وعند أبي يوسف أن المطلقة في هذه الحال تعتد عدة الطلاق وإن كانت مدتها أقل من أربعة أشهر وعشر.
ويرى الشافعي في أظهر قوليه: أنها لا ترث كالمطلقة طلاقا بائنا في الصحة.
وحجته أن الزوجية قد انتهت بالطلاق قبل الموت فقد زال السبب في الميراث.
ولا عبرة بمظنة الفرار، لان الاحكام الشرعية تناط بالاسباب الظاهرة لا بالنيات الخفية.
واتفقوا على أنه إن أبانها في مرضه فماتت المرأة فلا ميراث له.
وكذلك تتحول العدة من الحيض إلى الاشهر في حق من حاضت حيضة أو حيضتين ثم يئست من الحيض فإنها حينئذ يجب عليها أن تعتد بثلاثة أشهر، لان إكمال العدة بالحيض غير ممكن، لانقطاعه، ويمكن إكمالها باستئنافها بالشهور والشهور بدل عن الحيض.
تحول العدة من الاشهر إلى الحيض: إذا شرعت المرأة في العدة بالشهور لصغرها أو لبلوغها سن الاياس ثم حاضت، لزمها الانتقال إلى الحيض.
لان الشهور بدل عن الحيض فلا يجوز الاعتداد بها مع وجود أصلها.
وإن انقضت عدتها بالشهور، ثم حاضت، لم يلزمها الاستئناف للعدة بالاقراء، لان هذا حدث بعد انقضاء العدة .
وإن شرعت في العدة بالاقراء أو الاشهر، ثم ظهر لها حمل من الزوج، فإن العدة تتحول إلى وضع الحمل، والحمل دليل على براءة الرحم من جهة القطع.
إنقضاء العدة:
إذا كانت المرأة حاملا فإن عدتها تنقضي بوضع الحمل، وإذا كانت العدة بالاشهر، فإنها تحتسب من وقت (١) الفرقة أو الوفاة حتى تستكمل ثلاثة
стр. 1087
أشهر أو أربعة أشهر وعشرا، وإذا كانت بالحيض فإنها تنقضي بثلاث حيضات وذلك يعرف من جهة المرأة نفسها (١)
لزوم المعتدة بيت الزوجية:
يجب على المعتدة أن تلزم بيت الزوجية حتى تنقضي عدتها، ولا يحل لها أن تخرج منه، ولا يحل لزوجها أن يخرجها منه، ولو وقع الطلاق أن حصلت الفرقة وهي غير موجودة في بيت الزوجية وجب عليها أن تعود إليه بمجرد علمها: يقول الله تعالى: " يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن واحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة (٢) ، وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه " (٣) .
وعن الفريعة بنت مالك بن سنان - وهي أخت أبي سعيد الخدري: أنها جاءت إلى رسول الله ﷺ تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة، فإن زوجها خرج في طلب أعبد له أبقوا (٤) ، حتى إذا كانوا بطرف القدوم (٥) لحقهم فقتلوه، فسألت رسول الله ﷺ أن أرجع إلى أهلي فإني لم يتركني في مسكن يملكه ولانفقة؟، قالت: فقال رسول الله ﷺ : نعم، قالت: فخرجت حتى إذا كنت في
стр. 1088
الحجرة أو في المسجد دعاني أو أمربي فدعيت له فقال: كيف قلت؟ فرددت عليه القصة التي ذكرت من شأن زوجي، فقال: امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله.
قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا.
قالت: فلما كان عثمان بن عفان أرسل إلي فسألني عن ذلك فأخبرته، فأتبعه وقضى به.
رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي وقال حسن صحيح.
وكان عمر يرد المتوفى عنهن أزواجهن من البيداء ويمنعهن الحج.
ويستثنى من ذلك المرأة البدوية إذا توفي عنها زوجها فإنها ترتحل مع أهلها إذ اكان أهلها من أهل الارتحال.
وخالف في ذلك عائشة وابن عباس وجابر بن زيد والحسن وعطاء، وروي عن علي وجابر.
فقد كانت عائشة تفتي المتوفى عنها زوجها بالخروج في عدتها وخرجت بأختها أم كلثوم، حين قتل عنها طلحة بن عبد الله إلى مكة في عمرة.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا ابن جريج قال أخبرني عطاء عن ابن عباس أنه قال: إنما قال الله عزوجل: تعتد أربعة أشهر وعشرا، ولم يقل تعتد في بيتها، فتعتد حيث شاءت.
وروى أبو داود عن ابن عباس أيضا قال: نسخت هذه الاية عدتها عند أهله، وسكتت في وصيتها، وإن شاءت خرجت، لقول الله تعالى: " فإن خرجن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن (١) " قال عطاء: ثم جاء الميراث فنسخ السكنى تعتد حيث شاءت.
اختلاف الفقهاء في خروج المرأة في العدة: وقد اختلف الفقهاء في خروج المرأة في العدة.
فذهب الاحناف إلى أنه لا يجوز للمطلقة الرجعية ولا للبائن الخروج من بيتها ليلا ولانهارا.
وأما المتوفى عنها زوجها فتخرج نهارا وبعض الليل، ولكن لا تبيت إلا في منزلها.
قالوا: والفرق بينهما أن المطلقة نفقتها في مال زوجها، فلا يجوز لها
стр. 1089
الخروج كالزوجة، بخلاف المتوفى عنها زوجها فإنها لانفقة لها، فلابد أن تخرج بالنهار لاصلاح حالها.
قالوا: وعليها أن تعتد في المنزل الذي يضاف إليها بالسكنى حال وقوع الفرقة.
وقالوا: فإن كان نصيبها من دار الميت لا يكفيها، أو أخرجها الورثة من نصيبهم انتقلت، لان هذا عذر، والكون في بيتها عبادة، والعبادة تسقط بالعذر، وعندهم: ان عجزت عن كراء البيت الذي هي فيه لكثرته، فلها أن تنتقل إلى بيت أقل كراء منه.
وهذا من كلامهم يدل على أن أجرة المسكن عليها.
وإنما تسقط السكنى عنها لعجزها عن أجرته، ولهذا صرحوا بأنها تسكن في نصيبها من التركة إن كفاها.
وهذا لانه لاسكنى عندهم للمتوفى عنها زوجها - حاملا كانت أو حائلا - (١) وإنما عليها أن تلزم مسكنها الذي توفي زوجها وهي فيه، ليلا ونهارا.
فإن بدله لها الورثة، وإلا كانت الاجرة عليها.
ومذهب الحنابلة جواز بالخروج نهارا، سواء كانت مطلقة أو متوفى عنها زوجها.
قال ابن قدامة: وللمعتدة الخروج في حوائجها نهارا، سواء كانت مطلقة أو متوفي عنها زوجها، قال جابر: طلقت خالتي ثلاثا فخرجت تجد (٢) نخلها فلقيها رجل فنهاها فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: " أخرجي فجذي نخلك لعلك أن تتصدقي منه أو تفعلي خيرا " رواه النسائي وأبو داود، وروى مجاهد، قال: استشهد رجال يوم أحد فجاء نساؤهم رسول الله، وقلن: يارسول الله نستوحش بالليل أفنبيت عند إحدانا؟ فإذا أصبحنا بادرنا إلى بيوتنا؟ فقال: " تحدثن عند إحداكن حتى إذا أردتن النوم فلتؤب كل واحدة إلى بيتها ".
وليس لها المبيت في غير بيتها، ولا الخروج ليلا إلا لضرورة، لان الليل
стр. 1090
مظنة الفساد، بخلاف النهار، فإن فيه قضاء الحوائج والمعاش وشراء ما يحتاج إليه.
حداد المعتدة:
يجب على المرأة أن تحد على زوجها المتوفى مدة العدة، وهذا متفق عليه بين الفقهاء واختلفوا في المطلقة طلاقا بائنا.
فقال الاحناف: يجب عليها الاحداد.
وذهب غيرهم إلى أنه لا حداد عليها.
وتقدم في المجلد الاول حقيقة الحداد (١) .
نفقة المعتدة:
اتفق الفقهاء على أن المطلقة طلاقا رجعيا تستحق النفقة والسكنى.
واختلفوا في المبتوتة؟ فقال أبو حنيفة: لها النفقة والسكنى مثل المطلقة الرجعية، لانها مكلفة بقضاء مدة العدة في بيت الزوجية، فهي محتبسة لحقه عليها فتجب لها النفقة، وتعتبر هذه النفقة دينا صحيحا من وقت الطلاق، ولا تتوقف على التراضي ولاقضاء القاضي، ولا يسقط هذا الدين إلا بالاداء أو الابراء.
وقال أحمد: لا نفقة لها ولاسكنى، لحديث فاطمة بنت قيس: أن زوجها طلقها البتة، فقال لها الرسول ﷺ : " ليس لك عليه نفقة ".
وقال الشافعي ومالك: لها السكنى بكل حال ولا نفقة لها إلا أن تكون
حاملا، لان عائشة وابن المسيب أنكرا على فاطمة بنت قيس حديثها، قال مالك: سمعت ابن شهاب يقول: المبتوتة لا تخرج من بيتها حتى تحل، وليست لها نفقة، إلا أن تكون حاملا فينفق عليها حتى تضع حملها، ثم قال: وهذا الامر عندنا.
стр. 1091
الحضانة:
معناها: الحضانة مأخوذة من الحيض، وهو ما دون الابط إلى الكشح، وحضنا الشئ جانباه، وحضن الطائر بيضه إذا ضمه إلى نفسه تحت جناحه، وكذلك المرأة إذا ضمت ولدها.
وعرفها الفقهاء: بأنها عبارة عن القيام بحفظ الصغير، أو الصغيرة (١) ، أو المعتوه الذي لا يميز ولا يستقل بأمره، وتعهده بما يصلحه، ووقايته مما يوذيه ويضره، وتربيته جسميا ونفسيا وعقليا، كي يقوى على النهوض بتبعات الحياة والاضطلاع بمسئولياتها.
والحضانة بالنسبة للصغير أو للصغيرة واجبة، لان الاهمال فيها يعرض الطفل للهلاك والضياع.
الحضانة حق مشترك: الحضانة حق للصغير لاحتياجه إلى من يرعاه، ويحفظه، ويقوم على شئونه، ويتولى تربيته.
ولامه الحق في احتضانه كذلك، لقول الرسول ﷺ : " أنت أحق به ".
وإذا كانت الحضانة حقا للصغير فإن الام تجبر عليها إذا تعينت بأن يحتاج الطفل إليها ولم يوجد غيرها، كي لا يضيع حقه في التربية والتأديب.
стр. 1092
فإن لم تتعين الحضانة بأن كان للطفل جدة ورضيت بإمساكه وامتنعت الام فإن حقها في الحضانة يسقط بإسقاطها إياه، لان الحضانة حق لها.
وقد جاء في بعض الاحكام التي أصدرها القضاء الشرعي ما يؤيد هذا، فقد أصدرت محكمة جرجا في ٢٣ / ٧ / ١٩٣٣ ما يلي: " إن لكل من الحاضنة والمحضون حقا في الحضانة، إلا أن حق المحضون أقوى من حق الحاضنة، وإن إسقاط الحاضنة حقها لا يسقط حق الصغير ".
وجاء في حكم محكمة العياط في ٧ أكتوبر سنة ١٩٢٨: " إن تبرع غير الام بنفقة المحضون الرضيع لا يسقط حقها في حضانة هذا الرضيع، بل يبقى في يدها ولا ينزع منها مادام رضيعا.
وذلك حتى لا يضار الصغير بحرمانه من أمه التي هي أشفق الناس عليه وأكثرهم صبرا على خدمته (١) ".
الأم أحق بالولد من أبيه:
أسمى لون من ألوان التربية هو تربية الطفل في أحضان والديه، إذ ينال من رعايتهما وحسن قيامهما عليه ما يبني جسمه وينمي عقله، ويزكي نفسه ويعده لحياة.
فإذا حدث ان افترق الوالدان وبينهما طفل، فالام أحق به من الاب، ما لم يقم بالام مانع يمنع تقديمها (٢) ، أو بالولد وصف يقتضي تخييره (٣) .
وسبب تقديم الام أن لها ولاية الحضانة والرضاع، لانها أعرف بالتربية وأقدر عليها، ولها من الصبر في هذه الناحية ما ليس للرجل، وعندها من الوقت ما ليس عنده، لهذا قدمت الام رعاية لمصلحة الطفل.
فعن عبد الله بن عمرو أن امرأة قالت: يارسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء (٤) ، وحجري له حواء (٥) وثديي له سقاء، وزعم أبوه أنه ينزعه مني، فقال: " أنت أحق به ما لم تنكحي ".
стр. 1093
اخرجه أحمد وأبو داود والبيهقي والحاكم وصححه.
وعن يحيى بن سعيد قال: سمعت القاسم بن محمد يقول: كانت عند عمربن الخطاب امرأة من الانصار، فولدت له عاصم بن عمر، ثم إن عمر فارقها، فجاء عسر قباء - فوجد ابنه عاصما يلعب بفناء المسجد.
فأخذ بعضده فوضعه بين يديه على الدابة، فأدركته جدة الغلام، فنازعته إياه حتى أتيا أبا بكر الصديق.
فقال عمر: ابني، وقالت المرأة: ابني.
فقال أبو بكر: خل بينها وبينه.
فما راجعه عمر الكلام (١) .
رواه مالك في الموطأ.
قال ابن عبد البر: هذا الحديث مشهور من وجوه منقطعة ومتصلة، تلقاه أهل العلم بالقبول.
وفي بعض الروايات أنه قال له: " الام أعطف وألطف وأرحم وأحنى وأخير وأرأف، وهي أحق بولدها ما لم تتزوج ".
وهذا الذي قاله أبو بكر ﵁ من كون الام أعطف وألطف هو العلة في أحقية الام بولدها الصغير.
ترتيب أصحاب الحقوق في الحضانة: وإذا كانت الحضانة للام ابتداء فقد لاحظ الفقهاء أن قرابة الام تقدم على قرابة الاب، وأن الترتيب بين أصحاب الحق في الحضانة يكون على هذا النحو. الام: فإذا وجد مانع يمنع تقديمها (٢) انتقلت الحضانة إلى أم الام، وإن علت. فإن وجد مانع انتقلت إلى أم الاب، ثم إلى الاخت الشقيقة. ثم الاخت لام، ثم الاخت لاب، ثم بنت الاخت الشقيقة فبنت الاخت لام. ثم الخالة الشقيقة، فالخالة لام. فالخالة لاب. ثم بنت الاخت لاب. ثم بنت الاخ الشقيق، فبنت الاخ لام، فبنت الاخ لاب، ثم العمة الشقيقة، فالعمة
стр. 1094
لام فالعمة لاب، ثم خالة الام، فخالة الاب، فعمة الام، فعمة الاب، بتقديم الشقيقة في كل منهن.
فإذا لم توجد للصغير قريبات من هذه المحارم، أو وجدت وليست أهلا للحضانة، انتقلت الحضانة إلى العصبات من المحارم، من الرجال على حسب الترتيب في الارث.
فينتقل حق الحضانة إلى الاب، ثم أبي أبيه، وإن علا، ثم إلى الاخ الشقيق، ثم إلى الاخ الاب، ثم ابن الاخ الشقيق، ثم ابن الاخ الاب، ثم الغم الشقيق، فالعم لاب، ثم عم أبيه الشقيق، ثم عم أبيه لاب.
فإذا لم يوجد من عصبته من الرجال المحارم أحد، أو وجد وليس أهلا للحضانة، انتقل حق الحضانة إلى محارمه من الرجال غير العصبة.
فيكون للجد لام، ثم للاخ لام، ثم لابن الاخ لام، ثم للعم لام، ثم للخال الشقيق، فالخال لاب، فالخال لام.
فإذا لم يكن للصغير قريب عين القاضي له حاضنة تقوم بتربيته.
وإنما كان ترتيب الحضانة على هذا النحو، لان حضانة الطفل أمر لابد منه، وأولى الناس به قرابته، وبعض القرابة أولى من بعض.
فيقدم الاولياء لكون ولاية النظر في مصالحه إليهم ابتداءا، فإذا لم يكونوا موجودين، أو كانوا ووجد ما يمنعهم من الحضانة، انتقلت إلى الاقرب فالاقرب.
فإن لم يكن ثمة قريب، فإن الحاكم مسئول عن تعيين من يصلح للحضانة.
شروط الحضانة:
يشترط في الحاضنة التي تتولى تربية الصغير وتقوم على شئونه، الكفاءة والقدرة على الاضطلاع بهذه المهمة، وإنما تتحقق القدرة والكفاءة بتوفر شروط معينة، فإذا لم يتوفر شرط منها سقطت الحضانة، وهذه الشروط هي:
١ - العقل: فلا حضانة لمعتوه، ولا مجنون، وكلاهما لايستطيع القيام بتدبير نفسه، فلا يفوض له أمر تدبير غيره، لان فاقد الشئ لايعطيه
стр. 1095
٢ - البلوغ: لان الصغير ولو كان مميزا في حاجة إلى من يتولى أمره ويحضنه، فلا يتولى هو أمر غيره.
٣ - القدرة على التربية: فلا حضانة لكفيفة، أو ضعيفة البصر، ولا لمريضة مرضا معديا، أو مرضا يعجزها عن القيام بشئونه، ولا لمتقدمة في السن تقدما يحوجها إلى رعاية غيرها لها. ولا لمهملة لشئون بيتها كثيرة المغادرة له، بحيث يخشى من هذا الاهمال ضياع الطفل وإلحاق الضرر به. أو لقاطنة مع مريض مرضا معديا، أو مع من يبغض الطفل، ولو كان قريبا له، حيث لا تتوفر له الرعاية الكافية، ولا الجو الصالح.
٤ - الامانة والخلق: لان الفاسقة غير مأمونة على الصغير ولا يوثق بها في أداء واجب الحضانة، وربما نشأ على طريقتها ومتخلقا بأخلاقها، وقد ناقش ابن القيم هذا الشرط فقال: " مع أن الصواب أنه لا تشترط العدالة في الحاضن قطعا وإن شرطها أصحاب أحمد والشافعي رحمهما الله وغيرهم. واشتراطها في غاية البعد.
ولو اشترط في الحاضن العدالة لضاع أطفال العالم، ولعظمت المشقة على الامة، واشتد العنت ولم يزل من حين قام الاسلام إلى أن تقوم الساعة أطفال الفساق بينهم، لا يتعرض لهم أحد في الدنيا مع كونهم هم الاكثرين، ومتى وقع في الاسلام انتزاع الطفل من أبويه أو أحدهما بفسقه، وهذا في الحرج والعسر واستمرار العمل المتصل في سائر الامصار والاعصار على خلافة بمنزلة اشتراط العدالة في ولاية النكاح، فإنه دائم الوقوع في الامصار والاعصار والقرى والبوادي مع أن أكثر الاولياء الذين يلون ذلك فساق، ولم يزل الفسق في الناس.
" ولم يمنع النبي ﷺ ولا أحد من الصحابة فاسقا في تربية ابنه وحضانته له، ولامن تزويجه موليته.
والعادة شاهدة بأن الرجل لو كان من الفساق فإنه يحتاط لابنته ولا يضيعها.
ويحرص على الخير لها بجهده وإن قدر خلاف ذلك فهو قليل بالنسبة إلى المعتاد.
والشارع يكتفي في ذلك على الباعث الطبيعي. ولو كان الفاسق مسلوب الحضانة وولاية النكاح لكان بيان هذا للامة من
стр. 1096
أهم الامور واعتناء الامة بنقله وتوارث العمل به مقدما على كثير مما نقلوه وتوارثوا العمل به.
فكيف يجوز عليهم تضييعه واتصال العمل بخلافه، ولو كان الفسق ينافي الحضانة، لكان من زنى، أو شرب الخمر، أو أتى كبيرة فرق بينه وبين أولاده الصغار والتمس لهم غيره. والله أعلم.
٥ - الاسلام: فلا تثبت الحضانة للحاضنة الكافرة للصغير المسلم، لان الحضانة ولاية، ولم يجعل الله ولاية للكافر، على المؤمن " ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا (١) "، فهي كولاية الزواج والمال، ولانه يخشى على دينه من الحاضنة لحرصها على تنشئته على دينها، وتربيته على هذا الدين، ويصعب عليه بعد ذلك أن يتحول عنه، وهذا أعظم ضرر يلحق بالطفل ففي الحديث: " كل مولود يولد على الفطرة إلا أن أبويه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه " وذهب الاحناف وابن القاسم من المالكية وأبو ثور إلى أن الحضانة تثبت للحاضنة مع كفرها وإسلام الولد لان الحضانة لا تتجاوز رضاع الطفل وخدمته، وكلاهما يجوز من الكافرة.
وروى أبو داود والنسائي: أن رافع بن سنان أسلم، وأبت امرأته أن تسلم، فأتت النبي ﷺ ، فقالت: ابنتي - وهي فطيم. أو شبهه، وقال رافع: ابنتي.
فقال النبي ﷺ : " اللهم أهدها " فمالت إلى أبيها فأخذها (٢) ..والاحناف وإن رأوا جواز حضانة الكافرة، إلا أنهم اشترطوا: أن لا تكون مرتدة، لان المرتدة عندهم تستحق الحبس حتى تتوب وتعود إلى الاسلام أو تموت في الحبس، فلا تتاح لها الفرصة لحضانة الطفل، فإن تابت وعادت عاد لها حق الحضانة (٣) .
стр. 1097
٦ - أن لا تكون متزوجة: فإذا تزوجت سقط حقها في الحضانة.
لما رواه عبد الله بن عمرو " أن امرأة قالت: يا رسول الله أن ابني هذا كان بطني له وعاء، وحجري له حواء، وثديي له سقاء، وزعم أبوه أنه ينزعه مني، فقال: " أنت أحق به ما لم تنكحي " أخرجه أحمد وأبو داود والبيهقي والحاكم وصححه.
وهذا الحكم بالنسبة للمتزوجة بأجنبي فإن تزوجت بقريب محرم من الصغير، مثل عمه، فإن حضانتها لا تسقط، لان العم صاحب حق في الحضانة وله من صلته بالطفل وقرابته منه ما يحمله على الشفقة عليه ورعاية حقه فيتم بينهما التعاون على كفالته.
بخلاف الاجنبي.
فإنها إذا تزوجته فإنه لا يعطف عليه ولا يمكنها من العناية به.
فلا يجد الجو الرحيم ولاالتنفس الطبيعي ولا الظروف التي تنمي ملكاته ومواهبه.
ويرى الحسن وابن حزم أن الحضانة لا تسقط بالتزويج بحال.
٧ - الحرية: إذ أن المملوك مشغول بحق سيده فلا يتفرغ لحضانة الطفل.
قال ابن القيم: وأما اشتراط الحرية فلا ينتهض عليه دليل يركن القلب إليه، وقد اشترط أصحاب الائمة الثلاث.
وقال مالك ﵀ في حر له ولد من أمة: " إن الام أحق به إلا أن تباع فتنتقل فيكون الاب أحق به " وهذا هو الصحيح.
أجرة الحضانة: أجرة الحضانة مثل أجرة الرضاع، لا تستحقها الام مادامت زوجة، أو معتدة، لان لها نفقة الزوجية، أو نفقة العدة، إذا كانت زوجة أو معتدة.
قال الله تعالى: " والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له (١) رزقهن وكسوتهن بالمعروف ".
أما بعد انقضاء العدة فإنها تستحق الاجرة كما تستحق أجرة الرضاع،
стр. 1098
لقول الله سبحانه: " فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن، فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن، وأتمروا بينكم بمعروف.
وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى " (١) .
وغير الام تستحق أجرة الحضانة، من وقت حضانتها، مثل الظئر التي تستأجر لرضاع الصغير.
وكما تجب أجرة الرضاع وأجرة الحضانة على الاب تجب عليه أجرة المسكن أو إعداده إذا لم يكن للام مسكن مملوك لها تحضن فيه الصغير.
وكذلك تجب عليه أجرة خادم، أو إحضاره، إذا احتاجت إلى خادم وكان الاب موسرا.
وهذا بخلاف نفقات الطفل الخاصة من طعام وكساء وفراش وعالج ونحو ذلك من حاجاته الاولية التي لا يستغني عنها، وهذه الاجرة تجب من حين قيام الحاضنة بها وتكون دينا في ذمة الاب لا يسقط إلا بالاداء أو الابراء.
التبرع بالحضانة: إذا كان في أقرباء الطفل من هو أهل للحضانة وتبرع بحضانته وأبت أمه أن تحضنه إلا بأجرة.
فإن كان الاب موسرا فإنه يجبر على دفع أجرة للام، ولا يعطى الصغير للمتبرعة، بل يبقى عند أمه، لان حضانة الام أصلح له، والاب قادر على إعطاء الاجرة.
ويختلف الحكم في حالة ما إذا كان الاب معسرا فإنه يعطى للمتبرعة لعسره وعجزه عن أداء الاجرة مع وجود المتبرعة ممن هو أهل للحضانة من أقرباء الطفل.
هذا إذا كانت النفقة واجبة على الاب.
أما إذا كان للصغير مال ينفق منه عليه فإن الطفل يعطى للمتبرعة صيانة لماله من جهة، ولوجوده من يحضنه من أقاربه من جهة أخرى.
وإذا كان الاب معسرا والصغير لا مال له، وأبت أمه أن تحضنه إلا
стр. 1099
بأجرة، ولا يوجد من محارمه متبرع بحضانته، فإن الام تجبر على حضانته، وتكون الاجرة دينا على الاب لا يسقط إلا بالاداء أو الابراء.
انتهاء الحضانة:
تنتهي الحضانة إذا استغنى الصغير أو الصغيرة عن خدمة النساء وبلغ سن التمييز والاستقلال، وقدر الواحد منهما على أن يقوم وحده بحاجاته الاولية بأن يأكل وحده، ويلبس وحده، وينظف نفسه وحده.
وليس لذلك مدة معينة تنتهي بانتهائها.
بل العبرة بالتمييز والاستغناء.
فإذا ميز الصبي واستغنى عن خدمة النساء وقام بحاجاته الاولية وحده فإن حضانتها تنتهي.
والمفتى به في المذهب الحنفي وغيره: أن مدة الحضانة تنتهي إذا أتم الغلام سبع سنين، وتنتهي كذلك إذا أتمت البنت تسع سنين.
وإنما رأوا الزيادة بالنسبة للبنت الصغيرة لتتمكن من اعتياد عادات النساء من حاضنتها.
وقد جاء تحديد سن الحضانة في القانون رقم ٢٥ لسنة ١٩٢٩ مادة ٢٠ ما نصه: (وللقاضي أن يأذن بحضانة النساء للصغير بعد سبع سنين إلى تسع.
وللصغيرة بعد تسع سنين إلى إحدى عشرة سنة إذا تعين أن مصلحتها تقتضي ذلك) فتقدير مصلحة الصغير أو الصغيرة موكول للقاضي.
وأوضحت المذكرة التفسيرية لهذا القانون هذه المادة بما نصه: " جرى العمل إلى الان، على أن حق الحضانة ينتهي عند بلوغ سن الصغير سبع سنين وبلوغ الصغيرة تسعا.
وهي سن دلت التجاوب على أنها قد لا يستغني فيها الصغير والصغيرة عن
الحضانة، فيكونان في خطر من ضمهما إلى غير النساء، خصوصا إذا كان والدهما متزوجا بغير أمهما.
ولذلك كثرت شكوى النساء من انتزاع أولادهن منهن في ذلك الوقت، ولما كان المعول عليه في مذهب الحنفية أن الصغير يسلم إلى أبيه عند الاستغناء عن خدمة النساء، والصغيرة تسلم إليه عند بلوغ حد الشهوة.
стр. 1100
وقد اختلف الفقهاء في تقدير السن التي يكون عندها الاستغناء بالنسبة للصغير.
فقدرها بعضهم بسبع سنين، وبعضهم قدرها بتسع، وقدر بعضهم بلوغ حد الشهوة بتسع سنين، وبعضهم قدره بإحدى عشرة.
رأت الوزارة أن المصلحة داعية إلى أن يكون للقاضي حرية النظر في تقدير مصلحة الصغير بعد سبع، والصغيرة بعد تسع.
فإن رأى مصحلتهما في بقائهما تحت حضانة النساء فقضى بذلك إلى تسع في الصغير وإحدى عشرة في الصغيرة.
وإن رأى مصلحتهما في غير ذلك قضى بضمهما إلى غير النساء (المادة ٢٠) (١) في السودان: وقد قرر الاستاذ الدكتور محمد يوسف موسى أن العمل في المحاكم الشرعية بالسودان كان جاريا على أن الولد تنتهي حضانته ببلوغه سبع سنين، والانثى ببلوغها تسع سنين، إلى أن صدر في السودان منشور شرعي رقم ٣٤ في ١٢ \ ١٢ \ ١٩٣٢ وجاء في المادة الاولى منه: " وللقاضي أن يأذن بحضانة النساء للصغير بعد سبع سنين إلى البلوغ، وللصغيرة بعد تسع سنين إلى الدخول.
إذا تبين أن مصلحتهما تقتضي ذلك.
وللاب وسائر الاولياء تعهد المحضون عند الحاضنة وتأديبه وتعليمه ".
ثم نص المنشور نفسه بعد ذلك في المادة الثانية منه على ما يأتي: " لا أجرة للحضانة بعد سبع سنين للصغير، وبعد تسع للصغيرة ".
стр. 1101
وفي المادة الثالثة: لو زوج الاب المحضونة، قاصدا بتزويجها إسقاط الحضانة، فلا تسقط بالدخول حتى تطيق.
وإذا رجعنا إلى النشرة العامة رقم ١٨ \ ٦ \ ١٩٤٢ الصادرة في الخرطوم في تاريخ ٥ \ ١٢ \ ١٩٤٢ نجدها شرحت هذه المواد السابقة وخلاصتها ما يأتي: ١ - أن المنشور الشرعي رقم ٣٤ زاد سن حضانة الغلام إلى البلوغ، والبنت إلى الدخول، وهذا على غير ما عرف من مذهب أبي حنيفة، وهذه هي الحالة الخاصة التي خالف فيها المنشور مذهب أبي حنيفة.
عملا بمذهب مالك.
ويظهر أنها حالة استثنائية يلزم للسير فيها الاتي:
١ - لا يمد القاضي مدة الحضانة إلا إذا طلبت الحاضنة من المحكمة الاذن لها ببقاء المحضون بيدها، لان المصلحة تقتضي ذلك مع بيان المصلحة، أو تمانع في تسليم المحضون للعاصب لهذا السبب نفسه.
فإذا لم يوافق العاصب على بقاء المحضون بيده الحاضنة تكلف الحاضنة تقديم أدلتها، أو تتولى المحكمة تحقيق وجه المصلحة للغلام أو البنت، فإذا لم تقدم أدلة، أو قدمت ولم تكن كافية للاثبات ولم يتضح للمحكمة أن المصلحة تقتضي بقاء المحضون بيد الحاضنة، فإن المحكمة تحلف العاصب اليمين بطلب الحاضنة فإن حلف على أن مصلحة المحضون لا تقتضي بقاءه بيد الحاضنة حكمت بتسليمه إليه، وإن نكل رفضت دعواه.
٢ - أما إذا لم تعارض الحاضنة في ضم المحضون للعاصب أو لم تحضر أصلا فإنه يجب على المحكمة تطبيق أحكام مذهب الامام أبي حنيفة، ويسلم المحضون الذي جاوز سن الحضانة للعاصب متى كان أهلا لذلك، ولا يطالب بإثبات أن مصلحة المحضون تقتضي بذلك.
٣ - إذا كانت الحاضنة غائبة عند طلب تسليم الصغيرة فلها أن تعارض في الحكم وتطلب بقاءه في يدها، وتتخذ المحكمة نفس الاجراءات التي اتبعت مع الحاضنة الحاضرة.
٤ - إذا أفتت المحكمة ببقاء المحضون بين النساء لمصلحة تقتضي ذلك، ثم تغير وجه المصلحة، وعرض عليها النزاع مرة أخرى أجاز لها، بعد أن
стр. 1102
تتحق من أنه لم يبق للمحضون مصلحة تقتضي بقاءه بيد الحاضن إن تقرر نزعه وتسليمه للعاصب (١) .
تخيير الصغير والصغيرة بعد انتهاء الحضانة: وإذا بلغ الصغير سبع سنين، أو سن التمييز وانتهت حضانته، فإن اتفق الاب والحاضنة على إقامته عند واحد منهما أمضي هذا الاتفاق.
وإن اختلفا أو تنازعا، خير (٢) الصغير بينهما، فمن اختاره منهما فهو أولى به، لما رواه أبو هريرة ﵁ قال: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يارسول الله: ان زوجي يريد أن يذهب بابني وقد سقاني من بئر أبي عنبة (٣) ، وقد نفعني.
فقال رسول الله ﷺ : " هذا أبوك وهذه أمك.
فخذ بيد أيهما شئت ".
فأخذ بيد أمه.
فانطلقت به.
رواه أبو داود.
وقضى بذلك عمر وعلي وشريح، وهو مذهب الشافعي والحنابلة، فإن اختارهما، أو لم يختر واحدا منهما، قدم أحدهما بالقرعة.
وقال أبو حنيفة: الاب أحق به ... ولا يصح التخيير، لانه لا قول له ولا يعرف حظه.
وربما اختار من يلعب عنده ويترك تأديبه ويمكنه من شهواته، فيؤدي إلى فساده ولانه دون البلوغ.
فلم يخير كمن دون السابعة.
وقال مالك: الام أحق به حتى يثغر.
وهذا بالنسبة للصغير، أما الصغيرة فأنها تخير مثل الصغير عند الشافعي.
وقال أبو حنيفة: الام أحق بها حتى تزوج أو تبلغ.
وقال مالك: الام أحق بها حتى تزوج ويدخل بها الزوج.
стр. 1103
وعند الحنابلة: الاب أحق بها من غير تخيير إذا بلغت تسعا، والام أحق بها إلى تسع سنين.
والشرع ليس فيه نص عام في تقديم أحد الابوين مطقا، ولا تخيير الولد بين الابوين مطلقا..والعلماء متفقون على أنه لا يتعين أحدهما مطلقا.
بل لا يقدم ذو العدوان والتفريط على البار العادل المحسن.
والمعتبر في ذلك القدرة على الحفظ والصيانة.
فإن كان الاب مهملا لذلك، أو عاجزا عنه، أو غير مرض والام بخلافه فهي أحق بالحضانة، كما أفاده ابن القيم.
قال: " فمن قدمناه بتخيير، أو قرعة، أو بنفسه، فإنما نقدمه إذا حصلت به مصلحة الولد ".
ولو كانت الام أصون من الاب وأغير منه قدمت عليه ولا التفات إلى قرعة ولا اختيار للصبي في هذه الحالة، فإنه ضعيف العقل يؤثر البطالة واللعب، فإذا اختار من يساعده على ذلك لم يلتفت إلى اختياره، وكان عند من هو أنفع له وأخير، ولا تحتمل الشريعة غير هذا.
والنبي ﷺ قد قال: " مروهم بالصلاة لسبع، واضربوهم على تركها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع ".
والله تعالى يقول: " يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة (١) ".
وقال الحسن: " علموهم.
وأدبوهم، وفقهوهم ".
فإذا كانت الام تتركه في المكتب وتعلمه القرآن، والصبي يؤثر اللعب ومعاشرة أقرانه، وأبوه يمكنه من ذلك.
فإنها أحق به بلا تخيير ولا قرعة.
وكذلك العكس.
ومتى أخل أحد الابوين بأمر الله ورسوله في الصبي وعطله، والآخر مراع
له، فهو أحق وأولى به.
قال: وسمعت شيخنا (٢) ﵀ يقول:
стр. 1104
" تنازع أبوان صبيا عند بعض الحكام، فخيره بينهما، فاختار أباه، فقالت له أمه: اسأله لاي شئ يختار أباه، فسأله.
فقال: أمي تبعثني كل يوم للكتاب، والفقيه يضربني، وأبي يتركني للعب مع الصبيان، فقضى به للام.
قال: أنت أحق به.
قال: قال شيخنا: وإذا ترك أحد الابوين تعليم الصبي وأمره الذي أوجبه الله تعالى عليه، فهو عاص ولا ولاية له عليه، بل كل من لم يقم بالواجب في ولايته فلا ولاية له.
بل إما أن يرفع يده عن الولاية ويقام من يفعل الواجب وإما أن يضم إليه من يقوم معه بالواجب.
إذ المقصود طاعة الله ورسوله بحسب الامكان. انتهى.
الطفل بين أبيه وأمه:
قال الشافعية: فإن كان ابنا فاختار الام كان عندها بالليل ويأخذه الاب بالنهار في مكتب أو صنعة، لان القصد حظ الولد، وحظ الولد فيما ذكرناه، وإن اختار الاب كان عنده بالليل والنهار، ولا يمنعه من زيارة أمه، لان المنع من ذلك إغراء بالعقوق وقطع الرحم، فإن مرض كانت الام أحق بتمريضه، لانه بالمرض صار كالصغير في الحاجة إلى من يقوم بأمره، فكانت الام أحق به، وإن كانت جارية فاختارت أحدهما كانت عنده بالليل والنهار، ولا يمنع
الآخر من زيارتها من غير إطالة وتبسط، لان الفرقة بين الزوجين تمنع من تبسط أحدهما في دار الاخر، وإن مرضت كانت الام أحق بتمريضها في بيتها، وإن مرض أحد الابوين والولد عند الآخر لم يمنع من عيادته، وحضوره عند موته لما ذكرناه، وإن اختار أحدهما فسلم إليه ثم اختار الاخر حول إليه، وإن عاد فاختار الاول أعيد إليه لان الاختيار إلى شهوته، وقد يشتهي المقام عند أحدهما في وقت، وعند الاخر في وقت، فاتبع ما يشتهيه كما يتبع ما يشتهيه من مأكول ومشروب.
الانتقال بالطفل: قال ابن القيم: فإن كان سفر أحدهما لحاجة ثم يعود والآخر مقيم
стр. 1105
فهو أحق، لان السفر بالولد الطفل - ولا سيما إذا كان رضيعا إضرار به وتضييع له، هكذا أطلقوه ولم يستثنوا سفر الحج من غيره.
وإن كان أحدهما منتقلا عن بلد لاخر للاقامة والبلد وطريقه مخوفان أو أحدهما، فالمقيم أحق.
وإن كان هو وطريقه آمنين، ففيه قولان: وهما روايتان عن أحمد ﵀.
(إحداهما) أن الحضانة للاب ليتمكن من تربية الولد وتأديبه وتعليمه، وهو قول مالك والشافعي رحمهما الله، وقضى به شريح.
(والثانية) أن الام أحق.
وفيها قول ثالث: إن كان المنتقل هو الاب فالام أحق به وإن كان الام فإن انتقلت إلى البلد الذي كان فيه أصل النكاح فهي أحق به.
وان انتقلت إلى غيره فالاب أحق.
وهذا قول أبي حنيفة.
وحكوا عن أبي حنيفة ﵀، رواية أخرى: أن نقلها إن كان من بلد إلى قرية فالاب أحق، وإن كان من بلد إلى بلد فهي أحق، وهذه أقوال كلها كما ترى لا يقوم عليها دليل يسكن القلب إليه.
فالصواب النظر والاحتياط للطفل في الاصلح له، والانفع الاقامة أو النقلة.
فأيهما كان أنفع له وأصون وأحفظ روعي.
ولا تأثير لاقامة ولا نقلة.
هذا كله ما لم يرد أحدهما بالنقلة مضارة الاخر، وانتزاع الولد منه، فإن أراد ذلك لم يجب إليه.
والله الموفق.
أحكام القضاء (١) :
وللقضاء الشرعي أحكام يعسر إحصاؤها في القضايا الخاصة ومشاكلها، وللكثير من هذه الاحكام دلالات وقواعد صدرت عنها ومبادئ قررتها، ونكتفي هنا بأن نشير إلى هذه الاحكام.
الحكم الاول: وقد صدر من محكمة كرموز الجزئية بتاريخ ١٠ إبريل ١٩٣٢ وتأيد من محكمة الاسكندرية الابتدائية في ٢٩.
مايو سنة ١٩٣٢ وهو
стр. 1106
يقضي برفض دعوى أب طلب ضم ابنته الصغيرة إليه، لاقامة أمها وهي زوجته في بلد بعيد عن البلد الذي كان محل إقامتهما، وفيه عقد زواجها، وهذا يسقط حقها شرعا في الحضانة.
وقد استندت المحكمة في حكمها إلى أن الثابت فقها أن الام أحق بالحضانة قبل الفرقة وبعدها.
وأن نشوز الزوجة لا يسقط حقها في الحضانة، وعلى الاب إذا أراد ضم الصغير إليه أن يطلب دخول أمه في طاعته مادامت الزوجية قائمة، فإن لم يفعل
وطلب ضم الصغير وحده كان ظالما ولا يجاب إلى طلبه، لان ذلك يفوت على الام حضانته وحق رويته.
وهكذا قرر هذا الحكم هذه القاعدة: " إذا انتقلت أم الصغير بولدها ولو إلى مكان بعيد فليس للاب حق نزعه منها مادامت الزوجية قائمة.
لان له عليها سلطان الزوجية وإدخالها في طاعته، فيضمه بضمها إليه.
وكذلك المعتدة لوجوب إسكانها بمسكن العدة ".
الحكم الثاني: وقد صدر من محكمة ببا الجزئية في ٢٥ مايو سنة ١٩٣١ وتأيد استئنافيا من محكمة بني سويف الكلية في ٢٠ يوليو سنة ١٩٣١ وقد قرر هذه القاعدة: " يرفض طلب الاب ضم ابنه الصغير إليه، لعدم تمكنه من الحضور من بلده إلى بلد أمه وحاضنته لرؤيته والعودة قبل الليل، مادامت الام مقيمة في بلد هو وطنها، ولم يكن بينه وبين بلد الاب التي ابتعد هو عنها تفاوت كبير يمنعه من الذهاب لرؤية ولده والعودة إلى بلده قبل الليل، سواء أكان ابتعاده عن ذلك البلد بإرداته أم بغير إرادته ".
لانه لا ذنب للحاضنة في هذا على كل حال.
ويؤخذ من وقائع هذه الدعوى.
أن المدعي كان قد تزوج المدعي عليها في بلدها بني مزار، ثم رزقت منه حال قيام الزوجية ببنت وطلقت منه في البلد المذكور وانتهت عدتها بوضع الحمل، ثم أقامت المدعي عليها دعوى بمدينة نبا وأخذت عليه حكما من محكمتها بحضانة الصغيرة بتاريخ ٢٩ أكتوبر سنة ١٩٣٠ حين كان المدعي مقيما ببني مزار، وانتهى الامر باقامته بأسيوط بحكم
стр. 1107
وظيفته حيث رفع هذه الدعوى طالبا ضم ابنته إليه وهي لا تزيد سنها عن سنتين
وثمانية أشهر (١) .
الحكم الثالث: وقد صدر من محكمة دمنهور في ٢٥ اكتوبر سنة ١٩٢٧ ولم يستأنف وهو يقرر في حيثياته أن المنصوص عليه شرعا أن غير الام من الحاضنات ليس لها نقل الصغير من بلد أبيه إلا بإذنه.
ولكن بعض الفقهاء حمل المنع على المكانين المتفاوتين، بحيث لو خرج الاب لرؤية ولده لا يمكنه الرجوع إلى منزله قبل الليل لا المتقاربين، حيث لم يفرق بين الام وغيرها في ذلك (٢) .
وهكذا نرى أنه من الضروري الوقوف على أحكام القضاء التي تعتبر تطبيقا عمليا للنصوص الفقهية، ففيها تعالج مشاكل الحياة العملية وينظر القاضي لهذه النصوص على ضوء الواقع في الحياة نفسها.
стр. 1108
الحدود:
تعريفها: الحدود جمع حد، والحد في الاصل: الشئ الحاجز بين شيئين.
ويقال: ما ميز الشئ عن غيره.
ومنه: حدود الدار، وحدود الارض.
وهو في اللغة بمعنى المنع.
وسميت عقوبات المعاصي حدودا، لانها في الغالب تمنع العاصي من العود إلى تلك المعصية التي حد لاجلها.
ويطلق الحد على نفس المعصية ومنه:
" تلك حدود الله فلا تقربوها " (١) .
والحد في الشرع عقوبة مقررة لاجل حق الله (٢) .
فيخرج التعزير لعدم تقديره إذ أن تقديره مفوض لرأي الحاكم.
ويخرج القصاص لانه حق الادمي.
جرائم الحدود:
وقد قرر الكتاب والسنة عقوبات محددة لجرائم معينة تسمى " جرائم الحدود " وهذه الجرائم هي: " الزنا، والقذف، والسرقة، والسكر، والمحاربة، والردة، والبغي ".
فعلى من ارتكب جريمة من هذه الجرائم عقوبة محددة قررها الشارع.
فعقوبة جريمة الزنا، الجلد للبكر.
والرجم للثيب.
يقول الله سبحانه: " واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة
стр. 1109
منكم، فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا ".
(١) والرسول ﷺ يقول: " خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة، والرجم ".
وعقوبة جريمة القذف ثمانون جلدة.
يقول الله سبحانه: " والذين يرمون المحصنات، ثم لم يأتوا بأربعة شهداء، فاجلدوهم ثمانين جلدة، ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا، وأولئك هم الفاسقون " (٢) وعقوبة جريمة السرقة، قطع اليد.
يقول الله تعالى: " والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما، جزاء بما كسبا نكالا من الله، والله عزيز حكيم ".
وعقوبة جريمة الفساد في الارض: القتل، أو الصلب، أو النفي، أو تقطيع الايدي والارجل من خلاف، يقول الله سبحانه: " إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الارض فسادا أن يقتلوا، أو يصلبوا، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، أو ينفوا من الارض. ذلك لهم خزي في الدنيا. ولهم في الاخرة عذاب عظيم " (٣) .
وعقوبة جريمة السكر، ثمانون جلدة، أو أربعون على ما سيأتي مفصلا في موضعه.
وعقوبة الردة القتل، لقول رسول الله ﷺ " من بدل دينه فاقتلوه ".
وعقوبة جريمة البغي: القتل.
لقول الله سبحانه: " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما على الاخرى، فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر
стр. 1110
الله. فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل، وأقسطوا إن الله يحب المقسطين " (١) .
ولقول رسول الله ﷺ : " إنه ستكون بعدي هنات وهنات.
فمن أراد أن يفرق أمر المسلمين وهم جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان ".
عدالة هذه العقوبات:
وهذه العقوبات - بجانب كونها محققة للمصالح العامة وحافظة للامن العام فهي عقوبات عادلة غاية العدل.
إذ أن الزنا جريمة من أفحش الجرائم وأبشعها.
وعدوان على الخلق والشرف والكرامة.
ومقوض لنظام الاسر والبيوت.
ومروج للكثير من الشرور والمفاسد التي تقضي على مقومات الافراد والجماعات، وتذهب بكيان الامة، ومع ذلك فقد احتاط الاسلام في اثبات هذه الجريمة، فاشترط شروطا يكاد يكون من المستحيل توفرها.
فعقوبة الزنا عقوبة قصد بها الزجر والردع والارهاب أكثر مما قصد بها التنفيذ والفعل.
وقذف المحصنين والمحصنات من الجرائم التي تحل روابط الاسرة وتفرق بين الرجل وزوجه، وتهدم أركان البيت، والبيت هو الخلية الاولى في بنية المجتمع، فبصلاحها يصلح، وبفسادها يفسد.
فتقرير جلد مقترف هذه الجريمة ثمانين جلدة بعد عجزه عن الاتيان بأربعة شهداء يؤيدونه فيما يقذف به، غاية في الحكمة وفي رعاية المصلحة، كيلا تخدش كرامة إنسان أو يجرح في سمعته.
والسرقة ما هي إلا اعتداء على أموال الناس وعبث بها.
والاموال أحب الاشياء إلى النفوس.
فتقرير عقوبة القطع لمرتكب هذه الجريمة حتى يكف غيره
عن اقتراف جريمة السرقة، فيأمن كل فرد على ماله، ويطمئن على أحب الاشياء لديه وأعزها على نفسه، مما يعد من مفاخر هذه الشريعة.
стр. 1111
وقد ظهر أثر الاخذ بهذا التشريع في البلاد التي تطبقه واضحا في استتباب الامن وحماية الاموال وصيانتها من أيدي العابثين، والخارجين على الشريعة والقانون.
وقد اضطر الاتحاد السوفيتي أخيرا إلى تشديد عقوبة السرقة بعد أن تبين له أن عقوبة السجن لم تخفف من كثرة ارتكاب هذه الجريمة، فقرر إعدام السارق رميا بالرصاص وهي أقسى عقوبة ممكنة (١) .
والمحاربون الساعون في الارض بالفساد المضربون لنيران الفتن، المزعجون للامن، المثيرون للاضطرابات، العاملون على قلب النظم القائمة، لا أقل من أن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، أو ينفوا من الارض.
والخمر تفقد الشارف عقله ورشده، وإذا فقد الانسان رشده وعقله ارتكب كل حماقة وفحش، فإذا جلد كان جلده مانعا له من المعاودة من جانب، ورادعا لغيره من اقتراف مثل جريرته من جانب آخر.
وجوب إقامة الحدود: إقامة الحدود فيها نفع للناس، لانها تمنع الجرائم، وتردع؟؟ اة، وتكف من تحدثه نفسه بانتهاك الحرمات، وتحقق الامن لكل فرد، على نفسه، وعرضه وماله، وسمعته، وحريته، وكرامته، وقد روى النسائي وابن ماجه عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: " حد يعمل به في الارض خير لاهل الارض من أن يمطروا أربعين
صباحا (٢) ".
وكل عمل من شأنه أن يعطل إقامة.
الحدود فهو تعطيل لاحكام الله، ومحاربة له، لان ذلك من شأنه إقرار المنكر وإشاعة الشر.
стр. 1112
روى أحمد، وأبو داود، والحاكم وصححه: أن النبي ﷺ قال: " من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فهو مضاد الله في أمره ".
وقد يحدث أن يغفل المرء عن الجناية التي يرتكبها الجاني وينظر إلى العقوبة الواقعة عليه، فيرق قلبه له ويعطف عليه، فيقرر القرآن أن ذلك مما يتنافى مع الايمان، لان الايمان يقتضي الطهر والتنزه عن الجرائم والسمو بالفرد والجماعة إلى الادب العالي والخلق المتين.
يقول الله سبحانه: " الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الاخر، وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين " (١) .
إن الرحمة بالمجتمع أهم بكثير من الرحمة بالفرد.
فقسا ليزدجروا، ومن يك حازما فليقس أحيانا على من يرحم الشفاعة في الحدود: يحرم أن يشفع أحد أو يعمل على أن يعطل حدا من حدود الله، لان في ذلك تفويتا لمصلحة محققة، وإغراء بارتكاب الجنايات، ورضا بإفلات المجرم من تبعات جرمه.
وهذا بعد أن يصل الامر إلى الحاكم، لان الشفاعة حينئذ تصرف الحاكم عن وظيفته الاولى، وتفتح الباب لتعطيل الحدود (٢) .
أما قبل الوصول إلى الحاكم، فلا بأس من التستر على الجاني، والشفاعة عنده.
أخرج أبو داود، والنسائي، والحاكم وصححه من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن النبي ﷺ قال: " تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب ".
стр. 1113
وأخرج أحمد، وأهل السنن، وصححه الحاكم من حديث صفوان بن أمية أن النبي ﷺ قال لما أراد أن يقطع الذي سرق رداءه فشفع فيه: " هلا كان قبل أن تأتيني به "؟! وعن عائشة قالت: " كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده فأمر النبي ﷺ بقطع يدها، فأتى أهلها أسامة بن زيد فكلموه.
فكلم النبي ﷺ فيها، فقال له النبي ﷺ : " يا أسامة، لا أراك تشفع في حد من حدود الله ".
ثم قام النبي ﷺ خطيبا.
فقال: " إنما هلك من كان قبلكم بأنه إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوا.
والذي نفسي بيده، لو كانت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها. " فقطع يد المخزومية، رواه أحمد، ومسلم، والنسائي.
سقوط الحدود بالشبهات:
الحد عقوبة من العقوبات التي توقع ضررا في جسد الجاني وسمعته، ولا يحل استباحة حرمة أحد، أو إيلامه إلا بالحق، ولا يثبت هذا الحق إلا بالدليل الذي لا يتطرق إليه الشك، فإذا تطرق إليه الشك كان ذلك مانعا من اليقين الذي تنبني عليه الاحكام.
ومن أجل هذا كانت التهم والشكوك لا عبرة لها ولا اعتداد بها، لانها مظنة الخطأ.
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " ادفعوا الحدود ما وجدتم لها مدفعا ".
رواه ابن ماجه.
وعن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : " أدرأوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الامام لان يخطئ في العفو خير له من أن يخطئ في العقوبة ".
رواه الترمذي، وذكر أنه قد روي موقوفا، وأن الوقف أصح، قال: وقد روي عن غير واحد من الصحابة ﵃ أنهم قالوا مثل ذلك.
стр. 1114
الشبهات وأقسامها (١) :
تحدت الاحناف والشافعية عن الشبهات، ولكل منهما رأي نجمله فيما يأتي: رأي الشافعية: يرى الشافعية أن الشبهة تنقسم أقساما ثلاثة:
١ - شبهة في المحل: أي محل الفعل - مثل: وطء الزوج الزوجة الحائض أو الصائمة، أو إتيان الزوجة في دبرها، فالشبهة هنا قائمة في محل الفعل المحرم.
إذ أن المحل مملوك للزوج، ومن حقه أن يباشر الزوجة، وإذا لم يكن له أن يباشرها وهي حائض أو صائمة أو أن يأتيها في الدبر، إلا أن ملك الزوج للمحل وحقه عليه يورث شبهة.
وقيام هذه الشبهة يقتضي درء الحد، سواء اعتقد الفاعل بحل الفعل أو بحرمته، لان أساس الشبهة ليس الاعتقاد والظن، وإنما أساسها محل الفعل وتسلط الفاعل شرعا عليه.
٢ - شبهة في الفاعل: كمن يطأ امرأة زفت إليه على أنها زوجته، ثم تبين له أنها ليست زوجته.
وأساس الشبهة ظن الفاعل واعتقاده بحيث يأتي الفعل وهو يعتقد أنه لا يأتي محرما، فقيام هذا الظن عند الفاعل يورث شبهة يترتب عليها درأ الحد - أما إذا أتى الفاعل الفعل وهو عالم بأنه محرم فلا شبهة.
٣ - شبهة في الجبهة: ويقصد من هذا الاشتباه في حل الفعل وحرمته، وأساس هذه الشبهة الاختلاف بين الفقهاء على الفعل، فكل ما اختلفوا على حله أو جوازه كان الاختلاف فيه شبهة يدرأ بها الحد، فمثلا يجيز أبو حنيفة الزواج بلا ولي ويجيزه مالك بلا شهود، ولا يجيز جمهور الفقهاء هذا الزواج، ونتيجة هذا الزواج أنه لا حد على الوطء في هذا الزواج المختلف في صحته، لان الخلاف يقوم شبهة تدرأ الحد، ولو كان الفاعل يعتقد بحرمة الفعل، لان هذا الاعتقاد في ذاته ليس له أثر ما دام الفقهاء مختلفين على الحل والحرمة.
رأي الاحناف: أما الاحناف فإنهم يرون أن الشبهة تنقسم قسمين:
стр. 1115
١ - شبهة في الفعل: وهي شبهة في حق من اشتبه عليه الفعل دون من لم يشتبه عليه.
وتثبت هذه الشبهة في حق من اشتبه عليه الحل والحرمة، ولم يكن ثمت دليل سمعي يفيد الحل، بل ظن غير الدليل دليلا، كمن يطء زوجته المطلقة ثلاثا أو بائنا على مال في عدتها، وتعليل ذلك، أن النكاح إذا كان قد زال في حق الحل أصلا لوجود المعطل لحل المحلية، وهو الطلاق، فإن النكاح قد بقي في حق الفراش، والحرمة على الازواج فقط، ومثل هذا الوطء حرام، فهو زنا يوجب الحد - إلا إذا ادعى الواطئ الاشتباه وظن الحل - لانه بنى ظنه على نوع دليل، وهو بقاء النكاح في حق الفراش وحرمة الازواج، فظن أنه بقي في حق الحل أيضا - وهذا وإن لم يصلح دليلا على الحقيقة، لكنه لما ظنه دليلا اعتبر في حقه درءا لما يندرئ بالشبهات.
ويشترط - لقيام الشبهة في الفعل - ألا يكون هناك دليل على التحريم أصلا، وأن يعتقد الجاني الحل، فإذا كان هناك دليل على التحريم، أو لم يكن الاعتقاد بالحل ثابتا، فلا شبهة أصلا.
وإذا ثبت أن الجاني كان يعلم بحرمة الفعل وجب عليه الحد.
٢ - الشبهة في المحل: ويسمونها الشبهة الحكمية، أو شبهة الملك: وتقوم هذه الشبهة على الاشتباه في حكم الشرع بحل المحل، فيشترط في هذه وتقوم هذه الشبهة على الاشتباه في حكم الشرع بحل المحل، فيشترط في هذه الشبهة أن تكون ناشئة عن حكم من أحكام الشريعة - وهي تتحقق بقيام دليل شرعي ينفي الحرمة - ولا عبرة بظن الفاعل، فيستوي أن يعتقد الفاعل الحل، أو يعلم الحرمة، لان الشبهة ثابتة بقيام الدليل الشرعي، لا بالعلم وعدمه.
من يقيم الحدود؟: اتفق الفقهاء على أن الحاكم أو من ينيبه عنه هو الذي يقيم الحدود.
وأنه ليس للافراد أن يتولوا هذا العمل من تلقاء أنفسهم.
روى الطحاوي عن مسلم بن يسار أنه قال: كان رجل من الصحابة يقول:
" الزكاة، والحدود، والفئ، والجمعة إلى السلطان ".
قال الطحاوي: لا نعلم له مخالفا من الصحابة (١) .
стр. 1116
وروى البيهقي عن خارجة بن زيد، عن أبيه، وأخرجه أيضا عن أبي الزناد عن أبيه عن الفقهاء الذين ينتهى إلى أقوالهم من أهل المدينة أنهم كانوا يقولون: " لا ينبغي لاحد أن يقيم شيئا من الحدود دون السلطان، إلا أن للرجل أن يقيم حد الزنا على عبده أو أمته ".
وذهب جماعة من السلف، منهم الشافعي، إلى أن السيد يقيم الحد على مملوكه، واستدلوا بما روي عن أمير المؤمنين علي ﵁ أن خادمة النبي ﷺ أحدثت، فأمرني النبي ﷺ أن أقيم عليها الحد، فأتيتها فوجدتها لم تجف من دمها فأتيته فأخبرته، فقال: " إذا جفت من دمها فأقم عليها الحد، أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم ".
رواه أحمد وأبو داود، ومسلم، والبيهقي، والحاكم.
وقال أبو حنيفة يرفعه المولى للسلطان. ولا يقيمه هو بنفسه.
مشروعية التستر في الحدود:
قد يكون ستر العصاة علاجا ناجعا للذين تورطوا في الجرائم واقترفوا المآثم، وقد ينهضون بعد ارتكابها فيتوبون توبة نصوحا، ويستأنفون حياة نظيفة.
لهذا شرع الاسلام التستر على المتورطين في الاثام، وعدم التعجيل بكشف أمرهم.
عن سعيد بن المسيب قال: بلغني أن رسول الله ﷺ قال
لرجل من أسلم يقال له هزال، وقد جاء يشكو رجلا بالزنا، وذلك قبل أن ينزل قوله تعالى: " والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة " (١) .
" يا - هزال - لو سترته بردائك كان خيرا لك ".
стр. 1117
قال يحيى بن سعيد: فحدثت بهذا الحديث في مجلس فيه يزيد بن نعيم بن هزال الاسلمي، فقال يزيد: " هزال جدي، هذا الحديث حق ".
وروى ابن ماجه عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: " من ستر عورة أخيه المسلم ستر الله عورته يوم القيامة، ومن كشف عورة أخيه كشف الله عورته حتى يفضحه في بيته ".
وإذا كان الستر مندوبا، ينبغي أن تكون الشهادة به خلاف الاولى التي مرجعها إلى كراهة التنزيه، لانها في رتبة الندب في جانب الفعل، وكراهة التنزيه في جانب الترك، وهذا يجب أن يكون بالنسبة إلى من لم يعتد الزنا ولم يتهتك به.
أما إذا وصل الحال إلى إشاعته والتهتك به، فيجب كون الشهادة به أولى من تركها، لان مطلوب الشارع إخلاء الارض من المعاصي والفواحش وذلك يتحقق بالتوبة من الفاعلين، وبالزجر لهم، فإذا ظهر حال الشره في الزنا وعدم المبالاة به وإشاعته، فإخلاء الارض المطلوب حينئذ بالتوبة، احتمال يقابله ظهور عدمها، فمن اتصف بذلك فيجب تحقيق السبب الاخر للاخلاء، وهو الحدود، بخلاف من زنا مرة أو مرارا، مستترا متخوفا متندما عليه
فإنه محل استحباب ستر الشاهد (١) ".
ستر المسلم نفسه:
بل على المسلم أن يستر نفسه ولا يفضحها بالحديث عما يصدر عنه، من إثم أو إقرار أمام الحاكم لينفذ فيه العقوبة.
روى الامام مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم أن رسول الله ﷺ قال: " يا أيها الناس: قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود الله ... من أصاب شيئا من هذه القاذورة فليستتر بستر الله، فإنه من يبد لنا صفحته، نقم عليه كتاب الله ".
стр. 1118
الحدود كفارة للآثام:
يرى أكثر العلماء أن الحدود إذا أقيمت كانت مكفرة لما اقترف من آثام، وأنه لا يعذب في الاخر.
لما رواه البخاري ومسلم عن عبادة بن الضامت قال: كنا مع رسول الله ﷺ في مجلس فقال: " تبايعوني على أن تشركوا بالله شيئا، ولا تزنوا، ولا تسرقوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب شيئا من ذلك فعوقب به فهو كفارة له (١) .
ومن أصاب شيئا من ذلك فستره الله عليه، فأمره إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه ".
وإقامة الحد وإن كانت مكفرة للاثام، فإنها مع ذلك زاجرة عن اقترافها.
فهي جوابر وزواجر معا.
إقامة الحدود في دار الحرب:
ذهب فريق من العلماء إلى أن الحدود تقام في أرض الحرب كما تقام في دار الاسلام دون تفرقة بينهما، لان الامر بإقامتهما عام لم يخص دارا دون دار.
وممن ذهب إلى هذا مالك والليث بن سعد.
وقال أبو حنيفة وغيره: إذا غزا أمير أرض الحرب، فإنه لا يقيم الحد على أحد من جنوده في عسكره، إلا أن يكون أمام مصر أو الشام أو العراق أو ما أشبه ذلك، فيقيم الحدود في عسكره.
وحجة هؤلاء أن إقامة الحدود في دار الحرب قد تحمل المحدود على الالتحاق بالكفر.
وهذا هو للراجح.
وذلك أن هذا حد من حدود الله تعالى، وقد نهى عن إقامته في الغزو خشية أن يترتب عليه ما هو شر منه.
وقد نص أحمد وإسحق بن راهويه، والاوزاعي، وغيرهم من علماء السلام على أن الحدود لا تقام في أرض العدو، وعليه إجماع الصحابة وكان أبو محجن الثقفي ﵁ لا يستطيع صبرا عن شرب الخمر، فشربها في واقعة القادسية،
стр. 1119
فحبسه أمير الجيش سعد بن أبي وقاص، وأمر بتقييده، فلما التقى الجمعان قال أبو محجن: كفا حزنا أن تطرد الخيل بالقنا وأترك مشدودا علي وثاقيا ثم قال لامرأة سعد، أطلقيني، ولك علي إن سلمني الله أن أرجع حتى أضع رجلي في القيد، فإن قتلت فقد استرحتم مني، فحلته، فوثب على فرس لسعد يقال لها " البلقاء " ثم أخذ رمحا وخرج للقتال، فأتى بما بهر سعدا وجيش المسلمين حتى ظنوه ملكا من الملائكة جاء لنصرتهم، فلما هزم العدو رجع ووضع رجليه في القيد، فأخبرت سعدا امرأته بما كان من أمره، فخلى سعد سبيله، وأقسم ألا يقيم عليه الحد من أجل بلائه في القتال حتى قوي جيش
المسلمين به، فتاب أبو محجن بعد ذلك عن شرب الخمر.
فتأخر الحد أو إسقاطه كان لمصلحة راجحة، هي خير للمسلمين وله من إقامة الحد عليه.
النهي عن إقامة الحدود في المساجد صيانة لها عن التلوث: روى أبو داود عن حكيم بن حزام رضى الله عنه أنه قال: نهى رسول الله ﷺ أن يستقاد في المسجد، وأن تنشد فيه الاشعار، وأن تقام فيه الحدود.
هل للقاضي أن يحكم بعلمه: يرى الظاهرية أنه فرض على القاضي أن يقضي بعلمه في الدماء والقصاص والاموال والفروج والحدود، سواء علم ذلك قبل ولايته أو بعد ولايته، وأقوى ما حكم بعلمه، لانه يقين الحق.
ثم بالاقرار، ثم بالبينة، لان الله تعالى يقول: " يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله (١) " وقول الرسول ﷺ : " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه ... "
стр. 1120
" فصح أن القاضي عليه أن يقوم بالقسط، وليس من القسط أن يترك الظالم على ظلمه لا يغيره.
وصح أن فرضا على القاضي أن يغير كل منكر علمه بيده، وأن يعطي كل ذي حق حقه، وإلا فهو ظالم.
وأما جمهور الفقهاء، فإنهم يرون أنه ليس للقاضي أن يقضى بعلمه.
قال أبو بكر ﵁: " لو رأيت رجلا على حد لم أحده حتى تقوم البينة عندي ".
ولان القاضي كغيره من الافراد، لا يجوز له أن يتكلم بما شهده ما لم تكن لديه البينة الكاملة.
ولو رمى القاضي زانيا بما شهده منه وهو لا يملك على قول البينة الكاملة لكان قاذفا يلزمه حد القذف.
وإذا كان قد حرم على القاضي النطق بما يعلم، فأولى أن يحرم عليه العمل به.
وأصل هذا الرأي قول الله سبحانه: " فإذا لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون ". (١)
стр. 1121
الخمر:
التدرج في تحريمها: وقد كان الناس يشربون الخمر حتى هاجر الرسول ﷺ من مكة إلى المدينة، فكثر سؤال المسلمين عنها وعن لعب الميسر، لما كانوا يرونه من شرورهما ومفاسدهما، فأنزل الله : " يسألونك عن الخمر والميسر، قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما (١) ".
أي أن في تعاطيهما ذنبا كبيرا، لما فيهما من الاضرار والمفاسد المادية والدينية. وأن فيهما كذلك منافع للناس. وهذه المنافع مادية. وهي الربح بالاتجار في الخمر، وكسب المال دون عناء في الميسر.
ومع ذلك فإن الاثم أرجح من المنافع فيهما، وفي هذا ترجيح لجانب التحريم، وليس تحريما قاطعا.
ثم نزل بعد ذلك التحريم أثناء الصلاة تدرجا مع الناس الذين ألفوها وعدوها جزءا من حياتهم: قال الله سبحانه: " يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ... " (٢) وكان سبب نزول هذه الاية أن رجلا صلى وهو سكران فقرأ: " قل يا أيها الكافرون. لا أعبد ما تعبدون " إلى آخر السورة - بدون ذكر النفي - وكان ذلك تمهيدا لتحريمها نهائيا، ثم نزل حكم الله بتحريمها نهائيا.
قال الله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان، فاجتنبوه لعلكم تفلحون، إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر، ويصدكم
стр. 1122
عن ذكر الله وعن الصلاة، فهل أنتم منتهون؟ " (١) .
وظاهر من هذا أن الله سبحانه عطف على الخمر، الميسر والانصاب والازلام.
وحكم على هذه الاشياء كلها بأنها:
١ - رجس: أي خبيث مستقذر عند أولي الالباب.
٢ - ومن عمل الشيطان وتزيينه ووسوسته.
٣ - وإذا كان ذلك كذلك، فإن من الواجب اجتنابها والبعد عنها، ليكون الانسان معدا ومهيئا للفوز والفلاح.
٤ - وإن إرادة الشيطان بتزيينه تناول الخمر ولعب الميسر في إيقاع العداوة والبغضاء بسبب هذا التعاطي، وهذه مفسدة دنيوية.
٥ - وإن إرادته كذلك في الصد عن ذكر الله، والالهاء عن الصلاة، وهذه مفسدة أخرى دينية.
٦ - وأن ذلك كله يوجب الانتهاء عن تعاطي شئ من ذلك.
وهذه الاية آخر ما نزل في حكم الخمر، وهي قاضية بتحريمها تحريما قاطعا.
وأخرج عبد بن حميد عن عطاء قال: أول ما نزل من تحريم الخمر: " يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس، وإثمهما أكبر من نفعهما. " (٢) .
فقال بعض الناس: نشربها لمنافعها، وقال آخرون: لا خير في شئ فيه إثم.
ثم نزلت: يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون " (٣) .
فقال بعض الناس نشربها ونجلس في بيوتنا، وقال آخرون: لا خير في شئ يحول بيننا وبين الصلاة مع المسلمين.
فنزلت:
стр. 1123
" يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون - إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر، ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة، فهل أنتم منتهون " (١) فنهاهم فانتهوا.
وكان هذا التحريم بعد غزوة الاحزاب.
وعن قتادة أن الله حرم الخمر في سورة المائدة بعد غزوة الاحزاب، وكانت غزوة الاحزاب سنة أربع أو خمس هجرية.
وذكر إبن اسحاق أن التحريم كان في غزوة بني النضير وكانت سنة أربع هجرية على الراجح.
وقال الدمياطي في سيرته: كان تحريمها عام الحديبية سنة ست هجرية.
تشديد الإسلام في تحريم الخمر:
وتحريم الخمر يتفق مع تعاليم الاسلام التي تستهدف إيجاد شخصية قوية في جسمها ونفسها وعقلها، وما من شك في أن الخمر تضعف الشخصية وتذهب بمقوماتها، ولا سيما العقل، يقول أحد الشعراء: شربت الخمر حتى ضل عقلي كذاك الخمر تفعل بالعقول وإذا ذهب العقل تحول المرء إلى حيوان شرير، وصدر عنه من الشر والفساد ما لا حد له، فالقتل، والعدوان، والفحش، وإفشاء الاسرار، وخيانة الاوطان من آثاره.
وهذا الشر يصل إلى نفس الانسان، وإلى أصدقائه وجيرانه، وإلى كل من يسوقه حظه التعس إلى الاقتراب منه.
فعن علي كرم الله وجهه: أنه كان مع عمه حمزة وكان له شارفان " أي ناقتان مسنتان " أراد أن يجمع عليهما الاذخر، وهو نبات طيب الرائحة، مع صائغ يهودي ويبيعه للصواغين،
стр. 1124
ليستعين بثمنه على وليمة فاطمة ﵂ عند إرادة البناء بها - وكان عمه حمزه يشرب الخمر مع بعض الانصار، ومعه قينة تغنيه، فأنشدت شعرا حثته به على نحر الناقتين، وأخذ أطايبهما ليأكل منها، فثار حمزة وجب (١) أسنمتهما وأخذ من أكبادهما.
فلما رأى علي ذلك تألم ولم يملك عينيه، وشكا حمزة إلى النبي ﷺ .
فدخل النبي على حمزة ومعه علي وزيد بن حارثة فتغيظ عليه وطفق يلومه - وكان حمزة ثملا قد احمرت عيناه.
فنظر إلى رسول الله ﷺ وقال له ولمن معه: وهل أنتم إلا عبيد لابي.
فلما علم النبي ﷺ أنه ثمل، نكص على عقبيه القهقرى، وخرج هو ومن معه.
هذه هي آثار الخمر حينما تلعب برأس شاربها وتفقده وعيه، ولهذا أطلق عليها الشرع أم الخبائث.
فعن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: " الخمر أم الخبائث.
وعن عبد الله بن عمرو قال: " الخمر أم الفواحش وأكبر الكبائر، ومن شرب الخمر ترك الصلاة، ووقع على أمه وخالته وعمته ".
رواه الطبراني في الكبير من حديث عبد الله بن عمرو، وكذا من حديث ابن عباس بلفظ " من شربها وقع على أمه ".
وكما جعلها أم الخبائث أكد حرمتها، ولعن متعاطيها وكل من له بها صلة، واعتبره خارجا عن الايمان.
فعن أنس أن رسول الله ﷺ " لعن في الخمر عشرة:
عاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وساقيها، وبائعها، وآكل ثمنها، والمشتري لها، والمشترى له ".
رواه ابن ماجه والترمذي. وقال: حديث غريب.
وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " لا يزني
стр. 1125
الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن (١) .
رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.
وجعل جزاء من يتناولها في الدنيا أن يرحم منها في الاخرة لانه استعجل شيئا فجوزي بالحرمان منه.
قال رسول الله ﷺ : " من شرب الخمر في الدنيا ولم يتب، لم يشربها في الاخرة، وإن دخل الجنة ".
تحريم الخمر في المسيحية:
وكما أن الخمر محرمة في الاسلام فهي محرمة في المسيحية كذلك.
وقد استفتت جماعة منع المسكرات رؤساء الديانة المسيحية بالوجه القبلى بالجمهورية العربية المتحدة () فأفتوا بما خلاصته: " أن الكتب الالهية جميعها قضت على الانسان أن يبتعد عن المسكرات " كذلك استدل رئيس كنيسة السوريين الاورثوذكس على تحريم المسكرات بنصوص الكتاب المقدس.
ثم قال: " وخلاصة القول: إن المسكرات إجمالا محرمة في كل كتاب، سواء كانت من العنب أم من سائر المواد كالشعير، والتمر، والعسل، والتفاح، وغيرها.
ومن شواهد العهد الجديد في ذلك: قول بولس في رسالته إلى أهل إفسس (٥: ٨) : " ولا تسكروا بالخمر الذي فيه الخلاعة ".
ونهيه عن مخالطة السكير (إكوه: ١١) وجزمه بأن السكيرين لا