" فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه ".
والرسول ﵊ يقول: " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه ".
وقد استكرهت امرأة على عهد الرسول ﵊ فدرأ عنها الحد.
وجاءت امرأة إلى عمر فذكرت له أنها استسقت راعيا فأبى أن يسقيها
إلا أن تمكنه من نفسها - ففعلت - فقال: " علي: ما ترى فيها؟ " قال: إنها مضطرة، فأعطاها شيئا وتركها.
ويستوي في ذلك الاكراه بالالجاء - بمعنى أن يغلبها على نفسها - والاكراه بالتهديد، ولم يخالف في ذلك أحد من أهل العلم، وإنما اختلفوا في وجوب الصداق لها.
فذهب مالك والشافعي، إلى وجوبه.
روى مالك في الموطأ عن ابن شهاب أن عبد الملك بن مروان قضي في امرأة أصيبت مستكرهة بصداقها على من فعل ذلك بها.
وقال أبو حنيفة: لا صداق لها.
قال في بداية المجتهد: " وسبب الخلاف: هل الصداق عوض عن البضع أو هو نحلة فمن قال: هو عوض عن البضع أوجبه في البضع في الحلية والمحرمية ومن قال إنه نحلة خص الله به الاوزاج لم يوجبه.
ورأي أبي حنيفة أصح.
(٦) الخطأ في الوطء: إذا زفت إلى رجل امرأة غير زوجته، وقيل له هذه زوجتك فوطئها يعتقدها زوجته فلا حد عليه باتفاق.
وكذلك الحكم إذا لم يقل له هذه زوجتك، أو وجد على فراشه امرأة ظنها امرأته فوطئها، أو دعا زوجته فجاء غيرها، فظنها المدعوة فوطئها، لا حد عليه في كل ذلك.
стр. 1192
وهكذا الحكم في كل خطأ في وطء مباح، أما الخطأ في الوطء المحرم،
فإنه يوجب الحد، فمن دعا امرأة محرمة عليه فأجابته غيرها فوطئها يظنها المدعوة فعليه الحد، فإن دعا محرمة عليه، فأجابته زوجته فوطئها يظنها الاجنبية التي دعاها، فلا حد عليه، وإن أثم باعتبار ظنه.
بقاء البكارة: وعدم زوال البكارة يعتبر شبهة في حق المشهود عليها بالزنا، عند أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، والشيعة الزيدية.
فإذا شهد أربعة على امرأة بالزنا وشهد ثقات من النساء بأنها عذراء فلاحد عليها للشبهة ولا حد على الشهود.
(٧) الوطء في نكاح مختلف فيه: ولا يجب الحد في نكاح مختلف في صحته، مثل زواج المتعة، والشغار، وزواج التحليل، والزواج بلا ولي أو شهود، وزواج الاخت في عدة أختها البائن، وزواج الخامسة، في عدة الرابعة البائن، لان الاختلاف بين الفقهاء على صحة هذا الزواج يعتبر شبهة في الوطء، والحدود تدرأ بالشبهات خلافا للظاهرية، إذ أنهم يرون الحد في كل وطء قام على نكاح باطل أو فاسد.
(٨) الوطء في نكاح باطل: وكل زواج مجمع على بطلانه، كنكاح خامسة زيادة على الاربع، أو متزوجة، أو معتدة الغير، أو نكاح المطلقة ثلاثا قبل أن تتزوج زوجا آخر، إذا وطئ فيه فهو زنا موجب للحد، ولا عبرة بوجود العقد ولا أثر له.
حد القذف:
(١) تعريفه: أصل القذف الرمي بالحجارة وغيرها.
ومنه قول الله تعالى لام موسى ﵇: " أن اقذ فيه في التابوت، فاقذ فيه في اليم " (١)
стр. 1193
والقذف بالزنا مأخوذ من هذا المعنى، والمقصود به هنا المعنى الشرعي، وهو الرمي بالزنا.
(٢) حرمته: يستهدف الاسلام حماية أعراض الناس، والمحافظة على سمعتهم، وصيانة كرامتهم، وهو لهذا يقطع ألسنة السوء ويسد الباب على الذين يلتمسون للبرآء العيب، فيمنع ضعاف النفوس من أن يجرحوا مشاعر الناس ويغلوا في أعراضهم، ويحظر أشد الحظر إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا حتى تتطهر الحياة من سريان هذا الشر فيها.
فهو يحرم القذف تحريما قاطعا، ويجعله كبيرة من كبائر الاثم والفواحش، ويوجب على القاذف ثمانين جلدة - رجلا كان أو امرأة - ويمنع من قبول شهادته، ويحكم عليه بالفسق واللعن والطرد من رحمة الله، واستحقاق العذاب الاليم في الدنيا والاخرة، اللهم إلا إذا ثبت صحة قوله بالادلة التي لا يتطرق إليها الشك، وهي شهادة أربع شهداء بأن المقذوف تورط في الفاحشة يقول الله سبحانه: " والذين يرمون (١) المحصنات (٢) ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة.
ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا، وأولئك هم الفاسقون.
إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم " (٣) .
ويقول: " إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات، لعنوا في الدنيا والاخرة، ولهم عذاب عظيم. يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون. يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق، ويعلمون أن الله هو الحق المبين " (٤) .
стр. 1194
ويقول: " إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والاخرة ".
وروى البخاري ومسلم أن رسول الله ﷺ قال: " اجتنبوا السبع الموبقات (١) .
قالوا وما هن يارسول الله؟.
قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف (٢) ، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات ".
وكان هذا التحريم الذي نزلت به الايات بسبب حادث الافك الذي وقع لام المؤمنين السيدة عائشة ﵂ قالت: لما نزل عذري، قام النبي على المنبر فذكر ذلك وتلا القرآن، فلما نزل عن المنبر أمر بالرجلين والمرأة فضربوا حدهم، وهم حسان ومسطح، وحمنة. رواه أبو داود.
ما يشترط في القذف: للقذف شروط لابد من توافرها حتى يصبح جريمة تستحق عقوبة الجلد.
وهذه الشروط منها ما يجب توافره في القاذف، ومنها ما يجب توافره في المقذوف، ومنها ما يجب توفره في الشئ المقذوف به.
شروط القاذف:
والشروط التي يجب توفرها في القاذف هي:
١ - العقل.
٢ - البلوغ.
٣ - الاختيار.
لان ذلك أصل التكليف، ولا تكليف بدون هذه الاشياء.
فإذا قذف المجنون أو الصبي أو المكره فلا حد على واحد منهم، لقول رسول الله صلى الله ﷺ :
стр. 1195
" رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق ".
ويقول: " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه ".
فإذا كان الصبي مراهقا بحيث يؤذي قذفه فإنه يعزر تعزيرا مناسبا.
شروط المقذوف:
وشروط المقذوف هي:
١ - العقل: لان الحد إنما شرع للزجر عن الاذية بالضرر الواقع على المقذوف، ولا مضرة على من فقد العقل فلا يحد قاذفه.
٢ - البلوغ: وكذلك يشترط في المقذوف البلوغ، فلا يحد قاذف الصغير والصغيرة، فإذا رمى صبية يمكن وطئها قبل البلوغ بالزنا، فقد قال جمهور العلماء: إن هذا ليس بقذف، لانه ليس بزنا، إذ لا حد عليها.
ويعزر القاذف.
وقال مالك: ان ذلك قذف يحد فاعله.
وقال ابن العربي: " والمسألة محتملة الشك.
لكن مالك غلب عرض المقذوف وغيره راعى حماية ظهر القاذف، وحماية عرض المقذوف أولى، لان القاذف كشف ستره بطرف لسانه، فلزم الحد ".
وقال ابن المنذر: " وقال أحمد في الجارية بنت تسع يجلد قاذفها، وكذلك الصبي إذا بلغ ضرب قاذفه ".
وقال إسحاق: إذا قذف غلام يطأ مثله فعليه الحد.
والجارية إذا جاوزت تسعة مثل ذلك.
وقال ابن المنذر: لا يحد من قذف من لم يبلغ، لان ذلك كذب.
ويعزر على الاذى.
٣ - الاسلام: والاسلام شرط في المقذوف، فلو كان المقذوف من غير المسلمين لم يقر الحد على قاذفه عند جمهور العلماء، وإذا كان العكس فقذف النصراني أو اليهودي المسلم الحر فعليه ما على المسلم: ثمانون جلدة.
стр. 1196
٤ - الحرية: فلا يحد العبد بقذف الحر له، سواء أكان العبد ملكا للقاذف أم لغيره: لان مرتبته تختلف عن مرتبة الحر، وإن كان قذف الحر للعبد محرما لما رواه البخاري ومسلم.
أن رسول الله ﷺ قال: " من قذف مملوكه بالزنا أقيم عليه الحد يوم القيامة، إلا أن يكون كما قال ".
قال العلماء: وإنما كان ذلك في الاخرة لارتفاع الملك، واستواء الشريف والوضيع، والحر والعبد، ولم يكن لاحد فضل إلا بالتقوى، ولما كان ذلك تكافأ الناس في الحدود والحرمة واقتص من كل واحد لصاحبه، إلا أن يعفو المظلوم عن الظالم.
وإنما لم يتكافأوا في الدنيا لئلا تدخل الداخلة على المالكين في مكافأتهم لهم (١) فلا تصح لهم حرمة ولا فضل في منزلة، وتبطل فائدة التسخير.
ومن قذف من يحسبه عبدا فإذا هو حر فعليه الحد، وهو اختيار ابن المنذر، وقال الحسن البصري لا حد عليه.
وأما ابن حزم فإنه رأى غير ما رآه جمهور الفقهاء، فرأى أن قاذف العبد يقام عليه الحد.
وأنه لا فرق بين الحر والعبد في هذه الناحية.
قال: " وأما قولهم لا حرمة للعبد ولا للامة فكلام سخيف. والمؤمن له حرمة عظيمة ".
ورب عبد جلف خير من خليفة قرشي عند الله تعالى.
ورأي ابن حزم هذا رأي وجيه وحق، لو لم يصطدم بالنص المتقدم.
٥ - العفة: وهي العفة عن الفاحشة التي رمي بها سواء أكان عفيفا عن غيرها أم لا، حتى أن من زنا في أول بلوغه ثم تاب وحسنت حالته وامتد عمره فقذفه قاذف، فإنه لا حد عليه.
وإن كان هذا القذف يستوجب التعزير لانه أشاع ما يجب ستره وإخفاؤه.
ما يجب توفره في المقذوف به: أما ما يجب توفره في المقذوف به، فهو التصريح بالزنا أو التعريض
стр. 1197
الظاهر، ويستوي في ذلك القول والكتابة.
ومثال التصريح أن يقول موجه الخطاب إلى غيره: " يا زاني " أو يقول عبارة تجري مجرى هذا التصريح، كنفي نسبه عنه.
ومثال التعريض كأن يقول في مقام التنازع: " لست بزان ولا أمي بزانية ".
وقد اختلف العلماء في التعريض..فقال مالك: إن التعريض الظاهر ملحق بالتصريح، لان الكفاية قد تقوم - بعرف العادة والاستعمال - مقام النص الصريح.
وإن كان اللفظ فيها مستعملا في غير موضعه، وقد أخذ عمر ﵁ بهذا الرأي.
روى مالك عن عمرة بنت عبد الرحمن: " أن رجلين استبا في زمان عمر بن الخطاب فقال أحدهما للاخر: " والله ما أبي بزان ولا أمي بزانية ".
فاستشار عمر في ذلك.
فقال قائل: مدح أباه وأمه.
وقال آخرون: قد كان لابيه وأمه مدح غير هذا.
نرى أن تجلده الحد فجلده عمر الحد ثمانين ".
وذهب ابن مسعود، وأبو حنيفة، والشافعي، والثوري، وابن أبي ليلى، وابن حزم، والشيعة، ورواية عن أحمد: إلى أنه لا حد في التعريض، لان التعريض يتضمن الاحتمال، والاحتمال شبهة.
والحدود تدرأ بالشبهات.
إلا أن أبا حنيفة والشافعي يريان تعزير من يفعل ذلك.
قال صاحب الروضة الندية: كاشفا وجه الصواب في هذا:
" التحقيق أن المراد من رمي المحصنات المذكور في كتاب الله هو أن يأتي القاذف بلفظ يدل - لغة أو شرعا أو عرفا - على الرمي بالزنا، ويظهر من قرائن الاحوال أن المتكلم لم يرد إلا ذلك، ولم يأت بتأويل مقبول يصح حمل الكلام عليه، فهذا يوجب حد القذف بلا شك ولا شبهة.
وكذلك لو جاء بلفظ لا يحتمل الزنا أو يحتمله احتمالا مرجوحا، وأقر أنه أراد الرمي بالزنا فإنه يجب عليه الحد.
стр. 1198
وأما إذا عرض بلفظ محتمل ولم تدل قرينة حال ولا مقال على أنه قصد الرمي بالزنا، فلا شئ عليه، لانه لا يسوغ إيلامه بمجرد الاحتمال ".
بم يثبت حد القذف:
الحد يثبت بأحد أمرين:
١ - إقرار القاذف نفسه.
٢ - أو بشهادة رجلين عدلين.
عقوبة القاذف الدنيوية: يجب على القاذف - إذا لم يقم البينة على صحة ما قال - عقوبة مادية، وهي ثمانون جلدة.
وعقوبة أدبية، وهي رد شهادته وعدم قبولها أبدا والحكم بفسقه لانه يصبح غير عدل عند الله وعند الناس.
وهاتان العقوبتان هما المقررتان في قول الله : " والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة، ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا، وأولئك هم الفاسقون، إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا، فإن الله غفور رحيم ".
وهذا متفق عليه بين العلماء إذا لم يتب القاذف.
بقي هنا مسألتان اختلف فيهما العلماء:
(المسألة الاولى) هل عقوبة العبد مثل عقوبة الحر أو لا؟ (المسألة الثانية) إذا تاب القاذف، هل يرد له اعتباره وتقبل شهادته أولا؟.
أما المسألة الاولى فهي أنه إذا قذف العبد الحر المحصن وجب عليه الحد، ولكن هل حده مثل حد الحر، أو على النصف منه؟.
لم يثبت حكم ذلك في السنة، ولهذا اختلفت أنظار الفقهاء، فذهب أكثر أهل العلم إلى أن العبد إذا ثبتت عليه جريمة القذف، فعقوبته أربعون جلدة، لانه حد يتنصف بالرق، مثل حد الزنا.
يقول الله سبحانه: " فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب " (١)
стр. 1199
قال مالك: " قال أبو الزناد سألت عبد الله بن عامر بن ربيعة عن ذلك.
فقال: أدركت عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، والخلفاء، وهلم جرا، فما رأيت أحدا جلد عبدا في فرية أكثر من أربعين ".
وروي عن ابن مسعود، والزهري، وعمر بن عبد العزيز وقبيصة بن ذؤيب، والاوزاعي، وابن حزم، أنه يجلد ثمانين جلدة.
لانه حد وجب، حقا للادميين، إذ أن الجناية وقعت على عرض المقذوف، والجناية لا تختلف بالرق والحرية.
قال ابن المنذر: والذي عليه الامصار القول الاول، وبه أقول.
وقال في المسوى: " وعليه أهل العلم ".
وقد ناقش صاحب الروضة الندية الرأي الاول، وقال مرجحا الرأي الثاني:
الاية الكريمة عامة يدخل تحتها الحر والعبد، والغضاضة بقذف العبد للحر أشد منها بقذف الحر للحر، وليس في حد القذف ما يدل على تنصيفه للعبد، لا من الكتاب ولا من السنة.
ومعظم ما وقع التعويل عليه هو قوله تعالى في حد الزنا: " فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ".
ولا يخفى أن ذلك في حد آخر غير حد القذف.
فإلحاق أحد الحدين بالاخر فيه إشكال، لا سيما مع اختلاف العلة وكون أحدهم حقا لله محضا، والاخر مشوبا بحق آدمي.
أما المسألة الثانية: فقد اتفق الفقهاء على أن القاذف لا تقبل شهادته ما دام لم يتب، لانه ارتكب ما يستوجب الفسق، والفسق يذهب بالعدالة، والعدالة شرط في قبول الشهادة، وأنه لم يتب من فسقه هذا، والجلد، وإن كان مكفرا للاثم الذي ارتكبه ومخلصا له من عقاب الاخرة، إلا أنه لا يزيل عنه وصف الفسق الموجب لرد الشهادة.
ولكن إذا تاب وحسنت توبته، فهل يرد له اعتباره وتقبل شهادته أم لا؟.
اختلف الفقهاء في ذلك إلى رأيين:
(الرأي الاول) يرى قبول شهادة المحدود في قذف إذا تاب توبة نصرحا
стр. 1200
وهذا هو رأي مالك، والشافعي، وأحمد، والليث، وعطاء، وسفيان بن عيينة، والشعبي، والقاسم، وسالم، والزهري.
وقال عمر لبعض من حدهم في قذف: إن تبت قبلت شهادتك! أما (الرأي الثاني) فإنه يرى عدم قبولها، وممن ذهب إلى هذا: الاحناف،
والاوزاعي، والثوري، والحسن، وسعيد بن المسيب، وشريح، وابراهيم النخعي، وسعيد بن جبير.
وأصل هذا الخلاف هو الاختلاف في تفسير قول الله تعالى: " ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا، وأولئك هم الفاسقون.
إلا الذين تابوا ".
فهل الاستثناء في الاية راجع إلى الامرين معا: أي عدم قبول الشهادة، والحكم بالفسق، أو راجع إلى الامر الاخير، وهو الحكم بالفسق؟.
فمن قال ان الاستثناء راجع إلى الامرين معا، قال بجواز قبول الشهادة بعد التوبة.
ومن قال إنه راجع إلى الحكم بالفسق، قال بعدم قبولها مهما كانت توبته.
كيفية التوبة:
قال عمر ﵁: توبة القاذف لا تكون إلا بأن يكذب نفسه في ذلك القذف الذي لا حد فيه.
وقال الذين شهدوا على المغيرة: من أكذب نفسه أجزت شهادته فيما يستقبل.
ومن لم يفعل لم أجز شهادته.
فأكذب الشبل بن معبد، ونافع بن الحارث بن كلدة أنفسهما وتابا وأبى أبو بكرة أن يفعل، فكان لا يقبل شهادته.
وهذا مذهب الشعبي، ومحكي عن أهل المدينة، وقالت طائفة من العلماء: توبته أن يصلح ويحسن حاله، وإن لم يرجع عن قوله بتكذيب، وحسبه الندم على قذفه والاستغفار منه وترك العود إليه.
وهذا مذهب مالك، وابن جرير.
стр. 1201
هل يحد بقذف أصله ؟
قال أبو ثور وابن المنذر: " إذا قذف القاذف ابنه فإنه يحد لظاهر القرآن الكريم فإنه لم يفرق بين قاذف ومقذوف.
وقالت الحنفية والشافعية: لا يحد، لانه يشترط في القاذف أن لا يكون أصلا كالاب والام، لانه إذا لم يقتل الاصل به فعدم حده بقذفه أولى، وإن قالوا بتعزيره، لان القذف أذى.
تكرار القذف لشخص واحد: إذا قذف القاذف شخصا واحدا أكثر من مرة، فعليه حد واحد إذا لم يكن قد حد لواحد منها، فإن كان قد حد لواحد منها ثم عاد إلى القذف، حد مرة ثانية، فإن عاد مرة ثالثة وهكذا يحد لكل قذف.
قذف الجماعة: إذا قذف القاذف جماعة ورماهم بالزنا، فقد اختلفت أنظار الفقهاء في في حكمه إلى ثلاثة مذاهب: (المذهب الاول) مذهب القائلين بأنه يحد حدا واحدا.
وهم أبو حنيفة، ومالك، وأحمد والثوري.
(والمذهب الثاني) مذهب القائلين بأن عليه لكل واحد حدا، وهم الشافعي والليث.
(والمذهب الثالث) مذهب الذين فرقوا بين أن يجمعهم في كلمة واحدة، مثل أن يقول لهم: يا زناة.
أو يقول: لكل واحد: يا زاني، ففي الصورة الاولى يحد حدا واحدا، وفي الثانية حد لكل واحد منهم.
قال ابن رشد: فعمدة من لم يوجب على قاذف الجماعة إلا حدا واحدا حديث أنس وغيره: أن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن سمحاء، فرفع ذلك إلى النبي ﷺ ، فلاعن بينهما ولم يحد شريكا، وذلك
إجماع من أهل العلم فيمن قذف زوجته برجل.
وعمدة من رأى أن الحد لكل واحد منهم أنه حق للآدميين، وأنه لو عفا بعضهم ولم يعف الكل لم يسقط الحد.
وأما من فرق بين من قذفهم في كلمة واحدة أو كلمات، أو في مجلس
стр. 1202
واحد أو في مجالس، فلانه رأى أنه وجب أن يتعدد الحد بتعدد القذف، لانه إذا اجتمع تعدد المقذوف وتعدد القذف، كان أوجب أن يتعدد الحد.
هل الحد حق من حقوق الله أو من حقوق الآدميين؟: ذهب أبو حنيفة إلى أن الحد حق من حقوق الله، ويترتب على كونه حقا من حقوق الله، أنه إذا بلغ الحاكم، وجب عليه إقامته، وإن لم يطلب ذلك المقذوف، ولا يسقط بعفوه، ونفعت القاذف التوبة فيما بينه وبين الله تعالى، ويتنصف فيه الحد بالرق مثل الزنا.
وذهب الشافعي إلى أنه حق من حقوق الآدميين، ويترتب عليه أن الامام لا يقيمه إلا بمطالبة المقذوف، ويسقط بعفوه، ويورث عنه ويسقط بعفو وارثه، ولا تنفع القاذف التوبة حتى يحلله المقذوف.
سقوط الحد:
ويسقط حد القذف بمجئ القاذف بأربعة شهداء، لان الشهداء ينفون عنه صفة القذف الموجبة للحد، ويثبتون صدور الزنا بشهادتهم.
فيقام حد الزنا على المقذوف، لانه زان. وكذلك إذا أقر المقذوف بالزنا واعترف بما رماه به القاذف. وإذا قذفت المرأة زوجها فإنه يقام عليها الحد، إذا توفرت شروطه بخلاف ما إذا قذفها هو ولم يقم عليها البينة، فإنه لا يقام عليه الحد، وإنما يتلاعنان،
وقد تقدم ذلك في باب اللعان.
стр. 1203
الردة:
تعريفها:
الردة: هي الرجوع في الطريق الذي جاء منه، وهي مثل الارتداد، إلا أنها تختص بالكفر.
والمقصود بها هنا: رجوع المسلم، العاقل، البالغ، عن الاسلام إلى الكفر باختياره دون إكراه من أحد - سواء في ذلك الذكور والإناث - فلا عبرة بارتداد المجنون ولا الصبي (١) لانهما غير مكلفين.
يقول النبي ﷺ : " رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل ".
رواه أحمد وأصحاب السنن وحسنه الترمذي.
وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين.
والاكراه على التلفظ بكلمة الكفر لا يخرج المسلم عن دينه ما دام القلب مطمئنا بالايمان.
وقد أكره عمار بن ياسر على التلفظ بكلمة الكفر فنطق بها، وأنزل الله سبحانه في ذلك: " من كفر بالله من بعد إيمانه، إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان، ولكن من شرح بالكفر صدرا، فعليهم غضب من الله، ولهم عذاب عظيم ".
(٢) قال ابن عباس: أخذه المشركون، وأخذوا أباه وأمه سمية، وصهيبا وبلالا، وخبابا، وسالما، فعذبوهم، وربطت سمية بين بعيرين، وجئ
قبلها بحربة، وقيل لها:
стр. 1204
إنك أسلمت من أجل الرجال، فقتلت وقتل زوجها، وهما أول قتيلين في الاسلام.
وأما عمار فأعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرها - فشكا ذلك للنبي ﷺ فقال له: " كيف تجد قلبك؟ " قال مطمئن بالايمان.
فقال الرسول: " إن عادوا فعد ".
هل انتقال الكافر من دين إلى دين كفري آخرى يعتبر ردة؟: قلنا: إن المسلم إذا خرج عن الاسلام كان مرتدا، وجرى عليه حكم الله في المرتدين، ولكن هل الردة قاصرة على المسلمين الخارجين عن الاسلام، أو أنها تتناول غير المسلمين إذا تركوا دينهم إلى غيره من الاديان الكافرة؟.
الظاهر أن الكافر إذا انتقل من دينه إلى دين آخر من أديان الكفر فإنه يقر على دينه الذي انتقل إليه ولا يتعرض له لانه انتقل من دين باطل إلى دين يماثله في البطلان، والكفر كله ملة واحدة، بخلاف ما إذا انتقل من الاسلام إلى غيره من الاديان، فإنه انتقال من الهدى ودين الحق إلى الضلال والكفر.
والله يقول (١) : " ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه ".
(٢) وفي بعض طرق الحديث: " من خالف دينه دين الاسلام فاضربوا عنقه ".
أخرجه الطبراني عن ابن عباس مرفوعا.
وللشافعي قولان: (أحدهما) لا يقبل منه بعد انتقاله إلا الاسلام أو القتل.
وهذا يوافق إحدى الروايتين عن أحمد.
والرواية الاخرى تقول.
إنه إن انتقل إلى مثل دينه أو إلى أعلى منه أقر، وإن انتقل إلى أنقص من دينه لم يقر.
فإذا انتقل اليهودي إلى النصرانية أقر، لان اليهودية مثل النصرانية
стр. 1205
من حيث كونهما دينين سماويين في الاصل، دخلهما التحريف ونسخهما الاسلام.
وكذلك يقر المجوسي إذا انتقل إلى اليهودية أو النصرانية لانه انتقال إلى ما هو أعلى.
وإذا جاز الانتقال إلى الدين المماثل، فالانتقال إلى ما هو أعلى أحق وأولى.
وإذا انتقل اليهودي أو النصراني إلى المجوسية لم يقر، لانه انتقال إلى ما هو أنقص.
لا يكفر مسلم بالوزر: الاسلام عقيدة وشريعة.
والعقيدة تنتظم الايمان:
١ - بالالهيات.
٢ - والنبوات.
٣ - والبعث، والجزاء.
والشريعة تنتظم:
١ - العبادات من: صلاة، وصيام، وزكاة، وحج
٢ - والآداب والاخلاق من: صدق، ووفاء، وأمانة.
٣ - والمعاملات المدنية من: بيع، وشراء ... الخ.
٤ - والروابط الاسرية من: زواج وطلاق.
٥ - والعقوبات الجنائية: قصاص، وحدود.
٦ - والعلاقات الدولية من: معاهدات، واتفاقات.
وهكذا نجد أن الاسلام، منهج عام، ينتظم شئون الحياة جميعا.
وهذا هو المفهوم العام للاسلام كما قرره الكتاب والسنة وكما فهمه المسلمون على العهد الاول، وطبقوه في كل مجال من المجالات العامة والخاصة، وكان كل فرد يدين بالولاء لهذا الدين يعتبر عضوا في الجماعة المسلمة، ويصبح فردا من أفراد الامة الاسلامية تجري عليه أحكام الاسلام وتطبق عليه تعاليمه.
إلا أن من الناس الذكي والغبي، والضعيف والقوي، والقادر والعاجز، والعامل والعاطل، والمجد والمقصر.
стр. 1206
فهم يختلفون اختلافا بينا في قواهم البدنية ومواهبهم النفسية والعقلية والروحية وتبعا لهذا الاختلاف فمنهم من يقترب من الاسلام، ومنهم من يبتعد عنه حسب حال كل فرد وظروفه وبيئته.
يقول الله سبحانه: " ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا، فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله " (١) ، إلا أن هذا الابتعاد عنه لا يخرج المقصر عن دائرته ما دام يدين بالولاء لهذا الدين، فإذا صدر من المسلم لفظ يدل على الكفر لم يقصد إلى معناه، أو فعل ظاهره مكفر لم يرد به فاعله تغيير إسلامه، لم يحكم عليه بالكفر.
ومهما تورط المسلم في المآثم واقترف من جرائم، فهو مسلم لا يجوز اتهامه بالردة.
روى البخاري أن رسول الله ﷺ قال: " من شهد أن لا إله إلا الله، واستقبل قبلتنا، وصلى صلاتنا، وأكل ذبيحتنا، فهو المسلم، له ما للمسلم، وعليه ما على المسلم ".
وقد حذر رسول الله ﷺ المسلمين من أن يقذف بعضهم بعضا بالكفر، لعظم خطر هذه الجناية، فقال فيما رواه مسلم عن ابن عمر: " إذا كفر الرجل أخاه، فقد باء بها أحدهما ".
متى يكون المسلم مرتدا: إن المسلم لا يعتبر خارجا عن الاسلام، ولا يحكم عليه بالردة إلا إذا انشرح صدره بالكفر، واطمأن قلبه به، ودخل فيه بالفعل، لقول الله تعالى: " ولكن من شرح بالكفر صدرا ".
ويقول الرسول ﷺ : " إنما الاعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى "، ولما كان ما في القلب غيبا من الغيوب التي لا يعلمها إلا الله، كان لابد من صدور ما يدل على كفره دلالة قطعية لا تحتمل التأويل، حتى نسب إلى الامام مالك أنه قال:
стр. 1207
" من صدر عنه ما يحتمل الكفر من تسعة وتسعين وجها، ويحتمل الايمان من وجه، حمل أمره على الايمان ".
ومن الامثلة الدالة على الكفر:
١ - إنكار ما علم من الدين بالضرورة. مثل إنكار وحدة الله وخلقه للعالم وإنكار وجود الملائكة، وإنكار نبوة محمد ﷺ ، وأن القرآن وحي من الله، وإنكار البعث والجزاء، وإنكار فرضية الصلاة والزكاة، والصيام والحج.
٢ - استباحة محرم أجمع المسلمون على تحريمه، كاستباحة الخمر، والزنا، والربا، وأكل الخنزير، واستحلال دماء المعصومين وأموالهم (١) .
٣ - تحريم ما أجمع المسلمون على حله " كتحريم الطيبات ".
٤ - سب النبي أو الاستهزاء فيه، وكذا سب أي نبي من أنبياء الله.
٥ - سب الدين، والطعن في الكتاب والسنة، وترك الحكم بهما، وتفضيل القوانين الوضعية عليهما.
٦ - ادعاء فردمن الافراد أن الوحي ينزل عليه.
٧ - إلقاء المصحف في القاذورات، وكذا كتب الحديث، استهانة بها واستخفافا بما جاء فيها.
٨ - الاستخفاف باسم من أسماء الله، أو أمر من أوامره، أو نهي من نواهيه، أو وعد من وعوده، إلا أن يكون حديث عهد بالاسلام، ولا يعرف أحكامه، ولا يعلم حدوده، فإنه إن أنكر منها جهلا به لم يكفر.
وفيه مسائل أجمع المسلمون عليها، ولكن لا يعلمها إلا الخاصة، فإن منكرها لا يكفر، بل يكون معذورا بجهله بها، لعدم استفاضة علمها في العامة، كتحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها، وأن القاتل عمدا لا يرث، وأن للجدة السدس، ونحو ذلك.
ولا يدخل في هذا الوساوس التي تساور النفس فإنها مما لا يؤاخذ الله بها.
فقد روى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال:
стр. 1208
" إن الله تجاوز لامتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو يتكلم به " وروى مسلم عن أبي هريرة قال: " جاء ناس من أصحاب النبي ﷺ فسألوه فقالوا: انا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به، قال: وقد وجدتموه؟ قالوا: نعم.
قال: ذلك صريح الايمان (١) ".
وروى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال: (هذا خلق الله الخلق، فمن خلق الله؟) فمن وجد من ذلك شيئا، فليقل: آمنت بالله ".
عقوبة المرتد: الارتداد جريمة من الجرائم التي تحبط ما كان من عمل صالح قبل الردة، وتستوجب العذاب الشديد في الآخرة.
يقول الله سبحانه: " ومن يرتدد منكم عن دينه، فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة، وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون " (٢) .
ومعنى الآية: أن من يرجع عن الاسلام إلى الكفر ويستمر عليه حتى يموت كافرا، فقد بطل كل ما عمله من خير، وحرم ثمرته في الدنيا، فلا يكون له ما للمسلمين من حقوق، وحرم من نعيم الآخرة، وهو خالد في العذاب الاليم، وقد قرر الاسلام عقوبة معجلة في الدنيا للمرتد، فضلا عما توعده به من عذاب ينتظره في الآخرة، وهذه العقوبة هي القتل (٣) .
روى البخاري ومسلم عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: " من بدل دينه فاقتلوه ".
وروي عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث:
стр. 1209
كفر بعد إيمان، وزنا بعد إحصان، وقتل نفس بغير نفس ".
وعن جابر ﵁: " أن امرأة يقال لها أم مروان ارتدت فأمر النبي ﷺ بأن يعرض عليها الاسلام: فإن تابت، وإلا قتلت.
فأبت أن تسلم، فقتلت ".
أخرجه الدارقطني والبيهقي (١) .
وثبت أن أبا بكر الصديق ﵁ قاتل المرتدين من العرب حتى رجعوا إلى الاسلام.
ولم يختلف أحد من العلماء في وجوب قتل المرتد.
وإنما اختلفوا في المرأة إذا ارتدت.
فقال أبو حنيفة: إن المرأة إذا ارتدت لا تقتل، ولكن تحبس، وتخرج كل يوم فتستتاب، ويعرض عليها الاسلام، وهكذا حتى تعود إلى الاسلام، أو تموت، لان النبي ﷺ نهى عن قتل النساء.
وخالف ذلك جمهور الفقهاء فقالوا: إن عقوبة المرأة المرتدة كعقوبة الرجل المرتد، سواء بسواء، لان آثار الردة وأضرارها من المرأة كآثارها وأضرارها من الرجل، ولحديث معاذ الذي حسنه الحافظ: أن النبي ﷺ
قال له لما أرسله إلى اليمن: " أيما رجل ارتد عن الاسلام فادعه، فإن عاد، وإلا فاضرب عنقه، وأيما امرأة ارتدت عن الاسلام فادعها، فإن عادت، وإلا فاضرب عنقها ".
وهذا نص في محل النزاع.
وأخرج البيهقي، والدارقطني، أن أبا بكر استتاب امرأة يقال لها " أم قرفة " كفرت بعد إسلامها، فلم تتب، فقتلها.
وأما حديث النهي عن قتل النساء فذلك إنما هو في حال الحرب، لاجل ضعفهن وعدم مشاركتهن في القتال.
ولهذا كان سبب النهي عن قتلهن أن النبي ﷺ رأى امرأة مقتولة، فقال: " ما كانت هذه لتقاتل ".
ثم نهى عن قتلهن.
والمرأة تشارك الرجل في الحدود كلها دون استثناء.
فكما يقام عليها حد الرجم إذا كانت محصنة، فكذلك يقام عليها حد الردة، ولافرق.
стр. 1210
حكمة قتل المرتد:
الاسلام منهج كامل للحياة فهو: دين ودولة، وعبادة، وقيادة، ومصحف وسيف، وروح ومادة، ودنيا وآخرة، وهو مبني على العقل والمنطق، وقائم على الدليل والبرهان، وليس في عقيدته ولا شريعته ما يصادم فطرة الانسان أو يقف حائلا دون الوصول إلى كماله المادي والادبي - ومن دخل فيه عرف حقيقته، وذاق حلاوته، فإذا خرج منه وارتد عنه بعد دخوله فيه وإدراكه له، كان في الواقع خارجا على الحق والمنطق، ومتنكرا للدليل والبرهان، وحائدا عن العقل السليم، والفطرة المستقيمة.
والانسان حين يصل إلى هذا المستوى يكون قد ارتد إلى أقصى دركات الانحطاط، ووصل إلى الغاية من الانحدار والهبوط، ومثل هذا الانسان لا ينبغي المحافظة على حياته، ولا الحرص على بقائه - لان حياته ليست لها غاية كريمة ولا مقصد نبيل.
هذا من جانب، ومن جانب آخر، فإن الاسلام كمنهج عام للحياة، ونظام شامل للسلوك الانساني، لاغنى له من سياج يحميه، ودرع يقيه، فإن أي نظام لا قيام له إلا بالحماية والوقاية والحفاظ عليه من كل ما يهز أركانه، ويزعزع بنيانه، ولاشئ أقوى في حماية النظام ووقايته من منع الخارجين عليه، لان الخروج عليه يهدد كيانه ويعرضه للسقوط والتداعي.
إن الخروج على الاسلام والارتداد عنه إنما هو ثورة عليه والثورة عليه ليس لها من جزاء إلا الجزاء الذي اتفقت عليه القوانين الوضعية، فيمن خرج على نظام الدولة وأوضاعها المقررة.
إن أي انسان سواء كان في الدول الشيوعية، أم الدول الرأسمالية - إذ اخرج على نظام الدولة فإنه يتهم بالخيانة العظمى لبلاده، والخيانة العظمى جزاؤها الاعدام.
فالاسلام في تقرير عقوبة الاعدام للمرتدين منطقي مع نفسه ومتلاق مع غيره من النظم.
استتابة المرتد: كثيرا ما تكون الردة نتيجة الشكوك والشبهات التي تساور النفس وتزاحم
стр. 1211
الايمان، ولابد أن تتهيأ فرصة للتخلص من هذه الشبهات والشكوك، وأن تقدم الادلة والبراهين التي تعبد الايمان إلى القلب، واليقين إلى النفس، وتريح ما علق بالوجدان من ريب وشكوك.
ومن ثم كان من الواجب أن يستتاب المرتد ولو تكررت ردته، ويمهل فترة زمنية يراجع فيها نفسه، وتفند فيها وساوسه وتناقش فيها أفكاره، فإن عدل عن موقفه بعد كشف شبهاته، ورجع إلى الاسلام وأقر بالشهادتين واعترف بما كان ينكره، وبرئ من كل دين يخالف دين الاسلام، قبلت توبته، وإلا أقيم عليه الحد.
وقد قدر بعض العلماء هذه الفترة بثلاثة أيام، وترك بعضهم تقدير ذلك وإنما يكرر له التوجيه ويعاد معه النقاش حتى يغلب على الظن أنه لن يعود إلى الاسلام، وحينئذ يقام عليه الحد (١) والذين رأوا تقدير ذلك بالايام الثلاثة اعتمدوا على ما روي: " أن رجلا قدم إلى عمر ﵁ من الشام، فقال " هل من مغربة (٢) خبر ".
قال: نعم. رجل كفر بعد إسلامه.
فقال عمر: فما فعلتم به؟ قال: قربناه فضربنا عنقه قال: هلا حبستموه في بيت ثلاثا، وأطعمتموه كل يوم رغيفا، واستتبتموه لعله يتوب ويراجع أمر الله: اللهم إني لم أحضر، ولم آمر، ولم أرض إذ بلغني: اللهم إني أبرأ إليك من دمه ".
رواه الشافعي.
والذين ذهبوا إلى القول الثاني استندوا إلى ما رواه أبو داود: أن معاذا قدم اليمن على أبي موسى الاشعري.
وقد وجد عنده رجلا موثقا.
فقال: ماهذا؟ قال: رجل كان يهوديا فأسلم، ثم رجع إلى دينه " دين اليهود " فتهود.
فقال: لا أجلس حتى يقتل.
ذلك قضاء رسول الله ﷺ .
وتكرر ذلك ثلاث مرات فأمر به فقتل، وكان أبو موسى قد استتابه
стр. 1212
قبل قدوم معاذ عشرين ليلة، أو قريبا منها.
ومن طريق عبد الرازق: أنهم أرادوه على الاسلام شهرين.
قال الشوكاني: واختلف القائلون بالاستتابة.
هل يكتفي بالمرة؟ أو لابد من ثلاث، وهل الثلاث في مجلس واحد أو في ثلاثة أيام، ونقل ابن بطال عن أمير المؤمنين علي ﵁ أنه يستتاب شهرا، وعن النخعي يستتاب أبدا أحكام المرتد: إذا ارتد المسلم ورجع عن الاسلام تغيرت الحالة التي كان عليها.
وتغيرت تبعا لذلك المعاملة التي كان يعامل بها كمسلم، وثبتت بالنسبة له أحكام نجملها فيما يأتي: (١) العلاقة الزوجية: إذا ارتد الزوج أو الزوجة انقطعت علاقة كل منهما بالآخر لان ردة أي واحد منهما موجبة للفرقة بينهما، وهذه الفرقة تعتبر فسخا، فإذا تاب المرتد منهما وعاد إلى الاسلام، كان لابد من عقد ومهر جديدين، إذا أرادا استئناف الحياة الزوجية (١) .
ولايجوز له أن يعقد عقد زواج على زوجة أخرى من أهل الدين الذي انتقل إليه، لانه مستحق القتل.
(٢) ميراثه:
والمرتد لا يرث أحدا من أقاربه إذا مات، لان المرتد لادين له، وإذا كان لادين له فلا يرث قريبه المسلم، فإن قتل هو أو مات ولم يرجع إلى الاسلام، انتقل ما له هو إلى ورثته من المسلمين لانه في حكم الميت من وقت الردة.
وقد أتي علي بن أبي طالب بشيخ كان نصرانيا فأسلم، ثم ارتد عن الاسلام.
فقال له علي:
стр. 1213
" لعلك إنما ارتددت لان تصيب ميراثا.
ثم ترجع إلى الاسلام؟ قال: لا.
قال: فلعلك خطبت امرأة فأبوا أن يزوجوكها، فأردت أن تتزوجها ثم تعود إلى الاسلام؟ قال: لا.
قال: فارجع إلى الاسلام.
قال: لا. حتى ألقى المسيح.
فأمر به فضربت عنقه فدفع ميراثه إلى ولده من المسلمين ".
قال ابن حزم: وعن ابن مسعود بمثله.
وقالت طائفة بهذا، منهم: الليث بن سعد، وإسحاق بن راهويه.
وهذا مذهب أبي يوسف، ومحمد، وإحدى الروايات عن أحمد.
(٣) فقد أهليته للولاية على غيره: وليس للمرتد ولاية على غيره، فلا يجوز له أن يتولى عقد تزويج بناته ولا أبنائه الصغار، وتعتبر عقوده بالنسبة لهم باطلة، لسلب ولايته لهم بالردة.
مال المرتد:
الردة لا تقضي على أهلية المرتد للتملك، ولا تسلبه حقه في ماله، ولا تزيل يده عنه، ويكون مثله في ماله مثل الكافر الاصلي، وله أن يتصرف في ماله كما يشاء.
وتصير تصرفاته نافذة لاستكمال أهليته، وكونه مستحق القتل لا يسلبه حقه في التملك والتصرف، لان الشارع لم يجعل للمرتد عقوبة سوى عقوبة القتل حدا، ويكون في ذلك كمن حكم عليه بالقصاص أو بالرجم.
فإن قتله قصاصا أو رجما لا يسلبه حقه في الملكية، ولا يزيل يده عن ماله.
لحوقه بدار الحرب:
وكذلك يبقى ماله مملوكا له إذ الحق بدار الحرب، ويوضع تحت يد أمين، لان لحوقه بدار الحرب لا يسلبه حقه في الملكية.
стр. 1214
= ١٦٠١ ء = ردة الزنديق: قال أبو حاتم السجستاني وغيره: " الزنديق " فارسي معرب أصله: " زنده كرو " أي يقول بدوام الدهر، ثم قال: قال ثعلب: ليس في كلام العرب زنديق، وإنما يقال: زندقي لمن يكون شديد التحيل، وإذا أرادوا ما تريد العامة قالوا: ملحد ودهري.
أي يقول بدوام الدهر.
وقال الجوهري: الزنديق من الثنوية.
وقال الحافظ ابن حجر: التحقيق ما ذكره من صنف في الملل والنحل: ان أصل الزندقة أتباع ديصان، ثم ماني، ثم مزدك (١) .
وقال النووي: الزنديق الذي لا ينتحل دينا.
وقال في المسوى ملخصا: إن المخالف للدين الحق ان لم يعترف به ولم يذعن له ظاهرا ولاباطنا، فهو الكافر.
وإن اعترف بلسانه، وقلبه على الكفر فهو المنافق.
وإن اعترف به ظاهرا وباطنا لكنه يفسر بعض ما ثبت من الدين ضرورة بخلاف ما فسره الصحابة والتابعون، وأجمعت عليه الامة فهو الزنديق، كما إذا اعترف بأن القرآن حق، وما فيه من ذكر الجنة والنار حق، لكن المراد بالجنة الابتهاج الذي يحصل بسبب الملكات المحمودة، والمراد بالنار، هي الذامة التي تحصل بسبب الملكات المذمومة، وليس في الخارج جنة ولا نار، فهو الزنديق.
وقوله ﷺ :
стр. 1215
" أولئك الذين نهاني الله عنهم، هو في المنافقين دون الزنادقة ".
ثم قال: وإن الشرع كما نصب القتل جزاء للارتداد ليكون مزجرة للمرتدين، وذبا عن الملة التي ارتضاها، فكذلك نصب القتل جزاء للزندقة، ليكون مزجرة للزنا دقة، وذبا عن تأويل فاسد في الدين لا يصح القول به. قال: ثم التأويل تأويلان: تأويل لا يخالف قاطعا من الكتاب والسنة واتفاق الامة. وتأويل يصادم ما ثبت بقاطع، فذلك الزندقة. فكل من أنكر الشفاعة، أو أنكر رؤية الله تعالى يوم القيامة، أو أنكر عذاب القبر، وسؤال المنكر والنكير، أو أنكر الصراط والحساب، سواء قال: لا أثق بهؤلاء الرواة.
أو قال: أثق بهم، لكن الحديث مؤول، ثم ذكر تأويلا فاسدا لم يسمع من قبله، فهو الزنديق.
وكذلك من قال في الشيخين " أبي بكر وعمر " مثلا: ليسا من أهل الجنة، مع تواتر الحديث في بشارتهما، أو قال: " إن النبي ﷺ خاتم النبوة، ولكن معنى هذا الكلام أنه لا يجوز أن يسمى بعده أحد بالنبي.
وأما معنى النبوة وهو كون إنسان مبعوثا من الله تعالى إلى الخلق مفترض الطاعة، معصوما من الذنوب، ومن البقاء على الخطأ فيما يرى، فهو موجود في الائمة بعده (١) ، فذلك هو الزنديق، وقد اتفق جمهور المتأخرين من الحنفية والشافعية على قتل من يجري هذا المجرى، والله أعلم. اه.
هل يقتل الساحر:
يتفق العلماء على أن للسحر أثرا، وعلى كفر من يعتقد حله، ويختلفون في أن له حقيقة، أو أنه تخيل، كما يختلفون في السحر: هل هو كفر أو ليس بكفر؟ وتبع ذلك اختلافهم في الساحر.
فقال أبو حنيفة ومالك وأحمد: يقتل الساحر بتعلم السحر، وبفعله،
لكفره، دون استتابة.
стр. 1216
وقال الشافعية والظاهرية: إن كان الفعل أو الكلام الذي يسحر به كفرا، فالساحر مرتد، ويجري عليه حكم الردة، إلا أن يتوب.
وإن كان ليس كفرا فلا يقتل، لانه ليس كافرا، وإنما هو عاص فقط.
والظاهر أن السحر معصية من كبائر الاثم، وأن الساحر لا يقتل بسحره، إلا إذا اعتقد حله، فيكون مرتدا، لا بسحره، ولكن باستحلال ما حرم الله.
روى أبو هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: " اجتنبوا السبع الموبقات "، فقيل: يارسول الله وما هن؟ قال: " الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق، وأكل ما اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات ".
قال ابن حزم، بعد أن ناقش أدلة القائلين بكفره، ووجوب قتله: " وصح أن السحر ليس كفرا، وإذا لم يكن كفرا، فلا يحل قتل فاعله، لان رسول الله ﷺ قال: " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنا بعد إحصان، ونفس بنفس ".
فالساحر ليس كافرا كما بينا ولا قاتلا، ولا زانيا محصنا، ولا جاء في قتله نص صحيح، فيضاف إلى هذه الثلاث، كما جاء في المحارب.
ثم قال: فصح تحريم دمه بيقين لا شك فيه، ورأى الشيعة أن الساحر مرتد
وحكمه حكم المرتد.
الكاهن والعراف (١) :
يرى الامام أبو حنيفة أن الكاهن والعراف يستحقان القتل؟ لقول عمر: " اقتلوا كل ساحر وكاهن ".
وفي رواية عنه: " انهما إن تابا لم يقتلا ".
ويرى متقدم والاحناف أن الكاهن أو العراف إن اعتقد أن الشياطين يفعلون له ما يشاء كفر.
وإن اعتقد أنه تخيل لا حقيقة له، لم يكفر.
стр. 1217
الحرابة:
تعريفها: الحرابة - وتسمى أيضا قطع الطريق - هي خروج طائفة مسلحة في دار الاسلام، لاحداث الفوضى، وسفك الدماء، وسلب الاموال، وهتك الاعراض، وإهلاك الحرث والنسل (١) ، متحدية بذلك الدين والاخلاق والنظام والقانون.
ولا فرق بين أن تكون هذه الطائفة من المسلمين، أو الذميين، أو المعاهدين أو الحربيين، مادام ذلك في دار الاسلام، وما دام عدوانها على كل محقون الدم، قبل الحرابة من المسلمين والذميين.
وكما تتحقق الحرابة بخروج جماعة من الجماعات، فإنها تتحقق كذلك بخروج فرد من الافراد.
فلو كان لفرد من الافراد فضل جبروت وبطش، ومزيد قوة وقدرة
يغلب بها الجماعة على النفس والمال، والعرض، فهو محارب وقاطع طريق.
ويدخل في مفهوم الحرابة العصابات المختلفة، كعصابة القتل، وعصابة خطف الاطفال، وعصابة اللصوص للسطو على البيوت، والبنوك، وعصابة خطف البنات والعذارى للفجور بهن، وعصابة اغتيال الحكام ابتغاء الفتنة واضطراب الامن، وعصابة إتلاف الزروع وقتل المواشي والدواب.
وكلمة الحرابة مأخوذة من الحرب، لان هذه الطائفة الخارجة على النظام تعتبر محاربة للجماعة من جانب ومحاربة للتعاليم الاسلامية التي جاءت لتحقق أمن الجماعة وسلامتها بالحفاظ على حقوقها، من جانب آخر.
فخروج هذه الجماعة على هذا النحو يعتبر محاربة، ومن ذلك أخذت كلمة
стр. 1218
الحرابة، وكما يسمى هذا الخروج على الجماعة وعلى دينها حرابة، فإنه يسمى أيضا قطع طريق، لان الناس ينقطعون بخروج هذه الجماعة عن الطريق، فلا يمرون فيه، خشية أن تسفك دماؤهم، أو تسلب أموالهم، أو تهتك أعراضهم أو يتعرضون لما لا قدرة لهم على مواجهته، ويسميها بعض الفقهاء ب " السرقة الكبرى (١) ".
الحرابة جريمة كبرى: والحرابة - أو قطع الطريق - تعتبر من كبريات الجرائم، ومن ثم أطلق القرآن الكريم على المتورطين في ارتكابها أقصى عبارة فجعلهم محاربين لله ورسوله، وساعين في الارض بالفساد وغلظ عقوبتهم تغليظا لم يجعله لجريمة أخرى.
يقول الله سبحانه: " إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الارض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الارض، ذلك لهم خزي في الدنيا، ولهم في الاخرة عذاب عظيم.
" (٢) ورسول الله ﷺ يعلن أن من يرتكب هذه الجناية ليس له شرف الانتساب إلى الاسلام، فيقول: " من حمل علينا السلاح فليس منا " (٣) .
رواه البخاري، ومسلم من حديث ابن عمر.
وإذا لم يكن له هذا الشرف وهو حي، فليس له هذا الشرف بعد الوفاة، فإن الناس يموتون على ما عاشوا عليه، كما يبعثون على ما ماتوا عليه.
стр. 1219
وروى أبو هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: " من خرج على الطاعة، وفارق الجماعة ومات، فميتته جاهلية (١) ". أخرجه مسلم.
شروط الحرابة:
ولا بد من توافر شروط معينة في المحاربين حتى يستحقوا العقوبة المقررة لهذه الجريمة: وجملة هذه الشروط هي: ١ - التكليف.
٢ - وجود السلاح.
٣ - البعد عن العمران.
٤ - المجاهرة.
ولم يتفق الفقهاء على هذه الشروط، وإنما لهم فيها مناقشات نجملها فيما يلي: (١) شرط التكليف: يشترط في المحاربين: العقل، والبلوغ، لانهما شرطا التكليف الذي هو شرط في إقامة الحدود.
فالصبي والمجنون لا يعتبر الواحد منهما محاربا، مهما اشترك في أعمال المحاربة، لعدم تكليف واحد منهما شرعا، ولم يختلف في ذلك الفقهاء، ولكن اختلفوا فيما إذا اشترك في الحرابة صبيان أو مجانين.
فهل يسقط الحد عمن اشتركوا فيها بسقوطه عن هؤلاء الصبيان أو المجانين؟ قالت الاحناف: نعم يسقط الحد، لانه إذا سقط عن البعض، فإن هذا
стр. 1220
السقوط يسري إلى الكل باعتبار أنهم جميعا متضامنون في المسؤولية، وإذا سقط حد الحرابة نظر في الاعمال التي ارتكبت على أنها جرائم عادية يعاقب عليها بالعقوبات المقررة لها.
فإن كانت الجريمة قتلا رجع الامر إلى ولي الدم، فله أن يعفو، وله أن يقتص.
وهكذا في بقية الجرائم.
ومقتضى المذهب المالكي، والمذهب الظاهري وغيرهما إنه إذا سقط حد الحرابة عن الصبيان والمجانين، فإنه لا يسقط عن غيرهم ممن اشتركوا في الاثم والعدوان، لان هذا الحد هو حق لله تعالى، وهذا الحق لا ينظر فيه إلى الافراد.
ولا تشترط الذكورة ولا الحرية، لانه ليس للانوثة ولا للرق تأثير على جريمة الحرابة، فقد يكون للمرأة (١) والعبد من القوة مثل ما لغيرهما، من التدبير وحمل السلاح والمشاركة في التمرد والعصيان، فيجري عليهما ما يجري على غيرهما من أحكام الحرابة.
(٢) شرط حمل السلاح: ويشترط في المحاربين أن يكون معهم سلاح، لان قوتهم التي يعتمدون عليها في الحرابة: إنما هي قوة السلاح، فإن لم يكن معهم سلاح فليسوا بمحاربين، لانهم لا يمنعون من يقصدهم، وإذا تسلحوا بالعصي والحجارة، فهل يعتبرون محاربين؟ اختلف الفقهاء في ذلك.
فقال الشافعي، ومالك، والحنابلة، وأبو يوسف، وأبو ثور، وابن حزم:
وإنهم يعتبرون محاربين لانه لا عبرة بنوع السلاح، ولا بكثرته، وإنما العبرة بقطع الطريق.
وقال أبو حنيفة: ليسوا بمحاربين.
стр. 1221
(٣) شرط الصحراء والبعد عن العمران: واشترط بعض الفقهاء أن يكون ذلك في الصحراء، فإن فعلوا ذلك في البنيان لم يكونوا محاربين، ولان الواجب يسمى حد قطاع الطريق، وقطع الطريق إنما هو في الصحراء، ولان في المصر يلحق الغوث غالبا فتذهب شوكة المعتدين، ويكونون مختلسين، والمختلس ليس بقاطع، ولا حد عليه.
وهو قول أبي حنيفة، والثوري، وإسحاق، وأكثر فقهاء الشيعة.
وقول الخرقي من الحنابلة، وجزم به في الوجيز.
وذهب فريق آخر إلى أن حكمهم في المصر والصحراء واحد، لان الاية بعمومها تتناول كل محارب.
ولانه في المصر أعظم ضررا، فكان أولى.
ويدخل في هذا العصابات التي تتفق على العمل الجنائي من السلب، والنهب، والقتل.
وهذا مذهب الشافعي، والحنابلة، وأبي ثور.
وبه قال الاوزاعي والليث والمالكية، والظاهرية.
والظاهر أن هذا الاختلاف يتبع اختلاف الامصار.
فمن راعى شرط الصحراء نظر إلى الحال الغالبة، أو أخذه من حال زمنه الذي لم يقع فيه مثل
ذلك في مصره، وعلى العكس من ذلك من لم يشترط هذا الشرط.
ولذا يقول الشافعي: إن السلطان إذا ضعف ووجدت المغالبة في المصر كانت محاربة.
وأما غير ذلك فهو اختلاس عنده.
(٤) شرط المجاهرة: ومن شروط الحرابة المجاهرة بأن يأخذوا المال جهرا، فإن أخذوه مختفين فهم سراق، وإن اختطفوه وهربوا، فهم منتهبون، لا قطع عليهم، وكذلك إن خرج الواحد والاثنان على آخر قافلة، فسلبوا منها شيئا، لانه لا يرجعون إلى منعة وقوة، وإن خرجوا على عدد يسير فقهروهم، فهم قطاع طريق.
وهذا مذهب الاحناف والشافعية والحنابلة.
وخالف في ذلك المالكية والظاهرية.
قال ابن العربي المالكي: والذي نختاره أن الحرابة عامة في المصر والقفر،
стр. 1222
وإن كان بعضها أفحش من بعض، ولكن اسم الحرابة يتناولها، ومعنى الحرابة موجود فيها، ولو خرج بعضا في المصر يقتل بالسيف ويؤخذ فيه بأشد من ذلك لا بأيسره.
فإنه سلب غيلة، وفعل الغيلة أقبح من فعل المجاهرة، ولذلك دخل العفو في قتل المجاهرة فكان قصاصا، ولم يدخل في قتل الغيلة، فكان حرابة، فتحرر أن قطع السبيل موجب للقتل.
وقال: لقد كنت أيام تولية القضاء قد رفع إلي أمر قوم خرجوا محاربين في رفقة، فأخذوا منهم امرأة - مغالبة على نفسها من زوجها، ومن جملة المسلمين معه - فاختلوا بها، ثم جد فيهم الطلب، فأخذوا وجئ بهم، فسألت من كان ابتلاني الله به من المفتين، فقالوا: ليسوا محاربين، لان الحرابة إنما تكون في الاموال لا في الفروج.
فقلت لهم: " إنا لله وإنا إليه راجعون " ألم تعلموا أن الحرابة في الفروج أفحش منها في الاموال، وإن الناس ليرضون أن تذهب أموالهم وتحرب بين أيديهم، ولا يرضون أن يحرب المرء في زوجته وبنته؟ ولو كان فوق ما قال الله عقوبة لكانت لمن يسلب الفروج، وحسبكم من بلاء صحبة الجهال، وخصوصا في الفتيا والقضاء.
وقال القرطبي: والمغتال كالمحارب، وهو أن يحتال في قتل إنسان على أخذ ماله، وإن لم يشهر السلاح، ولكن دخل عليه بيته أو صحبه في سفر، فأطعمه سما فقتله، فيقتل حدا لا قودا، وقريب من هذا القول رأي ابن حزم حيث يقول: إن المحارب هو المكابر، المخيف لاهل الطريق، المفسد في سبل الارض، سواء بسلاح أم بلا سلاح أصلا.
سواء ليلا أم نهارا، في مصر أم فلاة، أم في قصر الخليفة، أم في الجامع سواء، وسواء فعل ذلك بجند أم بغير جند، منقطعين في الصحراء أم أهل قرية، سكانا في دورهم أم أهل حصن كذلك، أم أهل مدينة عظيمة أم غير عظيمة، كذلك واحد أم أكثر، كل من حارب المارة وأخاف السبيل بقتل نفس أو أخذ مال، أو لجراحة، أو لانتهاك عرض، فهو محارب عليه وعليهم، كثروا أو قلوا ".
ومن ثم يتبين أن مذهب ابن حزم وأسع المذاهب بالنسبة للحرابة، ومثله
стр. 1223
في ذلك المالكية، لان كل من أخاف السبيل على أي نحو من الانحاء، وبأي صورة من الصور، يعتبر محاربا مستحقا لعقوبة الحرابة.
عقوبة الحرابة: أنزل الله سبحانه في جريمة الحرابة قوله: " إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الارض
فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الارض، ذلك لهم خزي في الدنيا، ولهم في الاخرة عذاب عظيم - إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم، فاعلموا أن الله غفور رحيم ".
(١) فهذه الاية نزلت فيمن خرج من المسلمين يقطع السبيل ويسعى في الارض بالفساد، لقوله سبحانه: " إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم ".
وقد أجمع العلماء على أن أهل الشرك إذا وقعوا في أيدي المسلمين، فأسلموا فإن الاسلام يعصم دماءهم وأموالهم وإن كانوا قد ارتكبوا من المعاصي قبل الاسلام ما يستوجب العقوبة: " قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ".
(٢) فدل ذلك على أن الاية نزلت في أهل الاسلام، ومعنى يحاربون الله ورسوله، أي يحاربون المسلمين بما يحدثونه من اضطراب، وفوضى وخوف وقلق، ويحاربون الاسلام بخروجهم عن تعاليمه وعصيانهم لها.
فإضافة الحرب إلى الله ورسوله إيذان بأن حرب المسلمين كأنها حرب الله تعالى ولرسوله، كقوله تعالى: يخادعون الله والذين آمنوا ".
(٣) فالمحاربة هنا مجازية.
قال القرطبي: يحاربون الله ورسوله، إستعارة، ومجاز، إذ الله سبحانه
стр. 1224
وتعالى لا يحارب ولا يغالب لما هو عليه من صفات الكمال، ولما وجب له من التنزيه عن الاضداد والانداد.
والمعنى يحاربون أولياء الله.
فعبر بنفسه العزيزة عن أوليائه إكبارا لاذيتهم كما عبر بنفسه عن الفقراء والضعفاء في قوله تعالى: " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا " (١) .
حثا على الاستعطاف عليهم، ومثله في صحيح السنة: " استطعمتك فلم تطعمني " اه.
سبب نزول هذه الاية: قال الجمهور في سبب نزول هذه الاية: " إن العرنيين (٢) قدموا المدينة فأسلموا، واستوخموها (٣) ، وسقمت أجسامهم، فأمرهم النبي ﷺ بالخروج إلى إبل الصدقة، فخرجوا، وأمر لهم بلقاح (٤) ليشربوا من ألبانها فانطلقوا، فلما صحوا قتلوا الراعي وارتدوا عن الاسلام وساقوا الابل.
فبعث النبي ﷺ في آثارهم، فما ارتفع النهار حتى جئ بهم فأمر بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وتسمل (٥) أعينهم، وتركهم في الحرة (٦) يستسقون فلا يسقون حتى ماتوا ".
قال أبو قلابة: فهؤلاء قوم سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم وحاربوا الله ورسوله، فأنزل الله عزوجل: " إنما الذين يحاربون الله ورسوله " الاية.
العقوبات التي قررتها الاية الكريمة:
والعقوبة التي قررتها هذه الاية للذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في
стр. 1225
الارض فسادا هي إحدى عقوبات أربع:
١ - القتل.
٢ - أو الصلب.
٣ - أو تقطيع الايدي والارجل من خلاف.
٤ - أو النفي من الارض.
وهذه العقوبات جاءت في الاية معطوفة بحرف " أو "، فقال بعض العلماء: " إن العطف بها يفيد التخيير، ومعنى هذا ان للحاكم أن يتخير عقوبة من هذه العقوبات، حسب ما يراه من المصلحة، بصرف النظر عن الجريمة التي ارتكبها المحاربون ".
وقال أكثر العلماء: إن " أو " لنا للتنويع لا للتخيير ومقتضاه أن تتنوع العقوبة حسب الجريمة، وأن هذه العقوبات على ترتيب الجرائم لا على التخيير.
حجة القائلين بأن " أو " للتخيير: قال الفريق الاول: إن هذا ما تقتضيه اللغة، ويتمشى مع نظم الاية، ولم يثبت من السنة ما يصرف ما دلت عليه من هذا المعنى.
فكل من حارب الله ورسوله وسعى في الارض بالفساد، فإن عقوبته إما القتل، أو الصلب، أو القطع، أو النفي من الارض حسب ما يكون من المصلحة التي يراها الحاكم في تنفيذ إحدى هذه العقوبات، سواء قتلوا أم لم يقتاوا، وسواء أخذوا المال أم لم يأخذوا، وسواء ارتكبوا جريمة واحدة أم أكثر.
وليس في الاية ما يدل على أن للحاكم أن يجمع أكثر من عقوبة واحدة أو يترك المحاربين دون عقاب.
قال القرطبي: " قال أبو ثور: الامام مخير على ظاهر الاية، وكذلك قال مالك، وهو مروي عن ابن عباس، وهو قول سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز، ومجاهد، والضحاك، والنخعي، كلهم قال: الامام مخير في الحكم على المحاربين، يحكم عليهم بأي الاحكام التي
стр. 1226
أوجبها الله تعالى من: القتل، أو الصلب، أو القطع، أو النفي بظاهر الاية ".
قال ابن عباس: ما كان في القرآن " أو " فصاحبه بالخيار.
وهذا قول أشعر بظاهر الاية.
قال ابن كثير: إن ظاهر - أو - للتخيير، كما في نظائر ذلك من القرآن كقوله تعالى في جزاء الصيد: " فجزاء مثل ما قتل من النعم، يحكم به ذوا عدل منكم، هديا بالغ الكعبة، أو كفارة طعام مساكين، أو عدل ذلك صياما ".
(١) وكقوله في كفارة الفدية: " فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ".
(٢) وكقوله في كفارة اليمين: " فإطعام عشرة مساكين، من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة ".
(٣) هذه كلها على التخيير، فكذلك فلتكن هذه الاية.
حجة القائلين بأن " أو " للتنويع: أما الفريق الثاني فقد استدل بما روي عن ابن عباس، وهو من أعلم الناس باللغة وأفقههم في القرآن الكريم، فقد روى الشافعي في مسنده عنه ﵁ قال: " إذا قتلوا وأخذوا الاموال صلبوا. وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا. وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف. وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالا نفوا من الارض. "
стр. 1227
قال ابن كثير ويشهد لهذا التفصيل الحديث الذي رواه ابن جرير في تفسيره - إن سنده - قال: حدثنا علي بن سهل، حدثنا الوليد بن مسلم، عن يزيد بن حبيب: أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس بن مالك يسأله عن هذه الاية، فكتب إليه يخبره أنها نزلت في أولئك النفر العرنيين، وهم من بجيلة (١) ، قال أنس: فارتدوا عن الاسلام، وقتلوا الراعي، واستاقوا الابل، وأخافوا السبيل،
وأصابوا الفرج الحرام.
قال أنس: فسأل الرسول ﷺ جبرائيل ﵇ عن القضاء فيمن حارب فقال: " من سرق مالا وأخاف السبيل فاقطع يده بسرقته ورجله بإخافته، ومن قتل اقتله، ومن قتل وأخاف السبيل واستحل الفرج الحرام فاصلبه ".
وقالوا: إن الذي يرجح أن الاية لتفصيل العقوبات، لا للتخيير هو أن الله جعل لهذا الافساد درجات من العقاب لان إفسادهم متفاوت، منه القتل، ومنه السلب والنهب، ومنه هتك العرض، ومنه إهلاك الحرث والنسل.
ومن قطاع الطرق من يجمع بين جريمتين أو أكثر من هذه، فليس الحاكم مخيرا في عقاب من شاء منهم بما شاء، بل عليه أن يعاقب كلا منهم بقدر جرمه ودرجة إفساده، وهذا هو العدل: " وجزاء سيئة سيئة مثلها ".
(٢) وهذا مذهب الشافعي، وأحمد في أصح الروايات عنه، وقول أبي حنيفة على تفصيل في ذلك - وقد ناقش الكاساني في البدائع (٣) رأي القائلين بأن " أو " للتخيير نقاشا علميا، فقال: " إن التخيير الوارد في الاحكام المختلفة من حيث الصورة بحرف التخيير، إنما يجري ظاهره إذا كان سبب الوجوب واحد، كما في كفارة اليمين، وكفارة جزاء الصيد.
أما إذا كان مختلفا فيخرج مخرج بيان الحكم لكل في نفسه، كما في قوله تعالى:
стр. 1228
" قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا ".
(١) إن ذلك ليس للتخيير بين المذكورين، بل لبيان الحكم لكل في نفسه، لاختلاف سبب الوجوب.
وتأويله: إما أن تعذب من ظلم، أو تتخذ الحسن فيمن آمن وعمل صالحا.
ألا ترى إلى قوله تعالى: " قال أما من ظلم فسوف نعذبه، ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا - وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى ".
(٢) وقطع الطريق متنوع في نفسه وإن كان متحدا من حيث الاصل، فقد يكون بأخذ المال وحده، وقد يكون بالقتل لا غير، وقد يكون بالجمع بين الامرين، وقد يكون بالتخويف لا غير، فكان سبب الوجوب مختلفا فلا يحمل على التخيير، بل على بيان الحكم لكل نوع، أو يحتمل هذا ويحتمل ما ذكر فلا يكون حجة مع الاحتمال.
وإذا لم يمكن صرف الاية الشريفة إلى ظاهر التخيير في مطلق المحارب.
فإما أن يحمل على الترتيب ويضمر في كل حكم مذكور نوع من أنواع قطع الطريق، كأنه قال: " إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الارض فسادا أن يقتلوا " إن قتلوا، أو يصلبوا، إن أخذوا المال وقتلوا، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، إن أخذوا المال لا غير، أو ينفوا من الارض، إن أخافوا، هكذا ذكر جبريل ﵇ لرسول الله ﷺ لما قطع أبو بردة الاسلمي بأصحابه الطريق على أناس جاؤوا يريدون الاسلام.
فقد قال ﵇:
" إن من قتل قتل، ومن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف، ومن قتل وأخذ المال صلب، ومن جاء مسلما هدم الاسلام ما كان قبله من الشرك ".
стр. 1229
بسط رأي القائلين بتنوع العقوبة إذا اختلفت الجريمة: قلنا إن جمهور الفقهاء يرى أن العقوبة تتنوع حسب نوع الجريمة، وإن ذلك ينقسم إلى أقسام:
١ - أن تكون الحرابة مقصورة على إخافة المارة وقطع الطريق، ولم يرتكب المحاربون شيئا وراء ذلك، فهؤلاء ينفون من الارض، والنفي من الارض معناه إخراج المحاربين من البلد الذي أفسدوا فيه إلى غيره من بلاد الاسلام. إلا إذا كانوا كفارا فيجوز إخراجهم إلى بلاد الكفر.
وحكمة ذلك أن يذوق هؤلاء وبال أمرهم بالابتعاد والنفي، وأن تطهر المنطقة التي عاثوا فيها فسادا من شرورهم ومفاسدهم، وأن ينسى الناس ما كان منهم من أثر سئ وذكرى أليمة.
وروي عن مالك أن النفي معناه الاخراج إلى بلد آخر، ليسجنوا فيه حتى تظهر توبتهم، واختاره ابن جرير.
ويرى الاحناف أن النفي هو الجسن ويبقون في السجن حتى يظهر صلاحم لان السجن خروج من سعة الدنيا إلى ضيقتها، فصار من سجن كأنه نفي من الارض إلا من موضع سجنه، واحتجوا بقول بعض أهل السجون في ذلك: خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها فلسنا من الاموات فيها ولا الاحيا
إذا جاءنا السجان يوما لحاجة عجبنا وقلنا: جاء هذا من الدنيا!
٢ - أن تكون الحرابة بأخذ المال من غير قتل، وعقوبة ذلك قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، لان هذه الجناية زادت على السرقة بالحرابة، وما يقطع منهما يحسم في الحال، بكي العضو المقطوع بالنار أو بالزيت المغلي أو بأية طريقة أخرى، حتى لا يستنزف دمه فيموت.
وإنما كان القطع من خلاف حتى لا تفوت جنس المنفعة فتبقى له يد يسرى ورجل يمنى ينتفع بهما، فإن عاد هذا المقطوع إلى قطع الطريق مرة أخرى قطعت يده اليسرى ورجله اليمنى، وقد اشترط جمهور الفقهاء أن يكون مبلغ المال المسروق نصابا، وأن يكون من حرز، لان السرقة جريمة لها عقوبة مقررة، فإذا وقعت الجريمة تعبها جزاؤها، سواء أكان مرتكبها فردا أم جماعة.
فإن لم يبلغ المال نصابا ولم يكن
стр. 1230
من حرز فلا قطع، فإن كانوا جماعة، فهل يشترط أن تبلغ حصة كل واحد منهم نصابا أو لا؟ أجاب عن ذلك ابن قدامة فقال: " وإذا أخذوا ما يبلغ نصابا ولا تبلغ حصة كل واحد منهم نصابا قطعوا، قياسا على قولنا في السرقة.
وقياس قول الشافعي وأصحاب الرأي أنه لا يجب القطع حتى تبلغ حصة كل واحد منهم نصابا.
ويشترط ألا تكون لهم شبهة.
ولم يوافق مالك ولا الظاهرية على هذا الرأي، فلم يشترطوا في المال المسروق بلوغ النصاب ولا كونه محرزا، لان الحرابة نفسها جريمة تستوجب العقوبة بقطع النظر عن النصاب والحرز.
فجريمة الحرابة غير جريمة السرقة، وعقوبة كل منهما مختلفة، لان الله تعالى قدر للسرقة نصابا، ولم يقدر في
الحرابة شيئا، بل ذكر جزاء المحارب فاقتضى ذلك توفية الجزاء لهم على المحاربة.
وإذا كان في الجناة من هو ذو رحم محرم ممن سرقت أموالهم فإنه لاقطع عليه، ويقطع الباقون الذين شاركوه من الجناة عند الحنابلة وأحد قولي الشافعي.
وقال الاحناف: لا يقطع واحد منهم لوجود الشبهة بالنسبة للقريب، والجناة متضامنون فإذا سقط الحد عن القريب سقط عن الجميع.
ورجح ابن قدامة رأي الشافعية والحنابلة فقال: " إنها شبهة اختص بها واحد، فلا يسقط الحد عن الباقين " ومعنى هذا أن شبهة الاسقاط لا تتجاوز ذا الرحم، فلا يقاوم عليه الحد وحده، لان الشبهة لا تتجاوزه. اه.
٣ - أن تكون الحرابة بالقتل دون أخذ للمال، وهذا يستوجب القتل متى قدر الحاكم عليهم، ويقتل جميع المحاربين وإن كان القاتل واحدا، كما يقتل الردء - وهو الطليعة - لانهم شركاء في المحاربة والافساد في الارض.
ولاعبرة بعفو ولي الدم أو رضاه بالدية، لان عفو ولي الدم أو رضاه بالدية في القصاص لافي الحرابة.
٤ - أن تكون الحرابة بالقتل وأخذ المال.
وفي هذا القتل والصلب.
أي أن عقوبتهم أن يصلبوا أحياء ليموتوا، فيربط الشخص على خشبة أو عمود