← Фикх общий

Фикх общий · id 9486

فقه السنة

سيد سابق

Полный текст (2 120 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ذلك، فعن ابن عباس قال: خرج النبي ﷺ متواضعا، متبدلا متخشعا، مترسلا (١) متضرعا فصلى ركعتين كما يصلي في العيد لم يخطب خطبتكم هذه) رواه الخمسة وصححه الترمذي وأبو عوانة وابن حبان. وعن عائشة قالت: شكا الناس إلى رسول الله ﷺ قحوط (٢) المطر فأمر بمنبر فوضع له بالمصلى ووعد الناس يوما يخرجون فيه، فخرج حين بدا حاجب (٣) الشمس فقعد على المنبر فكبر وحمد الله ثم قال: (إنكم شكوتم جدب دياركم وقد أمركم الله أن تدعوه ووعدكم أن يستجيب لكم) ثم قال: (الحمد لله رب العالمين، الرحمن، مالك يوم الدين، لا إله إلا الله يفعل ما يريد: اللهم لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت علينا قوة وبلاغا إلى حين) ثم رفع يديه فلم يزل (يدعو) حتى رؤي بياض إبطيه ثم حول إلى الناس ظهره وقلب رداءه وهو رافع يديه، ثم أقبل على الناس ونزل فصلى ركعتين فأنشأ الله تعالى سحابة فرعدت وبرقت ثم أمطرت بإذن الله تعالى فلم يأت مسجده حتى سألت السيول، فلما رأى سرعتهم إلى الكن (٤) ضحك حتى بدت نواجذه فقال: (أشهد أن الله على كل شئ قدير وأني عبد الله ورسوله) رواه الحاكم وصححه وأبو داود وقال: هذا حديث غريب وإسناده جيد. وعن عباد بن تميم عن عمر عبد الله بن زيد المازني: أن النبي ﷺ خرج بالناس يستسقي فصلى بهم ركعتين جهر بالقراءة فيهما، الحديث أخرجه الجماعة. وقال أبو هريرة: (خرج نبي الله ﷺ يوما يستسقي وصلى بنا ركعتين بلا أذان ولا إقامة، ثم خطبنا ودعا الله وحول وجهه نحو القبلة رافعا يديه، ثم قلب رداءه فجعل الايمن على الايسر والايسر على الايمن) رواه أحمد وابن ماجه والبيهقي. ٢ - أن يدعو الامام في خطبة الجمعة ويؤمن المصلون على دعائه لما رواه البخاري ومسلم عن شريك عن أنس أن رجلا دخل المسجد يوم الجمعة ورسول الله ﷺ قائم يخطب فقال: يا رسول الله هلكت

стр. 212

الاموال، وانقطعت السبل (١) فادع إلينا يغيثنا. فرفع رسول الله ﷺ يديه ثم قال: (اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا) قال أنس: ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة (٢) . وما بيننا وبين سلع (٣) من بيت ولا دار، فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس (٤) ، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت، فلا والله ما رأينا الشمس سبتا (٥) ثم دخل رجل (٦) من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول الله ﷺ قائم يخطب فاستقبله قائما فقال: يا رسول الله هلكت الاموال وانقطعت السبل، فادع الله يمسكها عنا فرفع رسول الله ﷺ يديه، ثم قال: (اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الاكام (٧) والظراب (٨) ، وبطون الاودية ومنابت الشجر) فأقلعت (٩) ، وخرجنا نمشي في الشمس. ٣ - أن يدعو دعاء مجردا في غير يوم الجمعة وبدون صلاة في المسجد أو خارجه، لما رواه ابن ماجه وأبو عوانة أن ابن عباس قال: (جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله لقد جئتك من عند قوم لا يتزود لهم راع ولا يخطر لهم فحل (١٠) فصعد النبي ﷺ المنبر فحمد الله. ثم قال: (اللهم اسقنا غيثا مغيثا (١١) مريئا مريعا طبقا غدقا عاجلا غير رائث) ثم نزل فما يأتيه أحد من وجه من الوجوه إلا قالوا قد أحيينا) رواه ابن ماجه وأبو عوانة ورجاله ثقات، وسكت عليه الحافظ في التلخيص. وعن شرحبيل بن السمط أنه قال لكعب بن مرة: يا كعب، حدثنا عن

стр. 213

رسول الله قال: (سمعت رسول الله ﷺ يقول - وجاءه رجل فقال: استسق الله لمضر - فقال: (إنك لجرئ..المضر؟) قال يا رسول الله استنصرت الله فنصرك، ودعوت الله فأجابك. فرفع رسول الله ﷺ يديه يقول: (اللهم اسقنا غيثا مغيثا، مريعا مريئا، طبقا غدقا، عاجلا غير رائث، نافعا غير ضار،) فأجيبوا فما لبثوا أن أتوه فشكوا إليه كثرة المطر فقالوا: قد تهدمت البيوت، فرفع يديه وقال: (اللهم حوالينا ولا علينا) فجعل السحاب يتقطع يمينا وشمالا. رواه أحمد وابن ماجه والبيهقي وابن شيبة والحاكم. وقال: حديث حسن صحيح إسناده على شرط الشيخين. وعن الشعبي قال: خرج عمر يستسقي فلم يزد على الاستغفار فقالوا: ما رأيناك استسقيت، فقال: لقد طلبت الغيث بمجاديح (١) السماء الذي يستنزل مدارا) . (واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه) الاية. رواه سعيد في سننه وعبد الرزاق والبيهقي وابن أبي شيبة. وهذه بعض الادعية الواردة. ١ - قال الشافعي: وروي عن سالم بن عبد الله عن أبيه يرفعه إلى النبي ﷺ أنه كان إذا استسقى قال: (اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريعا غدقا مجللا عاما، طبقا سحا، ائما، اللهم اسقنا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين: اللهم إن بالعباد والبلاد، والبهائم، والخلق من اللاواء والجهد والضنك ما لا نشكوه إلا إليك. اللهم أنبت لنا الزرع. وأدر لنا الضرع، واسقنا من بركات السماء وأنبت لنا من بركات الارض: اللهم ارفع عنا الجهد، والجوع والعري، واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك: اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارا، فأرسل السماء علينا مدرارا) قال الشافعي: وأحب أن يدعو الامام بهذا. ٢ - وعن سعد أن النبي ﷺ دعا في الاستسقاء (اللهم

стр. 214

جللنا (١) سحابا كثيفا، قصيفا دلوقا، ضحوكا تمطرنا منه رذاذا، قطقطا، سجلا، يا ذا الجلال والاكرام) رواه أبو عوانة في صحيحه. ٣ - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال كان رسول الله ﷺ إذا استسقى قال: (اللهم اسق عبادك وبهائمك، وانشر رحمتك، واحي بلدك الميت) رواه أبو داود. (٢) فيه ويستحب عند الدعاء في الاستسقاء رفع ظهور الاكف. فعند مسلم عن أنس أن النبي ﷺ استسقى فأشار بظهر كفيه الى السماء (٢) . ويستحب عند رؤية المطر أن يقول: اللهم صيبا نافعا (٣) . ويكشف بعض بدنه ليصيبه، ويقول إذا زادت المياه وخيف من كثرة المطر اللهم سقيا رحمة، ولا سقيا عذاب ولا بلاء ولا هدم ولا غرق. اللهم على الظراب ومنابت الشجر اللهم حوالينا ولا علينا) فكل ذلك صحيح ثابت عن النبي ﷺ . سجود التلاوة: من قرأ آية سجدة أو سمعها يستحب له أن يكبر ويسجد سجدة ثم يكبر للرفع من السجود، وهذا يسمى سجود التلاوة ولا تشهد فيه، ولا تسليم. فعن نافع عن ابن عمر قال: (كان رسول الله ﷺ يقرا علينا القرآن فإذا مر بالسجدة كبر وسجد وسجدنا) رواه أبو داود والبيهقي والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين. وقال أبو داود: قال عبد الرزاق: وكان الثوري يعجبه هذا الحديث وقال أبو داود: يعجبه لانه كبر. وقال عبد الله ابن مسعود: إذا قرأت سجدة فكبر واسجد، وإذا رفعت رأسك فكبر. (١) فضله: عن أبي هريرة قال، قال رسول الله ﷺ : (إذا قرأ ابن

стр. 215

آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول: يا ويله أمر (١) بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فعصيت فلي النار) رواه أحمد ومسلم وابن ماجه. (٢) حكمه: ذهب جمهور العلماء إلى أن سجود التلاوة سنة للقارئ والمستمع لما رواه البخاري عن عمر أنه قرأ على المنبر يوم الجمعة سورة النحل حتى جاء السجدة فنزل وسجد الناس حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها حتى إذا جاء السجدة قال: يا أيها الناس إنا لم نؤمر بالسجود فمن سجد فقد أصاب ومن لم يسجد فلا إثم عليه. وفي لفظ إن الله لم يفرض علينا السجود الا أن نشاء. وروى الجماعة إلا ابن ماجه عن زيد بن ثابت قال: قرأت على النبي ﷺ (والنجم) فلم يسجدها فيها. رواه الدارقطني وقال: فلم يسجد منا أحد. ورجح الحافظ في الفتح أن الترك كان لبيان الجواز، وبه جزم الشافعي. ويؤيده ما رواه البزار والدارقطني عن أبي هريرة أنه قال: إن النبي ﷺ سجد في سورة (النجم) وسجدنا معه. قال الحافظ في الفتح: ورجاله ثقات. وعن ابن مسعود أن النبي ﷺ قرأ (والنجم) فسجد فيها وسجد من كان معه، غير أن شيخا من قريش أخذ كفا من حصى أو تراب فرفعه إلى جبهته، وقال: يكفيني هذا. قال عبد الله: فلقد رأيته بعد قتل كافرا، رواه البخاري ومسلم. (٣) مواضع السجود: مواضع السجود في القرآن خمسة عشر موضعا. فعن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ أقرأه خمسة عشر سجدة في القرآن، منهما ثلاث في المفصل وفي الحج سجدتان. رواه أبو داود وابن ماجه والحاكم والدارقطني وحسنه المنذري والنووي، وهي: ١ - إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون. (٢٠٦ - الاعراف)

стр. 216

٢ - (ولله يسجد من في السموات والارض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والاصال) . (١٥ - الرعد. ٣ - (ولله يسجد ما في السموات وما في الارض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون) (٤٩ - النحل) ٤ - (قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للاذقان سجدا (١٠٧ - الاسراء) ٥ - إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا) (٥٨ - مريم) ٦ - (ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الارض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير حق عليه العذاب، ومن يهن الله فماله من مكرم، إن الله يفعل ما يشاء) . (١٨ - الحج) ٧ - (يأيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون) (٧٧ - الحج) ٨ - (وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا، وزادهم نفورا) . (٦٠ - الفرقان) ٩ - (ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السموات والارض ويعلم ما تخفون وما تعلنون) . (٢٥ - النمل) ١٠ - (إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا به خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون) (١٥ - السجدة) ١١ - (وظن داود أنما فتناه، فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب) (١) (٢٤ - ص)

стр. 217

١٢ - ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون) . (٣٧ - فصلت) ١٣ - (فاسجدوا لله واعبدوا) (٦٢ - النجم) ١٤ - (وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون) (٢١ - الانشقاق) ١٥ - (واسجد واقترب) (١٩ - العلق) . (٤) ما يشترط له: اشترط جمهور الفقهاء لسجود التلاوة ما اشترطوه للصلاة، من طهارة واستقبال قبلة وستر عورة. قال الشوكاني: ليس في أحاديث سجود التلاوة ما يدل على اعتبار أن يكون الساجد متوضئا، وقد كان يسجد معه ﷺ من حضر تلاوته ولم ينقل أنه أمر أحدا منهم بالوضوء، ويبعد أن يكونوا جميعا متوضئين، وأيضا قد كان يسجد معه المشركون، وهم أنجاس لا يصح وضوءهم. وقد روى البخاري عن ابن عمر أنه كان يسجد على غير وضوء، وكذلك روى عنه ابن أبي شيبة، وأما ما رواه البيهقي عنه بإسناد - قال في الفتح: إنه صحيح - أنه قال: (لا يسجد الرجل إلا وهو طاهر) فيجمع بينهما بما قاله الحافظ من حمله على الطهارة الكبرى. أو على حالة الاختيار، والاول على الصرورة، وهكذا ليس في الاحاديث ما يدل على اعتبار طهارة الثياب والمكان، وأما ستر العورة والاستقبال مع الامكان فقيل: إنه معتبر اتفاقا. قال في الفتح: لم يوافق ابن عمر أحد على جواز السجود بلا وضوء إلا الشعبي. أخرجه ابن أبي شيبة عنه بسند صحيح. وأخرج أيضا على أبي عبد الرحمن السلمي أنه كان يقرأ السجدة ثم يسجد وهو على غير وضوء إلى غير القبلة وهو يمشي ويومئ إيماء. ومن الموافقين لابن عمر من أهل البيت

стр. 218

(٥) الدعاء فيه: من سجد سجود التلاوة دعا ما شاء، ولم يصح عن رسول الله ﷺ في ذلك إلا حديث عائشة قالت: (كان رسول الله ﷺ يقول في سجود القرآن: (سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره بحوله وقوته فتبارك الله أحسن (١) الخالقين) رواه الخمسة إلا ابن ماجه. ورواه الحاكم وصححه الترمذي وابن السكن، وقال في آخره (ثلاثا) على أنه ينبغي أن يقول في سجوده: سبحان ربي الاعلى، إذا سجد سجود التلاوة في الصلاة. (٦) السجود في الصلاة: يجوز للامام والمنفرد (٢) أن يقرأ آية السجدة في الصلاة الجهرية والسرية ويسجد متى قرأها. روى البخاري ومسلم عن أبي رافع قال: صليت مع أبي هريرة صلاة العتمة أو قال صلاة العشاء فقرأ: (إذا السماء انشقت) فسجد فيها فقلت يا أبا هريرة ما هذه السجدة؟ فقال سجدت فيها خلف أبي القاسم ﷺ فلا أزال أسجدها حتى ألقاه. وروى الحاكم وصححه على شرط الشيخين عن ابن عمر أن النبي ﷺ سجد في الركعة الاولى من صلاة الظهر فرأى أصحابه أنه قرأ (الم تنزيل) السجدة. قال النووي: لا يكره قراءة السجدة عندنا للامام كما لا يكره للمنفرد، سواء كانت الصلاة سرية أو جهرية، ويسجد متى قرأها. وقال مالك: يكره مطلقا. وقال أبو حنيفة: يكره في السرية دون الجهرية. قال صاحب البحر: وعلى مذهبنا يستحب تأخير السجود حتى يسلم لئلا يهوش على المأمومين. (٧) تداخل السجدات: تتداخل السجدات ويسجد سجدة واحدة إذا قرأ القارئ آية السجدة

стр. 219

وكررها أو سمعها أكثر من مرة في المسجد الواحد بشرط أن يؤخر السجود عن التلاوة الاخيرة، فإن سجد عقب التلاوة الاولى فقيل: تكفيه (١) وقيل: يسجد مرة أخرى لتجدد السبب (٢) . (٨) قضاؤه: يرى الجمهور أنه يستحب السجود عقب قراءة آية السجدة أو سماعها. فإن أخر السجود لم يسقط ما لم يطل الفصل. فإن طال فإنه يفوت ولا يقضى. سجدة الشكر: ذهب جمهور العلماء إلى استحباب سجدة الشكر لمن تجددت له نعمة تسره أو صرفت عنه نقمة. فعن أبي بكرة أن النبي ﷺ كان إذا أتاه أمر يسره أو بشر به خر ساجدا شكرا لله تعالى، رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي وحسنه. وروى البيهقي بإسناد على شرط البخاري أن عليا ﵁ لما كتب إلى النبي ﷺ بإسلام همذان خر ساجدا ثم رفع رأسه فقال: (السلام على همذان، السلام على همذان) . وعن عبد الرحمن ابن عوف أن رسول الله ﷺ خرج فاتبعته حتى دخل نخلا فسجد فأطال السجود حتى خفت أن يكون الله قد توفاه، فجئت أنظر فرفع رأسه فقال: (ما لك يا عبد الرحمن؟) فذكرت ذلك له فقال: (إن جبريل ﵇ قال لي: ألا أبشرك؟ إن الله يقول لك: من صلى عليك صليت عليه، ومن سلم عليك سلمت عليه، فسجدت لله شكرا) . رواه أحمد، ورواه أيضا الحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين ولا أعلم في سجدة الشكر أصح من هذا، وروى البخاري أن كعب ابن مالك سجد لما جاءته البشرى بتوبة الله عليه. وذكر أحمد أن عليا سجد حين وجد ذا الثدية (٣) في قتلى الخوارج. وذكر سعيد بن منصور أن أبا بكر سجد حين جاءه قتل مسيلمة. وسجود الشكر يفتقر إلى سجود الصلاة، وقيل لا يشترط له ذلك لانه

стр. 220

ليس بصلاة. قال في فتح العلام: وهو الاقرب. وقال الشوكاني: وليس في أحاديث الباب ما يدل على اشتراط الوضوء وطهارة الثياب والمكان لسجود الشكر. وإلى ذلك ذهب الامام يحيى وأبو طالب وليس فيه ما يدل على التكبير في سجود الشكر. وفي البحر أنه يكبر. قال الامام يحيى: ولا يسجد للشكر في الصلاة قولا واحدا إذ ليس من توابعها. سجود السهو: ثبت أن النبي ﷺ كان يسهو في الصلاة، وصح عنه أنه قال: (إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني) . وقد شرع لامته في ذلك أحكاما نلخصها فيما يلي: (١) كيفيته: سجود السهو سجدتان يسجدهما المصلي قبل التسليم أو بعده، وقد صح الكل عن رسول الله ﷺ ، ففي الصحيح عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: (إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدركم صلى، ثلاثا أم أربعا، فليطرح الشك وليبن على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم) . وفي الصحيحين في قصة ذي اليدين أنه ﷺ سجد بعد ما سلم. والافضل متابعة الوارد في ذلك فيسجد قبل التسليم فيما جاء فيه السجود قبله، ويسجد بعد التسليم فيما ورد فيه السجود بعده، ويخير فيما عدا ذلك. قال الشوكاني: وأحسن ما يقال في هذا المقام أنه يعمل على ما تقتضيه أقواله وأفعاله ﷺ من السجود قبل السلام وبعده، فما كان من أسباب السجود مقيدا بقبل السلام سجد له قبله، وما كان مقيدا ببعد السلام سجد له بعده، وما لم يرد تقييده بأحدهما كان مخيرا بين السجود قبل السلام وبعده من غير فرق بين الزيادة والنقص، لما أخرجه مسلم في صحيحه عن

стр. 221

ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: (إذا زاد الرجل أو نقص فليسجد سجدتين) . (٢) الاحوال التي يشرع فيها: يشرع سجود السهو في الاحوال الاتية: ١ - إذا سلم قبل إتمام الصلاة لحديث ابن سيرين عن أبي هريرة قال: صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي (١) فصلى ركعتين ثم سلم فقام إلى خشبة معروضة في المسجد فاتكأ عليها كأنه غضبان، ووضع يده اليمنى على اليسرى وشبك بين أصابعه، ووضع خده على ظهر كفه اليسرى، وخرجت السرعان (٢) من أبواب المسجد فقالوا قصرت الصلاة؟ وفي القوم أبو بكر وعمر فهابا أن يكلماه، وفي القوم رجل يقال له: ذو اليدين، فقال: يا رسول الله أنسيت أم قصرت الصلاة؟ فقال: (لم أنس ولم تقصر) فقال: (أكما يقول ذو اليدين؟) فقالوا: نعم..فقدم فصلى ما ترك (٣) ثم سلم، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول ثم رفع رأسه وكبر، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول ثم رفع رأسه) الحديث رواه البخاري ومسلم. وعن عطاء أن ابن الزبير صلى المغرب فسلم في ركعتين فنهض ليستلم الحجر فسبح القوم فقال ما شأنكم؟. قال فصلى ما بقي وسجد سجدتين. قال: فذكر ذلك لابن عباس فقال ما أماط (٤) عن سنة نبيه ﷺ رواه أحمد والبزار والطبراني. ٢ - عند الزيادة على الصلاة، لما رواه الجماعة عن ابن مسعود أن النبي ﷺ صلى خمسا فقيل له. أزيد في الصلاة؟ فقال: (وما ذلك؟) فقالوا: صليت خمسا، فسجد سجدتين بعد ما سلم. وفي هذا الحديث دليل على صحة صلاة من زاد ركعة وهو ساه - ولم يجلس في الرابعة.

стр. 222

٣ - عند نسيان التشهد الاول أو نسيان سنة من سنن الصلاة، لما رواه الجماعة عن ابن بحينة أن النبي ﷺ صلى فقام في الركعتين فسبحوا به فمضى، فلما فرغ من صلاته سجد سجدتين ثم سلم (١) . وفي الحديث أن من سها عن القعود الاول وتذكر قبل أن يستتم قائما عاد إليه، فإن أتم قيامه لا يعود. ويؤيد ذلك ما رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه عن المغيرة بن شعبة أن رسول الله ﷺ قال: (إذا قام أحدكم من الركعتين فلم يستتم قائما فليجلس، وإن استتم قائما فلا يجلس وسجد سجدتي السهو) . ٤ - السجود عند الشك في الصلاة، فعن عبد الرحمن بن عوف قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر أواحدة صلى أم ثنتين فليجعلها واحدة، وإذا لم يدر ثنتين صلى أم ثلاثا فليجعلها ثنتين وإذا لم يدر ثلاثا صلى أم أربعا فليجعلها ثلاثا، ثم يسجد إذا فرغ من صلاته وهو جالس قبل أن يسلم سجدتين) رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه. وفي رواية سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من صلى صلاة يشك في النقصان فليصل حتى يشك في الزيادة) وعن أبي سعيد الخدري قال، قال رسول الله ﷺ : (إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثا أم أربعا فليطرح الشك وليبن على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمسا شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتماما لاربع كانتا ترغيما للشيطان) رواه أحمد ومسلم. وفي هذين الحديثين دليل لما ذهب إليه الجمهور من أنه إذا شك المصلي في عدد الركعات بنى على الاقل المتيقن له ثم يسجد للسهو. صلاة الجماعة: صلاة الجماعة سنة مؤكدة (٢) ورد في فضلها أحاديث كثيرة نذكر بعضها فيما يلي:

стр. 223

١ - عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة) متفق عليه. ٢ - وعن أبي هريرة ﵁ قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صلاة الرجل في جماعة تضعف على صلاته في بيته وسوقه خمسا وعشرين ضعفا، وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفعت لها درجة وحط عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه ما لم يحدث: اللهم صل عليه اللهم ارحمه. ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة) متفق عليه وهذا لفظ البخاري. ٣ - وعنه قال: أتى النبي ﷺ رجل أعمى فقال: يا رسول الله ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله ﷺ أن يرخص له فيصلي في بيته، فرخص له، فلما ولى دعاه فقال له: (هل تسمع النداء في الصلاة؟) قال: نعم. قال: (فأجب) رواه مسلم. ٤ - وعنه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب فيحتطب، ثم آمر رجلا فيؤم الناس ثم أخالفه إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم) متفق عليه. ٥ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: (من سره أن يلقى الله تعالى غدا مسلما فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن فإن الله شرع لنبيكم ﷺ سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف) . رواه مسلم. وفي رواية له قال: إن رسول الله ﷺ علمنا سنن الهدى: الصلاة في المسجد الذي يؤذن فيه.

стр. 224

٦ - وعن أبي الدرداء ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان فعليكم بالجماعة فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية رواه أبو داود بإسناد حسن. (١) حضور النساء الجماعة في المساجد وفضل صلاتهن في بيوتهن: يجوز للنساء الخروج إلى المساجد وشهود الجماعة بشرط أن يتجنبن ما يثير الشهوة ويدعو إلى الفتنة من الزينة والطيب، فعن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: (لا تمنعوا النساء أن يخرجن إلى المساجد، وبيوتهن خير لهن) . وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (لا تمنعوا إماء الله (١) مساجد الله، وليخرجن تفلات (٢)) رواهما أحمد وأبو داود. وعنه قال رسول الله ﷺ : (أيما امرأة أصابت بخورا فلا تشهد معنا العشاء الاخرة.) رواه مسلم وأبو داود والنسائي بإسناد حسن. والافضل لهن الصلاة في بيوتهن، لما رواه أحمد والطبراني عن أم حميد الساعدية أنها جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إني أحب الصلاة معك. فقال ﷺ : (قد علمت، وصلاتك في حجرتك خير لك من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير لك من صلاتك في مسجد الجماعة.) (٢) استحباب الصلاة في المسجد الأبعد والكثير الجمع: يستحب الصلاة في المسجد الابعد الذي يجتمع فيه العدد الكثير، لما رواه مسلم عن أبي موسى قال، قال رسول الله ﷺ : (إن أعظم الناس في الصلاة أجرا أبعدهم إليها ممشى) . ولما رواه عن جابر قال: خلت البقاع حول المسجد فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا إلى قرب المسجد فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: (إنه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا

стр. 225

قرب المسجد) ؟! قالوا: نعم يا رسول الله قد أردنا ذلك. فقال: (يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم) . ولما رواه الشيخان وغيرهما من حديث أبي هريرة المتقدم. وعن أبي بن كعب قال، قال رسول الله ﷺ : (صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده (١) . وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كان أكثر فهو أحب إلى الله تعالى) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان وصححه ابن السكن والعقيلي والحاكم. (٣) استحباب السعي الى المسجد بالسكينة: يندب المشي إلى المسجد مع السكينة والوقار. ويكره الاسراع والسعي، لان الانسان في حكم المصلي من حين خروجه إلى الصلاة، فعن أبي قتادة قال: بينما نحن نصلي مع النبي ﷺ إذ سمع جلبة رجال، فلما صلى قال (ما شأنكم) ؟ قالوا استعجلنا إلى الصلاة قال: (فلا تفعلوا..إذا أتيتم الصلاة فعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) (٢) رواه الشيخان. وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال (إذا سمعتم الاقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار، ولا تسرعوا، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا (٣)) رواه الجماعة إلا الترمذي. (٤) استحباب تخفيف الامام: يندب للامام أن يخفف الصلاة بالمأمومين، لحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف، فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير فإذا صلى لنفسه فليطول ما شاء) رواه الجماعة. ورووا عن أنس عن النبي ﷺ قال: (إني لادخل في الصلاة وأنا أريد إطالتها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي مما أعلم من شدة وجد

стр. 226

أمه من بكائه) . وروى الشيخان عنه قال ما صليت خلف إمام قط أخف صلاة ولا أتم صلاة من النبي ﷺ . قال أبو عمر بن عبد البر، التخفيف لكل إمام أمر مجمع عليه مندوب عند العلماء إليه إلا أن ذلك إنما هو أقل الكمال (١) وأما الحذف والنقصان فلا، فإن رسول الله ﷺ قد نهى عن نقر الغراب. ورأى رجلا يصلي فلم يتم ركوعه فقال له: (ارجع فصل فإنك لم تصل) وقال: (لا ينظر الله إلى من لا يقيم صلبه في ركوعه وسجوده) ثم قال: لا أعلم خلافا بين أهل العلم في استحباب التخفيف لكن من أم قوما على ما شرطنا من الاتمام. فقد روى عمر أنه قال: لا تبغضوا الله إلى عباده. يطول أحدكم في صلاته حتى يشق على من خلفه. (٥) إطالة الامام الركعة الاولى وانتظار من أحس به داخلا ليدرك الجماعة: يشرع للامام أن يطول الركعة الاولى انتظارا للداخل ليدرك فضيلة الجماعة كما يستحب له انتظار من أحس به داخلا وهو راكع، أو أثناء القعود الاخير. ففي حديث أبي قتادة أن رسول الله ﷺ كان يطول في الاولى. قال فظننا أنه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة الاولى. وعن أبي سعيد قال: لقد كانت الصلاة تقام فيذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته، ثم يتوضأ ثم يأتي ورسول الله ﷺ في الركعة الاولى مما يطولها. رواه أحمد ومسلم وابن ماجه والنسائي. (٦) وجوب متابعة الامام وحرمة مسابقته: تجب متابعة الامام وتحرم مسابقته (٢) : لحديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (إنما جعل الامام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى قاعدا فصلوا قعودا أجمعون) رواه الشيخان. وفي رواية أحمد وأبي داود (إنما الامام ليؤتم به:

стр. 227

فإذا كبر فكبروا، ولا تكبروا حتى يكبر، وإذا ركع فاركعوا، ولا تركعوا حتى يركع، وإذا سجد فاسجدوا، ولا تسجدوا حتى يسجد) . وعن أبي هريرة ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : (أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الامام أن يحول الله رأسه رأس حمار أو يحول الله صورته صورة حمار) رواه الجماعة، وعن أنس قال، قال رسول الله ﷺ : (أيها الناس، إني إمامكم فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالقيام ولا بالقعود ولا بالانصراف) (١) رواه أحمد ومسلم. وعن البراء ابن عازب قال: كنا نصلي مع النبي ﷺ فإذا قال سمع الله لمن حمده لم يحن أحد منا ظهره حتى يضع النبي ﷺ جبهته على الارض. رواه الجماعة. (٧) انعقاد الجماعة بواحد مع الامام: تنعقد الجماعة بواحد مع الامام ولو كان أحدهما صبيا أو امرأة. وقد جاء عن ابن عباس قال: بت عند خالتي ميمونة فقام النبي ﷺ يصلي من الليل فقمت أصلي معه، فقمت عن يساره، فأخذ برأسي فأقامني عن يمينه (٢) رواه الجماعة. وعن أبي سعيد وأبي هريرة قالا، قال رسول الله ﷺ : (من استيقظ من الليل فأيقظ أهله فصليا ركعتين جميعا كتبا من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات) رواه أبو داود. وعن أبي سعيد أن رجلا دخل المسجد وقد صلى رسول الله ﷺ بأصحابه فقال رسول الله ﷺ : (من يتصدق على ذا فيصلي معه؟) فقام رجل من القوم فصلى معه. رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه. وروى ابن أبي شيبة: أن أبا بكر الصديق هو الذي يصلي معه وقد استدل

стр. 228

الترمذي بهذا الحديث على جواز أن يصلي القوم جماعة في مسجد قد صلي فيه. قال: وبه يقول أحمد وإسحاق. وقال آخرون من أه ل العلم يصلون فرادى وبه يقول سفيان ومالك وابن المبارك والشافعي (١) . (٨) جواز انتقال الامام مأموما: يجوز للامام أن ينتقل مأموما إذا استخلف فحضر الامام الراتب، لحديث الشيخين عن سهل بن سعد: (أن رسول الله ﷺ ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم، فحانت الصلاة فجاء المؤذن إلى أبي بكر فقال: أتصلي بالناس فأقيم؟ قال: نعم. قال فصلى أبو بكر فجاء رسول الله ﷺ والناس في الصلاة فتخلص حتى وقف في الصف، فصفق الناس، وكان أبو بكر لا يلتفت في الصلاة، فلما أكثر الناس التصفيق التفت فرأى رسول الله ﷺ فأشار إليه رسول الله: أن امكث مكانك، فرفع أبو بكر يديه فحمد الله على ما أمره به رسول الله ﷺ من ذلك، ثم استأخر أبو بكر حتى استوى في الصف وتقدم النبي ﷺ فصلى ثم انصرف، فقال: (يا أبا بكر ما منعك أن تثبت إذ أمرتك؟) فقال أبو بكر: ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : (مالي رأيتكم أكثرتم التصفيق؟ من نابه شئ في صلاته فليسبح فإنه إذا سبح التفت إليه وإنما التصفيق للنساء (٢)) .

стр. 229

(٩) إدراك الامام: من أدرك الامام كبر تكبيرة الاحرام (١) قائما ودخل معه على الحالة التي هو عليها (٢) ، ولا يعتمد بركعة حتى يدرك ركوعها سواء أدرك الركوع بتمامه مع الامام أو انحنى فوصلت يداه إلى ركبتيه قبل رفع الامام، فعن أبي هريرة قال، قال رسول الله ﷺ : (إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوا ولا تعدوها شيئا (٣) ومن أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة) رواه أبو داود وابن خزيمة في صحيحه والحاكم في المستدرك، وقال صحيح. والمسبوق يصنع مثل ما يصنع الامام فيقعد معه العقود الاخير، ويدعو ولا يقوم حتى يسلم، ويكبر إذا قام لاتمام ما عليه.. (١٠) أعذار التخلف عن الجماعة: يرخص التخلف عن الجماعة عند حدوث حالة من الحالات الاتية: ١ و ٢ - البرد أو المطر، فعن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه كان يأمر المنادي فينادي بالصلاة. ينادي: (صلوا في رحالكم، في الليلة الباردة المطيرة في السفر) رواه الشيخان. وعن جابر قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في سفر فمطرنا فقال (ليصل من شاء منكم في رحله) (٤) رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي، وعن ابن عباس أنه قال لمؤذنه في يوم مطير إذا قلت: أشهد أن محمدا رسول الله فلا تقل حي على الصلاة قل: صلوا في بيوتكم قال: فكأن الناس استنكروا ذلك. فقال: أتعجبون من ذا؟ فقد فعل ذا من هو خير مني: النبي ﷺ . إن الجماعة عزمة، وإني كرهت أن أخرجكم فتمشوا في الطين والدحض. رواه الشيخان، ولمسلم: أن ابن عباس أمر مؤذنه في يوم جمعة في يوم مطير.

стр. 230

ومثل البرد الحر الشديد والظلمة والخوف من ظالم. قال ابن بطال: أجمع العلماء على أن التخلف عن الجماعة في شدة المطر والظلمة والريح وما أشبه ذلك، مباح. ٣ - حضور الطعام، لحديث ابن عمر قال، قال النبي ﷺ (إذا كان أحدكم على الطعام فلا يعجل حتى يقضي حاجته منه وإن أقيمت الصلاة) رواه البخاري. ٤ - مدافعة الاخبثين. فعن عائشة قالت: سمعت النبي ﷺ يقول: (لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافع الاخبثين) (١) رواه أحمد ومسلم وأبو داود. ٥ - وعن أبي الدرداء قال: (من فقه الرجل إقباله على حاجته، حتى يقبل على صلاته وقلبه فارغ) . رواه البخاري. (١١) الأحق بالإمامة: الاحق بالامامة الأقرأ لكتاب الله، فإن استووا في القراءة فالاعلم بالسنة، فإن استووا، فالاقدم هجرة، فإن استووا، فالاقدم هجرة، فإن استووا، فالاكبر سنا. ١ - فعن أبي سعيد قال، قال رسول الله ﷺ : (إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم، وأحقهم بالامامة اقرؤهم) رواه أحمد ومسلم والنسائي. والمراد بالأقرأ الاكثر حفظا لحديث عمرو بن سلمة، وفيه: (ليؤمكم أكثركم قرآنا) . ٢ - وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم، بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء، فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء، فأقدمهم سنا ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه، ولا يقعد في بيته على تكرمته (٢) إلا بإذنه) . وفي لفظ: (لا يؤمن الرجل الرجل في أهله ولا

стр. 231

سلطانه) رواه أحمد ومسلم، ورواه سعيد بن منصور، لكن قال فيه: (لا يؤم الرجل الرجل في سلطانه إلا بإذنه، ولا يقعد على تكرمته في بيته إلا بإذنه، ومعنى هذا أن السلطان وصاحب البيت والمجلس وإمام المجلس أحق بالامامة من غيره، ما لم يأذن واحد منهم. فعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الاخر أن يؤم قوما إلا بإذنهم، ولا يخص نفسه بدعوة دونهم فإن فعل فقد خانهم) رواه أبو داود. (١٢) من تصح إمامتهم: تصح إمامة الصبي المميز، والاعمى، والقائم بالقاعد، والقاعد بالقائم، والمفترض بالمتنفل، والمتنفل بالمفترض والمتوضئ بالمتيمم، والمتيمم بالمتوضئ والمسافر بالمقيم، والمقيم بالمسافر، والمفضول بالفاضل فقد صلى عمرو بن سلمة بقومه وله من العمر ست أو سبع سنين، واستخلف رسول الله ﷺ ابن أم مكتوم على المدينة مرتين يصلي بهم، وهو أعمى، وصلى رسول الله ﷺ خلف أب ي بكر في مرضه الذي مات فيه قاعدا، وصلى في بيته جالسا وهو مريض وصلى وراءه قوم قياما فأشار إليهم أن اجلسوا فلما انصرف قال: (إنما جعل الامام ليؤتم به: فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا وراءه) (١) وكان معاذ يصلي مع النبي ﷺ الاخرة ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة، فكانت صلاته له تطوعا ولهم فريضة العشاء. وعن محجن بن الادرع قال: أتيت النبي ﷺ وهو في المسجد فحضرت الصلاة، فصلى ولم أصل فقال لي: (ألا صليت) ؟ قلت يا رسول الله إني قد صليت في الرحل ثم أتيتك. قال: (إذا جئت فصل معهم واجعلها نافلة) . ورأى رسول الله ﷺ رجلا يصلي وحده فقال: (ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه) وصلى عمرو بن العاص إماما وهو متيمم وأقره الرسول ﷺ على ذلك، وصلى رسول الله ﷺ بالناس بمكة زمن الفتح ركعتين ركعتين

стр. 232

إلا المغرب وكان يقول: (يا أهل مكة قوموا فصلوا ركعتين أخريين فإنا قوم سفر. ) وإذا صلى المسافر خلف المقيم أتى الصلاة أربعا ولو أدرك معه أقل من ركعة، فعن ابن عباس أنه سئل: ما بال المسافر يصلي ركعتين إذا انفرد وأربعا إذا ائتم بمقيم؟ فقال: تلك السنة. وفي لفظ أنه قال له موسى بن سلمة: إنا إذا كنا معكم صلينا أربعا وإذا رجعنا صلينا ركعتين؟. فقال تلك سنة أبي القاسم ﷺ . رواه أحمد. (١٣) من لا تصح إمامتهم: لا تصح إمامة معذور (١) لصحيح ولا لمعذور مبتلى بغير عذره (٢) عند جمهور العلماء. وقالت المالكية تصح إمامته للصحيح مع الكراهة. (١٤) إستحباب إمامة المرأة للنساء: فقد كانت عائشة ﵂ تؤم النساء وتقف معهن في الصف، وكانت أم سلمة تفعله، وجعل رسول الله ﷺ ورقة مؤذنا يؤذن لها وأمرها أن تؤم أهل دارها في الفرائض. (١٥) إمامة الرجل النساء فقط: روى أبو يعلى والطبراني في الاوسط بسند حسن أبي بن كعب جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله عملت الليلة عملا. قال: (ما هو) قال: نسوة معي في الدار قلن إنك تقرأ ولا نقرأ فصل بنا، فصليت ثمانيا والوتر. فسكت النبي ﷺ قال: فرأينا سكوته رضا. (١٦) كراهة إمامة الفاسق والمبتدع: روى البخاري ان ابن عمر كان يصلي خلف الحجاج. وروى مسلم أن أبا سعيد الخدري صلى خلف مروان صلاة العيد، وصلى ابن مسعود خلف الوليد ابن عقبة بن أبي معيط - وقد كان يشرب الخمر، وصلى بهم يوما الصبح أربعا

стр. 233

وجلده عثمان بن عفان على ذلك - وكان الصحابة والتابعون يصلون خلف ابن عبيد، وكان متهما بالالحاد وداعيا إلى الضلال، والاصل الذي ذهب إليه العلماء أن كل من صحت صلاته لنفسه صحت صلاته لغيره، ولكنهم مع ذلك كرهوا الصلاة خلف الفاسق والمبتدع، لما رواه أبو داود وابن حبان وسكت عنه أبو داود والمنذري عن السائب بن خلاد أن رجلا أم قوما فبصق في القبلة ورسول الله ﷺ ينظر إليه، فقال رسول الله ﷺ (لا يصلي لكم) (١) فأراد بعد ذلك أن يصلي بهم، فمنعوه وأخبروه يقول النبي ﷺ فذكر ذلك للنبي فقال: (نعم، إنك آذيت الله ورسوله) . (١٧) جواز مفارقة الإمام لعذر: يجوز لمن دخل الصلاة مع الامام أن يخرج منها بنية المفارقة ويتمها وحده ذا أطال الامام الصلاة. ويلحق بهذه الصورة حدوث مرض أو خوف ضياع مال أو تلفه أو فوات رفقة أو حصول غلبة نوم، ونحو ذلك. لما رواه الجماعة عن جابر قال: كان معاذ يصلي مع رسول الله ﷺ صلاة العشاء ثم يرجع إلى قومه فيؤمهم، فأخر النبي ﷺ العشاء فصلى معه ثم رجع إلى قومه فقرأ سورة البقرة فتأخر رجل فصلى وحده فقيل له. نافقت يا فلان، قال: ما نافقت، ولكن لاتين رسول الله ﷺ فأخبره: فأتى النبي ﷺ فذكر له ذلك فقال: (أفتان أنت يا معاذ، أفتان أنت يا معاذ، اقرأ سورة كذا وكذا) . (١٨) ما جاء في إعادة الصلاة مع الجماعة: عن يزيد الاسود قال: صلينا مع النبي ﷺ الفجر بمنى فجاء رجلان حتى وقفا على رواحلهما، فأمر النبي ﷺ فجئ بهما تريد فرائصهما (٢) فقال لهما: (ما منعكما أن تصليا مع الناس ... ألستما مسلمين؟) قالا: بلى يا رسول الله إنا كنا قد صلينا في رحالنا. فقال لهما: (إذا صليتما في حالكما ثم أتيتما الامام فصليا معه فإنها لكما نافلة) .

стр. 234

رواه أحمد وأبو داود. ورواه النسائي والترمذي بلفظ: (إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم، فإنها لكما نافلة) قال الترمذي: حديث حسن صحيح وصححه أيضا ابن السكن. ففي هذا الحديث دليل على مشروعية إعادة الصلاة بنية التطوع لمن صلى الفرض في جماعة أو منفردا إذا أدرك جماعة أخرى في المسجد: وقد روى أن حذيفة أعاد الظهر والعصر والمغرب، وقد كان صلاهما في جماعة، كما روي عن أنس أنه صلى مع أبي موسى الصبح في المربد (١) ثم انتهيا إلى المسجد الجامع فأقيمت الصلاة فصليا مع المغيرة بن شعبة. وأما قول الرسول ﷺ في الحديث الصحيح: (لا تصلوا صلاة في يوم مرتين) فقد قال ابن عبد البر: اتفق أحمد وإسحاق أن ذلك أن يصلي الرجل صلاة مكتوبة عليه ثم يقوم بعد الفراغ فيعيدها على الفرض أيضا. وأما من صلى الثانية مع الجماعة على أنها نافلة اقتداء بالنبي في أمره بذلك فليس ذلك من إعادة الصلاة في اليوم مرتين لان الاولى فريضة والثانية نافلة، فلا إعادة حينئذ. (١٩) استحباب انحراف الامام عن يمينه أو شماله بعد السلام ثم انتقاله من مصلاه (٢) : لحديث قبيضة بن وهب عن أبيه قال: كان النبي ﷺ يؤمنا فينصرف على جانبيه جميعا، على يمينه وعلى شماله. رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي وقال: حديث حسن. وعليه العمل عند أهل العلم أنه ينصرف على أي جانبيه شاء. وقد صح الامران عن النبي ﷺ . وعن عائشة أن النبي ﷺ كان إذا سلم لم يقعد الا مقدار ما يقول: (اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والاكرام) . رواه أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجه. وعند أحمد والبخاري عن أم سلمة قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا سلم قام النساء حين يقضي تسليمه وهو يمكث

стр. 235

في مكانه يسيرا قبل أن يقوم. قالت: فنرى - والله أعلم - أن ذلك كان لكي ينصرف النساء قبل أن يدركهن الرجال. (٢٠) علو الامام أو المأموم: يكره أن يقف الامام أعلى من المأموم، فعن أبي مسعود الانصاري قال: (نهى رسول الله ﷺ أن يقوم الامام فوق شئ والناس خلفه) يعني أسفل منه، رواه الدارقطني وسكت عنه الحافظ في التلخيص. وعن همام ابن الحارث أن حذيفة أم الناس بالمدائن على دكان (١) فأخذ أبو مسعود بقميصه فجبذه (٢) فلما فرغ من صلاته قال: ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلك؟ قال: بلى، فذكرت حين جذبتني. رواه أبو داود والشافعي والبيهقي وصححه الحاكم وابن خزيمة وابن حبان. فإن كان للامام غرض من ارتفاعه على المأموم فإنه لا كراهة حينئذ، فعن سهل بن سعد الساعدي قال: (رأيت النبي ﷺ جلس على المنبر أول يوم وضع فكبر وهو عليه ثم ركع ثم نزل القهقهري (٣) وسجد في أصل المنبر ثم عاد فلما فرغ أقبل عن الناس فقال: (أيها الناس إنما صنعت هذا لتأتموا بي ولتتعلموا صلاتي) رواه أحمد والبخاري ومسلم. وأما ارتفاع المأموم على الامام فجائز، لما رواه سعيد بن منصور والشافعي والبيهقي وذكره البخاري تعليقا عن أبي هريرة أنه صلى على ظهر المسجد بصلاة الامام. وعن أنس أنه كان يجمع في دار أبي نافع عن يمين المسجد في غرفة قدر قامة منها لها باب مشرف على مسجد بالبصرة فكان أنس يجمع فيها ويأتم بالامام، وسكت عليه الصحابة. رواه سعيد بن منصور في سننه. قال الشوكاني: وأما ارتفاع المؤتم فإن كان مفرطا بحيث يكون فوق ثلاثمائة ذراع على وجه لا يمكن المؤتم العلم بأفعال الامام فهو ممنوع بالاجماع من غير فرق بين المسجد وغيره، وإن كان دون ذلك المقدار فالاصل الجواز حتى يقوم

стр. 236

دليل على المنع، ويعضد هذا الاصل فعل أبي هريرة المذكور ولم ينكر عليه. (٢١) اقتداء المأموم بالامام مع الحائل بينهما: يجوز اقتداء المأموم بالامام وبينهما حائل إذا علم انتقالاته برؤية أو سماع (١) . قال البخاري، قال الحسن: لا بأس أن تصلي وبينك وبينه نهر. وقال أبو مجلز: يأتم بالامام وان كان بينهما طريق أو جدار إذا سمع تكبيرة الاحرام. انتهى. وقد تقدم حديث صلاة النبي ﷺ والناس يأتمون به من وراء الحجرة يصلون بصلاته. (٢٢) حكم الائتمام بمن ترك فرضا: تصح إمامة من أخل بترك شرط أو ركن إذا أتم المأموم وكان غير عالم بما تركه الامام، لحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (يصلون بكم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وان أخطأوا فلكم وعليهم) رواه أحمد والبخاري. وعن سهل قال، سمعت رسول الله ﷺ يقول: (الامام ضامن فإن أحسن فله ولهم، وإن أساء فعليه) يعني ولا عليهم، رواه ابن ماجه. وصح عن عمر أنه صلى بالناس وهو جنب، ولم يعلم، فأعاد ولم يعيدوا. (٢٣) الاستخلاف: إذا عرض للامام وهو في الصلاة عذر كأن ذكر أنه محدث، أو سبقه الحدث فله أن يستخلف غيره ليكمل الصلاة بالمأمومين. فعن عمرو بن ميمون قال: إني لقائم ما بيني وبين عمر - غداة أصيب - إلا عبد الله بن عباس فما هو إلا أن كبر فسمعته يقول: قتلني أو أكلني الكلب حين طعنه وتناول عمر عبد الرحمن بن عوف فقدمه فصلى بهم صلاة خفيفة. رواه البخاري. وعن أبي رزين قال: صلى علي ذات يوم فرعف فأخذ بيد رجل فقدمه ثم انصرف، رواه سعيد بن منصور. وقال أحمد: ان استخلف الامام فقد استخلف عمر وعلي، وإن صلوا وحدانا فقد طعن معاوية وصلى الناس وحدانا من حيث طعن، وأتموا صلاتهم.

стр. 237

(٢٤) من أم قوما يكرهونه: جاءت الاحاديث تحظر أن يؤم رجل جماعة وهم له كارهون، والعبرة بالكراهة الكراهة الدينية التي لها سبب شرعي، فعن ابن عباس عن رسول الله ﷺ أنه قال: (ثلاثة لا ترفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبرا: رجل أم قوما وهم له كارهون، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط. وأخوان متصارمان) رواه ابن ماجه، قال العراقي: إسناده حسن. وعن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ كان يقول: (ثلاثة لا يقبل الله منهم صلاة: من تقدم قوما وهم له كارهون، ورجل أتى الصلاة دبارا (١) ورجل اعتبد محرره (٢)) رواه أبو داود وابن ماجه. قال الترمذي: وقد كره قوم أن يؤم الرجل قوما وهم له كارهون، فإذا كان الامام غير ظالم فإنما الاثم على من كرهه. موقف الإمام والمأموم: (١) استحباب وقوف الواحد عن يمين الامام والاثنين فصاعدا خلفه: لحديث جابر، قال: قام رسول الله ﷺ ليصلي فجئت فقمت على يساره فأخذ بيدي فأدارني حتى أقامني عن يمينه ثم جاء جابر بن صخر فقام عن يسار رسول الله ﷺ فأخذ بأيدينا جميعا فدفعنا حتى أقامنا خلفه، رواه مسلم وأبو داود. وإذا حضرت المرأة الجماعة وقفت وحدها خلف الرجال ولا تصف معهم فإن خالفت صحت صلاتها عند الجمهور. قال أنس: صليت أنا ويتيم في بيتنا خلف النبي ﷺ وأمي أم سليم خلفنا، وفي لفظ: فصففت أنا واليتيم خلفه، والعجوز من ورائنا. رواه البخاري ومسلم. (٢) استحباب وقوف الامام مقابلا لوسط الصف وقرب أولي الاحلام والنهي منه: لحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (وسطوا الامام

стр. 238

وسدوا الخلل (١) رواه أبو داود وسكت عنه هو والمنذري. وعن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: (ليليني (٢) منكم أولوا الاحلام والنهي، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، وإياكم وهيشات الاسواق (٣)) رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي. وعن أنس قال: كان رسول الله ﷺ يحب أن يليه المهاجرون والانصار ليأخذوا عنه. رواه أحمد وأبو داود. والحكمة في تقديم هؤلاء ليأخذوا عن الامام ويقوموا بتنبيهه إذا أخطأ ويستخلف منهم إذا احتاج إلى استخلاف. (٣) موقف الصبيان والنساء من الرجال: كان رسول الله ﷺ يجعل الرجال قدام الغلمان، والغلمان خلفهم، والنساء خلف الغلمان (٤)) رواه أحمد وأبو داود. وروى الجماعة إلا البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها) . وإنما كان خير صفوف النساء آخرها لما في ذلك من البعد عن مخالطة الرجال بخلاف الوقوف في الصف الاول فإنه مظنة المخالطة لهم. (٤) صلاة المفرد خلف الصف: من كبر للصلاة خلف الصف ثم دخله وأدرك فيه الركوع مع الامام صحت صلاته، فعن أبي بكرة أنه انتهى إلى النبي ﷺ وهو راكع، فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: (زادك الله حرصا ولا تعدد) (٥) رواه أحمد والبخاري وأبو داود والنسائي. وأما من صلى منفردا عن الصف فإن الجمهور يري صحة صلاته

стр. 239

مع الكراهة. وقال أحمد وإسحاق وأحمد وابن أبي ليلى ووكيع والحسن بن صالح والنخعي وابن المنذر: من صلى ركعة كاملة خلف الصف بطلت صلاته. فعن وابصة: أن رسول الله ﷺ رأى رجلا يصلي خلف الصف وحده فأمره أن يعيد الصلاة. رواه الخمسة إلا النسائي. ولفظ أحمد قال: سئل رسول الله ﷺ عن رجل صلى خلف الصف وحده؟ فقال (يعيد الصلاة) وحسن هذا الحديث الترمذي، وإسناد أحمد جيد. وعن علي بن شيبان أن رسول الله ﷺ رأى رجلا يصلي خلف الصف فوقف حتى انصرف الرجل فقال له: (استقبل صلاتك فلا صلاة لمفرد خلف الصف) . رواه أحمد وابن ماجه والبيهقي، قال أحمد: حديث حسن، وقال ابن سيد الناس: رواته ثقات معروفون. وتمسك الجمهور بحديث أبي بكرة قالوا لانه أتى ببعض الصلاة خلف الصف ولم يأمره النبي ﷺ بالاعادة فيحمل الامر بالاعادة على جهة الندب مبالغة في المحافظة على ما هو الاولى. قال الكمان بن الهمام: وحمل أئمتنا حديث وابصة على الندب وحديث علي بن شيبان على نفي الكمال ليوافقا حديث أبي بكرة، إذ ظاهره عدم لزوم الاعادة لعدم أمره بها. ومن حضر ولم يجد سعة في الصف ولا فرجة فقيل: يقف منفردا ويكره له جذب أحد، وقيل يجذب واحدا من الصف عالما بالحكم بعد أن يكبر تكبيرة الاحرام. ويستحب للمجذوب موافقته. (٥) تسوية الصفوف وسد الفرج: يستحب للامام أن يأمر بتسوية الصفوف وسد الخلل قبل الدخول في الصلاة. فعن أنس أن النبي ﷺ كان يقبل علينا بوجهه قبل أن يكبر فيقول: (تراصوا واعتدلوا) رواه البخاري ومسلم. ورويا عنه أن النبي ﷺ قال: (سووا صفوفكم فإن تسوية الصف من تمام الصلاة) . وعن النعمان بن بشير قال: كان رسول الله ﷺ يسوينا في الصفوف كما يقوم القدح (١) حتى إذا ظن أن قد أخذنا ذلك عنه وفقهنا أقبل ذات يوم بوجهه إذا رجل منتبذ بصدره (٢) فقال: (لستون

стр. 240

صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم) (١) رواه الخمسة وصححه الترمذي، وروى أحمد والطبراني بسند لا بأس به عن أبي أمامة قال، قال رسول الله ﷺ : (سووا صفوفكم، وحاذوا بين مناكبكم (٢) لينوا في أيدي إخوانكم وسدوا الخلل فإن الشيطان يدخل فيما بينكم بمنزلة الحذف) (٣) وروى أبو داود والنسائي والبيهقي عن أنس أن النبي ﷺ قال: (أتموا الصف المقدم ثم الذي يليه فما كان من نقص فليكن في الصف المؤخر) وروى البزار بسند حسن عن ابن عمر قال: (ما من خطوة أعظم أجرا من خطوة مشاها رجل إلى فرجة في الصف فسدها وروى النسائي والحاكم وابن خزيمة عنه قال، قال رسول الله ﷺ : (من وصل صفا وصله الله، ومن قطع صفا قطعه الله) وروى الجماعة إلا البخاري والترمذي عن جابر بن سمرة قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: (ألا تصفون كما تصفت الملائكة عند ربها؟) فقلنا: يا رسول الله كيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: (يتمون الصف الاول ويتراصون في الصف) . (٦) الترغيب في الصف الاول وميامن الصفوف: تقدم قول رسول الله ﷺ : (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الاول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليهما لاستهموا) الحديث. وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ رأى في أصحابه تأخرا عن الصف الاول فقال لهم: (تقدموا فائتموا بي وليأتم بكم من وراءكم، ولا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله عزوجل) رواه مسلم والنسائي وأبو داود وابن ماجه، وروى أبو داود وابن ماجه عن عائشة قالت، قالت رسول الله ﷺ : (إن الله وملائكته يصلون على الذين يصلون على ميامن الصفوف) وعند أحمد والطبراني بسند صحيح عن أبي أمامة أن النبي ﷺ قال: (إن الله وملائكته يصلون على الصف الاول) قالوا: يا رسول الله وعلى

стр. 241

الثاني؟ قال: (إن الله وملائكته يصلون على الصف الاول) قالوا: يا رسول الله وعلى الثاني؟ قال (وعلى الثاني) . (٧) التبليغ خلف الامام: يستحب التبليغ خلف الامام عند الحاجة إليه بأن لم يبلغ صوت الامام المأمومين: أما إذا بلغ صوت الامام الجماعة فهو حينئذ بدعة مكروهة باتفاق الائمة. المساجد: ١ - مما اختص الله به هذه الامة أن جعل لها الارض طهورا ومسجدا فأيما رجل من المسلمين أدركته الصلاة فليصل حيث أدركته. قال أبو ذر: قلت: يا رسول الله أي مسجد وضع في الارض أولا؟ قال: (المسجد الحرام) . قلت: ثم أي؟ قال: (ثم المسجد الاقصى) قلت: كم بينهما؟ قال: (أربعون سنة) ثم قال: (أينما أدركتك الصلاة فصل فهو مسجد) وفي رواية: (فكلها مسجد) رواه الجماعة. (٢) فضل بنائها: ١ - عن عثمان أن النبي ﷺ قال: (من بنى لله مسجدا يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتا في الجنة) متفق عليه. ٢ - وروى أحمد وابن حبان والبزار بسند صحيح عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: (من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة لبيضها (١) بنى الله له بيتا في الجنة) . (٣) الدعاء عند التوجه إليها: يسن الدعاء حين التوجه إلى المسجد بما يأتي: ١ - قالت أم سلمة: كان رسول الله ﷺ إذا خرج من

стр. 242

بيته قال: (بسم الله (١) توكلت على الله، اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل، أو أزل أو أزل، أو أظلم أو أظلم أو أجهل أو يجهل علي) . رواه أصحاب السنن وصححه الترمذي. ٢ - وروى أصحاب السنن الثلاثة وحسنه الترمذي عن أنس قال، قال رسول الله ﷺ : (من قال إذا خرج من بيته: بسم الله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. يقال له: حسبك!..هديت، وكفيت، ووفيت، تنحى عنه الشيطان) . ٣ - روى البخاري ومسلم عن ابن عباس أن النبي ﷺ خرج إلى الصلاة وهو يقول: (اللهم اجعل في قلبي نورا، وفي بصري نورا، وفي سمعي نورا، وعن يميني نورا، وخلفي نورا وفي عصبي نورا، وفي لحمي نورا، وفي دمي نورا، وفي شعري نورا، وفي بشري نورا) . وفي رواية لمسلم: (اللهم اجعل في قلبي نورا، وفي لساني نورا، واجعل في سمعي نورا، وفي بصري نورا، واجعل من خلفي نورا، ومن أمامي نورا، واجعل من فوقي نورا، ومن تحتي نورا: اللهم أعطني نورا) . ٤ - وروى أحمد وابن خزيمة وابن ماجه حسنه الحافظ عن أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: (إذا خرج الرجل من بيته إلى الصلاة فقال: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا، فإني لم أخرج أشرا ولا بطرا (٢) ولا رياء ولا سمعة، خرجت اتقاء سخطك، وابتغاء مرضاتك أسألك أن تنقذني من النار، وأن تغفر لي ذنوبي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، وكل الله به سبعين ألف ملك يستغفرون له، وأقبل الله عليه بوجهه حتى يقضي صلاته) . (٤) الدعاء عند دخولها وعند الخروج منها: يسن لمن أراد دخول المسجد أن يدخل برجله اليمنى ويقول: أعوذ بالله

стр. 243

العظيم وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم. بسم الله: اللهم صل على محمد: اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك. وإذا أراد الخروج خرج برجله اليسرى ويقول: بسم الله: اللهم صل على محمد: اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك: اللهم اعصمني من الشيطان الرجيم. (٥) فضل السعي إليها والجلوس فيها: ١ - روى أحمد والشيخان عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (من غدا إلى المسجد وراح أعد الله له الجنة نزلا كلما غدا وراح) (١) . ٢ - وروى أحمد وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان والترمذي وحسنه والحاكم وصححه، عن أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: (إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالايمان) قال الله عزوجل: (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الاخر) . ٣ - وروى مسلم عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (من تطهر في بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله كانت خطواته إحداها تحط خطيئته والاخرى ترفع درجته) . ٤ - وروى الطبراني والبزار بسند صحيح عن أبي الدرداء أن النبي ﷺ قال: (المسجد بيت كل تقي وتكفل الله لمن كان المسجد بيته بالروح والرحمة والجواز على الصراط إلى رضوان الله: إلى الجنة) . ٥ - وتقدم حديث: (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات) . (٦) تحية المسجد: روى الجماعة عن أبي قتادة أن النبي ﷺ قال: (إذا جاء أحدكم المسجد فليصل سجدتين من قبل أن يجلس) .

стр. 244

(٧) أفضلها: ١ - روى البيهقي (١) عن جابر أن النبي ﷺ قال: (صلاة في المسجد الحرام مائة ألف صلاة، وصلاة في مسجدي ألف صلاة، وفي بيت المقدس خمسمائة صلاة) . ٢ - وروى أحمد أن النبي ﷺ قال: (صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة في ما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من صلاة في مسجدي هذا بمائة صلاة) . ٣ - وروى الجماعة أن النبي ﷺ قال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الاقصى) . (٨) زخرفة المساجد: ١ - روى أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وصححه ابن حبان عن أنس أن النبي ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس بالمساجد) . ولفظ ابن خزيمة: (يأتي على الناس زمان يتباهون بالمساجد (٢) ثم لا يعمرونها إلا قليلا) . ٢ - وروى أبو داود وابن حبان وصححه عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: (ما أمرت بتشييد المساجد (٣)) زاد أبو داود: قال ابن عباس لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى. ٣ - وروى ابن خزيمة وصححه: أن عمر أمر ببناء المساجد فقال: أكن الناس من المطر (٤) ، وإياك أن تحمر أو تصرف فتفتن الناس (٥) . رواه البخاري معلقا. (٩) تنظيفها وتطييبها: ١ - روى أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان بسند جيد

стр. 245

عن عائشة أن النبي ﷺ أمر ببناء المساجد في الدور، وأمر بها أن تنظف وتطيب. ولفظ أبي داود: (كان يأمرنا بالمساجد أن نصنعها في دورنا ونصلح صنعتها ونطهرها، وكان عبد الله يجمر المسجد إذا قعد عمر على المنبر) . ٢ - وعن أنس قال، قال رسول الله ﷺ : (عرضت علي أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل إلى المسجد) رواه أبو داود والترمذي وصححه ابن خزيمة. (١٠) صيانتها: المساجد بيوت العبادة فيجب صيانتها من الاقذار والروائح الكريهة. فعند مسلم أن النبي ﷺ : (إن هذه المساجد لا تصلح لشئ من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله وقراءة القرآن) . وعند أحمد بسند صحيح أن النبي ﷺ قال: (إذا تنخم أحدكم فليغيب نخامته أن تصيب جلد مؤمن أو ثوبه فتؤذيه) وروى هو والبخاري عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (إذا قام أحدكم في الصلاة فلا يبزقن أمامه فإنه يناجيه الله ﵎ مادام في مصلاه، ولا عن يمينه فإن عن يمينه ملكا، وليبصق عن يساره أو تحت قدمه فيدفنها) وفي الحديث المتفق على صحته عن جابر أن النبي ﷺ قال: (من أكل الثوم والبصل والكراث (١) فلا يقربن مسجدنا فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم) . وخطب عمر يوم الجمعة فقال: إنكم أيها الناس تأكلون من شجرتين لا أراهما إلا خبيثتين (البصل والثوم) لقد رأيت رسول الله ﷺ إذا وجد ريحهما من الرجل أمر به فأخرج إلى البقيع، فمن أكلها فليمتهما طبخا. رواه أحمد ومسلم والنسائي. (١١) كراهة نشد الضالة (٢) والبيع والشراء والشعر: فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (من سمع

стр. 246

رجلا ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا ردها الله عليك فإن المساجد لم تبن لهذا) رواه مسلم. وعنه أن النبي ﷺ قال: (إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا له: لا أربح الله تجارتك) رواه النسائي والترمذي وحسنه، وعن عبد الله بن عمر قال: (نهى رسول الله ﷺ عن الشراء والبيع في المسجد وأن تنشد فيه الاشعار وأن تنشد فيه الضالة، ونهى عن التحلق قبل الصلاة يوم الجمعة) رواه لا خمسة وصححه الترمذي. والشعر المنهي عنه ما اشتمل على هجو مسلم أو مح ظالم أو فحش ونحو ذلك. أما ما كان حكمة أو مدحا للاسلام أو حثا على بر فإنه لا بأس به، فعن أبي هريرة أن عمر مر بحسان ينشد في المسجد فلحظ إليه (١) فقال: قد كنت أنشد فيه وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة فقال: أنشدك بالله (٢) أسمعت رسول الله ﷺ يقول: (أجب عني، اللهم أيده بروح القدس (٣) ؟ قال نعم) متفق عليه. (١٢) السؤال فيها: قال شيخ الاسلام ابن تيمية: أصل السؤال محرم في المسجد وغيره إلا لضرورة فإن كان به ضرورة وسأل في المسجد ولم يؤذ أحدا كتخطية الرقاب ولم يكذب فيما يرويه ولم يجهر جهرا يضر الناس كأن يسأل والخطيب يخطب أو وهم يسمعون علما يشغلهم به، جاز. (١٣) رفع الصوت فيها: يحرم رفع الصوت على وجه يشوش على المصلين ولو بقراءة القرآن. ويستثنى من ذلك درس العلم. فعن ابن عمر أن النبي ﷺ خرج على الناس وهم يصلون وقد علت أصواتهم بالقراءة فقال: (إن المصلي يناجي ربه فلينظر بم يناجيه؟ ولا يجهر بعضكم على بعض القرآن) رواه أحمد بسند صحيح، وروى عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ اعتكف في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة فكشف الستر وقال: (ألا أن

стр. 247

كلكم مناج ربه فلا يوذين بعضكم بعضا ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة) ، رواه أبو داود والنسائي والبيهقي والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين. (١٤) الكلام في المسجد: قال النووي: يجوز التحدث بالحديث المباح في المسجد وبأمور الدنيا وغيرها من المباحات وإن حصل فيه ضحك ونحوه ما دام مباحا: لحديث جابر ابن سمرة قال: كان رسول الله ﷺ لا يقوم من مصلاه الذي صلى فيه الصبح حتى تطلع الشمس فإذا طلعت قام. قال: وكانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية فيضحكون ويبتسم. أخرجه مسلم. (١٥) إباحة الاكل والشرب والنوم فيها: فعن ابن عمر قال: كنا في زمن رسول الله ﷺ ننام في المسجد نقيل فيه (١) ونحن شباب. وقال النووي: ثبت أن أصحاب الصفة والعرنبين وعليا وصفوان بن أمية وجماعات من الصحابة كانوا ينامون في المسجد. وأن ثمامة كان يبيت فيه قبل إسلامه. كل ذلك في زمن رسول الله ﷺ . قال الشافعي في الام: وإذا بات المشرك في المسجد فكذا المسلم. وقال في المختصر: ولا بأس أن يبيت المشرك في كل مسجد إلا المسجد الحرام. وقال عبد الله بن الحارث: كنا نأكل على عهد رسول الله ﷺ في المسجد الخبز واللحم، رواه ابن ماجه بسند حسن. (١٦) تشبيك الاصابع: يكره تشبيك الاصابع عند الخروج إلى الصلاة وفي المسجد عند انتظارها ولا يكره فيما عدا ذلك ولو كان في المسجد. فعن كعب قال، قال رسول الله ﷺ : (إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه ثم خرج عامدا إلى المسجد فلا يشبكن بين أصابعه فإنه في صلاة) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وعن أبي سعيد الخدري قال: دخلت المسجد مع رسول الله صلى الله عليه

стр. 248

وسلم إذا رجل جالس وسط المسجد محتبيا مشبكا أصابعه بعضها على بعض فأشار إليه رسول الله ﷺ فلم يفطن لاشارته. فالتفت رسول الله ﷺ فقال: (إذا كان أحدكم في المسجد فلا يشبكن فإن التشبيك من الشيطان، وإن أحدكم لا يزال في صلاة ما كان في المسجد حتى يخرج منه) رواه أحمد. (١٧) الصلاة بين السواري: يجوز للامام والمنفرد الصلاة بين السواري، لما رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر (أن النبي ﷺ لما دخل الكعبة صلى بين الساريتين) . وكان سعيد بن جبر وإبراهيم التيمي وسويد بن غفلة يؤمون قومهم بين الاساطين. وأما المؤتمون فتكره صلاتهم بينها عند السعة بسبب قطع الصفوف ولا تكره عند الضيق. فعن أنس قال: كنا ننهى عن الصلاة بين السواري ونطرد عنها. رواه الحاكم وصححه، وعن معاوية بن قرة عن أبيه قال: كنا ننهى أن نصف بين السواري على عهد رسول الله ﷺ ونطرد عنها طردا. رواه ابن ماجه وفي إسناده رجل مجهول. وروى سعيد بن منصور في سننه النهي عن ذلك من ابن مسعود وابن عباس وحذيفة. قال ابن سيد الناس: ولا يعرف لهم مخالف في الصحابة. المواضع المنهى عن الصلاة فيها: ورد النهي عن الصلاة في المواضع الاتية: (١) الصلاة في المقبرة (١) : فعند الشيخين وأحمد والنسائي عن عائشة أن النبي ﷺ قال: (لعن الله اليهود والنصارى: اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) . وعند أحمد ومسلم عن أبي مرثد الغنوي أن النبي ﷺ قال: (لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها) . وعندهما أيضا عن جندب بن عبد الله

стр. 249

البجلي قال: سمعت رسول الله ﷺ قبل أن يموت بخمس يقول: (إن من اكن قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك) . وعن عائشة أن أم سلمة ذكرت لرسول الله ﷺ كنيسة رأتها بأرض الحبشة يقال لها مارية فذكرت له ما رأته فيها من الصور، فقال ﷺ (أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح أو الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله) رواه البخاري ومسلم والنسائي. وعنه ﷺ أنه قال: (لعن الله زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج) . وحمل كثير من العلماء النهي على الكراهة سواء كانت المقبرة أمام المصلي أم خلفه. وعند الظاهرية النهي محمول على التحريم، وأن الصلاة في المقبرة باطلة (١) . وعند الحنابلة كذلك إذا كانت تحتوي على ثلاثة قبور فأكثر، أما ما فيها قبر أو قبران فالصلاة فيها صحيحة مع الكراهة إذا استقبل القبر وإلا فلا كراهة. وقد صلى أبو موسى الاشعري وعمر بن عبد العزيز في الكنيسة. ولم ير الشعبي وعطاء وابن سيرين بالصلاة فيها بأسا. قال البخاري: كان ابن عباس يصلي في بيعة إلا بيعة فيها تماثيل. وقد كتب إلى عمر من نجران أنهم لم يجدوا مكانا أنظف ولا أجود من بيعة، فكتب: (انضحوها بماء وسدر وصلوا فيها) وعند الحنفية والشافعية القول بكراهة الصلاة فيهما مطلقا. (٣) الصلاة في المزبلة والمجزرة وقارعة الطريق وأعطان الابل والحمام وفوق ظهر بيت الله: فعن زيد بن جبيرة عن داود بن حصين عن ابن عمر أن النبي ﷺ نهى أن يصلى في سبعة مواطن: (في المزبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق وفي الحمام وفي أعطان الابل وفوق ظهر بيت الله) . رواه

стр. 250

ابن ماجه وعبد بن حميد والترمذي وقال: إسناده ليس بالقوي. وعلة النهي في المجزرة والمزبلة كونهما محلا للنجاسة فتحرم الصلاة فيهما من غير حائل ومع الحائل تكره عند جمهور العلماء، وتحرم عند أحمد وأهل الظاهر. وعلة النهي عن الصلاة في مبارك الابل كونها خلقت من الجن، وقيل غير ذلك. وحكم الصلاة في مبارك الابل كالحكم في سابقه، وعلة النهي عن الصلاة في قارعة الطريق ما يقع فيه عادة من مرور الناس وكثرة اللغط الشاغل للقلب والمؤدي إلى ذهاب الخشوع. وأما في ظهر الكعبة فلان المصلي في هذه الحالة يكون مصليا على البيت لا إليه، وهو خلاف الامر، ولذلك يرى الكثير عدم صحة الصلاة فوق الكعبة، خلافا للحنفية القائلين بالجواز مع الكراهة لما فيه من ترك التعظيم. وأما الكراهة في الحمام فقيل لانه محل للنجاسة والقول بالكراهة قول الجمهور إذا انتفت النجاسة. وقال أحمد والظاهرية وأبو ثور: لا تصح الصلاة فيه. الصلاة في الكعبة الصلاة في الكعبة صحيحة لا فرق بين الفرض والنفل. فعن ابن عمر قال: دخل رسول الله ﷺ البيت هو وأسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة فأغلقوا عليهم الباب فلما فتحوا كنت أول من ولج فلقيت بلالا فسألته: هل صلى رسول الله؟ قال: نعم بين العمودين اليمانيين. واه أحمد والشيخان. السترة أمام المصلي: (١) حكمها: يستحب للمصلي أن يجعل بين يديه سترة تمنع المرور أمامه وتكف بصره عما وراءها، لديث أبي سعيد أن رسول الله ﷺ قال: (إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة وليدن منها) رواه أبو داود وابن ماجه. وعن ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان إذا خرج يوم العيد أمر بالحربة فتوضع بين يديه فيصلي إليها والناس وراءه. وكان يفعل ذلك في السفر
следующие страницы →