← Фикх общий

Фикх общий · id 9486

فقه السنة

سيد سابق

Полный текст (2 120 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

عليكم، واتقوا الله ". (١) وقوله تعالى: " وجزاء سيئة سيئة مثلها ". (٢) وعلى هذا مضت السنة بالقصاص في ذلك. ويشترط أن يكون، اللطم، أو اللكز، أو الضرب، أو السب، الصادر من المجني عليه مساويا للطم، أو اللكز، أو الضرب، أو السلب الصادر من الجاني، لان ذلك هو مقتضى العدل الذي من أجله شرع القصاص. كما يشترط في القصاص في اللطمة ألا تقع في العين أو في موضع يخشى منه التلف. ويشترط في القصاص في السب خاصة، ألا يكون محرم الجنس، فليس له أن يكفر من كفره، أو يكذب على من كذب عليه، أو يلعن أب من لعن أباه، أو يسب أم من سب أمه، لان تكفير المسلم أو الكذب عليه مما هو محرم في الاسلام ابتداء، ولان أباه لم يلعنه حتى يلعنه. وكذلك أمه لم تشتمه فيسبها، له أن يلعن من لعنه، ويقبح من قبحه، ويقول الكلمة النابية، ويردها على وقائلها قصاصا. قال القرطبي: " فمن ظلمك فخذ حقك منه بقدر مظلمتك، ومن شتمك فرد عليه مثل قوله، ومن أخذ عرضك فخذ عرضه، لا تتعدى إلى أبويه، ولا ابنه أو قريبه، وليس لك أن تكذب عليه، وإن كذب عليك، فإن المعصية لا تقابل بالمعصية. فلو قال لك مثلا: يا كافر. جاز لك أن تقول له: أنت الكافر. وإن قال لك: يا زان، فقصاصك أن تقول له: يا كذاب، يا شاهد زور. ولو قلت له: يا زان كنت كاذبا، وأثمت في الكذب. وإن مطلك وهو غني - دون عذر - فقل: يا ظالم. يا آكل أموال الناس. قال النبي ﷺ : " لي الواجد يحل عرضه وعقوبته " (٣) .

стр. 1297

" أما عرضه فيما فسرناه، وأما عقوبته فالسجن يحبس فيه " (١) . انتهى. والقصاص في اللطمة، والضرب، والسب، ثابت عن الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة والتابعين. ذكر البخاري عن أبي بكر، وعلي، وابن الزبير، وسويد بن مفرن أنهم أقادوا من اللطمة وشبهها. قال ابن المنذر: " وما أصيب به من سوط، أو عصا، أو حجر، فكان دون النفس، فهو عمد، وفيه القود ". وهذا قول جماعة من أصحاب الحديث. وفي البخاري: " وأقاد عمر ﵁ من ضربة بالدرة. وأقاد علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، من ثلاثة أسواط، واقتص شريح من سوط وخموش ". وخالف في ذلك كثير من فقهاء الامصار، فقالوا: بعدم مشروعية القصاص في شئ من هذا، لان المساواة متعذرة في ذلك غالبا. وإذا كان لا يجب فيها القصاص فالواجب فيها التعزير. وقد رجح شيخ الاسلام ابن تيمية الرأي الاول، فقال: " وأما قول القائل: إن المماثلة في ذلك متعذرة، فيقال له: لابد لهذه الجناية من عقوبة: إما قصاص، وإما تعزير. فإذا جوز أن يكون تعزيرا غير مضبوط الجنس والقدر، فلان يعاقب بما هو أقرب إلى الضبط من ذلك أولى وأحرى. والعدل في القصاص معتبر بحسب الامكان. ومن المعلوم أن الضارب إذا ضرب مثل ضربته أو قريبا منها، كان هذا أقرب إلى العدل من أن يعزر بالضرب بالسوط. فالذي يمنع القصاص في ذلك - خوفا من الظلم - يبيح ما هو أعظم ظلما مما فر منه، فيعلم أن ما جاءت به السنة أعدل وأمثل " انتهى. القصاص في إتلاف المال: إذا أتلف إنسان مال غيره، كن يقطع شجره، أو يفسد زرعه، أو

стр. 1298

يهدم داره، أو يحرق ثوبه، فهل له أن يقتص منه فيفعل به مثل ما فعل؟ للعلماء في ذلك رأيان: ١ - رأي يرى أن القصاص في ذلك غير مشروع، لانه إفساد من جهة، ولان العقار والثياب غير متماثلة من جهة أخرى. ٢ - ورأي يرى شرعية ذلك، لان القصاص في الانفس والاطراف جائز، ولاشك أن الانفس والاطراف أعظم قدرا من الاموال. وإذا كان القصاص جائزا فيها، فالاموال - وهي دونها - من باب أولى. ولهذا جاز لنا أن نفسد أموال أهل الحرب إذا أفسدوا أموالنا، كقطع الشجر المثمر. وإن قيل بالمنع من ذلك لغير حاجة. ورجح ابن القم هذا الرأي، فقال: " إتلاف المال، فإن كان مما له حرمة، كالحيوان والعبيد، فليس له أن يتلف ماله كما أتلف ماله، وإن لم تكن له حرمة، كالثوب يشقه، والاناء يكسره، فالمشهور أنه ليس له أن يتلف عليه نظير ما أتلفه بل له القيمة أو المثل. والقياس يقتضي أن له أن يفعل بنظير ما أتلفه عليه، كما فعله الجاني به، فيشق ثوبه كما شق ثوبه، ويكسر عصاه كما كسر عصاه، إذا كانا متساويين، وهذا من العدل، وليس مع من منعه نص، ولاقياس، ولا إجماع، فإن هذا ليس بحرام لحق الله، وليست حرمة المال أعظم من حرمة النفوس والاطراف، فإذا مكنه الشارع أن يتلف طرفه بطرفه فتمكينه من إتلاف ماله في مقابلة ماله هو أولى وأحرى. وإن حكمة القصاص من التشفي، ودرك الغيظ، لا تحصل إلا بذلك. ولانه قد يكون له غرض في أذاه وإتلاف ثيابه، ويعطيه قيمتها، ولا يشق ذلك عليه، لكثرة ماله، فيشفي نفسه منه بذلك، ويبقى المجني عليه بغبنه وغيظه، فكيف يقع إعطاؤه القيمة من شفاء غيظه، ودرك ثأره، وبرد قلبه، وإذاقة الجاني من الاذى ما ذاقه هو. فحكمة هذه الشريعة الكاملة الباهرة، وقياسها معا يأبى ذلك. وقوله تعالى: " فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ".

стр. 1299

وقوله تعالى: " وجزاء سيئة سيئة مثلها ". وقوله تعالى: " وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ". يقتضي جوازا ذلك. وقد صرح الفقهاء بجواز إحراق زرع الكفار، وقطع أشجارهم، إذا كانوا يفعلون ذلك بنا. وهذا عين المسألة. وقد أقر الله سبحانه الصحابة على قطع نخل اليهود، لما فيه من خزيهم، وهذا يدل على أنه سبحانه يحب خزي الجاني الظالم، ويشرعه. وإذا جاز تحريق متاع الغال، لكونه تعدى على المسلمين في خيانتهم في شئ من الغنيمة، فلان يحرق ماله إذا حرق مال المسلم المعصوم، أولى وأحرى. وإذا شرعت العقوبة المالية في حق الله، الذي مسامحته به أكثر من استيفائه، فلان تشرع في حق العبد الشحيح أولى وأحرى. ولان الله سبحانه، شرع القصاص زجرا للنفوس عن العدوان، وكان من الممكن أن يوجب الدية استدراكا لظلامة المجني عليه بالمال، ولكن ما شرعه أكمل وأصلح للعباد، وأشفى لغيظ المجني عليه، وأحفظ للنفوس وللاطراف وإلا فمن كان في نفسه من الآخر - من قتله أو قطع طرفه - قتله أو قطع طرفه وأعطى ديته والحكمة والرحمة والمصلحة تأبى ذلك. وهذا بعينه موجود في العدوان على المال. فإن قيل: هذا ينجبر بأن يعطيه نظير ما أتلفه عليه. قيل: إذا رضي المجني عليه بذلك فهو كما لو رضي بدية طرفه، فهذا هو محض القياس، وبه قال الاحمدان: أحمد بن حنبل، وأحمد بن تيمية. قال في رواية موسى بن سعيد: " وصاحب الشئ يخير: إن شاء شق الثوب، وإن شاء أخذ مثله " انتهى. ضمان المثل: اتفق العلماء على أن من استهلك، أو أفسد شيئا من المطعوم، أو المشروب أو الموزون، فإنه يضمن مثله.

стр. 1300

قالت عائشة ﵂: " ما رأيت صانع طعام مثل صفية، صنعت لرسول الله ﷺ طعاما، فبعثت به، فأخذني أفكل (١) ، فكسرت الاناء، فقلت: يا رسول الله. ما كفارة ما صنعت؟ فقال: إناء مثل إناء، وطعام مثل طعام ". رواه أبو داود. واختلفوا فيما إذا كان ما استهلك، أو أفسد، مما لا يكال ولا يوزن. فذهبت الاحناف والشافعية: إلى أن على من استهلكه أو أفسده، ضمان المثل، ولا يعدل عنه إلى القيمة إلا عند عدم المثل لقول الله تعالى: " فمن اعتدى عليكم، فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ". وهذا عام في الاشياء جميعها، ويؤيده حديث عائشة المتقدم. وذهبت المالكية إلى أنه يضمن القيمة، لا المثل (٢) الاعتداء بالجرح أو أخذ المال إذا تعدى إنسان على آخر بالجرح، أو بأخذ المال، فهل للمعتدى عليه، أن يأخذ حقه بنفسه إذا ظفر به؟ للعلماء في هذه المسألة أكثر من رأي، وقد رجح القرطبي الجواز فقال: " والصحيح جواز ذلك، كيفما توصل إلى أخذ حقه، ما لم يعد سارقا، وهو مذهب الشافعي، وحكاه الداودي عن مالك، وقال به ابن المنذر، واختاره ابن العربي، وأن ذلك ليس خيانة، وإنما هو وصول إلى حق، وقال رسول الله ﷺ : " أنصر أخاك ظالما أو مظلوما ". وأخذ الحق من الظالم نصر له. وقال رسول الله ﷺ لهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان لما قالت له: إن أبا سفيان رجل شحيح، لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني،

стр. 1301

إلا ما أخذت من ماله بغير علمه، فهل علي جناح؟ فقال رسول الله ﷺ : " خذي ما يكفيك ويكفي ولدك بالمعروف ". فأباح لها الاخذ، وألا تأخذ إلا القدر الذي يجب لها. وهذا كله ثابت في الصحيح، وقوله تعالى: " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " قاطع في موضع الخلاف. قال: واختلفوا إذا ظفر بمال له من غير جنس ماله. فقيل: لا يأخذ إلا بحكم الحاكم. وللشافعي قولان: أصحهما الاخذ قياسا على ما لو ظفر له من جنس ماله. والقول الثاني: لا يأخذ، لانه خلاف الجنس. ومنهم من قال: يتحرى قيمة ماله عليه، ويأخذ مقدار ذلك، وهذا هو الصحيح لما بيناه بالدليل " انتهى. الاقتصاص من الحاكم إن الحاكم فرد من أفراد الامة، لا يتميز عن غيره إلا كما يتميزا الوصي أو الوكيل، ويحري عليه ما يجري على سائر الافراد. فإذا تعدى على فرد من أفراد الامة اقتص منه، لانه لا فرق بينه وبين غيره في أحكام الله، فأحكام الله عامة، تتناول المسلمين جميعا، فعن أبي نضرة عن أبي فراس، قال: خطبنا عمر بن الخطاب ﵁ فقال: أيها الناس: " إني والله ما أرسل عمالا ليضربوا أبشاركم، ولاليأخذوا أموالكم، ولكن أرسلهم ليعلموكم دينكم وسنة نبيكم، فمن فعل به شئ سوى ذلك فليرفعه إلي، فوالذي نفس عمر بيده لاقصنه منه. قال عمرو بن العاص ﵁: " لو أن رجلا أدب بعض رعيته، أتقصه منه؟ " قال: إي والذي نفسي بيده. إذن لاقصنه منه، وكيف لا أقصه منه

стр. 1302

وقد رأيت رسول الله يقص من نفسه " رواه أبو داود، والنساتي. وروى النسائي وأبو داود من حديث أبي سعيد بن جبير فقال: " بينا رسول الله ﷺ يقسم شيئا بيننا، إذ أكب عليه رجل، فطعنه رسول الله بعرجون كان معه. فصاح الرجل فقال له رسول الله ﷺ : " تعالى فاستقد، فقال الرجل: بل عفوت يا رسول الله " وعن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال لرجل شكا إليه: أن عاملا قطع يده: " لئن كنت صادقا لاقيدنك منه ". وقال الشافعي في رواية الربيع: وروى من حديث عمر ﵁ أنه قال: " رأيت رسول الله ﷺ يعطي القود من نفسه، وأبا بكر يعطي القود من نفسه، وأنا أعطي القود من نفسي " هل يقاد الزوج إذا أصاب امرأته بشئ: قال ابن شهاب: مضت السنة أن الرجل إذا أصاب امرأته بجرح، أن عليه عقل ذلك الجرح، ولا يقاد منه. وفسر ذلك مالك، فقال: إذا عمد الرجل إلى امرأته ففقأ عينها، أو كسر يدها، أو قطع أصبعها، أو أشباه ذلك، متعمدا لذلك، فإنها تقاد منه. وأما الرجل: يضرب امرأته بالحبل أو السوط، فيصيبها من ضربه ما لم يرده ولم يتعمده، فإنه يعقل ما أصاب منها على هذا الوجه، ولا تقاد منه. قال في المسوى: أهل العلم على هذا التأويل. لا قصاص من الجراحات حتى يتم البرء: لايقتص من الجاني في الجراحات، ولا تطلب منه دية حتى يتم برء المجني عليه من الجراحة التي أصيب بها، وتؤمن السراية، فإذا سرت الجناية إلى أجزاء أخرى من البدن ضمنها الجاني.

стр. 1303

ولا يقاد في البرد الشديد، ولا الحر الشديد، ويؤخر ذلك مخافة أن يموت المقاد منه. فإن اقتص منه في حر أو برد، أو بآلة كالة، أو مسمومة، لزمت بقية الدية إن حدث التلف. فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: " أن رجلا طعن رجلا بقرن في ركبته، فجاء إلى النبي ﷺ فقال: أقدني. فقال: حتى تبرأ، ثم جاء إليه فقال أقدني، فأقاده. ثم جاء إليه فقال: يا رسول الله: عرجت. فقال ﷺ : قد نهيتك فعصيتني، فأبعدك الله، وبطل عرجك. " ثم نهى رسول الله ﷺ أن يقتص من جرح حتى يبرأ صاحبه. رواه أحمد، والدارقطني. وفهم الشافعي من هذا أن الانتظار مندوب إليه، لان الرسول ﷺ كان متمكنا من الاقتصاص قبل الاندمال. وذهب غيره من الائمة: إلى أن الانتظار واجب، وإذنه بالاقتصاص كان قبل علمه بما يئول إليه من المفسدة. وإذا قطع الجاني إصبعا عمدا، فعفا المجروح عنه، ثم سرت الجناية إلى الكف أو النفس، فالسراية هدر إن كان العفو على غير شئ، وإن كان العفو على مال، فللمجروح دية ما سرت إليه، بأن يسقط من دية ما سرت إليه الجناية أرش ما عفا عنه، ويجب الباقي. موت المقتص منه: إذا مات المقتص منه بسبب الجرح الذي أصابه من أجل القصاص فقد اختلفت فيه أنظار العلماء. فذهب الجمهور منهم إلى أنه لا شئ على المقتص، لعدم التعدي، ولان السارق إذا مات من قطع يده، فإنه لاشئ على الذي قطع يده بالاجماع. وهذا مثل ذلك. وقال أبو حنيفة، والثوري، وابن أبي ليلى: " إذا مات وجب على عائلة المقتص الدية، لانه قتل خطأ "

стр. 1304

الدية: تعريفها: الدية هي المال الذي يجب بسبب الجناية، وتؤدى إلى المجني عليه، أو وليه. يقال: وديت القتيل: أي أعطيت ديته. وهي تنتظم ما فيه القصاص، وما لا قصاص فيه. وتسمى الدية، ب " العقل " وأصل ذلك: أن القاتل كان إذا قتل قتيلا، جمع الدية من الابل. فعقلها بفناء أولياء المقتول: أي شدها بعقالها ليسلمها إليهم. يقال: عقلت عن فلان إذا غرمت عنه دية جنايته. وقد كان النظام الدية معمولا به عند العرب، فأبقاه الاسلام. وأصل ذلك قول الله سبحانه: " وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا، إلا خطأ. ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله، إلا أن يصدقوا. فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن، فتحرير رقبة مؤمنة، وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق، فدية مسلمة إلى أهله، وتحرير رقبة مؤمنة، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، توبة من الله، وكان الله عليما حكيما " (١) . وروى أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: " كانت قيمة الدية على عهد رسول الله ﷺ ثمانماية دينار، أو ثمانية آلاف درهم. ودية أهل الكتاب يومئذ النصف من دية المسلمين.

стр. 1305

قال: فكان ذلك كذلك. حتى استخلف عمر ﵀، فقام خطيبا فقال: ألا إن الابل قد غلت. قال: ففرضها عمر على أهل الذهب (١) ألف دينار، وعلى أهل الورق اثنا عشر ألفا. وعلى أهل البقر مائتي بقرة. وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة (٢) . قال: وترك دية أهل الذمة لم يرفعها فيما رفعه من الدية. قال الشافعي بمصر: لا يؤخذ من أهل الذهب ولامن أهل الورق إلا قيمة الابل بالغة ما بلغت. والمرجح أنه لم يثبت بطريق لا شك فيه تقدير الرسول الدية بغير الابل، فيكون عمر قد زاد في أجناسها، وذلك لعلة جدت واستوجبت ذلك. حكمتها: والمقصود منها: الزجر، والردع، وحماية الانفس. ولهذا يجب أن تكون بحيث يقاسي من أدائها المكلفون بها، ويجدون منها حرجا وألما ومشقة، ولا يجدون هذا الالم ويشعرون به، إلا إذا كان مالا كثيرا ينقص من أموالهم، ويضيقون بأدائه ودفعه إلى المجني عليه أو ورثته، فهي جزاء يجمع بين العقوبة والتعويض. (٣) قدرها: الدية فرضها رسول الله ﷺ وقدرها فجعل دية الرجل الحر المسلم: مائة من الابل على أهل الابل (٤) ، ومائتي بقرة على أهل

стр. 1306

البقر، وألفي شاة على أهل الشاء، وألف دينار على أهل الذهب، واثني عشر ألف درهم على أهل الفضة، ومائتي حلة على أهل الحلل. فأيها أحضر من تلزمه الدية لزم الولي قبولها، سواء أكان ولي الجناية من أهل ذلك النوع أو لم يكن، لانه أتى بالاصل في الواجب عليه. القتل الذي تجب فيه: ومن المتفق عليه بين العلماء أنها تجب في القتل الخطأ وفي شبه العمد، وفي العمد الذي وقع ممن فقد شرطا من شروط التكليف، مثل الصغير (١) والمجنون. وفي العمد الذي تكون فيه حرمة المقتول ناقصة عن حرمة القاتل، مثل الحر إذا قتل العبد. كما تجب على النائم الذي انقلب في نومه على آخر فقتله. وعلى من سقط على غيره فقتله، كما تجب على من حفر حفرة فتردى فيها شخص فمات، وعلى من قتل بسبب الزحام. وجاء في ذلك عن حنش بن المعتمر، عن علي ﵁ قال: " بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، فانتهينا إلى قوم قد بنو زبية للاسد، فبينما هم كذلك يتدافعون إذ سقط رجل فتعلق بآخر، ثم تعلق الرجل بآخر، حتى صاروا فيها أربعة، فجرحهم الاسد، فانتدب له رجل بحربة فقتله، وماتوا من جراحهم كلهم، فقام أولياء الاول إلى أولياء الآخر، فأخرجوا السلاح ليقتتلوا، فأتاهم علي ﵁ على تفئة ذلك، فقال: تريدون أن تقتتلوا ورسول الله ﷺ حي. إني أقضي بينكم قضاء، إن رضيتم به فهو القضاء، وإلا حجر بعضكم

стр. 1307

على بعض حتى تأتوا النبي ﷺ ، فيكون هو الذي يقضي بينكم فمن عدا ذلك فلا حق له. أجمعوا من قبائل الذين حفروا البئر: ربع الدية. وثلث الدية، ونصف الدية، والدية كاملة. فللاول: ربع الدية، لانه هلك من فوق ثلاثة. وللثاني: ثلث الدية. وللثالث: نصف الدية. وللرابع: الدية كاملة. فأبوا إلا أن يمضوا، وأتو النبي ﷺ وهو عند مقام إبراهيم، فقصوا عليه القصة، فأجازه رسول الله ﷺ ". رواه أحمد، ورواه بلفظ آخر نحو هذا، وجعل الدية على قبائل الذين ازدحموا. وعن علي بن رباح اللخمي أن أعمى كان ينشد في الموسم في خلافة عمر ابن الخطاب، وهو يقول: يا أيها الناس لقيت منكرا - هل يعقل الاعمى الصحيح المبصرا جرا معا كلاهما تكسرا وذلك أن أعمى كان يقوده بصير، فوقعا في بئر. فوقع الاعمى على البصير فمات البصير، فقضى عمر بعقل البصير على الاعمى. رواه الدارقطني. وفي الحديث " أن رجلا أتى أهل أبيات فاستسقاهم فلم يسقوه حتى مات، فأغرمهم عمر ﵁ الدية ". حكاه أحمد في رواية ابن منصور، وقال: أقول به. ومن صاح على آخر فجأة، فمات من صيحته تجب ديته. ولو غير صورتهوخوف صبيا فجن الصبي فإنه يضمن. الدية مغلظة ومخففة: والدية تكون مغلظة ومخففة، فالمخففة تجب في قتل الخطأ، والمغلظة تجب في قتل شبه العمد. وأمادية قتل العمد إذا عفا ولي الدم فإن الشافعي والحنابلة يرون أنه يجب في هذه الحال دية مغلظة.

стр. 1308

وأما أبو حنيفة فإنه يرى أنه لادية في العمد، وإنما الواجب فيه ما اصطلح الطرفان عليه. وما اصطلحوا عليه حال، غير مؤجل. والدية المغلظة مائة من الابل في بطون أربعين منها أولادها. لما رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه عن قبة بن أوس، عن رجل من الصحابة أنه ﷺ ، قال: " ألا إن قتل خطأ العمد بالسوط، والعصا، والحجر فيه دية مغلظة: مائة من الابل، منها أربعون من ثنية (١) إلى بازل عامها، كلهن خلفة ". والتغليظ لا يعتبر إلا في الابل خاصة دون غيرها، لان الشارع ورد بذلك، وهذا سبيله التوقيف والسماع الذي لا مدخل للرأي فيه، لانه من بات المقدرات. تغليظ الدية في الشهر الحرام والبلد الحرام وفي الجناية على القريب: ويرى الشافعي وغيره: أن الدية تغلظ في النفس والجراح بالجناية في البلد الحرام، وفي الشهر الحرام، وفي الجناية على ذي الرحم المحرم، لان الشرع عظم هذه الحرمات، فتعظم الدية بعظم الجناية. وروي عن عمر، والقاسم بن محمد، وابن شهاب: أن يزاد في الدية مثل ثلثها. وذهب أبو حنيفة ومالك: إلى أن الدية لا تغلظ لهذه الاسباب، لانه لا دليل على التغليظ، إذ أن الديات يتوقف فيها على الشارع، والتغليظ فيما وقع خطأ بعيد عن أصول الشرع. على من تجب: الدية الواجبة على القاتل نوعان: ١ - نوع يجب على الجاني في ماله (٢) ، وهو القتل العمد، إذا سقط القصاص.

стр. 1309

يقول ابن عباس: " لاتحمل العاقلة عمدا، ولا اعترافا، ولا صلحا في عمد ". ولا مخالف له من الصحابة. وروى مالك عن ابن شهاب قال: " مضت السنة في العمد حين يعفوا أولياء المقتول أن الدية تكون على القاتل في ماله خاصة، إلا أن تعينه العاقلة عن طيب نفس منها. وإنما لا تعقل العاقلة واحدا من هذه الثلاثة: أي لا يعقل العمد، ولا الاقرار، ولا الصلح، لان العمد يوجب العقوبة، فلا يستحق التخفيف عنه بتحمل العاقلة عنه شيئا من الدية، ولا تعقل الاقرار لان الدية وجبت بالاقرار بالقتل لا بالقتل نفسه، والاقرار حجة قاصرة: أي أنه حجة في حق المقر، فلا يتعدى إلى العاقلة. ولا تعقل العاقلة الاقرار بالصلح، لان بدل الصلح لم يجب بالقتل، بل وجب بعقد الصلح، ولان الجاني يتحمل مسئولية جنايته، وبدل المتلف يجب على متلفه. ٢ - ونوع يجب على القاتل، وتتحمله عنه العاقلة، إذا كانت له عاقلة بطريق التعاون، وهو قتل شبه العمد وقتل الخطأ (١) . والقاتل كأحد أفراد العاقلة، لانه هو القاتل، فلا معنى لاخراجه. وقال الشافعي: لا يحب على القاتل شئ من الدية لانه معذور. والعاقلة: مأخوذ من العقل، لانها تعقل الدماء: أي تمسكها من أن تسفك: يقال عقل البعير عقلا: أي شده بالعقال. ومنه العقل، لانه يمنع من التورط في القبائح. والعاقلة هي الجماعة الذين يعقلون العقل، وهي الدية، يقال عقلت القتيل: أي أعطيت ديته، وعقلت عن القاتل. أديت ما لزمه من الدية. والعاقلة هم عصبة الرجل: أي قرابته الذكور البالغون - من قبل الاب - (٢) (١) وكذلك عمد الصغير والمجنون على عاقلتهما، وقال قتادة، وأبو ثور، وابن ابي دليلى، وابن شبرمة: دية شبه العمد في مال الجاني. وهذا القول ضعيف. (٢) ويدخل فيهم الاب والابن عند مالك وأبي حنيفة وأظهر الروايتين عند أحمد.

стр. 1310

الموسرون العقلاء، ويدخل فيهم: الاعمى، والزمن، والهرم، إن كانوا أغنياء لا يدخل في العاقلة: أنثى، ولا فقير، ولا صغير، ولا مجنون، ولا مخالف لدين الجاني، لان مبنى هذا الامر على النصرة، وهؤلاء ليسوا من أهلها. وأصل وجوب الدية على العاقلة: ما ثبت من أن امرأتين من هزيل إقتتلتا، فرمت إحداهما الاخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فقضى رسول الله ﷺ بدية المرأة على عاقلتها. رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة. وكانت العاقلة في زمن النبي ﷺ قبيلة الجاني، وبقيت كذلك حتى جاء عهد عمر ﵁، فلما نظم الجيوش، ودون الدواوين جعل العاقلة هم أهل الديوان، خلافا لما كان في عهد النبي ﷺ . وقد أجاب السرخسي عن هذا الذي وضعه عمر. فقال: " إن قيل: كيف يظن بالصحابة الاجماع على خلاف ما قضى به رسول الله ﷺ ؟ قلنا: هذا اجتماع على وفاق ما قضى به رسول الله ﷺ . فإنهم علموا أن رسول الله ﷺ قضى به على العشيرة باعتبار النصرة، وكانت قوة المرء ونصرته يومئذ بعشيرته. ثم لما دون عمر ﵁ الدواوين صارت القوة والنصرة للديوان، فقد كان المرء يقاتل قبيلته عن ديوانه " اه. وإذا كان الاحناف قد ارتضوا هذا، فإن المالكية والشافعية قد رفضوه، لانه لانسخ بعد رسول الله ﷺ ، وليس من حق أحد أن يغير ما كان على عهد رسول الله ﷺ . والدية التي تجب على العاقلة مؤجلة في ثلاث سنين (١) باتفاق العلماء

стр. 1311

وأما التي تجب على القاتل في ماله، فإنها تكون حالة عند الشافعي ﵁، لان التأجيل للتخفيف عن العاقلة، فلا يلتحق به العمد المحض. ويرى الاحناف أنها مؤجلة في ثلاث سنين، مثل دية قتل الخطأ. وإيجاب دية قتل شبه العمد، والخطأ على العاقلة استثناء من القاعدة العامة في الاسلام. وهي: أن الانسان مسؤول عن نفسه ومحاسب على تصرفاته، لقول الله عزوجل: " لاتزر وازرة وزر أخرى ". ولقول الرسول الكريم: " لا يؤخذ الرجل بجريرة أبيه، ولا بجريرة أخيه ". رواه النسائي عن ابن مسعود ﵁. وإنما جعل الاسلام اشتراك العاقلة في تحمل الدية في هذه الحالة، من أجل مواساة الجاني، ومعاونته في جناية صدرت عنه من غير قصد منه. وكان ذلك إقرارا لنظام عربي، اقتضاه ما كان بين القبائل من التعاون والتآزر والتناصر. وفي ذلك حكمة بينة، وهي أن القبيلة إذا علمت أنها ستشارك في تحمل الدية، فإنها تعمل من جانبها على كف المنتسبين إليها عن ارتكاب الجرائم، وتوجههم إلى السلوك القويم الذي يجنبهم الوقوع في الخطأ. ويرى جمهور الفقهاء أن العاقلة لاتحمل من دية الخطأ إلا ما جاوز الثلث، وما دون الثلث في مال الجاني (١) . ويرى مالك وأحمد ﵄، أنه لا يجب على واحد من العصبة قدر معين من الدية، ويجتهد الحاكم في تحميل كل واحد منهم ما يسهل عليه، ويبدأ بالاقرب فالاقرب. أما الشافعي ﵁، فيرى أنه يجب على الغني دينار، وعلى الفقير نصف دينار. والدية عنده مرتبة على القرابة بحسب قربهم، فالاقرب من بني أبيه ثم بني جده، ثم من بني بني أبيه، قال: فإن لم يكن للقاتل عصبة نسبا

стр. 1312

ولا ولاء، فالدية في بيت المال. لقول رسول الله ﷺ : " أنا ولي من لا ولي له ". وكذلك إذا كان فقيرا وعاقلته فقيرة، لا تستطيع تحمل الدية، فإن بيت المال هو الذي يتحملها. وإذا قتل المسلمون رجلا في المعركة - ظنا أنه كافر - ثم تبين أنه مسلم فإن ديته في بيت المال. فقد روى الشافعي ﵁، وغيره: أن رسول الله ﷺ قضى بدية اليمان - والد حذيفة - وكان قد قتله المسلمون يوم أحد، ولا يعرفونه، وكذلك من مات من الزحام تجب ديته في بيت المال، لانه مسلم مات بفعل قوم مسلمين، فتجب ديته في بيت المال. روى مسدد: أن رجلا زحم يوم الجمعة فمات، فوداه علي كرم الله وجهه، من بيت مال المسلمين. والمفهوم من كلام الاحناف أن الدية في هذه الازمان في مال الجاني، ففي كتاب " الدرر المختار ": " إن التناصر أصل هذا الباب، فمتى وجد وجدت العاقلة، وإلا فلا ". وحيث لاقبيلة، ولا تناصر، فالدية في بيت المال فإن عدم بيت المال أو لم يكن منتظما فالدية في مال الجاني. وقال ابن تيمية: " وتؤخذ الدية من الجاني خطأ عند تعذر العاقلة في أصح قولي العلماء ". دية الاعضاء يوجد في الانسان من الاعضاء ما منه عضو واحد: كالانف، واللسان، والذكر. ويوجد فيه ما منه عضوان: كالعينين، والاذنين، والشفتين، واللحيين واليدين، والرجلين، والخصيتين، وثديي المرأة، وثندوتي الرجل (١) ، والاليتين، وشفري المرأة.

стр. 1313

ويوجد ما هو أكثر من ذلك. فإذا أتلف إنسان من إنسان آخر هذا العضو الواحد أو هذين العضوين، وجبت الدية كاملة، وإذا أتلف أحد العضوين وجب نصف الدية. فتجب الدية كاملة في الانف، لان منفعته في تجميع الروائح في قصبته، وارتفاعها إلى الدماغ، وذلك يفوت بقطع المارن. وكذلك تجب الدية في قطع اللسان، لفوات النطق، الذي يتميز به الآدمي عن الحيوان الاعجم. والنطق منفعة مقصودة يقوت بفواتها مصالح الانسان، من إفهام غيره أغراضه، والابانة عن مقاصده. وكذلك تجب الدية بقطع بعضه، إذا عجز عن الكلام جملة لفوات المنفعة نفسها التي تفوت بقطعه كله. فإذا عجز عن النطق ببعض الحروف، وقدر على بعض منها، فإن الدية تقسم على عدد الحروف. وقد روي عن علي، كرم الله وجهه: أنه قسم الدية على الحروف، فما قدر عليه من الحروف أسقط بحسابه من الدية. وما لم يقدر عليه ألزمه بحسابه منها. وتجب الدية في قطع الذكر، ولو كان المقطوع منه الحشفة فقط، لان فيه منفعة الوطء، واستمساك البول. وكذلك تجب الدية إذا ضرب الصلب فعجز عن المشي، وتجب الدية كاملة في العينين، وفي العين الواحدة نصفها، وفي الجفنين كما لها، وفي جفني إحدى العينين نصفها وفي واحدة منها ربعها، وفي الاذنين كمال الدية، وفي الواحدة نصفها، وفي الشفتين كمال الدية، وفي الواحدة نصفها، يستوي فيهما العليا والسفلى. وفي اليدين كمال الدية، وفي اليد الواحدة نصفها، وفي الرجلين كمال الدية، وفي الرجل الواحدة نصفها، وفي أصابع اليدين والرجلين الدية كاملة، وفي كل أصبع عشر من الابل، والاصابع سواء، لا فرق بين خنصر وإبهام، وفي كل أنملة من أصابع اليدين أو الرجلين ثلث عشر الدية، في كل أصبع ثلاث مفاصل، والابهام فيه مفصلان، وفي كل مفصل منهما نصف عشر الدية، وفي الخصيتين كمال

стр. 1314

الدية، وفي إحداهما نصفها، ومثل ذلك في الاليتين، وشفري المرأة وثدييها وثندوني الرجل ففيهما الدية كاملة، وفي إحداهما نصفها. وفي الاسنان كمال الدية، وفي كل سن خمس من الابل، والاسنان سواء من غير ضرس وثنية. وإذا أصيبت السن ففيها ديتها، وكذلك إن طرحت بعد أن تسود. دية منافع الاعضاء وتجب الدية كاملة إذا ضرب إنسان إنسانا فذهب عقله، لان العقل هو الذي يميز الانسان عن الحيوان، وكذلك إذا ذهبت حاسة من حواسه: ك " سمعه، أو بصره، أوشمه، أو ذوقه، أو كلامه بجميع حروفه " لان في كل حاسة من هذه الحواس منفعة مقصودة، بها جماله وكمال حياته، وقد قضى عمر ﵁ في رجل ضرب رجلا، فذهب سمعه، وبصره، ونكاحه، وعقله، بأربع ديات والرجل حي. وإذا ذهب بصر إحدى العينين، أو سمع إحدى الاذنين، ففيه نصف الدية، سواء كانت الاخرى صحيحة أم غير صحيحة. وفي حلمتي ثديي المرأة ديتها، وفي إحداهما نصفها. وفي شفريها ديتها، وفي أحدهما نصفها. وإذا فقئت عين الاعور الصحيحة، يجب فيها كمال الدية، قضى بذلك عمر، وعثمان، وعلي، وابن عمر. ولم يعرف لهم مخالف من الصحابة، لان ذهاب عين الاعور ذهاب البصر كله، إذ أنه يحصل بها ما يحصل بالعينين. وفي كل واحد من الشعور الاربعة كمال الدية. وهي: ١ - شعر الرأس. ٢ - شعر اللحية. ٣ - شعر الحاجبين. ٤ - أهداب العينين وفي الحاجب نصف الدية. وفي الهدب ربعها. وفي الشارب يترك فيه الامر لتقدير القاضي.

стр. 1315

دية الشجاج الشجاج: هو الاصابات التي تقع بالرأس والوجه. وأنواعه عشرة، وهي كلها لا قصاص فيها، إلا الموضحة إذا كانت عمدا، لانه لا يمكن مراعاة المماثلة فيها والشجاج بيانه كما يأتي: ١ - الخارصة: وهي التي تشق الجلد قليلا. ٢ - الباضعة: وهي التي تشق اللحم بعد الجلد. ٣ - الدامية أو الدامغة: وهي التي تنزل الدم. ٤ - المتلاحمة: وهي التي تغوص في اللحم. ٥ - السمحاق: وهي التي يبقى بينها وبين العظم جلدة رقيقة. ٦ - الموضحة: وهي التي تكشف عن العظم. ٧ - الهاشمة: وهي التي تكسر العظم وتهشمه. ٨ - المنقلة: وهي التي توضح وتهشم العظم حتى ينتقل منها العظام. ٩ - المأمومة، أو الآمة: وهي التي تصل إلى جلدة الرأس. ١٠ - الجائفة: وهي التي تصل الجوف. ويجب فيما دون الموضحة حكومة عدل، وقيل أجرة الطبيب، وأما الموضحة، ففيها القصاص إذا كانت عمدا كما قلنا، ونصف عشر الدية إذا كانت خطأ، سواء كانت كبيرة أم صغيرة، وهي خمس من الابل، كما ثبت ذلك عن رسول الله ﷺ في كتابه لعمرو بن حزم. ولو كانت مواضح متفرقة، يجب في كل واحدة منها خمس من الابل. والموضحة في غير الوجه والرأس توجب حكومة. وفي الهاشمة عشر الدية، وهي عشر من الابل، وهو مروي عن زيد ابن ثابت، ولا مخالف له من الصحابة. وفي المنقلة عشر الدية، ونصف العشر: أي خمسة عشر من الابل. وفي الآمة: ثلث الدية بالاجماع.

стр. 1316

وفي الجائفة: ثلث الدية بالاجماع، فإن نفذت فهما جائفتان، ففيهما ثلثا الدية. دية المرأة: ودية المرأة إذا قتلت خطأ: نصف دية الرجل، وكذلك دية أطرافها، وجراحاتها على النصف من دية الرجل وجراحاته، وإلى هذا ذهب أكثر أهل العلم. فقد روي عن عمر ﵁، وعلي كرم الله وجهه، وابن مسعود ﵁، وزيد بن ثابت ﵃ أجمعين: أنهم قالوا في دية المرأة: إنها على النصف من دية الرجل، ولم ينقل أنه أنكر عليهم أحد، فيكون إجماعا، ولان المرأة في ميراثها وشهادتها على النصف من الرجل. وقيل: يستوي الرجل والمرأة في العقل إلى الثلث، ثم النصف فيما بقي. فقد أخرج النسائي، والدارقطني، وصححه ابن خزيمة عن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده، أن النبي ﷺ قال: " عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى يبلغ الثلث من ديته ". وأخرج مالك في الموطأ، والبيهقي عن ربيعة بن عبد الرحمن أنه قال: " سألت سعيد بن المسيب: كم في إصبع المرأة؟ قال: عشر من الابل، قلت: فكم في الاصبعين؟ قال: عشرون من الابل. قلت: فكم في ثلاث؟ قال: ثلاثون من الابل. قلت: فكم في أربع؟ قال: عشرون من الابل. قلت: حين عظم جرحها واشتدت مصيبتها نقص عقلها! فقال سعيد: أعراقي أنت؟ فقلت: بل عالم متثبت، أو جاهل متعلم. فقال سعيد: " هي السنة يا ابن أخي ". وقد ناقش الامام الشافعي هذا الرأي، وبين أن المقصود من السنة، هو سنة زيد بن ثابت ﵁ الذي قال بهذا الرأي، لاسنة رسول الله ﷺ . فقال الشافعي ﵁:

стр. 1317

" السنة إذا أطلقت يراد بها سنة رسول الله ﷺ ، وروي أن كبار الصحابة ﵃ أفتوا بخلافه، ولو كانت سنة رسول الله ﷺ ما خالفوه. وقوله: سنة، محمول على أنه سنة زيد (١) ، لانه لم يرو إلا عنه موقوفا، ولان هذا يؤدي إلى المحال، وهو ما إذا كان ألمها أشد، ومصابها أكثر أن يقل أرشها، وحكمة الشارع تنشأ من ذلك. ولايجوز نسبته إليه، لان من المحال أن تكون الجناية لا توجب شيئا شرعا. وأقبح أن تسقط ما وجب بغيره. دية أهل الكتاب ودية أهل الكتاب (٢) إذا قتلوا خطأ نصف دية المسلم، فدية الذكر منهم نصف دية المسلم، ودية المرأة من نسائهم نصف دية المرأة المسلمة. لما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: " أن النبي ﷺ قضى بأن عقل أهل الكتاب نصف عقل المسلم ". رواه أحمد ﵁. وكما تكون دية النفس على النصف من دية المسلم، تكون دية الجراح كذلك على النصف. وإلى هذا ذهب مالك، وعمر بن عبد العزيز. وذهب أبو حنيفة، والثوري، وهو المروي عن عمر، وعثمان، وابن مسعود ﵃، إلى أن ديتهم مثل دية المسلمين، لقول الله تعالى: " وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق، فدية مسلمة إلى أهله، وتحرير رقبة مؤمنة ". قال الزهري: " دية اليهودي، والنصراني، وكل ذمي مثل دية المسلم ". قال: وكانت كذلك على عهد رسول الله ﷺ ، وأبي بكر،

стр. 1318

وعمر، وعثمان، وعلي ﵃، حتى كان معاوية، فجعل في بيت المال نصفها، وأعطى المقتول نصفها. ثم قضى عمر بن عبد العزيز بنصف الدية، وألغى الذي جعله معاوية لبيت المال. قال الزهري: فلم يقض لي أن أذكر بذلك عمر بن عبد العزيز، فأخبره أن الدية كانت تامة لاهل الذمة. وذهب الشافعي ﵁ إلى أن دبتهم: ثلث دية المسلم، ودية الوثني والمجوسي المعاهد أو المستأمن: ثلثا عشر دية المسلم. وحجتهم أن ذلك أقل ما قيل في ذلك، والذمة بريئة ألا بيقين، أو حجة. وهو بحساب ثمانماية درهم من اثني عشر الفا. وروي عن عمر، وعثمان، وابن مسعود: ونساؤهم على النصف. وهل تجب الكفارة مع الدية في قتل الذمي والمعاهد؟ قاله ابن عباس، والشعبي، والنخعي، والشافعي واختاره الطبري. دية الجنين إذا مات الجنين بسبب الجناية على أمه عمدا أو خطأ، ولم تمت أمه، وجب فيه غرة (١) سواء انفصل عن أمه وخرج ميتا، أم مات في بطنها. وسواء أكان ذكرا أم أنثى. فأما إذا خرج حيا، ثم مات، ففيه الدية كاملة، فإن كان ذكرا وجبت مائة بعير. وإن كان أنثى: خمسون. وتعرف الحياة بالعطاس، أو التنفس، أو البكاء، أو الصياح، أو الحركة، ونحو ذلك. واشترط الشافعي في حالة ما إذا مات في بطن أمه، أن يعلم بأنه قد تخلق وجرى فيه الروح. وفسره ب " ما ظهر فيه صورة الآدمي: من يد، وأصبع ".

стр. 1319

وأما مالك، فإنه لم يشترط هذا الشرط، وقال: " كل ما طرحته المرأة من مضغة، أو علقة، مما يعلم أنه ولد ففيه لغرة ". ويرجح رأي الشافعي، بأن الاصل براءة الذمة وعدم وجوب الغرة، فإذالم يعلم تخلقه، فإنه لا يجب شئ (١) . قدر الغرة: والغرة: خمسماية درهم، كما قال الشعبي والاحناف، أو ماية شاة، كما في حديث أبي يريدة عند أبي داود، والنسائي. وقيل: خمس من الابل. وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ : " قضى أن دية الجنين غرة: عبد أو وليدة ". وروى مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب: أن رسول الله ﷺ قضى في الجنين يقتل في بطن أمه: ب " غرة: عبد، أو وليدة ". فقال الذي قضى عليه: كيف أغرم ما لاشرب، ولا أكل، ولا نطق، ولا استهل، ومثل ذلك يطل (٢) . فقال الرسول ﷺ : " إن هذا من إخوان الكهان ". هذا بالنسبة لجنين المسلمة، أما جنين الذمية، فقد قال صاحب بداية المجتهد: قال مالك والشافعي وأبو حنيفة: فيه عشر دية أمه، لكن أبو حنيفة على أصله، في أن دية الذمي دية المسلم. والشافعي على أصله، في أن دية الذمي ثلث دية المسلم. ومالك على أصله، في أن دية الذمي نصف دية المسلم. على من تجب: قال مالك وأصحابه، والحسن البصري والبصريون: تجب في مال الجاني.

стр. 1320

وذهبت الحنفية والشافعية، والكوفيون، إلى أنها تجب على العاقلة لانها جناية خطأ (١) فوجبت على العاقلة. وروي عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ جعل في الجنين غرة على عاقلة الضارب: وبدأ بزوجها وولدها. وأما مالك، والحسن: فقد شبهاها بدية العمد إذا كان الضرب عمدا. والاول أصح. لمن تجب: ذهبت المالكية، والشافعية، وغيرهم: إلى أن دية الجنين تجب لورثته على مواريثهم الشرعية، وحكمها حكم الدية في كونها موروثة، وقيل: هي للام، لان الجنين كعضو من أعضائها، فتكون ديته لها خاصة. وجوب الكفارة: اتفق العلماء على أن الجنين إذا خرج حيا ثم مات، ففيه الكفارة مع الدية. وهل تجب الكفارة مع الغرة إذا خرج ميتا أو لا تجب؟ قال الشافعي وغيره: تجب، لان الكفارة عنده تجب في الخطأ والعمد. وقال أبو حنيفة: لا تجب، لانه غلب عليهحكم العمد. والكفارة لا تجب فيه عنده. واستحبها مالك، لانه متردد بين الخطأ والعمد. لادية الا بعد البرء قال مالك: إن الامر المجمع عليه عندنا في الخطأ، أنه لا يعقل حتى يبرأ المجروح ويصح، وأنه إن كسر عظما من الانسان: يدا أو رجلا، وغير ذلك من الجسد خطأ، فبرأ، وصح، وعاد لهيئته، فليس فيه عقل (٢) ، فإن

стр. 1321

نقص، أو كان فيه عثل (نقص) ، ففيه من عقله بحساب ما نقص. قال: فإن كان ذلك العظم مما جاء فيه عن النبي ﷺ ، عقل مسمى، فبحساب ما فرض فيه النبي ﷺ ، عقل. وما كان مما لم يأت فيه عن النبي ﷺ عقل مسمى، ولم تمض فيه سنة، ولاعقل مسمى، فإنه يجتهد فيه. وجود قتيل بين قوم متشاجرين: إذا تشاجر قوم، فوجد بينهم قتيل، لا يدرى من قاتله، ويعمى أمره فلا يبين - ففيه الدية: قال رسول الله ﷺ فيما رواه أبو داود: " من قتل في عميا (١) في رميا، يكون بينهم بحجارة أو بالسياط أو ضرب بعصا، فهو خطأ، وعقله عقل الخطأ، ومن قتل عمدا فهو قود، ومن حال دونه، فعليه لعنة الله وغضبه، لا يقبل منه صرف ولاعدل " (٢) واختلف العلماء فيمن تلزمه الدية. فقال أبو حنيفة: هي على عاقلة القبيلة التي وجد فيها إذا لم يدع أولياء القتيل على غيرهم. وقال مالك: ديته على الذين نازعوهم. وقال الشافعي: هي قسامة، إن ادعوه على رجل بعينه، أو طائفة بعينها وإلا فلا عقل ولا قود. وقال أحمد: هي على عواقل الآخرين، إلا أن يدعوا على رجل بعينه، فيكون قسامة. وقال ابن أبي ليلى، وأبو يوسف: ديته على الفريقين الذين اقتتلا معا.

стр. 1322

وقال الاوزاعي: ديته على الفريقين جميعا، إلا أن تقوم بينة من غير الفريقين: أن فلانا قتله، فعليه القصاص والدية. القتل بعد أخذ الدية: وإذا أخذ ولي الدم الدية، فلا يحل له بعد أن يقتل القاتل. وروى أبو داود، عن الحسن، عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله ﷺ ، قال: " لا أعفى (١) من قتل بعد أخذ الدية ". وروى الدارقطني، عن أبي شريح الخزاعي، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من أصيب بدم أو خبل (٢) ، فهو بالخيار بين إحدى ثلاث، فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه: بين أن يقتص، أو يعفو، أو يأخذ العقل، فإن قبل شيئا من ذلك ثم عدا بعد ذلك فله النار خالدا فيها مخلدا ". فإذا قتله، فمن العلماء من قال: هو كمن قتل ابتداءا، إن شاء الولي قتله وإن شاء عفا عنه، وعذابه في الآخرة. ومنهم من قال: يقتل ولا بد، ولا يمكن الحاكم الولي من العفو. وقيل: أمره إلى الامام يصنع فيه ما يرى. اصطدام الفارسين: ذهب أبو حنيفة ومالك: إلى أنه إذا اصطدم فارسان فمات كل واحد منهما، فعلى كل منهما دية الآخر، وتتحملها العاقلة. وقال الشافعي: على كل واحد منهما نصف دية صاحبه، لان كل واحد منهما مات من فعل نفسه وفعل صاحبه. ضمان صاحب الدابة: إذا أصابت الدابة بيدها، أو رجلها، أو فمها شيئا، ضمن صاحبها،

стр. 1323

عند الشافعي، وابن أبي ليلى، وابن شبرمه. وقال مالك، والليث، والاوزاعي: لا يضمن إذا لم يكن من جهة راكبها، أو قائدها، أو سائقها، بسبب من همز، أو ضرب، فلو كان ثمة سبب، كأن حملها أحدهم على شئ فأتلفته، لزمه حكم المتلف. فإن كان جناية مضمونة بالقصاص، وكان الحمل عمدا، كان فيه القصاص، لان الدابة في هذه الحال كالآلة. وإن كان الحمل من غير قصد، كانت فيه الدية على العاقلة، وإن كان المتلف مالا كانت الغرامة في مال الجاني. وقال أبو حنيفة: إذا رمحت (١) دابة إنسان - وهو راكبها - إنسانا آخر، فإن كان الرمح برجلها فهو هدر، وإن كانت نفحته بيدها، فهو ضامن، لانه يملك تصريفها من الامام، ولا يملك منها ما ورائها. وقال: وإذا ساق دابة، فوقع السرج أو اللجام أو أي شئ مما يحمل عليها، فأصاب إنسانا، ضمن السائق ما أصاب من ذلك. ولو انفلتت دابة فأصابت مالا، أو آدميا، ليلا أو نهارا، فإنه لا ضمان على صاحبها، لانه غير متعمد. ومن ركب دابة فضربها رجل أو نخسها، فنفحت إنسانا، أو ضربته بيدها، أو نفرت فصدمته فقتلته ضمن الناخس دون الراكب. وإن نفحت الناخس كان دمه هدرا، لانه هو المتسبب. فإن ألقت الراكب فقتلته كانت ديته على عاقلة الناخس. وإذا بالت الدابة أو راثت في الطريق وهي تسير فعطب به إنسان لم يضمن، وكذا إذا أوقفها لذلك. ضمان القائد والراكب والسائق: إذا كان للدابة قائد، أو راكب، أو سائق، فأصابت شيئا، وأوقعت به ضررا، فإنه يضمن ما أصابته من ذلك. فقد قضى عمر، ﵁، بالدية على الذي أجرى فرسه فوطئ آخر.

стр. 1324

ويرى أهل الظاهر أنه لا ضمان على واحد من هؤلاء، لقول الرسول ﷺ : " جرح العجماء جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس ". وما استدل به الظاهرية محمول على ما إذا لم يكن للدابة راكب، ولا سائق، ولا قائد " فإنه لا ضمان على ما أتلفته في هذه الحال بالاجماع ". الدابة الموقوفة: وأما الدابة الموقوفة إذا أصابت شيئا، فعند أبي حنيفة: يضمن ما أصابته ولا يعفيه من الضمان أن يربطها بموضع يجوز له أن يربطها فيه. فعن النعمان بن بشير أن رسول الله ﷺ قال: " من وقف دابة في سبيل من سبل المسلمين، أو في سوق من أسواقهم، فأوطأت بيد أو رجل فهو ضامن ". رواه الدارقطني. وقال الشافعي: إن أوقفها بحيث ينبغي له أن يوقفها لم يضمن، وإن لم يوقفها بحيث ينبغي له أن يوقفها ضمن. ضمان ما أتلفته المواشي من الزروع والثمار وغيرها ذهب جمهور العلماء - منهم: مالك، والشافعي، وأكبر فقهاء الحجاز - إلى أن ما أفسدت الماشية بالنهار من: نفس، أو مال، للغير، فلاضمان على صاحبها، لان في عرف الناس، أن أصحاب الحوائط، والبساتين، يحفظونها بالنهار، وأصحاب المواشي يسرحونها بالنهار، ويردونهما بالليل إلى المراح، فمن خالف هذه العادة، كان خارجا عن رسوم الحفظ إلى التضييع. هذا إذا لم يكن معها مالكها، وإن كان معها فعليه ضمان ما أتلفته، سواء كان راكبها أو سائقها، أو قائدها، أو كانت واقفة عنده، وسواء أتلفت بيدها أو رجلها أو فمها.

стр. 1325

واستدلوا لمذهبهم هذا، بما رواه مالك، عن ابن شهاب عن حرام بن سعيد بن المحيصة: أن ناقة للبراء بن عازب دخلت حائط (١) رجل فأفسدت فيه، فقضى رسول الله ﷺ : أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار وأن ما أفسدت المواشي بالليل ضامن على أهلها (٢) . قال أبو عمر بن عبد البر: وهذا الحديث وإن كان مرسلا فهو حديث مشهور، أرسله الائمة، وحدث به الثقات، واستعمله فقهاء الحجاز، وتلقوه بالقبول، وجرى في المدينة العمل به. وحسبك باستعمال أهل المدينة وسائر أهل الحجاز لهذا الحديث. ويرى سحنون - من المالكية - أن هذا الحديث، إنما جاز في أمثال المدينة التي هي حيطان محدقة. وأما البلاد التي هي زروع متصلة، غير محظرة، وبساتين كذلك، فيضمن أرباب النعم ما أفسدت من ليل أو نهار. وذهبت الاحناف: إلى أنه إذا لم يكن معها مالكها فلا ضمان عليه، ليلا كان أو نهارا، لقول الرسول ﷺ : " جرح العجماء جبار ". فالاحناف يقيسون جميع أعمالها على جرحها. وإن كان معها مالكها: فإن كان يسوقها فعليه ضمان ما أتلفت بكل حال، وإن كان قائدها أو راكبها فعليه ضمان ما أتلفت بفمها أو يدها، ولا يجب ضمان ما أتلفت برجلها. وأجاب الجمهور، بأن الحديث الذي استدل به الاحناف عام، خصصه حديث البراء، هذا فيما يتصل بالزروع والثمار، أما غيرها فقد قال ابن قدامة في المغني: " وإن أتلفت البهيمة غير الزرع، لم يضمن مالكها ما أتلفته، ليلا كان أو نهارا، ما لم تكن يده عليها ". وحكي عن شريح: أنه قضى - في شاة وقعت في غزل حائط ليلا - بالضمان على صاحبها.

стр. 1326

وقرأ شريح: " إذ نفشت فيه غنم القوم (١) ". قال: والنفش لا يكون إلا بالليل. وعن الثوري: " يضمن وإن كان نهارا، لانه مفرط بإرسالها ". ولنا قول النبي ﷺ : " العجماء جرحها جبار " متفق عليه، أي هدر. وأما الآية فإن النفش هو الرعي ليلا، وكان هذا في الحرث الذي تفسده البهائم طبعا بالرعي وتدعوها نفسها إلى أكله بخلاف غيره، فلا يصح قياس غيره عليه. انتهى. ضمان ما أتلفته الطيور: يرى بعض العلماء: أن النحل، والحمام، والاوز، والدجاج والطيور كالماشية، وأنه إذا اقتناها وأرسلها نهارا فلقطت حبا، لم يضمن، لان العادة إرسالها. ويرى البعض الآخر: أن فيها الضمان، فمن أطلقها، فأتلفت شيئا، ضمنه. وكذلك، إن كان له طير جارح، كالصقر، والبازي، فأفسد طيور الناس وحيواناتهم، ضمن. وهذا الرأي هو الصحيح. ضمان ما أصابه الكلب أو الهر: في المغني: " ومن اقتنى كلبا عقورا، فأطلقه، فعقر إنسانا، أو دابة، ليلا أو نهارا، أو خرق ثوب إنسان، فعلى صاحبه ضمان ما أتلفه، لانه مفرط باقتنائه. إلا أن يدخل إنسان داره بغير إذنه، فلاضمان فيه، لانه متعد بالدخول متسبب بعدوانه، إلى عقر الكلب له، وإن دخل بإذن المالك فعليه ضمانه، لانه تسبب في إتلافه، وإن أتلف الكلب بغير العقر، مثل: أو ولغ.

стр. 1327

في إناء إنسان، أو بال، لم يضمنه مقتنيه: لان هذا لا يختص به الكلب العقور. قال القاضي: " وإن اقتنى سنورا، يأكل أفراخ الناس ضمن ما أتلفه، كما يضمن ما يتلفه الكلب العقور، ولافرق بين الليل والنهار، وإن لم يكن له عادة بذلك لم يضمن صاحبه جنايته، كالكلب إذا لم يكن عقورا. ولو أن الكلب العقور أو السنور حصل عند إنسان من غير اقتنائه ولا اختياره، فأفسد لم يضمنه، لانه يحصل الاتلاف بسببه. ما يقتل من الحيوان وما لا يقتل: ولا يقتل من الحيوان إلا ما أمر الرسول ﷺ بقتله. وهو: " الغراب، والحدأة، والفأرة، والحية، والعقرب، والكلب العقور، والوزغ " (١) . ويلحق بها ما أشبهها في الضرر، مثل: الزنبور المؤذي، والنمر، والفهد والاسد، فإنها تقتل ولو لم يصل واحد منها. قالت عائشة ﵂: " أمر رسول الله ﷺ بقتل خمسة فواسق في الحل والحرم: " الغراب، والحدأة والعقرب، والفأر، والكلب العقور ". رواه البخاري ومسلم. وفي الصحيحين من حديث أم شريك، أن النبي ﷺ أمر بقتل الاوزاغ وسماه " فويسقة ". وإذا قتلت فإنه لا ضمان في قتلها، ولاقتل غيرها من السباع والحشرات، وإن تأهلت بالاجماع، إلا الهر فتضمن قيمته، إلا إذا وقع منه اعتداء. ولا يقتل الهدهد، ولا النملة، ولا النحلة، ولا الخطاف، ولا الصرد، ولا الضفدع، إذ لا ضرر فيها. وقد روي النسائي، عن ابن عمرو، أن رسول الله ﷺ ، قال:

стр. 1328

" ما من إنسان يقتل عصفورا، فما فوقها بغير حقها إلا سأله الله يوم القيامة عنها، قيل يا رسول الله: وما حقها؟ قال: يذبحها ويأكلها، ولا يقطع رأسها ويرمي بها ". وإذا قتلها فعليه أن يتوب إلى الله، ولا ضمان عليه. وعن ابن عباس قال: نهى رسول الله ﷺ عن قتل أربعة من الدواب: " النملة، والنحلة، والهدهد، والصرد ". ما لا ضمان فيه: إذا كانت الجناية بسبب من الظالم المعتدي، فهي هدر: أي لا قصاص فيها، ولادية لها. ومن أمثلة ذلك: (١) سقوط أسنان العاض: فإذا عض الانسان غيره، فانتزع المعضوض ما عض منه من فم العاض، فسقطت أسنانه، أو انفكت لحيته، فإنه لا مسؤولية على الجاني، لانه غير متعد. روى البخاري ومسلم، عن عمران بن حصين، أن رجلا عض يد رجل، فنزع يده من فمه فسقطت ثنيتاه، فاختصموا إلى النبي ﷺ ، فقال: " يعض أحدكم يد أخيه كما يعض الفحل (١) ..لادية لك ". وقال مالك: يضمن، والحديث حجة عليه. (٢) النظر في بيت غيره بدون إذنه: ومن نظر في بيت إنسان، من ثقب أو شق باب، أو نحو ذلك، فإن لم يتعمد النظر فلا حرج عليه.

стр. 1329

روى مسلم أن رسول الله ﷺ سئل عن نظرة الفجأة؟ فقال: " اصرف بصرك ". وروى أبو داود والترمذي: أنه ﷺ ، قال لعلي: " لاتتبع النظرة النظرة، فإن لك الاولى، وليست لك الثانية ". فإن تعمد النظر بدون إذن من صاحب البيت فلصاحب البيت أن يفقأ عينه، ولاضمان عليه. روى أحمد والنسائي، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ ، قال: " من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم، ففقأوا عينه فلادية له، ولا قصاص ". وروى البخاري ومسلم عنه، أن رسول الله ﷺ قال: " لو أن رجلا اطلع عليك بغير إذن، فخذفته (١) بحصاة ففقأت عينه، ما كان عليك جناح ". وعن سهل بن سعد: أن رجلا اطلع في حجر باب رسول الله، ﷺ ، ومع رسول الله مدرى يرجل بها رأسه، فقال له النبي ﷺ : " لو أعلم أنك تنظر، لطعنت بها في عينك، إنما جعل الاذن من أجل النظر ". وبهذا أخذت الشافعية والحنابلة. وخالف فيه الاحناف والمالكية، فقالوا: من نظر بدون إذن من صاحب البيت، فرماه بحصاة، أو طعنه بخشبة، فأصاب منه، فهو ضامن، لان الرجل إذا دخل البيت ونظر فيه وباشر امرأة صاحبه فيما دون الفرج فإنه لا يجوز أن يفقأ عينه، أو يحدث به عاهة، لان ارتكاب مثل هذا الذنب لا يقابل بمثل هذه العقوبة، وهذا مخالف للاحاديث الصحيحة التي تقدم ذكرها. وقد رجح الرأي الاول ابن قيم الجوزية فقال:

стр. 1330

" فردت هذه السنن بأنها خلاف الاصول، فإن الله إنما أباح قلع العين بالعين، لا بجناية النظر، ولهذا لو جنى عليه بلسانه لم يقطع، ولو استمع عليه بأذنه لم يجز أن تقطع أذنه، فيقال: بل هذه السنن من أعظم الاصول، فما خالفها فهو خلاف الاصول وقولكم: " إنما شرع الله سبحانه أخذ العين بالعين، فهذا حق في القصاص، وأما العضو الجاني المتعدي لا يمكن دفع ضرره وعدوانه إلا برميه، فإن الآية لا تتناوله نفيا ولا إثباتا، والسنة جاءت ببيان حكمه بيانا ابتدائيا لما سكت عنه القرآن، لا مخالفا لما حكم به القرآن. وهذا اسم آخر غير فقء العين قصاصا، وغير دفع الصائل الذي يدفع بالاسهل فالاسهل، إذ المقصود دفع ضرر حياله، فإذا اندفع بالعصا لم يدفع بالسيف، وأما هذا المتعدي بالنظر إلى المحرم، الذي لا يمكن الاحتراز منه، فإنه إنما يقع على وجه الاختفاء والختل. فهو قسم آخر غير الجاني وغير الصائل الذي لم يتحقق عدوانه، ولا يقع هذا غالبا إلا على وجه الاختفاء، وعدم مشاهدة غير الناظر إليه، فلو كلف المنظور إليه إقامة البينة على جنايته لتعذرت عليه، ولو أمر بدفعه بالاسهل فالاسهل ذهبت جناية عدوانه بالنظر إليه وإلى جريمه هدرا. " والشريعة الكاملة تأبى هذا وهذا، فكان أحسن ما يمكن وأصلحه وأكفه لناوللجاني، ما جاءت به السنة التي لا معارض لها، ولا دافع لصحتها من خذف ما هنال ك، وإن لم يكن هناك بصر عاد لم يضر خذف الحصاة وإن كان هناك بصر عاد لا يلومن إلا نفسه، فهو الذي عرضه صاحبه للتلف، فأدناه إلى الهلاك، والخاذف ليس بظالم له. والناظر خائن ظالم، والشريعة أكمل وأجل من أن تضيع حق هذا الذي هتكت حرمته وتحيله في الانتصار على التعزير بعد إقامة البينة، فحكم الله بما شرعه على رسوله، ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون " اه. (٣) القتل دفاعا عن النفس أو المال أو العرض: ومن قتل شخصا، أو حيوانا، دفاعا عن نفسه، أو عن نفس غيره، أو عن ماله، أو مال غيره، أو عن العرض، فإنه لاشئ عليه، لان دفع

стр. 1331

الضرر عن النفس، والمال واجب، فإن لم يندفع إلا بالقتل فله قتله، ولاشئ على القاتل. روى مسلم، عن أبي هريرة، ﵁، قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله، أرأيت إن جاء رجل يريد أن يأخذ مالي؟ قال: " فلا تعطه مالك ". قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: " قاتله ". قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: " فأنت شهيد ". قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: " هو في النار ". قال ابن حزم: " فمن أراد أخذ مال إنسان ظلما من لص أو غيره، فإن تيسر له طرده منه ومنعه، فلا يحل له قتله، فإن قتله حينئذ فعليه القود، وإن توقع أقل توقع أن بعاجله اللص فليقتله، ولاشئ عليه، لانه مدافع عن نفسه ". ادعاء القتل دفاعا إذا ادعى القاتل أنه قتل المجني عليه، دفاعا عن نفسه، أو عرضه، أو ماله، فإن أقام بينة على دعواه قبل قوله وسقط عنه القصاص والدية، وإن لم يقم البينة على دعواه، لم يقبل قوله، وأمره إلى ولي الدم: إن شاء عفا عنه وإن شاء اقتص منه، لان الاصل البراءة حتى تثبت الادانة. وقد سئل الامام علي، ﵁، عمن وجد مع امرأته رجلا فقتلهما؟ فقال: " إن لم يأت بأربعة شهداء (١) فليعط برمته ".

стр. 1332

فإن لم يقم القاتل البينة، واعترف ولي الدم بأن القتل كان دفاعا، انتفت عنه المسؤولية، وسقط عنه القصاص والدية. روى سعيد بن منصور في سننه عن عمر ﵁: " أنه كان يوما يتغذى، إذ جاءه رجل يعدو، وفي يده سيف ملطخ بالدم، ووراءه قوم يعدون خلفه، فجاء حتى جلس مع عمر، فجاء الآخرون. فقالوا يا أمير المؤمنين إن هذا قتل صاحبنا. فقال له عمر: ما يقولون؟ فقال: يا أمير المؤمنين إني ضربت فخذي امرأتي، فإن كان بينهما أحد فقد قتلته. فقال عمر: ما يقول؟ قالوا: يا أمير المؤمنين إنه ضرب بالسيف فوقع في وسط الرجل، وفخذي المرأة. فأخذ عمر سيفه فهزه، ثم دفعه إليه وقال: إن عادوا فعد ". وروي عن الزبير: " أنه كان يوما قد تخلف عن الجيش، ومعه جارية له، فأتاه رجلان فقالا: أعطنا شيئا. فألقى اليهما طعاما كان معه. فقالا: خل عن الجارية فضربهما بسيفه فقطعهما بضربة واحدة ". قال ابن تيمية: فإن ادعى القاتل أنه صال عليه، وأنكر أولياء المقتول: فإن كان المقتول معروفا بالبر، وقتله في محل لاريبة فيه، لم يقبل قول القاتل. وإن كان معروفا بالفجور والقاتل معروفا بالبر، فالقول قول القاتل مع يمينه. لا سيما إذا كان معروفا بالتعرض له قبل ذلك. ضمان ما أتلفته النار: من أوقد نارا في داره كالمعتاد، فهبت الريح فأطارت شرارة، أحرقت نفسا أو مالا، فلاضمان عليه.

стр. 1333

ذكر وكيع، عن عبد العزيز بن حصين، عن يحيى بن يحيى الغساني، قال: أوقد رجل نارا لنفسه، فخرجت شرارة من نار، حتى أحرقت شيئا لجاره، قال: فكتب فيه إلى عبد العزيز بن حصين، فكتب إليه: ان رسول الله ﷺ قال: " العجماء جبار " وأرى أن النار جبار. إفساد زرع الغير: ولو سقى أرضه سقيا زائدا على المعتاد، فأفسد زرع غيره، ضمن، فإذا انصب الماء من موضع لا علم له به، لم يضمن، حيث لم يحدث منه تعد. غرق السفينة: من كان له سفينة يعبر بها الناس ودوابهم، فغرقت بدون سبب مباشر منه، فلا ضمان عليه فيما تلف بها. فإن كان غرقها بسبب منه ضمن. ضمن الطبيب: لم يختلف العلماء في أن الانسان إذا لم تكن له دراية بالطب، فعالج مريضا فأصابته من ذلك العلاج عاهة، فإنه يكون مسؤولا عن جنايته، وضامنا بقدر ما أحدث من ضرر، لانه يعتبر بعمله هذا متعديا، ويكون الضمان في ماله. لما رواه عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله ﷺ ، قال: " من تطبب، ولم يعلم منه قبل ذلك الطب، فهو ضامن " رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه. وقال عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز: حدثني بعض الوفد الذين قدموا على أبي، قال: قال رسول الله ﷺ : " أيما طبيب تطبب على قوم لا يعرف له تطبب قبل ذلك فأعنت (١) فهو ضامن ". رواه أبو داود.

стр. 1334

أما إذا أخطأ الطبيب، وهو عالم بالطب، فرأي الفقهاء أنه تلزمه الدية، وتكون على عاقلته عند أكثرهم (١) . وقيل: هي في ماله. وفي تقرير الضمان الحفاظ على الارواح، وتنبيه الاطباء إلى واجبهم، واتخاذ الحيطة اللازمة في أعمالهم المتعلقة بحياة الناس. ويروى عن مالك: أنه لا شئ عليه. الرجل يفضي زوجته: وإذا وطئ الرجل زوجته فأفضاها، فإن كانت كبيرة بحيث يوطأ مثلها، فإنه لا يضمن (٢) ، وإن كانت صغيرة لا يوطأ مثلها، فعليه الدية. والافضاء مأخوذ من الفضاء، وهو المكان الواسع، ويكون بمعنى الجماع ومنه قول الله سبحانه: " وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض ". ويكون بمعنى اللمس، ومنه قوله ﷺ : " إذا أفضى أحدكم بيده إلى ذكره، فليتوضأ ". والمراد به هنا: إزالة الحاجز الذي بين الفرج والدبر. الحائط يقع على شخص فيقتله: إذا مال حائط إلى الطريق، أو إلى ملك غيره، ثم وقع على شخص فقتله، فإن كان قد سبق أن طولب صاحبه بنقضه، ولم ينقضه مع التمكن منه، ضمن ما تلف بسببه، وإلا فلا يضمن (٣) . ورواية أشهب عن مالك: أنه إذا بلغ من شدة الخوف إلى ما لا يؤمن

стр. 1335

معه الاتلاف، ضمن ما تلف به، سواء تقدم إليه في نقضه، أم لم يتقدم، أو أشهد عليه، أم لم يشهد عليه. وأشهر الروايات عن أحمد، وأظهر الوجوه عند الشافعية أنه لا يضمن. ضمان حافر البئر إذا حفر إنسان بئرا، فوقع فيه إنسان، فإن حفر في أرض يملكها، أو في أرض لا يملكها، واستأذن المالك فلا ضمان عليه، وإن حفر فيما لا يملك، وبلا إذن صاحب الارض، ضمن، ولا ضمان إذا كان في ملكه أو إذن المالك، أو كان في موات، لقول رسول الله ﷺ : " البئر جبار "، أي أن من تردى فيه في هذه الحالة فهلك، فهدر لا دية له. وقال مالك: " إن حفر في موضع جرت العادة بالحفر في مثله، لم يضمن وإن تعدى في الحفر ضمن ". ومن أمر شخصا مكلفا أن ينزل بئرا، أو أن يصعد شجرة ففعل، فهلك بنزوله البئر، أو صعوده الشجرة، لم يضمنه الامر لعدم إكراهه له. ومثل ذلك الحاكم إذا استأجر شخصا لذلك فهلك، فلا ضمان، لعدم الجناية والتعدي منه. ولو سلم إنسان نفسه أو ولده، إلى سابح يحسن السباحة فغرق، فلا ضمان عليه. الإذن في أخذ الطعام وغيره: ذهب جمهور العلماء: إلى أنه لا يجوز لاحد أن يحلب ماشية غيره إلا بإذنه، فإن اضطر في مخمصة، ومالكها غير حاضر، فله أن يحلبها، ويشرب لبنها، ويضمن لمالكها. وكذلك سائر الاطعمة والثمار المعلقة في الشجر، لان الاضطرار لا يبطل حق الغير. روى مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه
следующие страницы →