" أيها الناس: لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف ".
تم قال: " اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الاحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم ".
٤ - وكان من دعائه ﷺ ، إذا غزا: " اللهم أنت عضدي ونصيري، بك أحول (١) وبك أصول (٢) ، وبك أقاتل ".
رواه أصحاب السنن.
٥ - وروى البخاري ومسلم: أنه ﷺ دعا يوم الاحزاب فقال: " اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الاحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم ".
القتال الاسلام يهتم بدعوة العالم الانساني إلى الدخول في هدايته، لينعم بهذه الهداية ويستظل بظلها الظليل.
وإن الامة الاسلامية هي الامة المنتدبة من قبل الله لاعلاء دينه، وتبليغ وحيه، وهي منتدبة كذلك لتحرير الامم والشعوب.
وهي بهذا الاعتبار كانت خير الامم، وكانت مكانتها من غيرها مكانة الاستاذ من التلاميذ.
وما دام أمرها كذلك، فيجب عليها أن تحافظ على كيانها الداخلي، وتكافح لتأخذ حقها بيدها، وتجاهد لتتبوأ مكانتها التي وضعها الله فيها.
وكل تقصير في ذلك يعتبر من الجرائم الكبرى، التي يجازي الله عليها بالذل والانحلال، أو الفناء والزوال.
وقد نهى الاسلام عن الوهن، والدعوة إلى السلم، طالما لم تصل الامة
стр. 1402
إلى غايتها ولم تحقق هدفها، واعتبر السلم في هذه الحالة لا معنى له إلا الجبن، والرضا بالدون من العيش.
وفي هذا يقول الله سبحانه: " فلاتهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الاعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم " (١) .
أي الاعلون: عقيدة، وعبادة، وخلقا، وأدبا وعلما، وعملا.
إن السلم في الاسلام لا يكون إلا عن قوة واقتدار، ولذلك لم يجعله الله مطلقا، بل قيده بشرط أن يكف العدو عن العدوان، وبشرط ألا يبقى ظلم في الارض، وألا يفتن أحد في دينه.
فإذا وجد أحد هذه الاسباب، فقد أذن الله بالقتال.
وهذا القتال هو القتال الذي تسترخص فيه الانفس، ويضحى فيه بالمهج والارواح.
إنه لا يوجد دين من الاديان دفع بأهله إلى خوض غمرات الحروب.
وقذف بهم إلى ساحات القتال، في سبيل الله والحق، وفي سبيل المستضعفين.
ومن أجل الحياة الكريمة، غير السلام.
ومن استعرض الآيات القرآنية، والسيرة العملية لرسول الله ﷺ وخلفائه من بعده، يرى ذلك واضحا جليا، فالله سبحانه ينتدب هذه الامة إلى بذل أقصى ما في وسعها، فيقول: " وجاهدوا في الله حق جهاده ".
(١) وبين أن هذا الجهاد هو الايمان العملي، الذي لا يكمل الدين إلا به، فيقول: " أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون - ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين " (٣) .
ويوضح أن هذه سنة الله مع المؤمنين، وأنه ليس للنصر ولا للجنة سبيل غيره.
فيقول: " أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول
стр. 1403
والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب " (١) .
ويوجب إعداد العدة، وأخذ الاهبة.
فيقول: " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم " (٢) والاعداد يتطور بحسب الظروف والاحوال، ولفظ القوة يتناول كل وسيلة من شأنها أن تدحر العدو.
وقد جاء في الحديث الصحيح: " ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي ".
ومن الاعداد الحيطة والتجنيد لكل قادر عليه.
" يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا " (٣) وأخذ الحذر لايتم إلا بالاعداد البري، والبحري، والجوي.
ويأمر بالخروج لملاقاة العدو في العسر واليسر، والمنشط والمكره.
فيقول: " انفروا خفافا وثقالا ".
(٤) والاسلام يعتمد على الروح المعنوية أكثر مما يعتمد على القوة المادية، ولهذا يستثير الهمم والعزائم، فيقول: " فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة.
ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما.
ومالكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا. واجعل لنا من لدنك نصيرا " (٥) ويصبر المؤمنين بأنهم إن كانوا يألمون فإن عدوهم يألم كذلك مع الاختلاف البعيد بين هدف كل منهم فيقول:
" ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما
стр. 1404
تألمون وترجون من الله ما لا يرجون " (١) .
ويقول: " الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا " (٢) .
أي أن المؤمنين لهم هدف سام، ولهم رسالة يجاهدون من أجلها، وهي رسالة الحق والخير وإعلاء كلمة الله.
ويوجب الثبات عند اللقاء فيقول: " يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الادبار - ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرقا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير " (٣) .
ويرشد إلى القوة المعنوية، فيقول: " يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون - وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين " (٤) .
ويكشف عن نفسية المؤمنين، وأن من شأنها الاستماتة في الدفاع، فهم بين أمرين لا ثالث لهما: إما قاتلين، وإما مقتولين، فيقول:
" ان الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والانجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظم " (٦) .
وفي الحالة الاولى لهم النصر، وفي الثانية لهم الشهادة: " قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنييين " (٢) .
وإن القتل في سبيل الله ليس موتا أبديا، وإنما هو انتقال إلى ما هو أرقي
стр. 1405
وأبقى، وإن الفناء في سبيل الله هو عين البقاء.
" ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون - فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون - يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين " (١) والله مع المجاهدين لا يتخلى عنهم أبدا: " إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الاعناق واضربوا منهم كل بنان " (٢) .
ثم هو سبحانه يعدهم على ذلك ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة، فيقول: " يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم - تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون - يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجرى من تحتها الانهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم - وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين ".
(١) وبهذا الاسلوب ربي القرآن الكريم المسلمين الاوائل، وأوجد في نفوسهم الايمان الذي كان فيصلا بين الحق والباطل، ونهض بهم إلى حيث النصر، والفتح والتمكين في الارض.
" يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم (٤) ".
" وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض كما استخلف الذين من قلبهم، وليمكنن لهم دينهم إلى ارتضى لهم وليبد لنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا (٥) ".
стр. 1406
وجوب الثبات أثناء الزحف:
يجب الثبات عند لقاء العدو، ويحرم الفرار.
يقول الله : " يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون (١) ".
ويقول عز من قائل: " يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الادبار - ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير " (٢) والآية توجب الثبات وتحرم الفرار إلا في إحدى حالتين، فإنه يجوز فيهما الانصراف عن العدو.
(الحالة الاولى) أن ينحرف للقتال، أي أن ينصرف من جهة إلى جهة إخرى حسب ما يقتضيه الحال، فله أن ينتقل من مكان ضيق إلى مكان أرحب منه، أو من موضع مكشوف إلى موضع آخر يستره، أو من جهة سفلى إلى جهة عليا وهكذا، مما هو أصلح له في ميدان الحرب والقتال.
(الحالة الثانية) أن يتحيز إلى فئة، أي ينحاز إلى جماعة من المسلمين، إما مقاتلا معهم، أو مستنجدا بهم.
وسواء أكانت هذه الفئة قريبة أم بعيدة.
روى سعيد بن منصور: أن عمر ﵁، قال: لو أن أبا عبيدة تحيز إلي لكنت له فئة.
وأبو عبيدة كان بالعراق، وعمر كان بالمدينة! وقال عمر أيضا: " أنا فئة كل مسلم ".
وروى ابن عمر ﵄ أنهم أقبلوا على رسول الله ﷺ لما خرج من بيته قبل صلاة الفجر، وكانوا قد فروامن عدوهم، فقالوا: " نحن الفرارون " فقال ﷺ :
" بل أنتم العكارون (٣) ، أنافئة كل مسلم ".
стр. 1407
ففي هاتين الحالتين المتقدمتين، يجوز للمقاتل أن يفر من العدو وهو - وإن كان فرارا ظاهرا - فهو في الواقع محاولة لاتخاذ موقف أصلح لمواجهة العدو.
وفي غير هاتين الصورتين يكون الفرار كبيرة من كبائر الاثم وموبقة توجب العذاب الاليم.
يقول الرسول ﷺ : " اجتنبوا السبع الموبقات (١) " قالوا: وما هن يا رسول الله؟.
قال: " الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف (٢) ، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات ".
الكذب والخداع عند الحرب:
يجوز في الحرب الخداع والكذب لتضليل العدو ما دام ذلك لم يشتمل على نقض عهد أو إخلال بأمان.
ومن الخداع أن يخادع القائد الاعداء بأن يوهمهم بأن عدد جنوده كثرة كاثرة وعتاده قوة لا تقهر.
وفي الحديث الذي رواه البخاري عن جابر أن النبي ﷺ قال: " الحرب خدعة ".
وأخرج مسلم من حديث أم كلثوم بنت عقبة ﵂، قالت:
" لم أسمع النبي ﷺ يرخص في شئ من الكذب مما يقول الناس إلا في الحرب، والاصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها " الفرار من المثلين تقدم انه يحرم الفرار أثناء الزحف إلا في إحدى الحالتين: " التحرف للقتال، أو التحيز إلى فئة ".
стр. 1408
وبقي أن نقول: إنه يجوز الفرار أثناء الحرب إذا كان العدو يزيد على المثلين، فإن كان مثلين فما دونهما فإنه يحرم الفرار، يقول الله عزوجل: " الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين " (١) .
قال في المهذب: " إن زاد عددهم على مثلي عدد المسلمين، جاز الفرار.
لكن إن غلب على ظنهم أنهم لا يهلكون، فالافضل الثبات.
وإن ظنوا الهلاك، فوجهان: (الاول) يلزم الانصراف، لقوله تعالى: " ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ".
(الثاني) فيستحب ولا يجب، لانهم ان قتلوا فازوا بالشهادة.
وإن لم يزد عدد الكفار على مثلي عدد المسلمين، فإن لم يظنوا الهلاك لم يجز الفرار، وإن ظنوا فوجهان:
يجوز لقوله تعالى: " ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ".
ولايجوز، وصححوه، لظاهر الآية.
وقال الحاكم: " إن ذلك يرجع إلى ظن المقاتل واجتهاده، فإن ظن المقاومة لم يحل الفرار، وإن ظن الهلاك جاز الفرار إلى فئة وإن بعدت، إذا لم يقصد الاقلاع عن الجهاد ".
وذهب ابن الماجشون ورواه عن مالك إلى: أن الضعف إنما يعتبر في القوة لا في العدد، وأنهيجوز أن يفر الواحد عن واحد إذا كان أعتق جوادا منه، وأجود سلاحا، وأشد قوة وهذا هو الاظهر.
الرحمة في الحرب إذا كان الاسلام أباح الحرب كضرورة من الضرورات، فإنه يجعلها مقدرة بقدرها، فلا يقتل إلا من يقاتل في المعركة، وأما من تجنب الحرب فلا يحل قتله أو التعرض له بحال.
стр. 1409
وحرم الاسلام كذلك قتل النساء، والاطفال، والمرضى، والشيوخ، والرهبان، والعباد، والاجراء.
وحرم المثلة، بل حرم قتل الحيوان، وإفساد الزروع، والمياه، وتلويث الآبار، وهدم البيوت.
وحرم الاجهاز على الجريح، وتتبع الفار، وذلك أن الحرب كعملية جراحية، لا يجب أن تتجاوز موضع المرض بمكان.
وفي ذلك روى سليمان بن بريدة عن أبيه: " أن الرسول ﷺ .
كان إذا أمر أميرا على جيش أو سرية، أوصاه في خاصته بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيرا، ثم قال: " أغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، أغزوا ولاتغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا ".
وحدث نافع عن عبد الله بن عمر ان امرأة وجدت في بعض مغازي الرسول ﷺ مقتولة فأنكر ذلك، ونهى عن قتل النساء والصبيان. رواه مسلم.
وروى رباح بن ربيع: أن الرسول ﷺ مر على امرأة مقتولة في بعض الغزوات ولعلها هي المرأة في الحديث المذكور قبل هذا.
فوقف عليها، ثم قال: " ما كانت هذه لتقاتل " ثم نظر في وجوه أصحابه وقال لاحدهم: " الحق بخالد بن الوليد، فلا يقتلن ذرية، ولاعسيفا أي أجيرا ولا امرأة ".
وعن عبد الله بن زيد قال: " نهى النبي ﷺ عن النهبى والمثلة ". رواه البخاري.
وقال عمران بن الحصين: " كان النبي ﷺ يحثنا على الصدقة، وينهانا عن المثلة " (١) .
وفي وصية أبي بكر ﵁ لاسامة حين بعثه إلى الشام: " لا تخونوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلا صغيرا، ولا شيخا كبيرا، ولا امرأة، ولا تعقروا نخلا، ولا تحرقوه، ولا
стр. 1410
تقطعوا شجرة مثمرة، ولاتذبحوا شاة، ولا بقرة، ولا بعيرا، إلا لمأكلة، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع " يريد الرهبان "، فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له ".
وكذلك كان يفعل سيدنا عمر بن الخطاب ﵁، فقد جاء في كتاب له: " لاتغلوا، ولا تغدروا، ولا تقتلوا وليدا، واتقوا الله في الفلاحين " وكان من وصاياه لامراء الجنود: " ولا تقتلوا هرما، ولا امرأة، ولا وليدا.
وتوقوا قتلهم إذا التقى الزحفان، وعند شن الغارات ".
الغارة على الأعداء ليلا:
ويجوز الاغارة على الاعداء ليلا (١) .
قال الترمذي: " وقد رخص قوم من أهل العلم في الغارة بالليل، وكرهه بعضهم ".
وقال أحمد وإسحاق: " لا بأس أن يبيت العدو ليلا ".
وسئل الرسول ﷺ عن أهل الدار من المشركين يبيتون فيصاب من نسائهم وذراريهم، فقال: " هم منهم ".
رواه البخاري ومسلم من حديث الصعب بن جثام.
قال الشافعي: النهي عن قتل نسائهم وصبيانهم، انما هو في حال التمييز والتفرد.
وأما البيات، فيجوز، وإن كان فيه إصابة ذراريهم ونسائهم.
انتهاء الحرب:
تنتهي الحرب بأحد الامور الآتية:
١ - إسلام المحاربين، أو إسلام بعضهم ودخولهم في دين الله، وفي هذه الحال يصبحون مسلمين، ويكون لهم ما للمسلمين، وعليهم ما عليهم من الحقوق والواجبات.
стр. 1411
٢ - طلبهم إيقاف القتال مدة معينة، وحينئذ يجب الاستجابة إلى ما طلبوا، كما فعل ذلك الرسول ﷺ في صلح الحديبية.
٣ - رغبتهم في أن يبقوا على دينهم مع دفع الجزية، ويتم بمقتضى هذا عقد الذمة بينهم وبين المسلمين.
٤ - هزيمتهم، وظفرنا بهم، وانتصارنا عليهم، وبهذا يكونون غنيمة للمسلمين.
٥ - وقد يحدث أن يطلب بعض المحاربين من الاعداء الامان، فيجاب إلى ما طلب، وكذلك إذا طلب الدخول في دار الاسلام، ومن ثم فإنا نتحدث بإجمال فيما يلي عن هذه الامور:
١ - عقد الهدنة والموادعة.
٢ - عقد الذمة.
٣ - الغنائم.
٤ - عقد الامان.
стр. 1412
الهدنة:
متى تجب الموادعة والهدنة: عقد الهدنة والموادعة هو الانفاق على ترك القتال فترة من الفترات الزمنية قد تنتهي إلى صلح، وتجب في حالين: (الحالة الاولى) إذا طلبها العدو، فإنه يجاب إلى طلبه ولو كان العدو يريد الخديعة، مع وجوب الحذر والاستعداد.
يقول الله تعالى: " وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم - وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله " (١) .
وفي غزوة الحديبية هادن رسول الله ﷺ مشركي مكة، ووادعهم مدة عشر سنين، وكان ذلك حقنا للدماء، ورغبة في السلم.
عن البراء ﵁ قال: " لما أحصر النبي ﷺ عن البيت (٢) صالحه أهل مكة على أن يدخلها فيقيم بها ثلاثا، ولا يدخلها إلا بجلبان السلاح، السيف وجرابه (٣) ، ولا يخرج بأحد معه من أهلها، ولا يمنع أحدا يمكث بها ممن كان معه.
قال (٤) لعلي أكتب الشرط بيننا: بسم الله الرحمن الرحيم (٥) : " هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله ".
فقال له المشركون: " لو نعلم أنك رسول الله تابعناك، ولكن أكتب: محمد بن عبد الله.
стр. 1413
فأمر عليا أن يمحوها (١) فقال: " لا والله لاأمحوها ".
فقال رسول الله ﷺ : أرني مكانها، فأراه مكانها فمحاها، وكتب " ابن عبد الله ".
فأقام بها ثلاثة أيام.
فلما كان اليوم الثالث، قالوا لعلي:
هذا آخر يوم من شرط صاحبك، فمره فليخرج.
فأخبره بذلك، فقال: نعم، فخرج ".
وعن المسور بن مخرمة ﵁، أنهم اصطلحوا على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيهن الناس، وعلى أن بيننا عيبة مكفوفة، وأنه لا إسلال ولا إغلال (٢) . رواه البخاري ومسلم وأبو داود.
(الحالة الثانية) التي تجب فيها المهادنة: الاشهر الحرم، فإنه لا يحل فيها البدء بالقتال، وهي ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم، ورجب.
إلا إذا بدأ فيها العدو بالقتال، فإنه يجب القتال حينئذ دفعا للاعتداء، وكذلك يباح فيها القتال إذا كانت الحرب قائمة ودخلت هذه الاشهر ولم يستجب العدو لقبول الموادعة فيها (٣) .
يقول الله تعالى: " إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والارض منها أربعة حرم، ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم ".
(٤) وخطب رسول الله ﷺ في خطبة الوداع فقال: " أيها الناس: إنما النسئ زيادة في الكفر، يضل به الذين كفروا،
стр. 1414
يحلونه عاما ويحرمونه عاما، ليواطئوا عدة ما حرم الله، وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والارض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر في كتاب الله، يوم خلق الله السموات والارض، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات، وواحد فرد، ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب، فهو الذي بين جمادى وشعبان، ألا هل بلغت، اللهم اشهد ".
وما ورد من أن ذلك منسوخ، فهو ضعيف، لانه ليس فيه ما يدل على النسخ.
стр. 1415
عقد الذمة:
الذمة هي العهد والامان: وعقد الذمة هو أن يقر الحاكم أو نائبه بعض أهل الكتاب - أو غيرهم - من الكفار على كفرهم بشرطين: (الشرط الاول) أن يلتزموا أحكام الاسلام في الجملة.
(والشرط الثاني) أن يبذلوا الجزية.
ويسري هذا العقد على الشخص الذي عقده، مادام حيا وعلى ذريته من بعده.
والاصل في هذا العقد قول الله سبحانه: " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون " (١) .
وروى البخاري: أن المغيرة قال - يوم نهاوند -: أمرنا نبينا أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده أو تؤدوا الجزية.
وهذا العقد دائم غير محدود بوقت ما دام لم يوجد ما ينقضه.
موجب هذا العقد:
وإذا تم عقد الذمة ترتب عليه حرمة قتالهم.
والحفاظ على أموالهم، وصيانة أعراضهم، وكفالة حرياتهم، والكف عن أذاهم، لما روي عن علي ﵁ أنه قال: " إنما بذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا، وأموالهم كأموالنا ".
والقاعدة العامة التي رآها الفقهاء: " أن لهم ما لنا، وعليهم ما علينا ".
стр. 1416
الأحكام التي تجري على أهل الذمة:
وتجرى أحكام الاسلام على أهل الذمة في ناحيتين: (الناحية الاولى) المعاملات المالية، فلا يجوز لهم أن يتصرفوا تصرفا لا يتفق مع تعاليم الاسلام، كعقد الربا، وغيره من العقود المحرمة.
(الناحية الثانية) العقوبات المقررة: فيقتص منهم، وتقام الحدود عليهم متى فعلواما يوجب ذلك.
وقد ثبت أن النبي ﷺ رجم يهوديين زنيا بعد إحصانهما.
أما ما يتصل بالشعائر الدينية من عقائد وعبادات وما يتصل بالاسرى من زواج وطلاق، فلهم فيها الحرية المطلقة، تبعا للقاعدة الفقهية المقررة: " اتركوهم وما يدينون ".
وإن تحاكموا إلينا فلنا أن نحكم لهم بمقتضى الاسلام، أو نرفض ذلك.
يقول الله تعالى: " ... فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين " (١) .
هذا ما يتعلق بالشرط الاول، وأما شرط الجزية فنذكره فيما يلي.
стр. 1417
الجزية:
تعريفها: الجزية مشتقة من الجزاء، وهي: " مبلغ من المال يوضع على من دخل في ذمة المسلمين وعهدهم من أهل الكتاب ".
الاصل في مشروعيتها: والاصل في مشروعيتها قول الله تعالى: " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون " (١) روى البخاري والترمذي عن عبد الرحمن بن عوف.
أن النبي ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر (٢) .
وروى الترمذي أن النبي ﷺ أخذها من مجوس البحرين، وأخذها عمر ﵁ من فارس، وأخذها عثمان من الفرس أو البربر.
حكمة مشروعيتها: وقد فرض الاسلام الجزية على الذميين في مقابل فرض الزكاة على المسلمين، حتى يتساوى الفريقان، لان المسلمين والذميين يستظلون براية
واحدة، ويتمتعون بجميع الحقوق وينتفعون بمرافق الدولة بنسبة واحدة، ولذلك أوجب الله الجزية للمسلمين نظير قيامهم بالدفاع عن الذميين وحمايتهم في البلاد الاسلامية التي يقيمون فيها: ولهذا تجب - بعد دفعها - حمايتهم والمحافظة عليهم، ودفع من قصدهم بأذى.
стр. 1418
من تؤخذ منهم: وتؤخذ الجزية من كل الامم، سواء أكانوا كتابيين أم مجوسا أم غيرهم، وسواء أكانوا عربا أم عجما (١) وقد ثبت بالقرآن الكريم أنها تؤخذ من الكتابيين كما ثبت بالسنة أنها تؤخذ من المجوس، ومن عداهم يلحق بهم.
قال ابن القيم: " لان المجوس أهل شرك لاكتاب لهم.
فأخذها منهم دليل على أخذها من جميع المشركين، وإنما لم يأخذها ﷺ من عبدة الاوثان من العرب، لانهم أسلموا كلهم قبل نزول آية الجزية، فإنها إنما نزلت بعد غزوة تبوك، وكان رسول الله ﷺ قد فرغ من قتال العرب، واستوثقت كلها له بالاسلام.
ولهذا لم يأخذها من اليهود الذين حاربوه، لانها لم تكن نزلت بعد، فلما نزلت أخذها من نصارى العرب، ومن المجوس، ولو بقي حينئذ أحد من عبدة الاوثان بذلها لقبلها منه، كما قبلها من عبدة الصلبان والاوثان والنيران.
ولافرق ولا تأثير لتغليظ كفر بعض الطوائف على بعض، ثم إن كفر
عبدة الاوثان ليس أغلظ من كفر المجوس، وأي فرق بين عبدة الاوثان والنيران، بل كفر المجوس أغلظ، وعباد الاوثان كانوا يقرون بتوحيد الربوبية، وأنه لاخالق إلا الله، وأنهم انما يعبدون آلهتهم لتقربهم إلى الله .
ولم يكونوا يقرون بصانعين للعالم، أحدهما خالق للخير.
والآخر للشر، كما تقول المجوس، ولم يكونوا يستحلون نكاح الامهات والبنات والاخوات.
وكانوا على بقايا من دين إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه، وأما المجوس فلم يكونوا على كتاب أصلا، ولادانوا بدين أحد من الانبياء، لافي عقائدهم، ولا في شرائعهم.
والاثر الذي فيه أنه كان لهم كتاب فرفع ورفعت شريعتهم لما وقع
стр. 1419
ملكهم على ابنته، لا يصح ألبتة، ولو صح لم يكونوا بذلك من أهل الكتاب، فإن كتابهم رفع وشريعتهم بطلت، فلم يبقوا على شئ منها.
ومعلوم أن العرب كانوا على دين إبراهيم ﵊، وكان له صحف وشريعة، وليس تغيير عبدة الاوثان لدين إبراهيم ﵊ وشريعته بأعظم من تغيير المجوس لدين نبيهم وكتابهم لو صح، فإنه لايعرف عنهم التمسك بشئ من شرائع الانبياء عليهم الصلاة والسلام، بخلاف العرب، فكيف يجعل المجوس الذين دينهم أقبح الاديان، أحسن حالا من مشركي العرب؟ وهذا القول أصح في الدليل كما ترى.
"
شروط أخذها: وقد روعي في أخذها: الحرية والعدل والرحمة.
ولهذا اشترط فيمن تؤخذ منهم:
١ - الذكورة.
٢ - التكليف.
٣ - الحرية.
لقوله تعالى: " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا دينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون " (١) .
أي عن قدرة وغنى، فلاتجب على امرأة، ولاصبي، ولاعبد، ولا مجنون.
كما أنها لا تجب على مسكين يتصدق عليه، ولا على من لا قدرة له على العمل، ولا على الاعمى، أو المقعد، وغيرهم من ذوي العاهات، ولا على المترهبين في الاديرة إلا إذا كان غنيا من الاغنياء.
قال مالك ﵁: " قضت السنة أن لا جزية على نساء أهل الكتاب ولا على صبيانهم، وأن الجزية لا تؤخذ إلامن الرجال الذين قد بلغوا الحلم ".
وروى أسلم: أن عمر ﵁، كتب إلى امراء الاجناد: " لا
стр. 1420
تضربوا الجزية على النساء والصبيان، ولاتضربوها إلاعلى من جرت عليه المواسي " (١) .
والمجنون حكمه حكم الصبي.
قدرها: روى أصحاب السنن عن معاذ ﵁، أن النبي ﷺ لما وجهه إلى اليمن، أمره أن يأخذ من كل حالم دينارا أو عدله من المعافرة (٢) .
ثم زاد فيها عمر ﵁، فجعلها أربعة دنانير على أهل الذهب، وأربعين درهما على أهل الورق في كل سنة (٣) .
فرسول الله ﷺ علم بضعف أهل اليمن، وعمر ﵁، علم بغنى أهل الشام وقوتهم.
وروى البخاري أنه قيل لمجاهد: " ما شأن الشام عليهم أربعة دنانير، وأهل اليمن عليهم دينار؟ قال: جعل ذلك من قبل اليسار ".
وبهذا أخذ أبو حنيفة ﵁، ورواية عن أحمد، فقال: " إن على الموسر ثمانية وأربعين درهما، وعلى المتوسط أربعة وعشرين درهما، وعلى الفقير اثني عشر درهما، فجعلها مقدرة الاقل والاكثر ".
وذهب الشافعي، ورواية عن أحمد: إلى أنها مقدرة الاقل فقط، وهو دينار، وأما الاكثر فغير مقدر، وهو موكول إلى اجتهاد الولاة.
وقال مالك، وإحدى الروايات عن أحمد، وهذا هو الراجح: " إنه لا حد لاقلها ولالاكثرها، والامر فيها موكول إلى اجتهاد ولاة الامر، ليقدروا على كل شخص ما يناسب حاله ".
" ولا ينبغي أن يكلف أحد فوق طاقته ".
الزيادة على الجزية: ويجوز اشتراط الزيادة على الجزية ضيافة من يمر بهم للمسلمين.
стр. 1421
فقد روى الاحنف بن قيس: أن عمر ﵁ شرط على أهل الذمة " ضيافة يوم وليلة، وأن يصلحوا القناطر، وإن قتل رجل من المسلمين بأرضهم فعليهم ديته.
رواه أحمد.
وروى أسلم، أن أهل الجزية من أهل الشام أتوا عمر ﵁، فقالوا: " إن المسلمين إذا مروا بنا كلفونا ذبح الغنم والدجاج في ضيافتهم.
فقال ﵁: " أطعموهم مما تأكلون، ولا تزيدوهم على ذلك ".
عدم أخذ ما يشق على أهل الكتاب وغيرهم: وقد أمر الرسول ﷺ بالرفق بأهل الكتاب وعدم تكليفهم فوق ما يطيقون.
روي عن ابن عمر ﵄: " كان آخر ما تكلم به النبي ﷺ أن قال: " احفظوني في ذمتي ".
وجاء في الحديث: " من ظلم معاهدا أو كلفه فوق طاقته فأنا حجيجه ".
وروي عن ابن عباس ﵄: " ليس في أموال أهل الذمة إلا العفو ".
سقوطها عمن أسلم: وتسقط الجزية عمن أسلم لحديث ابن عباس مرفوعا: " ليس على المسلم جزية ".
رواه أحمد وأبو داود.
وروى أبو عبيدة: أي يهوديا أسلم فطولب بالجزية، وقيل: إنما أسلمت تعوذا.
قال: " إن في الاسلام معاذا ".
فرفع إلى عمر ﵁ فقال: " إن في الاسلام معاذا ".
وكتب ألا تؤخذ منه الجزية.
عقد الذمة للمواطنين وللمستقلين:
وكما يجوز هذا العقد لمن يريد أن يعيش مع المسلمين وتحت ظلال الاسلام فإنه يجوز للمستقلين في أماكنهم، بعيد عن المسلمين.
стр. 1422
فقد عقد رسول الله ﷺ مع نصارى نجران عقدا، مع بقائهم في أماكنهم، وإقامتهم في ديارهم، دون أن يكون معهم أحد من لمسلمين.
وقد تضمن هذا العهد: حمايتهم، والحفاظ على حريتهم الشخصية، والدينية، وإقامة العدل بينهم، والانتصاف من الظالم.
وقام الخلفاء من بعده على تنفيذه حتى عهد هارون الرشيد، فأراد أن ينقضه، فمنعه محمد بن الحسن صاحب الامام أبي حنيفة، وهذا هو نص العقد: " لنجران وحاشيتها جوار الله، وذمة محمد النبي رسول الله ﷺ ، على ما تحت أيديهم من قليل أو كثير، لا يغير أسقف من أسقفيته، اولا راهب من رهبانيته، ولا كاهن من كهانته، وليس عليه دنية، أي لا يعامل معاملة الضعيف، ولا دم جاهلية، ولا يخسرون ولا يعسرون، ولا يطأ أرضهم جيش، ومن سأل منهم حقا فبينهم النصف، غير ظالمين ولامظلومين، ومن أكل ربا (١) من ذي قبل، أي في المستقبل، فذمتي منه بريئة، ولا يؤخذ
رجل منهم بظلم آخر، وعلى ما في هذا الكتاب جوار الله، وذمة محمد النبي الامي رسول الله أبدا، حتى يأتي الله بأمره " فإذا أراد أحد الرؤساء استغلال المعاهدة لحسابه، وظلم شعبه، منع من ذلك.
جاء في المبسوط للسرخسي: " وإذا طلب ملك الذمة أن يترك يحكم في أهل مملكته بما شاء، من: قتل، أو صلب، أو غيره مما لا يصح في دار الاسلام، لم يجب إلى ذلك، لان التقرير على الظلم مع إمكان المنع حرام، ولان الذمي ممن يلتزم أحكام الاسلام فيما يرجع إلى المعاملات، فشرطه بخلاف موجب عقد الذمة باطل، فإن أعطى الصلح والذمة على هذا بطل من شروطه مالا يصح في الاسلام، لقوله ﷺ : " كل شرط ليس في كتاب الله باطل ".
стр. 1423
بم ينقض العهد ؟
وينقض عهد الذمة بالامتناع عن الجزية، أو إباء التزام حكم الاسلام، إذا حكم حاكم به، أو تعدى على مسلم بقتل، أو بفتنته عن دينه، أو زنا بمسلمة، أو أصابها بزواج، أو عمل عمل قوم لوط، أو قطع الطريق، أو تجسس، أو آوى الجساوس، أو ذكر الله أو رسوله، أو كتابه، أو دينه بسوء، فإن هذا ضرريعم المسلمين في أنفسهم، وأعراضهم، وأموالهم، وأخلاقهم، ودينهم.
قيل لابن عمر ﵁: " إن راهبا يشتم النبي ﷺ ، فقال: لو سمعته لقتلته، إنا لم نعطه الامان على هذا ".
وكذا إذا لحق بدار الحرب، بخلاف ما إذا أظهر منكرا، أو قذف مسلما، فإن عهده لا ينتقض.
وإذا انتقض عهده، فإن عهد نسائه وأولاده لا ينتقض، لان النقض حدث منه فيختص به.
موجب النقض:
وإذا انتقض عهده كان حكمه حكم الاسير، فإن أسلم حرم قتله، لان الاسلام يجب ما قبله.
دخول غير المسلمين المساجد وبلاد الاسلام اختلف الفقهاء في دخول غير المسلمين من الكفار المسجد الحرام وغيره من المساجد وبلاد الاسلام.
وجملة بلاد الاسلام في حق الكفار ثلاثة أقسام: (القسم الاول) الحرم، فلا يجوز لكافر أن يدخله بحال ذميا كان أو مستأمنا، لظاهر قول الله : " يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا " (١) .
وبه قال الشافعي، وأحمد، ومالك.
стр. 1424
فلو جاء رسول من دار الكفر والامام في الحرم فلا يأذن له في دخول الحرم، بل يخرج إليه بنفسه، أو يبعث إليه من يسمع رسالته خارج الحرم.
وجوز أبو حنيفة وأهل الكوفة للمعاهد دخول الحرم (١) .
ويقيم فيه مقام المسافر ولا يستوطنه.
ويجوز عنده دخول الواحد منهم الكعبة أيضا.
(القسم الثاني) من بلاد الاسلام: الحجاز، وحده ما بين اليمامة، واليمن، ونجد، والمدينة الشريفة، قيل نصفها تهامي، ونصفها حجازي، وقيل كلها حجازي (٢) .
وقال الكلبي: حد الحجاز: ما بين جبلي طئ وطريق العراق، سمي حجازألانه حجز بين تهامة ونجد، وقيل: لانه حجز بين نجد والسراة، وقيل لانه حجز بين نجد وتهامة والشام.
قال الحربي: وتبوك من الحجاز، فيجوز للكفار دخول أرض الحجاز بالاذن، ولكن لا يقيمون بها أكثر من مقام المسافر وهو ثلاثة أيام.
وقال أبو حنيفة: لا يمنعون من استيطانها والاقامة بها.
وحجة الجمهور ماروى مسلم، عن ابن عمر، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " لاخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب فلا أترك فيها إلا مسلما ".
زاد في رواية لغير مسلم: وأوصى فقال: " أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ".
فلم يتفرغ لذلك أبو بكر، وأجلاهم عم في خلافته، وأجل لمن يقدم تاجرا ثلاثا.
وعن ابن شهاب: أن رسول الله ﷺ قال: " لا يجتمع دينان في جزيرة العرب ".
أخرجه مالك في الموطأ مرسلا.
стр. 1425
وروى مسلم عن جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم ".
قال سعيد بن عبد العزيز: جزيرة العرب ما بين الوادي إلى أقصى اليمن إلى تخوم العراق، إلى البحر.
وقال غيره: حد جزيرة العرب من أقصى (عدن أبين) إلى ريف العراق في الطول، ومن جدة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشام عرضا.
(القسم الثالث) سائر بلاد الاسلام، فيجوز للكافر أن يقيم فيها بعهد وأما وذمة، ولكن لا يدخلون المساجد إلا بإذن مسلم عند الشافعي.
وقال أبو حنيفة: يجوز دخولها لهم من غير إذن.
وقال مالك وأحمد: لا يجوز لهم الدخول بحال.
стр. 1426
الغنائم:
تعريفها: الغنائم: جمع غنيمة، وهي في اللغة ما يناله الانسان بسعي، يقول الشاعر: وقد طوفت في الآفاق حتى - رضيت من الغنيمة بالاياب وفي الشرع: هي المال المأخوذ من أعداء الاسلام عن طريق الحرب والقتال، وتشمل الانواع الآتية:
١ - الاموال المنقولة.
٢ - الاسرى.
٣ - الارض.
وتسمى الانفال - جمع نفل - لانها زيادة في أموال المسلمين، وكانت قبائل العرب في الجاهلية قبل الاسلام إذا حاربت وانتصر بعضها على بعض أخذت الغنيمة ووزعتها على المحاربين، وجعلت منها نصيبا كبيرا للرئيس: أشار إليه أحد الشعراء فقال: لك المرباع (١) منها والصفايا (٢) وحكمك والنشيطة (٣) والفضول (٤) إحلالها لهذه الامة دون غيرها: وقد أحل الله الغنائم لهذه الامة: فيرشد الله سبحانه إلى حل أخذ هذه الاموال بقوله: " فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا واتقوا الله إن الله غفور ريحم " (٥) .
стр. 1427
ويشير الحديث الصحيح إلى أن هذا خاص بالامة المسلمة، فإن الامم السابقة لم يكن يحل لها شئ من ذلك.
روى البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله ﷺ قال: " أعطيت خمسا لم يعطهن نبي قبلي:
نصرت بالرعب مسيرة شهر. وجعلت لي الارض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة، فليصل. وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لاحد قبلي. وأعطيت الشفاعة. وبعثت إلى الناس عامة ".
وسبب ذلك ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال " فلم تحل الغنائم لاحد من قبلنا. ذلك لان الله ﵎ رأى ضعفنا وعجزنا فطيبها لنا ". أي أحلها لنا.
مصرفها: كان أول صدام مسلح بين الرسول ﷺ وبين المشركين يوم السابع عشر من رمضان من السنة الثانية من الهجرة في بدر، وقد انتهى هذا الصدام بالنصر المؤزر والفوز العظيم للنبي ﷺ والمسلمين، ولاول مرة منذ البعثة يشعر المسلمون بحلاوة النصر، ويمكنهم الله من أعدائهم الذين اضطهدوهم طيلة خمسة عشر عاما، والذين أخرجوهم من ديارهم وأموالهم بغير حق إلا أن يقولوا: " ربنا الله ".
وقد ترك المشركون المنهزمون وراءهم أموالا طائلة فجمعها المنتصرون من المسلمين، ثم اختلفوا بينهم، فيمن تكون له هذه الاموال؟ أتكون للذين خرجوا في إثر العدو؟ أو تكون للذين أحاطوا برسول الله ﷺ وحموه من العدو؟
стр. 1428
فأرشد القرآن الكريم إلى أن حكمها يرجع إلى الله وإلى رسوله ﷺ .
ففي الآية الاولى من سورة الانفال يقول الله : " يسألونك عن الانفال، قل الانفال لله والرسول ".
كيفية تقسيم الغنائم: وقد بين الله كيفية تقسيم الغنائم، فقال: " واعلموا أنما غنمتم (١) من شئ فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل (٢) إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شئ قدير " (٣) .
فالآية الكريمة نصت على الخمس يصرف على المصارف التي ذكرها الله ، وهي: الله ورسوله، وذو القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل، وذكر الله هنا تبركا.
فسهم الله ورسوله مصرفه مصرف الفئ، فينفق منه على الفقراء، وفي السلاح، والجهاد، ونحو ذلك من المصالح العامة.
روى أبو داود، والنسائي، عن عمرو بن عبسة قال: " صلى بنا رسول الله ﷺ إلى بعير من المغنم، ولما سلم أخذ وبرة من جنب البعير، ثم قال: " لا يحل لي من غنائكم مثل هذا إلا الخمس، والخمس مردود فيكم ".
أي ينفق منه على الفقراء، وفي السلاح، والجهاد.
стр. 1429
أما نفقات الرسول ﷺ ، فكانت مما أفاء الله عليه من أموال بني النضير.
روى مسلم عن عمر، قال: " كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولاركاب.
فكانت للنبي ﷺ خاصة.
فكان ينفق على أهله نفقة سنة، وما بقي جعله في الكراع (١) والسلاح عدة في سبيل الله.
وسهم ذي القربى: أي أقرباء النبي ﷺ وهم بنو هاشم، وبنو المطلب، الذين آزروا النبي ﷺ وناصروه، دون أقربائه الذين خذلوه وعاندوه.
روى البخاري وأحمد عن جبير بن مطعم، قال: لما كان يوم خيبر، قسم رسول الله ﷺ سهم ذوي القربى بين بني هاشم وبني المطلب.
فأتيت أنا وعثمان بن عفان، فقلنا: يا رسول الله: أما بنو هاشم فلا ننكر فضلهم، لمكانك الذي وضعك الله به منهم، فما بال إخواننا من بني المطلب، أعطيتهم وتركتنا، وإنما نحن وهم منك بمنزلة واحدة، فقال: " إنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام.
وإنما بنو هاشم وبنو المطلب شئ واحد ".
وشبك بين أصابعه " ويأخذ منهم الغني (٢) والفقير والقريب والبعيد، والذكر والانثى " للذكر مثل حظ الانثيين (٣) ".
وهذا مذهب الشافعي، وأحمد.
وروي عن ابن عباس، وزين العابدين، والباقر: أنه يسوى في العطاء بين غنيهم وفقيرهم، ذكورهم وإناثهم، صغارهم وكبارهم، لان اسم القرابة يشملهم، ولانهم عوضوه لما حرمت عليهم الزكاة، ولان الله جعل ذلك لهم، وقسمه الرسول ﷺ لهم، وليس في الحديث أنه فضل بعضهم على البعض.
стр. 1430
واعتبر الشافعي أن سهمهم استحق بالقرابة فأشبه الميراث.
وقد كان النبي ﷺ يعطي عمه العباس وهو غني - ويعطي عمته صفية.
وأما سهم اليتامى، وهم أطفال المسلمين، فقيل: يختص به الفقراء وقيل: يعم الاغنياء والفقراء، لانهم ضعفاء وإن كانوا أغنياء.
روى البيهقي بإسناد صحيح، عن عبد الله بن شقيق عن رجل قال: أتيت النبي ﷺ وهو بوادي القرى، وهو معترض فرسا، فقلت: يا رسول الله ما تقول في الغنيمة؟ قال: " لله خمسها، وأربعة أخماسها للجيش.
" قلت: فما أحد أولى به من أحد؟ قال: " لا، ولا السهم تستخرجه من جيبك، ليس أنت أحق به من أخيك
المسلم.
" وفي الحديث: " وأيما قرية عصت الله ورسوله، فإن خمسها لله ورسوله ثم هي لكم ".
وأما الاربعة الاخماس الباقية، فتعطى للجيش.
ويختص بها: الذكور، الاحرار، البالغون، العقلاء.
أما النساء، والعبيد، والصغار، والمجانين، فإنه لا يسهم لهم.
لان الذكورة، والحرية، والبلوغ، والعقل، شرط في الاسهام.
ويستوي في العطاء القوي، والضعيف، ومن قاتل، ومن لم يقاتل.
روى أحمد، عن سعد بن مالك، قال: " قلت: يا رسول الله، الرجل يكون حامية القوم، ويكون سهمه وسهم غيره سواء؟ قال: ثكلتك أمك ابن أم سعد، وهل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم ".
وفي كتاب حجة الله البالغة: " ومن بعثه الامير لمصلحة الجيش، كالبريد، والطليعة، والجاسوس.
يسهم له وإن لم يحضر الواقعة، كما كان لعثمان يوم بدر، فقد تغيب عنها
стр. 1431
بأمر رسول الله ﷺ ، من أجل مرض زوجته، رقية بنت الرسول ﷺ .
فقال له النبي ﷺ : " إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه ".
رواه البخاري عن ابن عمر ﵄.
وتقسم الغنيمة على أساس أن يكون للراجل سهم، وللفارس ثلاثة: وقد جاءت الاحاديث الصحيحة الصريحة بأن النبي ﷺ :
كان يسهم للفارس وفرسه ثلاثة أسهم، وللراجل (١) سهما.
وإنما كان ذلك كذلك لزيادة مئونة الفرس واحتياجه إلى سايس " وقد يكون تأثير الفارس بالفرس (٢) في الحرب ثلاثة أصعاف تأثير الراجل (٣) .
ولا يسهم لغير الخيل، لانه لم ينقل عنه ﷺ أنه أسهم لغير الخيل، وكان معه سبعون بعيرا يوم بدر، ولم تخل غزوة من غزواته من الابل وهي غالب دوابهم، ولو أسهم لها لنقل الينا، وكذلك أصحابه من بعده لم يسهموا للابل.
ولا يسهم لاكثر من فرس واحد، لان النبي ﷺ لم يرو عنه ولا عن أصحابه أنهم أسهموا لاكثر من فرس، ولان العدو لا يقاتل إلا على فرس واحد.
وقال أبو حنيفة ﵁: " يسهم لاكثر من فرس واحد، لانه أكثر غناء وأعظم منفعة.
ويعطى الفرس المستعار والمستأجر، وكذلك المغصوب وسهمه لصاحبه.
النفل من الغنيمة: يجوز للامام أن يزيد بعض المقاتلين عن نصيبه بمقدار الثلث، أو الربع.
стр. 1432
وأن تكون هذه الزيادة من الغنيمة نفسها، إذا أظهر من النكاية في العدو ما يستحق به هذه الزيادة، وهذا مذهب أحمد وأبو عبيد (١) .
وحجة ذلك، حديث حبيب بن مسلمة، أن رسول الله ﷺ : كان ينفل الربع من السرايا بعد الخمس في البداءة، وينفلهم الثلث بعد الخمس في الرجعة ".
رواه أبو داود، والترمذي.
وجمع لسلمة بن الاكوع في بعض مغازيه بين سهم الراجل والفارس، فأعطاه خمسة أسهم لعظم عنائه في تلك الغزوة.
السلب للقاتل: السلب هو ما وجد على المقتول من السلاح وعدة الحرب، وكذلك ما يتزين به للحرب.
أما ما كان معه من جواهر ونقود ونحوها، فليس من السلب، وإنما هو غنيمة.
وأحيانا يرغب القائد في القتال، فيغري المقاتلين بأخذ سلب المقتولين، وإيثارهم به دون بقية الجيش.
وقد قضى رسول الله ﷺ في السبل للقاتل، ولم يخمسه.
رواه أبو داود عن عوف بن مالك الاشجعي. وخالد بن الوليد.
وروى ابن أبي شيبة عن أنس بن مالك: أن البراء بن مالك مر على مرزبان يوم الدارة، فطعنه طعنة على قربوص سرجه فقتله، فبلغ سلبه ثلاثين ألفا، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب ﵁، فقال لابي طلحة: " إنا كنا لا نخمس السلب، وإن سلب البراء قد بلغ مالا كثيرا. ولا أراني إلا خمسته ".
قال: قال ابن سيرين: فحدثني أنس بن مالك: إنه أول سلب خمس في الاسلام.
стр. 1433
عن سلمة بن الاكوع.
قال: أتى النبي ﷺ عين (١) من المشركين، وهو في سفر، فجلس مع أصحابه يتحدث، ثم انفتل، فقال النبي ﷺ : " اطلبوه، فاقتلوه "، قال: فقتلته، فنفلني سلبه.
من لا سهم له في الغنيمة:
تقدم أن شرط الاسهام في الغنيمة: البلوغ، والعقل، والذكورة، والحرية.
فمن لم يكن مستوفيا لهذه الشروط فلا سهم له في الغنيمة، وإن كان له أن يأخذ منها دون السهم.
قال سعيد بن المسيب: كان الصبيان والعبيد يحذون من الغنيمة إذا حضروا الغزو في صدر هذه الامة.
وروى أبو داود، عن عمير قال: شهدت خيبر مع سادتي، فكلموا في رسول الله ﷺ .
فأخبر أني مملوك، فأمر بي من خرثى المتاع: أي أردأه.
وفي حديث ابن عباس: أنه سئل عن المرأة والعبد هل كان لهما سهم معلوم إذا حضر الناس؟ فأجاب: انه لم يكن لهما سهم معلوم، إلا أنه يحذيا (٢) من غنائم القوم.
وعن أم عطية، قالت: كنا نغزو مع رسول الله ﷺ ، فنداوي الجرحى، ونمرض المرضى: وكان يرضخ لنا من الغنيمة.
وأخرج الترمذي عن الاوزاعي مرسلا، قال: أسهم النبي ﷺ الصبيان بخيبر.
والمقصود بالاسهام هنا الرضخ.
وعن يزيد بن هرمز: أن نجدة الحروري كتب إلى ابن عباس ﵄، يسأله عن خمس خلال أما بعد: فأخبرني: " هل كان النبي ﷺ يغزو بالنساء؟
стр. 1434
وهل كان يضرب لهن بسهم؟ وهل كان يقتل الصبيان؟ ومتى ينقضي يتم اليتيم؟ وعن الخمس لمن هو؟ " فقال ابن عباس: لولا أن أكتم علما ما كتبت إليه.
ثم كتب إليه، فقال: " كتبت تسألني: هل كان رسول الله ﷺ يغزو بالنساء؟ وقد كان يغزو بهن، فيداوين الجرحى، ويحذين (١) من الغنيمة، وأما يسهم، فلا.
ولم يكن النبي ﷺ يقتل الصبيان، وأنت لاتقتلهم.
وكتبت تسألني: متى ينقضي يتم اليتيم؟ فلعمري، إن الرجل لتنبت لحيته، وإنه لضعيف الاخذ لنفسه، ضعيف
الوكاء منها، فإذا أخذ لنفسه من صالح ما يأخذ الناس، فقد ذهب عنه اليتم.
وكتبت تسألني: عن الخمس لمن هو؟ وإنا كنا نقول: هو لنا، فأبى علينا قومنا ذاك ".
رواه الخمسة إلا البخاري.
الأجراء وغير المسلمين لا يسهم لهم:
وكذلك لا حق للاجراء الذين يصحبون الجيش للمعاش في الغنيمة، وإن قاتلوا، لانهم لم يقصدوا قتالا، ولا خرجوا مجاهدين، ويدخل فيهم الجيوش الحديثة، فإنها صناعة وحرفة.
وأما غير المسلمين من الذميين، فقد اختلفت فيهم أنظار الفقهاء فيما إذا استعين بهم في الحرب، وقاتلوا مع المسلمين.
فقالت الاحناف، وهو مروي عن الشافعي ﵁: يرضخ (٢) لهم، ولا يسهم لهم.
стр. 1435
ومروي عن الشافعي أيضا: يستأجرهم الامام من مال لا مالك له بعينه، فإن لم يفعل أعطاهم سهم النبي ﷺ .
وقال الثوري والاوزاعي: يسهم لهم.
الغلول:
تحريم الغلول: يحرم الغلول، وهو السرقة من الغنيمة، إذ أن الغلول يكسر قلوب
المسلمين، ويسبب اختلاف كلمتهم، ويشغلهم بالانتهاب عن القتال، وكل ذلك يفضي إلى الهزيمة، ولهذا كان الغلول من كبائر الاثم بإجماع المسلمين.
يقول الله تعالى: " وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ".
(١) وقد أمر النبي ﷺ بعقوبة الغال وحرق متاعه وضربه، زجرا للناس وكبحا لهم أن يفعلوا مثل ذلك.
فقد روى أبو داود، والترمذي، عن عمر ﵁، عن النبي ﷺ قال: " إذا وجدتم الرجل قد غل فاحرقوا متاعه واضربوه ".
قال: فوجدنا في متاعه مصحفا، فسألنا سالما عنه؟ فقال: بعه وتصدق بثمنه.
وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده: أن النبي ﷺ وأبا بكر، وعمر، حرقوا متاع الغال وضربوه.
وقد رويت أحاديث أخرى عن النبي ﷺ : أنه لم يأمر بحرق متاع الغال، ولا ضربه، ففهم من هذا ان للحاكم أن يتصرف حسب ما يرى من المصلحة، فإن كانت المصلحة تقتضي التحريق والضرب حرق
стр. 1436
وضرب، وإن كانت المصلحة غير ذلك فعل ما فيه المصلحة.
وروى البخاري عن عبد الله بن عمرو قال: كان على ثقل (١) النبي صلى
الله عليه وسلم رجل يقال له كركرة، فمات، فقال النبي ﷺ : " هو في النار "، فذهبوا ينظرون إليه، فوجدوا عباءة قد غلها.
وروى أبو داود: " أن رجلا مات يوم خيبر من الاصحاب، فبلغ النبي ﷺ ، فقال: " صلوا على صاحبكم " فتغيرت وجوه الناس، فقال: " إن صاحبكم غل في سبيل الله "، ففتشوا متاعه، فوجدوا خرزا من خرز اليهود لا يساوي درهمين.
الانتفاع بالطعام قبل قسمة الغنائم: ويستثنى من ذلك الطعام، وعلف الدواب، فإنه يباح للمقاتلين أن ينتفعوا بها ماداموا في أرض العدو، ولو لم تقسم عليهم.
١ - روى البخاري، ومسلم، عن عبد الله بن مغفل، قال: أصبت جرابا من شحم يوم خيبر، فالتزمته، فقلت: لا أعطي اليوم أحدا من هذا شيئا، فالتفت، فإذا رسول الله ﷺ مبتسم.
٢ - وأخرج أبو داود، والحاكم، والبيهقي، عن ابن أبي أوفى قال: " أصبنا طعام يوم خيبر، وكان الرجل يجئ فيأخذ منه مقدار ما يكفيه، ثم ينطلق.
٣ - وروى البخاري عن ابن عمر قال: كنا نصيب في مغازينا العسل والعنب، فنأكله ولا نرفعه.
وفي بعض رواية الحديث عند أبي داود: فلم يؤخذ منهما الخمس.
قال مالك في الموطأ: لا أرى بأسا أن يأكل المسلمون إذا دخلوا أرض العدو من طعامهم، ما وجدوا من ذلك كله قبل أن تقع في المقاسم.
وقال: أنا أرى الابل والبقر والغنم بمنزلة الطعام، يأكل منه المسلمون إذا دخلوا أرض العدو كما يأكلون الطعام.
стр. 1437
وقال: ولو أن ذلك لا يؤكل حتى يحضر الناس المقاسم ويقسم بينهم أضر ذلك بالجيوش.
قال: فلا أرى بأسا بما أكل من ذلك كله على وجه المعروف والحاجة إليه، ولا أرى أن يدخر بعد ذلك شيئا يرجع به إلى أهله.
المسلم يجد ماله عند العدو يكون له: إذا استرد المقاتلون أموالا للمسلمين كانت بأيدي الاعداء، فأربابها أحق بها، وليس للمقاتلين منها شئ، لانها ليست من الغنائم.
١ - عن ابن عمر أنه غار له فرس، فأخذها العدو فظهر عليه المسلمون، فردت عليه في زمان النبي ﷺ .
٢ - وعن عمران بن حصين قال: " أغار المشركون على سرح المدينة وأخذوا العضباء، ناقة رسول الله ﷺ ، وامرأة من المسلمين، فلما كانت ذات ليلة، قامت المرأة، وقد ناموا، فجعلت لا تضع يدها على بعير إلا أرغى حتى أتت العضباء، فأتت ناقة ذلولا، فركبتها، ثم توجهت قبل المدينة، ونذرت لئن نجاها الله لتنحرنها، فلما قدمت المدينة عرفت الناقة، فأتوا بها رسول الله ﷺ ، فأخبرته المرأة بنذرها، فقال: " بئس ما جزيتها، لا نذر فيما لا يملك ابن آدم، ولا نذر في معصية ".
وكذلك إذا أسلم الحربي وبيده مال مسلم، فإنه يرد إلى صاحبه.
الحربي يسلم:
إذا أسلم الحربي وهاجر إلى دار الاسلام وترك بدار الحرب ولده وزوجته وماله، فإن هذه تأخذ حرمة ذرية المسلم، وحرمة ماله، فإذا غلب المسلمون عليها لم تدخل في نطاق الغنائم، لقوله ﷺ : " فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأمولهم ".
стр. 1438
أسرى الحرب:
أسرى الحرب، وهم من جملة الغنائم، وهم على قسمين: (الاول) النساء والصبيان.
(الثاني) الرجال البالغون المقاتلون من الكفار إذا ظفر المسلمون بهم أحياء.
وقد جعل الاسلام الحق للحاكم في أن يفعل بالرجال المقاتلين إذا ظفر بهم ووقعوا أسرى، ما هو الانفع والاصلح من المن، أو الفداء، أو القتل.
والمن: هو إطلاق سراحهم مجانا.
والفداء: قد يكون بالمال، وقد يكون بأسرى المسلمين، ففي غزوة بدر كان الفداء بالمال، وصح عنه ﷺ أنه فدى رجلين من أصحابه برجل من المشركين من بني عقيل.
رواه أحمد والترمذي وصححه.
يقول الله : " فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم (١) فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها " (٢) .
وروى مسلم من حديث أنس ﵁: أن النبي ﷺ ، أطلق سراح الذين أخذهم أسرى، وكان عددهم ثمانين، وكانوا قد
هبطوا عليه وعلى أصحابه من جبال التنعيم عند صلاة الفجر ليقتلوهم.
وفي هذا نزل قول الله : " وهو الذي كف أيديم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم " (٣) .
стр. 1439
وقال ﷺ لاهل مكة يوم الفتح: " اذهبوا فأنتم الطلقاء ".
على أنه يجوز للامام، مع ذلك، أن يقتل الاسير إذا كانت المصلحة تقتضي قتله، كما ثبت ذلك عن الرسول ﷺ ، فقد قتل النضر ابن الحارث، وعقبة بن معيط، يوم بدر، وقتل أبا عزة الجمحي يوم أحد.
وفي هذا يقول الله سبحانه: " ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الارض " (١) .
وممن ذهب إلى هذا جمهور العلماء، فقالوا: " للامام الحق في أحد الامور الثلاثة المتقدمة ".
وقال الحسن وعطاء: لا يقتل الاسير، بل يمن عليه أو يفادى به.
وقال الزهري ومجاهد وطائفة من العلماء: لا يجوز أخذ الفداء من أسرى الكفار أصلا.
وقال مالك: لا يجوز المن بغير فداء.
وقال الاحناف: لا يجوز المن أصلا، لا بفداء ولا بغيره.
معاملة الأسرى:
عامل الاسلام الاسرى معاملة إنسانية رحيمة، فهو يدعو إلى إكرامهم والاحسان إليهم، ويمدح الذين يبرونهم، ويثني عليهم الثناء الجميل.
يقول الله تعالى: " ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا - إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا " (٢) .
ويروي أبو موسى الاشعري ﵁، عن رسول الله ﷺ ، أنه قال:
стр. 1440
" فكوا العاني (١) ، وأجيبوا الداعي، وأطعموا الجائع، وعودوا المريض ".
وتقدم أن ثماقة بن أثال وقع أسيرا في أيدي المسلمين، فجاءوا به إلى النبي ﷺ فقال: " أحسنوا إساره ".
وقال: " اجمعوا ما عندكم من طعام فابعثوا به إليه ".
فكانوا يقدمون إليه لبن لقحة (٢) الرسول ﷺ غدوا ورواحا.
ودعاه النبي ﷺ إلى الاسلام، فأبى، وقال له: إن أردت الفداء، فاسأل ما شئت ما المال.
فمن عليه الرسول ﷺ ، وأطلق سراحه بدون فداء، فكان ذلك من أسباب دخوله في الاسلام.
وقد جاء في الصحاح في شأن أسرى غزوة بني المصطلق - وكان من بينهم جويرية بنت الحارث - أن أباها الحارث بن أبي ضرار، حضر إلى المدينة ومعه كثير من الابل ليفتدي بها ابنته، وفي وادي العقيق، قبل المدينة بأميال، أخفى اثنين من الجمال أعجباه في شعب بالجبل، فلما دخل على النبي ﷺ قال له: يا محمد أصبتم ابنتي، وهذا فداؤها.
فقال ﵊: " فأين البعيران اللذان غيبتهما بالعقيق في شعب كذا "؟ فقال الحارث: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، والله ما أطلعك على ذلك إلا الله. وأسلم الحارث وابنان له، وأسلمت ابنته أيضا، فخطبها رسول الله ﷺ إلى أبيها وتزوجها، فقال الناس: لقد أصبح هؤلاء الاسرى الذين بأيدينا أصهار رسول الله ﷺ ، فمنوا عليهم بغير فداء.
وتقول عائشة ﵂: " فما أعلم أن امرأة كانت أعظم بركة على قومها من جويرية، إذ بتزوج الرسول ﷺ إياها أعتق مائة من أهل بيت بني المصطلق ".
ولمثل هذا تزوج النبي ﷺ من جويرية، لا لشهوة يقضيها، بل لمصلحة شرعية يبتغيها، ولو كان يبغي الشهوة لاخذها أسيرة حرب بملك اليمين.