التطوع:
(١) مشروعيته:
شرع التطوع ليكون جبرا لما عسى أن يكون قد وقع في الفرائض من نقص، ولما في الصلاة من فضيلة ليست لسائر العبادات.
فعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (إن أول ما يحاسب الناس به يوم القيامة من أعمالهم الصلاة، يقول ربنا لملائكته، وهو أعلم أنظروا في صلاة عبدي أتمها أم نقصها؟ فإن كانت تامة كتبت له تامة، وإن كان انتقص منها شيئا قال: أنظروا هل لعبدي من تطوع؟ فإن كان له تطوع قال: أتموا لعبدي فريضته من تطوعه، ثم تؤخذ الاعمال على ذلك) رواه أبو داود.
وعن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ قال: (ما أذن الله لعبد في شئ أفضل من ركعتين يصليهما، وإن البر ليذر (١) فوق رأس العبد مادام في صلاته) الحديث رواه أحمد والترمذي وصححه السيوطي.
وقال مالك في الموطأ، بلغني أن النبي ﷺ قال: (استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولن يحافظ على الوضوء إلا مؤمن) وروى مسلم عن ربيعة ابن مالك الاسلمي قال، قال الرسول ﷺ : (سل) فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، فقال: (أو غير ذلك؟) قلت: هو ذاك قال: (فأعني على نفسك بكثرة السجود) .
(٢) استحباب صلاته في البيت:
١ - روى أحمد ومسلم عن جابر أن النبي ﷺ قال: (إذا صلى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيبا من صلاته فإن الله جاعل في بيته من صلاته خيرا.
٢ - وعند أحمد عن عمر أن الرسول ﷺ قال: (صلاة
стр. 177
الرجل في بيته تطوعا نور، فمن شاء نور بيته) .
٣ - وعن عبد الرحمن بن عمر قال، قال رسول الله ﷺ : (اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوا قبورا (١)) رواه أحمد وأبو داود.
٤ - روى أبو داود بإسناد صحيح عن زيد بن ثابت أن النبي ﷺ قال: (صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا، إلا المكتوبة) .
وفي هذه الاحاديث دليل على استحباب صلاة التطوع في البيت، وأن صلاته فيه أفضل من صلاته في المسجد.
قال النووي: إنما حث على النافلة في البيت لكونه أخفى وأبعد عن الرياء وأصون من محبطات الاعمال، وليتبرك البيت بذلك وتنزل فيه الرحمة والملائكة، وينفر منه الشيطان.
(٣) أفضلية طول القيام على كثرة السجود في التطوع: روى الجماعة إلا أبا داود عن المغيرة بن شعبة أنه قال: إن كان رسول الله ﷺ ليقوم ويصلي حتى ترم قدماه أو ساقاه، فقال له؟ فيقول: (أفلا أكون عبدا شكورا) .
وروى أبو داود عن عبد الله بن حبشي الخثعمي أن النبي ﷺ سئل: أي الاعمال أفضل؟ قال: (طول القيام) قيل: فأي الصدقة أفضل؟ قال: (جهد المقل) قيل: فأي الهجرة أفضل؟ قال: (من هجر ما حرم الله عليه) قيل: فأي الجهاد أفضل؟ قال: (من جاهد المشركين بماله ونفسه) قيل: فأي القتل أشرف؟ قال: (من أهريق دمه وعقر جواده) .
(٤) جواز صلاة التطوع من جلوس: يصح التطوع من قعود مع القدرة على القيام كما يصح أداء بعضه من قعود وبعضه من قيام، لو كان ذلك في ركعة واحدة فبعضها يؤدى من قيام وبعضها من قعود سواء تقديم القيام أو تأخر كل ذلك جائز من غير كراهة
стр. 178
ويجلس كيف شاء والافضل التربع.
فقد روى مسلم عن علقمة قال قلت لعائشة: كيف كان يصنع رسول الله ﷺ في الركعتين وهو
جالس؟ قال كان يقرأ فيهما فإذا أراد أن يركع قام فركع.
وروى أحمد وأصحاب السنن عنهما قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ يقرأ في شئ من صلاة الليل جالسا قط حتى دخل في السن (١) فكان يجلس فيها فيقرأ حتى إذا بقي أربعون أو ثلاثون آية قام فقرأها ثم سجد.
(٥) أقسام التطوع: ينقسم التطوع إلى تطوع مطلق، وإلى تطوع مقيد.
والتطوع المطلق يقتصر فيه على نية الصلاة.
قال النووي: فإذا شرع في تطوع ولم ينو عددا فله أن يسلم من ركعة وله أن يزيد فيجعلها ركعتين أو ثلاثا أو مائة أو ألفا أو غير ذلك.
ولو صلى عددا لا يعلمه ثم سلم صح بلا خلاف، اتفق عليه أصحابنا ونص عليه الشافعي في الاملاء.
وروى البيهقي بإسناده أن أبا ذر ﵁ صلى عددا كثيرا فلما سلم قال له الاحنف بن قيس ﵀: هل تدري انصرفت على شفع أم على وتر؟ قال: إن لا أكن أدري فإن الله يدري، إني سمعت خليلي أبا القاسم ﷺ يقول ثم بكى.
ثم قال: إني سمعت خليلي أبا القاسم ﷺ يقول: (ما من عبد يسجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة) رواه الدارمي في مسنده بسند صحيح إلا رجلا اختلفوا في عدالته.
والتطوع المقيد ينقسم إلى ما شرع تبعا للفرائض ويسمي السنن الراتبة، ويشمل سنة الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء، وإلى غيره، وهاك بيان كل:
سنة الفجر
(١) فضلها:
وردت عدة أحاديث في فضل المحافظة على سنة الفجر نذكرها فيما يلي:
стр. 179
١ - عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، في الركعتين قبل صلاة الفجر، قال: (هما أحب إلي من الدنيا جميعا) رواه أحمد ومسلم والترمذي.
٢ - وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (لا تدعوا ركعتي الفجر وإن طردتكم الخيل) رواه أحمد وأبو داود والبيهقي والطحاوي.
ومعنى الحديث لا تتركوا ركعتي الفجر مهما اشتد العذر حتى ولو كان مطاردة العدو.
٣ - وعن عائشة قالت: (لم يكن رسول الله ﷺ على شئ من النوافل أشد معاهدة (١) من الركعتين قبل الصبح) .
رواه الشيخان وأحمد وأبو داود.
٤ - وعنها أن النبي ﷺ قال: (ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها) رواه أحمد ومسلم والترمذي والنسائي.
٥ - ولاحمد ومسلم عنها، قالت: ما رأيته إلى شئ من الخير أسرع منه إلى الركعتين قبل الفجر.
(٢) تخفيفها: المعروف من هدي النبي ﷺ أنه كان يخفف القراءة في ركعتي الفجر.
١ - فعن حفصة قال: كان رسول الله ﷺ يصلي ركعتي الفجر قبل الصبح في بيتي يخففهما جدا.
قال نافع: وكان عبد الله
(يعني ابن عمر) يخففهما كذلك.
رواه أحمد والشيخان.
٢ - وعن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي الركعتين قبل الغداة فيخففهما حتى إني لاشك أقرأ فيهما بفاتحة الكتاب أم لا؟ رواه أحمد وغيره.
٣ - وعنها قالت: كان قيام رسول الله ﷺ في الركعتين
стр. 180
قبل صلاة الفجر قدر ما يقرأ فاتحة الكتاب: رواه أحمد والنسائي والبيهقي ومالك والطحاوي.
(٣) ما يقرأ فيها: يستحب القراءة في ركعتي الفجر بالوارد عن النبي ﷺ .
وقد ورد عنه فيها ما يأتي:
١ - عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يقرأ في ركعتي الفجر: (قل يا أيها الكافرون) و (قل هو الله أحد) وكان يسر بها.
رواه أحمد والطحاوي.
وكان يقرأهما بعد الفاتحة، لانه لا صلاة بدونها كما تقدم.
٢ - وعنها أن النبي ﷺ كان يقول: (نعم السورتان هما) وكان يقرأ بهما في الركعتين قبل الفجر (قل يا أيها الكافرون) و (قل هو الله أحد) . رواه أحمد وابن ماجه.
٣ - وعن جابر أن رجلا قام فركع ركعتي الفجر فقرأ في الاولى: (قل يا أيها الكافرون) حتى انقضت السورة فقال النبي ﷺ : (هذا عبد عرف ربه) وقرأ في الاخرة: (هذا عبد آمن بربه) قال طلحة: فأنا أحب أن أقرأ بهاتين السورتين في هاتين الركعتين، رواه ابن حبان والطحاوي.
٤ - وعن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ فيركعتي الفجر (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا) والتي في آل عمران (تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم) رواه مسلم.
أي أنه كان يقرأ في الركعة الاولى بعد الفاتحة هذه الاية: (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والاسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون) وفي الركعة الثانية (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله، ولا نشرك به شيئا، ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من
стр. 181
دون الله، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون) .
٥ - وعنه في رواية أبي داود أنه كان يقرأ في الركعة الاولى (قولوا آمنا بالله) وفي الثانية (فلما أحس عيسى منهم الكفر قال: من أنصاري إلى الله؟ قال الحواريون: نحن أنصار الله، آمنا بالله، وأشهد بأنا مسلمون) .
٦ - ويجوز الاقتصار على الفاتحة وحدها، لما تقدم عن عائشة أن قيامه كان قدر ما يقرأ فاتحة الكتاب.
(٤) الدعاء بعد الفراغ منها: قال النووي في الاذكار: روينا في كتاب ابن السني عن أبي المليح واسمه عامر بن أسامة عن أبيه أنه صلى ركعتي الفجر وأن رسول الله ﷺ صلى قريبا منه ركعتين خفيفتين ثم سمعه يقول وهو جالس: (اللهم رب جبريل وإسرافيل وميكائيل ومحمد النبي ﷺ أعوذ بك من النار) ثلاث مرات وروينا فيه عن أنس عن النبي ﷺ قال: (من
قال صبيحة يوم الجمعة قبل صلاة الغداة: استغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه ثلاث مرات غفر الله تعالى ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر) .
(٥) الاضطجاع بعدها: قالت عائشة: كان رسول الله ﷺ إذا ركع ركعتي الفجر اضطجع على شقه الايمن. رواه الجماعة.
ورووا أيضا عنها قالت: كان رسول الله ﷺ إذا صلى ركعتي الفجر فإن كنت نائمة اضطجع وإن كنت مستيقظة حدثني.
وقد اختلف في حكمه اختلافا كثيرا، والذي يظهر أنه مستحب في حق من صلى السنة في بيته دون من صلاها في المسجد.
قال الحافظ: في الفتح: وذهب بعض السلف إلى استحبابها في البيت دون المسجد وهو محكي عن ابن عمر، وقواه بعض شيوخنا بأنه لم ينقل عن النبي ﷺ أنه فعله في المسجد.
وصح عن ابن عمر أنه كان يحصب من يفعله في المسجد. أخرجه ابن أبي شيبة.
انتهى وسئل عنه الامام أحمد فقال: ما أفعله، وإن فعله رجل فحسن.
стр. 182
(٦) قضاؤها: عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (من لم يصل ركعتي الفجر حتى تطلع الشمس فليصلها) رواه البيهقي، قال النووي: وإسناده جيد.
وعن قيس بن عمر أنه خرج إلى الصبح فوجد النبي ﷺ في الصبح، ولم يكن ركع ركعتي الفجر، فصلى مع النبي ﷺ ثم قام حين فرغ من الصبح فركع ركعتي الفجر فمر به النبي ﷺ فقال: (ما هذه الصلاة؟) فأخبره، فسكت النبي ﷺ ولم يقل شيئا.
رواه أحمد وابن خزيمة وابن حبان وأصحاب السنن إلا النسائي.
قال العراقي: إسناده حسن.
وروى أحمد والشيخان عن عمران بن حصين أن النبي ﷺ كان في مسير له فناموا عن صلاة الفجر فاستيقظوا بحر الشمس فارتفعوا قليلا حتى استقلت الشمس (١) ثم أمر مؤذنا فأذن. فصلى ركعتين قبل الفجر، ثم أقام ثم صلى الفجر.
وظاهر الاحاديث أنها تقضى قبل طلوع الشمس وبعد طلوعها، سواء كان فواتها لعذر أو لغير عذر وسواء فاتت وحدها أو مع الصبح.
سنة الظهر:
ورد في سنة الظهر أنها أربع ركعات أو ست أو ثمان، وإليك بيانها مفصلا: ما ورد في أنها أربع ركعات: ١ - عن ابن عمر قال: حفظت من النبي ﷺ عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل صلاة الصبح.
رواه البخاري.
٢ - وعن المغيرة بن سليمان قال: سمعت ابن عمر يقول: كانت صلاة رسول الله ﷺ أن لا يدع ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل الصبح.
رواه أحمد بسند جيد.
стр. 183
ما ورد في أنها ست:
١ - عن عبد الله بن شقيق قال: سألت عائشة عن صلاة رسول الله ﷺ قالت: كان يصلي قبل الظهر أربعا واثنتين بعدها.
رواه أحمد
ومسلم وغيرهما.
٢ - وعن أم حبيبة بنت أبي سفيان أن النبي ﷺ قال: (من صلى في يوم وليلة اثنتي عشرة ركعة بني له بيت في الجنة: أربعا قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل صلاة الفجر) رواه الترمذي وقال حسن صحيح، ورواه مسلم مختصرا.
ما ورد في أنها ثمان ركعات:
١ - عن أم حبيبة قالت: قال رسول الله ﷺ : (من صلى أربعا قبل الظهر وأربعا بعدها حرم الله لحمه على النار، رواه أحمد وأصحاب السنن وصححه الترمذي.
٢ - عن أبي أيوب الانصاري: (أنه كان يصلي أربع ركعات قبل الظهر، فقيل له: إنك تديم هذه الصلاة فقال: إني رأيت رسول الله يفعله، فسألته فقال: (إنها ساعة تفتح فيها أبواب السماء، فأحببت أن يرفع لي فيها عمل صالح) رواه أحمد وسنده جيد.
فضل الاربع قبل الظهر:
١ - عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ لا يدع أربعا قبل الظهر وركعتين قبل الفجر على كل حال. رواه أحمد والبخاري.
وروى عنها أنه كان يصلي قبل الظهر أربعا يطيل فيهن القيام ويحسن فيهن الركوع والسجود.
ولا تعارض بين ما في حديث ابن عمر من أنه ﷺ كان يصلي قبل الظهر ركعتين وبين باقي الاحاديث الاخرى من أنه كان يصلي أربعا.
قال الحافظ في الفتح: والاولى أن يحمل على حالين فكان تارة يصلي اثنتين وتارة يصلي أربعا.
وقيل: هو محمول على أنه كان في المسجد يقتصر على ركعتين وفي بيته يصلي أربعا، ويحتمل أنه كان يصلي إذا كان في بيته
ركعتين ثم يخرج إلى المسجد فيصلي ركعتين فرأى ابن عمر ما في المسجد دون
стр. 184
ما في بيته واطلعت عائشة على الامرين.
ويقوي الاول ما رواه أحمد وأبو داود في حديث عائشة كان يصلي في بيته قبل الظهر أربعا ثم يخرج، قال أبو جعفر الطبري: الاربع كانت في كثير من أحواله والركعتان في قليلها.
وإذا صلى أربعا قبلها أو بعدها الافضل أن يسلم بعد كل ركعتين، ويجوز أن يصليها متصلة بتسليم واحد لقول رسول الله ﷺ : (صلاة الليل والنهار مثنى مثنى) رواه أبو داود بسند صحيح.
قضاء سنتي الظهر:
عن عائشة أن النبي ﷺ كان إذا لم يصل أربعا قبل الظهر صلاهن بعدها. رواه الترمذي وقال: حديث حسن غريب.
وروى ابن ماجه عنها قالت: كان رسول الله ﷺ إذا فاتته الاربع قبل الظهر صلاهن بعد الركعتين بعد الظهر (١) .
هذا في قضاء الراتية القبلية أما قضاء الراتبة البعدية فقد جاء فيه ما رواه أحمد عن أم سلمة قالت: صلى رسول الله ﷺ الظهر، وقد أتي بمال، فقعد يقسمه حتى أتاه المؤذن بالعصر، فصلى العصر ثم انصرف إلي، وكان يومي، فركع ركعتين خفيفتين، فقلنا: ما هاتان الركعتان يا رسول الله، أمرت بهما؟ قال: (لا..ولكنهما ركعتان كنت أركعهما بعد الظهر فشغلني قسم هذا المال حتى جاء المؤذن بالعصر فكرهت أن أدعهما (٢)) رواه البخاري ومسلم وأبو داود بلفظ آخر.
سنة المغرب:
يسن بعد صلاة المغرب صلاة ركعتين لما تقدم عن ابن عمر أنهما من الصلاة التي لم يكن يدعها النبي ﷺ .
стр. 185
ما يستحب فيها: يستحب في سنة المغرب أن يقرأ فيها بعد الفاتحة ب (قل يا أيها الكافرون) و (قل هو الله أحد) .
فعن ابن مسعود أنه قال: ما أحصي ما سمعت رسول الله ﷺ يقرأ في الركعتين بعد المغرب وفي الركعتين قبل الفجر ب (قل يا أيها الكافرون) و (قل هو الله أحد) رواه ابن ماجه والترمذي وحسنه.
وكذا يستحب أن تؤدى في البيت.
فعن محمود بن لبيد قال: أتى رسول الله ﷺ بني عبد الاشهل فصلى بهم المغرب، فلما سلم قال (اركعوا هاتين الركعتين في بيوتكم) .
رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي.
وتقدم أنه ﷺ كان يصليهما في بيته.
سنة العشاء:
تقدم من الاحاديث ما يدل على سنية الركعتين بعد العشاء.
السنن غير المؤكدة ما تقدم من السنن والرواتب يتأكد أداؤه وبقيت سنن أخرى راتبة يندب الاتيان بها من غير تأكيد، نذكرها فيما يلي: (١) ركعتان أو أربع قبل العصر: وقد ورد فيها عدة أحاديث متكلم فيها ولكن لكثرة طرقها يؤيد بعضها بعضا، فمنها حديث ابن عمر قال، قال رسول الله ﷺ : (رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعا) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه، وابن حبان وصححه، وكذا صححه ابن خزيمة.
ومنها حديث علي أن النبي ﷺ كان يصلي قبل العصر أربعا يفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملائكة المقربين والنبيين ومن تبعهم من المؤمنين والمسلمين. رواه أحمد والنسائي وابن ماجه والترمذي وحسنه.
وأما الاقتصار على ركعتين فقط فدليله عموم قوله ﷺ : (بين كل أذانين صلاة) .
стр. 186
(٢) ركعتان قبل المغرب: روى البخاري عن عبد الله بن مغفل أن النبي ﷺ قال: (صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب) ثم قال في الثالثة: (لمن شاء) كراهية أن يتخذها الناس سنة.
وفي رواية لابن حبان: أن النبي ﷺ صلى قبل المغرب ركعتين.
وفي مسلم عن ابن عباس قال: كنا نصلي ركعتين قبل غروب الشمس وكان رسول الله ﷺ يرانا فلم يأمرنا ولم ينهنا.
قال الحافظ في الفتح: ومجموع الادلة يرشد إلى استحباب تخفيفها كما في ركعتي الفجر.
(٣) ركعتان قبل العشاء: لما رواه الجماعة من حديث عبد الله بن مغفل أن النبي ﷺ قال: (بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة) ثم قال في الثالثة: (لمن شاء) .
ولابن حبان من حديث ابن الزبير أن النبي ﷺ قال: (ما من صلاة مفروضة إلا وبين يديها ركعتان) .
استحباب الفصل بين الفريضة والنافلة بمقدار ختم الصلاة: عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ صلى العصر فقام رجل يصلي فرآه عمر فقال له اجلس فإنما هلك أهل الكتاب أنه لم يكن لصلاتهم فصل.
فقال رسول الله ﷺ : (أحسن ابن الخطاب) رواه أحمد بسند صحيح.
الوتر:
(١) فضله وحكمه: الوتر سنة مؤكدة حث عليه الرسول ﷺ ورغب فيه.
فعن علي ﵁ أنه قال: إن الوتر ليس بحتم (١) كصلاتكم المكتوبة، ولكن رسول الله ﷺ أوتر، ثم قال: (يا أهل القرآن أوتروا فإن الله وتر (٢) يحب الوتر)
قال نافع: وكان ابن عمر لا يصنع شيئا إلا وترا.
стр. 187
رواه أحمد وأصحاب السنن وحسنه الترمذي ورواه الحاكم أيضا وصححه.
وما ذهب إليه أبو حنيفة من وجوب الوتر فمذهب ضعيف.
قال ابن المنذر: لا أعلم أحدا وافق أبا حنيفة في هذا.
وعند أحمد وأبي داود والنسائي وابن ماجه أن المخدجي (رجل من بني كنانة) أخبره رجل من الانصار يكنى أبا محمد أن الوتر واجب، فراح المخدجي إلى عبادة بن الصامت فذكر له أن أبا محمد يقول: الوتر واجب.
فقال عبادة بن الصامت: كذب أبو محمد (١) سمعت رسول الله ﷺ يقول (خمس صلوات كتبهن الله ﵎ على العباد من أتى بهن لم يضيع منهن شيئا استخفافا بحقهن كان له عند الله ﵎ عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له) وعند البخاري ومسلم من حديث طلحة بن عبيد الله أن رسول الله ﷺ
قال ﷺ : (خمس صلوات كتبهن الله في اليوم والليلة) فقال الاعرابي: هل علي غيرها؟ قال: (لا. إلا أن تطوع) .
(٢) وقته: أجمع العلماء على أن وقت الوتر لا يدخل إلا بعد صلاة العشاء وأنه يمتد إلى الفجر.
فعن أبي تميم الجيشاني ﵁ أن عمرو بن العاص خطب الناس يوم جمعة فقال: إن أبا بصرة حدثني أن النبي ﷺ قال: (إن الله زادكم صلاة، وهي الوتر فصلوها فيما بين صلاة العشاء إلى صلاة الفجر) قال أبو تميم: فأخذ بيدي أبو ذر فسار في المسجد إلى أبي بصرة ﵁ فقال: أنت سمعت رسول الله يقول ما قال عمرو؟ قال أبو بصرة: أنا سمعته من رسول الله ﷺ .
رواه أحمد بإسناد صحيح.
وعن أبي مسعود الانصاري ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يوتر أول الليل وأوسطه وآخره. رواه أحمد بسند صحيح.
وعن عبد الله بن أبي قيس قال سألت عائشة ﵂ عن وتر رسول الله ﷺ ؟ فقالت: ربما أوتر أول الليل وربما أوتر من آخره، قلت: كيف كانت قراءته، أكان يسر
стр. 188
بالقراءة أم يجهر؟ قالت: كل ذلك كان يفعل، وربما أسر وربما جهر، وربما اغتسل فنام وربما توضأ فنام (تعني في الجنابة) رواه أبو داود.
ورواه أيضا أحمد ومسلم والترمذي.
(٣) استحباب تعجيله لمن ظن أنه لا يستيقظ آخر الليل، وتأخيره لمن ظن أنه يستيقظ آخره: يستحب تعجيل الصلاة الوتر أول الليل لمن خشي أن لا يستيقظ آخره، كما يستحب تأخيره إلى آخر الليل لمن ظن أنه يستيقظ آخره.
فعن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من ظن منكم أن لا يستيقظ آخره (أي الليل) فليوتر أوله ومن ظن منكم أنه يستيقظ آخره فليوتر آخره فإن صلاة آخر الليل محضورة (١) وهي أفضل) رواه أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجه.
وعنه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال لابي بكر: (متى توتر؟) . قال: أول الليل بعد العتمة (٢) قال: (فأنت يا عمر) قال: آخر الليل.
قال (أما أنت يا أبا بكر فأخذت بالثقة (٣) وأما أنت يا عمر فأخذت بالقوة) (٤) رواه أحمد وأبو داود والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم.
وانتهى الامر برسول الله ﷺ إلى أنه كان يوتر وقت السحر لانه الافضل كما تقدم.
قالت عائشة ﵂: من كل الليل قد أوتر النبي ﷺ من أول الليل وأوسطه وآخره فانتهى وتره إلى السحر.
رواه الجماعة.
ومع هذا فقد وصى بعض أصحابه بألا ينام إلا على وتر أخذا بالحيطة والحزم.
وكان سعد بن أبي وقاص يصلي العشاء الاخرة في مسجد رسول الله ﷺ ثم يوتر بواحدة ولا يزيد عليها.
فقيل له: أتوتر بواحدة لا تزيد عليها يا أبا اسحق؟ قال: نعم..إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (الذي لا ينام حتى يوتر حازم) رواه أحمد ورجاله ثقات.
стр. 189
وتسع، وسبع، وخمس، وثلاث، وواحدة.
قال إسحق بن إبراهيم:
معنى ما روي عن النبي ﷺ كان يوتر بثلاث عشرة ركعة أنه كان يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة مع الوتر، يعني من جملتها الوتر فنسبت صلاة الليل إلى الوتر.
ويجوز أداء الوتر ركعتين (١) ، ثم صلاة ركعة بتشهد وسلام، كما يجوز صلاة الكل بتشهدين وسلام، فيصل الركعات بعضها ببعض من غير أن يتشهد إلا في الركعة التي هي قبل الاخيرة فيتشهد فيها ثم يقوم إلى الركعة الاخيرة فيصليها ويتشهد فيها ويسلم، ويجوز أداء الكل بتشهد واحد وسلام في الركعة الاخيرة، كل ذلك جائز وارد عن النبي ﷺ .
وقال ابن القيم: وردت السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في الوتر بخمس متصلة، وسبع متصلة.
كحديث أم سلمة: كان رسول الله ﷺ يوتر بسبع وبخمس لا يفصل بسلام ولا بكلام.
رواه أحمد والنسائي وابن ماجه بسند جيد، وكقول عائشة: كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، يوتر من ذلك بخمس لا يجلس إلا في آخرهن. متفق عليه، وكحديث عائشة: أنه ﷺ كان يصلي من الليل تسع ركعات لا يجلس فيها إلا في الثامنة فيذكر الله ويحمده ويدعوه ثم ينهض ولا يسلم ثم يصلي التاسعة ثم يقعد ويتشهد ثم يسلم تسليما يسمعنا، ثم يصلي ركعتين بعد ما يسلم وهو قاعد فتلك إحدى عشرة ركعة فلما أسن رسول الله ﷺ وأخذه اللحم أوتر بسبع وصنع في الركعتين مثل صنيعه في الاول.
وفي لفظ عنها: فلما أسن وأخذه اللحم أوتر بسبع ركعات لم يجلس إلا في السادسة والسابعة، ولم يسلم إلا في السابعة.
وفي لفظ: صلى سبع ركعات لا قعد إلا في آخرهن. أخرجه الجماعة، وكلها أحاديث صحاح صريحة لا معارض لها سوى قوله ﷺ : (صلاة الليل مثنى مثنى) وهو حديث صحيح، لكن الذي قاله هو الذي أوتر بالسبع والخمس، وسننه كلها حتى يصدق بعضها بعضا.
فالنبي ﷺ أجاب السائل عن صلاة الليل بأنها مثنى مثنى ولم يسأله عن الوتر.
وأما السبع والخمس والتسع والواحدة فهي صلاة الوتر، والوتر اسم للواحدة المنفصلة مما قبلها، وللخمس والسبع والتسع المتصلة كالمغرب اسم للثلاثة المتصلة، فإن
стр. 190
انفصلت الخمس والسبع بسلامين كالاحدى عشرة كان الوتر اسما للركعة المفصولة وحدها.
كما قال ﷺ : (صلاة الليل مثنى فإذا خشي الصبح أوتر بواحدة توتر له ما قد صلى) فاتق فعله ﷺ وقوله وصدق بعضه بعضا.
(٥) القراءة في الوتر: يجوز القراءة في الوتر بعد الفاتحة بأي شئ من القرآن، قال علي: ليس من القرآن شئ مهجور فأوتر بما شئت.
ولكن المستحب إذا أوتر بثلاث أن يقرأ في الاولى بعد الفاتحة (سبح اسم ربك الاعلى) وفي الثانية (قل يا أيها الكافرون) وفي الثالثة (قل هو الله أحد، والمعوذتين) .
لما رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يقرأ في الركعة الاولى ب (سبح اسم ربك الاعلى) وفي الثانية ب (قل يا أيها الكافرون) وفي الثالثة ب (قل هو الله أحد، المعوذتين) .
(٦) القنوت في الوتر: يشرع القنوت في الوتر في جميع السنة، لما رواه أحمد وأهل السنن وغيرهم من حديث الحسن بن علي ﵁ قال: علمني رسول الله صلى الله عليه
وسلم كلمات أقولهن في الوتر: (اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، وإنه لاى ذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، وصلى الله على النبي محمد) .
قال الترمذي: هذا حديث حسن.
قال: ولا يعرف عن النبي ﷺ في القنوت شئ أحسن من هذا.
وقال النووي: إسناده صحيح، وتوقف ابن حزم في صحته، فقال هذا الحديث وإن لم يكن مما يحتج به فإنا لم نجد فيه عن النبي ﷺ غيره والضعيف من الحديث أحب إلينا من الرأي، قال ابن حنبل وهذا مذهب ابن مسعود، وأبي موسى، وابن عباس، والبراء، وأنس، والحسن البصري، وعمر بن عبد العزيز، والثوري، وابن المبارك، والحنفية، ورواية عن أحمد.
قال النووي: وهذا الوجه قوي في الدليل.
وذهب الشافعي وغيره إلى أنه لا يقنت في الوتر إلا في النصف الاخير من
стр. 191
رمضان، لما رواه أبو داود أن عمر بن الخطاب جمع الناس على أبي بن كعب وكان يصلي لهم عشرين ليلة ولا يقنت إلا في النصف الباقي من رمضان.
وروى محمد بن نصر أنه سأل سعيد بن جبير عن بدء القنوت في الوتر فقال: بعض عمر بن الخطاب جيشا فتورطوا متورطا خاف عليهم، فلما كان النصف الاخر من رمضان قنت يدعو لهم.
(٧) محل القنوت: يجوز القنوت قبل الركوع بعد الفراغ من القراءة، ويجوز كذلك بعد الرفع من الركوع، فعن حميد قال: سألت أنسا عن القنوت قبل الركوع أو بعد الركوع؟ فقال كنا نفعل قبل وبعد. رواه ابن ماجه ومحمد بن نصر.
قال الحافظ في الفتح: إسناده قوي.
وإذا قنت قبل الركوع كبر رافعا يديه بعد الفراغ من القراءة وكبر كذلك بعد الفراغ من القنوت، روي ذلك عن بعض الصحابة.
وبعض العلماء استحب رفع يديه عند القنوت وبعضهم لم يستحب ذلك.
وأما مسح الوجه بهما فقد قال البيهقي: الاولى أن لا يفعله ويقتصر على ما فعله السلف ﵃ من رفع اليدين دون مسحهما بالوجه في الصلاة.
(٨) الدعاء بعده: يستحب أن يقول المصلي بعد السلام من الوتر: سبحان الملك القدوس ثلاث مراتى رفع صوته بالثالثة ثم يقول: رب الملائكة والروح، لما رواه أبو داود والنسائي من حديث أبي بن كعب قال: كانر سول الله ﷺ يقرأ في الوتر ب (سبح اسم ربك الاعلى) و (قل يا أيها الكافرون) و (قل هو الله أحد) .
فإذا سلم قال: سبحان الملك القدوس ثلاث مرات، يمد بها صوته في الثالثة ويرفع. وهذا لفظ النسائي.
زاد الدارقطني، ويقول: رب الملائكة والروح، ثم يدعو بما رواه أحمد وأصحاب السنن عن علي أن النبي ﷺ كان يقول في آخر وتره.
(اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك) .
стр. 192
(٩) لا وتران في ليلة: من صلى الوتر ثم بدا له أن يصلي جاز ولا يعيد الوتر.
لما رواه أبو داود والنسائي والترمذي وحسنه عن علي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا وتران في ليلة) .
وعن عائشة أن النبي ﷺ كان يسلم تسليما يسمعنا، ثم يصلي ركعتين بعد ما يسلم وهو قاعد، رواه مسلم.
وعن أم سلمة: أنه ﷺ كان يركع ركعتين بعد الوتر وهو جالس، رواه أحمد وأبو داود والترمذي وغيرهم.
(١٠) قضاؤه: ذهب جمهور العلماء إلى مشروعية قضاء الوتر لما رواه البيهقي والحاكم وصححه على شرط الشيخين عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (إذا أصبح أحدكم ولم يوتر فليوتر) .
وروى أبو داود عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: (من نام عن وتره أو نسيه فليصله إذا ذكره) قال العراقي إسناده صحيح.
وعند أحمد والطبراني بسند حسن: كان الرسول ﷺ يصبح فيوتر.
واختلفوا في الوقت الذي يقضى فيه، فعند الحنفية يقضى في غير أوقات النهي، وعند الشافعية يقضى في أي وقت من الليل أو من النهار، وعند مالك وأحمد يقضى بعد الفجر ما لم تصل الصبح.
القنوت في الصلوات الخمس يشرع القنوت جهرا في الصلوات الخمس عند النوازل، فعن ابن عباس قال: قنت الرسول ﷺ شهرا متتابعا. في الظهر والعصر، والمغرب، والعشاء والصبح في دبر كل صلاة إذا قال سمع الله لمن حمده من الركعة الاخيرة: يدعو عليهم، على حي من بني سليم وعل رعل وذكوان وعصية (١) ويؤمن من خلفه.
رواه أبو داود وأحمد، وزاد: أرسل إليهم يدعوهم إلى الاسلام فقتلوهم.
قال عكرمة: كان هذا مفتاح القنوت: وعن أبي هريرة
стр. 193
أن النبي ﷺ كان إذا أراد أن يدعو على أحد أو يدعو لاحد قنت بعد الركوع.
فربما قال، إذا قال سمع الله لمن حمده: ربنا ولك الحمد: (اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين. اللهم اشدد وطأتك (١) على مضر واجعلها عليهم سنين كسني (٢) يوسف) قال يجهر بذلك ويقولها في بعض صلاته، وفي صلاة الفجر (اللهم ألعن فلانا وفلانا) حيين من أحياء العرب حتى أنزل الله تعالى: (ليس لك من الامر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون) رواه أحمد والبخاري.
القنوت في صلاة الصبح:
القنوت في صلاة الصبح غير مشروع إلا في النوازل ففيها يقنت فيه وفي سائر الصلوات كما تقدم.
روى أحمد والنسائي وابن ماجه والترمذي وصححه.
عن أبي مالك الاشجعي قال: كان أبي قد صلى خلف رسول الله ﷺ وهو ابن ست عشرة سنة، وأبي بكر وعمر وعثمان.
فقلت أكانوا يقنتون؟ قال: لا: أي بني محدث.
وروى ابن حبان والخطيب وابن خزيمة وصححه، عن أنس أن النبي ﷺ كان لا يقنت في صلاة الصبح إلا إذا دعا لقوم أو دعا على قوم (٣) .
وروى الزبير والخلفاء الثلاثة أنهم كانوا لا يقنتون في صلاة الفجر.
وهو مذهب الحنفية والحنابلة وابن المبارك والثوري وإسحاق.
ومذهب الشافعية أن القنوت في صلاة الصبح بعد
الركوع من الركعة الثانية سنة، لما رواه الجماعة إلا الترمذي عن ابن سيرين أن أنس بن مالك سئل: هل قنت النبي ﷺ في صلاة الصبح؟ فقال: نعم.
فقيل له: قبل الركوع أو بعده؟ قال: بعد الركوع.
ولما رواه أحمد والبزار والدارقطني والبيهقي والحاكم وصححه عنه قال: ما زال رسول الله ﷺ يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا.
стр. 194
وفي هذا الاستدلال نظر، لان القنوت المسؤول عنه هو قنوت النوازل كما جاء ذلك صريحا في رواية البخاري ومسلم.
وأما الحديث الثاني ففي سنده أبو جعفر الرازي وهو ليس بالقوي، وحديثه هذا لا ينهض للاحتجاج به، إذ لا يعقل أن يقنت رسول الله ﷺ في الفجر طول حياته ثم يتركه الخلفاء من بعده، بل إن أنسا نفسه لم يكن يقنت في الصبح كما ثبت ذلك عنه، ولو سلم صحة الحديث فيحمل القنوت المذكور فيه على أنه ﷺ كان يطيل القيام بعد الركوع للدعاء والثناء إلى أن فارق الدنيا، فإن هذا معنى من معاني القنوت وهو هنا أنسب.
ومهما يكن من شئ فإن هذا من الاختلاف المباح الذي يستوي فيه الفعل والترك وإن خير الهدي محمد ﷺ .
قيام الليل:
(١) فضله:
١ - أمر الله به نبيه ﷺ فقال: (ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا) .
وهذا الامر وإن كان خاصا برسول الله ﷺ إلا أن عامة
المسلمين يدخلون فيه بحكم أنهم مطالبون بالاقتاء به ﷺ .
٢ - بين أن المحافظين على قيامه هم المحسنون المستحقون لخيره ورحمته فقال: (إن المتقين في جنات وعيون آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين، كانوا قليلا من الليل ما يهجعون، وبالاسحار هم يستغفرون) .
٣ - ومدحهم وأثنى عليهم ونظمهم في جملة عباده الابرار فقال: (وعباد الرحمن الذين يمشون على الارض هونا، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما، والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما) .
٤ - وشهد لهم بالايمان بآياته فقال: (إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا
стр. 195
ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون، تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون، فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون) .
٥ - ونفى التسوية بينهم وبين غيرهم ممن لم يتصف بوصفهم فقال: (أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الاخرة ويرجو رحمة ربه.
قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الالباب) .
هذا بعض ما جاء في كتاب الله، أما ما جاء في سنة رسول الله ﷺ فهاك بعضه:
١ - قال عبد الله بن سلام: أول ما قدم رسول الله ﷺ
المدينة انجفل الناس إليه، فكنت ممن جاءه، فلما تأملت وجهه واستبنته عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب.
قال: فكان أول ما سمعت من كلامه أن قال: (أيها الناس أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الارحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام) رواه الحاكم وابن ماجه والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
٢ - وقال سلمان الفارسي، قال رسول الله ﷺ : (عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، ومقربة لكن إلى ربكم، ومكفرة للسيئات، ومنهاة عن الاثم، ومطردة للداء عن الجسد) .
٣ - وقال سهل بن سعد: جاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد عش ما شئت فإنك ميت، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعلم أن شرف المؤمن قيام الليل وعزه استغناؤه عن الناس) .
٤ - وعن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال (ثلاثة يحبهم الله ويضحك إليهم ويستبشر بهم: الذي إذا انكشفت فئة قاتل وراءها بنفسه لله .
فإما أن يقتل وإما أن ينصره الله ويكفيه فيقول: انظروا إلى
стр. 196
عبدي هذا كيف صبر لي بنفسه.
والذي له امرأة حسنة وفراش لين حسن فيقوم من الليل فيقول: يذر شهوته ويذكرني، ولو شاء رقد.
والذي إذا كان في سفر وكان معه ركب فسهروا ثم هجعوا فقام من السحر في ضراء وسراء) .
(٢) آدابه: يسن لمن أراد قيام الليل ما يأتي:
١ - أن ينوي عند نومه قيام الليل.
فعن أبي الدرداء أن النبي ﷺ قال: (من أتى فراشه وهو ينوي أن يقوم فيصلي من الليل فغلبته عينه حتى يصبح كتب له ما نوى، وكان نومه صدقة عليه من ربه) رواه النسائي وابن ماجه بسند صحيح.
٢ - أن يمسح النوم عن وجهه عند الاستيقاظ ويتسوك وينظر في السماء ثم يدعو بما جاء عن رسول الله ﷺ فيقول: (لا إله إلا أنت سبحانك، أستغفرك لذنبي وأسألك رحمتك، اللهم زدني علما ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني وهب لي من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.
الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور، ثم يقرأ الايات العشر من أواخر سورة آل عمران: (إن في خلق السموات والارض واختلاف الليل والنهار لايات لاولى الالباب) إلى آخر السورة ثم يقول: (اللهم لك الحمد، أنت نور السموات والارض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت قيم السموات والارض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت الحق، ووعدك الحق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد حق، والساعة حق. اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، ما أسررت وما أعلنت، أنت الله لا إله إلا أنت) .
٣ - أن يفتتح صلاة الليل بركعتين خفيفتين ثم يصلي بعدهما ما شاء، فعن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل يصلي افتتح صلاته بركعتين خفيفتين.
عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (إذا قام أحدكم من الليل فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين) رواهما مسلم.
стр. 197
٤ - أن يوقظ أهله.
فعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال:
(رحم الله امرء قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته فإن أبت نضح في وجهها الماء، رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء) .
وعنه أيضا أن رسول الله ﷺ قال: (إذا أيقظ الرجل أهله من الليل فصليا أو صلى ركعتين جميعا كتب في الذاكرين والذاكرات) رواهما أبو داود وغيره بإسناد صحيح.
وعن أم سلمة أن النبي ﷺ استيقظ ليلة فقال: (سبحان الله، ماذا أنزل الليلة من الفتنة، ماذا أنزل من الخزائن، من يوقظ صواحب الحجرات، يا رب كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة) رواه البخاري.
عن علي أن رسول الله ﷺ طرقه وفاطمة، فقال: (ألا تصليان؟) قال فقالت: يا رسول الله أنفسنا بيد الله.
فإن شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف حين قلت ذلك، ثم سمعته وهو مول يضرب فخذه وهو يقول: (وكان الانسان أكثر شئ جدلا) متفق عليه.
٥ - أن يترك الصلاة ويرقد إذا غلبه النعاس حتى يذهب عنه النوم، فعن عائشة أن النبي ﷺ قال: (إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم القرآن على لسانه فلم يدر ما يقول فليضطجع) رواه مسلم.
وقال أنس: دخل رسول الله ﷺ المسجد وحبل ممدود بين ساريتين فقال: (ما هذا؟) قالوا: لزينب تصلي، إذا كسلت أو فترت أمسكت به.
فقال: (حلوه، ليصل أحدكم نشاطه فإذا كسل أو فتر فليرقد) متفق عليه.
٦ - أن لا يشق على نفسه بل يقوم من الليل بقدر ما تتسع له طاقته، ويواظب عليه ولا يتركه إلا لضرورة.
فعن عائشة قالت، قال رسول الله ﷺ : (خذوا من الاعمال ما تطيقون، فو الله لا يمل الله حتى تملوا) (١) رواه البخاري ومسلم.
ورويا عنها أن رسول الله ﷺ سئل أي العمل أحب إلى الله تعالى؟ قال: (أدومه وإن قل) .
وروى مسلم عنها قالت: كان عمل رسول الله ﷺ ديمة.
وكان إذا عمل عملا أثبته.
وعن عبد الله بن عمر
стр. 198
قال، قال رسول الله ﷺ : (يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل) متفق عليه.
ورويا عن ابن مسعود قال: (ذكر عند النبي ﷺ رجل نام حتى أصبح قال: (ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه) أو قال (في أذنه) ورويا عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه أن النبي ﷺ قال لابيه: (نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل) قال سالم: فكان عبد الله بعد ذلك لا ينام من الليل إلا قليلا.
(٣) وقته: صلاة الليل تجوز في أول الليل ووسطه وآخره ما دامت الصلاة بعد صلاة العشاء.
قال أنس ﵁ في وصف صلاة رسول الله ﷺ : ما كنا نشاء أن نراه من الليل مصليا إلا رأيناه، وما كنا نشاء أن نراه نائما إلا رأيناه، وكان يصوم من الشهر حتى نقول لا يفطر منه شيئا ويفطر حتى نقول لا يصوم منه شيئا.
رواه أحمد والبخاري والنسائي.
قال الحافظ: لم يكن لتهجده ﷺ وقت معين بل بحسب ما يتيسر له القيام.
(٤) أفضل أوقاتها: الافضل تأخيرها إلى الثلث الاخير:
١ - فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الاخر
فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فعطيه، من يستغفرني فأغفر له) رواه الجماعة.
٢ - وعن عمرو بن عبسة قال، سمعت رسول الله ﷺ يقول: (أقرب ما يكون العبد من الرب في جوف الليل الاخير فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن) رواه الحاكم وقال: على شرط مسلم والترمذي وقال: حسن صحيح، ورواه أيضا النسائي وابن خزيمة.
٣ - وقال أبو مسلم لابي ذر: أي قيام الليل أفضل؟ قال سألت رسول
стр. 199
الله ﷺ كما سألتني فقال: (جوف الليل الغابر (١) وقليل فاعله) رواه أحمد بإسناد جيد.
٤ - وعن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: (أحب الصيام إلى الله صيام داود، وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود: كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وكان يصوم يوما ويفطر يوما) رواه الجماعة إلا الترمذي.
(٥) عدد ركعاته: ليس لصلاة الليل عدد مخصوص ولا حد معين، فهي تتحقق ولو بركعة الوتر بعد صلاة العشاء.
١ - فعن سمرة بن جندب ﵁ قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نصلي من الليل ما قل أو كثر ونجعل آخر ذلك وترا.
رواه الطبراني والبزار.
٢ - وروى عن أنس ﵁ يرفعه إلى النبي ﷺ قال: (صلاة في مسجدي تعدل بعشرة آلاف صلاة، وصلاة في المسجد الحرام تعدل بمائة ألف صلاة. والصلاة بأرض الرباط (٢) تعدل بألفي ألف صلاة، وأكثر من ذلك كله الركعتان يصليهما العبد في جوف الليل) رواه أبو الشيخ وابن حبان في كتابه (الثواب) وسكت عليه المنذري في (الترغيب والترهيب) .
٣ - وعن إياس بن معاوية المزني ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا بد من صلاة بليل ولو حلب (٣) شاة، وما كان بعد صلاة العشاء فهو من الليل) رواه الطبراني ورواته ثقات إلا محمد بن إسحق.
٤ - وعن ابن عباس ﵄ قال: ذكرت قيام الليل فقال بعضهم: إن رسول الله ﷺ قال: (نصفه، ثلثه، ربعه،
стр. 200
فواق (١) حلب ناقة، فواق حلب شاة) .
٥ - وروى عنه أيضا قال: أمرنا رسول الله ﷺ بصلاة الليل ورغب فيها حتى قال: (عليكم بصلاة الليل ولو ركعة) رواه الطبراني في الكبير والاوسط.
والافضل المواظبة على إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ركعة، وهو مخير بين أن يصليها وبين أن يقطعها.
قالت عائشة ﵂: ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا غيره عن إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثا، فقلت: يا رسول الله أتنام قبل أن
توتر؟ فقال: (يا عائشة إن عيني تنامان ولا ينام قلبي) رواه البخاري ومسلم.
ورويا أيضا عن القاسم بن محمد قال: سمعت عائشة ﵂ تقول: كانت صلاة رسول الله ﷺ من الليل عشر ركعات ويوتر بسجدة.
(٦) قضاء قيام الليل: روى مسلم عن عائشة أن النبي ﷺ كان إذا فاتته الصلاة من الليل من وجع أو غيره صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة.
وروى الجماعة إلا البخاري عن عمر أن النبي ﷺ قال: (من نام عن حزبه أو عن شئ منه فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب كأنما قرأه من الليل) .
قيام رمضان
(١) مشروعية قيام رمضان: قيام رمضان أو صلاة التراويح (٢) سنة الرجل والنساء (٣) تؤدى بعد
стр. 201
صلاة العشاء، وقبل الوتر ركعتين ركعتين، ويجوز أن تؤدى بعده ولكنه خلاف الافضل، ويستمر وقتها إلى آخر الليل.
روى الجماعة عن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمر فيه بعزيمة، فيقول: (من قام رمضان إيمانا واحتسابا (١) غفر له ما تقدم من ذنبه) ورووا إلا الترمذي عن عائشة قالت: صلى النبي ﷺ في المسجد فصلى بصلاته ناس كثير ثم صلى من القابلة فكثروا، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة فلم يخرج إليهم، فلما أصبح قال: (قد رأيت صنيعكم فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم) وذلك في رمضان.
(٢) عدد ركعاته: روى الجماعة عن عائشة أن النبي ﷺ ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة.
وروى ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما عن جابر: أنه ﷺ صلى بهم ثماني ركعات والوتر، ثم انتظروه في القابلة فلم يخرج إليهم.
وروى أبو يعلى والطبراني بسند حسن عنه قال: جاء أبي بن كعب إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إنه كان مني الليلة شئ، يعني في رمضان، قال: (وما ذاك يا أبي؟) قال: نسوة في داري قلن: إنا لا نقرأ القرآن فنصلي بصلاتك؟ فصليت بهن ثماني ركعات وأوترت، فكانت سنة الرضا ولم يقل شيئا. هـ
ذا هو المسنون الوارد عن النبي ﷺ ولم يصح عنه شئ غير ذلك، وصح أن الناس كانوا يصلون على عهد عمر وعثمان وعلي عشرين ركعة، وهو رأي جمهور الفقهاء من الحنفية والحنابلة وداود، قال الترمذي: وأكثر أهل العلم على ما روي عن عمر وعلي وغيرهما من أصحاب النبي ﷺ عشرين ركعة، وهو قول الثوري وابن المبارك والشافعي، وقال: هكذا أدركت الناس بمكة يصلون عشرين ركعة (٢)
قال الزرقاني: وذكر ابن حبان أن التراويح كانت أولا إحدى عشرة ركعة، وكانوا يطيلون القراءة فثقل عليهم فخففوا القراءة وزادوا في عدد الركعات فكانوا يصلون عشرين ركعة غير الشفع والوتر بقراءة متوسطة، ثم خففوا القراءة وجعلوا الركعات ستا وثلاثين غير الشفع والوتر، ومضى الامر على ذلك.
стр. 202
ويرى بعض العلماء أن المسنون إحدى عشرة ركعة بالوتر والباقي مستحب.
قال الكمال ابن الهمام: الدليل يقتضي أن تكون السنة من العشرين ما فعله ﷺ ثم تركه خشية أن يكتب علينا، والباقي مستحب.
وقد ثبت أن ذلك كان إحدى عشرة ركعة بالوتر كما في الصحيحين، فإذن يكون المسنون على أصول مشايخنا ثمانية منها والمستحب اثنى عشرة.
(٣) الجماعة فيه: قيام رمضان يجوز أن يصلى في جماعة كما يجوز أن يصلى على انفراد، ولكن صلاته جماعة في المسجد أفضل عند الجمهور.
وقد تقدم ما يفيد أن الرسول ﷺ صلى بالمسلمين جماعة ولم يداوم على الخروج خشية أن يفرض عليهم ثم كان أن جمعهم عمر على إمام.
قال عبد الرحمن ابن عبد القاري: خرجت مع عمر بن الخطاب ليلة في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط.
فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل (١) ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب، ثم خرجت معه في ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم فقال عمر: نعمت البدعة هذه (٢) والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون، يريد آخر الليل (٣) .
وكان الناس يقومون أوله.
رواه البخاري وابن خزيمة والبيهقي وغيرهم.
(٤) القراءة فيه: ليس في القراءة في قيام رمضان شئ مسنون، وورد عن السلف أنهم كانوا يقومون المائتين ويعتمدون على العصي من طوم القيام، ولا ينصرفون إلا قبيل بزوغ الفجر فيستعجلون الخدم بالطعام مخافة أن يطلع عليهم.
وكانوا يقومون بسورة البقرة في ثمان ركعات فإذا قرئ بها في اثنتي عشرة ركعة عد ذلك تخفيفا.
стр. 203
قال ابن قدامة: قال أحمد: (يقرأ بالقوم في شهر رمضان ما يخفف على الناس ولا يشق عليهم، ولا سيما في الليالي القصار (١)) وقال القاضي: لا يستحب النقصان من ختمة في الشهر ليسمع الناس جميع القرآن، ولا يزيد على ختمة كراهية المشقة على من خلفه، والتقدير بحال الناس أولى، فإنه لو اتفق جماعة يرضون بالتطويل كان أفضل، كما قال أبو ذر: (قمنا مع النبي ﷺ حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح، يعني السحور. وكان القارئ يقرأ بالمائتين) .
صلاة الضحى:
(١) فضلها: ورد في فضل صلاة الضحى أحاديث كثيرة، نذكر منها ما يلي:
١ - عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يصبح على كل سلامي (٢) من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحمية صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر
بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزي من (٣) ذلك ركعتان يركعهما من الضحى) رواه أحمد ومسلم وأبو داود.
٢ - ولاحمد وأبي داود عن بريدة أن رسول الله ﷺ قال: (في الانسان ستون وثلاثمائة مفصل عليه أن يتصدق عن كل مفصل منها صدقة) قالوا فمن الذي يطيق ذلك يا رسول الله؟ قال: (النخامة في المسجد يدفنها أو الشئ ينحيه عن الطريق، فإن لم يقدر فركعتا الضحى تجزئ عنه) .
قال الشوكاني: (والحديثان يدلان على عظم فضل الضحى وكبر موقعها وتأكد مشروعيتها وأن ركعتيها تجزيان عن ثلثمائة وستين صدقة، وما كان كذلك فهو حقيق بالمواظبة والمداومة.
ويدلان أيضا على مشروعية الاستكثار من التسبيح والتحميد والتهليل، والامر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ودفن
стр. 204
النخامة، وتنحية ما يؤذي المار عن الطريق وسائر أنواع الطاعات لنسقط بذلك ما على الانسان من الصدقات اللازمة في كل يوم) .
٣ - وعن النواس بن سمعان ﵁ أن النبي ﷺ قال: (قال الله عزوجل: ابن آدم لا تعجزن عن أربع ركعات في أول النهار أكفك آخره) رواه الحاكم والطبراني ورجاله ثقات.
رواه أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي عن نعيم الغطفاني بسند جيد.
ولفظ الترمذي عن رسول الله ﷺ عن الله ﵎: (إن الله تعالى قال: (ابن آدم اركع لي أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره) .
٤ - عن عبد الله بن عمرو قال: بعث رسول الله ﷺ سرية (١) فغنموا وأسرعوا الرجعة، فتحدث الناس بقرب مغزاهم (٢) وكثرة غنيمتهم وسرعة رجعتهم فقال رسول الله ﷺ : (ألا أدلكم على أقرب منهم مغزى وأكثر غنيمة وأوشك (٣) رجعة؟ من توضأ ثم غدا إلى المسجد لسبحة الضحى فهو أقرب مغزى وأكثر غنيمة وأوشك رجعة) رواه أحمد والطبراني.
وروى أبو يعلى نحوه.
٥ - وعن أبي هريرة ﵁، قال: أوصاني خليلي ﷺ بثلاث: (بصيام ثلاثة أيام في كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام) . رواه البخاري ومسلم.
٦ - وعن أنس ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ في سفر صلى سبحة الضحى ثماني ركعات فلما انصرف قال: (إني صليت صلاة رغبة ورهبة، سألت ربي ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة: سألته ألا يبتلي أمتي بالسنين (٤) ففعل، وسألته ألا يظهر عليهم عدوهم ففعل، وسألته ألا يلبسهم شيعا فأبى علي) رواه أحمد والنسائي والحاكم وابن خزيمة وصححاه.
стр. 205
(٢) حكمها: صلاة الضحى عبادة مستحبة فمن شاء ثوابها فليؤدها وإلا فلا تثريب عليه في تركها، فعن أبي سعيد ﵁ قال: (كان ﷺ يصلي الضحى حتى نقول لا يدعها، ويدعها حتى نقول لا يصليها) رواه الترمذي وحسنه.
(٣) وقتها: يبتدى أوقتها بارتفاع الشمس قدر رمح وينتهي حين الزوال ولكن المستحب أن تؤخر إلى أن ترتفع الشمس ويشتد الحر.
فعن زيد بن أرقم ﵁ قال: خرج النبي ﷺ على أهل قباء (١) وهم يصلون الضحى فقال: (صلاة الاوابين (٢) إذا رمضت الفصال (٣) من الضحى) . رواه أحمد ومسلم والترمذي.
(٤) عدد ركعاتها: أقل ركعاتها اثنتان كما تقدم في حديث أبي ذر وأكثر ما ثبت من فعل رسول الله ﷺ ثماني ركعات، وأكثر ما ثبت من قوله اثنتا عشرة ركعة.
وقد ذهب قوم - منهم أبو جعفر الطبري وبه جزم المليمي والروياني من الشافعية - إلى أنه لاحد لاكثرها.
قال العراقي في شرح الترمذي: لم أر عن أحد من الصحابة والتابعين أنه حصرها في اثنتي عشرة ركعة. وكذا قال السيوطي.
وأخرج سعيد بن منصور عن الحسن أنه سئل: هل كان أصحاب رسول الله ﷺ يصلونها؟ فقال: نعم..كان منهم من يصلي ركعتين، ومنهم من يصلي أربعا، ومنهم من يمد إلى نصف النهار.
وعن إبراهيم النخعي أن رجلا سأل الاسود بن يزيد: كم أصلي الضحى؟ قال: كما شئت.
وعن أم هانئ أن النبي ﷺ صلى سبحة الضحى ثماني ركعات
стр. 206
يسلم من كل ركعتين.
رواه أبو داود بإسناد صحيح.
وعن عائشة ﵂ قالت: (كان النبي ﷺ يصلي الضحى أربع ركعات ويزيد ما شاء الله) رواه أحمد ومسلم وابن ماجه.
صلاة الاستخارة:
يسن لمن أراد أمرا من الامور المباحة (١) والتبس عليه وجه الخير فيه أن يصلي ركعتين من غير الفريضة ولو كانتا من السنن الراتبة أو تحية المسجد في أي وقت من الليل أو النهار يقرأ فيهما بما شاء بعد الفاتحة، ثم يحمد الله ويصلي على نبيه ﷺ ثم يدعو بالدعاء الذي رواه البخاري من حديث جابر ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الامور كلها (٢) كما يعلمنا السورة من القرآن بقول: (إذا هم أحدكم بالامر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: (اللهم أستخيرك (٣) بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب.
اللهم إن كنت تعلم أن هذا الامر (٤) خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: عاجل أمري وآجله (٥) فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه. وإن كنت تعلم أن هذا الامر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: عاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان، ثم أرضني به) قال: ويسمي حاجته: أي يسمي حاجته عند قوله: (اللهم إن كان هذا الامر) .
ولم يصح في القراءة فيها شئ مخصوص، كما لم يصح شئ في استحباب تكرارها.
قال النووي: ينبغي أن يفعل بعد الاستخارة ما ينشرح له، فلا
стр. 207
ينبغي أن يعتمد على انشراح كان فيه هوى قبل الاستخارة، بل ينبغي للمستخير ترك اختياره رأسا وإلا فلا يكون مستخيرا لله، بل يكون غير صادق في طلب الخيرة وفي التبري من العلم والقدرة وإثباتهما لله تعالى، فإذا صدق في ذلك تبرأ من الحول والقوة ومن اختياره لنفسه.
صلاة التسبيح:
عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ للعباس ابن عبد المطلب: (يا عباس يا عماه، ألا أعطيك، ألا أمنحك، ألا أحبوك (١) ، ألا أفعل بك عشر خصال (٢) ، إذا أنت فعلت ذلك غفر الله ذنبك أوله وآخره، وقديمه وحديثه، وخطأه وعمده، وصغيره وكبيره، وسره وعلانيته.
عشر خصال: أن تصلي أربع ركعات تقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب وسورة (٣) ، فإذا فرغت من القراءة في أول ركعة فقل وأنت قائم: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر خمس عشرة، ثم تركع فتقول وأنت راكع عشرا (٤) ثم ترفع رأسك من الركوع.
فتقولها عشرا، ثم تهوي ساجدا فتقول وأنت ساجد عشرا، ثم ترفع رأسك من السجود فتقولها عشرا، ثم تسجد فتقولها عشرا ثم ترفع رأسك من السجود فتقولها عشرا (٥) .
فذلك خمس وسبعون في كل ركعة، تفعل ذلك في أربع ركعات.
وإن استطعت أن تصليها في كل يوم
مرة فافعل، فإن لم تستطع ففي كل جمعة مرة، فإن لم تفعل ففي كل سنة مرة، فإن لم تفعل ففي عمرك مرة) .
رواه أبو داود وابن ماجه وابن خزيمة في صحيحه والطبراني.
قال الحافظ: وقد روي هذا الحديث من طرق كثيرة، وعن جامعة من الصحابة.
وأمثلها حديث عكرمة هذا، وقد صححه جماعة: منهم الحافظ أبو بكر الاجري، وشيخنا أبو محمد عبد الرحيم المصري، وشيخنا الحافظ أبو الحسن المقدسي ﵏.
وقال ابن المبارك: صلاة التسبيح مرغب فيها، يستحب أن يعتادها في كل حين ولا يتغافل عنها.
стр. 208
صلاة الحاجة:
روى أحمد بسند صحيح عن أبي الدرداء أن النبي ﷺ قال: (من توضأ فأسبغ الوضوء ثم صلى ركعتين يتمهما أعطاه الله ما سأل معجلا أو مؤخرا) .
صلاة التوبة:
عن أبي بكر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما من رجل يذنب ذنبا ثم يقوم فيتطهر ثم يصلي (١) ثم يستغفر الله إلا غفر له. ثم قرأ هذه الاية: (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم، ومن يغفر الذنوب إلا الله؟ ... ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الانهار
خالدين فيها) (٢) رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه والبيهقي والترمذي وقال: حديث حسن.
وروى الطبراني في الكبير بسند حسن عن أبي الدرداء أن النبي ﷺ قال: (من توضأ فأحسن الوضوء ثم قام فصلى ركعتين أو أربعا مكتوبة أو غير مكتوبة يحسن فيهن الركوع والسجود ثم استغفر الله غفر له) .
صلاة الكسوف: (٣)
اتفق العلماء على أن صلاة الكسوف سنة مؤكدة في حق الرجال والنساء، وأن الافضل أن تصلى في جماعة وإن كانت الجماعة ليست شرطا فيها، وينادى لها: (الصلاة جامعة) والجمهور من العلماء على أنها ركعتان، في كل ركعة ركوعان، فعن عائشة قالت: خسفت الشمس في حياة النبي ﷺ فخرج رسول الله ﷺ إلى المسجد فقام فكبر وصف الناس وراءه، فاقترأ قراءد طويلة، ثم كبر فركع ركوعا طويلا هو أدنى من القراءة
стр. 209
الاولى، ثم رفع رأسه فقال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد.
ثم قام فاقترأ قراءة طويلة هي أدنى من القراءة الاولى، ثم كبر فركع ركوعا هو أدنى من الركوع الاول ثم قال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد. ثم سجد، ثم فعل في الركعة الاخرى مثل ذلك حتى استكمل أربع ركعات (١) وأربع سجدات وانجلت الشمس قبل أن ينصرف، ثم قام فخطب (٢) الناس فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله عزوجل
لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتموهما فافزعوا إلى الصلاة) رواه البخاري ومسلم.
ورويا أيضا عن ابن عباس قال: خسفت الشمس فصلى رسول الله ﷺ فقام قياما طويلا نحوا من سورة البقرة، ثم ركع ركوعا طويلا، ثم رفع فقام قياما طويلا، وهو دون القيام الاول، ثم ركع ركوعا طويلا، وهو دون الركوع الاول، ثم سجد، ثم قام قياما طويلا، وهو دون القيام الاول، ثم ركع ركوعا طويلا، وهو دون الركوع الاول.
ثم رفع فقام قياما طويلا، وهو دون القيام الاول، ثم ركع ركوعا طويلا، وهو دون الركوع الاول، ثم سجد، ثم انصرف وقد تجلت الشمس، فقال: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله) .
قال ابن عبد البر: هذان الحديثان من أصح ما روي في هذا الباب.
وقال ابن القيم: السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في صلاة الكسوف تكرار الركوع في كل ركعة، لحديث عائشة وابن عباس وجابر وأبي بن كعب وعبد الله بن عمرو بن العاص وأبي موسى الاشعري.
كلهم روى عن النبي ﷺ تكرار الركوع في الركعة الواحدة، والذين رووا تكرار الركوع أكثر عددا وأجل وأخص برسول الله ﷺ من الذين لم يذكروه.
وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد، وذهب أبو حنيفة إلى أن صلاة الكسوف ركعتان على هيئة صلاة العيد والجمعة، لحديث النعمان بن بشير قال: صلى
стр. 210
بنا رسول الله ﷺ في الكسوف نحو صلاتكم، يركع ويسجد ركعتين ركعتين ويسأل الله، حتى تجلت الشمس.
وفي حديث قبصة الهلالي أن النبي ﷺ قال: (إذا رأيتم ذلك فصلوها كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة) رواه أحمد والنسائي.
وقراءة الفاتحة واجبة في الركعتين كلتيهما ويتخير المصلي بعدها ما شاء من القرآن.
ويجوز الجهر بالقراءة والاسرار بها، إلا أن البخاري قال: إن الجهر أصح.
ووقتها من حين الكسوف إلى التجلي.
وصلاة خسوف القمر مثل صلاة كسوف الشمس.
قال الحسن البصري: خسف القمر، وابن عباس أمير على البصرة، فخرج فصلى بنا ركعتين في كل ركعة ركعتين (١) ثم ركب وقال: إنما صليت كما رأيت النبي ﷺ يصلي. رواه الشافعي في المسند.
ويستحب التكبير (والدعاء والتصدق والاستغفار) لما رواه البخاري ومسلم عن عائشة أن النبي ﷺ قال: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وتصدقوا وصلوا) .
ورويا عن أبي موسى قال: خسفت الشمس فقام النبي ﷺ فصلى وقال: (إذا رأيتم شيئا من ذلك فافزعوا إلى ذكر الله ودعائه واستغفاره) .
صلاة الاستسقاء:
الاستسقاء: طلب سقي الماء، ومعناه هنا طلبه من الله تعالى عند حصول الجدب وانقطاع المطر على وجه من الاوجه الاتية:
١ - أن يصلي الامام بالمأمومين (٢) ركعتين في أي وقت غير وقت الكراهة: يجهر في الاولى بالفاتحة و (سبح اسم ربك الاعلى) .
والثانية بالغاشية بعد الفاتحة، ثم خطبة بعد الصلاة أو قبلها.
فإذا انتهى من الخطبة حول المصلون جميعا أرديتهم بأن يجعلوا ما على أيمانهم على شمائلهم ويجعلوا على ما شمائلهم على أيمانهم ويستقبلوا القبلة، ويدعوا الله رافعي أيديهم مبالغين في
стр. 211
ذلك، فعن ابن عباس قال: خرج النبي ﷺ متواضعا، متبدلا متخشعا، مترسلا (١) متضرعا فصلى ركعتين كما يصلي في العيد لم يخطب خطبتكم هذه) رواه الخمسة وصححه الترمذي وأبو عوانة وابن حبان.
وعن عائشة قالت: شكا الناس إلى رسول الله ﷺ قحوط (٢) المطر فأمر بمنبر فوضع له بالمصلى ووعد الناس يوما يخرجون فيه، فخرج حين بدا حاجب (٣) الشمس فقعد على المنبر فكبر وحمد الله ثم قال: (إنكم شكوتم جدب دياركم وقد أمركم الله أن تدعوه ووعدكم أن يستجيب لكم) ثم قال: (الحمد لله رب العالمين، الرحمن، مالك يوم الدين، لا إله إلا الله يفعل ما يريد: اللهم لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت علينا قوة وبلاغا إلى حين) ثم رفع يديه فلم يزل (يدعو) حتى رؤي بياض إبطيه ثم حول إلى الناس ظهره وقلب رداءه وهو رافع يديه، ثم أقبل على الناس ونزل فصلى ركعتين فأنشأ الله تعالى سحابة فرعدت وبرقت ثم أمطرت بإذن الله تعالى فلم يأت مسجده حتى سألت السيول، فلما رأى سرعتهم إلى الكن (٤) ضحك حتى بدت نواجذه فقال: (أشهد أن الله على كل شئ قدير وأني عبد الله ورسوله) رواه الحاكم وصححه وأبو داود وقال: هذا حديث غريب وإسناده جيد.
وعن عباد بن تميم عن عمر عبد الله بن زيد المازني: أن النبي ﷺ خرج بالناس يستسقي فصلى بهم ركعتين جهر بالقراءة فيهما، الحديث أخرجه الجماعة.
وقال أبو هريرة: (خرج نبي الله ﷺ يوما يستسقي وصلى بنا ركعتين بلا أذان ولا إقامة، ثم خطبنا ودعا الله وحول وجهه نحو القبلة رافعا يديه، ثم قلب رداءه فجعل الايمن على الايسر والايسر على الايمن) رواه أحمد وابن ماجه والبيهقي.
٢ - أن يدعو الامام في خطبة الجمعة ويؤمن المصلون على دعائه لما رواه البخاري ومسلم عن شريك عن أنس أن رجلا دخل المسجد يوم الجمعة ورسول الله ﷺ قائم يخطب فقال: يا رسول الله هلكت
стр. 212
الاموال، وانقطعت السبل (١) فادع إلينا يغيثنا.
فرفع رسول الله ﷺ يديه ثم قال: (اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا) قال أنس: ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة (٢) . وما بيننا وبين سلع (٣) من بيت ولا دار، فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس (٤) ، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت، فلا والله ما رأينا الشمس سبتا (٥) ثم دخل رجل (٦) من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول الله ﷺ قائم يخطب فاستقبله قائما فقال: يا رسول الله هلكت الاموال وانقطعت السبل، فادع الله يمسكها عنا فرفع رسول الله ﷺ يديه، ثم قال: (اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الاكام (٧) والظراب (٨) ، وبطون الاودية ومنابت الشجر) فأقلعت (٩) ، وخرجنا نمشي في الشمس.
٣ - أن يدعو دعاء مجردا في غير يوم الجمعة وبدون صلاة في المسجد أو خارجه، لما رواه ابن ماجه وأبو عوانة أن ابن عباس قال: (جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله لقد جئتك من عند قوم لا يتزود لهم راع ولا يخطر لهم فحل (١٠) فصعد النبي ﷺ المنبر فحمد الله. ثم قال: (اللهم اسقنا غيثا مغيثا (١١) مريئا مريعا طبقا غدقا عاجلا غير رائث) ثم نزل فما يأتيه أحد من وجه من الوجوه إلا قالوا قد أحيينا) رواه ابن ماجه وأبو عوانة ورجاله ثقات، وسكت عليه الحافظ في التلخيص.
وعن شرحبيل بن السمط أنه قال لكعب بن مرة: يا كعب، حدثنا عن
стр. 213
رسول الله قال: (سمعت رسول الله ﷺ يقول - وجاءه رجل فقال: استسق الله لمضر - فقال: (إنك لجرئ..المضر؟) قال يا رسول الله استنصرت الله فنصرك، ودعوت الله فأجابك.
فرفع رسول الله ﷺ يديه يقول: (اللهم اسقنا غيثا مغيثا، مريعا مريئا، طبقا غدقا، عاجلا غير رائث، نافعا غير ضار،) فأجيبوا فما لبثوا أن أتوه فشكوا إليه كثرة المطر فقالوا: قد تهدمت البيوت، فرفع يديه وقال: (اللهم حوالينا ولا علينا) فجعل السحاب يتقطع يمينا وشمالا. رواه أحمد وابن ماجه والبيهقي وابن شيبة والحاكم.
وقال: حديث حسن صحيح إسناده على شرط الشيخين.
وعن الشعبي قال: خرج عمر يستسقي فلم يزد على الاستغفار فقالوا: ما رأيناك استسقيت، فقال: لقد طلبت الغيث بمجاديح (١) السماء الذي يستنزل مدارا) . (واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه) الاية. رواه سعيد في سننه وعبد الرزاق والبيهقي وابن أبي شيبة.
وهذه بعض الادعية الواردة.
١ - قال الشافعي: وروي عن سالم بن عبد الله عن أبيه يرفعه إلى النبي ﷺ أنه كان إذا استسقى قال: (اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريعا غدقا مجللا عاما، طبقا سحا، ائما، اللهم اسقنا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين: اللهم إن بالعباد والبلاد، والبهائم، والخلق من اللاواء والجهد والضنك ما لا نشكوه إلا إليك. اللهم أنبت لنا الزرع. وأدر لنا الضرع، واسقنا من بركات السماء وأنبت لنا من بركات الارض: اللهم ارفع عنا الجهد، والجوع والعري، واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك: اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارا، فأرسل السماء علينا مدرارا) قال الشافعي: وأحب أن يدعو الامام بهذا.
٢ - وعن سعد أن النبي ﷺ دعا في الاستسقاء (اللهم
стр. 214
جللنا (١) سحابا كثيفا، قصيفا دلوقا، ضحوكا تمطرنا منه رذاذا،
قطقطا، سجلا، يا ذا الجلال والاكرام) رواه أبو عوانة في صحيحه.
٣ - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال كان رسول الله ﷺ إذا استسقى قال: (اللهم اسق عبادك وبهائمك، وانشر رحمتك، واحي بلدك الميت) رواه أبو داود.
(٢) فيه ويستحب عند الدعاء في الاستسقاء رفع ظهور الاكف.
فعند مسلم عن أنس أن النبي ﷺ استسقى فأشار بظهر كفيه الى السماء (٢) .
ويستحب عند رؤية المطر أن يقول: اللهم صيبا نافعا (٣) .
ويكشف بعض بدنه ليصيبه، ويقول إذا زادت المياه وخيف من كثرة المطر اللهم سقيا رحمة، ولا سقيا عذاب ولا بلاء ولا هدم ولا غرق.
اللهم على الظراب ومنابت الشجر اللهم حوالينا ولا علينا) فكل ذلك صحيح ثابت عن النبي ﷺ .
سجود التلاوة:
من قرأ آية سجدة أو سمعها يستحب له أن يكبر ويسجد سجدة ثم يكبر للرفع من السجود، وهذا يسمى سجود التلاوة ولا تشهد فيه، ولا تسليم.
فعن نافع عن ابن عمر قال: (كان رسول الله ﷺ يقرا علينا القرآن فإذا مر بالسجدة كبر وسجد وسجدنا) رواه أبو داود والبيهقي والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين.
وقال أبو داود: قال عبد الرزاق: وكان
الثوري يعجبه هذا الحديث وقال أبو داود: يعجبه لانه كبر.
وقال عبد الله ابن مسعود: إذا قرأت سجدة فكبر واسجد، وإذا رفعت رأسك فكبر.
(١) فضله: عن أبي هريرة قال، قال رسول الله ﷺ : (إذا قرأ ابن
стр. 215
آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول: يا ويله أمر (١) بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فعصيت فلي النار) رواه أحمد ومسلم وابن ماجه.
(٢) حكمه: ذهب جمهور العلماء إلى أن سجود التلاوة سنة للقارئ والمستمع لما رواه البخاري عن عمر أنه قرأ على المنبر يوم الجمعة سورة النحل حتى جاء السجدة فنزل وسجد الناس حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها حتى إذا جاء السجدة قال: يا أيها الناس إنا لم نؤمر بالسجود فمن سجد فقد أصاب ومن لم يسجد فلا إثم عليه.
وفي لفظ إن الله لم يفرض علينا السجود الا أن نشاء.
وروى الجماعة إلا ابن ماجه عن زيد بن ثابت قال: قرأت على النبي ﷺ (والنجم) فلم يسجدها فيها.
رواه الدارقطني وقال: فلم يسجد منا أحد.
ورجح الحافظ في الفتح أن الترك كان لبيان الجواز، وبه جزم الشافعي.
ويؤيده ما رواه البزار والدارقطني عن أبي هريرة أنه قال: إن النبي ﷺ سجد في سورة (النجم) وسجدنا معه.
قال الحافظ في الفتح: ورجاله ثقات.
وعن ابن مسعود أن النبي ﷺ قرأ (والنجم) فسجد فيها وسجد من كان معه، غير أن شيخا من قريش أخذ كفا من حصى
أو تراب فرفعه إلى جبهته، وقال: يكفيني هذا.
قال عبد الله: فلقد رأيته بعد قتل كافرا، رواه البخاري ومسلم.
(٣) مواضع السجود: مواضع السجود في القرآن خمسة عشر موضعا.
فعن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ أقرأه خمسة عشر سجدة في القرآن، منهما ثلاث في المفصل وفي الحج سجدتان.
رواه أبو داود وابن ماجه والحاكم والدارقطني وحسنه المنذري والنووي، وهي:
١ - إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون. (٢٠٦ - الاعراف)