← Фикх общий

Фикх общий · id 9486

فقه السنة

سيد سابق

Полный текст (2 120 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

متى تشرع الحرب وإذا كانت القاعدة هي السلام، والحرب هي الاستثناء فلا مسوغ لهذه الحرب - في نظر الاسلام - مهما كانت الظروف، إلا في إحدى حالتين: (الحالة الاولى) حالة الدفاع عن النفس، والعرض، والمال، والوطن عند الاعتداء. يقول الله تعالى: " وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم. ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ". (١) وعن سعد بن زيد، أن النبي ﷺ ، قال: " من قتل دون ماله، فهو شهيد، ومن قتل دون دمه، فهو شهيد، ومن قتل دون دينه، فهو شهيد، ومن قتل دون أهله، فهو شهيد ". رواه أبو داود والترمذي والنسائي. ويقول الله سبحانه: " ومالنا ألا تقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا ". (٢) (الحالة الثانية) حالة الدفاع عن الدعوة إلى الله إذا وقف أحد في سبيلها. بتعذيب من آمن بها، أو بصد من أراد الدخول فيها، أو بمنع الداعي من تبليغها، ودليل ذلك: (أولا) أن الله سبحانه يقول: " وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه، فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين - فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم - وقاتلوهم حتى

стр. 1367

لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين " (١) وقد تضمنت هذه الايات ما يأتي: ١ - الامر بقتال الذين يبدءون بالعدوان ومقاتلة المعتدين، لكف عدوانهم. والمقاتلة دفاعا عن النفس أمر مشروع في كل الشرائع، وفي جميع المذاهب، وهذا واضح من قوله تعالى: " وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم " ٢ - أما الذين لا يبدءون بعدوان، فإنه لا يجوز قتالهم ابتداء، لان الله نهى عن الاعتداء، وحرم البغي والظلم في قوله: " ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ". ٣ - وتعليل النهي عن العدوان بأن الله لا يحب المعتدين دليل على أن هذا النهي محكم غير قابل للنسخ، لان هذا إخبار بعدم محبة الله للاعتداء والاخبار لا يدخله النسخ لان الاعتداء هو الظلم، والله لا يحب الظلم أبدا. ٤ - أن لهذه الحرب المشروعة غاية تنتهي إليها، وهي منع فتنة المؤمنين والمؤمنات، بترك إيذائهم، وترك حرياتهم ليمارسوا عبادة الله ويقيموا دينه، وهم آمنون على أنفسهم من كل عدوان. (ثانيا) يقول الله سبحانه: " ومالكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا ". (٢) وقد بينت هذه الاية سببين من أسباب القتال: (أولهما) القتال في سبيل الله، وهو الغاية التي يسعى إليها الدين، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله. (وثانيهما) القتال في سبيل المستضعفين، الذين أسلموا بمكة، ولم يستطيعوا الهجرة، فعذبتهم قريش وفتنتهم حتى طلبوا من الله الخلاص،

стр. 1368

فهؤلاء لا غنى لهم عن الحماية التي تدفع عنهم أذى الظالمين، وتمكنهم من الحرية، فيما يدينون ويعتقدون. (ثالثا) يقول الله سبحانه: " فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم، فما جعل الله لكم عليهم سبيلا ". (١) فهؤلاء القوم الذين لم يقاتلوا قومهم، ولم يقاتلوا المسلمين واعتزلوا محاربة الفريقين، وكان اعتزالهم هذا اعتزالا حقيقيا يريدون به السلام، فهؤلاء لا سبيل للمؤمنين عليهم. (رابعا) أن الله تعالى يقول: " وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم - وإن يريدوا أن يخدعوكم فإن حسبك الله ". (٢) ففي هذه الآية الامر بالجنوح إلى السلم إذا جنح العدو إليها، حتى ولو كان جنوحه خداعا ومكرا. (خامسا) أن حروب الرسول ﷺ كانت كلها دفاعا، ليس فيها شئ من العدوان. وقتال المشركين من العرب، ونبذ عهودهم بعد فتح مكة كان جاريا على هذه القاعدة. وهذا بين في قوله تعالى: " ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين - قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين - ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء الله عليم حكيم (٣) ". ولما تجمعوا جميعا ورموا المسلمين عن قوس واحدة، أمر الله بقتالهم جميعا يقول الله سبحانه: " وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم

стр. 1369

كافة، واعلموا أن الله مع المتقين ". (١) وأما قتال اليهود، فإنهم كانوا قد عاهدوا رسول الله ﷺ بعد هجرته، ثم لم يلبثوا أن نقضوا العهد وانضموا إلى المشركين والمنافقين ضد المسلمين، ووقفوا محاربين لهم في غزوة الاحزاب، فأنزل الله سبحانه: " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله، ولا باليوم الآخر، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق من الذين أوتو الكتاب، حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ". (٢) وقال أيضا: " يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار، وليجدوا فيكم غلظة، واعلموا أن الله مع المتقين " (٣) (سادسا) أن النبي ﷺ مر على امرأة مقتولة، فقال: " ما كانت هذه لتقاتل ". فعلم من هذا أن العلة في تحريم قتلها أنها لم تكن تقاتل مع المقاتلين، فكانت مقاتلتهم لنا هي سبب مقاتلتنا لهم، ولم يكن الكفر هو السبب. (سابعا) أنه ﷺ نهى عن قتل الرهبان والصبيان، لنفس السبب الذي نهى من أجله عن قتل المرأة. (ثامنا) أن الاسلام لم يجعل الاكراه وسيلة من وسائل الدخول في الدين، بل جعل وسيلة ذلك استعمال العقل وإعمال الفكر، والنظر في ملكوت السموات والارض. يقول الله سبحانه: " ولو شاء ربك لآمن من في الارض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين، وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون - قل انظروا ماذا في السموات والارض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون ". (٤) وقال: " لاإكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ". (٥)

стр. 1370

وقد ثبت أن النبي ﷺ كان يأسر الاسرى، ولم يعرف أنه أكره أحدا منهم على الاسلام. وكذلك كان أصحابه يفعلون. روى أحمد عن أبي هريرة " أن ثمامة الحنفي أسر وكان النبي ﷺ يغدو عليه فيقول: " ما عندك يا ثمامة؟..". فيقول: إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تمنن تمنن على شاكر، وإن ترد المال نعطك منه ما شئت. وكان أصحاب رسول الله ﷺ يحبون الفداء، ويقولون: ما نصنع بقتل هذا، فمر عليه رسول الله ﷺ فأسلم، فحله، وبعث به إلى حائط أبي طلحة، وأمره أن يغتسل، فاغتسل وصلى ركعتين. فقال النبي ﷺ : " لقد حسن إسلام أخيكم ". أما النصارى وغيرهم فلم يقاتل الرسول ﷺ أحدا منهم. حتى أرسل رسله بعد صلح الحديبية إلى جميع الملوك يدعوهم إلى الاسلام، فأرسل إلى قيصر، وإلى كسرى، وإلى المقوقس، وإلى النجاشي وملوك العرب بالشرق والشام، فدخل في الاسلام من النصارى وغيرهم من دخل، فعمد النصارى بالشام فقتلوا بعض من قد أسلم. فالنصارى حاربوا المسلمين أولا، وقتلوا من أسلم منهم بغيا وظلما. فلما بدأ النصارى بقتل المسلمين أرسل الرسول سرية أمر عليها زيد بن حارثة، ثم جعفرا، ثم أمر عبد الله بن رواحة، وهو أول قتال قاتله المسلمون للنصارى - بمؤتة من أرض الشام - واجتمع على أصحابه خلق كثير من النصارى، واستشهد الامراء ﵃، وأخذ الراية خالد بن الوليد. ومما تقدم يتبين بجلاء، أن الاسلام لم يأذن بالحرب إلا دفعا للعدوان، وحماية للدعوة، ومنعا للاضطهاد، وكفاية لحرية التدين، فإنها حينئذ تكون فريضة من فرائض الدين، وواجبا من واجباته المقدسة ويطلق عليها اسم " الجهاد ".

стр. 1371

الجهاد: الجهاد مأخوذ من الجهد وهو الطاقة والمشقة، يقال: جاهد يجاهد جهادا ومجاهدة، إذا استفرغ وسعه، وبذل طاقته، وتحمل المشاق في مقاتلة العدو ومدافعته، وهوما يعبر عنه بالحرب في العرف الحديث، والحرب هي القتال المسلح بين دولتين فأكثر، وهي أمر طبيعي في البشر، لاتكاد تخلو منه أمة ولا جيل وقد أقرته الشرائع الالهية السابقة. ففي أسفار التوراة التي يتداولها اليهود، تقرير شريعة الحرب والقتال في أبشع صورة من صور التخريب والتدمير والاهلاك والسبي. فقد جاء في سفر التثنية في الاصحاح العشرين عدد ١٠ ومابعده، ما يأتي نصه: " حين تقرب من مدينة لكي تحاربها استدعها إلى الصلح، فإن أجابتك إلى الصلح وفتحت لك، فكل الشعب الموجود فيها يكون لك بالتسخير، ويستعبد لك، وإن لم تسالمك، بل عملت معك حربا، فحاصرها، وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك، فاضرب جميع ذكورها بحد السيف، وأما النساء، والاطفال، والبهائم، وكل ما في المدينة، كل غنيمتها فتغنمها لنفسك، وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الرب إلهك، هكذا تفعل بجميع المدن البعيدة منك جدا، التي ليست من مدن هؤلاء الامم هنا، وأما مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيك الرب إلهك نصيبا فلا تبق منها نسمة ما، بل تحرمها تحريما - الحثيين والاموريين، والكنعانيين، والفرزيين، والحويين، واليوسيين، كما أمرك الرب إلهك ". وفي إنجيل متى المتداول بأيدي المسيحيين، في الاصحاح العاشر عدد ٢٤ وما بعده يقول: " لا تظنوا أني جئت لالقي سلاما على الارض، ما جئت لالقي سلاما، بل سيفا، فإنني جئت لافرق الانسان ضد أبيه والابنة ضد أمها، والكنة ضد

стр. 1372

حماتها، وأعداء الانسان أهل بيته، من أحب أبا أو أما أكثر مني، فلا يستحقني، ومن أحب ابنا أو ابنة أكثر مني، فلا يستحقني، ومن لا يأخذ صليبه ويتبعني، فلا يستحقني، ومن وجد حياته يضيعها، ومن أضاع حياته من أجلي يجدها ". والقانون الدولي أقر الظروف والاحوال التي تشرع فيها الحرب، ووضع لها القواعد، والمبادئ، والنظم، التي تخفف من شرورها وويلاتها، وإن كان لم يتم شئ من ذلك عند التطبيق. تشريع الجهاد في الاسلام أرسل الله رسوله إلى الناس جميعا، وأمره أن يدعو إلى الهدى ودين الحق ولبث في مكة يدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة. وكان لابد من أن يلقى مناوأة من قومه الذين رأوا أن الدعوة الجديدة خطر على كيانهم المادي والادبي. فكان توجيه الله له أن يلقى هذه المناوأة بالصبر، والعفو، والصفح الجميل. " واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا ". (١) " فاصفح عنهم، وقل سلام، فسوف يعلمون ". (٢) " فاصفح الصفح الجميل ". (٣) " قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ". (٤) ولم يأذن الله بأن يقابل السيئة بالسيئة، أو يواجه الاذى بالاذى، أو يحارب الذين حاربوا الدعوة، أن يقاتل الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات. " ادفع بالتي هي أحسن السيئة، نحن أعلم بما يصفون ". (٥)

стр. 1373

وكل ما أمر به جهادا في هذه الفترة أن يجاهد بالقرآن، والحجة، والبرهان. " وجاهدهم جهادا كبيرا ". (١) ولما اشتد الاذى، وتتابع الاضطهاد حتى وصل قمته بتدبير مؤامرة لاغتيال الرسول الكريم، اضطر أن يهاجر من مكة إلى المدينة، ويأمر أصحاب بالهجرة إليها بعد ثلاث عشرة سنة من البعثة. " وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ". (٢) " إلا تنصروه، فقد نصره الله ". (٣) وفي المدينة - عاصمة الاسلام الجديدة - تقرر الاذن بالقتال حين أطبق عليهم الاعداء، واضطروا إلى امتشاق الحسام، دفاعا عن النفس، وتأمينا للدعوة. وكان أول آية نزلت قول الله سبحانه: " أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا، وإن الله على نصرهم لقدير. الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا: ربنا الله - ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز - الذين إن مكناهم في الارض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الامور ". (٤) وفي هذه الآيات تعليل للاذن بالقتال بأمور ثلاثة: ١ - انهم ظلموا بالاعتداء عليهم، وإخراجهم من ديارهم بغير حق إلا أن يدينوا دين الحق، ويقولوا: ربنا الله. ٢ - انه لولا إذن الله للناس بمثل هذا الدفاع، لهدمت جميع المعابد التي يذكر فيها اسم الله كثيرا، بسبب ظلم الكافرين الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر.

стр. 1374

٣ - ان غاية النصر، والتمكين في الارض، والحكم: إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والامر بالمعروف، والنهي عن المنكر. ايجابه وفي السنة الثانية من الهجرة، فرض الله القتال، وأوجبه بقوله تعالى: " كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون ". (١) الجهاد فرض كفاية (٢) : والجهاد ليس فرضا على كل فرد من المسلمين، وإنما هو فرض على الكفاية إذا قام به البعض، واندفع به العدو، وحصل به الغناء، سقط عن الباقين. (٢) من الفرائض ما يجب على كل فرد أن يقوم به ولا يسقط بإقامة البعض له، مثل: الايمان، والطهارة، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج. فهذه فرائض عينية، يلزم كل فرد أداؤها، ولا يحل له أن يقصر فيها. ومن الفرائض ما يجب على بعض الناس دون البعض الآخر، وتسمى هذه الفرائض بفروض الكفاية وهي أنواع: ١ - النوع الاول ديني، مثل: العلم، والتعلم، وحكم الشبهات، والرد على الشكوك التي تثار حول الاسلام، وصلاة الجنازة، وإقامة الجماعة، والآذان، ونحو ذلك. ٢ - والنوع الثاني ما يتصل بإصلاح النظام المعيشي، مثل: الزراعة، والصناعة، والطب، ونحو ذلك من الحرف التي يضر تعطيلها أمر الدين والدنيا. ٣ - والنوع الثالث من الفروض الكفائية ما يشترط فيه الحاكم، مثل: الجهاد، وإقامة الحدود فإن هذه من حق الحاكم وحده، وليس لاي فرد أن يقيم الحد على غيره. ٤ - والنوع الرابع ما لا يشترط فيه الحاكم، مثل: الامر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الفضائل، ومطاردة الرذائل. فهذه الفروض الكفائية لا تجب على كل فرد، وإنما الواجب أن ينهض بها بعض الافراد، فإذا قاموا بها، وحصلت بهم الكفاية، سقط الوجوب عن الافراد جميعا. وإذا لم يقوموا بها، أثموا جميعا.

стр. 1375

يقول الله تعالى: " وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون. " (١) وقال سبحانه: " يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا ". (٢) وفي البخاري " ويذكر عن ابن عباس " انفروا ثبات ": سرايا متفرقين. وقال سبحانه: " لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة كلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما ". (٣) وروى مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ ، بعث بعثا إلى بني لحيان - من هذيل - فقال: " لينبعث من كل رجلين أحدهما، والاجر بينهما ". ولانه لو وجب على الكل لفسدت مصالح الناس الدنيوية، فوجب أن لا يقوم به إلا البعض. متى يكون الجهاد فرض عين؟ ولايكون الجهاد فرض عين إلا في الصور الآتية: ١ - أن يحضر المكلف صف القتال، فإن الجهاد يتعين في هذه الحال. يقول الله سبحانه: " يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا ". (٤)

стр. 1376

ويقول الله ﵎: " يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الادبار ". (١) ٢ - إذا حضر العدو المكان أو البلد الذي يقيم به المسلمون، فإنه يجب على أهل البلد جميعا أن يخرجوا لقتاله، ولا يحل لاحد أن يتخلى عن القيام بواجبه نحو مقاتلته إذا كان لا يمكن دفعه إلا بتكتلهم عامة، ومناجزتهم إياه. يقول الله : " يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار ". (٢) ٣ - إذا استنفر الحاكم أحدا من المكلفين، فإنه لا يسعه أن يتخلى عن الاستجابة إليه. لما رواه ابن عباس ﵄، ان النبي ﷺ قال: " لاهجرة بعد الفتح، ولكن جهادونية، وإذا استنفرتم فانفروا " (٣) رواه البخاري. أي إذا طلب منكم الخروج إلى الحرب فاخرجوا. يقول الله سبحانه: " يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الارض أرضيتم بالحياة الدنيا من الاخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل ". (٤) على من يجب؟ يجب الجهاد على المسلم، الذكر، العاقل، البالغ، الصحيح، الذي يجد من المال ما يكفيه ويكفي أهله حتى يفرغ من الجهاد. فلا يجب على غير المسلم، ولا على المرأة، ولا على الصبي، ولا على المجنون، ولا على المريض، فلا حرج على واحد من هؤلاء في التخلف عن

стр. 1377

الجهاد، لان ضعفهم يحول بينهم وبين الكفاح، وليس لهم غناء يعتد به في الميدان. وربما كان وجودهم أكثر ضررا، مع قلة نفعه. وفي هذا يقول الله سبحانه: " ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ". (١) ويقول الله ﵎: " ليس على الاعمى حرج ولا على الاعرج حرج ولاعلى المريض حرج ". (٢) وعن ابن عمر ﵄، قال: " عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني ". رواه: البخاري ومسلم. ولانه عبادة، فلا يجب إلا على بالغ. روى أحمد، والبخاري، عن عائشة ﵂، قالت: " قلت: يا رسول الله، هل على النساء جهاد؟..قال: جهاد لاقتال فيه: الحج والعمرة ". وفي رواية: لكن أفضل الجهاد حج مبرور. وروى الواحدي، والسيوطي، في " الدر المنثور " عن مجاهد، قال: " قالت أم سلمة ﵂: يا رسول الله، تغزو الرجال ولا نغزو، وإنما لنا نصف الميراث؟! ". فأنزل الله تعالى: " ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله إن الله كان بكل شئ عليما ". (٣) ورويا عن عكرمة أن النساء سألن الجهاد، فقلن:

стр. 1378

" وددنا أن الله جعل لنا الغزو فنصيب من الاجر ما يصيب الرجال "، فنزلت الآية. وهذا لايمنع من خروجهن للتمريض ونحوه. عن أنس ﵁ قال: " لما كان يوم أحد، انهزم الناس عن النبي ﷺ ، ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكرو أم سليم وإنهما لمشمرتان، أرى خدم سوقهما (١) تنقلان القرب على متونهما، ثم تفرغانها في أفواه القوم ثم ترجعان فتملآنها ثم تجيئان فتفر غانها في أفواه القوم ". رواه الشيخان. وعنه قال: " كان النبي ﷺ يغزو بأم سليم ونسوة من الانصار معه، فيسقين الماء، ويداوين الجرحى ". رواه مسلم، وأبو داود، والترمذي. اذن الوالدين الجهاد الواجب لا يعتبر فيه إذن الوالدين. أما جهاد التطوع، فإنه لابد فيه من إذن الوالدين المسلمين الحرين، أو إذن أحدهما. قال ابن مسعود: " سألت رسول الله ﷺ : أي العمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها. قلت: ثم أي: قال: بر الوالدين. قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله ". رواه البخاري، ومسلم. وقال ابن عمر ﵄: " جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فاستأذنه في الجهاد. فقال: أحي والداك؟ قال: نعم؟ قال: ففيهما فجاهد ". رواه البخاري، وأبو داود، والنسائي، والترمذي وصححه. وفي كتاب شرعة الاسلام: " ولا يخرج إلى الجهاد إلامن كان فارغا عن الاهل والاطفال وعن خدمة الوالدين، فإن ذلك مقدم على الجهاد، بل هو أفضل الجهاد ".

стр. 1379

اذن الدائن وكذلك لا يتطوع به مدين لا وفاء له إلا مع إذن، أو وهن محرز، أو كفيل ملئ. فعند أحمد، ومسلم، من حديث أبي قتادة: أرأيت إن قتلت في سبيل الله تكفر عني خطاياي؟ فقال رسول الله ﷺ : " نعم وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر، إلا الدين، فإن جبريل قال لي ذلك ". الاستعانة بالفجرة والكفرة على الغزو يجوز الاستعانة بالمنافقين، والفسقة، على قتال الكفرة، وقد كان عبد الله بن أبي ومن معه من المنافقين يخرجون للقتال مع رسول الله ﷺ . وقصة أبي محجن الثقفي - الذي كان يدمن شرب الخمر - وبلاؤه في حرب فارس مشهورة. وأما قتال الكفرة مع المسلمين فاختلفت فيها آراء الفقهاء: فقال مالك وأحمد: " لا يجوز أن يستعان بهم، ولا أن يعاونوا على الاطلاق ". قال مالك: " إلا أن يكونوا خداما للمسلمين، فيجوز ". وقال أبو حنيفة: " يستعان بهم، ويعاونون على الاطلاق، الاسلام هو الغالب الجاري عليهم، فإن كان حكم الشرك هو الغالب كره ". وقال الشافعي: يجوز ذلك بشرطين: (أحدهما) أن يكون بالمسلمين قلة ويكون بالمشركين كثرة. (والثاني) أن يعلم من المشركين حسن رأي في الاسلام وميل إليه. ومتى استعان بهم رضخ لهم ولم يسهم: أي أعطاهم مكافأة ولم يشركهم في سهام المسلمين من الغنيمة.

стр. 1380

الاستنصار بالضعفاء: ١ - عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص قال: رأى أبي أن له فضلا على من دونه، فقال النبي ﷺ : " هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟! ". رواه البخاري، والنسائي. ولفظ النسائي: " إنما ينصر الله هذه الامة بضعيفها، بدعوتهم، وصلاتهم وإخلاصهم ". ٢ - وعن أبي الدرداء، قال: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: " ابغوني في الضعفاء، فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم ". رواه أصحاب السنن. ٣ - وعن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: " رب أشعث، مدفوع بالباب، لو أقسم على الله لابره " (١) .

стр. 1381

فضل الجهاد: الجهاد أفضل نوع من أنواع التطوع: الجهاد: إعلاء لكلمة الله، وتمكين لهدايته في الارض، وتركيز للدين الحق، ومن ثم كان أفضل من تطوع الحج، والعمرة، وأفضل من تطوع الصلاة، والصوم. وهومع ذلك ينتظم كل لون من ألوان العبادات، سواء منها ما كان من عبادات الظاهر أو الباطن، فإن فيه من عبادات الباطن الزهد في الدنيا، ومفارقة الوطن، وهجرة الرغبات، حتى سماه الاسلام " الرهبنة ". فقد جاء في الحديث: " رهبانية أمتي: الجهاد في سبيل الله ". وفيه من التضحيه بالنفس، والمال، وبيعهما لله، ما هو ثمرة من ثمرات الحب، والايمان، واليقين، والتوكل. " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والانجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم ". (١) وقد عظم الاسلام أمره، ونوه به في عامة السور المدنية وذم التاركين له، والمعرضين عنه، ووصفهم بالنفاق ومرض القلب. المجاهد خير الناس المجاهد خير الناس عن ابن عباس ﵁: أن النبي ﷺ ، قال: " ألا أخبركم بخير الناس؟ رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله.

стр. 1382

ألا أخبركم بالذي يتلوه: رجل معتزل في غنيمة له يؤدي حق الله فيها. ألا أخبركم بشر الناس: رجل يسأل باللهولا يعطي به ". وسئل النبي ﷺ ، أي الناس أفضل؟ قال: " مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله ". قالوا: ثم من؟ قال: " مؤمن في شعب من الشعاب يتقي الله ويدع الناس من شره ". فقوله ﷺ : " ثم مؤمن في شعب بن الشعاب يعبد ربه ويدع الناس من شره " فيه دليل لمن قال بتفضيل العزلة عن الاختلاط، وفي ذلك خلاف مشهور. فمذهب الشافعي، وأكثر العلماء، أن الاختلاط أفضل بشرط رجاء السلامة من الفتن. ومذهب طوائف أن الاعتزال أفضل. وأجاب الجمهور عن هذا الحديث بأنه محمول على الاعتزال في زمن الفتن والحروب، أو هو فيمن لا يسلم الناس منه ولا يصبر عليهم، أو نحو ذلك من الخصوص. وقد كانت الانبياء صلوات الله عليهم، وجماهير الصحابة والتابعين والعلماء والزهاد مختلطين، فيحصلون منافع الاختلاط، كشهود الجمعة، والجماعة، والجنائز، وعيادة المرضى، وحلق الذكر، وغير ذلك. وأما الشعب، فهو: ما انفرج بين جبلين، وليس المراد نفس الشعب خصوصا، بل المراد: الانفراد والاعتزال، وذكر الشعب مثالا، لانه خال من الناس غالبا. وهذا الحديث نحو الحديث الآخر، حين سئل ﷺ عن النجاة، فقال: " أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك ". الجنة للمجاهد روى الترمذي: أن رجلا مالت نفسه إلى العزلة، فسأل النبي صلى

стр. 1383

الله عليه وسلم عنها، فقال: " لا تفعل، فإن مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من صلاته في بيته سبعين عاما، ألا تحبون أن يغفر الله لكم ويدخلكم الجنة: اغزوا في سبيل الله. من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة ". المجاهد يرتفع مائة درجة في الجنة: عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن النبي ﷺ قال: " يا أبا سعيد، من رضي بالله ربا، وبالاسلام دينا، وبمحمد نبيا وجبت له الجنة ". فعجب لها أبو سعيد، فقال: أعدها علي يا رسول الله، ففعل. ثم قال: " وأخرى يرفع بها العبد مائة درحة في الجنة ما بين كل درجتين، كما بين السماء والارض ". قال: وما هي يا رسول الله؟ قال: " الجهاد في سبيل الله، الجهاد في سبيل الله ". وقال رسول الله ﷺ : " إن في الجنة مائة درجة، أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، مابين الدرجتين كما بين السماء والارض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة ". الجهاد لا يعد له شئ: عن أبي هريرة ﵁ قال: قيل يا رسول الله ما يعدل الجهاد في سبيل الله عزوجل؟ قال: " لا تستطيعونه ". فأعاد عليه مرتين، أو ثلاثا، كل ذلك يقول " لا يستطيعونه ". وقال في الثالثة: " مثل المجاهد في سيبل الله كمثل الصائم القائم القانت

стр. 1384

بآيات الله، لايفتر من صلاة ولا صيام حتى يرجع المجاهد في سبيل الله ". رواه الخمسة. فضل الشهادة: قال رسول الله ﷺ : " لا يكلم أحد في سيبل الله - والله أعلم بمن يكلم في سبيل الله - إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب دما، اللون لون الدم، والريح ريح المسك ". قال محمد بن إبراهيم: أملى علي عبد الله بن المبارك حين ودعته للخروج هذه الابيات، وأرسلها معي إلى الفضيل بن عياض: يا عابد الحرمين لو أنصرتنا لعلمت أنك في العبادة تلعب من كان يخضب خذه بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضب أو كان يتعب خيله في باطل فخيولنا يوم الصبيحة تتعب ريح العبير لكم، ونحن عبيرنا وهج السنابك والغبار الاطيب ولقد أتانا من مقال نبينا قول صحيح صادق ... لا يكذب لا يستوي غبار أهل الله في أنف امرئ ودخان نار، لا يكذب هذا كتاب الله ينطق بيننا ليس الشهيد بميت، لا يكذب قال: فلقيت الفضيل بن عياض بكتابه في المسجد الحرام، فلما قرأه ذرفت عيناه وقال: صدق أبو عبد الرحمن، ونصحني، ثم قال:

стр. 1385

أأنت ممن يكتب الحديث؟ قلت: نعم. قال: فاكتب هذا الحديث، أجر حملك كتاب أبي عبد الرحمن إلينا. وأملى علي الفضيل بن عياض: " حدثنا منصور بن المعتمر، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ أن رجلا قال: يا رسول الله علمني عملا أنال به ثواب المجاهدين في سبيل الله. فقال: " هل تستطيع أن تصلي فلاتفتر، وتصوم فلا تفطر؟ " فقال: يا رسول الله، أنا أضعف من أن أستطيع ذلك. ثم قال النبي ﷺ : " فوالذي نفسي بيده لو طوقت ذلك ما بلغت المجاهدين في سبيل الله. أو ما علمت أن المجاهد ليستن في طوله فيكتب له بذلك الحسنات ". وقال رسول الله ﷺ لاصحابه: " لما أصيب إخوانكم بأحد، جعل الله أرواحهم في جوف طير خضر، ترد أنهار الجنة، وتأكل من نمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب، معلقة في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم، ومشربهم، ومقيلهم، قالوا: من يبلغ إخواننا عنا أنا أحياء في الجنة نرزق، لئلا يزهدوا في الجهاد، فقال الله تعالى: " أنا أبلغهم عنكم ". وأنزل: " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون - فرحين بما آتاهم الله من فضله، ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولاهم يحزنون - يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين ". (١) وقال الرسول ﷺ : " أرواح الشهداء في حواصل طير خضر، تسرح في الجنة حيث شاءت ". وقال ﷺ : " الشهيد لا يجد ألم القتل إلا كما يجد أحدكم ألم القرصة ". (٢)

стр. 1386

وقال ﷺ : " أفضل الجهاد أن يعقر (١) جوادك، ويراق (٢) دمك ". عن جابر بن عتيك، أن النبي ﷺ قال: " الشهادة سبع - سوى القتل في سبيل الله -: المطعون (٣) شهيد، والغرق (٤) شهيد، وصاحب ذات الجنب (٥) شهيد، والمبطون (٦) شهيد، وصاحب الحرق شهيد، والذي يموت تحت الهدم شهيد، والمرأة تموت بجمع (٧) شهيدة ". روه أحمد، وأبو داود، والنسائي بسند صحيح. وعن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ ، قال: " ما تعدون الشهيد فيكم "؟ قالوا: يا رسول الله: من قتل في سبيل الله، فهو شهيد. قال: " إن شهداء أمتي إذن لقليل ". قالوا: فمن هم يا رسول الله؟ قال: " من قتل في سبيل الله، فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله (٨) ، فهو شهيد، ومن مات في الطاعون، فهو شهيد، ومن مات في البطن، فهو شهيد، والغريق شهيد ". رواه مسلم. وعن سعيد بن زيد، أن النبي ﷺ ، قال: " من قتل دون ماله، فهو شهيد، ومن قتل دون دمه، فهو شهيد، ومن قتل دون دينه، فهو شهيد، ومن قتل دون أهله، فهو شهيد ". رواه أحمد، والترمذي، وصححه. قال العلماء: " المراد بشهادة هؤلاء كلهم، غير المقتول في سبيل الله،

стр. 1387

أنهم يكون لهم في الآخرة ثواب الشهداء، وأما في الدنيا، فيغسلون، ويصلى عليهم. " وبيان هذا، أن الشهداء ثلاثة أقسام: شهيد في الدنيا والآخرة، وهو المقتول في حرب الكفار، وشهيد في الآخرة دون أحكام الدنيا، وهم هؤلاء المذكورون هنا، وشهيد في الدنيا دون الآخرة، وهو من غل من الغنيمة (١) أو قتل مدبرا ". وعن عبد الله بن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: " يغفر الله للشهيد كل ذنب، إلا الدين ". ويلحق بالدين مظالم العباد، مثل: القتل، وأكل أموال الناس بالباطل، ونحو ذلك. الجهاد لاعلاء كلمة الله: إن الجهاد لا يسمى جهادا حقيقيا إلا أذا قصد به وجه الله، وأريد به إعلاء كلمته، ورفع راية الحق، ومطاردة الباطل، وبذل النفس في مرضاة الله، فإذا أريد به شئ دون ذلك من حظوظ الدنيا، فإنه لا يسمى جهادا على الحقيقة. فمن قاتل ليحظى بمنصب، أو يظفر بمغنم، أو يظهر شجاعة، أو ينال شهرة، فإنه لانصيب له في الاجر، ولاحظ له في الثواب. فعن أبي موسى، قال: " جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: الرجل يقاتل للمغنم (٢) والرجل يقاتل للذكر (٣) ، والرجل يقاتل ليرى مكانه (٤) ، فمن في سبيل الله؟ فقال: " من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله ".

стр. 1388

وروى أبو داود، والنسائي: أن رجلا قال: يا رسول الله: أرأيت رجلا غزا يلتمس الاجر والذكر، ماله؟ فقال ﷺ : " لاشئ له ". فأعادها عليه ثلاث مرات: فقال: " لاشئ له، إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا، وابتغي به وجهه ". إن النية: هي روح العمل، فإذا تجرد العمل منها، كان عملا ميتا، لاوزن له عند الله. روى البخاري عن عمر بن الخطاب ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: " إنما الاعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى ". وإن الاخلاص هو الذي يعطي الاعمال قيمتها الحقيقية، ومن ثم فإن المرء قد يبلغ بالاخلاص درجة الشهداء، ولو لم يستشهد. يقول الرسول ﵊: " من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداءوإن مات على فراشه ". ويقول ﷺ : " إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا، ولا قطعتم واديا، إلا كانوا معكم، حبسهم العذر ". وإذا لم يكن الاخلاص هو الباعث على الجهاد، بل كان الباعث شيئا آخر من أشياء الدنيا وأعراضها لم يحرم المجاهد الثواب والاجر فقط، بل إنه بذلك يعرض نفسه للعذاب يوم القيامة. فعن أبي هريرة ﵁، قال: " سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه: رجل استشهد. فأتي به فعرفه نعمه، فعرفها. قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت. قال: كذبت، ولكنك قاتلت

стр. 1389

لان يقال: جرئ فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل تعلم العلم وعلمه، وقرأ القرآن، فأتي به فعرفه نعمه، فعرفها. قال فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن. قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم. وقرأت القرآن ليقال هو قارئ. فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار. ورجل وسع الله عليه، وأعطاه من أصناف المال. فأتي به فعرفه نعمه، فعرفها. قال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيهالك. قال: كذبت، ولكنك فعلت ليقال: هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه، ثم ألقي في النار ". رواه مسلم أجر الاجير ومهما كان المجاهد مخلصا، وأخذ من الغنيمة، فإن ذلك ينقص من أجره. فعن عبد الله بن عمرو. قال: قال رسول الله ﷺ : " ما من غازية، أو سرية تغزو، فتغنم، وتسلم، إلا كانوا قد تعجلوا ثلثي أجورهم ". " وما من غازية أو سرية تخفق أو تصاب، إلا تم أجورهم ". رواه مسلم. قال النووي: " وأما معنى الحديث فالصواب الذي لا يجوز غيره. أن الغزاة إذا سلموا أو غنموا يكون أجرهم أقل من أجر من لم يسلم، أو سلم ولم يغنم. وأن الغنيمة هي في مقابلة جزء من أجر غزوهم، فإذا حصلت لهم، فقد تعجلوا ثلثي أجرهم المترتب على الغزو، وتكون هذه الغنيمة من جملة الاجر. وهذا موافق للاحاديث الصحيحة المشهورة عن الصحابة كقوله: " منا من مات ولم يأكل من أجره شيئا. ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهديها: أي يجتنيها ". فهذا الذي ذكرنا هو الصواب. وهو ظاهر الحديث، ولم يأت حديث

стр. 1390

صريح صحيح يخالف هذا. فتعين حمله على ذكرنا. وقد اختار القاضي عياض معنى هذا الذي ذكرناه ". وروى أبو داود عن أبي أيوب أن النبي ﷺ قال: " ستفتح عليكم الامصار، وستكونون جنودا مجندة، يقطع عليكم فيها بعوث، فيكره الرجل منكم البعث فيها، فيتخلص من قومه، ثم يتصفح القبائل يعرض نفسه عليهم، يقول: من أكفه بعث كذا، وذلك الاجير، إلى آخر قطرة من دمه ". فضل الرباط في سبيل الله توجد ثغور يمكن أن تكون منافذ ينطلق منها العدو إلى دار الاسلام ومن الواجب أن تحصن هذه الثغور تحصينا منيعا، كي لا تكون جانب ضعف يستغله العدو ويجعله منطلقا له. وقد رغب الاسلام في حماية هذه الثغور، بإعداد الجنود ليكونوا قوة للمسلمين. وأطلق على لزوم هذه الثغور، لاجل الجهاد في سبيل الله لفظ الرباط (١) ، وأقله ساعة، وتمامه أربعون يوما، وأفضله ما كان بأشد الثغور خوفا. وقد اتفق العلماء على أنه أفضل من المقام بمكة. وقد جاء في فضله من الاحاديث ما يلي: روى مسلم عن سلمان، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله (٢) الذي كان يعمله، وأجري عليه رزقه (٣) ، وأمن الفتان ". قال: " كان ميت يختم (٤) على عمله، إلا الذي مات مرابطا في سبيل الله،

стр. 1391

فإنه ينمى (١) عمله إلى يوم القيامة ويأمن فتنة القبر ". فضل الرمي بنية الجهاد: رغب الاسلام في تعلم الرمي والمناضلة بنية الجهاد في سبيل الله، وحبب في التدريب على ذلك ورياضة الاعضاء بممارسة الرمي والمناضلة. ١ - عن عقبة بن عامر، قال: سمعت رسول الله ﷺ على المنبر وهو يقول: " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ". " ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي ". رواه مسلم. ٢ - وعنه ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ستفتخ عليكم أرضون، فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه، إن الله يدخل بالسهم الواحد الجنة ثلاثة نفر: صانعه (٢) والممد به (٣) والرامي به في سبيل الله. " وقد شدد الاسلام تشديدا عظيما في نسيان الرمي بعد تعلمه، وأنه مكروه كراهة شديدة لمن تركه بلا عذر. ٣ - قال رسول الله ﷺ : " من علم الرمي ثم تركه فليس منا، أو " قد عصى ". رواه مسلم. ٤ - وقال ﷺ : " كل شئ يلهو به الرجل باطل، إلا رميه بقوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله، فإنه من الحق ". قال القرطبي: " ومعنى هذا والله أعلم: أن كل ما يتلهى به الرجل، مما لا يفيده في العاجل ولا في الآجل فائدة، فهو باطل والاعراض عنه أولى. وهذه الامور الثلاثة، فإنه وإن كان يفعلها على أنه يتلهى بها وينشط، فإنها

стр. 1392

حق لاتصالها بما قد يفيد، فإن الرمي بالقوس، وتأديب الفزس جميعا من تعاون القتال، وملاعبة الاهل قد تؤدي إلى ما يكون عنه ولد يوحد الله ويعبده، فلهذا كانت هذه الثلاثة من الحق ". وقال النبي ﷺ : " يا بني إسماعيل، أرموا فإن أباكم كان راميا ". وتعلم الفروسية واستعمال الاسلحة فرض كفاية " وقد يتعين ". الحرب في البحر أفضل من الحرب في البر: لما كان القتال في البحر أعظم خطرا كان أكثر أجرا. ١ - " روى أبو داود عن أو حرام، أن النبي ﷺ قال: " المائد (١) في البحر له أجر شهيد، والغرق له أجر شهيدين ". ٢ - وروى ابن ماجه عن أبي أمامة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:" شهيد البحر مثل شهيدي البر والمائد في البحر كالمتشحط في دمه في البر وما بين الموجبتين كقاطع الدنيا في طاعة الله، وإن الله وكل ملك الموت بقبض الارواح، إلا شهيد البحر فإنه يتولى قبض أرواحهم. ويغفر لشهيد البر الذنوب كلها إلا الدين، ويغفر لشهيد البحر الذنوب والدين ". صفات القائد: وقد عد الفخري الصفات التي يجب أن تتوفر في قائد الجيش، فقال: قال بعض حكماء الترك: " ينبغي أن يكون في قائد الجيش عشر خصال من أخلاق الحيوان: جرأة الاسد، وحملة الخنزير، وروغان الثعلب، وصبر الكلب على الجراح. وغارة الذئب، وحراسة الكركي، وسخاء الديك. وشفقة الديك على الفراريج، وحذر الغراب. وسمن " تعرو "، وهي دابة تكون بخراسان تسمن على السفر والكد ".

стр. 1393

الجهاد مع البر والفاجر: لا يشترط في الجهاد أن يكون الحاكم عادلا، أو القائد بارا، بل الجهاد واجب على كل حال، وقد يكون للرجل الفاجر في ميدان الجهاد من البلاء ما ليس لغيره ". الواجب على قائد الجيش: يجب على القائد بالنسبة للجنود ما يأتي: ١ - مشاورتهم وأخذ رأيهم، وعدم الاستبداد بالامر دونهم، لقول الله سبحانه: " وشاورهم في الامر ". (١) وعن أبي هريرة ﵁ قال: " ما رأيت أحدا قط كان أكثر مشاورة لاصحابه من رسول الله ﷺ ". أخرجه أحمد والشافعي ﵄. ٢ - الرفق بهم، ولين الجانب لهم، قالت السيدة عائشة ﵂: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم، فارفق به ". أخرجه مسلم. وروى عن معقل بن يسار أنه ﷺ قال: " ما من أمير يلي أمور المسلمين، ثم لا يجتهد لهم، ولا ينصح لهم، إلالم يدخل الجنة ". وروى أبو داود، عن جابر ﵁. قال: " كان رسول الله ﷺ يتخلف عن المسير، فيزجي الضعيف ويردف، ويدلهم ". ٣ - الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى لا يتورطوا في المعاصي. ٤ - تفقد الجيش حينا بعد حين، ليكون على علم بجنوده، يمنع من لا يصلح للحرب من رجال وأدوات، مثل المخدل وهو الذي يزهد الناس في القتال، والمرجف الذي يطلق الشائعات، فيقول: ليس لهم مدد، ولا طاقة..

стр. 1394

وكذلك من ينقل أخبار الجيش وتحركاته، أو يثير الفتن. ٥ - تعريف العرفاء. ٦ - عقد الالوية والرايات. ٧ - تخير المنازل الصالحة، وحفظ مكانها. ٨ - بث العيون ليعرف حال العدو. وكان من هديه ﷺ إذا أراد غزوة ورى بغيرها (١) وكان يبث العيون ليأتوه بخبر الاعداء، وكان يرتب الجيوش، ويتخذ الرايات والالوية. قال ابن عباس: وكانت راية رسول الله ﷺ سوداء ولواؤه أبيض. رواه أبو داود. وصايا رسول الله ﷺ الى قواده عن أبي موسى ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا بعث أحدا من أصحابه في بعض أمره قال: " بشروا، ولا تنفروا، ويسروا، ولا تعسروا " (٢) . وعنه قال: بعثني رسول الله ﷺ ومعاذا إلى اليمن، فقال: يسروا ولاتعسروا، وبشروا ولا تنفروا، وتطاوعا، ولا تختلفا " (٣) . رواهما الشيخان. عن أنس ﵁، أن النبي ﷺ قال: " انطلقوا باسم الله، وبالله، وعلى ملة رسول الله، ولا تقتلوا شيخا

стр. 1395

فانيا (١) ولا طفلا صغيرا، ولا امرأة (٢) ، ولا تغلوا، وضموا غنائمكم، وأصلحوا، وأحسنوا (٣) إن الله يحب المحسنين ". رواه أبو داود. وصية عمر ﵁: وكتب عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص، ﵄، ومن معه من الاجناد، أما بعد: " فإني آمرك ومن معك من الاجناد بتقوى الله على كل حال، فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو، وأقوى المكيدة في الحرب، وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراسا من المعاصي منكم من عدوكم، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم، وإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم لله، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة، لان عددنا ليس كعددهم، ولا عدتنا كعدتهم، فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة، وإلا ننصر عليهم بفضلنا، لم نغلبهم بقوتنا، فاعلموا أن عليكم في سيركم حفظة من الله يعلمون ما تفعلون، فاستحيوا منهم، ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله، ولا تقولوا أن عدونا شرمنا، فلن يسلط علينا، فرب قوم سلط عليهم شر منهم، كما سلط على بني إسرائيل لما عملوا بمساخط الله كفار المجوس، فجاسوا خلال الديار، وكان وعدا مفعولا، أسألوا الله العون على أنفسكم، كما تسألونه النصر على عدوكم. أسأل الله ذلك لنا ولكم. " وترفق بالمسلمين في سيرهم، ولا تجشمهم سيرا يتعبهم، ولا تقصر بهم عند منزل يرفق بهم يبلغوا عدوهم، والسفر لم ينقص قوتهم، فإنهم سائرون إلى عدو مقيم، حامي الانفس والكراع، وأقم بمن معك في كل جمعة يوما وليلة، حتى تكون لهم راحة يحيون فيها أنفسهم، ويرمون أسلحتهم وأمتعتهم، ونح منازلهم عن قرى أهل الصلح والذمة، فلا يدخلها

стр. 1396

من أصحابك إلامن تثق بدينه، ولا يرزأ أحدا من أهلها شيئا، فإن لهم حرمة وذمة، ابتليتم بالوفاء بها، كما ابتلوا بالصبر عليها، فما صبروا لكم فنولوهم خيرا، ولا تستنصروا على أهل الحرب بظلم أهل الصلح. " وإذا وطئت أرض العدو، فأذك العيون بينك وبينهم، ولا يخفى عليك أمرهم، وليكن عندك من العرب، أو من أهل الارض من تمطئن إلى نصحه وصدقه، فإن الكذوب لا ينفعك خبره، وإن صدقك في بعضه والغاش عين عليك، وليس عينا لك. " وليكن منك عند دنوك من أرض العدو أن تكثر الطلائع، وتبث السرايا بينك وبينهم، فتقطع السرايا أمدادهم ومرافقهم وتتبع الطلائع عوراتهم. وانتق للطلائع أهل الرأي والبأس من أصحابك، وتخير لهم سوابق الخيل، فإن لقوا عدوا كان أول من تلقاهم القوة من رأيك، واجعل أمر السرايا إلى أهل الجهاد، والصبر على الجلاد، ولا تخص بها أحدا بهوى، فتضيع من رأيك وأمرك أكثر مما حابيت به أهل خاصتك، ولا تبعثن طليعة ولا سرية في وجه تتخوف فيه غلبة أو صنيعة ونكاية. " فإذا عاينت العدو فاضمم إليك أقاصيك، وطلائعك، وسراياك، واجمع إليك مكيدتك وقوتك، ثم لا تعاجلهم المناجزة، ما لم يستكرهك قتال، حتى تبصر عورة عدوك ومقاتله، وتعرف الارض كلها كمعرفة أهلها، فتصنع بعدوك كصنعه بك. " ثم أذك على عسكرك، وتيقظ من البيات جهدك، ولا تمر بأسير له عقد إلا ضربت عنقه، لترهب به عدو الله وعدوك. " والله ولي أمرك ومن معك، وولي النصر لكم على عدوكم، والله المستعان " اه. واجب الجنود: وواجب الجنود بالنسبة لقائدهم: الطاعة في غير معصية. فقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: " من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الامير فقد أطاعني، ومن يعص الامير فقد عصاني. "

стр. 1397

وأما الطاعة في المعصية، فإنه منهي عنها، لانه لاطاعة لمخلوق في معصية الخالق. وقد روى البخاري ومسلم عن علي كرم الله وجهه، قال: " بعث رسول الله ﷺ سرية، واستعمل عليهم رجلا من الانصار، وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا فعصوه في شئ، فقال: اجمعوا لي حطبا، فجمعوا، ثم قال: أوقدوا نارا فأوقدوا، ثم قال: ألم يأمركم رسول الله ﷺ أن تسمعوا وتطيعوا؟ فقالوا: بلى. قال: فادخلوها، فنظر بعضهم إلى بعض، وقالوا: إنما فررنا إلى رسول الله من النار، فكانوا كذلك حتى سكن غضبه، وطفئت النار. فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: " لو دخلوها، ما خرجوا منها أبدا، وقال: لاطاعة في معصية الخالق، إنما الطاعة في المعروف." وجوب الدعوة قبل القتال: وجوب الدعوة قبل القتال يجب أن يبدأ المسلمون بالدعوة قبل القتال، أخرج مسلم عن بريدة، ﵁، قال: " كان النبي ﷺ إذا أمر أميرا على جيش أو سرية (١) أوصاه في خاصته بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيرا (٢) ، ثم قال: اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، أغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا (٣) ، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال (٤) ، فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم: ادعهم إلى الاسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم

стр. 1398

ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا (١) ، فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين (٢) . ولا يكون لهم في الغنيمة والفئ شئ، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن أبوا فسلهم الجزية (٣) ، فإن هم أجابوك فاقبل وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، فلا تجعل لهم ذلك (٤) ، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك، فإنكم إن تخفروا ذممكم وذمم أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله (٥) ، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله، فلا تقبل منهم، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا (٦) ". رواه الخمسة إلا البخاري. وحاصر أحد جيوش المسلمين قصرا من قصور فارس، وكان الامير سلمان الفارسي فقالوا: يا أبا عبد الله، ألا تنهد إليهم (٧) . قال: دعوني أدعهم، كما سمعت رسول الله ﷺ يدعو فأتاهم، فقال لهم: إنما أنا رجل منكم، فارسي، والعرب يطيعونني، فإن اسلمتم فلكم مثل الذي لنا، وعليكم ما علينا، وإن أبيتم إلا دينكم، تركناكم عليه وأعطونا الجزية عن يد وأنتم صاغرون.

стр. 1399

قال: ورطن إليهم بالفارسية: وأنتم غير محمودين (١) ، وإن أبيتم، نابذناكم على سواء (٢) . قالوا: ما نحن بالذي يعطي الجزية، ولكنا نقاتلكم. قالوا: يا أبا عبد الله، ألا تنهد إليهم. قال: فدعاهم ثلاثة أيام إلى مثل هذا (٣) ، ثم قال: انهدوا إليهم، قال: فنهدنا إليهم ففتحنا ذلك القصر ". رواه الترمذي. قال أبو يوسف: لم يقاتل رسول الله ﷺ قوما قط، فيما بلغنا، حتى يدعوهم إلى الله ورسوله. وقال صاحب الاحكام السلطانية: ومن لم تبلغهم دعوة الاسلام، يحرم علينا الاقدام على قتالهم غرة وبياتا بالقتل والتحريق. ويحرم أن نبدأهم بالقتال، قبل إظهار دعوة الاسلام لهم وإعلامهم من معجزات النبوة ومن ساطع الحجة بما يقودهم إلى الاجابة. ويرى السرخسي من أئمة المذهب الحنفي: أنه يحسن أن لا يقاتلهم فور الدعوة، بل يتركهم يبيتون ليلة يتفكرون فيها ويتدبرون ما فيه مصلحتهم. ويرى الفقهاء أن أمير الجيش إذا بدأ بالقتال قبل الانذار بالحجة والدعاء إلى إحدى الامور الثلاثة، وقتل من الاعداء غرة وبياتا ضمن ديات نفوسهم. ذكر البلاذري في فتوح البلدان: " أن أهل سمرقند، قالوا لعاملهم " سليمان بن أبي السرى " إن قتيبة بن مسلم الباهلي غدر بنا وظلمنا، وأخذ بلادنا، وقد أظهر الله العدل والانصاف، فأذن لنا، فليفد منا وفد إلى أمير المؤمنين يشكو ظلامتنا، فإن كان لنا حق أعطيناه، فإن بنا إلى ذلك حاجة، فأذن لهم، فوجهوا منهم قوما إلى " عمر بن عبد العزيز " رضي الله عنه، فلما علم عمر ظلامتهم كتب إلى سليمان يقول له: إن أهل سمرقند، قد شكوا إلى ظلما أصابهم، وتحاملا من قتيبة عليهم حتى أخرجهم من أرضهم، فإذا أتاك كتابي فأجلس لهم القاضي، فلينظر في أمرهم، فإن

стр. 1400

قضي لهم، فأخرجهم إلى معسكرهم كما كانوا وكنتم، قبل أن ظهر (١) عليهم قتيبة. فأجلس لهم سليمان " جميع بن حاضر " القاضي، فقضى أن يخرج عرب سمرقند إلى معسكرهم وينابذوهم على سواء، فيكون صلحا جديدا أو ظفرا عنوة. فقال أهل السند، بل نرضى بما كان، ولا نجدد حربا، لان ذوي رأيهم قالوا: قد خالطنا هؤلاء القوم، وأقمنا معهم، وأمنونا وأمناهم، فإن عدنا إلى الحرب، لا ندري لمن يكون الظفر، وإن لم يكن لنا، كنا قد اجتلبنا عداوة في المنازعة، فتركوا الامر على ما كان، ورضوا ولم ينازعوا بعد أن عجبوا من عدالة الاسلام والمسلمين وأكبروها، وكان ذلك سببا في دخولها الاسلام مختارين. وهذا عمل لم نعلم أن أحدا وصل في العدل إليه. الدعاء عند القتال: ومن آداب القتال أن يستغيث المجاهدون بالرب سبحانه، ويستنصرونه، فإن النصر بيد الله. وقد كان هذا هدي الرسول ﷺ ، وهدي أصحابه من بعده. ١ - فعن أبي داود: أن النبي ﷺ ، قال: " ثنتان لا تردان: الدعاء عند النداء، وعند البأس، حين يلحم بعضهم بعضا ". ٢ - قال الله : " إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم " (٢) ٣ - روى الثلاثة عن عبد الله بن أبي أوفى، أن رسول الله ﷺ في بعض أيامه التي لقي فيها للعدو، انتظر حتى مالت الشمس، ثم قام في الناس، فقال:

стр. 1401

" أيها الناس: لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف ". تم قال: " اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الاحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم ". ٤ - وكان من دعائه ﷺ ، إذا غزا: " اللهم أنت عضدي ونصيري، بك أحول (١) وبك أصول (٢) ، وبك أقاتل ". رواه أصحاب السنن. ٥ - وروى البخاري ومسلم: أنه ﷺ دعا يوم الاحزاب فقال: " اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الاحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم ". القتال الاسلام يهتم بدعوة العالم الانساني إلى الدخول في هدايته، لينعم بهذه الهداية ويستظل بظلها الظليل. وإن الامة الاسلامية هي الامة المنتدبة من قبل الله لاعلاء دينه، وتبليغ وحيه، وهي منتدبة كذلك لتحرير الامم والشعوب. وهي بهذا الاعتبار كانت خير الامم، وكانت مكانتها من غيرها مكانة الاستاذ من التلاميذ. وما دام أمرها كذلك، فيجب عليها أن تحافظ على كيانها الداخلي، وتكافح لتأخذ حقها بيدها، وتجاهد لتتبوأ مكانتها التي وضعها الله فيها. وكل تقصير في ذلك يعتبر من الجرائم الكبرى، التي يجازي الله عليها بالذل والانحلال، أو الفناء والزوال. وقد نهى الاسلام عن الوهن، والدعوة إلى السلم، طالما لم تصل الامة

стр. 1402

إلى غايتها ولم تحقق هدفها، واعتبر السلم في هذه الحالة لا معنى له إلا الجبن، والرضا بالدون من العيش. وفي هذا يقول الله سبحانه: " فلاتهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الاعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم " (١) . أي الاعلون: عقيدة، وعبادة، وخلقا، وأدبا وعلما، وعملا. إن السلم في الاسلام لا يكون إلا عن قوة واقتدار، ولذلك لم يجعله الله مطلقا، بل قيده بشرط أن يكف العدو عن العدوان، وبشرط ألا يبقى ظلم في الارض، وألا يفتن أحد في دينه. فإذا وجد أحد هذه الاسباب، فقد أذن الله بالقتال. وهذا القتال هو القتال الذي تسترخص فيه الانفس، ويضحى فيه بالمهج والارواح. إنه لا يوجد دين من الاديان دفع بأهله إلى خوض غمرات الحروب. وقذف بهم إلى ساحات القتال، في سبيل الله والحق، وفي سبيل المستضعفين. ومن أجل الحياة الكريمة، غير السلام. ومن استعرض الآيات القرآنية، والسيرة العملية لرسول الله ﷺ وخلفائه من بعده، يرى ذلك واضحا جليا، فالله سبحانه ينتدب هذه الامة إلى بذل أقصى ما في وسعها، فيقول: " وجاهدوا في الله حق جهاده ". (١) وبين أن هذا الجهاد هو الايمان العملي، الذي لا يكمل الدين إلا به، فيقول: " أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون - ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين " (٣) . ويوضح أن هذه سنة الله مع المؤمنين، وأنه ليس للنصر ولا للجنة سبيل غيره. فيقول: " أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول

стр. 1403

والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب " (١) . ويوجب إعداد العدة، وأخذ الاهبة. فيقول: " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم " (٢) والاعداد يتطور بحسب الظروف والاحوال، ولفظ القوة يتناول كل وسيلة من شأنها أن تدحر العدو. وقد جاء في الحديث الصحيح: " ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي ". ومن الاعداد الحيطة والتجنيد لكل قادر عليه. " يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا " (٣) وأخذ الحذر لايتم إلا بالاعداد البري، والبحري، والجوي. ويأمر بالخروج لملاقاة العدو في العسر واليسر، والمنشط والمكره. فيقول: " انفروا خفافا وثقالا ". (٤) والاسلام يعتمد على الروح المعنوية أكثر مما يعتمد على القوة المادية، ولهذا يستثير الهمم والعزائم، فيقول: " فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة. ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما. ومالكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا. واجعل لنا من لدنك نصيرا " (٥) ويصبر المؤمنين بأنهم إن كانوا يألمون فإن عدوهم يألم كذلك مع الاختلاف البعيد بين هدف كل منهم فيقول: " ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما

стр. 1404

تألمون وترجون من الله ما لا يرجون " (١) . ويقول: " الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا " (٢) . أي أن المؤمنين لهم هدف سام، ولهم رسالة يجاهدون من أجلها، وهي رسالة الحق والخير وإعلاء كلمة الله. ويوجب الثبات عند اللقاء فيقول: " يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الادبار - ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرقا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير " (٣) . ويرشد إلى القوة المعنوية، فيقول: " يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون - وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين " (٤) . ويكشف عن نفسية المؤمنين، وأن من شأنها الاستماتة في الدفاع، فهم بين أمرين لا ثالث لهما: إما قاتلين، وإما مقتولين، فيقول: " ان الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والانجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظم " (٦) . وفي الحالة الاولى لهم النصر، وفي الثانية لهم الشهادة: " قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنييين " (٢) . وإن القتل في سبيل الله ليس موتا أبديا، وإنما هو انتقال إلى ما هو أرقي

стр. 1405

وأبقى، وإن الفناء في سبيل الله هو عين البقاء. " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون - فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون - يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين " (١) والله مع المجاهدين لا يتخلى عنهم أبدا: " إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الاعناق واضربوا منهم كل بنان " (٢) . ثم هو سبحانه يعدهم على ذلك ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة، فيقول: " يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم - تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون - يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجرى من تحتها الانهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم - وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين ". (١) وبهذا الاسلوب ربي القرآن الكريم المسلمين الاوائل، وأوجد في نفوسهم الايمان الذي كان فيصلا بين الحق والباطل، ونهض بهم إلى حيث النصر، والفتح والتمكين في الارض. " يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم (٤) ". " وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض كما استخلف الذين من قلبهم، وليمكنن لهم دينهم إلى ارتضى لهم وليبد لنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا (٥) ".
следующие страницы →