يكون في الحلال مندوحة عن الحرام، ولكي لا يبقي عذر لمتقرف هذه الجريمة.
وقد احتاط في تنفيذ هذه العقوبة بقدر ما أخاف الزناة وأرهبهم:
١ - فمن الاحتياط أنه درأ الحدود بالشبهات، فلا يقام حد إلا بعد التيقن من وقوع الجريمة.
٢ - وانه لابد في إثبات هذه الجريمة من أربعة شهود عدل من الرجال، فلا تقبل فيها شهادة النساء، ولا شهادة الفسقة.
٣ - وأن يكون الشهود جميعا رأوا عملية الزنا نفسها كالميل في المكحلة، والرشاء (١) في البئر، وهذا مما يصعب ثبوته.
٤ - ولو فرض أن ثلاثة منهم شهدوا بهذه الشهادة وشهد الرابع بخلاف شهادتهم، أو رجع أحدهم عن شهادته أقيم عليهم حد القذف.
فهذا الاحتياط الذي وضعه الاسلام في إثبات هذه الجريمة، مما يدفع ثبوتها قطعا.
فهذه العقوبة هي إلى الارهاب والتخويف أقرب منها إلى التحقيق والتنفيذ.
وقد يقول قائل: إذا كان الحد مما يندر إقامته، لتعذر ثبوت الادلة، فلماذا إذن شرعه الاسلام؟ والجواب كما قلنا: أن الاسلام إذا لاحظ قسوة الجريمة وضراوتها فإنه يعمل لها ألف حساب وحساب قبل أن تقترف.
فهذا نوع من الزجر بالنسبة لهذه الجريمة التي تجد من الحوافز والبواعث
ما يدفع إليها، ولا سيما وأن الغريزة الجنسية من أعنف الغرائز، إن لم تكن أعنفها على الاطلاق، ومن المناسب أن يواجه عنف الغريزة عنف العقوبة، فإن ذلك من عوامل الحد من ثورتها.
стр. 1157
التدرج في تحريم الزنا:
يرى كثير من الفقهاء أن تقرير عقوبة الزنا كانت متدرجة كما حدث في تحريم الخمر، وكما حصل في تشريع الصيام.
فكانت عقوبة الزنا في أول الامر الايذاء بالتوبيخ والتعنيف.
يقول الله سبحانه: " واللذان يأتيانها منكم فآذوهما.
فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما " (١) .
ثم تدرج الحكم من ذلك إلى الحبس في البيوت.
يقول الله تعالى: " واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم.
فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أن يجعل الله لهن سبيلا (٢) ".
ثم استقر الامر، وجعل الله السبيل، فجعل عقوبة الزاني البكر مائة جلدة ورجم الثيب حتى يموت.
وكان هذا التدرج ليرتقي بالمجتمع، ويأخذ به في رفق وهوادة إلى العفاف والطهر، وحتى لا يشق على الناس هذا الانتقال، فلا يكون عليهم في الدين حرج، واستدلوا لهذا بحديث عبادة بن الصامت: أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال: " خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا: البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم " (٣) .
رواه مسلم، وأبو داود، والترمذي.
ونرى أن الظاهر أن آيتي النساء المتقدمتين تتحدثان عن حكم السحاق واللواط، وحكمهما يختلف عن حكم الزنا المقرر في سورة النور.
فالآية الاولى في السحاق:
стр. 1158
" واللاتي ياتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم، فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا ".
والثانية في اللواط: " واللذان يأتيانها منكم فآذوهما، فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما " (١) .
١ - أي والنساء اللاتي يأتين الفاحشة وهي السحاق: الذي تفعله المرأة مع المرأة فاستشهدوا عليهن أربعة من رجالكم، فإن شهدوا فاحبسوهن في البيوت بأن توضع المرأة وحدها بعيدة عمن كانت تساحقها، حتى تموت أو يجعل الله لهن سبيلا إلى الخروج بالتوبة أو الزواج المغني عن المساحقة.
٢ - والرجلان اللذان يأتيان الفاحشة - وهي اللواط - فآذوهما بعد ثبوت ذلك بالشهادة أيضا، فإن تابا قبل إيذائهما بإقامة الحد عليهما، فإن ندما
وأصلحا كل أعمالهما وطهرا نفسيهما فأعرضوا عنهما بالكف عن إقامة الحد عليهما.
الزنا الموجب للحد:
إن كل اتصال جنسي قائم على أساس غير شرعي، يعتبر زنا تترتب عليه العقوبة المقررة من حيث إنه جريمة من الجرائم التي حددت عقوباتها.
ويتحقق الزنا الموجب للحد بتغييب الحشفة (٢) - أو قدرها من مقطوعها - في فرج محرم (٣) ، مشتهى بالطبع (٤) ، من غير شبهة نكاح (٥) ، ولو لم يكن معه إنزال.
فإذا كان الاستمتاع بالمرأة الاجنبية فيما دون الفرج، فإن ذلك لا يوجب
стр. 1159
الحد المقرر لعقوبة الزنا، وإن اقتضى التعزير.
فعن ابن مسعود ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني عالجت امرأة من أقصى المدينة فأصبت منها، دون أن أمسها، فأنا هذا، فأقم علي ما شئت.
فقال عمر: سترك الله لو سترت على نفسك، فلم يرد النبي ﷺ شيئا، فانطلق الرجل، فأتبعه النبي ﷺ رجلا، فدعاه، فتلا عليه:
" وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل.
إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين ".
فقال له رجل من القوم: يا رسول الله أله خاصة، أم للناس عامة؟..فقال: للناس عامة.
رواه مسلم وأبو داود والترمذي.
أقسام الزناة:
الزاني: إما أن يكون بكرا، أو محصنا - ولكن منهما حكم يخصه.
حد البكر: اتفق الفقهاء على أن البكر الحر إذا زنا فإنه يجلد مائة جلدة، سواء في ذلك الرجال والنساء، لقول الله سبحانه في سورة النور (١) : " الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة، ولا تأخذكم بهما رأفة (٢) في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين (٣) ".
стр. 1160
الجمع بين الجلد والتغريب:
والفقهاء، وإن اتفقوا على وجوب الجلد (١) ، فإنهم قد اختلفوا في إضافة التغريب إليه: ١ - قال الشافعي وأحمد: يجمع إلى الجلد التغريب مدة عام، لما رواه
البخاري ومسلم عن أبي هريرة وزيد بن خالد: أن رجلا من الاعراب أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أنشدك الله ألا قضيت لي بكتاب الله، وقال الخصم الآخر - وهو أفقه منه -: نعم، فاقض بيننا بكتاب الله، وائذن لي.
فقال رسول الله ﷺ : قل.
قال إن ابني كان عسيفا (٢) على هذا فزنى بامرأته، وإني أخبرت أن على ابني الرجم فافتديت منه بمائة شاة ووليدة.
فسألت أهل العلم، فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام، وان على امرأة هذا الرجم.
فقال رسول الله ﷺ : " والذي نفسي بيده لاقضين بينكما بكتاب الله - الوليدة والغنم رد عليك.
وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام - واغد يا أنيس (رجل من أسلم) إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها.
قال: فعدا عليه فاعترفت، فأمر بها رسول الله ﷺ فرجمت.
وروى البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قضى فيمن زنا ولم يحصن بنفي عام وإقامة الحد عليه.
وأخرج مسلم عن عبادة بن الصامت، أن الرسول ﷺ قال: " خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا: البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم " (٣) .
стр. 1161
وقد أخذ بالتغريب الخلفاء الراشدون - ولم ينكره أحد - فالصديق ﵁ غرب إلى فدك - والفاروق عمر ﵁ إلى الشام - وعثمان ﵁ إلى مصر - وعلي ﵁ إلى البصرة.
ووالشافعية يرون انه لا ترتيب بين الجلد والتغريب فيقدم ما شاء منهما، واشترط في التغريب أن يكون إلى مسافة تقصر فيها الصلاة، لان المقصود به الايحاش عن أهله ووطنه، وما دون مسافة القصر في حكم الحضر، فإن رأى الحاكم تغريبه إلى أكثر من ذلك، فعل.
وإذا غربت المرأة، فإنها لاتغرب إلا بمحرم أو زوج فلو لم يخرج إلا بأجرة لزمت، وتكون من مالها.
٢ - وقال مالك والاوزاعي: يجب تغريب البكر الحر الزاني، دون المرأة البكر الحرة الزانية، فإنها لاتغرب، لان المرأة عورة.
٣ - وقال أبو حنيفة: لا يضم إلى الجلد التغريب إلا أن يرى الحاكم ذلك مصلحة، فيغربهما على قدر ما يرى.
حد المحصن: وأما المحصن الثيب فقد اتفق الفقهاء على وجوب رجمه (١) إذا زنا حتى يموت، رجلا كان أو امرأة.
واستدلوا بما يأتي:
١ - عن أبي هريرة قال: أتى رجل رسول الله ﷺ ، وهوفي المسجد، فناداه فقال: يا رسول الله، إني زنيت. فأعرض عنه.
стр. 1162
ردد عليه أربع مرات.
فلما شهد على نفسه أربع شهادات، دعاه النبي ﷺ ، فقال: " أبك جنون "؟ قال: لا.
قال: " فهل أحصنت "؟ قال: نعم، فقال النبي ﷺ : " اذهبوا فارجموه ".
قال ابن شهاب: فأخبرني من سمع جابر بن عبد الله قال: كنت فيمن رجمه، فرجمناه بالمصلى.
فلما أزلقته الحجارة هرب، فأدركناه بالحرة، فرجمناه، متفق عليه، وهو دليل على أن الاحصان يثبت بالاقرار مرة، وأن الجواب ينعم إقرار.
٢ - وعن ابن عباس قال: خطب عمر فقال: " إن الله تعالى بعث محمدا ﷺ بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم، فقرأناها ووعيناها، ورجم رسول الله ﷺ ورجمنا، وإني خشيت إن طال زمان أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله تعالى، فيضلون بترك فريضة أنزلها الله تعالى فالرجم حق على من زنى من الرجال والنساء إذا كان محصنا، إذا قامت البينة أو كان حمل أو اعتراف، وأيم الله لولا أن يقول الناس: زاد عمر في كتاب الله تعالى لكتبتها ".
رواه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي مختصرا ومطولا.
وفي نيل الاوطار: أما الرجم فهو مجمع عليه، وحكي في البحر عن الخوارج أنه غير واجب، وكذلك حكاه عنهم أيضا ابن العربي.
وحكاه أيضا عن بعض المعتزلة كالنظام وأصحابه ولامستند لهم إلا أنه لم يذكر في القرآن، وهذا باطل.
فإنه قد ثبت بالسنة المتواترة المجمع عليها.
وهو أيضا ثابت بنص القرآن.
لحديث عمر عند الجماعة أنه قال: كان مما أنزل على رسول الله ﷺ آية الرجم، فقرأناها ووعيناها، ورجم رسول الله ﷺ ، ورجمناه بعده.
ونسخ التلاوة لا يستلزم نسخ الحكم، كما أخرج أبو داود من حديث ابن عباس.
стр. 1163
وقد أخرج أحمد والطبراني في الكبير من حديث أبي أمامة بن سهل عن خالته العجماء: أن فيما أنزل الله من القرآن: " الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة بما قضيا من اللذة ".
وأخرجه ابن حبان في صحيحه من حديث أبي بن كعب بلفظ: كانت سورة الاحزاب توازي سورة البقرة وكان فيها آية " الشيخ والشيخة " إلخ الحديث.
شروط الإحصان:
يشترط في المحصن الشروط الآتية:
١ - التكليف: أي أن يكون الواطئ عاقلا بالغا.
فلو كان مجنونا أو صغيرا فإنه لا يحد. ولكن يعزر.
٢ - الحرية: فلو كان عبدا أو أمة فلارجم عليهما لقول الله سبحانه في حد الاماء: " فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب " والرجم لا يتجزأ.
٣ - الوطء في نكاح صحيح: أي أن يكون الواطئ قد سبق له أن تزوج زواجا صحيحا ووطء فيه ولو لم ينزل.
ولو كان في حيض أو إحرام يكفي، فإن كان الوطء في نكاح فاسد فإنه لا يحصل به الاحصان ولا يلزم بقاء الزواج لبقاء صفة الاحصان، فلو تزوج مرة زواجا صحيحا، ودخل بزوجته، ثم انتهت العلاقة الزوجية. ثم زنى وهو غير متزوج فإنه يرجم.
وكذلك المرأة إذا تزوجت، ثم طلقت فرنت بعد طلاقها، فإنها تعتبر محصنة وترجم.
стр. 1164
المسلم والكافر سواء:
وكما يجب الحد على المسلم إذا ثبت منه الزنا فإنه يجب على الذمي والمرتد، لان الزمي قد التزم الاحكام التي تجري على المسلمين، وقد ثبت أن النبي ﷺ رجم يهوديين زنيا وكانا محصنين.
وأما المرتد فإن جريان أحكام الاسلام تشمله، ولا يخرجه الارتداد عن تنفيذها عليه.
عن ابن عمر: أن اليهود أتوا النبي ﷺ برجل وامرأة منهم قدزنيا.
فقال: " ما تجدون في كتابكم؟ " فقال: تسخم وجوههما ويخزيان.
" قال: كذبتم إن فيها الرجم، فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين ".
وجاء وابقارئ لهم فقرأ حتى إذا انتهى إلى موضع منها وضع يده عليه، فقيل له: ارفع يدك، فرفع يده فإذا هي تلوح.
فقال - أو قالوا - يا محمد: " إن فيها الرجم، ولكنا كنانتكاتمه بيننا " فأمر بهما رسول الله ﷺ فرجما.
قال: فلقد رأيته يجنأ عليها يقيها الحجارة بنفسه ".
رواه البخاري ومسلم وفي رواية أحمد: " بقارلهم أعور يقال له ابن صوريا ".
وعن جابر بن عبد الله قال: رجم النبي صلى الله عليه رجلا من أسلم ورجلا من اليهود (١) رواه أحمد ومسلم.
وعن البراء بن عازب قال: " مر على النبي ﷺ بيهودي محمم مجلود فدعاهم.
فقال: أهكذا تجدون حد الزنا في كتابكم؟ قالوا: نعم.
فدعا رجلا من علمائهم فقال: أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى، أهكذا تجدون حد الزنى في كتابكم.
؟ قال: لا. ولولا أنك أنشدتني بهذا لم أخبرك بحد الرجم.
ولكن كثر في أشرافنا، وكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه
стр. 1165
الحد.
فقلنا: تعالوا فلنجتمع على شئ نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم.
فقال النبي ﷺ : " اللهم إني أول من أحيا أمرك إذا أماتوه ".
فأمر به فرجم. فأنزل الله عزوجل: " يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأقواههم ولم تؤمن قلوبهم " إلى قوله: " إن أوتيتم هذا فخذوه ".
يقولون: " ائتوا محمدا، فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا ".
فأنزل الله ﵎: " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ".
" ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ".
" ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ".
قال: " هي في الكفار كلها ".
رواه أحمد ومسلم وأبو داود (١) .
رأي الفقهاء: حكى صاحب البحر الاجماع على أنه يجلد الحربي.
وأما الرجم فذهب الشافعي وأبو يوسف والقاسمية إلى أنه يرجم المحصن
стр. 1166
من الكفار إذا كان بالغا، عاقلا، حرا، وكان أصاب نكاحا صحيحا في اعتقاده.
وذهب أبو حنيفة، ومحمد، وزيد بن علي، والناصر، والامام يحيى: إلى أنه يجلد ولا يرجم، لان الاسلام شرط في الاحصان عندهم.
ورجم رسول الله ﷺ لليهوديين إنما كان بحكم التوراة التي يدين بها اليهود.
وقال الامام يحيى: والذمي كالحربي في الخلاف.
وقال مالك: لاحد عليه.
وأما الحربي المستأمن فذهبت العترة والشافعي وأبو يوسف إلى أنه يحد وذهب مالك وأبو حنيفة ومحمد: إلى أنه لا يحد.
وقد بالغ ابن عبد البر فنقل الاتفاق على أن شرط الاحصان الموجب للرجم هو الاسلام.
وتعقب بأن الشافعي وأحمد لا يشترطان ذلك.
ومن جملة من قال بأن الاسلام شرط: ربيعة - شيخ مالك - وبعض الشافعية (١) .
الجمع بين الجلد والرجم: ذهب ابن حزم وإسحاق ببن راهواية ومن التابعين الحسن البصري: إلى أن المحصن يجلد مائة جلدة، ثم يرجم حتى يموت.
فيجمع له بين الجلد والرجم.
واستدلوا بما رواه عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال: " خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا: البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم ".
رواه مسلم، وأبو داود، والترمذي.
وعن علي كرم الله وجهه: أنه جلد شراحة يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة.
فقال: أجلدها بكتاب الله، وأرجمها بقول رسول الله ﷺ .
стр. 1167
وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: لا يجتمع الجلد والرجم عليهما وإنما الواجب الرجم خاصة.
وعن أحمد، روايتان: إحداهما يجمع بينهما.
وهو أظهر الروايتين واختارها الخرقي.
والاخرى: لا يجمع بينهما، لمذهب الجمهور - واختارها ابن حامد.
واستدلوا بأن النبي ﷺ رجم ما عزا والغامدية واليهوديين - ولم يجلد واحدا منهما.
وقال لانيس الاسلمي " فإن اعترفت فارجمها "، ولم يأمر بالجلد، وهذا آخر الامرين، لان أبا هريرة قد رواه - وهو متأخر في الاسلام - فيكون ناسخا لما سبق من الحدين - الجلد والرجم - ثم رجم الشيخان أبو بكر
وعمر في خلافتهما ولم يجمعا بين الجلد والرجم.
ويرى الشيخ الدهلوي عدم التعارض، وأنه لا ناسخ ولا منسوخ، وإنما الامر يفوض إلى الحاكم قال: الظاهر عندي أنه يجوز للامام " الحاكم " أن يجمع بين الجلد والرجم، ويستحب له أن يقتصر على الرجم، لاقتصار النبي ﷺ .
والحكمة في ذلك، أن الرجم عقوبة تأتي على النفس، فأصل الزجر المطلوب حاصل به، والجلد زيادة عقوبة مرخص في تركها، فهذا هو وجه الاقتصار على الرجم عندي.
شروط الحد:
يشترط في إقامة حد الزنا ما يلي:
١ - العقل.
٢ - البلوغ.
٣ - الاختيار.
٣ - العلم بالتحريم.
فلا حد على صغير (١) ولا على مجنون، ولا مكره: لما روته عائشة رضي
стр. 1168
الله عنها، أن النبي ﷺ قال: " رفع القلم عن ثلاث (١) : عن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يحتلم (٢) وعن المجنون حتى يعقل ".
رواه أحمد وأصحاب السنن والحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين وحسنه الترمذي.
وأما العلم بالتحريم فلان الحد يتبع اقتراف الحرام، وهو غير مقترف له، وراجع النبي ﷺ ماعزا، فقال له: هل تدري ما الزنا؟ وروي أن جارية سوداء رفعت إلى عمر ﵁ وقيل: إنها زنت، فخفقها بالدرة خفقات وقال: " أي لكاع زنيت؟ فقالت: من غوش (٣) بدرهمين.
فقال عمر: ما ترون؟ وعنده علي وعثمان، وعبد الرحمن بن عوف.
فقال علي ﵁: أرى أن ترجمها.
وقال عبد الرحمن: أرى مثل ما رأى أخوك.
فقال عثمان: أراها تستسهل (٤) بالذي صنعت، لا ترى به بأسا، وإنما حد الله على من علم أمر الله عزوجل.
فقال صدقت.
بم يثبت الحد:
يثبت الحد بأحد أمرين: الاقرار، أو الشهود.
ثبوته بالاقرار: أما الاقرار فهو كما يقولون " سيد الادلة "، وقد أخذ الرسول ﷺ باعتراف ما عز والغامدية، ولم يختلف في ذلك أحد من الائمة، وإن كانوا قد اختلفوا في عدد مرات الاقرار الذي يلزم به الحد.
فقال مالك، والشافعي، وداود، والطبري، وأبو ثور: يكفي في
стр. 1169
لزوم الحد اعترافه به مرة واحدة.
لما رواه أبو هريرة وزيد بن خالد أن رسول الله ﷺ قال: " اغد يا أنيس على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها ".
فاعترفت، فرجمها، ولم يذكر عددا.
وعند الاحناف: أنه لابد من أقارير أربعة مرة بعد مرة في مجالس متفرقة.
ومذهب أحمد وإسحاق مثل الاحناف، إلا أنهم لا يشترطون المجالس المتفرقة، والمذهب الاول هو الارجح.
الرجوع عن الاقرار يسقط الحد: ذهبت الشافعية، والحنفية، وأحمد (١) إلى أن الرجوع عن الاقرار يسقط الحد لما رواه أبو هريرة عند أحمد والترمذي: " أن ما عزا لما وجد مس الحجارة يشتد فر حتى مر برجل معه لحي (٢) جمل، فضربه به، وضربه الناس حتى مات. فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: " هلا تركتموه!؟ ". قال الترمذي إنه حديث حسن.
وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة. انتهى.
وأخرج أبو داود والنسائي من حديث جابر نحوه، وزاد " إنه لما وجد مس الحجارة صرخ: يا قومن ردوني إلى رسول الله ﷺ ، فإن قومي قتلوني وغروني من نفسي، وأخبروني أن رسول الله غير قاتلي.
فلم ننزع عنه حتى قتلناه، فلما رجعنا إلى رسول الله ﷺ وأخبرناه قال: فهلا تركتموه وجئتموني به!!؟ ".
من أقر بزنا امرأة فجحدت:
إذا أقر الرجل بزنا امرأة معينة، فجحدت فإنه يقام عليه الحد وحده،
стр. 1170
ولاتحد هي.
لما رواه أحمد وأبو داود عن سهل بن سعد: " أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فقال: إنه قد زنا بامرأة سماها، فأرسل النبي ﷺ إلى المرأة فدعاها، فسألها فأنكرت، فحده وتركها ".
وهذا الحد هو حد الزنا الذي أقر به، لاحد قذف المرأة كما ذهب إليه مالك والشافعي.
وقال الاوزاعي وأبو حنيفة: يحد للقذف فقط، لان إنكارها شبهة، واعترض على هذا الرأي بأن إنكارها لا يبطل إقراره.
وذهبت الهادوية، ومحمد، ويروى عن الشافعي، أنه يحد للزنا والقذف، لما رواه أبو داود والنسائي عن ابن عباس: " أن رجلا من بكر بن ليث أتى النبي ﷺ فأقر أنه زنا بامرأة أربع مرات، فجلده مائة - وكان بكرا - ثم سأله البينة على المرأة.
فقالت: كذب يا رسول الله، فجلده حد الفرية ثمانين (١) ".
ثبوته بالشهود: الاتهام بالزناسئ الاثر في سقوط الرجل والمرأة، وضياع كرامتهما، وإلحاق العار بهما وبأسرتيهما وذريتهما.
ولهذا شدد الاسلام في إثبا ت هذه الجريمة حتى يسد السبيل على الذين يتهمون الابرياء - جزافا أو لادنى حزازة - بعار الدهر وفضيحة الابد، فاشترط في الشهادة على الزنا الشروط الآتية:
(أولا) أن يكون الشهود أربعة - بخلاف الشهادة على سائر الحقوق - قال الله تعالى: " واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم.
فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا " (٢) ولقوله: " والذين يرمون المحصنات، ثم لم يأتوا بأربعة شهداء " (٣) فإن كانوا أقل من أربعة لم تقبل.
стр. 1171
وهل يحدون إذا شهدوا؟: قال الاحناف، ومالك، والراجح من مذهب الشافعي، وأحمد: نعم.
الان عمر حد الثلاثة الذين شهدوا على المغيرة.
وهم: أبو بكرة ونافع وشبل ابن معبد.
وقيل لا يحدون حد القذف، لان قصدهم أداء الشهادة لاقذف المشهود عليه.
وهو المرجوح عندالشافعية والحنفية ومذهب الظاهرية.
(ثانيا) البلوغ: لقول الله تعالى: " واستشهدوا شهيدين من رجالكم، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء ".
(١) فإن لم يكن بالغا فلا تقبل شهادته، لانه ليس من الرجال، ولا ممن ترضى شهادته، ولو كانت حاله تمكنه من أداء الشهادة على وجهها، ولقول الرسول
ﷺ : " رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق ".
لصبي ليس أهلا لان يتولى حفظ ماله، فلا يتولى الشهادة على غيره، لان الشهادة من باب الولاية.
(ثالثا) العقل: فلا تقبل شهادة مجنون ولامعتوه للحديث السابق، وإذا كانت شهادة الصبي لاتقبل لنقصان عقله فأولى ألا تقبل شهادة المجنون والمعتوه.
(رابعا) العدالة: لقول الله تعالى: " وأشهدوا ذوي عدل منكم " (٢) وقوله: " يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا، أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين " (٣) .
стр. 1172
(خامسا) الاسلام: سواء كانت الشهادة على مسلم أو غير مسلم، وهذا متفق عليه بين الائمة.
(سادسا) المعاينة: أي أن تكون بمعاينة فرجه في فرجها كالميل في المكحلة والرشا في البئر لان الرسول ﷺ قال لما عز: " لعلك قبلت، أو غمزت، أو نظرت "؟ فقال: لا يا رسول الله.
فسأله صلوات الله وسلامه عليه باللفظ الصريح لا يكني.
قال: نعم. قال: " كما يغيب المرود في المكحلة والرشا في البئر "؟ قال: نعم.
وإنما أبيح النظر في هذه الحالة للحاجة إلى الشهادة، كما أبيح للطبيب، والقابلة ونحوهما.
(سابعا) التصريح: وأن يكون التصريح بالايلاج لا بالكناية كما تقدم في الحديث السابق.
(ثامنا) اتحاد المجلس: ويرى جمهور الفقهاء أن من شرط هذه الشهادة اتحاد المجلس بأن لا يختلف في الزمان ولا في المكان، فإن جاءوا متفرقين لا تقبل شهادتهم.
ويرى الشافعية، والظاهرية، والزيدية، عدم اشتراط هذا الشرط.
فإن شهدوا مجتمعين أو متفرقين في مجلس واحد أو في مجالس متفرقة، فإن شهادتهم تقبل، لان الله تعالى ذكر الشهود ولم يذكر المجالس، ولان كل شهادة مقبولة تقبل إن اتفقت، ولو تفرقت في مجالس، كسائر الشهادات.
(تاسعا) الذكورة: ويشترط في شهود الزنا أن يكونوا جميعا من الرجال ولاتقبل شهادة النساء في هذا الباب.
ويرى ابن حزم أنه يجوز أن يقبل في الزنا شهادة امرأتين مسلمتين عدل مكان كل رجل، فيكون الشهود ثلاثة رجال وامرأتين - أو رجلين وأربع نسوة - أو رجلا واحدا وست نسوة - أو ثمان نسوة لارجال معهم.
(عاشرا) عدم التقادم: لقول عمر ﵁: أيما قوم شهدوا على حد، لم يشهدوا عند حضرته فإنما شهدوا عن ضغن، ولا شهادة لهم.
فإذا شهد الشهود على حادث الزنا بعد أن تقادم فإن شهادتهم لا تقبل عند الاحناف، ويحتجون لهذا بأن الشاهد إذا شهد الحادث مخير بين أداء
стр. 1173
الشهادة حسبة، وبين التستر على الجاني، فإذا سكت عن الحادث حتى قدم عليه العهد دل بذلك على اختيار جهة الستر، فإذا شهد بعد ذلك فهو دليل على أن الضغينة هي التي حملته على الشهادة.
ومثل هذا لاتقبل شهادته، للتهمة والضغينة، كما قال عمر، ولم ينقل أن أحدا أنكر عليه هذا القول، فيكون إجماعا.
وهذا ما لم يكن هناك عذر يمنع الشاهد من تأخير الشهادة، فإن كان هناك عذر ظاهر في تأخير الشهادة، كبعد المسافة عن محل التقاضي، وكمرض الشاهد أو نحو ذلك من الموانع، فإن الشهادة تقبل حينئذ ولا تبطل بالتقادم.
والاحناف الذين قالوا بهذا الشرط لم يقدروا له أمدا، بل فوضوا الامر للقاضي يقدره تبعا لظروف كل حالة لتعذر التوقيت، نظرا لاختلاف الاعذار.
وبعض الاحناف قدر التقادم بشهر، وبعضهم قدره بستة أشهر.
أما جمهور الفقهاء من المالكية، والشافعية، والظاهرية، والشيعة الزيدية فإن التقادم عندهم لايمنع من قبول الشهادة مهما كانت متأخرة.
وللحنابلة رأيان: رأي مثل أبي حنيفة، ورأي مثل الجمهور.
هل للقاضي أن يحكم بعلمه؟: يرى الظاهرية أنه فرض على القاضي أن يقضي بعلمه في الدماء، والقصاص والاموال، والفروج، والحدود، سواء علم ذلك قبل ولايته أو بعد ولايته، وأقوى ما حكم بعلمه، لانه يقين الحق، ثم بالاقرار، ثم بالبينة، لان الله تعالى يقول: " يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله " (١) .
وقول الرسول ﷺ :
" من رأى منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه ".
فصح أن القاضي عليه أن يقوم بالقسط، وليس من القسط أن يترك الظالم
стр. 1174
على ظلمه لا يغيره، وصح أن فرضا على القاضي أن يغير كل منكر علمه بيده وأن يعطي كل ذي حق حقه، وإلا فهو ظالم.
وأما جمهور الفقهاء فإنهم يرون أنه ليس للقاضي أن يقضي بعلمه.
قال أبو بكر ﵁: " لو رأيت رجلا على حد لم أحده حتى تقوم البينة عندي "، ولان القاضي كغيره من الافراد لا يجوز له أن يتكلم بما شهده ما لم تكن لديه البينة الكاملة.
ولو رمى القاضي زانيا بما شهده منه، وهو لا يملك على ما يقول البينه الكاملة لكان قاذفا يلزمه حد القذف، وإذا كان قد حرم على القاضي النطق بما يعلم، فأولى أن يحرم عليه العمل به، وأصل هذا الرأي قول الله سبحانه: " فإذا لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون " (١) هل يثبت الحد بالحبل؟: ذهب الجمهور إلى أن مجرد الحبل لا يثبت به الحد، بل لابد من الاعتراف أو البينة.
واستدلوا على هذا بالاحاديث الواردة في درء الحدود بالشبهات.
وعن علي ﵁ أنه قال لامرأة حبلى: " استكرهت؟ " قالت: لا.
قال: " فلعل رجلا أتاك في نومك ".
قالوا: وروى الاثبات عن عمر أنه قبل قول امرأة ادعت أنها ثقيلة النوم
وأن رجلا طرقها ولم تدر من هو بعد.
وأما مالك وأصحابه فقالوا: إذا حملت المرأة ولم يعلم لها زوج ولم يعلم أنها أكرهت فإنها تحد: قالوا: فإن ادعت الاكراه فلابد من الاتيان بأمارة تدل على استكراهها، مثل أن تكون بكرا فتأتي وهي تدمي، أو تفضح نفسها بأثر الاستكراه.
وكذلك إذا ادعت الزوجية، فإن دعواها لاتقبل إلا أن تقيم على ذلك البينة
стр. 1175
واستدلوا لمذهبهم بقول عمر: " الرجم واجب على كل من زنا من الرجال والنساء إذا كان محصنا: إذا كانت بينة، أو الحمل، أو الاعتراف ". وقال علي. " يا أيها الناس إن الزنا زنيان: زنا سروزنا علانية. فزنا السر أن يشهد الشهود، فيكون الشهود أول من يرمي. وزنا العلانية أن يظهر الحبل، والاعتراف ". قالوا: هذا قول الصحابة، ولم يظهر لهم مخالف في عصرهم، فيكون إجماعا.
سقوط الحد بظهور ما يقطع بالبراءة: إذا ظهر بالمرأة أو بالرجل ما يقطع بأنه لم يقع من أحد منهما زنا، كأن تكون المرأة عذراء لم تفض بكارتها أو رتقاء مسدودة الفرج، أو يكون الرجل مجبوبا أو عنينا سقط الحد.
وقد بعث رسول الله ﷺ عليا لقتل رجل كان يدخل على إحدى النساء، فذهب فوجده يغتسل في ماء، فأخذ بيده فأخرجه من الماء ليقتله، فرآه مجبوبا، فتركه ورجع إلى النبي ﷺ وأخبره بذلك.
الولد يأتي لستة أشهر: إذا تزوجت المرأة وجاءت بولد لستة أشهر منذ تزوجت فلا حد عليها.
قال مالك: بلغني أن عثمان بن عفان أتي بامرأة قد ولدت في ستة أشهر، فأمر بها أن ترجم، فقال له علي بن أبي طالب: ليس ذلك عليها.
إن الله ﵎ يقول في كتابه: " وحمله وفصاله ثلاثون شهرا ". (١)
стр. 1176
وقال: " الوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين، لمن أراد أن يتم الرضاعة ".
(١) فالحمل يكون ستة أشهر، فلارجم عليها، فبعث عثمان في أثرها، فوجدها قد رجمت.
وقت إقامة الحد:
قال في بداية المجتهد (٢) : وأما الوقت فإن الجمهور على أنه لايقام في الحر الشديد ولا في البرد، ولا يقام على المريض.
وقال قوم: يقام - وبه قال أحمد وإسحاق - واحتجا بحديثي عمر أنه أقام الحد على قدامة وهو مريض.
قال: وسبب الخلاف معارضة الظواهر
للمفهوم من الحد، وهو أنه حيث لا يغلب على ظن المقيم له فوات نفس المحدود.
فمن نظر إلى الامر بإقامة الحدود مطلقا من غير استثناء قال يحد المريض.
ومن نظر إلى المفهوم من الحد قال لا يحد المريض حتى يبرأ، وكذلك الامر في شدة الحر والبرد.
قال الشوكاني: وقد حكي في البحر الاجماع على أنه يمهل البكر حتى تزول شدة الحر والبرد، والمرض المرجو برؤه، فإن كان ميؤوسا، فقاال الهادي وأصحاب الشافعي: إنه يضرب بعثكول (٣) إن احتمله.
وقال الناصر والمؤيد بالله: لا يحد في مرضه وإن كان ميئوسا - والظاهر الاول، لحديث أبي أمامة بن سهل بن حنيف الآتي: وأما المرجوم إذا كان مريضا أو نحوه فذهبت العترة، والشافعية والحنفية ومالك: إلى أنه لا يمهل لمرض ولا لغيره إذ القصد إتلافه.
стр. 1177
وقال المروزي: يؤخر لشدة الحر أو البرد أو المرض، سواء ثبت بإقراره أو بالبينة.
وقال الاسفراييني: يؤخر للمرض فقط، وفي الحر والبرد: يرجم في الحال أو حيث يثبت بالبينة لا الاقرار أو العكس.
والحبلى لاترجم حتى تضع وترضع ولدها إن لم يوجد من
يرضعه.
وعن علي قال: " إن أمة لرسول الله ﷺ زنت، فأمرني أن أجلدها، فأتيتها فإذا هي حديثة عهد بنفاس، فخشيت ان أجلدها أن أقتلها، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: أحسنت.
اتركها حتى تماثل ".
رواه أحمد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وصححه.
الحفر للمرجوم: اختلفت الاحاديث الواردة في الحفر للمرجوم فبعضها مصرح فيه بالحفر له، وبعضها لم يصرح به.
قال الامام أحمد: أكثر الاحاديث على أنه لاحفر.
ولاختلاف ما ورد من أحاديث، اختلف الفقهاء.
فقال مالك وأبوحنيفة: لا يحفر للمرجوم.
وقال أبو ثور: يحفر له.
وروي عن علي ﵁: أنه حين أمر برجم شراحة الهمدانية أخرجها، فحفر لها، فأدخلت فيها، وأحدق الناس بها يرمونها.
وأما الشافعي فخير في ذلك.
وروي عنه أنه يحفر للمرأة خاصة.
وقد ذهبت العترة إلى أنه يستحب الحفر إلى سرة الرجل وثدي المرأة، ويستحب جمع ثيابها عليه وشدها بحيث لا تنكشف عورتها في تقلبها وتكرار اضطرابها إذا لم يحفر لها.
واتفق العلماء على أنه لاترجم إلا قاعدة، وأما الرجل فجمهورهم على أنه يرجم قائما.
وقال مالك: قاعدا، وقال غيره: يخير الامام بينهما
стр. 1178
حضور الإمام والشهود والرجم:
(١) قال في نيل الاوطار: " حكى صاحب البحر عن العترة، والشافعي، أنه لا يلزم الامام حضور الرجم، وهو الحق، لعدم دليل يدل على الوجوب، ولما تقدم في حديث ماعزأنه ﷺ أمر برجم ماعز ولم يخرج معهم.
والزنا منه ثبت بإقراره كما سلف، وكذلك لم يحضر في رجم الغامدية كما زعم البعض.
قال في التلخيص: لم يقع في طرق الحديثين أنه حضر، بل في بعض الطرق ما يدل على أنه لم يحضر.
وقد جزم بذلك الشافعي، فقال: وأما الغامدية ففي سنن داود وغيره ما يدل على ذلك.
وإذا تقرر هذا تبين عدم الوجوب على الشهود ولا على الامام.
وأم الاستحباب، فقد حكى ابن دقيق العيد أن الفقهاء استحبوا أن يبدأ الامام بالرجم إذا ثبت الزنا بالاقرار، وتبدأ الشهود به إذا ثبت بالبينة.
شهود طائفة من المؤمنين الحد: قال الله تعالى: " الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة، ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين " (٢) .
استدل العلماء بهذه الآية على أنه يستحب أن يشهد إقامة الحد طائفة من المؤمنين، واختلفوا في عدد هذه الطائفة، فقيل: أربعة، وقيل: ثلاثة، وقيل اثنان.
وقيل: سبعة فأكثر.
الضرب في حد الجلد:
ذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أنه يضرب سائر الاعضاء ما عدا الفرج
стр. 1179
والوجه وما عدا الرأس كذلك عند أبي حنيفة.
وقال مالك: يجرد الرجل في ضرب الحدود كلها، وكذلك عند الشافعي وأبي حنيفة، ما عدا القذف.
ويضرب قاعدا لا قائما (١) .
قال النووي: قال أصحابنا: وإذا ضربه بالسوط يكون سوطا معتدلا في الحجم، بين القضيب والعصا.
فإن ضربه بجريدة، فلتكن خفيفة بين اليابسة والرطبة، ويضربه، ضربا بين ضربين، فلا يرفع يده فوق رأسه، ولا يكتفي بالوضع، بل يرفع ذراعه رفعا معتدلا.
إمهال البكر: تمهل البكر حتى تزول شدة الحر والبرد، وكذلك المرجو الشفاء.
فإن كان ميئوسا من شفائه.
فقال أصحاب الشافعي: إنه يضرب بعثكول إن احتمله.
روى أبو داود وغيره عن رجل من الانصار: أنه اشتكى (٢) رجل منهم حتى أضى (٣) فعاد جلده على عظم.
فدخلت عليه جارية لبعضهم، فهش لها فوقع عليها (٤) .
فلما دخل عليه رجال قومه يعودونه أخبرهم بذلك، وقال: استفتوا لي
رسول الله ﷺ ، فإني قد وقعت على جارية دخلت علي.
فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ وقالوا: ما رأينا بأحدمن الناس من الضر مثل الذي هو به، لو حملناه إليك لتفسخت عظامه، ما هو إلا جلد على عظم.
فأمر رسول الله ﷺ أن يأخذوا له مائة شمراخ فيضربوه به ضربة واحد.
стр. 1180
هل للمجلود دية إذا مات ؟
إذا مات المجلود فلادية له.
قال النووي في شرح مسلم: " أجمع العلماء على أن من وجب عليه الحد فجلده الامام أو جلاده الحد الشرعي فمات فلادية فيه ولا كفارة، لاعلى الامام " الحاكم " ولا على جلاده، ولا في بيت المال ".
كان ما تقدم هو حكم جريمة الزنا، وبقي أن نذكر بعض الجرائم وأحكامها فيما يلي:
(١) عمل قوم لوط: إن جريمة اللواط من أكبر الجرائم، وهي من الفواحش المفسدة للخلق وللفطرة وللدين والدنيا، بل وللحياة نفسها، وقد عاقب الله عليها بأقسى
عقوبة. فخسف الارض بقوم لوط، وأمطر عليهما حجارة من سجيل جزاء فعلتهم القذرة.
وجعل ذلك قرآنا يتلى ليكون درسا.
قال الله سبحانه: " ولوطا إذ قال لقومه: أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين.
إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء، بل أنتم قوم مسرفون.
وما كان جواب قومه إلا أن قالوا: أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون.
فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين.
وأمطرنا عليهم مطرا، فانظر كيف كان عاقبة المجرمين: " (١) وقال تعالى: " ولما جاءت رسلنا لوطا سئ بهم وضاق بهم ذرعا، وقال: هذا يوم عصيب. وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات، قال: يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر
стр. 1181
لكم، فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي، أليس منكم رجل رشيد؟ قالوا: لقد علمت ما لنا في بناتك من حق، وإنك لتعلم ما نريد.
قال: لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد؟ قالوا: يا لوط إنا رسل ربك، لن يصلوا إليك، فأسر بأهلك بقطع من الليل، ولا يلتفت منكم أحد، إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم، إن موعدهم الصبح، أليس الصبح بقريب!؟ فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها، وأمطرنا عليها
حجارة من سجيل منضود.
مسومة عند ربك، وما هي من الظالمين ببعيد ".
(١) وقد أمر الرسول ﷺ بقتل فاعله ولعنه.
روى أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، عن عكرمة، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: " من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به ".
ولفظ النسائي: " لعن الله من عمل عمل قوم لوط. لعن الله من عمل عمل قوم لوط. لعن الله من عمل عمل قوم لوط ".
قال الشوكاني: " وما أحق مرتكب هذه الجريمة، ومقارفي هذه الرذيلة الذميمة بأن يعاقب عقوبة يصير بها عبرة للمعتبرين، ويعذب تعذيبا يكسر شهوة الفسقة المتمردين.
فحقيق بمن أتى بفاحشة قوم ما سبقهم بها من أحد من العالمين، أن يصلى من العقوبة بما يكون من الشدة والشناعة مشابها لعقوبتهم، وقد خسف الله تعالى بهم، واستأصل بذلك العذاب بكرهم وثيبهم ".
وإنما شدد الاسلام في عقوبة هذه الجريمة لآثارها السيئة وأضرارها في الفرد والجماعة.
وهذه الاضرار نذكرها ملخصة من كتاب: " الاسلام والطب " فيما يلي (١) :
стр. 1182
الرغبة عن المرأة:
من شأن اللواطة أن تصرف الرجل عن المرأة، وقد يبلغ به الامر إلى حد العجز عن مباشرتها، وبذلك تتعطل أهم وظيفة من وظائف الزواج، وهي إيجاد النسل.
ولو قدر لمثل هذا الرجل أن يتزوج، فإن زوجته تكون ضحية من الضحايا، فلا تظفر بالسكن (١) ، ولا بالمودة، ولا بالرحمة التي هي دستور الحياة الزوجية، فتقضي حياتها معذبة معلقة، لاهي متزوجة ولا مطلقة.
التأثير في الأعصاب: وإن هذه العادة تغزو النفس، وتؤثر في الاعصاب تأثيرا خاصا، أحد نتائجه الاصابة بالانعكاس النفسي في خلق الفرد، فيشعر في صميم فؤاده بأنه ما خلق ليكون رجلا، وينقلب الشعور إلى شذوذ، به ينعكس شعور اللائط انعكاسا غريبا، فيشعر بميل إلى بني جنسه، وتتجه أفكاره الخبيثة إلى أعضائهم التناسلية.
ومن هذا تستطيع أن تتبين العلة الحقيقية في إسراف بعض الشبان الساقطين في التزين وتقليدهم النساء في وضع المساحيق المختلفة على وجوههم، ومحاولتهم الظهور بمظهر الجمال بتحمير أصداغهم، وتزجيج حواجبهم، وتثنيهم في مشيتهم، إلى غيرذلك مما نشاهده جميعا في كل مكان.
وتقع عليه أبصارنا في كثير من الاحيان.
ولقد أثبتت كتب الطب كثيرا من الوقائع الغريبة التي تتعلق بهذا الشذوذ أضرب صفحا عن ذكرها.
ولا يقتصر الامر على إصابة اللائط بالانعكاس النفسي، بل هنالك ما تسببه هذه الفاحشة من إضعاف القوى النفسية الطبيعية في الشخص كذلك، وما تحدثه من جعله عرضة للاصابة بأمراض عصبية شاذة وعلل نفسية شائنة، تفقده لذة الحياة، وتسلبه صفة الانسانية والرجولة، فتحيي فيه لوثات وراثية
стр. 1183
خاصة، وتظهر عليه آفات عصبية كامنة تبديها هذه الفاحشة، وتدعو إلى تسلطها عليه.
ومثل هذه الآفات العصبية النفسية: الامراض السادية، والماسوشية، والفيتشزم وغيرها.
التأثير على المخ: واللواط بجانب ذلك يسبب اختلالا كبيرا في توازن عقل المرء، وارتباكا عاما في تفكيره، وركودا غريبا في تصوراته، وبلاهة واضحة في عقله، وضعفا شديدا في إرادته.
وإن ذلك ليرجع إلى قلة الافرازات الداخلية التي تفرزها الغدة الدرقية، والغدد فوق الكلى، وغيرها مما يتأثر باللواط تأثرا مباشرا، فيضطرب عملها وتختل وظائفها.
وإنك لتجد هنالك علاقة وثيقة بين (النيورستانيا) واللواط، وارتباطا غريبا بينهما، فيصاب اللائط بالبله والعبط وشرود الفكر وضياع العقل والرشاد.
السويداء: واللواط إما أن يكون سببا في ظهور مرض السويداء أو يغدو عاملا قويا على إظهاره وبعثه.
ولقد وجد أن هذه الفاحشة وسيلة شديدة التأثير على هذا الداء من حيث مضاعفتها له وزيادة تعقيدها لاعراضه ويرجع ذلك للشذوذ الوظيفي لهذه الفاحشة المنكرة وسوء تأثيرها على أعصاب الجسم.
عدم كفاية اللواط: واللواط علة شاذة، وطريقة غير كافية لاشباع العاطفة الجنسية وذلك لانها بعيدة الاصل عن الملامسة الطبيعية، لا تقوم بإرضاء المجموع العصبي، شديدة الوطأة على الجهاز العضلي، سيئة التأتير على سائر أجزاء البدن.
стр. 1184
وإذا نظرنا إلى فسيولوجيا الجماع والوظيفة الطبيعية التي تؤديها الاعضاء التناسلية وقت المباشرة، ثم قارنا ذلك بما يحدث في اللواط، وجدنا الفرق بعيدا والبون بين الحالتين شاسعا، ناهيك بعدم صلاحية الموضع وفقد ملاءمته للوضع الشاذ.
ارتخاء عضلات المستقيم وتمزقه: وإنك إذا نظرت إلى اللواط من ناحية أخرى وجدته سببا في تمزق المستقيم وهتك أنسجته وارتخاء عضلاته وسقوط بعض أجزائه، وفقد السيطرة على المواد البرازية وعدم استطاعة القبض عليها، ولذلك تجد الفاسقين دائمي التلوث بهذه المواد المتعفنة بحيث تخرج منهم بغير إرادة أو شعور.
علاقة اللواط بالأخلاق:
واللواط لوثة أخلاقية ومرض نفسي خطير، فتجد جميع من يتصفون به سيئي الخلق فاسدي الطباع، لا يكادون يميزون بين الفضائل والرذائل.
ضعيفي الارادة ليس لهم وجدان يؤنبهم ولا ضمير يردعهم، لا يتحرج أحدهم، ولا يردعه رادع نفسي، عن السطو على الاطفال والصغار واستعمال العنف والشدة لاشباع عاطفته الفاسدة والتجرؤ على ارتكاب الجرائم التي نسمع عنها كثيرا ونطالع أخبارها في الجرائد السيارة وفي غيرها، ونجد تفاصيل حوادثها في المحاكم وفي كتب الطب.
اللواط وعلاقته بالصحة العامة:
واللواط فوق ما ذكرت يصيب مقترفيه بضيق الصدر ويرزؤهم بخفقان القلب.
ويتركهم بحال من الضعف العام يعرضهم للاصابة بشتى الامراض ويجعلهم نهبة لمختلف العلل والاوصاب.
التأثير على أعضاء التناسل:
ويضعف اللواط كذلك مراكز الانزال الرئيسية في الجسم ويعمل على القضاء على الحيوية المنوية فيه، ويؤثر على تركيب مواد المني ثم ينتهي الامر
стр. 1185
بعد قليل من الزمن بعدم القدرة على إيجاد النسل، والاصابة بالعقم مما يحكم على اللائطين بالانقراض والزوال.
التيفود والدوسنطاريا:
ونستطيع أن نقول: إن اللواط يسبب بجانب ذلك العدوى بالحمى التيفودية والدوسنطاريا وغيرهما من الامراض الخبيثة التي تنتقل بطريق التلوث بالمواد البرازية المزودة بمختلف الجراثيم، المملوءة بشتى أسباب العلل والامراض.
أمراض الزنا:
ولا يخفى أن الامراض التي تنتشر بالزنا يمكن أن تنتشر كذلك بطريق اللواط، وتصيب أصحابه فتفتك بهم فتكا ذريعا، فتبلي أجسامهم، وتحصد أرواحهم.
مما تقدم نتبين حكمة التشريع الاسلامي في تحريم اللواط، وتظهر دقة أحكامه في التنكيل بمقترفيه، والامر بالقضاء عليهم وتخليص العالم من شرورهم.
رأي الفقهاء في حكم اللواط:
ومع إجماع العلماء على حرمة هذه الجريمة، وعلى وجوب أخذ مقترفيها بالشدة، إلا أنهم اختلفوا في تقدير العقوبة المقررة لها مذاهب ثلاثة:
١ - مذهب القائلين بالقتل مطلقا.
٢ - ومذهب القائلين بأن حده حد الزاني: فيجلد البكرويرجم المحصن.
٣ - ومذهب القائلين بالتعزير.
(المذهب الاول) : يرى أصحاب الرسول ﷺ ، والناصر، والقاسم بن إبراهيم، والشافعي في قول: أن حده القتل ولو كان بكرا، سواء كان فاعلا أو مفعولا به.
واستدلوا بما يأتي:
١ - عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه "
стр. 1186
وسلم: " من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به ".
رواه الخمسة إلا النسائي..قال في " النيل ": وأخرجه أيضا الحاكم والبيهقي.
وقال الحافظ: رجاله موثوقون إلا أن فيه اختلافا.
٢ - وعن علي أنه رجم من عمل هذا العمل. أخرجه البيهقي.
قال الشافعي: وبهذا نأخذ برجم من يعمل هذا العمل محصنا كان أو غير محصن.
٣ - وعن أبي بكر أنه جمع الناس في حق رجل ينكح كما ينكح النساء.
فسأل أصحاب رسول الله ﷺ عن ذلك فكان من أشدهم يومئذ قولا علي بن أبي طالب ﵇، قال: " هذا ذنب لم تعص به أمة من الامم، إلا أمة واحدة، صنع الله بها ما قد علمتم، نرى أن نحرقه بالنار ".
فكتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد يأمره أن يحرقه بالنار.
أخرجه البيهقي وفي إسناده إرسال.
وأفاد الشوكاني بأن هذه الاحاديث تنهض بمجموعها للاحتجاج بها.
وهؤلاء اختلفوا في كيفية قتل مرتكب هذا العمل.
فروي عن أبي بكر وعلي: أنه يقتل بالسيف، ثم يحرق، لعظم المعصية.
وذهب عمر وعثمان إلى أنه يلقى عليه حائط.
وذهب ابن عباس إلى أنه يلقى من أعلى بناء في البلد.
وحكى البغوي عن الشعبي، والزهري، ومالك، وأحمد، وإسحاق، أنه يرجم.
وحكي ذلك الترمذي عن مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.
وروي عن النخعي أنه لو كان يستقيم أن يرجم الزاني مرتين لرجم من يعمل عمل قوم لوط.
وقال المنذري: حرق من يعمل هذا العمل أبو بكر وعلي، وعبد الله بن الزبير، وهشام بن عبد الملك.
(المذهب الثاني) : وذهب سعيد بن المسيب، وعطاء بن أبي رباح،
стр. 1187
والحسن، وقتادة، والنخعي، والثوري، والاوزاعي، وأبو طالب، والامام يحيى، والشافعي في قول إلى أن حده حد الزاني، فيجلد البكر ويغرب، ويرجم المحصن.
واستدلوا بما يأتي:
١ - ان هذا الفعل نوع من أنواع الزنا، لانه إيلاج فرج في فرج، فيكون اللائط والملوط به داخلين تحت عموم الادلة الواردة في الزاني المحصن والبكر، ويؤيد هذا حديث رسول الله ﷺ : " إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان ".
٢ - انه على فرض عدم شمول الادلة الواردة في عقوبة الزنا لهما، فهما لاحقان بالزاني بطريق القياس.
(المذهب الثالث) : وذهب أبو حنيفة، والمؤيد بالله، والمرتضى، والشافعي في قول إلى تعزير مرتكب هذه الفاحشة، لان الفعل ليس بزنا فلا يأخذ حكمه.
وقد رجح الشوكاني مذهب القائلين بالقتل، وضعف المذهب الاخير لمخالفته للادلة، وناقش المذهب الثاني فقال: " إن الادلة الواردة بقتل الفاعل والمفعول به مطلقا مخصصة لعموم أدلة الزنا الفارقة بين البكر والثيب على فرض شمولها المرتكب جريمة قوم لوط، ومبطلة للقياس المذكور على فرض عدم الشمول، لانه يصير فاسد الاعتبار، كما تقرر في الاصول (١) .
(٢) الاستمناء: استمناء الرجل بيده مما يتنافى مع ما ينبغي أن يكون عليه الانسان من الادب وحسن الخلق، وقد اختلف الفقهاء في حكمه: فمنهم من رأى أنه حرام مطلقا.
ومنهم من رأى أنه حرام في بعض الحالات، وواجب في بعضها الآخر.
стр. 1188
ومنهم من ذهب إلى القول بكراهته.
أما الذين ذهبوا إلى تحريمه فهم المالكية والشافعية، والزيدية.
وحجتهم في التحريم أن الله سبحانه أمر بحفظ الفروج في كل الحالات، إلا بالنسبة للزوجة، وملك اليمين.
فإذا تجاوز المرء هاتين الحالتين واستمنى، كان من العادين المتجاوزين ما أحل الله لهم إلى ما حرمه عليهم.
يقول الله سبحانه: " والذين هم لفروجهم حافظون.
إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين.
فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون ".
(١) وأما الذين ذهبوا الى التحريم في بعض الحالات، والوجوب في بعضها الآخر، فهم الاحناف فقد قالوا: إنه يجب الاستمناء إذا خيف الوقوع في الزنا بدونه، جريا على قاعدة: ارتكاب أخف الضررين.
وقالوا: إنه يحرم إذا كان لاستجلاب الشهوة وإثارتها.
وقالوا: إنه لا بأس به إذا غلبت الشهوة، ولم يكن عنده زوجة أو أمة واستمنى بقصد تسكينها.
وأما الحنابلة فقالوا: إنه حرام، إلا إذا استمنى خوفا على نفسه من الزنا، أو خوفا على صحته، ولم تكن له زوجة أو أمة، ولم يقدر على الزواج، فإنه لاحرج عليه.
وأما ابن حزم فيرى أن الاستمناء مكروه ولا إثم فيه، لان مس الرجل ذكره بشماله مباح بإجماع الامة كلها.
وإذا كان مباحا فليس هنالك زيادة على المباح إلا التعمد لنزول المني، فليس ذلك حراما أصلا، لقول الله تعالى:
" وقد فصل الله لكم ما حرم عليكم " (٢) .
وليس هذا ما فصل لنا تحريمه، فهو حلال لقوله تعالى: " خلق لكم ما في الارض جميعا ".
قال: وإنما كره الاستمناء لانه ليس من مكارم الاخلاق ولا من الفضائل:
стр. 1189
وروي لنا أن الناس تكلموا في الاستمناء فكرهته طائفة وأباحته أخرى.
وممن كرهه ابن عمر، وعطاء.
وممن أباحه ابن عباس، والحسن، وبعض كبار التابعين.
وقال الحسن: كانوا يفعلونه في المغازي.
وقال مجاهد: كان من مضى يأمرون شبابهم بالاستمناء يستعفون بذلك، وحكم المرأة مثل حكم الرجل فيه.
(٣) السحاق: السحاق محرم باتفاق العلماء، لما رواه أحمد، ومسلم، وأبو داود والترمذي أن رسول الله ﷺ قال: " لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة، ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد ".
والسحاق مباشرة دون إيلاج، ففيه التعزير دون الحد كما لو باشر الرجل المرأة دون إيلاج في الفرج.
(٤) إتيان البهيمة:
أجمع العلماء على تحريم إتيان البهيمة.
واختلفوا في عقوبة من فعل ذلك: فروي عن جابر بن زيد أنه قال: من أتى بهيمة أقيم عليه الحد.
وروي عن علي أنه قال: إن كان محصنا رجم.
وروي عن الحسن: أنه بمنزلة الزاني: وذهب أبو حنيفة، ومالك، والشافعي في قول له، والمؤيد بالله، والناصر، والامام يحيى إلى وجوب التعزير فقط، إذ أنه ليس بزنا.
وذهب الشافعي في قول آخر: إلى أنه يقتل، لما رواه عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال:
стр. 1190
" من وقع على بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة ".
رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وقال: لا نعرفه إلا من حديث عمرو بن أبي عمرو.
وروى الترمذي وأبو داود من حديث عاصم، عن أبي رزين، عن ابن عباس أنه قال: " من أتى بهيمة فلا حد عليه " وذكر أنه أصح.
وروى ابن ماجه، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : " من وقع على ذات محرم فاقتلوه، ومن وقع على بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة ".
قال الشوكاني: " وفي الحديث دليل على أنه تقتل البهيمة - والعلة في ذلك
ما رواه أبو داود والنسائي أنه قيل لابن عباس: ما شأن البهيمة؟ قال: ما أراه قال ذلك، إلا أنه يكره أن يؤكل لحمها، وقد عمل بها ذلك العمل.
وقد تقدم أن العلة أن يقال: هذه التي فعل بها كذا وكذا.
وقد ذهب إلى تحريم لحم البهيمة المفعول بها.
وإلى إنها تذبح علي ﵇ والشافعي في قول له.
وذهبت القاسمية، والشافعية في قول، وأبو حنيفة وأبو يوسف إلى أنه يكره أكلها تنزيها فقط.
قال في البحر أنها تذبح البهيمة ولو كانت غير مأكولة، لئلا تأتي بولد مشوه، كما روى أن راعيا أتى بهيمة فأتت بمولود مشوه.
انتهى.
قال: وأما حديث أن النبي ﷺ نهى عن ذبح الحيوان إلا لاكله، فهو عام مخصص بحديث الباب " انتهى (١)(٥) الوطء بالاكراه: إذا أكرهت المرأة على الزنا فإنه لا حد عليها، لان الله تعالى يقول:
стр. 1191
" فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه ".
والرسول ﵊ يقول: " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه ".
وقد استكرهت امرأة على عهد الرسول ﵊ فدرأ عنها الحد.
وجاءت امرأة إلى عمر فذكرت له أنها استسقت راعيا فأبى أن يسقيها
إلا أن تمكنه من نفسها - ففعلت - فقال: " علي: ما ترى فيها؟ " قال: إنها مضطرة، فأعطاها شيئا وتركها.
ويستوي في ذلك الاكراه بالالجاء - بمعنى أن يغلبها على نفسها - والاكراه بالتهديد، ولم يخالف في ذلك أحد من أهل العلم، وإنما اختلفوا في وجوب الصداق لها.
فذهب مالك والشافعي، إلى وجوبه.
روى مالك في الموطأ عن ابن شهاب أن عبد الملك بن مروان قضي في امرأة أصيبت مستكرهة بصداقها على من فعل ذلك بها.
وقال أبو حنيفة: لا صداق لها.
قال في بداية المجتهد: " وسبب الخلاف: هل الصداق عوض عن البضع أو هو نحلة فمن قال: هو عوض عن البضع أوجبه في البضع في الحلية والمحرمية ومن قال إنه نحلة خص الله به الاوزاج لم يوجبه.
ورأي أبي حنيفة أصح.
(٦) الخطأ في الوطء: إذا زفت إلى رجل امرأة غير زوجته، وقيل له هذه زوجتك فوطئها يعتقدها زوجته فلا حد عليه باتفاق.
وكذلك الحكم إذا لم يقل له هذه زوجتك، أو وجد على فراشه امرأة ظنها امرأته فوطئها، أو دعا زوجته فجاء غيرها، فظنها المدعوة فوطئها، لا حد عليه في كل ذلك.
стр. 1192
وهكذا الحكم في كل خطأ في وطء مباح، أما الخطأ في الوطء المحرم،
فإنه يوجب الحد، فمن دعا امرأة محرمة عليه فأجابته غيرها فوطئها يظنها المدعوة فعليه الحد، فإن دعا محرمة عليه، فأجابته زوجته فوطئها يظنها الاجنبية التي دعاها، فلا حد عليه، وإن أثم باعتبار ظنه.
بقاء البكارة: وعدم زوال البكارة يعتبر شبهة في حق المشهود عليها بالزنا، عند أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، والشيعة الزيدية.
فإذا شهد أربعة على امرأة بالزنا وشهد ثقات من النساء بأنها عذراء فلاحد عليها للشبهة ولا حد على الشهود.
(٧) الوطء في نكاح مختلف فيه: ولا يجب الحد في نكاح مختلف في صحته، مثل زواج المتعة، والشغار، وزواج التحليل، والزواج بلا ولي أو شهود، وزواج الاخت في عدة أختها البائن، وزواج الخامسة، في عدة الرابعة البائن، لان الاختلاف بين الفقهاء على صحة هذا الزواج يعتبر شبهة في الوطء، والحدود تدرأ بالشبهات خلافا للظاهرية، إذ أنهم يرون الحد في كل وطء قام على نكاح باطل أو فاسد.
(٨) الوطء في نكاح باطل: وكل زواج مجمع على بطلانه، كنكاح خامسة زيادة على الاربع، أو متزوجة، أو معتدة الغير، أو نكاح المطلقة ثلاثا قبل أن تتزوج زوجا آخر، إذا وطئ فيه فهو زنا موجب للحد، ولا عبرة بوجود العقد ولا أثر له.
حد القذف:
(١) تعريفه: أصل القذف الرمي بالحجارة وغيرها.
ومنه قول الله تعالى لام موسى ﵇: " أن اقذ فيه في التابوت، فاقذ فيه في اليم " (١)
стр. 1193
والقذف بالزنا مأخوذ من هذا المعنى، والمقصود به هنا المعنى الشرعي، وهو الرمي بالزنا.
(٢) حرمته: يستهدف الاسلام حماية أعراض الناس، والمحافظة على سمعتهم، وصيانة كرامتهم، وهو لهذا يقطع ألسنة السوء ويسد الباب على الذين يلتمسون للبرآء العيب، فيمنع ضعاف النفوس من أن يجرحوا مشاعر الناس ويغلوا في أعراضهم، ويحظر أشد الحظر إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا حتى تتطهر الحياة من سريان هذا الشر فيها.
فهو يحرم القذف تحريما قاطعا، ويجعله كبيرة من كبائر الاثم والفواحش، ويوجب على القاذف ثمانين جلدة - رجلا كان أو امرأة - ويمنع من قبول شهادته، ويحكم عليه بالفسق واللعن والطرد من رحمة الله، واستحقاق العذاب الاليم في الدنيا والاخرة، اللهم إلا إذا ثبت صحة قوله بالادلة التي لا يتطرق إليها الشك، وهي شهادة أربع شهداء بأن المقذوف تورط في الفاحشة يقول الله سبحانه: " والذين يرمون (١) المحصنات (٢) ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة.
ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا، وأولئك هم الفاسقون.
إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم " (٣) .
ويقول: " إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات، لعنوا في الدنيا والاخرة، ولهم عذاب عظيم. يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون. يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق، ويعلمون أن الله هو الحق المبين " (٤) .
стр. 1194
ويقول: " إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والاخرة ".
وروى البخاري ومسلم أن رسول الله ﷺ قال: " اجتنبوا السبع الموبقات (١) .
قالوا وما هن يارسول الله؟.
قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف (٢) ، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات ".
وكان هذا التحريم الذي نزلت به الايات بسبب حادث الافك الذي وقع لام المؤمنين السيدة عائشة ﵂ قالت: لما نزل عذري، قام النبي على المنبر فذكر ذلك وتلا القرآن، فلما نزل عن المنبر أمر بالرجلين والمرأة فضربوا حدهم، وهم حسان ومسطح، وحمنة. رواه أبو داود.
ما يشترط في القذف: للقذف شروط لابد من توافرها حتى يصبح جريمة تستحق عقوبة الجلد.
وهذه الشروط منها ما يجب توافره في القاذف، ومنها ما يجب توافره في المقذوف، ومنها ما يجب توفره في الشئ المقذوف به.
شروط القاذف:
والشروط التي يجب توفرها في القاذف هي:
١ - العقل.
٢ - البلوغ.
٣ - الاختيار.
لان ذلك أصل التكليف، ولا تكليف بدون هذه الاشياء.
فإذا قذف المجنون أو الصبي أو المكره فلا حد على واحد منهم، لقول رسول الله صلى الله ﷺ :
стр. 1195
" رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق ".
ويقول: " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه ".
فإذا كان الصبي مراهقا بحيث يؤذي قذفه فإنه يعزر تعزيرا مناسبا.
شروط المقذوف:
وشروط المقذوف هي:
١ - العقل: لان الحد إنما شرع للزجر عن الاذية بالضرر الواقع على المقذوف، ولا مضرة على من فقد العقل فلا يحد قاذفه.
٢ - البلوغ: وكذلك يشترط في المقذوف البلوغ، فلا يحد قاذف الصغير والصغيرة، فإذا رمى صبية يمكن وطئها قبل البلوغ بالزنا، فقد قال جمهور العلماء: إن هذا ليس بقذف، لانه ليس بزنا، إذ لا حد عليها.
ويعزر القاذف.
وقال مالك: ان ذلك قذف يحد فاعله.
وقال ابن العربي: " والمسألة محتملة الشك.
لكن مالك غلب عرض المقذوف وغيره راعى حماية ظهر القاذف، وحماية عرض المقذوف أولى، لان القاذف كشف ستره بطرف لسانه، فلزم الحد ".
وقال ابن المنذر: " وقال أحمد في الجارية بنت تسع يجلد قاذفها، وكذلك الصبي إذا بلغ ضرب قاذفه ".
وقال إسحاق: إذا قذف غلام يطأ مثله فعليه الحد.
والجارية إذا جاوزت تسعة مثل ذلك.
وقال ابن المنذر: لا يحد من قذف من لم يبلغ، لان ذلك كذب.
ويعزر على الاذى.
٣ - الاسلام: والاسلام شرط في المقذوف، فلو كان المقذوف من غير المسلمين لم يقر الحد على قاذفه عند جمهور العلماء، وإذا كان العكس فقذف النصراني أو اليهودي المسلم الحر فعليه ما على المسلم: ثمانون جلدة.