← Фикх общий

Фикх общий · id 9486

فقه السنة

سيد سابق

Полный текст (2 120 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الوضوء: الوضوء معروف من أنه: طهارة مائية تتعلق بالوجه واليدين والرأس والرجلين، ومباحثه ما يأتي: (١) دليل مشروعيته: ثبتت مشروعيته بأدلة ثلاثة: (الدليل الاول) الكتاب الكريم، قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) (١) . (الدليل الثاني) السنة، روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) رواه الشيخان وأبو داود والترمذي. (الدليل الثالث) الاجماع، انعقد إجماع المسلمين على مشروعية الوضوء من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا، فصار معلوما من الدين بالضرورة. (٢) فضله: ورد في فضل الوضوء أحاديث كثيرة نكتفي بالاشارة إلى بعضها: (أ) عن عبد الله الصنابجي ﵁ أن رسول الله ﷺ : قال إذا توضأ العبد فمضمض خرجت الخطايا من فيه، فإذا استنشر خرجت الخطايا من أنفه، فإذا غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه حتى تخرج من تحت أشفار عينيه، فإذا غسل يديه خرجت الخطايا من يديه حتى تخرج من تحت أظافر يديه. فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه، فإذا غسل رجليه خرجت الخطايا من رجليه حتى تخرج من تحت أظافر رجليه. ثم كان مشيه إلى المسجد وصلاته نافلة) رواه مالك والنسائي وابن ماجه والحاكم.

стр. 37

(ب) وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن الخصلة الصالحة تكون في الرجل يصلح الله بها عمله كله، وطهور الرجل لصلاته يكفر الله بطهوره ذنوبه وتبقى صلاته له نافلة) رواه أبو يعلى والبزار والطبراني في الاوسط. (ج) وعن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات. قالوا: بلى يا رسول الله، قال: (إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط (١) فذلكم الرباط فذلكم الرباط) رواه مالك ومسلم والترمذي والنسائي. (د) وعنه ﵁ أن رسول الله ﷺ أتى المقبرة فقال: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم عن قريب لاحقون، وددت لو أنا قد رأينا إخواننا) قالوا: أو لسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال (أنتم أصحابي وإخواننا الذين لم يأتوا بعد) قالوا: كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله؟ قال: (أرأيت لو أن رجلا له خيل غر محجلة بين ظهري خيل دهم بهم (٢) ألا يعرف خيله؟) قالوا: بلى يا رسول الله، قال: (فإنهم يأتون غرا محجلين من الوضوء وأنا فرطهم على الحوض، ألا ليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال أناديهم: ألا هلم، فيقال: (إنهم بدلوا بعدك) فأقول: سحقا سحقا) رواه مسلم. (٣) فرائضه: للوضوء فرائض وأركان تتركب منها حقيقته، إذا تخلف فرض منها لا يتحقق ولا يعتد به شرعا، وإليك بيانها: (الفرض الاول) : النية، وحقيقتها الارادة المتوجهة نحو الفعل، ابتغاء رضا الله تعالى وامتثال حكمه، وهي عمل قلبي محض لا دخل للسان فيه،

стр. 38

والتلفظ بها غير مشروع، ودليل فرضيتها حديث عمر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إنما الاعمال بالنيات (١) وإنما لكل امرئ ما نوى ... ) الحديث رواه الجماعة. (الفرض الثاني) غسل الوجه مرة واحدة: أي إسالة الماء عليه، لان معنى الغسل الاسالة. وحد الوجه من أعلى تسطيح الجبهة إلى أسفل اللحيين طولا، ومن شحمة الاذن إلى شحمة الاذن عرضا. (الفرض الثالث) غسل اليدين إلى المرفقين، والمرفق هو المفصل الذي بين العضد والساعد، ويدخل المرفقان فيما يجب غسله وهذا هو المضطرد من هدي النبي ﷺ ، ولم يرد عنه ﷺ أنه ترك غسلهما: (الفرض الرابع) مسح الرأس، والمسح معناه الاصابة بالبلل، ولا يتحقق إلا بحركة العضو الماسح ملصقا بالممسوح فوضع اليد أو الاصبع على الرأس أو غيره لا يسمى مسحا، ثم إن ظاهر قوله تعالى: (وامسحوا برءوسكم) لا يقتضي وجوب تعميم الرأس بالمسح، بل يفهم منه أن مسح بعض الرأس يكفي في الامتثال، والمحفوظ عن رسول الله ﷺ في ذاك طرق ثلاث: (ا) مسح جميع رأسه: ففي حديث عبد الله بن زيد (أن النبي ﷺ مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه) رواه الجماعة. (ب) مسحه على العمامة وحدها: ففي حديث عمرو بن أمية ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ يمسح على عمامته وخفيه) ، رواه أحمد والبخاري وابن ماجه. وعن بلال: أن النبي ﷺ قال: (امسحوا على الخفين والخمار (٢)) رواه أحمد. وقال عمر ﵁: (من لم يطهره المسح على العمامة لا طهره الله) ،

стр. 39

وقد ورد في ذلك أحاديث رواها البخاري ومسلم وغيرهما من الائمة. كما ورد العمل به عن كثير من أهل العلم. (ج) مسحه على الناصية والعمامة، ففي حديث المغيرة بن شعبة ﵁ (أن النبي ﷺ توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة والخفين) رواه مسلم. هذا هو المحفوظ عن رسول الله ﷺ ولم يحفظ عنه الاقتصار على مسح بعض الرأس، وإن كان ظاهر الاية يقتضيه كما تقدم، ثم إنه لا يكفي مسح الشعر الخارج عن محاذاة الرأس كالضفيرة. (الفرض الخامس) : غسل الرجلين مع الكعبين، وهذا هو الثابت المتواتر من فعل الرسول ﷺ وقوله. قال ابن عمر ﵄: تخلف عنا رسول الله ﷺ في سفرة فأدركنا وقد أرهقنا (١) العصر، فجعلنا نتوضأ ونمسح على أرجلنا فنادى بأعلى صوته: (ويل للاعقاب (٢) من النار) مرتين أو ثلاثا، متفق عليه، وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: أجمع أصحاب رسول الله ﷺ على غسل العقبين. وما تقدم من الفرائض هو المنصوص عليه في قول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) (٣) . (الفرض السادس) : الترتيب، لان الله تعالى قد ذكر في الاية فرائض الوضوء مرتبة مع فصل الرجلين عن اليدين - وفريضة كل منهما الغسل - بالرأس الذي فريضته المسح، والعرب لا تقطع النظير عن نظيره إلا لفائدة. وهي هنا الترتيب، والاية ما سبقت إلا لبيان الواجب، ولعموم قوله ﷺ في الحديث الصحيح: (ابدأوا بما بدأ الله به) ومضت السنة العملية على هذا الترتيب بين الاركان فلم ينقل عن رسول الله ﷺ أنه

стр. 40

توضأ إلا مرتبا، والوضوء عبادة ومدار الامر في العبادات على الاتباع، فليس لاحد أن يخالف المأثور في كيفية وضوئه ﷺ ، خصوصا ما كان مضطردا منها. سنن الوضوء: أي ما ثبت عن رسول الله ﷺ من قول أو فعل من غير لزوم ولا إنكار على من تركها. وبيانها ما يأتي: (١) التسمية في أوله: ورد في التسمية للوضوء أحاديث ضعيفة لكن مجموعها يزيدها قوة تدل على أن لها أصلا، وهي بعد ذلك أمر حسن في نفسه، ومشروع في الجملة. (٢) السواك: ويطلق على العود الذي يستاك به وعلى الاستياك نفسه، وهو دلك الاسنان بذلك العود أو نحوه من كل خشن تنظف به الاسنان، وخير ما يستاك به عود الاراك الذي يؤتي به من الحجاز، لان من خواصه أن يشد اللثة، ويحول دون مرض الاسنان، ويقوي على الهضم، ويدر البول، وإن كانت السنة تحصل بكل ما يزيل صفرة الاسنان وينظف الفم كالفرشة ونحوها. وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (لولا أن أشق على أمتي لامرتهم بالسواك عند كل وضوء،) رواه مالك والشافعي والبيهقي والحاكم. وعن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: (السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب) رواه أحمد والنسائي والترمذي. وهو مستحب في جميع الاوقات ولكن في خمسة أوقات أشد استحبابا (١) عند الوضوء. (٢) وعند الصلاة. (٣) وعند قراءة القرآن (٤) وعند الاستيقاظ من النوم (٥) وعند تغير الفم. والصائم والمفطر في استعماله أول النهار وآخره سواء، لحديث عامر بن ربيعة ﵁ قال: (رأيت رسول الله ﷺ ما لا أحصي، يتسوك وهو صائم) رواه أحمد وأبو داود والترمذي. وإذا استعمل السواك، فالسنة غسله بعد الاستعمال تنظيفا له، لحديث عائشة

стр. 41

رضي الله عنها قالت: (كان النبي ﷺ يستاك فيعطيني السواك، لاغسله فأبدأ به فأستاك ثم أغسله وأدفعه إليه) رواه أبو داود والبيهقي. ويسن لمن لا أسنان له أن يستاك بإصبعه، لحديث عائشة ﵂ قالت: يا رسول الله الرجل يذهب فوه أيستاك؟ قال: (نعم) قلت: كيف يصنع؟ قال: (يدخل إصبعه في فيه) رواه الطبراني. (٣) غسل الكفين ثلاثا في أول الوضوء: لحديث أوس بن أوس الثقفي ﵁ قال: (رأيت رسول الله ﷺ توضأ فاستوكف ثلاثا) (١) رواه أحمد والنسائي، وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في إناء حتى يغسلها ثلاثا، فإنه لا يدري أين باتت يده) رواه الجماعة. إلا أن البخاري لم يذكر العدد. (٤) المضمضة ثلاثا: لحديث لقيط بن صبرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إذا توضأت فمضمض (٢)) رواه أبو داود والبيهقي. (٥) الاستنشاق والاستنثار ثلاثا: لحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم ليستنثر) رواه الشيخان وأبو داود. والسنة أن يكون الاستنشاق باليمنى والاستنثار باليسرى، لحديث علي ﵁ (أنه دعا بوضوء (٣) فتمضمض واستنشق (٤) ونثر بيده اليسرى، ففعل هذا ثلاثا، ثم قال: هذا طهور نبي الله ﷺ رواه أحمد والنسائي. وتتحقق المضمضة والاستنشاق إذا وصل الماء إلى الفم والانف بأي صفة، إلا أن الصحيح الثابت عن رسول الله ﷺ أنه كان يصل

стр. 42

بينهما، فعن عبد الله بن زيد (أن رسول الله ﷺ تمضمض واستنشق من كف واحد، فعل ذلك ثلاثا) وفي رواية (تمضمض واستنثر بثلاث غرفات) متفق عليه، ويسن المبالغة فيهما لغير الصائم، لحديث لقيط ﵁ قال: قلت يا رسول الله أخبرني عن الوضوء؟ قال: (أسبغ الوضوء وخلل بين الاصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما) رواه الخمسة، وصححه الترمذي. (٦) تخليل اللحية: لحديث عثمان ﵁: (أن النبي ﷺ كان يخلل لحيته) رواه ابن ماجه والترمذي وصححه. وعن أنس ﵁: أن النبي ﷺ كان إذا توضأ أخذ كفا من ماء، فأدخله تحت حنكه فخلل به، وقال: (هكذا أمرني ربي عزوجل) رواه أبو داود والبيهقي والحاكم. (٧) تخليل الاصابع: لحديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: (إذا توضأت فخلل أصابع يديك ورجليك) رواه أحمد والترمذي وابن ماجه، وعن المستورد بن شداد ﵁ قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخلل أصابع رجليه بخنصره) رواه الخمسة إلا أحمد. وقد ورد ما يفيد استحباب تحريك الخاتم ونحوه كالاساور، إلا أنه لم يصل إلى درجة الصحيح، لكن ينبغي العمل به لدخوله تحت عموم الامر بالاسباغ. (٨) تثليث الغسل: وهو السنة التي جرى عليها العمل غالبا وما ورد مخالفا لها فهو لبيان الجواز. فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵃ قال: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ يسأله عن الوضوء، فأراه ثلاثا ثلاثا وقال: (هذا الوضوء، فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم) رواه أحمد والنسائي وابن ماجه. وعن عثمان ﵁ (أن النبي ﷺ توضأ ثلاثا ثلاثا) رواه أحمد ومسلم والترمذي، وصح أنه صلى الله عليه وسلم

стр. 43

توضأ مرة مرة ومرتين مرتين، أما مسح الرأس مرة واحدة فهو الاكثر رواية. (٩) التيامن: (أي البدء بغسل اليمين قبل غسل اليسار من اليدين والرجلين، فعن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يحب التيامن في تنعله (١) وترجله وطهوره، وفي شأنه كله) متفق عليه، وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إذا لبستم وإذا توضأتم فأبدءوا بأيمانكم (٢) . رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي. (١٠) الدلك: وهو إمرار اليد على العضو مع الماء أو بعده، فعن عبد الله بن زيد رضي الله عنه (أن النبي ﷺ أتى بثلث مد فتوضأ فجعل يدلك ذراعيه) رواه ابن خزيمة، وعنه ﵁، (أن النبي ﷺ توضأ فجعل يقول هكذا: يدلك، رواه أبو داود الطيالسي وأحمد وابن حبان وأبو يعلى. (١١) الموالاة: (اي تتابع غسل الاعضاء بعضها إثر بعض) بألا يقطع المتوضئ وضوءه بعمل أجنبي، يعد في العرف انصرافا عنه وعلى هذا مضت السنة، وعليها عمل المسلمين سلفا وخلفا. (١٢) مسح الاذنين: والسنة مسح باطنهما بالسبابتين وظاهرهما بالابهامين بماء الرأس لانهما منه. فعن المقدام بن معد يكرب ﵁ أن رسول الله ﷺ (مسح في وضوئه رأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما، وأدخل أصبعه في صماخي أذنيه) رواه أبو داود والطحاوي، وعن ابن عامر ﵄ في وصفه

стр. 44

وضوء النبي ﷺ (ومسح برأسه وأذنيه مسحة واحدة) ، رواه أحمد وأبو داود. وفي رواية (مسح رأسه وأذنيه وباطنهما بالمسبحتين) (١) وظاهرهما بإبهاميه. (١٣) إطالة الغرة والتحجيل: أما إطالة الغرة فبأن يغسل جزءا من مقدم الرأس، زائدا عن المفروض في غسل الوجه وأما اطالة التحجيل، فبأن يغسل ما فوق المرفقين والكعبين لحديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: (إن أمتي يأتون يوم القيامة غرا محجلين (٢) من آثار الوضوء) فقال أبو هريرة: فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل. رواه أحمد والشيخان، وعن أبي زرعة (أن أبا هريرة ﵁ دعا بوضوء فتوضأ وغسل ذراعيه حتى جاوز المرفقين، فلما غسل رجليه جاوز الكعبين إلى الساقين، فقلت: ما هذا؟ فقال: هذا مبلغ الحلية) رواه أحمد واللفظ له، وإسناده صحيح على شرط الشيخين. (١٤) الاقتصاد في الماء وإن كان الاغتراف من البحر: لحديث أنس ﵁ قال: (كان النبي ﷺ يغتسل بالصاع (٣) إلى خمسة أمداد ويتوضأ بالمد) ، متفق عليه، وعن عبيد الله بن أبي يزيد أن رجلا قال لابن عباس ﵄: (كم يكفيني من الوضوء؟ قال مد، قال كم يكفيني للغسل؟ قال صاع، فقال الرجل: لا يكفيني، فقال: لا أم لك قد كفى من هو خير منك: رسول الله ﷺ ، رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير بسند رجاله ثقات، وروي عن عبد الله ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ مر بسعد وهو يتوضأ

стр. 45

فقال: (ما هذا السرف يا سعد؟! فقال: وهل في الماء من سرف؟ قال: (نعم وإن كنت على نهر جار) رواه أحمد وابن ماجه وفي سنده ضعف، والاسراف يتحقق باستعمال الماء لغير فائدة شرعية، كأن يزيد في الغسل على الثلاث، ففي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵃ قال: (جاء أعرابي إلى النبي ﷺ يسأله عن الوضوء فأراه ثلاثا ثلاثا، قال: (هذا الوضوء، من زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم) رواه أحمد والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة بأسانيد صحيحة، وعن عبد الله بن مغفل ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (إنه سيكون في هذه الامة قوم يعتدون في الطهور والدعاء) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه. قال البخاري: كره أهل العلم في ماء الوضوء أن يتجاوز فعل النبي ﷺ . (١٥) الدعاء أثناء: لم يثبت من أدعية الوضوء شئ عن رسول الله ﷺ ، غير حديث أبي موسى الاشعري ﵁ قال: أتيت رسول الله ﷺ بوضوء فتوضأ فسمعته يقول يدعو: (اللهم اغفر لي ذنبي، ووسع لي في داري، وبارك لي في رزقي) فقلت: يا نبي الله سمعتك تدعو بكذا وكذا قال: (وهل تركن من شئ؟) رواه النسائي وابن السني بإسناد صحيح، لكن النسائي أدخله في (باب ما يقول بعد الفراغ من الوضوء) وابن السني ترجم له (باب ما يقول بين ظهراني وضوئه) ، قال النووي وكلاهما محتمل. (١٦) الدعاء بعده: لحديث عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء) رواه مسلم، وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : (من توضأ فقال: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك كتب في رق ثم

стр. 46

جعل في طابع فلم يكسر إلى يوم القيامة) رواه الطبراني في الاوسط، ورواته رواة الصحيح، واللفظ له ورواه النسائي وقال في آخره: (ختم عليها بخاتم فوضعت تحت العرش فلم تكسر إلى يوم القيامة) وصوب وقفه. وأما دعاء: (اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين، فهي في رواية الترمذي، وقد قال في الحديث وفي إسناده اضطراب، ولا يصح فيه شئ كبير. (١٧) صلاة ركعتين بعده: لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال لبلال: (يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الاسلام إني سمعت دف نعليك (١) بين يدي في الجنة. قال: ما عملت عملا أرجى عندي من اني لم أتطهر طهورا في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي) . متفق عليه، وعن عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما أحد يتوضأ فيحسن الوضوء ويصلي ركعتين يقبل بقلبه ووجهه عليهما إلا وجبت له الجنة) رواه مسلم وأبو داود وابن ماجه وابن خزيمة في صحيحه، وعن حمران مولى عثمان: أنه رأى عثمان بن عفان ﵁ دعا بوضوء فأفرغ عى يمينه من إنائه فغسلها ثلاث مرات، ثم أدخل يمينه في الوضوء ثم تمضمض واستنشق واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاثا، ويديه إلى المرفقين ثلاثا، ثم غسل رجليه ثلاثا، قال: رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ وضوئي هذا) ، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه) رواه البخاري ومسلم وغيرهما. وما بقي من تعاهد موقي العينين وغضون الوجه، ومن تحريك الخاتم، ومن مسح العنق، لم نتعرض لذكره، لان الاحاديث فيها لم تبلغ درجة الصحيح، وإن كان يعمل بها تتميما للنظافة.

стр. 47

مكروهاته يكره للمتوضئ أن يترك سنة من السنن المتقدم ذكرها، حتى لا يحرم نوابها، لان فعل المكروه يوجب حرمان الثواب، وتتحقق الكراهية بترك السنة. نواقض الوضوء: للوضوء نواقض تبطلة وتخرجه عن إفادة المقصود منه، نذكرها فيما يلي: ١ - كل ما خرج من السبيلين: (القبل والدبر) . ويشمل ذلك ما يأتي: (١) البول (٢) والغائط، لقول الله تعالى: ( ... أو جاء أحد منكم من الغائط..) وهو كناية عن قضاء الحاجة من بول وغائط. (٣) ريح الدبر: لحديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) فقال رجل من حضرموت: ما الحدث يا أبا هريرة؟ قال: (فساء أو ضراط) . متفق عليه، وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا فأشكل عليه أخرج منه شئ أم لا؟ فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا) رواه مسلم. وليس السمع أو وجدان الرائحة شرطا في ذلك، بل المراد حصول اليقين وبخروج شئ منه. (٤، ٥، ٦) المني والمذي والودي، لقول رسول الله في المذي: (فيه الوضوء) ولقول ابن عباس ﵄: (أما المني فهو الذي منه الغسل، وأما المذي والودي فقال: (أغسل ذكرك أو مذاكيرك، وتوضأ وضوءك للصلاة) ، رواه البيهقي في السنن. ٢ - النوم المستغرق الذي لا يبقى معه إدراك مع عدم تمكن المقعدة من الارض، لحديث صفوان بن عسال ﵁ قال: (كان رسول الله صلى

стр. 48

الله عليه وسلم يأمرنا إذا كنا سفرا ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، لكن من غائط وبول ونوم) رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه. فإذا كان النائم جالسا ممكنا مقعدته من الارض لا ينتقض وضوءه، وعلى هذا يحمل حديث أنس ﵁ قال: (كان أصحاب رسول الله ﷺ ينتظرون العشاء الاخرة حتى تخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضئون) . رواه الشافعي ومسلم وأبو داود والترمذي، ولفظ الترمذي من طريق شعبة: (لقد رأيت أصحاب رسول الله ﷺ يوقظون للصلاة حتى لاسمع لاحدهم غطيطا، ثم يقومون فيصلون ولا يتوضئون) قال ابن المبارك: هذا عندنا وهم جلوس. ٣ - زوال العقل، سواء كان الجنون أو بالاغماء أو بالكسر أو بالدواء. وسواء قل أو كثر، وسواء كانت المقعدة ممكنة من الارض أم لا، لان الذهول عند هذه الاسباب أبلغ من النوم، وعلى هذا اتفقت كلمة العلماء. ٤ - مس الفرج بدون حائل، لحديث يسرة بنت صفوان ﵄ أن النبي ﷺ قال: (من مس ذكره فلا يصل حتى يتوضأ) رواه الخمسة وصححه الترمذي وقال البخاري وهو أصح شئ في هذا الباب، ورواه أيضا مالك والشافعي وأحمد وغيرهم، وقال أبو داود: قلت لاحمد: حديث يسرة ليس بصحيح؟ فقال: بل هو صحيح، وفي رواية لاحمد والنسائي عن يسرة: أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ويتوضأ من مس الذكر) وهذا يشمل ذكر نفسه وذكر غيره، وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من أفضى بيده إلى ذكر ليس دونه ستر، فقد وجب عليه الوضوء) رواه أحمد وابن حبان والحاكم وصححه هو وابن عبد البر، وقال ابن السكن: هذا الحديث من أجود ما روي في هذا الباب، وفي لفظ الشافعي (إذا أفضى أحدكم بيده إلى ذكره، ليس بينها وبينه شئ فليتوضأ) ، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵃: (أيما رجل مس فرجه فليتوضأ، وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ) . رواه أحمد، قال ابن القيم: قال الحازمي: هذا إسناد صحيح. ويرى الاحناف أن مس الذكر لا ينقض الوضوء لحديث طلق: (أن رجلا سأل النبي عن رجل

стр. 49

يمس ذكره، هل عليه الوضوء؟ فقال: (لا، إنما هو بضعة منك) رواه الخمسة، وصححه ابن حبان، قال ابن المديني: هو أحسن من حديث يسرة. ما لا ينقض الوضوء: أحببنا أن نشير إلى ما ظن أنه ناقض للوضوء وليس بناقض، لعدم ورود دليل صحيح يمكن أن يعول عليه في ذلك، وبيانه فيما يلي: (١) لمس المرأة بدون حائل: فعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قبلها وهو صائم وقال: (إن القبلة لا تنقض الوضوء ولا تفطر الصائم) أخرجه إسحاق ابن راهويه، وأخرجه أيضا البزار بسند جيد. قال عبد الحق: لا أعلم له علة توجب تركه. وعنها ﵂ قالت: فقدت رسول الله ﷺ ذات ليلة من الفراض فالتمسته، فوضعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد، وهما منصوبتان، وهو يقول: (اللهم اني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك) رواه مسلم والترمذي وصححه، وعنها ﵂ (أن النبي ﷺ قبل بعض نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ) ، رواه أحمد والاربعة، بسند رجاله ثقات، وعنها ﵂ قالت: (كنت أنام بين يدي النبي ﷺ ورجلاي في قبلته فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي) وفي لفظ (فإذا أراد أن يسجد غمز رجلي) متفق عليه. (٢) خروج الدم من غير المخرج المعتاد، سواء كان بجرح أو حجامة أو رعاف، وسواء كان قليلا أو كثيرا: قال الحسن ﵁: (ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم) (رواه البخاري، وقال: وعصر ابن عمر ﵄ بثرة وخرج منها الدم فلم يتوضأ. وبصق ابن أبي أوقى دما ومضى في صلاته، وصلى عمر

стр. 50

ابن الخطاب ﵁ وجرحه يثعب دما (١) . وقد أصيب عباد بن بشر بسهام وهو يصلي فاستمر في صلاته، رواه أبو داود وابن خزيمة والبخاري تعليقا. (٣) القئ: سواء أكان ملء الفم أو دونه، ولم يرد في نقضه حديث يحتج به. (٤) أكل لحم الابل: وهو رأي الخلفاء الاربعة وكثير من الصحابة والتابعين، إلا أنه صح الحديث بالامر بالوضوء منه. فعن جابر بن سمرة ﵁ أن رجلا سأل رسول الله ﷺ : أنتوضأ من لحوم الغنم؟..قال: (إن شئت توضأ وإن شئت فلا تتوضأ) ، قال: أنتوضأ من لحوم الابل؟ قال: (نعم توضأ من لحوم الابل) ، قال: أصلي في مرابض الغنم؟ قال: (لا) رواه أحمد ومسلم، وعن البراء ابن عازب ﵁، قال: سئل رسول الله ﷺ عن الوضوء من لحوم الابل؟ فقال: (توضئوا منها) وسئل عن لحوم الغنم؟ فقال: (لا تتوضئوا منها) وسئل عن الصلاة في مبارك الابل؟ فقال: (لا تصلوا فيها، فإنها من الشياطين) وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم؟ فقال: (صلوا فيها فإنها بركة) رواه أحمد وأبو داود وابن حبان، وقال ابن خزيمة: لم أر خلافا بين علماء الحديث في أن هذا الخبر صحيح من جهة النقل، لعدالة ناقليه، وقال النووي: هذا المذهب أقوى دليلا، وإن كان الجمهور على خلافه، إنتهى. (٥) شك المتوضئ في الحدث: إذا شك المتطهر، هل أحدث أم لا؟ لا يضره الشك ولا ينتقض وضوءه سواء كان في الصلاة أو خارجها، حتى يتيقن أنه أحدث. فعن عباد بن تميم عن عمه

стр. 51

رضي الله عنه قال: شكى إلى النبي ﷺ الرجل يخيل إليه أنه يجد الشئ في الصلاة؟ قال: (لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا) رواه الجماعة إلا الترمذي، وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إذا وجد أحدكم في نفسه شيئا فأشكل عليه أخرج منه شئ أم لا؟ فلا يخرج من المسجد حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا) رواه مسلم وأبو داود والترمذي، وليس المراد خصوص سماع الصوت ووجدان الريح، بل العمدة اليقين بأنه خرج منه شئ، قال ابن المبارك: إذا شك في الحدث فإنه لا يجب عليه الوضوء حتى يستيقن استيقانا يقدر أن يحلف عليه، أما إذا تيقن الحدث وشك في الطهارة فإنه يلزمه الوضوء بإجماع المسلمين. (٦) القهقهة في الصلاة لا تنقض الوضوء، لعدم صحة ما ورد في ذلك. (٧) تغسيل الميت لا يجب منه الوضوء لضعف دليل النقض. ما يجب له الوضوء: يجب الوضوء لأمور ثلاثة: (الأول) الصلاة مطلقا، فرضا أو نفلا، ولو صلاة جنازة لقول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم، وأرجلكم إلى الكعبين) : أي إذا أردتم القيام إلى الصلاة وأنتم محدثون فاغسلوا، وقول الرسول ﷺ : (لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول (١)) رواه الجماعة إلا البخاري. (الثاني) الطواف بالبيت، لما رواه ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: (الطواف صلاة إلا أن الله تعالى أحل فيه الكلام، فمن تكلم فلا يتكلم إلا بخير) رواه الترمذي والدارقطني وصححه الحاكم، وابن السكن وابن خزيمة. (الثالث) مس المصحف، لما رواه أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم

стр. 52

عن أبيه عن جده ﵃ أن النبي ﷺ كتب إلى أهله اليمن كتابا وكان فيه: (لا يمس القرآن إلا طاهر) . رواه النسائي والدارقطني والبيهقي والاثرم، قال ابن عبد البر في هذا الحديث: إنه أشبه بالتواتر، لتلقي الناس له بالقبول، وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يمس القرآن إلا طاهر) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: (رجاله موثقون) فالحديث يدل على أنه لا يجوز مس المصحف، إلا لمن كان طاهرا ولكن (الطاهر) لفظ مشترك، يطلق على الطاهر من الحدث الاكبر، والطاهر من الحدث الاصغر، ويطلق على المؤمن، وعلى من ليس على بدنه نجاسة، ولابد لحمله على معين من قرينة. فلا يكون الحديث نصا في منع المحدث حدثا أصغر من مس المصحف، وأما قول الله سبحانه: (لا يمسه إلا المطهرون) (١) فالظاهر رجوع الضمير إلى الكتاب المكنون، وهو وهو اللوح المحفوظ، لانه الاقرب، والمطهرون الملائكة، فهو كقوله تعالى: (في صحف مكرمة، مرفوعة مطهرة، بأيدي سفرة، كرام بررة) (٢) وذهب ابن عباس والشعبي والضحاك وزيد بن علي والمؤيد بالله وداود وابن حزم وحماد بن أبي سليمان: إلى أنه يجوز للمحدث حدثا أصغر من المصحف وأما القراءة له بدون مس فهي جائزة اتفاقا. ما يستحب له: يستحب الوضوء ويندب في الاحوال الاتية: (١) عند ذكر الله عزوجل: لحديث المهاجر بن قنفذ ﵁ (أنه سلم على النبي ﷺ وهو يتوضأ فلم يرد عليه حتى توضأ فرد عليه، وقال: (إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كرهت أن أذكر الله إلا على الطهارة) ، قال قتادة (فكان الحسن من أجل هذا يكره أن يقرأ أو يذكر الله حتى يطهر) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه، وعن أبي جهيم بن الحارث ﵁

стр. 53

قال: (أقبل النبي ﷺ من نحو بئر جمل (١) فلقيه رجل فسلم عليه فلم يرد عليه حتى أقبل على جدار فمسح بوجهه ويديه، ثم رد ﵇ رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي، وهذا على سبيل الافضلية والندب. وإلا فذكر الله يجوز للمتطهر والمحدث والجنب والقائم والقاعد، والماشي والمضطجع بدون كراهة، لحديث عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يذكر الله على كل أحيانه) رواه الخمسة إلا النسائي، وذكره البخاري بغير إسناد، وعن علي كرم الله وجهه قال: (كان رسول الله ﷺ يخرج من الخلاء فيقرئنا ويأكل معنا اللحم، ولم يكن يحجزه عن القرآن شئ ليس الجنابة) رواه الخمسة وصححه الترمذي وابن السكن. (٢) عند النوم: لما رواه البراء بن عازب ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الايمن، ثم قل اللهم أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت، ونبيك الذي أرسلت، فإن مت من ليلتك فأنت على الفطرة، واجعلهن آخر ما تتكلم به،) قال فرددتها على النبي ﷺ فلما بلغت: (اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت: ورسولت، قال: لا ... ونبيك الذي أرسلت) رواه أحمد والبخاري والترمذي، ويتأكد ذلك في حق الجنب، لما رواه ابن عمر ﵄ قال يا رسول الله أينام أحدنا جنبا؟ قال: (نعم إذا توضأ) . وعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن ينام وهو جنب، غسل فرجه وتوضأ وضوءه للصلاة) رواه الجماعة. (٣) يستحب الوضوء للجنب: إذا أراد أن يأكل أو يشرب أو يعاود الجماع، لحديث عائشة رضي

стр. 54

الله عنها قالت: (كان النبي ﷺ إذا كان جنبا فأراد أن يأكل أو ينام توضأ) ، وعن عمار بن ياسر (أن النبي ﷺ رخص للجنب إذا أراد أن يأكل أو يشرب أو ينام، أن يتوضأ وضوءه للصلاة) ، رواه أحمد والترمذي وصححه، وعن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: (إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ) رواه الجماعة إلا البخاري، ورواه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم. وزادوا (فإنه أنشط للعود) . (٤) يندب قبل الغسل، سواء كان واجبا أو مستحبا: لحديث عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة، يبدأ فيغسل يديه، ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة) ، الحديث رواه الجماعة. (٥) يندب من أكل ما مسته النار: لحديث إبراهيم بن عبد الله بن قارظ قال: مررت بأبي هريرة وهو يتوضأ فقال: أتدري مم أتوضأ؟ من أثوار أقط (١) أكلتها، لاني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (توضئوا مما مست النار) ، رواه أحمد ومسلم والاربعة، وعن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: (توضئوا مما مست النار) ، رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه. والامر بالوضوء محمول على الندب لحديث عمرو بن أمية الضمري ﵁ قال: (رأيت النبي ﷺ يحتز من كتف شاة فاكل منها فأكل منها فدعى إلى الصلاة فقام وطرح السكين وصلى ولم يتوضأ) متفق عليه، قال النووي: فيه جواز قطع اللحم بالسكين. (٦) تجديد الوضوء لكل صلاة: لحديث بريدة ﵁ قال: (كان النبي ﷺ يتوضأ عند كل صلاة، فلما كان يوم الفتح توضأ ومسح على خفيه وصلى الصلوات بوضوء واحد، فقال له عمر. يا رسول الله إنك فعلت شيئا لم تكن تفعله!

стр. 55

فقال: (عمدا فعلته يا عمر) رواه أحمد ومسلم وغيرهما، وابن عمرو بن عامر الانصاري ﵁ قال، كان أنس بن مالك يقول: (كان ﷺ يتوضأ عند كل صلاة، قال: قلت: فأنتم كيف كنتم تصنعون؟ قال: كنا نصلي الصلوات بوضوء واحد ما لم نحدث) ، رواه أحمد والبخاري. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لولا أن أشق على أمتي لامرتهم عند كل صلاة بوضوء، ومع كل وضوء بسواك) رواه أحمد بسند حسن، وروى عن ابن عمر ﵄ قال: (كان رسول الله ﷺ يقول: (من توضأ على طهر كتب له عشر حسنات) . رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه. فوائد يحتاج المتوضئ إليها: ١ - الكلام المباح أثناء الوضوء مباح، ولم يرد في السنة ما يدل على منعه. ٢ - الدعاء عند غسل الاعضاء باطل لا أصل له. والمطلوب الاقتصار على الأدعية التي تقدم ذكرها في سنن الوضوء. ٣ - لو شك المتوضئ في عدد الغسلات يبني على اليقين وهو الاقل. ٤ - وجود الحائل مثل الشمع على أي عضو من أعضاء الوضوء يبطله، أما اللون وحده، كالخضاب بالحناء مثلا، فإنه لا يؤثر في صحة الوضوء، لانه لا يحول بين البشرة وبين وصول الماء إليها. ٥ - المستحاضة، ومن به سلس بول أو انفلات ريح، أو غير ذلك من الاعذار يتوضئون لكل صلاة، إذا كان العذر يستغرق جميع الوقت، أو كان لا يمكن ضبطه، وتعتبر صلاتهم صحيحة مع قيام العذر. ٦ - يجوز الاستعانة بالغير في الوضوء. ٧ - يباح للمتوضئ أن ينشف أعضاءه بمنديل ونحوه صيفا وشتاء. المسح على الخفين: (١) دليل مشروعيته: ثبت المسح على الخفين بالسنة الصحيحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه

стр. 56

وسلم، قال النووي: أجمع من يعتد به في الاجماع على جواز المسح على الخفين - في السفر والحضر، سواء كان لحاجة أو غيرها - حتى للمرأة الملازمة والزمن الذي لا يمشي، وإنما أنكرته الشيعة والخوارج، ولا يعتد بخلافهم، وقال الحافظ بن حجر في الفتح: وقد صرح جمع من الحفاظ، بأن المسح على الخفين متواتر، وجمع بعضهم رواته فجاوزوا الثمانين، منهم العشرة. انتهى، وأقوى الاحاديث حجة في المسح، ما رواه أحمد والشيخان وأبو داود والترمذي عن همام النخعي ﵁، قال: (بال جرير بن عبد الله ثم توضأ ومسح على خفيه، فقيل: تفعل هذا وقد بلت؟ قال: نعم رأيت رسول الله ﷺ بال ثم توضأ ومسح على خفيه) ، قال إبراهيم: فكان يعجبهم هذا الحديث لان إسلام جرير كان بعد نزول المائدة، أي أن جريرا أسلم في السنة العاشرة بعد نزول آية الوضوء التي تفيد وجوب غسل الرجلين، فيكون حديثه مبينا أي المراد بالاية إيجاب الغسل لغير صاحب الخف، وأم اصاحب الخف ففرضه المسح فتكون السنة مخصصة للاية. (٢) مشروعية المسح على الجوربين: يجوز المسح على الجوربين، وقد روي ذلك عن كثير من الصحابة. قال أبو داود: ومسح على الجوربين علي بن أبي طالب وابن مسعود والبراء ابن عازب وأنس بن مالك وأبو امامة وسهل بن سعد وعمرو بن حريث، وروي أيضا عن عمر بن الخطاب وابن عباس، انتهى، وروي أيضا عن عمار وبلال بن عبد الله بن أبي أوفى وابن عمر، وفي تهذيب السنن لابن القيم عن ابن المندر: أن أحمد نص على جواز المسح على الجوربين، وهذا من إنصافه وعدله، وإنما عمدته هؤلاء الصحابة ﵃ وصريح القياس، فإنه لا يظهر بين الجوربين والخفين فرق مؤثر، يصح أن يحال الحكم عليه، والمسح عليهما قول أكثر أهل العلم، انتهى. وممن أجاز المسح عليهما سفيان الثوري وابن المبارك وعطاء والحسن وسعيد بن المسيب، وقال أبو يوسف ومحمد: يجوز المسح عليهما إذا كانا ثخينين لا يشفان عما تحتهما، وكان أبو حنيفة لا يجوز المسح على الجورب الثخين ثم رجع إلى الجواز قبل موته بثلاثة أيام أو بسبعة، ومسح على جوربيه الثخينين في مرضه وقال لعواده: فعلت ما كنت

стр. 57

أنهى عنه، وعن المغيرة بن شعبة: أن رسول الله ﷺ توضأ ومسح على الجوربين والنعلين (١) رواه أحمد والطحاوي وابن ماجه والترمذي وقال: حديث حسن صحيح، (وضعفه أبو داود) . والمسح على الجوربين كان هو المقصود، وجاء المسح على النعلين تبعا. وكما يجوز المسح على الجوربين يجوز المسح على كل ما يستر الرجلين كاللفائف ونحوها، وهي ما يلف على الرجل من البرد أو خوف الحفاء أؤ لجراح بهما ونحو ذلك، قال ابن تيمية: والصواب أنه يمسح على اللفائف، وهي بالمسح أولى من الخف والجورب، فإن اللفائف إنما تستعمل للحاجة في العادة، وفي نزعها ضرر: إما إصابة البرد، وإما التأذي بالحفاء، وإما التاذي بالجرح، فإذا جاز المسح على الخفين والجوربين، فعلى اللفائف بطريق الاولى، ومن ادعى في شئ من ذلك إجماعا فليس معه إلا عدم العلم، ولا يمكنه أن ينقل المنع عن عشرة من العلماء المشهورين، فضلا عن الاجماع، إلى أن قال: فمن تدبر ألفاظ الرسول ﷺ وأعطى القياس حقه علم أن الرخصة منه في هذا الباب واسعة، وأن ذلك من محاسن الشريعة، ومن الحنيفية السمحة التي بعث بها، انتهى. وإذا كان بالخف أو الجورب خروق فلا بأس بالمسح عليه، مادام يلبس في العادة، قال الثوري: كانت خفاف المهاجرين والانصار لا تسلم من الخروق كخفاف الناس، فلو كان في ذلك حظر لورد ونقل عنهم. (٣) شروط المسح على الخف وما في معناه: يشترط لجواز المسح أن يلبس الخف وما في معناه من كل ساتر على وضوء، لحديث المغيرة بن شعبة قال: (كنت مع النبي ﷺ ذات ليلة في مسير فأفرغت عليه من الاداوة فغسل وجهه وذراعيه ومسح برأسه ثم أهويت لانزع خفيه فقال: (دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين) فمسح عليهما) رواه

стр. 58

أحمد والبخاري ومسلم. وروى الحميدي في مسنده عنه قال: قلنا يا رسول الله أيمسح أحدنا على الخفين؟ قال: (نعم إذا أدخلهما وهما طاهرتان) وما اشترطه بعض الفقهاء من أن الخف لا بد أن يكون ساترا لمحل الفرض، وأن يثبت بنفسه من غير شد مع إمكان متابعة المشي فيه. قد بين شيخ الاسلام ابن تيمية ضعفه في الفتاوي. (٤) محل المسح: المحل المشروع في المسح ظهر الخف، لحديث المغيرة ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظاهر الخفين، رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه. وعن علي ﵁ قال: (لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، لقد رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظاهر خفيه) رواه أبو داود والدارقطني، وإسناده حسن أو صحيح، والواجب في المسح ما يطلق عليه اسم المسح لغة، من غير تحديد، ولم يصح فيه شئ. (٥) توقيت المسح: مدة المسح على الخفين للمقيم يوم وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام ولياليها، قال صفوان بن عسال ﵁: أمرنا (يعني النبي ﷺ أن نمسح على الخفين إذا نحن أدخلناهما على طهر ثلاثا إذا سافرنا، ويوما وليلة إذا أقمنا، ولا نخلعهما إلا من جنابة، رواه الشافعي وأحمد وابن خزيمة، والترمذي والنسائي وصححاه، وعن شريح بن هاني ﵁ قال: سألت عائشة عن المسح على الخفين فقالت: سل عليا، فإنه أعلم بهذا مني، كان يسافر مع رسول الله ﷺ ، فسألته فقال، قال رسول الله ﷺ : (للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوم وليلة) ، رواه أحمد ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه، قال البيهقي: هو أصح ما روي في هذا الباب، والمختار أن ابتداء المدة من وقت المسح، وقيل من وقت الحدث بعد اللبس.

стр. 59

(٦) صفة المسح: والمتوضئ بعد أن يتم وضوءه ويلبس الخف أو الجورب يصح له المسح عليه كلما أراد الوضوء، بدلا من غسل رجليه، يرخص له في ذلك يوما وليلة، إذا كان مقيما، وثلاثة أيام ولياليها إن كان مسافرا، إلا إذا أجنب فإنه يجب عليه نزعه، لحديث صفوان المتقدم. (٧) ما يبطل المسح: يبطل المسح على الخفين: (١) انقضاء المدة. (٢) الجنابة. (٣) نزع الخف. فإذا انقضت المدة أو نزع الخف وكان متوضئا قبل غسله رجليه فقط. الغسل: الغسل معناه: تعميم البدن بالماء، وهو مشروع، لقول الله تعالى: (وإن كنتم جنبا فاطهروا) وقوله تعالى: (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى، فاعتزلوا النساء في المحيض، ولا تقربوهن حتى يطهرن، فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله، إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين (١)) . وله مباحث تنحصر فيما يأتي: يجب الغسل لأمور خمسة: (الاول) خروج المني بشهوة في النوم أو اليقظة من ذكر أو أنثى وهو قول عامة الفقهاء. لحديث أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : (الماء من

стр. 60

الماء (١) رواه مسلم، وعن أم سلمة ﵂: أن أم سليم قالت: يا رسول الله إن الله لا يستحي من الحق، فهل على المرأة غسل إذا احتلمت؟ قال: (نعم، إذا رأت الماء) رواه الشيخان وغيرهما. وهنا صور كثيرا ما تقع، أحببنا أن ننبه عليها للحاجة إليها: أ - إذا خرج المني من غير شهوة، بل لمرض أو برد فلا يجب الغسل. ففي حديث علي ﵁: أن رسول الله ﷺ قال له: (فإذا فضخت الماء (٢) فاغتسل) ، رواه أبو داود. قال مجاهد: بينا نحن أصحاب ابن عباس - حلق في المسجد: - (طاووس، وسعيد بن جبير، وعكرمة - وابن عباس قائم يصلي) إذا وقف علينا رجل فقال: هل من مفت؟ فقلنا: سل، فقال إني كلما بلت تبعه الماء الدافق؟ قلنا الذي يكون منه الولد؟ قال: نعم، قلنا: عليك الغسل، قال: فولى الرجل وهو يرجع، قال: وعجل ابن عباس في صلاته، ثم قال لعكرمة علي بالرجل، وأقبل علينا فقال: أرأيتم ما أفتيتم به هذا الرجل، عن كتاب الله؟ قلنا: لا. قال: فعن رسول الله ﷺ ؟ قلنا: لا، قال: فعن أصحاب رسول الله ﷺ ؟ قلنا لا، قال: فعمه؟ قلنا: عن رأينا، قال: فلذلك قال رسول الله ﷺ : (فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد) قال: وجاء الرجل فأقبل عليه ابن عباس فقال: أرأيت إذا كان ذلك منك، أتجد شهوة في قبلك؟ قال: لا، قال: فهل تجد خدرا في جسدك؟ قال: لا، قال إنما هذه إبردة، يجزيك منها الوضوء) . ب - إذا احتلم ولم يجد منيا فلا غسل عليه، قال ابن المنذر. أجمع على هذا كل من أحفط عنه من أهل العلم، وفي حديث أم سليم المتقدم فهل على المرأة غسل إذا احتلمت؟ قال: (نعم إذا رأت الماء) ما يدل على أنها إذا لم تره فلا غسل عليها، لكن إذا خرج بعد الاستيقاظ وجب عليها الغسل. ح - إذا انتبه من النوم فوجد بللا ولم يذكر احتلاما، فإن تيقن أنه مني فعليه الغسل، لان الظاهر أن خروجه كان لاحتلام نسيه، فإن شك ولم يعلم،

стр. 61

هل هو مني أو غيره؟ فعيله الغسل احتياطا. وقال مجادة وقتادة: لا غسل عليه حتى يوقن بالماء الدافق، لان اليقين بقاء الطهارة، فلا يزول بالشك. د - أحس بانتقال المني عند الشهوة، فأمسك ذكره فلم يخرج فلا غسل عليه، لما تقدم من أن النبي ﷺ علق الاغتسال على رؤية الماء. فلا يثبت الحكم بدونه، لكن إن مشى فخرج منه المني فعليه الغسل. هـ - رأى في ثوبه منيا، لا يعلم وقت حصوله، وكان قد صلى، يلزمه إعادة الصلاة من آخر نومة له، إلا أن يرى ما يدل على أنه قبلها، فيعيد من أدنى نومة يحتمل أنه منها. (الثاني) : إلتقاء الخنانين: أي تغييب الحشفة في الفرج وإن لم يحصل إنزال، لقول الله تعالى: (وإن كنتم جنبا فاطهروا) قال الشافعي: كلام العرب يقتضي أن الجنابة تطلق بالحقيقة على الجماع وإن لم يكن فيه إنزال، قال: فإن كل من خوطب بأن فلانا أجنب عن فلانة عقل أنه أصابها وإن لم ينزل. قال: ولم يختلف أحد أن الزنا الذي يجب به الجلد هو الجماع، ولو لم يكن منه إنزال ولحديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (إذا جلس بين شعبها الأربع (١) ثم جهدها فقد وجب الغسل. أنزل أم لم ينزل) رواه أحمد ومسلم، وعن سعيد ابن المسيب: أن أبا موسى الاشعري ﵁ قال لعائشة: إني أريد أن أسألك عن شئ وأنا استحي منك، فقالت: سل ولا تستحي فإنما أنا أمك، فسألها عن الرجل يغشى ولا ينزل فقالت عن النبي ﷺ : (إذا أصاب الختان الختان فقد وجب الغسل) ، رواه أحمد ومالك بألفاظ مختلفة. ولا بد من الايلاج بالفعل، أما مجرد المس من غير إيلاج فلا غسل على واحد منهما إجماعا. (الثالث) : انقطاع الحيض والنفاس: لقول الله تعالى (ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث

стр. 62

أمركم الله) ، ولقول رسول الله ﷺ لفاطمة بنت أبي حبيش ﵂ (دعي الصلاة قدر الايام التي كنت تحيضين فيها، اغتسلي وصلي) متفق عليه، وهذا، وإن كان واردا في الحيض، إلا أن النفاس كالحيض بإجماع الصحابة، فإن ولدت ولم ير الدم فقيل عليها الغسل، وقيل لا غسل عليها، ولم يرد نص في ذلك. (الرابع) الموت: إذا مات المسلم وجب تغسيله إجماعا، على تفصيل يأتي في موضعه. (الخامس) : الكافر إذا أسلم: إذا أسلم الكافر يجب عليه الغسل، لحديث أبي هريرة ﵁: أن ثمامة الحنفي أسر، وكان النبي ﷺ يغدو إليه فيقول: ما عندك يا ثمامة؟ فيقول: إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تمنن تمنن على شاكر، وإن ترد المال نعطك منه ما شئت، وكان أصحاب الرسول ﷺ يحبون الفداء ويقولون: ما نصنع بقتل هذا؟ فمر عليه رسول الله ﷺ فأسلم، فحله وبعث به إلى حائط أبي طلحة (١) وأمره أن يغتسل، فاغتسل وصلى ركعتين، فقال النبي ﷺ : (لقد حسن إسلام أخيكم) رواه أحمد وأصله عند الشيخين. ما يحرم على الجنب: يحرم على الجنب ما يأتي: ١ - الصلاة. ٢ - الطواف: وقد تقدمت أدلة ذلك في مبحث ما يجب له الوضوء. ٣ - مس المصحف وحمله، وحرمتهما متفق عليها بين الائمة ولم يخالف في ذلك أحد من الصحابة، وجوز داود ابن حزم للجنب مس المصحف وحمله ولم يريا بهما بأسا، واستدلالا بما جاء في الصحيحين أن رسول الله ﷺ بعث إلى هرقل كتابا فيه: (بسم الله الرحمن الرحيم ... إلى أن قال

стр. 63

(يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله، ولا نشرك به شيئا، ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله. فإن تولوا فقولوا أشهدوا بأنا مسلمون) (١) ، قال ابن حزم: فهذا رسول الله بعث كتابا، وفيه هذه الاية إلى النصارى وقد أيقن أنهم يمسون هذا الكتاب، وأجاب الجمهور عن هذا بأن هذه رسالة ولا مانع من مس ما اشتملت عليه من آيات من القرآن كالرسائل وكتب التفسير والفقه وغيرها، فإن هذه لا تسمى مصحفا ولا تثبت لها حرمته. ٤ - قراءة القرآن: يحرم على الجنب أن يقرأ شيئا من القرآن عند الجمهور. لحديث علي ﵁: (أن رسول الله ﷺ كان لا يحجبه عن القرآن شئ ليس الجنابة) رواه أصحاب السنن، وصححه الترمذي وغيره. قال الحافظ في الفتح: وضعف بعضهم بعض رواته، والحق أنه من قبيل الحسن، يصلح للحجة، وعنه ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ ثم قرأ شيئا من القرآن ثم قال: (هكذا لمن ليس بجنب، فأما الجنب فلا. ولا آية) رواه أحمد وأبو يعلى وهذا لفظه، قال الهيتمي: رجاله موثقون، قال الشوكاني: فإن صح هذا صلح للاستدلال به على التحريم. أما الحديث الاول فليس فيه ما يدل على التحريم. لانه غايته أن النبي ﷺ ترك القراءة حال الجنابة، ومثله لا يصلح متمسكا للكراهة، فكيف يستدل به على التحريم؟.انتهى. وذهب البخاري والطبراني وداود وابن حزم إلى جواز القراءة للجنب. قال البخاري: قال إبراهيم: لا بأس أن تقرأ الحائض الاية، ولم ير ابن عباس بالقراءة للجنب بأسا، وكان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه. قال الحافظ تعليقا على هذا، لم يصح عند المصنف (يعني البخاري) شئ من الاحاديث الواردة في ذلك: أي في منع الجنب والحائض من القراءة، وإن كان مجموع ما ورد في ذلك تقوم به الحجة عند غيره لكن أكثرها قابل للتأويل. ٥ - المكث في المسجد: يحرم على الجنب أن يمكث في المسجد، لحديث عائشة ﵂ قالت: جاء رسول الله ﷺ ، ووجوه

стр. 64

بيوت أصحابه شارعة في المسجد فقال (وجهوا هذه البيوت عن المسجد) ثم دخل رسول الله ﷺ ولم يصنع القوم شيئا، رجاء أن ينزل فيهم رخصة، فخرج إليهم فقال: (وجهوا هذه البيوت عن المسجد فإني لا أحل المسجد لحائض ولا لجنب) رواه أبو داود، وعن أم سلمة ﵂ قالت: دخل رسول الله ﷺ صرحة هذا المسجد (١) فنادى بأعلى صوته: (ان المسجد لا يحل لحائض ولا لجنب) رواه ابن ماجه والطبراني. والحديثان يدلان على عدم حل اللبث في المسجد والمكث فيه للحائض والجنب، لكن يرخص لهما في اجتيازه لقول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون، ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا) (٢) وعن جابر ﵁ قال: (كان أحدنا يمر في المسجد جنبا مجتازا) رواه ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور في سننه. وعن زيد بن أسلم قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يمشون في المسجد وهم جنب، رواه ابن المنذر. وعن يزيد بن حبيب: أن رجالا من الانصار كانت أبوابهم إلى المسجد، فكانت تصيبهم جنابة فلا يجدون الماء، ولا طريق إليه إلا من المسجد، فأنزل الله تعالى (ولا جنبا إلا عابري سبيل) رواه ابن جرير. قال الشوكاني عقب هذا: وهذا من الدلالة على المطلوب بمحل لا يبقى بعده ريب، وعن عائشة ﵂ قالت: قال لي رسول الله ﷺ : ناوليني الخمرة من المسجد) فقلت: إني حائض، فقال: (إن حيضتك ليست في يدك) رواه الجماعة إلا البخاري، وعن ميمونة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يدخل على إحدانا وهي حائض فيضع رأسه في حجرها فيقرأ القرآن وهي حائض، ثم تقوم إحدانا بخمرته فتضعها في المسجد وهي حائض) رواه أحمد والنسائي وله شواهد. الأغسال المستحبة: أي التي يمدح المكلف على فعلها ويثاب، وإذا تركها لا لوم عليه ولا عقاب، وهي ستة نذكرها فيما يلي:

стр. 65

(١) غسل الجمعة: لما كان يوم الجمعة يوم اجتماع للعبادة والصلاة أمر الشارع بالغسل وأكده ليكون المسلمون في اجتماعهم على أحسن حال من النظافة والتطهير. فعن أبي سعيد ﵁: أن النبي ﷺ قال: (غسل الجمعة واجب على كل محتلم والسواك وأم يمس من الطيب ما يقدر عليه) رواه البخاري ومسلم. والمراد بالمحتلم البالغ، والمراد بالوجوب تأكيد استحبابه، بدليل ما رواه البخاري عن ابن عمر: (أن عمر بن الخطاب بينما هو قائم في الخطبة يوم الجمعة، إذ دخل رجل من المهاجرين الاولين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهو عثمان، فناداه عمر: أية ساعة هذه؟ قال: إني شغلت فلم أنقلب إلى أهلي حتى سمعت التأذين فلم أزد أن توضأت، فقال: والوضوء أيضا وقد علمت أن رسول الله ﷺ كان يأمر بالغسل؟) . قال الشافعي: فلما لم يترك عثمان الصلاة للغسل، ولم يأمره عمر بالخروج للغسل، دل ذلك على أنهما قد علما أن الامر بالغسل للاختيار. ويدل على استحباب الغسل أيضا، ما رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة وزيادة ثلاثة أيام) . قال القرطبي في تقرير الاستدلال بهذا الحديث عن الاستحباب: ذكر الوضوء وما معه مرتبا عليه الثواب المقتضي للصحة، يدل على أن الوضوء كاف. وقال الحافظ ابن حجر في التلخيص: إنه من أقوى ما استدل به على عدم فرضية الغسل للجمعة، والقول بالاستحباب بناء على أن ترك الاغتسال لا يترتب عليه حصول ضرر، فإن ترتب على تركه أذى الناس بالعرق والرائحة الكريهة ونحو ذلك مما يسئ، كان الغسل واجبا وتركه محرما، وقد ذهب جماعة من العلماء، إلى القول بوجوب الغسل للجمعة وإن لم يحصل أذى بتركه، مستدلين بقول أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: (حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام يوما. يغسل فيه رأسه وجسده) رواه البخاري ومسلم وحملوا الاحاديث الواردة في هذا الباب على ظاهرا وردوا ما عارضها.

стр. 66

ووقت الغسل يمتد من طلوع الفجر إلى صلاة الجمعة، وإن كان المستحب أن يتصل الغسل بالذهاب، وإذا أحدث بعد الغسل يكفيه الوضوء. قال الاثرم: سمعت أحمد سئل عمن اغتسل ثم أحدث، هل يكفيه الوضوء؟ فقال نعم، ولم أسمع فيه أعلى من حديث ابن أبزى. انتهى، يشير أحمد إلى ما رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه، وله صحبة: أنه كان يغتسل يوم الجمعة ثم يحدث فيتوضأ ولا يعيد الغسل ويخرج وقت الغسل بالفراغ من الصلاة فمن اغتسل بعد الصلاة لا يكون غسلا للجمعة، ولا يعتبر فاعله آتيا بما أمر به، لحديث ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال: (إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل) رواه الجماعة، ولمسلم (إذا أراد أحدكم أن يأتي الجمعة فليغتسل) وقد حكى ابن عبد البر الاجماع على ذلك. (٢) غسل العيدين: استحب العلماء الغسل للعيدين، ولم يأت في ذلك حديث صحيح، قال في البدر المنير: أحاديث غسل العيدين ضعيفة، وفيها آثار عن الصحابة جيدة. (٣) غسل من غسل ميت ا: يستحب لمن غسل ميتا أن يغتسل عند كثير من أهل العلم، لحديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: (من غسل ميتا فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ) رواه أحمد وأصحاب السنن وغيرهم. وقد طعن الائمة في هذا الحديث. قال علي بن المدايني وأحمد وابن المنذر والرافعي وغيرهم: لم يصحح علماء الحديث في هذا الباب شيئا، لكن الحافظ ابن حجر قال في حديثنا هذا: قد حسنه الترمذي وصححه ابن حبان، وهو - بكثرة طرقه - أقل أحواله أن يكون حسنا، فإنكار النووي على الترمذي تحسينه معترض، وقال الذهبي: طرق هذا الحديث أقوى من عدة أحاديث احتج بها الفقهاء، والامر في الحديث محمول على الندب، لما روي عن عمر ﵁ قال: كنا نغسل الميت، فمنا من يغتسل ومنا من لا يغتسل. رواه الخطب بإسناد صحيح، ولما غسلت أسماء بنت عميش زوجها أبا

стр. 67

بكر الصديق ﵁ حين توفي خرجت فسألت من حضرها من المهاجرين فقالت: إن هذا يوم شديد البرد، وأنا صائمة، فهل علي من غسل؟ فقالوا: لا، رواه مالك. (٤) غسل الإحرام: يندب الغسل لمن أراد أن يحرم بحج أو عمرة عند الجمهور، لحديث زيد ابن ثابت (أنه رأى رسول الله ﷺ تجرد لاهلاله واغتسل، رواه الدارقطني والبيهقي والترمذي وحسنه، وضعفه العقيلي. (٥) غسل دخول مكة: يستحب لمن أراد دخول مكة أن يغتسل، لما روي عن ابن عمر ﵄: (أنه كان لا يقدم مكة إلا بات بذى طوى حتى يصبح ثم يدخل مكة نهارا) ، ويذكر عن النبي ﷺ أنه فعله، رواه البخاري ومسلم، وهذا لفظ مسلم، وقال ابن المنذر: الاغتسال عند دخول مكة مستحب عند جميع العلماء، وليس في تركه عندهم فدية، وقال أكثرهم: يجزئ عنه الوضوء. (٦) غسل الوقوف بعرفة: يندب الغسل لمن أراد الوقوف بعرفة الحج، لما رواه مالك بن نافع: (أن عبد الله ابن عمر ﵄ كان يغتسل لاحرامه قبل أن يحرم، ولدخول مكة، ولوقوفه عشية عرفة) . أركان الغسل لا تتم حقيقة الغسل المشروع إلا بأمرين: (١) النية: إذ هي المميزة للعبادة عن العادة، وليست النية إلا عملا قلبيا محضا. وأما ما درج عليه كثير من الناس واعتادوه من التلفظ بها فهو محدث غير مشروع، ينبغي هجره والاعراض عنه وقد تقدم الكلام على حقيقة النية في الوضوء.

стр. 68

(٢) غسل جميع الأعضاء: لقول الله تعالى: (وإن كنتم جنبا فاطهروا) أي اغتسلوا، وقوله: (يسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن) : أي يغتسلن. والدليل على أن المراد بالتطهر الغسل، ما جاء صريحا في قول الله تعالى: (يأيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون، ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا) وحقيقة الاغتسال، غسل جميع الاعضاء. سننه: يسن للمغتسل مراعاة فعل الرسول ﷺ في غسله فيبدأ (١) بغسل يديه ثلاثا (٢) ثم يغسل فرجه (٣) ثم يتوضأ وضوءا كاملا كالوضوء للصلاة، وله تأخير غسل رجليه إلى أن يتم غسله، إذا كان يغتسل في طست ونحوه (٤) ثم يفيض الماء على رأسه ثلاثا مع تخليل الشعر، ليصل الماء إلى أصوله (٥) ثم يفيض الماء على سائر البدن بادئا بالشق الايمن ثم الايسر مع تعاهد الابطين وداخل الاذنين والسرة وأصابع الرجلين وذلك ما يمكن دلكه من البدن. وأصل ذلك كله ما جاء عن عائشة ﵂ (أن النبي ﷺ كان إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه، ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يأخذ الماء ويدخل أصابعه في أصول الشعر حتى إذا رأى أنه قد استبرأ (١) حفن على رأسه ثلاث حثيات، ثم أفاض على سائر جسده) ، رواه البخاري ومسلم. وفي رواية لهما: (ثم يخلل بيديه شعره، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليه الماء ثلاث مرات) ، ولهما عنها أيضا قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة دعا بشئ نحو الحلاب (٢) فأخذ بكفه فبدأ بشق رأسه الايمن ثم الايسر، ثم أخذ بكفيه فقلبهما على رأسه) وعن ميمونة ﵂ قالت: وضعت للنبي ﷺ ماء يغتسل به، فأفرغ على يديه فغسلهما مرتين أو ثلاثا ثم أفرغ بيمينه على شماله فغسل مذاكيره، ثم دلك يده بالارض ثم مضمض

стр. 69

واستنشق، ثم غسل وجهه ويديه، ثم غسل رأسه ثلاثا، ثم أفرغ على جسده، ثم تنحى من مقامه فغسل قدميه، قالت: فأتيته بخرقة فلم يردها (١) وجعل ينفض الماء بيده رواه الجماعة. غسل المرأة: غسل المرأة كغسل الرجل، إلا أن المرأة لا يجب عليها أن تنقض ضفيرتها، إن وصل الماء إلى أصل الشعر، لحديث أم سلمة ﵂، أن امرأة قالت يا رسول الله، إني امرأة أشد ضفر رأسي، أفأنقضه للجنابة؟ قال: (إنما يكفيك أن تحثي عليه ثلاث حثيات من ماء ثم تفضي على سائر جسدك، فإذا أنت قد طهرت) رواه أحمد ومسلم والترمذي وقال: حسن صحيح، وعن عبيد بن عمير ﵁ قال: بلغ عائشة ﵂ أن عبد الله بن عمرو يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن فقالت: (يا عجبا لابن عمر، يأمر النساء إذا اغتسلن بنقض رؤوسهن، أفلا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن لقد كنت اغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، وما أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات) رواه أحمد ومسلم، ويستحب للمرأة إذا اغتسلت من حيض أو نفاس، أن تأخذ قطعة من قطن ونحوه، وتضيف إليها مسكا أو طيبا ثم تتبع بها أثر الدم، لتطيب المحل وتدفع عنه رائحة الدم الكريهة. فعن عائشة ﵂: أن أسماء بنت يزيد سألت النبي ﷺ عن غسل المحيض قال: (تأخذ إحداكم ماءها وسدرتها فتطهر فتحسن الطهور (٢) ثم تصب على رأسها فتدلكه دلكا شديدا حتى يبلغ شئون رأسها، ثم تصب عليها الماء، ثم تأخذ فرصة ممسكة فتطهر بها) قالت أسماء: وكيف تطهر بها؟ قال: (سبحان الله! تطهري بها) فقالت عائشة كأنها تخفي ذلك. تتبعي أثر الدم: وسألته عن غسل الجنابة فقال: (تأخذي ماءك

стр. 70

فتطهرين فتحسنين الطهور أو أبلغي الطهور، ثم تصب على رأسها فتدلكه حتى يبلغ شئون رأسها ثم تفيض عليها الماء) فقالت عائشة: (نعم النساء نساء الانصار، لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين) رواه الجماعة إلا الترمذي. مسائل تتعلق بالغسل: ١ - يجزئ غسل واحد عن حيض وجنابة، أو عن جمعة وعيد، أو عن جنابة وجمعة، وإذا نوى الكل، لقول رسول الله ﷺ : (وإنما لكل امرئ ما نوى) . ٢ - إذا اغتسل من الجنابة، ولم يكن قد توضأ يقوم الغسل عن الوضوء، قالت عائشة: (كان رسول الله ﷺ لا يتوضأ بعد الغسل) . وعن ابن عمر ﵄ أنه قال لرجل - قال له: إني أتوضأ بعد الغسل - فقال له: لقد تغمقت، وقال أبو بكر ابن العربي: لم يختلف العلماء أن الوضوء داخل تحت الغسل، وأن نية طهارة الجنابة تأتي على طهارة الحدث وتقضي عليها، لان موانع الجنابة أكثر من موانع الحدث، فدخل الاقل في نية الاكثر، وأجزأت نية الاكبر عنه. ٣ - يجوز للجنب والحائض إزالة الشعر، وقص الظفر والخروج إلى السوق وغيره من غير كراهية. قال عطاء يحتجم الجنب، ويقلم أظافره، ويحلق رأسه، وإن لم يتوضأ رواه البخاري. ٤ - لا بأس بدخول الحمام، إن سلم الداخل من النظر إلى العورات، وسلم من نظر الناس إلى عورته. قال أحمد: إن علمت أن كل من في الحمام عليه إزار فادخله، وإلا فلا تدخل. وفي الحديث عن رسول الله ﷺ : (لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا تنظر المرأة إلى عورة المرأة) . وذكر الله في الحمام لا حرج فيه، فإن ذكر الله في كل حال حسن، ما لم يرد ما يمنع، وكان رسول الله ﷺ ، يذكر الله على كل أحيانه. ٥ - لا بأس بتنشيف الاعضاء بمنديل ونحوه، في الغسل والوضوء، صيفا وشتاء.

стр. 71

٦ - يجوز للرجل أن يغتسل ببقية الماء الذي اغتسلت منه المرأة والعكس، كما يجوز لهما أن يغتسلا معا من إناء واحد. فعن ابن عباس قال: اغتسل بعض أزواج النبي ﷺ في جفنة، فجاء النبي ﷺ ليتوضأ منها، أو يغتسل، فقالت له يا رسول الله: إني كنت جنبا! فقال: (إن الماء لا يجنب) . رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي، وقال: حسن صحيح. وكانت عائشة تغتسل مع رسول الله ﷺ من إناء واحد، فيبادرهما وتبادره، حتى يقول لها: دعي لي، وتقول له: دع لي (١) . ٧ - لا يجوز الاغتسال عريانا بين الناس، لان كشف العورة محرم، فإن استتر بثوب ونحوه فلا بأس. فقد كان رسول الله ﷺ تستره فاطمة بثوب ويغتسل، أما لو اغتسل عريانا بعيدا عن أعين الناس فلا مانع منه، فقد اغتسل موسى ﵇ عريانا، كما رواه البخاري فعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (بينا أيوب ﵇ يغتسل عريانا فخر عليه جراد من ذهب، فجعل أيوب يحثي في ثوبه. فناداه ربه ﵎: (يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى وعزتك، ولكن لا غنى لي عن بركتك) رواه أحمد والبخاري والنسائي. التيمم: ١ - تعريفه: المعنى اللغوي للتيمم: القصد. والشرعي: القصد إلى الصعيد، لمسح الوجه واليدين، بنية استباحة الصلاة ونحوها. ٢ - دليل مشروعيته: ثبتت مشروعيته بالكتاب والسنة والاجماع. أما الكتاب فلقول الله تعالى: (وإن كنتم مرضى أو على سفر، أو جاء أحد منكم من الغائط، أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا) (٢) .

стр. 72

وأما السنة، فلحديث أبي أمامة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (جعلت الارض كلها لي ولامتي مسجدا وطهورا، فأينما أدركت رجلا من أمتي الصلاة فعنده طهوره) رواه أحمد. وأما الاجماع، فلان المسلمين أجمعوا على أن التيمم مشروع، بدلا من الوضوء والغسل في أحوال خاصة. ٣ - اختصاص هذه الامة به: وهو من الخصائص التي خص الله بها هذه الامة. فعن جابر ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: (أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي. نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الارض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لاحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث في قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة) . رواه الشيخان. ٤ - سبب مشروعيته: روت عائشة ﵂ قالت: خرجنا مع النبي ﷺ في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء انقطع عقد لي، فأقام النبي ﷺ على التماسه، وأقام الناس معه، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فأتى الناس إلى أبي بكر ﵁ فقالوا: ألا ترى إلى ما صنعت عائشة؟ فجاء أبو بكر، والنبي ﷺ على فخذي قد نام، فعاتبني وقال ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعن بيده خاصرتي فما يمنعني من التحرك إلا مكان النبي ﷺ على فخذي، فنام حتى أصبح على غير ماء، فأنزل الله تعالى آية التيمم (فتيمموا) قال السيد بن حضير: ما هي أول (١) بركتكم يا آل أبي بكر!! فقالت: فبعثنا البعير الذي كنت عليه، فوجدنا العقد تحته) . رواه الجماعة إلا الترمذي. ٥ - الاسباب المبيحة له: يباح التيمم للمحدث حدثا أصغر أو أكبر، في الحضر والسفر، إذا وجد سبب من الاسباب الاتية: ا - إذا لم يجد الماء، أو وجد منه ما لا يكفيه للطهارة، لحديث عمران بن حصين ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر،

стр. 73

فصلى بالناس، فإذا هو رجل معتزل فقال: (ما منعك أن تصلي؟) قال: أصابتني جنابة، ولا ماء. قال: (عليك بالصعيد فإنه يكفيك) رواه الشيخان. وعن أبي ذر ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: (إن الصعيد طهور لمن لم يجد الماء عشر سنين) رواه أصحاب السنن، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. لكن يجب عليه - قبل أن يتيمم - أن يطلب الماء من رجله، أو من رفقته، أو ما قرب منه عادة، فإذا تيقن عدمه، أو أنه بعيد عنه، لا يجب عليه الطلب. ب - إذا كان به جراحة أو مرض، وخاف من استعمال الماء زيادة المرض أو تأخر الشفاء، سواء عرف ذلك بالتجربة أو بإخبار الثقة من الاطباء، لحديث جابر رضي الله عليه قال، خرجنا في سفر، فأصاب رجلا منا حجر، فشجه في رأسه ثم احتلم، فسأل أصحابه: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات. فلما قدمنا على رسول الله ﷺ أخبر بذلك فقال: (قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذا لم يعلموا؟ فإنما شفاء العي السؤال (١) . إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب على جرحه خرقة ثم يمسح عليه، ويغسل سائر جسده) رواه أبو داود وابن ماجه والدارقطني، وصححه ابن السكن. ج - إذا كان الماء شديد البرودة، وغلب على ظنه حصول ضرر بإستعماله بشرط أن يعجز عن تسخينه ولو بالاجر، أولا يتيسر له دخول الحمام، لحديث عمرو بن العاص ﵁، أنه لما بعث في غزوة ذات السلاسل قال: احتملت في ليلة شديدة البرودة، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح. فلما قدمنا على رسول الله ﷺ ذكروا ذلك له فقال: (يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟) . فقلت: ذكرت قول الله عزوجل: (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما) (٢) فتيممت ثم صليت. فضحك رسول الله ولم يقل شيئا. رواه أحمد وأبو داود والحاكم والدارقطني وابن حبان، وعلقه البخاري. وفي هذا إقرار، والاقرار حجة لانه ﷺ لا يقر على باطل.

стр. 74

د - إذا كان الماء قريبا منه، إلا أنه يخاف على نفسه أو عرضه أو ماله أو فوت الرفقة، أو حال بينه وبين الماء عدو يخشى منه، سواء كان العدو آدميا أو غيره، أو كان مسجونا، أو عجز عن استخراجه، لفقد آلة الماء، كحبل ودلو، لان وجود الماء في هذه الاحوال كعدمه، وكذلك من خاف إن اغتسل أن يرمي بما هو برئ منه ويتضرر به، جاز التيمم (١) . - إذا احتاج إلى الماء حالا أو مآلا لشربه أو شرب غيره، ولو كان كلبا غير عقور، أو احتاج له لعجن أو طبخ وإزالة نجاسة غير معفو عنها، فإنه يتيمم ويحفظ ما معه من الماء. قال الامام أحمد ﵁: عدة من الصحابة تيمموا وحبسوا لماء لشفاههم. وعن علي ﵁ أنه قال - في الرجل يكون في السفر، فتصيبه الجنابة، ومعه قليل من الماء، يخاف أن يعطش -: يتيمم ولا يغتسل. رواه الدارقطني. قال ابن تيمية: ومن كان حاقنا عادما للماء، فالافضل أن يصلي بالتيمم غير حاقن من أن يحفظ وضوءه ويصلي حاقنا. و إذا كان قادرا على استعمال الماء، لكنه خشي خروج الوقت باستعماله في الوضوء أو الغسل، فأنه يتيمم ويصلي، ولا اعادة عليه. ٦ - الصعيد الذي يتيمم به: يجوز التيمم بالتراب الطاهر وكل ما كان من جنس الارض، كالرمل والحجر والرجص. لقول الله تعالى: (فتيمموا صعيدا طيبا) وقد أجمع أهل اللغة، على أن الصعيد وجه الارض، ترابا كان أو غيره. ٧ - كيفية التيمم: على المتيمم أن يقدم النية (٢) . وتقدم الكلام عليها في الوضوء، ثم يسمي الله تعالى، ويضرب بيديه الصعيد الطاهر، ويمسح بهما وجهه ويديه إلى الرسغين. ولم يرد في ذلك أصح ولا أصرح من حديث عمار ﵁ قال: اجنبت فلم أصب الماء فتمعكت في الصعيد (٣) وصليت، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: (إنما كان يكفيك هكذا) وضرب النبي ﷺ بكفيه الارض (وتنفخ فيهما) ثم مسح بهما

стр. 75

وجهه وكفيه) . رواه الشيخان. وفي لفظ آخر: (إنما كان يكفيك أن تضرب بكفيك في التراب، ثم تنفخ فيهما، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك إلى الرسغين) رواه الدارقطني. ففي هذا الحديث، الاكتفاء بضربة واحدة، والاقتصار في مسح اليدين على الكفين، وان من السنة لمن تيمم بالتراب، أن ينفض يديه وينفخهما منه، ولا يعفر به وجهه. ٨ - ما يباح به التيمم: التيمم بدل من الوضوء والغسل عند عدم الماء فيباح به ما يباح بهما، من الصلاة ومس المصحف وغيرهما، ولا يشترط لصحته دخول الوقت، وللمتيمم أن يصلي بالتيمم الواحد ما شاء من الفرائض والنوافل، فحكمه كحكم الوضوء، سواء بسواء، فعن أبي ذر ﵁، أن النبي ﷺ قال: (إن الصعيد طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين. فإذا وجد الماء فليمسه بشرته فإن ذلك خير) رواه أحمد والترمذي وصححه. ٩ - نواقضه: ينقض التيمم كل ما ينقض الوضوء، لانه بدل منه، كما ينقضه وجود الماء لمن فقده، أو القدرة على استعماله، لمن عجز عنه. لكن إذا صلى بالتيمم، ثم وجد الماء، أو قدر على استعماله بعد الفراغ من الصلاة، لا تجب عليه الاعادة، وإن كان الوقت باقيا، فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: خرج رجلان في سفر، فحضرت الصلاة وليس معهما ماء فتيمما صعيدا طيبا فصليا، ثم وجد الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الوضوء والصلاة، ولم يعد الاخر، ثم أتيا رسول الله ﷺ ، فذكرا له ذلك، فقال للذي لم يعد: (أصبت السنة وأجزأتك صلاتك) وقال للذي توضأ وأعاد: (لك الاجر مرتين) رواه أبو داود والنسائي. أما إذا وجد الماء وقدر على استعماله بعد الدخول في الصلاة، وقبل الفراغ منها، فإن وضوءه ينتقض، ويجب عليه التطهر بالماء، لحديث أبي ذر المتقدم. وإذا تيمم الجنب أو الحائض لسبب من الاسباب المبيحة للتيمم وصلى، لا تجب عليه إعادة الصلاة. ويجب عليه الغسل متى قدر على استعمال الماء، لحديث عمر ﵁ قال: (صلى رسول الله ﷺ بالناس، فلما انفتل من صلاته إذا هو
следующие страницы →