذرة زمنا،
стр. 24
عفلت طاهرا فطاب لحمها وذهب اسم الجلالة عنها حلت، لان علة النهي والتغيير، وقد زالت.
(١٢) الخمر: وهي نجسة عند جمهور العلماء، لقول الله تعالى (إنما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس (١) من عمل الشيطان) وذهبت طائفة إلى القول بطهارتها، وحملوا الرجس في الاية على الرجس المعنوي، لان لفظ (رجس) خبر عن الحمر، وما عطف عليها، وهو لا يوصف بالنجاسة الحسية قطعا،
قال تعالى: (فاجتنبوا الرجس من الاوثان) فالاوثان رجس معنوي، لا تنجس من مسها: ولتفسيره في الاية بأنه من عمل الشيطان، يوقع العداوة والبغضاء ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وفي سبل السلام: (والحق أن الاصل في الاعيان الطهارة، وأن التحريم لا يلازم النجاسة، فإن الحشيشة محرمة وهي طاهرة، وأما النجاسة فيلازمها التحريم، فكل نجس محرم ولا عكس، وذلك لان الحكم في النجاسة هو المنع عن ملامستها على كل حال، فالحكم بنجاسة العين حكم بتحريمها، بخلاف الحكم بالتحريم، فإنه يحرم لبس الحرير والذهب وهما طاهران ضرورة وإجماعا) إذا عرفت هذا فتحريم الخمر والخمر الذي دلت عليه النصوص لا يلزم منه نجاسهما، بل لابد من دليل آخر عليه، وإلا بقيا على الاصول المتفق عليها من الطهارة، فمن ادعى خلافه فالدليل عليه.
(١٣) الكلب: وهو نجس ويجب غسل ما ولغ فيه سبع مرات، أولاهن بالتراب، حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب (٢)) رواه مسلم وأحمد وأبو داود والبيهقي: ولو ولغ في إناء فيه طعام جامد ألقي ما أصابه وما حوله، وانتفع بالباقي على طهارته السابقة.
أما شعر الكلب فالاظهر أنه طاهر، ولم تثبت نجاسته.
стр. 25
تطهير البدن والثوب الثوب والبدن إذا أصابتهما نجاسة يجب غسلهما بالماء حتى تزول عنهما إن كانت مرئية كالدم، فإن بقي بعد الغسل أثر يشق زواله فهو معفو عنه، فإن لم تكن مرئية كالبول فإنه يكتفى بغسله ولو مرة واحدة، فعن أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: (إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيض كيف تصنع به؟ فقال: (تحته) ثم تقرضه بالماء، ثم تنضحه (١) ثم تصلي فيه) متفق عليه، وإذا أصابت النجاسة ذيل ثوب المرأة تطهره الارض، لما روي، أن امرأة قالت لام سلمة ﵄: (إني أطيل ذيلي وأمشي في المكان القذر؟ فقالت لها: قال رسول الله ﷺ : (يطهره ما بعده) رواه أحمد وأبو داود.
تطهير الأرض:
تطهر الارض إذا أصابتها نجاسة بصب الماء عليها، لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قام أعرابي فبال في المسجد فقام إليه الناس ليقعوا به، فقال النبي ﷺ : (دعوه وأريقوا على بوله سجلا من ماء أو ذنوبا من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين) رواه الجماعة إلا مسلما.
وتطهر أيضا بالجفاف هي وما يتصل بها اتصال قرار، كالشجر والبناء.
قال أبو قلابة: جفاف الارض طهورها، وقالت عائشة ﵂: (زكاة الارض يبسها) رواه ابن أبي شيبة.
هذا إذا كانت النجاسة مائعة، أما إذا كان لها جرم فلا تطهر إلا بزوال عينها أو بتحولها.
تطهير السمن ونحوه:
عن ابن عباس عن ميمونة ﵂ أن النبي ﷺ (سئل عن فأرة سقطت في سمن فقال: ألقوها، وما حولها فاطرحوه وكلوا سمنكم) رواه البخاري.
قال الحافظ: نقل ابن عبد البر الاتفاق على أن
стр. 26
الجامد إذا وقعت فيه ميتة طرحت وما حولها منه، إذا تحقق أن شيئا من أجزائها لم يصل إلى غير ذلك منه، وأما المائع فاختلفوا فيه فذهب الجمهور إلى أنه ينجس كله بملاقاته النجاسة، وخالف فريق منهم الزهري والاوزاعي. (١)
تطهير جلد الميتة:
يطهر جلد الميتة ظاهرا وباطنا بالدباغ، لحديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: (إذا دبغ الاهاب فقد طهر) رواه الشيخان.
تطهير المرآة ونحوها:
تطهير المرآة والسكبن والسيف والظفر والعظم والزجاج والانية وكل صقيل لا مسام له بالمسح الذي يزول به أثر النجاسة، وقد كان الصحابة ﵃ يصلون وهم حاملو سيوفهم وقد أصابها الدم، فكانوا يمسحونها ويجتزئون بذلك.
تطهير النعل:
يطهر النعل المتنجس والخف بالدلك بالارض إذا ذهب أثر النجاسة، لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: إذا وطئ أحدكم بنعله الاذى فإن التراب له طهور) رواه أبو داود.
وفي رواية: (إذا وطئ الاذى بخفيه فطهورهما التراب) وعن أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: (إذا جاء أحدكم المسجد فليقلب نعليه فلينظر فيهما، فإن رأى خبثا فليمسحه بالارض ثم ليصل فيهما) رواه أحمد وأبو داود، ولانه محل تتكرر ملاقاته للنجاسة غالبا، فأجزأ مسحه بالجامد كمحل الاستنجاء بل هو أولى، فإن محل الاستنجاء يلاقي النجاسة مرتين أو ثلاثا.
стр. 27
فوائد تكثر الحاجة إليها:
١ - حبل الغسيل ينشر عليه الثوب النجس ثم تجففه الشمس أو الريح، لا بأس بنشر الثوب الطاهر عليه بعد ذلك.
٢ - لو سقط شئ على المرء لا يدري هل هو ماء أو بول لا يجب عليه أن يسأل، فلو سأل لم يجب على المسئول أن يجيبه ولو علم أنه نجس، ولا يجب عليه غسل ذلك.
٣ - إذا أصاب الرجل أو الذيل بالليل شئ رطب. لا يعلم ما هو، لا يجب عليه أن يشمه ويتعرف ما هو، لما روى: أن عمر ﵁ مر يوما، فسقط عليه شئ من ميزاب، ومعه صاحب له فقال: يا صحب الميزاب ماؤك طاهرا أو نجس فقال عمر: يا صاحب الميزاب لا تخبرنا، ومضى.
٤ - لا يجب غسل ما أصابه طين الشوارع. قال كميل بن زياد: رأيت عليا ﵁ يخوض طين المطر، ثم دخل المسجد فصلى ولم يغسل رجليه.
٥ - إذا انصرف الرجل من صلاة رأى على ثوبه أو بدنه نجاسة لم يكن عالما بها، أو كان يعلمها ولكنه نسيها أو لم ينسها ولكنه عجز عن إزالتها فصلاته صحيحة ولا إعادة عليه، لقوله تعالى: (ليس عليكم جناح فيما أخطأتم به) (١) .
وهذا ما أفتى به كثير من الصحابة والتابعين.
٦ - من خفي عليه موضع النجاسة من الثوب وجب عليه غسله كله، لانه لا سبيل إلى العلم بتيقن الطهارة إلا بغسله جميعه، فهو من باب (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) .
قضاء الحاجة:
لقاضي الحاجة آداب تتلخص فيما يلي:
١ - أن لا يستصحب ما فيه اسم الله إلا إن خيف عليه الضياع أو كان
стр. 28
حرزا، لحديث أنس ﵁: (أن النبي ﷺ لبس خاتما نقشه محمد رسول الله، فكان إذا دخل الخلاء (١) وضعه، رواه الاربعة.
قال الحافظ في الحديث إنه معلول، وقال أبو داود: إنه منكر، والجزء الاول من الحديث صحيح.
٢ - البعد والاستار عن الناس لا سيما عند الغائط، لئلا يسمع له صوت أو تشم له رائحة، لحديث جابر ﵁ قال: (خرجنا مع النبي ﷺ في سفر فكان لا يأتي البراز (٢) حتى يغيب فلا يرى) رواه ابن ماجه، ولابي داود (كان إذا أرك البراز انطلق حتى لا يراه أحد) وله: (أن النبي ﷺ كان إذا ذهب المذهب أبعد) .
٣ - الجهر بالتسمية والاستعاذة عند الدخول في البنيان وعند تشمير الثياب في الفضاء.
لحديث أنس ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا أراد أن يدخل الخلاء قال: (بسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث (٣) والخبائث) رواه الجماعة.
٤ - أن يكف عن الكلام مطلقا، سواء كان ذكرا أو غيره، فلا يرد سلاما ولا يجيب مؤذنا إلا لما لا بد منه، كإرشاد أعمى يخشى عليه من التردي، فإن عطس أثناء ذلك حمد الله في نفسه ولا يحرك به لسانه، لحديث ابن عمر
﵄ (أن رجلا مر على النبي ﷺ وهو يبول فسلم عليه فلم يرد عليه) رواه الجماعة إلا البخاري، وحديث أبي سعيد ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (لا يخرج الرجلان يضربان الغائط (٤) كاشفين عن عورتيهما يتحدثان فإن الله يمقت على ذلك) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والحديث بظاهره يقيد حرمة الكلام، إلا أن الاجماع صرف النهي عن التحريم إلى الكراهة.
٥ - أن يعظم القبلة فلا يستقبلها ولا يستدبرها، لحديث أبي هريرة
стр. 29
رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: (إذا جلس أحدكم لحاجته فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها) رواه أحمد ومسلم، وهذا النهي محمول على الكراهة، لحديث ابن عمر ﵄ قال: (رقيت يوما بيت حفصة فرأيت النبي ﷺ على حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة) رواه الجماعة، أو يقال في الجمع بينهما: أن التحريم في الصحراء والاباحة في البنيان (١) فعن مروان الاصغر قال: رأيت ابن عمر أناخ راحلته مستقبل القبلة يبول إليها، فقلت: أبا عبد الرحمن ... أليس قد نهي عن ذلك؟ قال: بلى ... إنما نهي عن هذا في الفضاء.
فإذا كان بينك وبين القبلة شئ يسترك فلا بأس) رواه أبو داود وابن خزيمة والحاكم، وإسناده حسن، كما في الفتح.
٦ - أن يطلب مكانا لينا منخفضا ليحترز فيه من إصابة النجاسة، لحديث أبي موسى ﵁ قال: أتى رسول الله ﷺ إلى مكان دمث (٢) إلى جنب حائط فبال.
وقال: إذا بال أحدكم فليرتد (٣) لبوله) رواه أحمد وأبو داود والحديث وإن كان فيه مجهول، إلا أن معناه صحيح.
٧ - أن يتقي الجحر لئلا يكون فيه شئ يؤذيه من الهوام، لحديث قتادة عن عبد الله بن سرجس قال: (نهى رسول الله ﷺ أن يبال في الجحر، قالوا لقتادة: ما يكره من البول في الجحر؟ قال: إنها مساكن الجن) رواه أحمد والنسائي وأبو داود والحاكم والبيهقي، وصححه ابن خزيمة وابن السكن.
٨ - أن يتجنب ظل الناس وطريقهم ومتحدثهم، لحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (اتقوا اللاعنين (٤) !) قالوا: وما اللاعنان يا رسول الله؟ قال: (الذي يتخلى في طريق الناس أو ظلتهم) رواه أحمد ومسلم وأبو داود.
٩ - أن لا يبول في مستحمه، ولا في الماء الراد أو الجاري، لحديث عبد
стр. 30
الله بن مغفل ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا يبولن أحدكم في مستحمه ثم يتوضأ فيه، فإن عامة الوسواس منه) رواه الخمسة، لكن قوله (ثم يتوضأ فيه) لاحمد وأبي داود فقط، وعن جابر ﵁ (أن النبي ﷺ نهى أن يبال في الماء الراكد) رواه أحمد والنسائي وابن ماجه، وعنه ﵁: (أن النبي ﷺ نهى أن يبال في الماء الجارى) ، قال في مجمع الزوائد: رواه الطبراني ورجاله
ثقات فإن كان في المغتسل نحو بالوعة فلا يكره البول فيه.
١٠ - أن لا يبول قائما، لمنافاته الوقار ومحاسن العادات ولانه قد يتطاير عليه رشاشة، فإذا أمن من الرشاش جاز.
قالت عائشة ﵂: (من حدثكم أن رسول الله ﷺ بال قائما فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا جالسا) رواه الخمسة إلا أبا داود.
قال الترمذي: (هو أحسن شئ في هذا الباب وأصح) انتهى، وكلام عائشة مبني على ما علمت، فلا ينافي ما روي عن حذيفة ﵁، أن النبي ﷺ انتهى إلى سباطة قوم (١) فبال قائما فتنحيت فقال: (أدنه) فدنوت حتى قمت عند عقبيه فتوضأ ومسح على خفيه) رواه الجماعة، قال النووي: البول جالسا أحب إلي، وقائما مباح، وكل ذلك ثابت عن رسول الله ﷺ .
١١ - أن يزيل ما على السبيلين من النجاسة وجوبا بالحجر وما في معناه من كل جامد طاهر قالع للنجاسة ليس له حرمة أو يزيلها بالماء فقط، أو بهما معا، لحديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليستطب (٢) بثلاثة أحجار فإنها تجزئ عنه) رواه أحمد والنسائي وأبو داود والدارقطني.
وعن أنس ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يدخل الخلاء فأحمل أنا وغلام نحوي إداوة (٣) من
стр. 31
ماء وعنزه فيستنجي بالماء) متفق عليه.
وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ مر بقبرين فقال: (إنهما يعذبان، وما يعذبان في كبير (١) أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول (٢) وأما الاخر فكان يمشي بالنميمة رواه الجماعة.
وعن أنس ﵁ مرفوعا: (تنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه) .
١٢ - أن لا يستنجي بيمينه تنزيها لها عن مباشرة الاقذار لحديث عبد الرحمن بن زيد قال: (قيل لسلمان: قد علمكم نبيكم كل شئ حتى الخراءة (٣) . فقال سلمان: أجل ... نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو ببول، أو نستنجي باليمين (٤) ، أو يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار، وأن لا يستنجي برجيع (٥) أو بعظم) رواه مسلم وأبو داود والترمذي.
وعن فحصة ﵂ (أن النبي ﷺ كان يجعل يمينه لاكله وشربه وثيابه وأخذه وعطائه، وشماله لما سوى ذلك) ، رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن حبان والحاكم والبيهقي.
١٣ - أن يدلك يده بعد الاستنجاء بالارض، أو يغسلها بصابون ونحوه ليزول ما علق بها من الرائحة الكريهة، لحديث، أبي هريرة ﵁ قال: (كان النبي ﷺ إذا أتى الخلاء أتيته بماء في تور أو ركوة (٦) فاستنجى ثم مسح يده على الارض) رواه أبو داود والنسائي والبيهقي وابن ماجه.
١٤ - أن ينضح فرجه وسراويله بالماء إذا بال ليدفع عن نفسه الوسوسة، فمتى وجد بللا قال: هذا أثر النضح، لحديث الحكم بن سفيان، أو سفيان بن الحكم ﵁ قال: (كان النبي ﷺ إذا بال توضأ وينتضح) وفي رواية: (رأيت رسول الله ﷺ بال ثم نضح
стр. 32
فرجه) وكان ابن عمر ينضح فرجه حتى يبل سراويله.
١٥ - أن يقدم رجله اليسرى في الدخول، فإذا خرج فليقدم رجله اليمنى ثم ليقل: غفرانك.
فعن عائشة ﵂ (أن النبي ﷺ كان إذا خرج من الخلاء قال: (غفرانك (١)) رواه الخمسة إلا النسائي.
وحديث عائشة أصح ما ورد في هذا الباب كما قال أبو حاتم وروي من طرق ضعيفة انه ﷺ كان يقول: (الحمد لله الذي أذهب عني الاذى وعافاني) ، وقوله: (الحمد لله الذي أذاقني لذته، وأبقى في قوته، وأذهب عني أذاه) .
سنن الفطرة:
قد اختار الله سننا للانبياء ﵈، وأمرنا بالاقتداء بهم فيها، وجعلها من قبيل الشعائر التي يكثر وقوعها ليعرف بها أتباعهم، ويتميزوا بها عن غيرهم.
وهذه الخصال تسمى سنن الفطرة وبيانها فيما يلي:
١ - الختان: وهو قطع الجلدة التي تغطي الحشفة، لئلا يجتمع فيها الوسخ، وليتمكن من الاستبراء من البول، ولئلا تنقص لذة الجماع، هذا بالنسبة إلى الرجل.
وأما المرأة فيقطع الجزء الاعلى من الفرج بالنسبة لها (٢) وهو سنة قديمة.
فعن أبي هريرة ﵁ قال، قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (اختتن إبراهيم خليل الرحمن بعدما أتت عليه ثمانون سنة، واختتن بالقدوم (٣)) رواه البخاري، ومذهب الجمهور أنه واجب، ويرى الشافعية استحبابه يوم السابع.
وقال الشوكاني: لم يرد تحديد وقت له ولا ما يفيد وجوبه.
٢، ٣ - الاستحداد (٤) ، ونتف الابط، وهما سنتان يجزئ فيهما الحلق والقص والنتف والبؤرة.
стр. 33
٤، ٥ - تقليم الاظافر وقص الشارب أو إحفاؤه ، وبكل منهما وردت روايات صحيحة، ففي حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (خالفوا المشركين: وفسروا اللحى، وأحفوا الشوارب) رواه الشيخان، وفي حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ (خمس من الفطرة: (الاستحداد، والختان، وقص الشارب، ونتف الابط، وتقليم الاظافر) رواه الجماعة فلا يتعين منهما شئ وبأيهما تتحقق السنة، فإن المقصود أن لا يطول الشارب حتى يتعلق به الطعام والشراب ولا يجتمع فيه الاوساخ.
وعن زيد بن أرقم ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من لم يأخذ من شاربه فليس منا) رواه أحمد والنسائي، والترمذي وصححه، ويستحب الاستحداد ونتف الابط وتقليم الاظافر وقص الشارب أو إحفاءه كل اسبوع استكمالا للنظافة واسترواحا للنفس، فإن بقاء بعض الشعور في الجسم يولد فيها ضيقا وكآبة، وقد رخص ترك هذه الاشياء إلى الاربعين، ولا عذر لتركه بعد ذلك، لحديث أنس ﵁ قال: (وقت لنا النبي ﷺ في قص الشارب، وتقليم الاظافر، ونتف الابط، وحلق العانة، ألا يترك أكثر من أربعين ليلة) ، رواه أحمد وأبو داود وغيرهما.
٦ - إعفاء اللحية وتركها حتى تكثر، بحيث تكون مظهرا من مظاهر الوقار، فلا تقصر تقصيرا يكون قريبا من الحلق ولا تترك حتى تفحش، بل يحسن التوسط فإنه في كل شئ حسن، ثم إنها من تمام الرجولة، وكمال الفحولة فعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (خالفوا المشركين: وفروا اللحى (١) ، وأحفوا الشوارب) ، متفق عليه، وزاد البخاري (وكان ابن عمر إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته فما فضل أخذه) .
٧ - إكرام الشعر إذا وفر وترك بأن يدهن ويسرح، لحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من كان له شعر فليكرمه) رواه أبو داود، وعن عطاء بن يسار ﵁ قال: أتى رجل النبي
стр. 34
صلى الله عليه وسلم ثائر الرأس (١) واللحية فأشار إليه رسول الله ﷺ كأنه يأمره بإصلاح شعره ولحيته، ففعل ثم رجع، فقال ﷺ : (أليس هذا خيرا من أن يأتي أحدكم ثائر الرأس كأنه شيطان) رواه مالك.
وعن أبي قتادة ﵁ (أنه كان له جمة ضخمة.
فسأل النبي ﷺ فأمره أن يحسن إليها، وأن يترجل كل يوم) .
رواه النسائي، ورواه مالك في الموطأ بلفظ: (قلت: يا رسول الله إن لي جمة (٢) أفأرجلها؟ قال (نعم ... وأكرمها) فكان أبو قتادة ربما دهنها في اليوم مرتين من أجل قوله ﷺ (وأكرمها) .
وحلق شعر الرأس مباح وكذا توفيره
لمن يكرمه، لحديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (احلقوا كله أو ذروا كله) رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي وأما حلق بعضه وترك بعضه فيكره تنزيها، لحديث نافع عن ابن عمر ﵄ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن القزع، فقيل لنافع: ما القزع؟ قال: أن يحلق بعض رأس الصبي ويترك بعضه) ، متفق عليه، ولحديث ابن عمر ﵄ السابق.
٨ - ترك الشيب وإبقاؤه سواء كان في اللحية أو في الرأس، والمرأة والرجل في ذلك سواء، لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا تنتف الشيب فإنه نور المسلم، ما من مسلم يشيب شيبة في الاسلام إلا كتب الله له بها حسنة، ورفعه بها درجة، وحط عنه بها خطيئة) ، رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه.
وعن أنس ﵁ قال: (كنا نكره أن ينتف الرجل الشعرة البيضاء من رأسه ولحيته) رواه مسلم.
٩ - تغيير الشيب بالحناء والحمرة والصفرة ونحوها ، لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم) رواه الجماعة، ولحديث أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن أحسن ما غيرتم به هذا الشيب الحناء
стр. 35
والكتم (١)) رواه الخمسة.
وقد ورد ما يفيد كراهة الخضاب، ويظهر أن هذا مما يختلف باختلاف السن والعرف والعادة.
فقد روي عن بعض الصحابة أن ترك الخضاب أفضل، وروي عن بعضهم أن فعله أفضل، وكان بعضهم
يخضب بالصفرة، وبعضهم بالحناء والكتم وبعضهم بالزعفران، وخضب جماعة منهم بالسواد.
ذكر الحافظ في الفتح عن ابن شهاب الزهري أنه قال: كنا نخضب بالسواد إذا كان الوجه حديدا، فلما نفض الوجه والاسنان تركناه.
وأما حديث جابر ﵁ قال: جئ بأبي قحافة (والد أبي بكر) يوم الفتح إلى رسول الله ﷺ : وكأن رأسه ثغامة (٢) فقال رسول الله ﷺ (اذهبوا به إلى بعض نسائه فلتغيره بشئ وجنبوه السواد) رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي، فإنه واقعة عين، ووقائع الاعيان لا عموم لها.
ثم أنه لا يستحسن لرجل كأبي قحافة، وقد اشتعل رأسه شيبا، أن يصبغ بالسواد، فهذا مما لا يليق بمثله.
١٠ - التطيب بالمسك وغيره من الطيب الذي يسر النفس، ويشرح الصدر، وينبه الروح، ويبعث في البدن نشاطا وقوة، لحديث أنس ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : (حبب إلي من الدنيا النساء الطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة) رواه أحمد والنسائي، ولحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من عرض عليه طيب فلا يرده، فإنه خفيف المحمل طيب الرائحة) رواه مسلم والنسائي وأبو داود، وعن أبي سعيد ﵁ أن النبي ﷺ قال في المسك: (هو أطيب الطيب) رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه، وعن نافع قال: كان ابن عمر يستجمر بالالوة (٣) غير مطراة، وبكافور يطرحه مع الالوة ويقول: هكذا كان يستجمر رسول الله ﷺ .
رواه مسلم والنسائي.
стр. 36
الوضوء:
الوضوء معروف من أنه: طهارة مائية تتعلق بالوجه واليدين والرأس والرجلين، ومباحثه ما يأتي:
(١) دليل مشروعيته:
ثبتت مشروعيته بأدلة ثلاثة: (الدليل الاول) الكتاب الكريم، قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) (١) .
(الدليل الثاني) السنة، روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) رواه الشيخان وأبو داود والترمذي.
(الدليل الثالث) الاجماع، انعقد إجماع المسلمين على مشروعية الوضوء من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا، فصار معلوما من الدين بالضرورة.
(٢) فضله:
ورد في فضل الوضوء أحاديث كثيرة نكتفي بالاشارة إلى بعضها: (أ) عن عبد الله الصنابجي ﵁ أن رسول الله ﷺ : قال إذا توضأ العبد فمضمض خرجت الخطايا من فيه، فإذا استنشر خرجت الخطايا من أنفه، فإذا غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه حتى تخرج من تحت أشفار عينيه، فإذا غسل يديه خرجت الخطايا من يديه حتى تخرج من تحت أظافر يديه.
فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه، فإذا غسل رجليه خرجت الخطايا من رجليه حتى تخرج من تحت أظافر رجليه. ثم كان مشيه إلى المسجد وصلاته نافلة) رواه مالك والنسائي وابن ماجه والحاكم.
стр. 37
(ب) وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن الخصلة الصالحة تكون في الرجل يصلح الله بها عمله كله، وطهور الرجل لصلاته يكفر الله بطهوره ذنوبه وتبقى صلاته له نافلة) رواه أبو يعلى والبزار والطبراني في الاوسط.
(ج) وعن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات. قالوا: بلى يا رسول الله، قال: (إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط (١) فذلكم الرباط فذلكم الرباط) رواه مالك ومسلم والترمذي والنسائي.
(د) وعنه ﵁ أن رسول الله ﷺ أتى المقبرة فقال: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم عن قريب لاحقون، وددت لو أنا قد رأينا إخواننا) قالوا: أو لسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال (أنتم أصحابي وإخواننا الذين لم يأتوا بعد) قالوا: كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله؟ قال: (أرأيت لو أن رجلا له خيل غر محجلة بين ظهري خيل دهم بهم (٢) ألا يعرف خيله؟) قالوا: بلى يا رسول الله، قال: (فإنهم يأتون غرا محجلين من الوضوء وأنا فرطهم على الحوض، ألا ليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال أناديهم:
ألا هلم، فيقال: (إنهم بدلوا بعدك) فأقول: سحقا سحقا) رواه مسلم.
(٣) فرائضه:
للوضوء فرائض وأركان تتركب منها حقيقته، إذا تخلف فرض منها لا يتحقق ولا يعتد به شرعا، وإليك بيانها:
(الفرض الاول) : النية، وحقيقتها الارادة المتوجهة نحو الفعل، ابتغاء رضا الله تعالى وامتثال حكمه، وهي عمل قلبي محض لا دخل للسان فيه،
стр. 38
والتلفظ بها غير مشروع، ودليل فرضيتها حديث عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إنما الاعمال بالنيات (١) وإنما لكل امرئ ما نوى ... ) الحديث رواه الجماعة.
(الفرض الثاني) غسل الوجه مرة واحدة: أي إسالة الماء عليه، لان معنى الغسل الاسالة.
وحد الوجه من أعلى تسطيح الجبهة إلى أسفل اللحيين طولا، ومن شحمة الاذن إلى شحمة الاذن عرضا.
(الفرض الثالث) غسل اليدين إلى المرفقين، والمرفق هو المفصل الذي بين العضد والساعد، ويدخل المرفقان فيما يجب غسله وهذا هو المضطرد من هدي النبي ﷺ ، ولم يرد عنه ﷺ أنه ترك غسلهما: (الفرض الرابع) مسح الرأس، والمسح معناه الاصابة بالبلل، ولا يتحقق إلا بحركة العضو الماسح ملصقا بالممسوح فوضع اليد أو الاصبع على الرأس أو غيره لا يسمى مسحا، ثم إن ظاهر قوله تعالى: (وامسحوا برءوسكم) لا يقتضي وجوب تعميم الرأس بالمسح، بل يفهم منه أن مسح بعض الرأس يكفي في الامتثال، والمحفوظ عن رسول الله ﷺ في ذاك طرق ثلاث: (ا) مسح جميع رأسه: ففي حديث عبد الله بن زيد (أن النبي ﷺ مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه) رواه الجماعة.
(ب) مسحه على العمامة وحدها: ففي حديث عمرو بن أمية ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ يمسح على عمامته وخفيه) ، رواه أحمد والبخاري وابن ماجه.
وعن بلال: أن النبي ﷺ قال: (امسحوا على الخفين والخمار (٢)) رواه أحمد.
وقال عمر ﵁: (من لم يطهره المسح على العمامة لا طهره الله) ،
стр. 39
وقد ورد في ذلك أحاديث رواها البخاري ومسلم وغيرهما من الائمة.
كما ورد العمل به عن كثير من أهل العلم.
(ج) مسحه على الناصية والعمامة، ففي حديث المغيرة بن شعبة ﵁ (أن النبي ﷺ توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة والخفين) رواه مسلم.
هذا هو المحفوظ عن رسول الله ﷺ ولم يحفظ عنه الاقتصار على مسح بعض الرأس، وإن كان ظاهر الاية يقتضيه كما تقدم، ثم إنه لا يكفي مسح الشعر الخارج عن محاذاة الرأس كالضفيرة.
(الفرض الخامس) : غسل الرجلين مع الكعبين، وهذا هو الثابت المتواتر من فعل الرسول ﷺ وقوله.
قال ابن عمر ﵄: تخلف عنا رسول الله ﷺ في سفرة فأدركنا وقد أرهقنا (١) العصر، فجعلنا نتوضأ ونمسح على أرجلنا فنادى بأعلى صوته: (ويل للاعقاب (٢) من النار) مرتين أو ثلاثا، متفق عليه، وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: أجمع أصحاب رسول الله ﷺ على غسل العقبين.
وما تقدم من الفرائض هو المنصوص عليه في قول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) (٣) .
(الفرض السادس) : الترتيب، لان الله تعالى قد ذكر في الاية فرائض الوضوء مرتبة مع فصل الرجلين عن اليدين - وفريضة كل منهما الغسل - بالرأس الذي فريضته المسح، والعرب لا تقطع النظير عن نظيره إلا لفائدة.
وهي هنا الترتيب، والاية ما سبقت إلا لبيان الواجب، ولعموم قوله ﷺ في الحديث الصحيح: (ابدأوا بما بدأ الله به) ومضت السنة العملية على هذا الترتيب بين الاركان فلم ينقل عن رسول الله ﷺ أنه
стр. 40
توضأ إلا مرتبا، والوضوء عبادة ومدار الامر في العبادات على الاتباع، فليس لاحد أن يخالف المأثور في كيفية وضوئه ﷺ ، خصوصا ما كان مضطردا منها.
سنن الوضوء:
أي ما ثبت عن رسول الله ﷺ من قول أو فعل من غير لزوم ولا إنكار على من تركها.
وبيانها ما يأتي:
(١) التسمية في أوله: ورد في التسمية للوضوء أحاديث ضعيفة لكن مجموعها يزيدها قوة تدل على أن لها أصلا، وهي بعد ذلك أمر حسن في نفسه، ومشروع في الجملة.
(٢) السواك: ويطلق على العود الذي يستاك به وعلى الاستياك نفسه، وهو دلك الاسنان بذلك العود أو نحوه من كل خشن تنظف به الاسنان، وخير ما يستاك به عود الاراك الذي يؤتي به من الحجاز، لان من خواصه أن يشد اللثة، ويحول دون مرض الاسنان، ويقوي على الهضم، ويدر البول، وإن كانت السنة تحصل بكل ما يزيل صفرة الاسنان وينظف الفم كالفرشة ونحوها.
وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (لولا أن أشق على أمتي لامرتهم بالسواك عند كل وضوء،) رواه مالك والشافعي والبيهقي والحاكم.
وعن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: (السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب) رواه أحمد والنسائي والترمذي.
وهو مستحب في جميع الاوقات ولكن في خمسة أوقات أشد استحبابا
(١) عند الوضوء.
(٢) وعند الصلاة.
(٣) وعند قراءة القرآن
(٤) وعند الاستيقاظ من النوم
(٥) وعند تغير الفم.
والصائم والمفطر في استعماله أول النهار وآخره سواء، لحديث عامر بن ربيعة ﵁ قال: (رأيت رسول الله ﷺ ما لا أحصي، يتسوك وهو صائم) رواه أحمد وأبو داود والترمذي.
وإذا استعمل السواك، فالسنة غسله بعد الاستعمال تنظيفا له، لحديث عائشة