← Фикх общий

Фикх общий · id 9486

فقه السنة

سيد سابق

Полный текст (2 120 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

قال ابن رشد: واختلف قوله في هذا الوقت، هل هو محدود أم لا؟ فمرة قال: هو غير محدود، وإنها لا تنقطع أبدا إلا أن يحدث المبتاع بناء أو تغيرا كثيرا بمعرفته وهو حاضر عالم ساكت. ومرة حدد هذا الوقت، فروي عنه السنة، وهو الاشهر، وقيل أكثر من سنة. وقد قيل عنه: إن الخمسة أعوام لا تنقطع فيها الشفعة. خامسا: أن يدفع الشفيع للمشتري قدر الثمن الذي وقع عليه العقد فيأخذ الشفيع الشفعة بمثل الثمن إن كان مثليا أو بقيمته إن كان متقوما. ففي حديث جابر مرفوعا " هو أحق به بالثمن " رواه الجوزجاني. فإن عجز عن دفع الثمن كله سقطت الشفعة. ويرى مالك والحنابلة أن الثمن إذا كان مؤجلا كله أو بعضه فإن للشفيع تأجيله أو دفعه منجما " مقسطا " حسب المنصوص عليه في العقد، بشرط أن يكون موسرا أو يجئ بضامن له موسر، وإلا وجب أن يدفع الثمن حالا رعاية للمشتري.

стр. 1682

والشافعي والاحناف يرون أن الشفيع مخير، فإن عجل تعجلت الشفعة، وإلا تتاخر إلى وقت الاجل. سادسا: أن يأخذ الشفيع جميع الصفقة، فإن طلب الشفيع أخذ البعض سقط حقه في الكل. وإذا كانت الشفعة بين أكثر من شفيع فتركها بعضهم فليس للباقي إلا أخذ الجميع حتى لا تتفرق الصفقة على المشتري. الشفعة بين الشفعاء: إذا كانت الشفعة بين أكثر من شفيع وهم أصحاب سهام متفاوتة فإن كل واحد منهم يأخذ من المبيع بقدر سهمه عند مالك، والاصح من قولي الشافعي وأحمد، لانها حق يستفاد بسبب الملك فكانت على قدر الاملاك. وقال الاحناف وابن حزم: إنها على عدد الرؤوس لاستوائهم جميعا في سبب استحقاقها. وراثة الشفعة: يرى مالك والشافعي (١) أي الشفعة تورث ولا تبطل بالموت، فإذا أوجبت له الشفعة فمات ولم يعلم بها، أو علم بها ومات قبل التمكن من الاخذ انتقل الحق إلى الوارث قياسا على الاموال.

стр. 1683

وقال أحمد: لا تورث إلا أن يكون الميت طالب بها. وقالت الاحناف: إن هذا الحق لا يورث كما أنه لا يباع وإن كان الميت طالب بالشفعة إلا أن يكون الحاكم حكم له بها ثم مات. تصرف المشتري: تصرف المشتري في المبيع قبل أخذ الشفيع بالشفعة صحيح لانه تصرف في ملكه، فإن باعه فللشفيع أخذه بأحذ البيعين. وإن وهبه أو وقفه أو تصدق به أو جعله صداقا ونحوه فلاشفعة، لان فيه إضرارا بالمأخوذ منه لان ملكه يزول عنه بغير عوض والضرر لا يزال بالضرر، أما تصرف المشتري بعد أخذ الشفيع بالشفعة فهو باطل، لانتقال الملك للشفيع بالطلب. المشتري يبني قبل الاستحقاق بالشفعة: إذا بنى المشتري أو غرس في الجزء المشفوع فيه قبل قيام الشفعة ثم استحق عليه بالشفعة. فقال الشافعي وأبو حنيفة: للشفيع أن يعطيه قيمة البناء منقوضا، وكذلك قيمة العرش مقلوعا أو يكلفه بنقضه.

стр. 1684

وقال مالك: لاشفعة إلا أن يعطى المشتري قيمة ما بنى وما غرس. المصالحة عن إسقاط الشفعة: إذا صالح عن حقه في الشفعة أو باعه من المشتري كان عمله باطلا ومسقطا لحقه في الشفعة، وعليه رد ما أخذه عوضا عنه من المشتري. وهذا عند الشافعي. وعند الائمة الثلاثة يجوز له ذلك، وله أن يتملك ما بذله له المشتري.

стр. 1685

الوكالة: تعريفها: الوكالة (١) : معناها التفويض، تقول: وكلت أمري إلى الله، أي فوضته إليه - وتطلق على الحفظ، ومنه قول الله سبحانه: " حسبنا الله ونعم الوكيل (٢) ". والمراد بها هنا استنابة الانسان غيره فيما يقبل النيابة. مشروعيتها: وقد شرعها الاسلام للحاجة إليها، فليس كل إنسان قادرا على مباشرة أموره بنفسه فيحتاج إلى توكيل غيره ليقوم بها بالنيابة عنه، جاء في القرآن الكريم قول الله سبحانه في قصة أهل الكهف: " وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم. قال قائل منهم: كم لبثتم؟ قالوا: لبثنا يوما أو بعض يوم. قالوا: ربكم أعلم بما

стр. 1686

لبثتم فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه، وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدا " (١) . وذكر الله عن يوسف أنه قال للملك: " اجعلني على خزائن الارض إني حفيظ عليم ". وجاءت الاحاديث الكثيرة تفيد جواز الوكالة، منها أنه، ﷺ ، وكل أبا رافع ورجلا من الانصار فزوجاه ميمونة ﵂ وثبت عنه، ﷺ ، التوكيل في قضاء الدين، والتوكيل في إثبات الحدود واستيفائها، والتوكيل في القيام على بدنه وتقسيم جلالها (٢) وجلودها، وغير ذلك. وأجمع المسلمون على جوازها بل على استحبابها، لانها نوع من التعاون على البر والتقوى الذي دعا إليه القرآن الكريم وحببت فيه السنة، يقول الله سبحانه: " وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان ". ويقول الرسول ﷺ : " والله في عون العبد ماكان العبد في عون أخيه ".

стр. 1687

وقد حكى صاحب البحر الاجماع على كونها مشروعة. وفي كونها نيابة أو ولاية وجهان: فقيل: نيابة، لتحريم المخالفة، وقيل: ولاية لجواز المخالفة إلى الاصلح، كالبيع بمعجل وقد أمر بمؤجل. أركانها: الوكالة عقد من العقود، فلا تصح إلا باستيفاء أركانها من الايجاب والقبول، ولا يشترط فيهما لفظ معين بل تصح بكل ما يدل عليهما من القول أو الفعل. ولكل واحد من المتعاقدين أن يرجع في الوكالة ويفسخ العقد في أي حال. لانها من العقود الجائزة أي غير اللازمة. التنجيز والتعليق: وعقد الوكالة يصح منجزا ومعلقا ومضافا إلى المستقبل كما يصح مؤقتا بوقت، أو بعمل معين، فالمنجز مثل: وكلتك في شراء كذا. والتعليق مثل: إن تم كذا فأنت وكيلي، والاضافة إلى المستقبل مثل: إن جاء شهر رمضان فقد وكلتك عني، والتوقيت مثل: وكلتك مدة سنة أو لتعمل كذا. وهذا مذهب الحنفية والحنابلة، ورأى الشافعية أنه لا يجوز تعليقها بالشرط. والوكالة قد تكون تبرعا من الوكيل وقد تكون بأجر لانه تصرف لغيره لا يلزمه فجاز أخذ العوض عليه، وحينئذ للموكل أن يشترط عليه أن لا يخرج نفسه منها إلا بعد

стр. 1688

أجل محدود وإلا كان عليه التعويض (١) . وإن نص في العقد على أجرة للوكيل اعتبر أجيرا وسرت عليه أحكام الاجير. شروطها: والوكالة لا تصح إلا إذا استكملت شروطها، وهذه الشروط منها شروط خاصة بالموكل ومنها شروط خاصة بالوكيل، ومنها شروط خاصة بالموكل فيه، أي محل الوكالة. شروط الموكل: ويشترط في الموكل أن يكون مالكا للتصرف فيما يوكل فيه، فإن لم يكن مالكا للتصرف فلا يصح توكيله: كالمجنون والصبي غير المميز، فإنه لا يصح أن يوكل واحد منهما غيره، لان كلا منهما فاقد الاهلية، فلا يملك التصرف ابتداء. أما الصبي المميز فإنه يصح توكيله في التصرفات النافعة له نفعا محضا، مثل التوكيل بقبول الهبة والصدقة والوصية. فإن كانت التصرفات ضارة به ضررا محضا مثل الطلاق والهبة والصدقة فإن توكيله لا يصح. شروط الوكيل: ويشترط في الوكيل أن يكون عاقلا،

стр. 1689

فلو كان مجنونا أو معتوها أو صبيا غير مميز فإنه لا يصح توكيله. أما الصبي المميز فإنه يجوز توكيله عند الاحناف لانه مثل البالغ في الاحاطة بأمور الدنيا، ولان عمرو ابن السيدة أم سلمة زوج أمه من رسول الله ﷺ ، وكان صبيا لم يبلغ الحلم بعد. شروط الموكل فيه: ويشترط في الموكل فيه أن يكون معلوما للوكيل أو مجهولا جهالة غير فاحشة، إلا إذا أطلق الموكل كأن يقول له: اشتر لي ما شئت، كما يشترط فيه أن يكون قابلا للنيابة. ويجري ذلك في كل العقود التي يجوز للانسان أن يعقدها لنفسه: كالبيع والشراء والاجارة وإثبات الدين والعين والخصومة والتقاضي والصلح وطلب الشفعة والهبة والصدقة والرهن والارتهان والاعارة والاستعارة والزواج والطلاق وإدارة الاموال، سواء أكان الموكل حاضرا أم غائبا وسواء أكان رجلا أم امرأة. روي البخاري عن أبي هريرة قال: كان لرجل على النبي ﷺ سن من الابل فجاء يتقاضاه فقال: أعطوه، فطلبواله سنه فلم يجدوا إلا سنا فوقها. فقال: أعطوه. فقال: أوفيتني أوفى الله لك. قال النبي صلى الله

стр. 1690

عليه وسلم: " إن خيركم أحسنكم قضاء ". قال القرطبي: فدل هذا الحديث مع صحته على جواز توكيل الحاضر الصحيح البدن، فإن النبي ﷺ أمر أصحابه أن يعطوا عنه السن التي كانت عليه. وذلك توكيل منه لهم على ذلك، ولم يكن النبي، ﷺ ، مريضا ولا مسافرا، وهذا يرد قول أبي حنيفة وسحنون في قولهما ": إنه لا يجوز توكيل الحاضر الصحيح البدن إلا برضاء الخصم "، وهذا الحديث خلاف قولهما. ضابط ما تجوز فيه الوكالة: وقد وضع الفقهاء ضابطا لما تجوز فيه الوكالة فقالوا: كل عقد جاز أن يعقده الانسان لنفسه جاز أن يوكل به غيره، أما ما لا تجوز فيه الوكالة، فكل عمل لا تدخله النيابة، مثل الصلاة والحلف والطهارة، فإنه لا يجوز في هذه الحالات أن يوكل الانسان غيره فيها لان الغرض منها الابتلاء والاختبار وهو لا يحصل بفعل الغير. الوكيل أمين: ومتى تمت الوكالة كان الوكيل أمينا فيما وكل فيه فلا يضمن إلا بالتعدي أو التفريط، ويقبل قوله في التلف كغيره من الامناء (١) .

стр. 1691

التوكيل بالخصومة: ويصح التوكيل بالخصومة في إثبات الديون والاعيان وسائر حقوق العباد، سواء أكان الموكل مدعيا أم مدعى عليه، وسواء أكان رجلا أم امرأة، وسواء رضي الخصم أم لم يرض، لان المخاصمة حق خالص للموكل، فلهأن يتولاه بنفسه وله أن يوكل عنه غيره فيه، وهل يملك الوكيل بالخصومة الاقرار على موكله؟ وهل له الحق في قبض المال الذي يحكم به له؟ والجواب عن ذلك نذكره فيما يلي: إقرار الوكيل على موكله: إقرار الوكيل على موكله في الحدود والقصاص لا يقبل مطلقا، سواء أكان بمجلس القضاء أم بغيره. وأما إقراره في غير الحدود والقصاص، فإن الائمة اتفقوا على أنه لا يقبل في غير مجلس القضاء، واختلفوا فيما إذا أقر عليه بمجلس القضاء فقال الائمة الثلاثة: لا يصح، لانه إقرار فيما لا يملكه، وقال أبو حنيفة: " يصح إلا إن شرط عليه ألا يقر عليه ". الوكيل بالخصومة ليس وكيلا بالقبض: والوكيل بالخصومة ليس وكيلا بالقبض، لانه قد يكون كفئا للتقاضي والمخاصمة ولايكون أمينا في قبض الحقوق، وهذا ما ذهب إليه

стр. 1692

الائمة الثلاثة، خلافا للاحناف الذين يرون أن له قبض المال الذي يحكم به لموكله، لان هذا من تمام الخصومة ولا تنتهي إلا به، فيعتبر موكلا فيه. التوكيل باستيفاء القصاص: ومما اختلف العلماء فيه التوكيل باستيفاء القصاص، فقال أبو حنيفة: لا يجوز إلا إذا كان الموكل حاضرا، فإذا كان غائبا فإنه لا يجوز لانه صاحب الحق، وقد يعفو لو كان حاضرا فلا يجوز استيفاء القصاص مع وجود هذه الشبهة، وقال مالك: يجوز ولو لم يكن الموكل حاضرا. وهذا أصح قولي الشافعي، وأظهر الروايتين عن أحمد. الوكيل بالبيع: ومن وكل غيره ليبيع له شيئا وأطلق الوكالة فلم يقيده بثمن معين ولا أن يبيعه معجلا أن مؤجلا فليس له أن يبيعه إلا بثمن المثل ولا أن يبيعه مؤجلا، فلو باعه بما لا يتغابن الناس بمثله أو باعه مؤجلا لم يجز هذا البيع إلا برضا الموكل، لان هذا يتنافي مع مصلحته فيرجع فيه إليه، وليس معنى الاطلاق أن يفعل الوكيل ما يشاء، بل معناه الانصراف إلى البيع المتعارف لدى التجار وبما هو أنفع للموكل، قال أبو حنيفة: يجوز أن يبيع كيف شاء نقداأو نسيئة، وبدون ثمن المثل وبما لا يتغابن

стр. 1693

الناس بمثله وبنقد البلد وبغير نقده، لان هذا هو معنى الاطلاق. وقد يرغب الانسان في التخلص من بعض ما يملك ببيعه ولو بغبن فاحش. هذا إذا كانت الوكالة مطلقة، فإذا كانت مقيدة فإنه يجب على الوكيل أن يتقيد بما قيده به الموكل، ولايجوز مخالفته إلا إذا خالفه إلى ما هو خير للموكل، فإذا قيده بثمن معين فباعه بأزيد، أو قال بعه مؤجلا فباعه حالا صح هذا البيع. فإذا لم تكن المخالفة إلى ما هو خير للموكل كان تصرفه باطلا عند الشافعي، ويرى الاحناف أن هذا التصرف يتوقف على رضا الموكل فإن أجازه صح وإلا فلا (١) . شراء الوكيل من نفسه لنفسه: وإذا وكل في بيع شئ هل يجوز له أن يشتريه لنفسه؟. قال مالك: للوكيل أن يشتري من نفسه لنفسه بزيادة في الثمن. وقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد في أظهر روايتيه: لا يصح شراء

стр. 1694

الوكيل من نفسه لنفسه، لان الانسان حريص بطبعه على أن يشتري لنفسه رخيصا، وغرض الموكل الاجتهاد في الزيادة، وبين الغرضين مضادة. التوكيل بالشراء: الوكيل بالشراء إن كان مقيدا بشروط اشترطها الموكل وجب مراعاة تلك الشروط، سواء أكانت راجعة إلى ما يشترى أو إلى الثمن، فإن خالف فاشترى غير ما طلب منه شراؤه، أو اشترى بثمن أزيد مما عينه الموكل كان الشراء له دون الموكل، فإن خالف إلى ما هو أفضل جاز، فعن عروة البارقي، ﵁، أن النبي، ﷺ ، أعطاه دينارا يشتري به ضحية أو شاة، فاشترى شاتين فباع إحداهما بدينار فأتاه بشاة ودينار، فدعا له بالبركة في بيعه، فكان لو اشترى ترابا لربح فيه. رواه البخاري وأبو داود والترمذي. وفي هذا دليل على أنه يجوز للوكيل إذا قال له المالك: اشتر بهذا الدينار شاة ووصفها أن يشتري به شاتين بالصفة المذكورة، لان مقصود الموكل قد حصل، وزاد الوكيل خيرا، ومثل هذا لو أمره أن يبيع شاة بدرهم فباعها. بدرهمين أو أن يشتريها بدرهم فاشتراها بنصف درهم. وهو الصحيح عند الشافعية كما نقله النووي في زيادة

стр. 1695

الروضة ... وإن كانت الوكالة مطلقة فليس للوكيل أن يشتري بأكثر من ثمن المثل أو بغبن فاحش، وإذا خالف كان تصرفه غير نافذ على الموكل ووقع الشراء للوكيل نفسه. انتهاء عقد الوكالة: ينتهي عقد الوكالة بما يأتي: ١ - موت أحد المتعاقدين أو جنونه، لان من شروط الوكالة الحياة والعقل، فإذا حدث الموت أو الجنون فقد فقدت ما يتوقف عليه صحتها. ٢ - إنهاء العمل المقصود من الوكالة، لان العمل المقصود إذا كان قد انتهى فإن الوكالة في هذه الحال تصبح لا معنى لها ... ٣ - عزل الموكل للوكيل ولو لم يعلم (١) . ويرى الاحناف: أنه يجب أن يعلم الوكيل بالعزل، وقبل العلم تكون تصرفاته كتصرفاته قبل العزل في جميع الاحكام. ٤ - عزل الوكيل نفسه. ولا يشترط علم الموكل بعزل نفسه أو حضوره، والاحناف يشترطون ذلك حتى لا يضار. ٥ - خروج الموكل فيه عن ملك الموكل.

стр. 1696

العارية: تعريفها: العارية (١) عمل من أعمال البر التي ندب إليها الاسلام ورغب فيها. يقول الله سبحانه: " وتعاونوا على البر والتقوي ولا تعاونوا على الاثم والعدوان " (٢) . وقال أنس، ﵁: كان فزع بالمدينة فاستعار النبي، ﷺ ، فرسا من أبي طلحة يقال له: المندوب، فركبه فلما رجع قال: " ما رأينا من شئ وإن وجدناه لبحرا ". وقد عرفها الفقهاء بأنها إباحة المالك منافع ملكه لغيره بلا عوض.

стр. 1697

بم تنعقد: وتنعقد بكل ما يدل عليها من الاقوال والافعال. شروطها: ويشترط لها الشروط الآتية: ١ - أن يكون المعير أهلا للتبرع. ٢ - أن تكون العين منتفعا بها مع بقائها. ٣ - أن يكون النفع مباحا. إعارة الاعارة وإجارتها: ذهب أبو حنيفة ومالك إلى أن المستعير له إعارة العارية وإن لم يأذن المالك إذا كان مما لا يختلف باختلاف المستعمل. وعند الحنابلة أنه متى تمت العارية جاز للمستعير أن ينتفع بها بنفسه أو بمن يقوم مقامه، إلا أنه لا يؤجرها ولا يعيرها إلا بإذن المالك. فإن أعارها بدون إذنه فتلفت عند الثاني فللمالك أن يضمن أيهما شاء، ويستقر الضمان على الثاني لانه قبضها على أنه ضامن لها وتلفت في يده، فاستقر الضمان عليه، كالغاصب من الخاصب. متى يرجع المعير: وللمعير أن يسترد العارية متى شاء، ما لم يسبب ضررا للسمتعير.

стр. 1698

فإن كان في استردادها ضرر بالمستعير أجل حتى يتقي ما يتعرض له من ضرر. وجوب ردها: ويجب على المستعير أن يرد العارية التي استعارها بعد استيفاء نفعها لقول الله سبحانه: " إن الله يأمركم أن تؤدوا الامانات إلى أهلها " (١) . وعن أبي هريرة أن النبي، ﷺ ، قال: " أد الامانة إلى من أئتمنك ولا تخن من خانك ". أخرجه أبو داود، والترمذي وصححه، والحاكم وحسنه. وروى أبو داود والترمذي وصححه عن أبي أمامة أن النبي ﷺ قال: " العارية مؤداة " (٢) . إعارة ما لا يضر المعير وينفع المستعير: نهى رسول الله، ﷺ ، أن يمنع الانسان جاره من غرز خشبة في جداره ما لم يكن في ذلك ضرر

стр. 1699

يصيب الجدار. فعن أبي هريرة أن رسول الله، ﷺ ، قال: " لايمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره ". قال أبو هريرة: مالي أراكم عنها معرضين، والله لارمين بها بين أكتافكم. رواه مالك. واختلف العلماء في معنى الحديث، هل هو على المندب إلى تمكين الجار من وضع الخشب على جدار جاره أم على الايجاب. وفيه قولان للشافعي وأصحاب مالك، أصحهما في المذهبين الندب، وبه قال أبو حنيفة والكوفيون، والثاني الايجاب وبه قال أحمد وأبو ثور وأصحاب الحديث وهو ظاهر الحديث، ومن قال بالندب قال: ظاهر الحديث أنهما توقفوا عن العمل، فلهذا قال: مالي أراكم عنها معرضين. وهذا يدل على أنهم فهموا منه الندب لا الايجاب، ولو كان واجبا لما أطبقوا على الأعراض عنه. والله أعلم. ويدخل في هذا كل ما ينتفع به المستعير ولاضرر فيه على المعير، فإنه لا يحل منعه وإذا منعه صاحبه قضى الحاكم به. لما رواه مالك عن عمر بن الخطاب أن الضحاك ابن قيس ساق خليجا له من العريض فأراد أن يمر في أرض

стр. 1700

محمد بن مسلمة، فأبى محمد - فقال له الضحاك: أنت تمنعني وهو لك منفعة - تسقي منه أولا وآخرا ولا يضرك؟ فأبى محمد. فكلم فيه الضحاك عمر بن الخطاب، فدعا عمر محمد بن مسلمة، فأمره أن يخلي سبيله، قال محمد: لا، فقال عمر: لا تمنع أخاك ما ينفعه ولا يضرك، فقال محمد: لا - فقال عمر: والله ليمرن به ولو على بطنك، فأمره عمر أن يمر به - ففعل الضحاك. ولحديث عمرو بن يحيى المازني عن أبيه أنه قال: كان في حائط جدي ربيع لعبد الرحمن بن عوف فأراد أن يحوله إلى ناحية من الحائط فمنعه صاحب الحائط. فكلم عمر بن الخطاب - فقضى لعبد الرحمن بن عوف بتحويله. وهذا مذهب الشافعي وأحمد وأبي ثور وداود وجماعة أهل الحديث. ويرى أبو حنيفة ومالك: أنه لا يقضي بمثل هذا، لان العارية لا يقضى بها. والاحاديث المتقدمة ترجح الرأي الاول. ضمان المستعير: ومتى قبض المستعير العارية فتلفت ضمنها، سواء فرط أم لم يفرط.

стр. 1701

وإلى هذا ذهب ابن عباس وعائشة وأبو هريرة والشافعي وإسحاق. ففي حديث سمرة، ﵁، أن النبي، ﷺ ، قال: " على اليد ما أخذت حتى تودي " (١) . وذهب الاحناف والمالكية إلى أن المستعير لا يضمن إلا بتفريط منه، لقول الرسول، ﷺ : " ليس على المستعير غير المغل (٢) ضمان، ولا المستودع غير المغل ضمان ". أخرجه الدارقطني.

стр. 1702

الوديعة: تعريفها: الوديعة مأخوذة من ودع الشئ بمعنى تركه. وسمي الشئ الذي يدعه الانسان عند غيره ليحفظه له بالوديعة، لانه يتركه عند المودع. حكمها: والايداع والاستيداع جائزان، ويستحب قبولها لمن يعلم عن نفسه القدرة على حفظها، ويجب على المودع أن يحفظها في حرز مثلها. والوديعة أمانة عند المودع يجب ردها عندما يطلبها صاحبها، يقول الله سبحانه: " فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اوتمن أمانته وليتق الله ربه " (١) .

стр. 1703

وقد تقدم حديث " أد الامانة إلى من ائتمنك ... الخ " ضمانها: ولا يضمن المودع إلا بالتقصير أو الجناية منه على الوديعة، للحديث المتقدم الذي رواه الدارقطني في الباب المتقدم. وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي، ﷺ ، قال: " من أودع وديعة فلاضمان عليه ". رواه ابن ماجه. وفي حديث رواه البيهقي: " لا ضمان على مؤتمن ". وقضى أبو بكر ﵁ في وديعة كانت في جراب فضاعت من خرق الجراب أن لا ضمان فيها. وقد استودع عروة بن الزبير أبا بكر بن عبد الرحمن ابن الحارث بن هشام ما لا من مال بني مصعب، قال: فأصيب المال عند أبي بكر، أو بعضه، فأرسل إليه عروة: أن لا ضمان عليك، إنما أنت مؤتمن. فقال أبو بكر: قد علمت أن لا ضمان علي. ولكن لم تكن لتحدث قريشا أن أمانتي قد خربت. ثم إنه باع مالا له فقضاه. قبول قول المودع مع يمينه: وإذا ادعى المودع تلف الوديعة دون تعد منه فإنه يقبل

стр. 1704

قوله مع يمينه. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه: أن المودع إذا أحرزها ثم ذكر أنها ضاعت أن القول قوله. إدعاء سرقة الوديعة: وفي مختصر الفتاوى لابن تيمية: " من ادعى أنه حفظ الوديعة مع ماله فسرقت دون ماله كان ضامنا لها ". وقد ضمن عمر، ﵁، أنس بن مالك، رضيا لله عنه، وديعة ادعى أنها ذهبت دون ماله. من مات وعنده وديعة لغيره: من مات وثبت أن عنده وديعة لغيره ولم توجد فهي دين عليه تقضى من تركته. وإذا وجدت كتابة بخطه وفيها إقرار بوديعة ما فإنه يؤخذ بها ويعتمد عليها، فإن الكتابة تعتبر كالاقرار سواء بسواء متى عرف خطه.

стр. 1705

الغصب: تعريفه: جاء في القرآن الكريم: " أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا " (١) . والغصب هو أخذ شخص حق غيره والاستيلاء عليه عدوانا وقهرا عنه (٢) . حكمه: وهو حرام يأثم فاعله، يقول الله سبحانه:

стр. 1706

" ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل " (١) . ١ - وفي خطبة الوداع التي رواها البخاري ومسلم قال الرسول ﷺ : " إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا ". ٢ - وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن النبي، ﷺ ، قال: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الشارب حين يشرب وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة (٢) يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن ". ٣ - وعن السائب بن يزيد عن أبيه، أن النبي، ﷺ ، قال: " لا يأخذن أحدكم متاع أخيه جادا ولالاعبا، وإذا أخذ أحدكم عصا أخيه فليردها عليه ". أخرجه أحمد وأبو داود، والترمذي وحسنه. ٤ - وعند الدارقطني من طريق أنس مرفوعا إلى النبي

стр. 1707

صلى الله عليه وسلم: " لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه ". ٥ - وفي الحديث: " من أخذ مال أخيه بيمينه أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة ... فقال رجل: يا رسول الله وإن كان شيئا يسيرا؟ قال: وإن كان عودا من أراك ". ٦ - وروى البخاري ومسلم عن عائشة أن النبي، ﷺ ، قال: " من ظلم شبرا من الارض طوقه الله من سبع أرضين ". زرع الأرض أو غرسها أو البناء عليها غصبا: ومن زرع في أرض مغصوبة فالزرع لصاحب الارض وللغاصب النفقة، هذا إذا لم يكن الزرع قد حصد، فإذا كان قد حصد فليس لصاحب الارض بعد الحصد إلا الاجرة. أما إذا كان غرس فيها فإنه يجب قلع ما غرسه وكذلك إذا بنى عليها فإنه يجب هدم ما بناه. ففي حديث رافع بن خديج، أن رسول الله، ﷺ ، قال: " من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شئ، وله نفقته ".

стр. 1708

رواه أبو داود وابن ماجه، والترمذي وحسنه، وأحمد وقال: إنما أذهب إلى هذا الحكم استحسانا على خلاف القياس. وأخرج أبو داود والدارقطني من حديث عروة بن الزبير أن رسول الله، ﷺ ، قال: " من أحيا أرضا فهي له وليس لعرق ظالم حق ". قال: ولقد أخبرني الذي حدثني هذا الحديث أن رجلين اختصما إلى رسول الله، ﷺ ، غرس أحدهما نخلا في أرض الآخر. فقضى لصاحب الارض بأرضه. وأمر صاحب النخل أن يخرج نخله منها، قال: فلقد رأيتها وإنها لتضرب أصولها بالفئوس وإنها لنخل عم ". حرمة الإنتفاع بالمغصوب: وما دام الغصب حراما فإنه لا يحل الانتفاع بالمغصوب بأي وجه من وجوه الانتفاع، ويجب رده إن كان قائما بنمائه (١) سواء أكان متصلا أم منفصلا. ففي حديث سمرة عن النبي ﷺ ، قال: " على اليد (٢) ما أخذت حتى تؤديه ".

стр. 1709

أخرجه أحمد وأبو داود، والحاكم وصححه، وابن ماجه. فإن هلك وجب على الغاصب رد مثله أو قيمته سواء أكان التلف بفعله أو بآفة سماوية. وذهبت المالكية إلى أن العروض والحيوان وغيرها، مما لا يكال ولا يوزن، يضمن بقيمته إذا غصب وتلف. وعند الاحناف والشافعية أن على من استهلكه أو أفسده ضمان المثل، ولا يعدل عنه إلا عند عدم المثل. واتفقوا على أن المكيل والموزون إذا غصبا وحدث التلف ضمن مثله إذا وجد مثله، لقوله تعالى: " فمن اعتدي عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم (١) ". ومؤونة الرد وتكاليفه على الغاصب بالغة ما بلغت. وإذانقص المغصوب وجب رد قيمة النقص، سواء أكان النقص في العين أو الصفة. الدفاع عن المال: ويجب على الانسان أن يدفع عن ماله متى أراد غيره أن ينتهبه، ويكون الدفع بالاخف، فإن لم ينفع الاخف دفع

стр. 1710

بالاشد، ولو أدى ذلك إلى المقاتلة. قال رسول الله ﷺ : " من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد ". رواه البخاري ومسلم والترمذي. من وجد ماله عند غيره فهو أحق به: ومتى وجد المغصوب منه ماله عند غيره كان أحق به ولو كان الغاصب باعه لهذا الغير، لان الغاصب حين باعه لم يكن مالكا له، فعقد البيع لم يقع صحيحا. وفي هذه الحال يرجع المشتري على الغاصب بالثمن الذي أخذه منه. روى أبو داود والنسائي عن سمرة، رضيا لله عنه، أن النبي، ﷺ ، قال: " من وجد عين ماله عند رجل فهو أحق به، ويتبع البيع من باعه - أي يرجع المشتري على البائع. فتح باب القفص: من فتح باب قفص فيه طير ونفره ضمن. واختلفوا فيما إذا فتح القفص عن الطائر فطار، أو

стр. 1711

حل عقال البعير فشرد. فقال أبو حنيفة: لا ضمان عليه على كل وجه. وقال مالك وأحمد: عليه الضمان سواء خرج عقيبه أو متراخيا. وعن الشافعي قولان: في القديم: لا ضمان عليه مطلقا. وفي الجديد: إن طار عقيب الفتح وجب الضمان، وإن وقف ثم طار لم يضمن.

стр. 1712

اللقيط: تعريفه: اللقيط هو الطفل غير البالغ الذي يوجد في الشارع أو ضال الطريق ولايعرف نسبه. حكم التقاطه: والتقاطه فرض من فروض الكفاية، كغيره من كل شئ ضائع لا كافل له، لان في تركه ضياعه. ويحكم بإسلامه متى وجد في بلاد المسلمين. من الأولى باللقيط: والذي يجده هو الاولى بحضانته إذا كان حرا عدلا أمينا رشيدا، وعليه أن يقوم بتربيته وتعليمه روى سعيد بن منصور في سننه، أن سنين بن جميلة قال: وجدت ملقوطا فأتيت به عمر بن الخطاب، فقال عريفي: يا أمير المؤمنين، إنه رجل صالح. فقال عمر: أكذلك هو؟ قال: نعم. قال: اذهب به، وهو

стр. 1713

حر ولك ولاؤه (١) ، وعلينا نفقته، وفي لفظ: وعلينا رضاعه. فإن كان في يد فاسق أو مبذر أخذ منه وتولى الحاكم أمر تربيته. النفقة عليه: وينفق عليه من ماله إن وجد معه مال، فإن لم يوجد معه مال، فنفقته من بيت المال لان بيت المال معد لحوائج المسلمين، فإن لم يتيسر فعلى من علم بحاله أن ينفق عليه، لان ذلك إنقاذ له من الهلاك، ولا يرجع على بيت المال إلا إذا كان القاضي أذن له بالنقة عليه، فإن لم يكن أذن له كانت نفقته تبرعا. ميراث اللقيط: وإذا مات اللقيط وترك ميراثا ولم يخلف وارثا كان ميراثه لبيت المال، وكذلك ديته تكون لبيت المال إذاقتل، وليس لملتقطه حق ميراثه. ادعاء نسبه: ومن ادعى نسبه من ذكر أو أنثى ألحق به متى كان وجوده منه ممكنا، لما فيه من مصلحة اللقيط دون ضرر يلحق بغيره، وحينئذ يثبت نسبه وإرثه لمدعيه. فإن ادعاه أكثر من واحد ثبت نسبه لن أقام البينة على دعواه فإن لم يكن لهم بينة أو أقامها كل واحد منهم عرض على القافة الذين يعرفون الانساب بالشبه، ومتى

стр. 1714

حكم ينسبه قائف واحد أخذ بحكمه متى كان مكلفا ذكرا عدلا مجربا في الاصابة. فعن عائشة ﵂ قالت: " دخل علي النبي، ﷺ ، مسرور اتبرق أسارير وجهه فقال: ألم تري أن مجززا المدلجي نظر آنفا إلى زيد وأسامة وقد غطيا رؤوسهما وبدت أقدامهما، فقال: إن هذه الاقدام بعضها من بعض " رواه البخاري ومسلم. فإن لم يتيسر ذلك اقترعوا بينهم، فمن خرجت قرعته كان له. وقال الحنفية: لا يعمل بالقائف ولا بالقرعة، بل لو تساوي جماعة في ولد وكان مشتركا بينهم ورث كل منهم كابن كامل، وورثوه جميعا كأب واحد.

стр. 1715

اللقطة: تعريفها: اللقطة هي كل مال معصوم معرض للضياع لايعرف مالكه. وكثيرا ما تطلق على ما ليس بحيوان، أما الحيوان فيقال له: ضالة. حكمها: أخذ اللقطة مستحب. وقيل: يجب. وقيل: إن كانت في موضع يأمن عليها الملتقط إذ تركها استحب له الاخذ. فإن كانت في موضع لا يأمن عليها فيه إذا تركها وجب عليه التقاطها، وإذا علم من نفسه الطمع فيها حرم عليه أخذها. وهذا الاختلاف بالنسبة للحر البالغ العاقل، ولو لم يكن مسلما.

стр. 1716

أما غير الحر والصبي وغير العاقل فليس مكلفا بالتقاط اللقطة. والاصل في هذا الباب ما جاء عن زيد بن خالد، ﵁، قال: جاء رجل إلى رسول الله، ﷺ ، فسأله عن اللقطة فقال: " اعرف عفاصها (١) ، ووكاءها (٢) ، ثم عرفها سنة، فإن جاء صاحبها، وإلا شأنك بها (٣) قال: فضالة الغنم؟ قال: هي لك أو لاخيك (٤) أو للذئب (٥) . قال: فضالة الابل؟ قال: مالك ولها (٦) معها سقاؤها (٧) وحذاؤها (٨)

стр. 1717

وترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها ". رواه البخاري وغيره بألفاظ مختلفة. لقطة الحرم: وهذه في غير لقطة الحرم. أما لقطته فيحرم أخذها إلا لتعريفها، لقوله، ﷺ : " ولا يلتقط لقطتها (١) إلا من عرفها ". وقوله: " لا يرفع لقطتها إلا منشد " أي المعرف بها (٢) . التعريف بها: يجب على ملتقطها أن يتبين علاماتها التي تميزها عن غيرها من وعاء ورباط، وكذا كل ما اختصت به من نوع وجنس ومقدار (٣) . ويحفظها كما يحفظ ماله ويستوي في ذلك الحقير والخطير. وتبقى وديعة عنده لا يضمنها إذا هلكت إلا بالتعدي، ثم ينشر نبأها في مجتمع الناس بكل وسيلة في الاسواق وفي غيرها من الاماكن حيث يظن أن ربها هناك.

стр. 1718

فإن جاء صاحبها وعرف علاماتها والامارات التي تميزها عما عداها حل للملتقط أن يدفعها إليه وإن لم يقم البينة. وإن لم يجئ عرفها الملتقط مدة سنة. فإن لم يظهر بعد سنة حل له أن يتصدق بها أو الانتفاع بها، سواء أكان غنيا أم فقيرا، ولا يضمن. لما رواه البخاري والترمذي عن سويد بن غفلة قال: لقيت أوس بن كعب فقال: وجدت صرة فيها مائة دينار، فأتيت النبي، ﷺ ، فقال: عرفها حولا. فعرفتها فلم أجد، ثم أتيته ثلاثا فقال: احفظ وعاءها ووكاءها فإن جاء صاحبها وإلا فاستمتع بها. وسئل رسول الله في اللقطة توجد في سبيل العامرة، قال: عرفها حولا، فإن وجدت باغيها فأدها إليه، وإلا فهي لك. قال: ما يوجد في الخراب؟ قال: فيه وفي الركاز الخمس ". قال ابن القيم: والافتاء بما فيه متعين، وإن خالفه من خالفه فإنه لم يعارضه ما يوجب تركه. استثناء المأكول والحقير من الأشياء: وهذا بالنسبة لغير المأكول وغير الحقير من الاشياء. فأن المأكول لا يجب

стр. 1719

التعريف به ويجوز أكله، فعن أنس أن النبي، ﷺ ، مر بثمرة في الطريق فقال: " لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لاكلتها " رواه البخاري ومسلم. وكذلك الشئ الحقير لايعرف سنة بل يعرف زمنا يظن أن صاحبه لا يطلبه بعده، وللملتقط أن ينتفع به إذا لم يعرف صاحبه. فعن جابر، ﵁، قال: " رخص لنا رسول الله، ﷺ ، في العصا والسوط والحبل وأشباهه يلتقطه الرجل ينتفع به " أخرجه أحمد وأبو داود. وعن علي، كرم الله وجهه، أنه جاء إلى النبي، ﷺ ، بدينار وجده في السوق، فقال النبي صلى عليه وسلم: عرفه ثلاثا ففعل فلم يجد أحدا يعرفه، فقال: كله ". أخرجه عبد الرزاق عن أبي سعيد. ضالة الغنم: ضالة الغنم ونحوها يجوز أخذها لانها ضعيفة ومعرضة للهلاك وافتراس الوحوش. ويجب تعريفها، فإن لم يطلبها صاحبها كان للملتقط أن يأخذها وغرم لصاحبها. وقالت المالكية: إنه يملكها بمجرد الاخذ ولاضمان عليه، ولو جاء صاحبها، لان الحديث سوى بين الذئب

стр. 1720

والملتقط، والذئب لاغرامة عليه فكذلك الملتقط. وهذا الخلاف في حالة ما إذا جاء صاحبها بعد أكلها. أما إذا جاء قبل أن يأكلها الملتقط ردت إليه بإجماع العلماء. ضالة الأبل والبقر والخيل والبغال والحمير: اتفق العلماء على أن ضالة الابل لا تلتقط، ففي البخاري ومسلم عن زيد بن خالد أن النبي، ﷺ ، سئل عن ضالة الابل، فقال: " مالك ولها، دعها فإن معها حذاءها وسقاءها، ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها ". أي أن ضالة الابل مستغنية عن الملتقط وحفظه، ففي طبيعتها الصبر على العطش والقدرة على تناول المأكول من الشجر بغير مشقة لطول عنقها فلاتحتاج إلى ملتقط، ثم إن بقاءها حيث ضلت يسهل على صاحبها العثور عليه بدل أن يتفقدها في إبل الناس. وقد كان الامر على هذا حتى عهد عثمان، ﵁، فلما كان عثمان رأى التقاطها وبيعها، فإن جاء صاحبها أخذ ثمنها. قال ابن شهاب الزهري: " كانت ضوال الابل في زمان
следующие страницы →