← Фикх общий

Фикх общий · id 9486

فقه السنة

سيد سابق

Полный текст (2 120 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

والحق الذي تزهق به النفوس. هو ما فسره الرسول ﷺ في قوله عن ابن مسعود ﵁: " لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لاإله إلا الله، وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث، الثيب (١) الزاني، والنفس بالنفس (٢) ، والتارك لدينه المفارق للجماعة (٣) ". رواه البخاري ومسلم. ويقول الله : " ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم، إن قتلهم كان خطأ كبيرا ". (٤) ويقول سبحانه: " وإذا الموءودة سئلت، بأي ذنب قتلت " (٥) . والله سبحانه جعل عذاب من سن القتل عذابا لم يجعله لاحد من خلقه. يقول الرسول ﷺ عليه وسلم: " ليس من نفس تقتل ظلما إلا كان على ابن آدم كفل من دمها، لانه كان أول من سن القتل " (٦) . رواه البخاري ومسلم. ومن حرص الاسلام على حماية النفوس أنه هدد من يستحلها بأشد عقوبة. فيقول الله تعالى: " ومن يقتل مؤمنا متعمدا، فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه، ولعنه وأعد له عذابا عظيما " (٧) . فبهذه الآية تقرر أن عقوبة القاتل في الآخرة العذاب الاليم، والخلود المقيم

стр. 1262

في جهنم، والغضب واللعنة والعذاب العظيم. ولهذا قال ابن عباس ﵄: " لا توبة لقاتل مؤمن عمدا ". لانها آخر ما نزل، ولم ينسخها شئ، وإن كان الجمهور على خلافه. ورسول الله ﷺ يقول: " لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق ". رواه ابن ماجه بسند حسن عن البراء. وروى الترمذي بسند حسن عن أبي سعيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " لو أن أهل السماء وأهل الارض اشتركوا في دم مؤمن، لاكبهم الله في النار ". وروى البيهقي عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: " من أعان على دم امرئ مسلم بشطر كلمة، كتب بين عينيه يوم القيامة: آيس من رحمة الله ". ذلك أن القتل هدم لبناء أراده الله، وسلب لحياة المجني عليه، واعتداء على عصبته الذين يعتزون بوجوده، وينتفعون به، ويحرمون بفقده العون، ويستوي في التحريم قتل المسلم والذمي وقاتل نفسه. ففي قتل الذمي جاءت الاحاديث مصرحة بوجوب النار لمن قتله. روى البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: " من قتل معاهدا (١) ، لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها بوجد من مسيرة أربعين عاما " (٢) . وأما قاتل نفسه فالله يحذر من ذلك فيقول:

стр. 1263

" ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة " (١) . ويقول: " ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما " (٢) . وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: " من تردى (٣) من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن تحسى سما فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ (٤) بها في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ". وروى البخاري عن أبي هريرة أيضا أن رسول الله ﷺ قال: " الذي يخنق نفسه يخنقها في النار، والذي يطعن نفسه يطعن نفسه في النار. والذي يقتحم (٥) يقتحم في النار ". وعن جندب بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : " كان فيمن قبلكم رجل به جرح، فجزع، فأخذ سكينا فحز بها يده فما رقأ الدم حتى مات (٦) قال الله تعالى: " بادرني عبدي بنفسه: حرمت عليه الجنة ". رواه البخاري. وثبت في الحديث " من قتل نفسه بشئ عذب به يوم القيامة ". ومن أبلغ ما يتصور في التشنيع على القتلة بالاضافة إلى ما سبق أن الاسلام اعتبر القاتل لفرد من الافراد كالقاتل للافراد جميعا، وهذا أبلغ ما يتصور من التشنيع على ارتكاب هذه الجريمة النكراء. يقول سبحانه: " أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الارض فكأنما قتل الناس

стр. 1264

جميعا. ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا " (١) . ولعظم أمر الدماء وشدة خطورتها، كانت هي أول ما يقضى فيها بين الناس يوم القيامة (٢) كما رواه مسلم. وقد شرع الله سبحانه القصاص واعدام القاتل انتقاما منه، وزجرا لغيره، وتطهيرا للمجتمع من الجرائم التي يضطرب فيها النظام العام، ويختل معها الامن. فقال: " ولكم في القصاص حياة يا أولي الالباب، لعلكم تتقون " (٣) . وهذه العقوبة مقررة في جميع الشرائع الالهية المتقدمة. ففي الشريعة الموسوية جاء بالفصل الحادي والعشرين من سفر الخروج: " أن من ضرب إنسانا فمات فليقتل قتلا، وإذا بغى رجل على آخر فقتله اغتيالا فمن قدام مذبحي تأخذه ليقتل، ومن ضرب أباه وأمه يقتل قتلا، وإن حصلت أذية فأعط نفسا بنفس، وعينا بعين، وسنا بسن، ويدا بيد، ورجلا برجل، وجرحا بجرح، ورضا برض " وفي الشريعة المسيحية يرى البعض أن قتل القاتل لم يكن من مبادئها مستدلين على ذلك بما ورد بالاصحاح الخامس من إنجيل متى من قول عيسى ﵇: " لا تقاوموا الشر، بل من لطمك على خدك الايمن فحول له خدك الآخر أيضا. ومن رأى أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فاترك له الرداء أيضا، ومن سخرك ميلا واحدا فاذهب معه اثنين. ويرى البعض الآخر أن الشريعة المسيحية عرفت عقوبة الاعدام مستدلا على ذلك بما قاله عيسى ﵇: " ما جئت لانقض الناموس، وإنما جئت لاتمم ". وقد تأيد هذا النظر بما ورد في القرآن الكريم:

стр. 1265

" ومصدقا لما بين يدي من التوراة ". وإلى هذا تشير الآية الكريمة: " وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس، والعين بالعين، والانف بالانف، والاذن بالاذن، والسن بالسن، والجروح قصاص " (١) ولم تفرق الشريعة بين نفس ونفس، فالقصاص حق، سواء أكان المقتول كبيرا أم صغيرا، رجلا أم امرأة. فلكل حق الحياة، ولا يحل التعرض لحياته بما يفسدها بأي وجه من الوجوه، وحتى في قتل الخطأ، لم يعف الله تعالى القاتل من المسئولية، وأوجب فيه: العتق، والدية، فقال سبحانه: " وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا، إلا خطأ، ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة، ودية مسلمة إلى أهله، إلا أن يصدقوا " (٢) . وهذه العقوبة المالية إنما أوجبها الاسلام في القتل الخطأ احتراما للنفس حتى لا يتسرب إلى ذهن أحد هوانها، وليحتاط الناس فيما يتصل بالنفوس والدماء، ولتسد ذرائع الفساد، حتى لا يقتل أحد أحدا ويزعم أن القتل كان خطأ. ومن شدة عناية الاسلام بحماية الانفس أنه حرم إسقاط الجنين بعد أن تدب الحياة فيه، إلا إذا كان هناك سبب حقيقي يوجب إسقاطه، كالخوف على أمه من الموت، ونحو ذلك، وأوجب في إسقاطه بغير حق غرة. القصاص بين الجاهلية والإسلام: قام نظام القصاص في العرب على أساس أن القبيلة كلها تعتبر مسئولة عن الجناية التي يقترفها فرد من أفرادها، إلا إذا خلعته وأعلنت ذلك في المجتمعات العامة. ولهذا كان ولي الدم يطالب بالقصاص من الجاني وغيره من قبيلته، ويتوسع في هذه المطالبة توسعا ربما أوقد نار الحرب بين قبيلتي الجاني والمجني عليه.

стр. 1266

وقد تزداد المطالبة بالتوسع إذا كان المجني عليه شريفا أو سيدا في قومه. على أن بعض القبائل كثيرا ما كان يهمل هذه المطالبة، ويبسط حمايته على القاتل ولا يعير أولياء المقتول أي اهتمام، فكانت تنشب الحروب التي تودي بأنفس الكثير من الابرياء. فلما جاء الاسلام وضع حدا لهذا النظام الجائر، وأعلن أن الجاني وحده هو المسئول عن جنايته، وهو الذي يؤخذ بجريرته فقال: " يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى (١) الحر بالحر، والعبد بالعبد، والانثى بالانثى، فمن عفي له من أخيه شئ، فاتباع بالمعروف (٢) وأداء إليه بإحسان. ذلك تخفيف من ربكم ورحمة، فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم، ولكم في القصاص حياة يأولي الالباب لعلكم تتقون ". (٣) إذا اختاروا القصاص دون العفو: قال البيضاوي في تفسير هذه الآية: " كان في الجاهلية بين حيين من أحياء العرب دماء، وكان لاحدهما طول على الآخر، فأقسموا لنقتلن الحر منكم بالعبد، والذكر بالانثى، فلما جاء الاسلام تحاكموا إلى رسول الله ﷺ ، فنزلت، وأمرهم أن يتبارأوا " انتهى. والآية تشير إلى ما يأتي: ١ - أن الله سبحانه أبطل النظام الجاهلي، وفرض المماثلة والمساواة في القتلى. فإذا اختاروا القصاص دون العفو، فأرادوا إنفاذه، فإن الحر يقتل إذا قتل حرا، والعبد يقتل إذا قتل عبدا مثله، والمرأة تقتل إذا قتلت امرأة.

стр. 1267

قال القرطبي: " وهذه الآية جاءت مبينة حكم النوع إذا قتل نوعه فبيتت حكم الحر إذا قتل حرا، والعبد إذا قتل عبدا، والانثى إذا قتلت أنثى، ولم تتعرض لاحد النوعين إذا قتل الآخر. فالآية محكمة، وفيها إجمال يبينه قوله تعالى: " وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس " إلى آخر الآية. وبينه النبي ﷺ لما قتل اليهودي بالمرأة. قاله مجاهد. ٢ - فإذا عفا ولي الدم عن الجاني فله أن يطالبه بالدية على أن تكون المطالبة بالمعروف، لا يخالطها عنف ولا غلظة، وعلى القاتل أداء الدية إلى العافي بلا مماطلة ولابخس. ٣ - وهذا الحكم الذي شرعه الله من جواز القصاص والعفو عنه إلى الدية تيسير من الله ورحمة حيث وسع الامر في ذلك، فلم يحتم واحدا منهما. ٤ - فمن اعتدى على الجاني فقتله بعد العفو عنه، فله عذاب أليم، إما بقتله في الدنيا أو عذابه بالنار في الآخرة. روى البخاري عن ابن عباس ﵄. قال: " كان في بني اسرائيل القصاص، ولم تكن فيهم الدية، فقال الله لهذه الامة: " كتب عليكم القصاص في القتلى ... " الآية " فمن عفي له من أخيه شئ " قال: " فالعفو " أن يقبل في العمد الدية، و " الاتباع بالمعروف " أن يتبع الطالب بمعروف، ويؤدي إليه المطلوب بإحسان. " ذلك تخفيف من ربكم ورحمة " فيما كتب على من كان قبلكم. ٥ - وقد شرع الله القصاص لان فيه الحياة العظيمة، والبقاء للناس، فإن القاتل إذا علم أنه سيقتل ارتدع، فأحيا نفسه من جهة، وأحياء من كان يريد قتله من جهة أخرى. ٦ - وقد أبقى الاسلام جعل الولاية في طلب القصاص لولي المقتول على على ما كان عليه عند العرب.

стр. 1268

يقول الله تعالى: " ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا، فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا ". والمقصود بالولي هو من له القيام بالدم، وهو الوارث للمقتول (١) ، فهو الذي له حق المطالبة دون السلطة الحاكمة، فلو لم يطالب هو بالقصاص فإنه لا يقتص من الجاني. والسلطان: التسلط على القاتل، وإنما كان ذلك كذلك مخافة أن يصدر العفو من غير رضا منه، وهوالذي اكتوى بنار الجريمة فتثور نفسه ويعمد إلى الاخذ بالثأر، ويتكرر القتل والاجرام. ٧ - قال صاحب المنار معلقا على هذه الآية: فالآية الحكيمة قررت أن الحياة هي المطلوبة بالذات، وأن القصاص وسيلة من وسائلها، لان من علم أنه إذا قتل نفسا يقتل بها يرتدع عن القتل، فيحفظ الحياة على من أراد قتله وعلى نفسه، والاكتفاء بالدية لا يردع كل أحد عن سفك دم خصمه إن استطاع. " فإن من الناس من يبذل المال الكثير لاجل الايقاع بعدوه. " وفي الآية من براعة العبارة وبلاغة القول ما يذهب باستبشاع إزهاق الروح في العقوبة. ويوطن النفس على قبول حكم المساواة، إذ لم يسم العقوبة قتلا أو إعداما، بل سماها مساواة بين الناس تنطوي على حياة سعيدة لهم " القصاص في النفس ليس كل اعتداء على النفس بموجب للقصاص، فقد يكون الاعتداء عمدا، وقد يكون شبه عمد، وقد يكون خطأ، وقد يكون غيرذلك. ومن ثم وجب أن نبين أنواع القتل، ونبين النوع الذي يجب القصاص بمقتضاه.

стр. 1269

أنواع القتل: القتل أنواع ثلاثة: ١ - عمد. ٢ - شبه عمد. ٣ - خطأ. القتل العمد: فالقتل العمد هو: أن يقصد المكلف قتل إنسان معصوم الدم (١) بما يغلب على الظن أنه يقتل به. ويفهم من هذا التعريف أن جريمة القتل العمد لاتتحقق إلا إذا توفرت فيها الاركان الآتية: ١ - أن يكون القاتل عاقلا، بالغا، قاصدا القتل. أما اعتبار العقل والبلوغ، فلحديث علي ﵁ وكرم الله وجهه أن النبي ﷺ قال: " رفع القلم عن ثلاث: عن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يحتلم ". رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي. وأما اعتبار العمد، فلما رواه أبو هريرة ﵁. قال: " قتل رجل في عهد رسول الله ﷺ ، فرفع ذلك إلى النبي ﷺ فدفعه إلى ولي المقتول، فقال القاتل: يا رسول الله، والله ما أردت قتله، فقال النبي ﷺ للولي: " أما إنه إن كان صادقا ثم قتلته دخلت النار " فخلاه الرجل، وكان مكتوفا بنسعة (٢) فخرج يجر نسعته. قال: فكان يسمى (ذا النسعة) ". رواه أبو داود، والنسائي وابن ماجه، والترمذي وصححه. وروى أبو داود أن رسول الله ﷺ قال: " العمد قود، إلا أن يعفو ولي المقتول ". وروى ابن ماجه أنه ﷺ قال:

стр. 1270

" من قتل عامدا فهو قود، ومن حال بينه وبينه فعليه لعنة الله والملائكة والنا س أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولاعدلا ". ٢ - أن يكون المقتول آدميا، ومعصوم الدم: أي أن دمه غير مباح ٣ - أن تكون الاداة التي استعملت في القتل مما يقتل بها غالبا. فإذا لم تتوفر هذه الاركان. فإن القتل لا يعتبر قتلا عمدا. أداة القتل: ولا يشترط في الاداة التي يقتل بها سوى أنها مما تقتل غالبا، سواء أكانت محددة أم متلفة لتماثلهما في إزهاق الروح. وقد روى البخاري ومسلم أن رسول الله ﷺ رض (١) رأس يهودي بين حجرين، وكان فعل ذلك بجارية من الجواري. وهذا الحديث حجة على أبي حنيفة، والشعبي، والنخعي، الذين يقولون بأنه لا قصاص في القتل بالمثقل. ومن هذا القبيل القتل بالاحراق بالنار، والاغراق بالماء، والالقاء من شاهق، وإلقاء حائط عليه، وخنق الانفاس، رحبس الانسان، ومنع الطعام والشراب عنه حتى يموت جوعا، وتقديمه لحيوان مفترس. ومنه ما إذا شهد الشهود على إنسان معصوم الدم بما يوجب قتله، ثم بعد قتله يرجعون عن الشهادة، ويقولون: تعمدنا قتله، فهذه كلها من الادوات التي غالبا ما تقتل. ومن قدم طعاما مسموما لغيره، وهو يعلم أنه مسموم، دون آكله، فمات به، اقتص منه. روى البخاري ومسلم: " أن يهودية سمت النبي ﷺ في شاة، فأكل منها لقمة، ثم لفظها، وأكل معه بشر بن البراء، فعفا عنها النبي ﷺ ولم يعاقبها ". أي أنه عفا عنها قبل أن تحدث الوفاة لواحه ممن أكل " فلما مات بشر بن البراء قتلها به ". لما رواه أبو داود: " أنه ﷺ أمر بقتلها "

стр. 1271

القتل شبه العمد: والقتل شبه العمد: هو أن يقصد المكلف قتل إنسان معصوم الدم بما لا يقتل عادة، كأن يضربه بعصا خفيفة أو حجر صغير، أو لكزه بيده، أو سوط ونحو ذلك. فإن كان الضرب بعصا خفيفة أو حجر صغير " ضربة أو ضربتين " فمات من ذلك الضرب، فهو قتل شبه عمد (١) . فإن كان الضرب في مقتل أو كان المضروب صغيرا أو كان مريضا يموت من مثل هذا الضرب غالبا، أو كان قويا، غير أن الضارب والى الضرب حتى مات فإنه يكون عمدا. وسمي يشبه العمد، لان القتل متردد بين العمد والخطأ، إذ أن الضرب مقصود، والقتل غير مقصود. ولهذا أطلق عليه شبه العمد، فهو ليس عمدا محضا، ولاخطأ محضا. ولما لم يكن عمدا محضا سقط القود، لان الاصل صيانة الدماء فلا تستباح، إلا بأمر بين. ولما لم يكن خطأ محضا، لان الضرب مقصود بالفعل دون القتل وجبت فيه دية مغلظة. روى الدارقطني عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: " العمد قود اليد، والخطأ عقل لا قود فيه، ومن قتل في عمية بحجر أو عصا أو سوط، فهو دية مغلظة في أسنان الابل ". وأخرج أحمد وأبو داود عن عمرو بين شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: " عقل شبه العمد مغلظ، كعقل العمد، ولا يقتل صاحبه، وذلك أن ينزو الشيطان بين الناس، فتكون الدماء في غير ضغينة ولاحمل سلاح ".

стр. 1272

وأخرج أحمد، وأبو داود، والنسائي، أن النبي ﷺ خطب يوم فتح مكة فقال: " ألا وإن قتيل خطأ العمد بالسوط والعصا والحجر ". القتل الخطأ: والقتل الخطأ هو: أن يفعل المكلف ما يباح له فعله، كأن يرمي صيدا، أو يقصد غرضا، فيصيب إنسانا معصوم الدم فيقتله، وكأن يحفر بئرا، فيتردى فيها إنسان، أو ينصب شبكة - حيث لا يجوز - فيعلق بها رجل فيقتل، ويلحق بالخطأ القتل العمد الصادر من غير مكلف، كالصبي والمجنون. الآثار المترتبة على القتل قلنا إن القتل: عمد، وشبه عمد، وخطأ. ولكل نوع من هذ الانواع الثلاثة آثار تترتب عليه. وفيما يلي نذكر أثر كل نوع. موجب القتل الخطأ: إن القتل الخطأ يوجب أمرين: (أحدهما) الدية المخففة على العاقلة، مؤجلة في ثلاث سنين. وسيأتي ذلك حين الكلام على الدية. (ثانيهما) الكفارة، وهي عتق رقبة مؤمنة سليمة من العيوب المخلة بالعمل والكسب، فان لم يجد صام شهرين متتابعين (١) . وأصل ذلك قول الله تعالى: " وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا، إلا خطأ. ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله، إلا أن يصدقوا. فإن كان من قوم عدولكم وهو مؤمن، فتحرير

стр. 1273

رقبة مؤمنة، وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، توبة من الله، وكان الله عليما حكيما ". (١) وإذا قتل جماعة رجلا خطأ. فقال جمهور العلماء: على كل واحد منهم الكفارة. وقال جماعة: عليهم كلهم كفارة واحدة. الحكمة في الكفارة: قال القرطبي: " واختلفوا في معناها فقيل: أوجبت تمحيصا وطهورا لذنب القاتل. وذنبه ترك الاحتياط والتحفظ حتى هلك على يديه امرؤ محقون الدم. وقيل: أوجبت بدلا من تعطيل حق الله تعالى في نفس القتيل، فإنه كان له في نفسه حق، وهو التنعم بالحياة، والتصرف فيما أحل له تصرف الاحياء، وكان لله سبحانه فيه حق، وهو أنه كان عبدا من عباده يجب له من اسم العبودية - صغيرا كان أو كبيرا، حرا كان أو عبدا، مسلما كان أو ذميا - ما يتميز به عن البهائم والدواب. ويرتجى - مع ذلك - أن يكون من نسله من يعبد الله ويطيعه، فلم يخل قاتله من أن يكون فوت منه الاسم الذي ذكرنا والمعنى الذي وصفنا، فلذلك ضمن الكفارة. وأى واحد من هذين المعنيين كان ففيه بيان أن النص وإن وقع على القاتل خطأ، فالقاتل عمدا مثله، بل أولى بوجوب الكفارة عليه منه ". اه ووسيأتي بيان هذا. موجب القتل شبه العمد: والقتل شبه العمد يوجب أمرين: ١ - الاثم، لانه قتل نفس حرم الله قتلها إلا بالحق. ٢ - الدية المغلظة على العاقلة - على ما سيأتي.

стр. 1274

أما القتل العمد، فإنه يوجب أمورا أربعة: ١ - الاثم. ٢ - الحرمان من الميراث والوصية. ٣ - الكفارة. ٤ - القود أو العفو. (١) فلا يرث القاتل من ميراث المقتول شيئا، لامن ماله ولا من ديته إذا كان من ورثته سواء أكان القتل عمدا أم كان خطأ. وقاعدة الفقهاء في ذلك: " من استعجل الشئ قبل أو انه عوقب بحرمانه ". (٢) وروى البيهقي عن خلاس أن رجلا رمى بحجر فأصاب أمه فماتت من ذلك فأراد نصيبه من ميراثها، فقال له إخوته: لاحق لك، فارتفعوا إلى علي كرم الله وجهه فقال له علي ﵁: " حقك من ميراثها الحجر، فأغرمه الدية. ولم يعطه من ميراثها شيئا ". وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: " ليس للقاتل من الميراث شئ ". والحديث معلول وقد اختلف في رفعه ووقفه، وله شواهد تقويه. وروى أبو داود والنسائي وابن ماجه أن رسول الله ﷺ قال: " ليس للقاتل شئ، وإن لم يكن له وارث، فوارثه أقرب الناس إليه، ولا يرث القاتل شيئا " (١) . وإلى هذا ذهب أكثر أهل العلم. وكذلك الاحناف والشافعية، وذهبت الهادوية والامام مالك إلى أن القتل إن كان خطأ ورث من المال دون الدية،

стр. 1275

وقال الزهري وسعيد بن جبير وغيرهما: لا يحرم القاتل من الميراث. وكذلك تبطل الوصية إذا قتل له الموصى له الموصي. قال في البدائع: القتل بغير حق جناية عظيمة تستدعي الزجر بأبلغ الوجوه، وحرمان الوصية يصلح زاجرا كحرمان الميراث فيثبت. وسواء أكان القتل عمدا أم خطأ لان القتل الخطأ قتل وأنه جاز المؤاخذة عليه عقلا، وسواء أوصى له بعد الجناية أو قبلها. (٣) الكفارة في حالة ما إذا عفا ولي الدم أو رضي بالدية: أما إذا اقتص من القاتل فلا تجب عليه كفارة. روى الامام أحمد عن وائلة بن الاصقع. قال: " أتى النبي ﷺ نفر من بني سليم. فقالوا: " إن صاحبا لنا قد أوجب. قال: فليعتق رقبة يفد الله بكل عضو منها عضوا منه من النار ". ورواه أيضا بسند آخر عنه قال: " أتينا رسول الله ﷺ في صاحب لنا أوجب قال: أعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضوا من النار ". وهذا رواه أبو داود والنسائي. ولفظ أبي داود قد أوجب " يعني النار " بالقتل. قال الشوكاني في نيل الاوطار: " في حديث وائلة دليل على ثبوت الكفارة في قتل العمد. وهذا إذا عفا عن القاتل، أو رضي الوارث بالدية. وأما إذا اقتص منه فلا كفارة عليه، بل القتل كفارته، لحديث عبادة المذكور في الباب ولما أخرجه أبو نعيم في " المعرفة " أن النبي ﷺ قال: " القتل كفارة ". وهو من حديث خزيمة بن ثابت. وفي إسناده ابن لهيعة. قال الحافظ: لكنه من حديث ابن وهب عنه، فيكون حسنا. ورواه الطبراني في الكبير عن الحسن بن علي موقوفا عليه.

стр. 1276

(٤) القود (١) أو العفو: القود أو العفو إما على الدية، أو الصلح على غير الدية، ولو بالزيادة عليها. كما أن لولي الجناية العفو مجانا. وهو أفضل. " وأن تعفوا أقرب للتقوى، ولا تنسوا الفضل بينكم " (٢) . وإذا عفا ولي الدم عن القاتل، فإنه لا يبقى حق للحاكم بعد في تعزيره. وقال مالك والليث: يعزر بالسجن عاماو مائة جلدة (٣) . وأصل وجوب القود أو العفو قول الله سبحانه: " يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى، الحر بالحر، والعبد بالعبد، والانثى بالانثى، فمن عفي له من أخيه شئ فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان، ذلك تخفيف من ربكم ورحمة، فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم ". (٤) وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " من قتل له قتيل فهو يخير النظرين: إما أن يفتدي، وإما أن يقتل (٥) " فالامر في العفو أو القصاص إلى أولياء الدم. وهم الورثة، فإن شاءوا طلبوا القود، وإن شاءوا عفوا، حتى لو عفا أحد الورثة سقط القصاص، لانه لا يتجزأ. روى محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة أن عمر بن الخطاب ﵁ أتي برجل قد قتل عمدا، فأمر بقتله، فعفا عنه بعض الاولياء، فأمر

стр. 1277

بقتله، فقال عبد الله بن مسعود ﵁: كانت النفس لهم جميعا، فلما عفا هذا أحيى النفس، فلا يستطيع أخذ حقه - يعني الذي لم يعف - حتى يأخذ حق غيره. قال فما ترى؟ قال: أرى أن تجعل الدية في ماله، وترفع عنه حصة الذي عفا. قال عمر ﵁: وأنا أرى ذلك. قال محمد: وأنا أرى ذلك. وهو قول أبي حنيفة. وإن كان في الورثة صغير فإنه ينتظر بلوغه، ليكون له الخيار، إذ أن القصاص حق لجميع الورثة. ولا اختيار للصبي قبل بلوغه. وإذا عفا الورثة جميعا أو أحدهم على الدية وجب على القاتل دية مغلظة، حالة في حاله كما سيأتي ذلك مفصلا في باب الديات. شروط وجوب القصاص: ولا يجب القصاص إلا إذا توفرت الشروط الآتية: ١ - أن يكون المقتول معصوم الدم. فلو كان حربيا، أو زانيا محصنا، أو مرتدا، فإنه لا ضمان على القاتل، لا بقصاص ولابدية، لان هؤلاء جميعا مهدور والدم. روى البخاري ومسلم عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: " لا يحل دم امرئ مسلم: يشهد أن لاإله إلا الله، وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاثة: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة ". ٢ - أن يكون القاتل بالغا. ٣ - أن يكون عاقلا. فلا قصاص على صغير، ولا مجنون، ولا معتوه، لانهم غير مكلفين، وليس لهم قصد صحيح أو إرادة حرة. فإذا كان المجنون يفيق أحيانا، فقتل وقت إفاقته، اقتص منه. وكذلك من زال عقله بسكر وهو متعد في شربه.

стр. 1278

فعن مالك أنه بلغه " أن مروان بن الحكم كتب إلى معاوية بن أبي سفيان، يذكر أنه أتي بسكران قد قتل رجلا، فكتب إليه معاوية: أن اقتله به ". فإن كان شرب شيئا ظنه غير مسكر، فزال عقله فقتل في هذه الحال، فلا قصاص عليه. وفي الحديث يقول الرسول صلوات الله وسلامه عليه. " رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ ". وقال مالك: " الامر المجمع عليه عندنا: أن لاقود بين الصبيان، وأن قتلهم خطأ ما لم تجب الحدود، ويبلغوا الحلم، وان قتل الصبي لا يكون إلا خطأ ". ٤ - أن يكون القاتل مختارا، فإن الاكراه يسلبه الارادة، ولا مسئولية على من فقد إرادته، فإذا أكره صاحب سلطان (١) غيره على القتل، فقتل آدميا بغير حق، فإنه يقتل الآمر دون المأمور. ويعاقب المأمور. وبهذا أخذ أبو حنيفة، وداود، وهو أحد قولي الشافعي. وقال الاحناف: وإن أكره على إتلاف مال مسلم بأمر يخاف منه على نفسه، أو على عضو من أعضائه، وسعه أن يفعل ذلك، ولصاحب المال أن يضمن المكره. وإن أكرهه بقتل على قتل غيره، لم يسعه أن يقدم عليه، ويصبر حتى يقتل، فإن قتله كان آثما. والقصاص على المكره إن كان القتل عمدا. وقال قوم: يقتل المأمور دون الآمر. وهو القول الآخر للشافعي. وقال قوم: منهم مالك والحنابلة: يقتلان جميعا، إن لم يعف ولي الدم، فإن عفا ولي الدم وجبت الدية، لان القاتل قصد استبقاء نفسه بقتل غيره، والمكره تسبب في القتل بما يفضي إليه غالبا. وإذا أمر مكلف غير مكلف بأن يقتل غيره: مثل الصغير والمجنون. فالقصاص على الآمر، لان المباشر للقتل آلة في يده، فلا يجب القصاص عليه، وإنما يجب على المتسبب.

стр. 1279

وإذا أمر الحاكم بالقتل ظلما، فإما أن يكون المأمور عالما بأنه ظلم، أو لا يكون له علم به. فإن كان عالما بأنه ظلم ونفذ أمره، وجب عليه القصاص، إلا أن يعفو الولي، فتجب الدية عليه، لانه مباشر للقتل مع علمه بأنه ظلم، فلا يعذر ولا يقال إنه مأمور من الحاكم، لان قاعدة الاسلام: أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، كما قال رسول الله صلوات الله وسلامه عليه. وإن لم يكن عالما بعدم استحقاقه القتل، فقتله، فالقصاص - إن لم يعف الولي، أو الدية - على الآمر بالقتل، دون المباشر، لانه معذور لوجوب طاعة الحاكم في غير معصية الله. ومن دفع إلى غير مكلف آلة قتل، ولم يأمره به، فقتل، لم يلزم الدافع شئ. ٥ - ألا يكون القاتل أصلا للمقتول، فلا يقتص من والد بقتل ولده، وولد ولده وإن سفل إذا قتله، بأي وجه من أوجه العمد، بخلاف ما إذا قتل الابن أحد أبويه فإنه يقتل اتفاقا، لان الوالد سبب في حياة ولده، فلا يكون ولده سببا في قتله وسلبه الحياة، بخلاف ما إذا قتل الولد أحد والديه فإنه يقتص منه لهما. أخرج الترمذي عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: " لا يقتل الوالد بالولد ". قال ابن عبد البر: " هو حديث مشهور عند أهل العلم بالحجاز والعراق، مستفيض عندهم، وهو عمل أهل المدينة، ومروي عن عمر ". وروى يحيى بن سعيد عن عمرو بن شعيب: أن رجلا من بني مدلج يقال له " قتادة " حدف ابنا له بالسيف فأصاب ساقه، فنزى جرحه فمات. فقدم سراقة بن جعشم على عمر بن الخطاب ﵁ فذكر ذلك له. فقال له عمر: " اعدد على " ماء قديد " عشرين ومائة بعير حتى أقدم عليك. فلما قدم عليه عمر، أخذ من تلك الابل ثلاثين حقة، وثلاثين جذعة، وأربعين خلفة. ثم قال:

стр. 1280

أين أخو المقتول؟ فقال هأنذا. قال خذها، فإن رسول الله ﷺ قال: " ليس لقاتل شئ ". وخالف في ذلك الامام مالك، فرأى أنه يقاد الولد بالوالد، إذا أضجعه وذبحه، لان ذلك عمد حقيقة، لا يحتمل غيره، فإن الظاهر في استعمال الجارح في القتل هو العمد. والعمدية أمر خفي، لا يحكم بإثباتها إلا بما يظهر من قرائن الاحوال، وأما إذا كان على غير هذه الصفة، فيما يحتمل عدم إزهاق الروح، بل قصد التأديب من الاب. وإن كان في حق غيره، يحكم فيه بالعمد. وإنما فرق بين الاب وغيره، لما للاب من الشفقة على ولده، وعليه قصد التأديب عند فعله ما يغضب الاب، فيحمل على عدم قصد القتل، لقوة المحبة التي بين الاب والابن. ٦ - أن يكون المقتول مكافئا للقاتل حال جنايته، بأن يساويه في الدين، والحرية، فلا قصاص على مسلم قتل كافرا. أو حر قتل عبدا، لانه لا تكافؤ بين القاتل والمقتول، بخلاف ما إذا قتل الكافر المسلم، أو قتل العبد الحر، فإنه يقتص منهما. والاسلام وإن كان قد ألغى الفوارق بين المسلمين في هذا الباب، فلم يفرق بين شريف ووضيع، ولابين جميل ودميم، ولابين غني وفقير، ولا بين طويل وقصير، ولابين قوي وضعيف، ولابين سليم ومريض، ولابين كامل الجسم وناقصه، ولابين صغير وكبير ولا بين ذكر وأنثى (١) إلا أنه اعتبر الفارق بين المسلم والكافر، والحر والعبد، فلم يجعلهما متكافئين في الدم. فلو قتل مسلم كافر أو قتل حر عبدا فلا قصاص على واحد منهما. وأصل ذلك حديث علي كرم الله وجهه، أن رسول الله ﷺ قال:

стр. 1281

" ألا لا يقتل مؤمن بكافر ". أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم. وصححه. وروى البخاري عن علي كرم الله وجهه أيضا أن أبا جحيفة قال له: " هل عندكم شئ من الوحي ما ليس في القرآن. قال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا فهما يعطيه الله رجلا في القرآن، وما في هذه الصحيفة. قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: المؤمنون تتكافأ دماؤهم (١) ، وفكاك الاسير، وألا يقتل مسلم بكافر. وهذا مجمع عليه بالنسبة للكافر الحربي: فإن المسلم إذا قتله، فإنه لا يقتل به إجماعا. وأما بالنسبة للذمي والمعاهد، فقد اختلفت فيهما أنظار الفقهاء. فذهب الجمهور منهم إلى أن المسلم لا يقتل بهما لصحة الاحاديث في ذلك، ولم يأت ما يخالفها. وقالت الاحناف وابن أبي ليلى: لا يقتل المسلم إذا قتل الكافر الحربي، كما قال الجمهور. وخالفوهم في الذمي، والمعاهد. فقالوا: " إن المسلم إذا قتل الذمي أو المعاهد بغير حق، فإنه يقتل بهما، لان الله تعالى يقول: " وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ". وأخرج البيهقي من حديث عبد الرحمن البيلماني (٢) أن رسول الله ﷺ : قتل مسلما بمعاهد. وقال: " أنا أكرم من وفى بذمته ". وقالوا أيضا: ان المسلمين أجمعوا على أن يد المسلم تقطع إذا سرق من مال الذمي. فإذا كانت حرمة ماله كحرمة مال المسلم، فحرمة دمه كحرمة دمه. رفع إلى أبي يوسف القاضي: مسلم قتل ذميا كافرا، فحكم عليه بالقود، فأتاه رجل برقعة فألفاها إليه. فإذا فيها:

стр. 1282

يا قاتل المسلم بالكافر - جرت، وما العادل كالجائر يا من ببغداد وأطرافها - من علماء الناس أو شاعر استرجعوا وابكوا على دينكم - واصطبروا، فالاجر للصابر جار على الدين أبو يوسف - بقتله المؤمن بالكافر فدخل أبو يوسف على الرشيد وأخبره الخبر، وأقرأه الرقعة. فقال الرشيد: " تدارك هذا الامر لئلا تكون فتنة ". فخرج أبو يوسف، وطالب أصحاب الدم ببينة على صحة الذمة وثبوتها، فلم يأتوا بها، فأسقط القود. وقال مالك والليث: " لا يقتل المسلم بالذمي، إلا أن يقتله غيلة. وقتل الغيلة أن يضجعه فيذبحه، وبخاصة على ماله ". هذا بالنسبة للكافر، وأما العبد، فإن الحر لا يقتل به إذا قتله، بخلاف ما إذا قتل العبد الحر، فإنه يقتل به. لما رواه الدارقطني من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: " أن رجلا قتل عبده صبرا (١) متعمدا، فجلده النبي ﷺ مائة جلدة، ونفاه سنة، ومحاسهمه من المسلمين، ولم يقد به، وأمره أن يعتق رقبة ". ولان الله تعالى يقول: " الحر بالحر ". وهذا التعبير يفيد الحصر، فيكون معناه: أنه لا يقتل الحر بغير الحر. وإذا كان لا يقتل به فإنه يلزمه قيمته، بالغة ما بلغت، وإن جاوزت دية الحر. هذا إذا قتل عبد غيره. أما إذا كان السيد هو الذي قتل عبده فعقوبته ما ذكر في الحديث. وإلى هذا ذهب جمهور الفقهاء، منهم مالك والشافعي، وأحمد، والهادوية. وقال أبو حنيفة: " يقتل الحر إذا قتل العبد، إلا إذا كان سيده ". وذلك أن الآية الكريمة تقول:

стр. 1283

" وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ". وهذا عام في كل الحالات، إلا إذا خصص، وقد خصصته السنة بحديث البيهقي أن رسول الله ﷺ قال: " لا يقاد مملوك من مالكه. ولا ولد من والده ". ولو صح هذا لكان قويا، إلا أن الحديث من رواية عمر بن عيسى، وقد ذكر البخاري أنه منكر الحديث. وقال النخعي: يقتل الحر بالعبد مطلقا، أخذا بعموم قوله تعالى: " أن النفس بالنفس ". ٧ - ألا يشارك القاتل غيره في القتل، ممن لا يجب عليه القصاص، فإن شاركه غيره ممن لا يجب عليه القصاص كأن اشترك في القتل، عامد ومخطئ، أو مكلف وسبع، أو مكلف وغير مكلف: مثل الصبي والمجنون، فإنه لاقصاص على واحد منهما، وعليهما الدية، لوجود الشبهة التي تندرئ بها الحدود، فإن القتل لا يتجزأ، ويمكن أن يكون حدوثه من فعل الذي لا قصاص عليه - كما يمكن أن يكون ممن يجب عليه القصاص - وهذه الشبهة تسقط القود. وإذا سقط وجب بدله، وهو الدية. وخالف في ذلك مالك والشافعي ﵄. فقالا: على المكلف القصاص، وعلى غير المكلف نصف الدية. ومالك يجعلها على العاقلة، والشافعية يجعلونها في ماله. قتل الغيلة: وقتل الغيلة عند مالك أن يخدع الانسان غيره، فيدخل بيته ونحوه، فيقتل أو يأخذ المال. قال مالك: " الامر عندنا أن يقتل به، وليس لولي الدم أن يعفو عنه، وذلك إلى السلطان ". وقال غيره من الفقهاء: لافرق بين قتل الغيلة وغيره، فهما سواء في القصاص والعفو، وأمرهما راجع إلى ولي الدم. وإذا قتلته جماعة كان لولي الدم أن يقتل منهم من شاء، ويطالب بالدية

стр. 1284

من شاء وهو مروي عن ابن عباس، وبه يقول سعيد بن المسيب، والشعبي، وابن سيرين، وعطاء، وقتادة. وهو مذهب الشافعي وأحمد وإسحاق. " فقد قتلت امرأة هي وخليلها ابن زوجها فكتب يعلى بن أمية إلى عمر ابن الخطاب - وكان يعلى عاملا له - يسأله رأيه في هذه القضية؟ فتوقف ﵁ في القضية، وكان أن قال علي بن أبي طالب ﵁: " يا أمير المؤمنين: أرأيت لو أن نفرا اشتركوا في سرقة جزور، فأخذ هذا عضوا، وهذا عضوا، أكنت قاطعهم؟ قال: نعم. قال: وذلك ". وكان أن كتب أمير المؤمنين إلى يعلى بن أمية عامله: " أن اقتلهما، فلو اشترك فيه أهل ضنعاء كلهم لقتلتهم ". وذهب الشافعي إلى أن لولي المقتول أن يقتل الجميع به، وأن يقتل أيهم أراد، ويأخذ من الآخرين حصتهم من الدية. فإن كانوا اثنين وأقاد من واحد، فله أخذ نصف الدية من الثاني. وإن كانوا ثلاثة، فأقاد من اثنين، فله من الآخر ثلث الدية ". الجماعة تقتل بالواحد: إذا اجتمع جماعة على قتل واحد فإنهم يقتلون به جميعا، سواء أكانت الجماعة كثيرة أم قليلة، ولو لم يباشر القتل كل واحد منهم، لما رواه مالك في الموطأ: أن عمر بن الخطاب، قتل نفر (١) برجل واحد، قتلوه قتل غيلة (٢) . وقال: " لو تمالا (٣) عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعا ". واشترطت الشافعية والحنابلة أن يكون فعل كل واحد من المشتركين في القتل بحيث لو انفرد كان قاتلا، فإن لم يصلح فعل كل واحد للقتل فلا قصاص.

стр. 1285

وقال مالك: " الامر عندنا: أنه يقتل في العمد الرجال الاحرار بالرجل الحر الواحد، والنساء بالمرأة كذلك، والعبيد بالعبد كذلك أيضا. " وفي المسوى قال: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم. قالوا: إذا اجتمع جماعة على قتل واحد، يقتلون به قصاصا. وقد رأى هؤلاء الفقهاء أن ذلك هو المصلحة، لان القصاص شرع لحياة الانفس، فلو لم تقتل الجماعة بالواحد، لكان كل من أراد أن يقتل غيره استعان بشركاء له حتى لا يقاد منه. وبذلك تبطل الحكمة من شرعية القصاص. وذهب ابن الزبير، والزهري، وداود، وأهل الظاهر إلى أن الجماعة لا تقتل بالواحد، لان الله تعالى يقول: " أن النفس بالنفس ". إذا أمسك رجل رجلا وقتله آخر: وإذا أمسك رجل رجلا فقتله رجل آخر، وكان القاتل لا يمكنه قتله إلا بالامساك، وكان المقتول لا يقدر على الهرب بعد الامساك: فإنهما يقتلان، لانهما شريكان. وهذا مذهب الليث، ومالك، والنخعي. وخالف في ذلك الشافعية والاحناف. فقالوا: يقتل القاتل، ويحبس الممسك حتى يموت جزاء إمساكه للمقتول. لما رواه الدارقطني عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: " إذا أمسك الرجل الرجل وقتله الآخر، يقتل الذي قتل، ويحبس الذي أمسك ". وصححه ابن القطان. وقال الحافظ بن حجر: ورجاله ثقات. وأخرج الشافعي عن علي أنه قضى في رجل قتل رجلا متعمدا وأمسكه آخر. قال: " يقتل القاتل، ويحبس الآخر في السجن حتى يموت ". ثبوت القصاص: يثبت القصاص بما يأتي: (أولا) بالاقرار، لان الاقرار كما يقولون: " سيد الادلة ".

стр. 1286

وعن وائل بن حجر. قال: " إني لقاعد مع النبي ﷺ إذ جاء رجل يقود آخر بنسعة، فقال يا رسول الله: هذا قتل أخي. فقال: إنه لو لم يعترف أقمت عليه البينة؟ فقال الرسول ﷺ : أقتلته؟ فقال: نعم قتلته. إلى آخر الحديث. رواه مسلم والنسائي. (ثانيا) يثبت بشهادة رجلين عدلين. فعن رافع بن خديج قال: " أصبح رجل من الانصار بخيبر مقتولا. فانطلق أولياؤه النبي ﷺ ، فذكروا ذلك له. فقال: لكم شاهدان يشهدان على قتل صاحبكم؟ إلى آخر الحديث. رواه أبو داود. قال ابن قدامة في المغني: " ولا يقبل فيه شهادة رجل وامرأتين، ولا شاهد ويمين الطالب، لا نعلم في هذا - بين أهل العلم - خلافا. وذلك، لان القصاص إراقة دم عقوبة على جناية، فيحتاط له باشتراط الشاهدين العدلين، كالحدود، وسواء كان القصاص يجب على مسلم، أو كافر، أو حر، أو عبد لان العقوبة يحتاط لدرئها. استيفاء القصاص (١) : يشترط لاستيفاء القصاص ثلاثة شروط: ١ - أن يكون المستحق له عاقلا، بالغا. فإن كان مستحقه صبيا أو مجنونا لم ينب عنهما أحد في استيفائه: لا أب، ولا وصي، ولا حاكم، وإنما يحبس الجاني حتى يبلغ الصغير ويفيق المجنون، فقد حبس معاوية هدبة بن خشرم في قصاص حتى بلغ ابن القتيل، وكان ذلك في عصر الصحابة، ولم ينكر عليه أحد. ٢ - أن يتفق أولياء الدم جميعا على استيفائه، وليس لبعضهم أن ينفرد به، فإن كان بعضهم غائبا، أو صغيرا، أو مجنونا، وجب انتظار الغائب حتى

стр. 1287

يرجع، والصغير حتى يبلغ، والمجنون حتى يفيق، قبل أن يختار، لان من كان له الخيار في أمر لم يجز الافتيات عليه لان في ذلك إبطال خياره. وقال أبو حنيفة: للكبار استيفاء حقوقهم في القود، ولا ينتظر لهم بلوغ الصغار. فإن عفا أحد الاولياء سقط القصاص لانه لا يتجزأ. ٣ - أن لا يتعدى الجاني إلى غيره، فإذا كان القصاص قد وجب على امرأة حامل، لا تقتل حتى تضع حملها وتسقيه اللبأ. لان قتلها يتعدى إلى الجنين، وقتلها قبل سقيه اللبأ يضربه، ثم بعد سقيه اللبأ إن وجد من يرضعه أعطي له الولد، واقتص منها، لان غيرها يقوم على حضانته، وإن لم يوجد من يرضعه ويقوم على حضانته، تركت حتى تفطمه مدة حولين. روى ابن ماجه أن رسول الله ﷺ ، قال: " إذا قتلت المرأة عمدا لم تقتل حتى تضع ما في بطنها إن كانت حاملا، وحتى تكفل ولدها. وإذا زنت لم ترجم حتى تضع ما في بطنها إن كانت حاملا، وحتى تكفل ولدها. " وكذلك لايقتص من الحامل في الجناية على الاعضاء حتى تضع، وإن لم تسقه اللبأ (١) . متى يكون القصاص؟ يكون القصاص متى حضر أولياء الدم، وكانوا بالغين، وطالبوا به، فإنه ينفذ فورا متى ثبت بأي وجه من وجوه الاثبات، إلا أن يكون القاتل امرأة حاملا، فإنها تؤخر حتى تضع حملها، كما سبق. بم يكون القصاص: الاصل في القصاص أن يقتل القاتل بالطريقة التي قتل بها، لان ذلك مقتضى المماثلة والمساواة، إلا أن يطول تعذيبه بذلك، فيكون السيف له أروح، ولان الله تعالى يقول:

стр. 1288

" فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " (١) . ويقول: " وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به " (٢) . وأخرج البيهقي من حديث البراء أن رسول الله ﷺ قال: " من غرض غرضنا له (٣) ، ومن حرق حرقناه، ومن غرق غرقناه ". وقد رضخ الرسول ﷺ اليهودي بحجر كما رضخ هو رأس المرأة بحجر. وقد قيد العلماء هذا بما إذا كان السبب الذي قتل به يجوز فعله، فإذا كان لا يجوز فعله - كمن قتل بالسحر - فإنه لا يقتل به، لانه محرم. قال بعض الشافعية: إذا قتل بإبجار الخمر، فإنه يؤجر بالخل. وقيل يسقط اعتبار المماثلة. ورأى الاحناف والهادوية: أن القصاص لا يكون إلا بالسيف. لما أخرجه البزار وابن عدي عن أبي بكرة أن رسول الله ﷺ قال: " لاقود إلا بالسيف ". ولان رسول الله ﷺ نهى عن المثلة وقال: " إذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة ". وأجيب على حديث أبي بكرة بأن طرقه كلها ضعيفة. وأما النهي عن المثلة فهو مخصص بقوله تعالى: " وإن عاقبتم، فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ". وقوله: " فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ". هل يقتل القاتل في الحرم ؟ اتفق العلماء على أن من قتل في الحرم فإنه قتله فيه. فإذا كان قد

стр. 1289

قتل خارجه ثم لجأ إليه، أو وجب عليه القتل بسبب من الاسباب، كالردة، ثم لجأ إلى الحرم..فقال مالك: " يقتل فيه ". وقال أحمد وأبو حنيفة: لا يقتل في الحرم، ولكن يضيق عليه، فلا يباع له ولا يشترى منه، حتى يخرج منه، فيقتل خارجه. سقوط القصاص: ويسقط القصاص بعد وجوبه بأحد الاسباب الآتية: ١ - عفو جميع الاولياء أو أحدهم، بشرط أن يكون العافي عاقلا مميزا، لانه من التصرفات المحضة التي لا يملكها الصبي ولا المجنون (١) . ٢ - موت الجاني أو فوات الطرف الذي جنى به، فإذا مات من عليه القصاص، أو فقد العضو الذي جنى به سقط القصاص، لتعذر استيفائه. وإذا سقط القصاص وجبت الدية في تركته للاولياء عند الحنابلة وفي قول للشافعي. وقال مالك والاحناف: لا تجب الدية، لان حقوقهم كانت في الرقبة، وقد فاتت، فلاسبيل لهم على ورثته فيما صار من ملكه إليهم. وحجة الاولين: أن حقوقهم معلقة في الرقبة، أو في الذمة، وهم مخيرون بينهما، فمتى فات أحدهما وجب الآخر. ٣ - إذا تم الصلح بين الجاني والمجني عليه أو أوليائه. القصاص من حق الحاكم: إن المطالبة بالقصاص حق لولي الدم كما تقدم، وتمكين ولي الدم من الاستيفاء حق للحاكم. قال القرطبي: لا خلاف أن القصاص في القتل لا يقيمه إلا أولو الامر، فرض عليهم النهوض بالقصاص، وإقامة الحدود، وغير ذلك، لان الله سبحانه طالب جميع المؤمنين بالقصاص، ثم لا يتهيأ للمؤمنين جميعا أن يجتمعوا على

стр. 1290

القصاص، فأقاموا السلطان مقام أنفسهم في إقامة القصاص وغيره من الحدود. وعلة ذلك ما ذكره الصاوي - في حاشيته على الجلالين - قال: " فحيث ثبت القتل عمدا عدوانا، وجب على الحاكم الشرعي أن يمكن ولي المقتول من القاتل، فيفعل فيه الحاكم ما يختاره الولي من: القتل، أو العفو، أو الدية، ولا يجوز للولي التسلط على القاتل من غير إذن الحاكم (١) ، لان فيه فسادا وتخريبا ". فإذا قتله قبل إذن الحاكم عزر. وعلى الحاكم أن يتفقد آلة القتل التي يقتص بها مخافة الزيادة في التعذيب وأن يوكل التنفيذ إلى من يحسنه. وأجرة التنفيذ على بيت المال. الافتيات على ولي الدم: قال ابن قدامة: " وإذا قتل القاتل غير ولي الدم فعلى قاتله القصاص، ولورثته الاول الدية ". وبهذا قال الشافعي ﵁. وقال الحسن، ومالك: يقتل قاتله، ويبطل دم الاول، لانه فات محله. وروى عن قتادة، وأبي هاشم أنه لاقود على الثاني، لانه مباح الدم، فلا يجب قصاص بقتله. وحجة الجمهور في وجوب القصاص على القاتل، أنه محل لم يتحتم قتله، ولم يبح قتله لغير ولي الدم، فوجب بقتله القصاص. القصاص بين الابقاء والالغاء: لقد ثار الجدل فعلا حول عقوبة الاعدام، وتعرضت لها أقلام الكتاب، من الفلاسفة، ورجال القانون. أمثال: " روسو، وبنتام، وبكاريا " وغيرهم.

стр. 1291

ومنهم من أيدها، ومنهم من عارضها ونادى بإلغائها. واستند القائلون بإلغائها إلى الحجج الآتية: (أولا) أن العقاب حق تملكه الدولة باسم المجتمع الذي تذود عنه، وتقتضيه ضرورة المحافظة عليه وحمايته. والمجتمع لم يهب الفرد الحياة حتى يمكنه أن يحكم بمصادرتها. (ثانيا) ولان الظروف وسوء الحظ قد يحيطان ببرئ، فيقضى خطأ بإعدامه، وعند ذلك لا يمكن إصلاح هذا الخطأ، إذ لاسبيل إلى ارجاع حياة المحكوم عليه إليه. (ثالثا) ولان هذه العقوبة قاسية وغير عادلة. (رابعا) ولانها أخيرا غير لازمة، فلم يقم دليل على أن بقاءها يقلل من الجرائم التي تستوجب الحكم بها، ورد القائلون ببقاء عقوبة الاعدام على هذه الحجج: فقالوا عن الحجة الاولى: " وهي أن المجتمع لم يهب الفرد الحياة حتى يصادر حياته " بأن المجتمع أيضا لم يهب الناس الحرية، ومع ذلك فإنه يحكم بمصادرتها في العقوبات الاخرى المقيدة للحرية. والاخذ بالحجة على إطلاقها يستتبع حتما القول بعدم مشروعية كل عقوبة مقيدة للحرية. على أن الامر ليس وقفا على التكفير عن خطأ الجاني، ولكنه أيضا للدفاع عن حق المجتمع في البقاء، ببتر كل عضو يهدد كيانه ونظمه، الامر الذي يتحتم معه القول بأن عقوبة الاعدام ضرورة تقتضيها عصمة النفس، والمحافظة على كيان المجتمع. وقالوا عن الحجة الثانية، وهي: " أن العقوبة تحدث ضررا جسيما لا سبيل لاصلاحه ولا إيقافه - إذا حكم القضاء بها ظلما - " بأن احتمال الخطأ موجود في العقوبات الاخرى، ولا سبيل إلى تدارك ما تم تنفيذه خطأ. على أن حالات الاعدام خطأ تكاد تكون منعدمة، إذ أن القضاة يتحرجون عادة من الحكم بتلك العقوبة، ما لم تكن أدلة الاتهام صارخة. وردوا على القول ب " أنها غير عادلة " بأن الجزاء من جنس العمل. وأما القول بأنها غير لازمة، فمردود عليه بأن وظيفة العقوبة - في الرأي

стр. 1292

الراجح في علم العقاب - وظيفة نفعية: أي من مقتضاها حماية المجتمع من شرور الجريمة. وهذا يقتضي أن تكون العقوبة متناسبة مع درجة جسامة الجريمة، ذلك أن الجريمة تحقق هوى في نفس المجرم، يقابله خوفه من العقاب، وكلما كان العقاب متناسبا مع الجريمة أحجم الجاني عن الاقدام عليها، لانه سيوازن بين الامرين " بين الجريمة التي سيقدم على ارتكابها، وبين العقوبة المقررة لها، فيدفعه الخوف من العقاب إلى الاحجام عن الجريمة متى كانت العقوبة رادعة. وفي ظل هذين الرأيين أقرت غالبية القوانين عقوبة الاعدام، ومنها قانون العقوبات المصري، في حالات معينة، واستجابت بعض الدول لآراء من ثاروا عليها فألغتها من قوانينها. القصاص فيما دون النفس: وكما يثبت القصاص في النفس، فإنه يثبت كذلك فيما دونها. وهو نوعان: ١ - الاطراف. ٢ - الجروح. وقد أخبر القرآن الكريم عن نظام التوراة في القصاص في ذلك كله. فقال: " وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس، والعين بالعين والانف بالانف والاذن بالاذن، والسن بالسن، والجروح قصاص، فمن تصدق فهو كفارة له، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون " (١) أي أن الله كتب على اليهود في التوراة أن النفس تقتل بالنفس إذا قتلتها، " والعين تفقأ بالعين من غير فرق بين عين صغيرة وعين كبيرة " ولا بين عين شيخ وعين طفل. والانف يجدع بالانف. والاذن تقطع بالاذن.

стр. 1293

والسن تقلع بالسن. ولو كانت سن من يقتص منه أكبر من سن الآخر. والجروح يقتص فيها متى أمكن ذلك. فمن تصدق بالقصاص، بأن مكن من نفسه، فهو كفارة لما ارتكبه. وهذا الحكم، وإن كان كتب على من قبلنا، فهو شرع لنا، لتقرير النبي ﷺ له، فقد روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ أن الربيع بنت النضر بن أنس كسرت ثنية جارية، ففرضوا عليهم الارش، فأبوا إلا القصاص، فجاء أخوها أنس بن النضر، فقال: يارسول الله تكسر ثنية الربيع، والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها فقال النبي ﷺ : يا أنس " كتاب الله القصاص ". قال: فعفا القوم، فقال رسول الله ﷺ : " إن من عباد الله من لو أقسم على الله لابره ". وهذا كله العمد. أما الخطأ ففيه الدية. شروط القصاص فيما دون النفس: ويشترط في القصاص فيما دون النفس الشروط الآتية: ١ - العقل. ٢ - البلوغ (١) . ٣ - تعمد الجناية. ٤ - وأن يكون دم المجني عليه مكافئا لدم الجاني. وإنما يؤثر في التكافؤ: العبودية، والكفر، فلا يقتص من حر جرح عبدا أو قطع طرفه. ولا يقتص من مسلم جرح ذميا أو قطع طرفه كذلك، لعدم تكافؤ دمهما، لنقصان دم العبد عن دم الحر، ودم الذمي عن دم المسلم. وإذا لم يجب القصاص فإنه يجب بدله وهو الدية. وإذا كان الجرح من العبد أو الذمي وقع على حر أو مسلم اقتص منهما. ويرى الاحناف أنه يجب القصاص في الاطراف بين المسلم والكافر. وقالوا أيضا: لاقصاص بين الرجل والمرأة فيما دون النفس.

стр. 1294

القصاص في الأطراف: وضابط ما فيه القصاص من الاطراف، وما لاقصاص فيه: أن كل طرف له مفصل معلوم، كالمرفق، والكوع، ففيه القصاص، وما لا مفصل له فلا قصاص فيه، لانه يمكن المماثلة في الاول دون الثاني، فيقتص ممن قطع الاصبع من أصلها، أو قطع اليد من الكوع أو المرفق، أو قطع الرجل من المفصل، أو فقأ العين، أو جذع الانف، أو قطع الاذن، أو قلع السن، أو جب الذكر، أو قطع الانثيين. شروط القصاص في الاطراف: ويشترط في القصاص في الاطراف ثلاثة شروط: ١ - الامن من الحيف بأن يكون القطع من مفصل، أو يكون له حد ينتهي إليه، كما تقدمت أمثلة ذلك، فلا قصاص في كسر عظم غير السن، ولا جائفة، ولا بعض الساعد، لانه لا يؤمن الحيف في القصاص في هذه الاشياء. ٢ - المماثلة في الاسم والموضع، فلا تقطع يمين بيسار، ولا يسار بيمين، ولا خنصر ببنصر، ولاعكس، لعدم المساواة في الاسم، ولا يؤخذ أصلي بزائد - ولو تراضيا - لعدم المساواة في الموضع والمنفعة. ويؤخذ الزائد بمثله موضعا وخلقة. ٣ - استواء طرفي الجاني والمجني عليه في الصحة والكمال، فلا يؤخذ عضو صحيح بعضو أشل، ولايد صحيحة بيد ناقصة الاصابع، ويجوز العكس، فتؤخذ اليد الشلاء باليد الصحيحة. القصاص من جراح العمد: وأما جراح العمد، فلا يجب فيها القصاص إلا إذا كان ذلك ممكنا، بحيث يكون مساويا لجراح المجني عليه من غير زيادة ولا نقص. فإذا كانت المماثلة والمساواة لا يتحققان إلا بمجاوزة القدر، أو بمخاطرة، أو إضرار، فإنه لا يجب القصاص، وتجب الدية، لان الرسول ﷺ رفع القود في المأمومة، والمنقلة، والجائفة، وهذا حكم ما كان في معنى هذه من الجراح التي هي متالف: مثل كسر عظم الرقبة، والصلب، والفخذ، وما أشبه ذلك.

стр. 1295

والشجاج: وهي الجراحات التي تقع بالرأس والوجه لاقصاص فيها، إلا الموضحة إذا كانت عمدا. وسيأتي الكلام على بقية الشجاج في باب الديات. ولا قصاص في اللسان، ولا في كسر عظم، إلا في السن، لانه لا يمكن الاستيفاء من غير ظلم. ومن جرح رجلا " جائفة " فبرئ منها، أو قطع يده من نصف الساعد، فلا قصاص عليه، وليس له أن يقطع يده من ذلك الموضع، وله أن يقتص من الكوع، ويأخذ حكومة لنصف الساعد، ولو كسر عظم رجل سوى السن، كضلع، أو قطع يدا شلاء أو قدما لا أصابع فيها، أو لسانا أخرس، أو قلع عينا عمياء، أو قطع إصبعا زائدة، ففي ذلك كله حكومة عدل. اشتراك الجماعة في القطع أو الجرح: ذهبت الحنابلة إلى أنه إذا اشترك جماعة في قطع عضو، أو جرح يوجب القصاص، فإن لم نتميز أفعالهم، فعليهم جميعا القصاص، لما روى عن علي كرم الله وجهه: انه شهد عنده شاهدان على رجل بسرقة، فقطع يده. ثم جاء آخر، فقالا: هذا هو السارق، وأخطأنا في الاول، فرد شهادتهما على الثاني، وغر مهما دية الاول، وقال: " لو علمت أنكما تعمدتما لقطعتكما " وإن تفرقت أفعالهم، أو قطع كل واحد من جانب، فلا قود عليهم. وقال مالك والشافعي: يقتص منهم متى أمكن ذلك، فتقطع أعضاؤهم، ويقتص منهم بالجراحة. كما إذا اشترك جماعة في قتل نفس، فإنهم يقتلون بها. وذهب الاحناف والظاهرية: إلى أنه لا تقطع يدان في يد، فإذا قطع رجلان يد رجل، فلا قصاص على واحد منهما، وعليهما نصف الدية. القصاص في اللطمة والضربة والسب: يجوز للانسان أن يقتص ممن لطمه، أو لكزه، أو ضربه، أو سبه، لقول الله سبحانه: " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى

стр. 1296

عليكم، واتقوا الله ". (١) وقوله تعالى: " وجزاء سيئة سيئة مثلها ". (٢) وعلى هذا مضت السنة بالقصاص في ذلك. ويشترط أن يكون، اللطم، أو اللكز، أو الضرب، أو السب، الصادر من المجني عليه مساويا للطم، أو اللكز، أو الضرب، أو السلب الصادر من الجاني، لان ذلك هو مقتضى العدل الذي من أجله شرع القصاص. كما يشترط في القصاص في اللطمة ألا تقع في العين أو في موضع يخشى منه التلف. ويشترط في القصاص في السب خاصة، ألا يكون محرم الجنس، فليس له أن يكفر من كفره، أو يكذب على من كذب عليه، أو يلعن أب من لعن أباه، أو يسب أم من سب أمه، لان تكفير المسلم أو الكذب عليه مما هو محرم في الاسلام ابتداء، ولان أباه لم يلعنه حتى يلعنه. وكذلك أمه لم تشتمه فيسبها، له أن يلعن من لعنه، ويقبح من قبحه، ويقول الكلمة النابية، ويردها على وقائلها قصاصا. قال القرطبي: " فمن ظلمك فخذ حقك منه بقدر مظلمتك، ومن شتمك فرد عليه مثل قوله، ومن أخذ عرضك فخذ عرضه، لا تتعدى إلى أبويه، ولا ابنه أو قريبه، وليس لك أن تكذب عليه، وإن كذب عليك، فإن المعصية لا تقابل بالمعصية. فلو قال لك مثلا: يا كافر. جاز لك أن تقول له: أنت الكافر. وإن قال لك: يا زان، فقصاصك أن تقول له: يا كذاب، يا شاهد زور. ولو قلت له: يا زان كنت كاذبا، وأثمت في الكذب. وإن مطلك وهو غني - دون عذر - فقل: يا ظالم. يا آكل أموال الناس. قال النبي ﷺ : " لي الواجد يحل عرضه وعقوبته " (٣) .

стр. 1297

" أما عرضه فيما فسرناه، وأما عقوبته فالسجن يحبس فيه " (١) . انتهى. والقصاص في اللطمة، والضرب، والسب، ثابت عن الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة والتابعين. ذكر البخاري عن أبي بكر، وعلي، وابن الزبير، وسويد بن مفرن أنهم أقادوا من اللطمة وشبهها. قال ابن المنذر: " وما أصيب به من سوط، أو عصا، أو حجر، فكان دون النفس، فهو عمد، وفيه القود ". وهذا قول جماعة من أصحاب الحديث. وفي البخاري: " وأقاد عمر ﵁ من ضربة بالدرة. وأقاد علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، من ثلاثة أسواط، واقتص شريح من سوط وخموش ". وخالف في ذلك كثير من فقهاء الامصار، فقالوا: بعدم مشروعية القصاص في شئ من هذا، لان المساواة متعذرة في ذلك غالبا. وإذا كان لا يجب فيها القصاص فالواجب فيها التعزير. وقد رجح شيخ الاسلام ابن تيمية الرأي الاول، فقال: " وأما قول القائل: إن المماثلة في ذلك متعذرة، فيقال له: لابد لهذه الجناية من عقوبة: إما قصاص، وإما تعزير. فإذا جوز أن يكون تعزيرا غير مضبوط الجنس والقدر، فلان يعاقب بما هو أقرب إلى الضبط من ذلك أولى وأحرى. والعدل في القصاص معتبر بحسب الامكان. ومن المعلوم أن الضارب إذا ضرب مثل ضربته أو قريبا منها، كان هذا أقرب إلى العدل من أن يعزر بالضرب بالسوط. فالذي يمنع القصاص في ذلك - خوفا من الظلم - يبيح ما هو أعظم ظلما مما فر منه، فيعلم أن ما جاءت به السنة أعدل وأمثل " انتهى. القصاص في إتلاف المال: إذا أتلف إنسان مال غيره، كن يقطع شجره، أو يفسد زرعه، أو

стр. 1298

يهدم داره، أو يحرق ثوبه، فهل له أن يقتص منه فيفعل به مثل ما فعل؟ للعلماء في ذلك رأيان: ١ - رأي يرى أن القصاص في ذلك غير مشروع، لانه إفساد من جهة، ولان العقار والثياب غير متماثلة من جهة أخرى. ٢ - ورأي يرى شرعية ذلك، لان القصاص في الانفس والاطراف جائز، ولاشك أن الانفس والاطراف أعظم قدرا من الاموال. وإذا كان القصاص جائزا فيها، فالاموال - وهي دونها - من باب أولى. ولهذا جاز لنا أن نفسد أموال أهل الحرب إذا أفسدوا أموالنا، كقطع الشجر المثمر. وإن قيل بالمنع من ذلك لغير حاجة. ورجح ابن القم هذا الرأي، فقال: " إتلاف المال، فإن كان مما له حرمة، كالحيوان والعبيد، فليس له أن يتلف ماله كما أتلف ماله، وإن لم تكن له حرمة، كالثوب يشقه، والاناء يكسره، فالمشهور أنه ليس له أن يتلف عليه نظير ما أتلفه بل له القيمة أو المثل. والقياس يقتضي أن له أن يفعل بنظير ما أتلفه عليه، كما فعله الجاني به، فيشق ثوبه كما شق ثوبه، ويكسر عصاه كما كسر عصاه، إذا كانا متساويين، وهذا من العدل، وليس مع من منعه نص، ولاقياس، ولا إجماع، فإن هذا ليس بحرام لحق الله، وليست حرمة المال أعظم من حرمة النفوس والاطراف، فإذا مكنه الشارع أن يتلف طرفه بطرفه فتمكينه من إتلاف ماله في مقابلة ماله هو أولى وأحرى. وإن حكمة القصاص من التشفي، ودرك الغيظ، لا تحصل إلا بذلك. ولانه قد يكون له غرض في أذاه وإتلاف ثيابه، ويعطيه قيمتها، ولا يشق ذلك عليه، لكثرة ماله، فيشفي نفسه منه بذلك، ويبقى المجني عليه بغبنه وغيظه، فكيف يقع إعطاؤه القيمة من شفاء غيظه، ودرك ثأره، وبرد قلبه، وإذاقة الجاني من الاذى ما ذاقه هو. فحكمة هذه الشريعة الكاملة الباهرة، وقياسها معا يأبى ذلك. وقوله تعالى: " فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ".

стр. 1299

وقوله تعالى: " وجزاء سيئة سيئة مثلها ". وقوله تعالى: " وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ". يقتضي جوازا ذلك. وقد صرح الفقهاء بجواز إحراق زرع الكفار، وقطع أشجارهم، إذا كانوا يفعلون ذلك بنا. وهذا عين المسألة. وقد أقر الله سبحانه الصحابة على قطع نخل اليهود، لما فيه من خزيهم، وهذا يدل على أنه سبحانه يحب خزي الجاني الظالم، ويشرعه. وإذا جاز تحريق متاع الغال، لكونه تعدى على المسلمين في خيانتهم في شئ من الغنيمة، فلان يحرق ماله إذا حرق مال المسلم المعصوم، أولى وأحرى. وإذا شرعت العقوبة المالية في حق الله، الذي مسامحته به أكثر من استيفائه، فلان تشرع في حق العبد الشحيح أولى وأحرى. ولان الله سبحانه، شرع القصاص زجرا للنفوس عن العدوان، وكان من الممكن أن يوجب الدية استدراكا لظلامة المجني عليه بالمال، ولكن ما شرعه أكمل وأصلح للعباد، وأشفى لغيظ المجني عليه، وأحفظ للنفوس وللاطراف وإلا فمن كان في نفسه من الآخر - من قتله أو قطع طرفه - قتله أو قطع طرفه وأعطى ديته والحكمة والرحمة والمصلحة تأبى ذلك. وهذا بعينه موجود في العدوان على المال. فإن قيل: هذا ينجبر بأن يعطيه نظير ما أتلفه عليه. قيل: إذا رضي المجني عليه بذلك فهو كما لو رضي بدية طرفه، فهذا هو محض القياس، وبه قال الاحمدان: أحمد بن حنبل، وأحمد بن تيمية. قال في رواية موسى بن سعيد: " وصاحب الشئ يخير: إن شاء شق الثوب، وإن شاء أخذ مثله " انتهى. ضمان المثل: اتفق العلماء على أن من استهلك، أو أفسد شيئا من المطعوم، أو المشروب أو الموزون، فإنه يضمن مثله.

стр. 1300

قالت عائشة ﵂: " ما رأيت صانع طعام مثل صفية، صنعت لرسول الله ﷺ طعاما، فبعثت به، فأخذني أفكل (١) ، فكسرت الاناء، فقلت: يا رسول الله. ما كفارة ما صنعت؟ فقال: إناء مثل إناء، وطعام مثل طعام ". رواه أبو داود. واختلفوا فيما إذا كان ما استهلك، أو أفسد، مما لا يكال ولا يوزن. فذهبت الاحناف والشافعية: إلى أن على من استهلكه أو أفسده، ضمان المثل، ولا يعدل عنه إلى القيمة إلا عند عدم المثل لقول الله تعالى: " فمن اعتدى عليكم، فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ". وهذا عام في الاشياء جميعها، ويؤيده حديث عائشة المتقدم. وذهبت المالكية إلى أنه يضمن القيمة، لا المثل (٢) الاعتداء بالجرح أو أخذ المال إذا تعدى إنسان على آخر بالجرح، أو بأخذ المال، فهل للمعتدى عليه، أن يأخذ حقه بنفسه إذا ظفر به؟ للعلماء في هذه المسألة أكثر من رأي، وقد رجح القرطبي الجواز فقال: " والصحيح جواز ذلك، كيفما توصل إلى أخذ حقه، ما لم يعد سارقا، وهو مذهب الشافعي، وحكاه الداودي عن مالك، وقال به ابن المنذر، واختاره ابن العربي، وأن ذلك ليس خيانة، وإنما هو وصول إلى حق، وقال رسول الله ﷺ : " أنصر أخاك ظالما أو مظلوما ". وأخذ الحق من الظالم نصر له. وقال رسول الله ﷺ لهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان لما قالت له: إن أبا سفيان رجل شحيح، لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني،
следующие страницы →