(٩) الصلاة قبل صلاة العيد وبعدها: لم يثبت أن لصلاة العيد سنة قبلها ولا بعدها، ولم يكن النبي ﷺ ، ولا أصحابه يصلوم إذا انتهوا إلى المصلي شيئا قبل الصلاة ولا بعدها.
قال ابن عباس: خرج رسول الله ﷺ يوم عيد فصلى ركعتين لم يصل قبلهما ولا بعدهما. رواه الجماعة.
وعن ابن عمر أنه خرج يوم عيد فلم يصل قبلها ولا بعدها وذكر أن النبي ﷺ فعله، وذكر البخاري عن ابن عباس أنه كره الصلاة قبل العيد.
أما مطلق النفل فقد قال الحافظ ابن حجر في الفتح إنه لمى ثبت فيه منع بدليل خاص إلا إن كان ذلك في وقت الكراهة في جميع الايام.
(١٠) من تصح منهم صلاة العيد: تصح صلاة العيد من الرجال والنساء مسافرين كانوا أو مقيمين جماعة أو منفردين، في البيت أو في المسجد أو في المصلى.
ومن فاتته الصلاة مع الجماعة صلى ركعتين، قال البخاري: (باب) إذا فاته العيد يصلي ركعتين وكذلك النساء ومن في البيوت والقرى، لقول النبي ﷺ (هذا عيدنا أهل الاسلام) .
وأمر أنس بن مالك مولاهم ابن أبي عتبة بالزاوية فجمع أهله وبنيه وصلى كصلاة أهل المصر وتكبيرهم.
وقال عكرمة: أهل السواد يجتمعون في العيد يصلون ركعتين كام يصنع الامام.
وقال عطاء: إذا فاته العيد صلى ركعتين.
(١١) خطبة العيد: الخطبة بعد صلاة العيد سنة والاستماع إليها كذلك.
فعن أبي سعيد قال: كان النبي ﷺ يخرج يوم الفطر والاضحى إلى المصلى.
(١) وأول شئ يبدأ به الصلاة ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس، والناس جلوس على صفوفهم فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم، وإن كان يريد أن يقطع بعثا (٢) أن يأمر بشئ أمر به ثم ينصرف.
قال أبو سعيد: فلم يزل الناس على ذلك
стр. 317
حتى خرجت مع مروان وهو أمير المدينة في أضحى أو فطر، فلما أتينا المصلى إذا منبر بناه كثير بن الصلت، فإذا مروان يريد أن يرتقيه قبل أن يصلي فجبذت بثوبه فجبذني فارتفع فخطب قبل الصلاة.
فقلت له: غيرتم والله.
فقال: أبا سعيد! ... قد ذهب ما تعلم.
فقلت: ما أعلم والله خير مما لا أعلم.
فقال: إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة فجعلتها قبل الصلاة.
متفق عليه.
وعن عبد الله بن السائب قال: شهدت مع رسول الله ﷺ العيد فلما قضى الصلاة قال: (إنا نخطب فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس ومن أحب أن يذهب فليهذب) رواه النسائي وأبو داود وابن ماجه.
وكل ما ورد في أن للعيد خطبتين يفصل بينهما الامام بجلوس فهو ضعيف.
قال النووي: لم يثبت في تكرير الخطبة شئ.
ويستحب افتتاح الخطبة بحمد الله تعالى، ولم يحفظ عن رسول الله ﷺ غير هذا.
قال ابن القيم: كان ﷺ يفتتح خطبه كلها بالحمد لله ولم يحفظ عنه في حديث واحد أنه كان يفتتح خطبتي العيد بالتكبير، وإنما روى ابن ماجه في سننه عن سعيد، مؤذن النبي ﷺ ، أنه كان يكبر بين أضعاف الخطبة ويكثر التكبير في خطبة العيدين.
وهذا لا يدل على أنه يفتتحها به.
وقد اختلف الناس في افتتاح خطبة العيدين والاستسقاء فقيل: يفتتحان بالتكبير، وقيل تفتتح خطبة الاستسقاء بالاستغفار، وقيل يفتتحان بالحمد.
قال شيخ الاسلام تقي الدين: هو الصواب، لان النبي ﷺ
قال: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد فهو أجذم) (١) وكان ﷺ يفتتح خطبه كلها بالحمد لله، وأما قول كثير من الفقهاء: أنه يفتتح خطب الاستسقاء بالاستغفار وخطبة العيدين بالتكبير فليس معهم فيها سنة عن النبي ﷺ البتة، والسنة تقضي خلافه، وهو افتتاح جميع الخطب بالحمد لله.
(١٢) قضاء صلاة العيد: قال أبو عمير بن أنس: حدثني عمومتي من الانصار من أصحاب رسول
стр. 318
الله ﷺ قالوا: أغمي علينا هلال شوال وأصبحنا صياما فجاء ركب من آخر النهار فشهدوا عند رسول الله ﷺ أنهم رأوا الهلال بالامس فأمرهم رسول الله أن يفطروا وأن يخرجوا إلى عيدهم من الغد.
رواه أحمد والنسائي وابن ماجه بسند صحيح.
وفي هذا الحديث حجة للقائلين بأن الجماعة إذا فاتتها صلاة العيد بسبب عذر من الاعذار أنها تخرج من الغد فتصلي العيد.
(١٣) اللعب واللهو والغناء والاكل في الاعياد: اللعب المباح، واللهو البرئ، والغناء الحسن، ذلك من شعائر الدين التي شرعها الله في يوم العيد، رياضة للبدن وترويحا عن النفس، قال أنس: قدم النبي ﷺ المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما قال: (قد أبدلكم الله تعالى بهما خيرا منهما يوم الفطر والاضحى) رواه النسائي وابن حبان بسند صحيح.
وقالت عائشة: إن الحبشة كانوا يلعبون عند رسول الله ﷺ في يوم عيد فاطلعت من فوق عاتقه فطأطأ لي منكبيه فجعلت أنظر إليهم من فوق عاتقه حتى شبعت ثم انصرفت رواه أحمد والشيخان.
ورووا أيضا عنها قالت: دخل علينا أبو بكر في يوم عيد وعندنا جاريتان تذكران يوم بعاث (١) يوما قتل فيه صناديد الاوس والخزرج، فقال أبو بكر: عباد الله أمزمور الشيطان (قالها ثلاثا) فقال رسول الله ﷺ (يا أبا بكر إن لكل قوم عيدا وإن اليوم عيدنا) : ولفظ البخاري قالت عائشة: دخل علي رسول الله ﷺ وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث فاضطجع على الفراش وحول وجهه، ودخل أبو بكر فانتهرني وقال: مزمارة الشيطان عند النبي ﷺ ! فأقبل عليه النبي ﷺ فقال: (دعهما) فلما غفل غمزتهما فخرجتا، وكان يوم عيد يلعب السودان بالدرق (٢) والحراب فإما سألت النبي ﷺ وإما قال: (تشتهين تنظرين؟) فقلت: نعم، فأقامني وراءه، خدي على خده
стр. 319
وهو يقول: (دونكم يا بني أرفدة) (١) حتى إذا ملك قال (حسبك؟) قلت: نعم.
قال: (فاذهبي) قال الحافظ في الفتح وروى ابن السراج من طريق أبي الزناد عن عروة عن عائشة أنه ﷺ قال يومئذ: (لتعلم يهود المدينة أن في ديننا فسحة، إني بعثت بحنيفية سمحة) .
وعند أحمد ومسلم عن نبيشة أن النبي ﷺ قال: (أيام التشريق أيام أكل وشرب، وذكر لله عزوجل) .
(١٤) فضل العمل الصالح في أيام العشر من ذي الحجة: عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: (ما من أيام العمل
الصالح أحب إلى الله من هذه الايام) (يعني أيام العشر) : قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: (ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع بشئ من ذلك) رواه الجماعة إلا مسلما والنسائي.
وعند أحمد والطبراني عن ابن عمر قال، قال رسول الله ﷺ : (ما من أيام أعظم عند الله سبحانه ولا أحب إلى الله العمل فيهن من هذه الايام العشر فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد) وقال ابن عباس في قوله تعالى (ويذكروا اسم الله في أيام معلومات) هي أيام العشر.
وكان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما. رواه البخاري.
وكان سعيد ابن جبير إذا دخل أيام العشر اجتهد اجتهادا شديدا حتى ما يكاد يقدر عليه.
وقال الاوزاعي: بلغني أن العمل في اليوم من أيام العشر كقدر غزوة في سبيل الله يصام نهارها ويحرس ليلها إلا أن يختص امرؤ بشهادة.
قال الاوزاعي: حدثني بهذا الحديث رجل من بني مخزوم عن النبي ﷺ .
وروى عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (ما من أيام أحب إلى الله أن يتعبد له فيها من عشر ذي الحجة يعدل صيام كل يوم منها بصيام سنة وقيام كل ليلة منها بقيام ليلة القدر.) رواه الترمذي وابن ماجه والبيهقي.
стр. 320
(١٥) استحباب التهنئة بالعيد: عن جبير بن نفير قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا التقوا يوم العيد يقول بعضهم لبعض: (تقبل منا ومنك) . قال الحافظ إسناده حسن.
(١٦) التكبير في أيام العيدين: التكبير في أيام العيدين سنة.
ففي عيد الفطر قال الله تعالى: (ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون) وفي عيد الاضحى قال: (واذكروا الله في أيام معدودات) (١) .
وقال: (كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم) ، وجمهور العلماء على أن التكبير في عيد الفطر من وقت الخروج إلى الصلاة إلى ابتداء الخطبة.
وقد روي في ذلك أحاديث ضعيفة وإن كانت الرواية صحت بذلك عن ابن عمر وغيره من الصحابة.
قال الحاكم: هذه سنة تداولها أهل الحديث.
وبه قال مالك وأحمد وإسحق وأبو ثور.
وقال قوم التكبير من ليلة الفطر إذا رأوا الهلال حتى يغدوا إلى المصلى وحتى يخرج الامام.
ووقته في عيد الاضحى من صحيح يوم عرفة إلى عصر أيام التشريق وهي اليوم الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر من ذي الحجة.
قال الحافظ في الفتح: ولم يثبت في شئ من ذلك عن النبي ﷺ حديث، وأصح ما ورد فيه عن الصحابة قول علي وابن مسعود إنه من صبح يوم عرفة إلى عصر آخر أيام منى.
أخرجه ابن المنذر وغيره.
وبهذا أخذ الشافعي وأحمد وأبو يوسف ومحمد وهو مذهب عمر وابن عباس.
والتكبير في أيام التشريق لا يختص استحبابه بوقت دون وقت، بل هو مستحب في كل وقت من تلك الايام.
قال البخاري: وكان عمر ﵁ يكبر في قبته بمنى فيسمعه أهل المسجد فيكبرون ويكبر أهل السوق حتى يرتج منى تكبيرا.
وكان ابن عمر يكبر بمنى تلك الايام وخلف الصلوات وعلى فراشه وفي فسطاطه ومجلسه وممشاه تلك الايام جميعا، وكانت ميمونة تكبر يوم
стр. 321
النحر، وكان النساء يكبرن خلف أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز ليالي التشريق مع الرجال في المسجد، قال الحافظ: وقد اشتملت هذه الاثار على وجود التكبير في تلك الايام عقب الصلوات وغير ذلك من الاحوال وفيه اختلاف بين العلماء في مواضع، فمنهم من قصر التكبير على أعقاب الصلوات ومنهم من خص ذلك بالمكتوبات دون النوافل ومنهم من خصه بالرجال دون النساء وبالجماعة دون المنفرد وبالمؤداة دون المقتضية وبالمقيم دون المسافر وبساكن المدن دون القرية: وظاهر اختيار البخاري شمول ذلك للجميع والاثار التي ذكرها تساعده.
وأما صيغة التكبير فالامر فيها واسع.
وأصح ما ورد فيها ما رواه عبد الرزاق عن سلمان بسند صحيح قال: كبروا: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كيرا.
وجاء عن عمر وابن مسعود: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
стр. 322
الزكاة
(١) تعريفها: الزكاة اسم لما يخرجه الانسان من حق الله تعالى إلى الفقراء.
وسميت زكاة لما يكون فيها من رجاء البركة، وتزكية النفس وتنميتها بالخيرات. فإنها مأخوذة من الزكاة، وهو النماء والطهارة والبركة.
قال الله تعالى: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) (١) .
وهي أحد أركان الاسلام الخمسة، وقرنت بالصلاة في اثنتين وثمانين آية. وقد فرضها الله تعالى بكتابه، وسنة رسوله ﷺ ، وإجماع أمته.
١ - روى الجماعة عن ابن عباس ﵄، أن النبي ﷺ لما بعث معاذ بن جبل ﵁ إلى اليمن (٢) قال: (إنك تأتي قوما أهل كتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله تعالى افترض عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم وترد إلى فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم (٣) أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب) .
٢ - وروى الطبراني في الاوسط والصغير، عن علي كرم الله وجهه، أن النبي ﷺ قال: (إن الله فرض على أغنياء المسلمين في أموالهم بقدر الذي يسع فقراءهم، ولن يجهد الفقراء إذا جاعوا أو عروا
стр. 323
إلا بما يصنع أغنياؤهم (١) ، ألا وإن الله يحاسبهم حسابا شديدا، ويعذبهم عذابا أليما) قال الطبراني: تفرد به ثابت بن محمد الزاهد.
قال الحافظ: وثابت: ثقة صدوق.
روى عنه البخاري وغيره، وبقية رواته لا بأس بهم.
وكانت فريضة الزكاة بمكة في أول الاسلام مطلقة، لم يحدد فيها المال الذي تجب فيه، ولا مقدار ما ينفق منه، وإنما ترك ذلك لشعور المسلمين وكرمهم.
وفي السنة الثانية من الهجرة - على المشهور - فرض مقدارها من كل نوع من أنواع المال، وبينت بيانا مفصلا.
١ - قال الله تعالى: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) .
أي خذ - أيها الرسول - من أموال المؤمنين صدقة معينة كالزكاة المفروضة، أو غير معينة، وهي التطوع (تطهرهم وتزكيهم بها) أي تطهرهم بها من دنس البخل والطمع، والدناءة والقسوة على الفقراء والبائسين، وما يتصل بذلك من الرذائل، وتزكي أنفسهم بها.
أي تنميها وترفعها بالخيرات والبركات الخلقية والعملية، حتى تكون بها أهلا للسعادة الدنيوية والاخروية.
٢ - وقال الله تعالى: (إن المتقين في جنات وعيون آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين، كانوا قليلا من الليل ما يهجعون، وبالاسحار هم يستغفرون وفي أموالهم حق للسائل والمحروم) .
جعل الله أخص صفات الابرار الاحسان، وأن مظهر إحسانهم يتجلى في القيام من الليل، والاستغفار في السحر تعبدا لله وتقربا إليه.
كما يتجلى في إعطاء الفقير حقه، رحمة وحنوا عليه.
٣ - وقال الله تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض
стр. 324
يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله) .
أي إن الجماعة التي يباركها الله ويشملها برحمته، هي الجماعة التي تؤمن بالله، ويتولى بعضها بعضا بالنصر والحب، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتصل ما بينها وبين الله بالصلاة، وتقوي صلاتها ببعضها، بإيتاء الزكاة.
٤ - وقال الله تعالى: (الذين إن مكناهم في الارض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الامور) .
جعل الله إيتاء الزكاة غاية من غايات التمكين في الارض.
١ - وروى الترمذي عن أبي كبشة الانماري، أن النبي ﷺ قال: (ثلاثة أقسم عليهن وأحدثكم حديثا فاحفظوه: ما نقص مال من صدقة، ولا ظلم عبد مظلمة فصبر عليها إلا زاده الله بها عزا، ولا فتح عبد باب مسألة، إلا فتح الله عليه باب فقر) .
٢ - وروى أحمد والترمذي، وصححه، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: (إن الله يقبل الصدقات ويأخذها بيمينه فيربيها لاحدكم كما يربي أحدكم مهرة أو فلوه، أو فصيله (١) حتى أن اللقمة لتصير مثل جبل أحد) .
قال وكيع: وتصديق ذلك في كتاب الله قوله: (وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات) . (يمحق الله الربا ويربي الصدقات) .
٣ - وروى أحمد - بسند صحيح - عن أنس ﵁ قال: أتى رجل من تميم رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله: إني ذو مال كثير، وذو أهل ومال وحاضرة (٢) .
فأخبرني كيف أصنع وكيف أنفق؟ فقال رسول الله ﷺ (تخرج الزكاة من مالك فإنها طهرة تطهرك، وتصل أقرباءك وتعرف حق المسكين والجار والسائل) .
стр. 325
٤ - وروى أيضا عن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: (ثلاث أحلف عليهن، لا يجعل الله من له سهم في الاسلام كمن لا سهم له، وأسهم الاسلام ثلاثة: الصلاة، والصوم، والزكاة، ولا يتولى الله عبدا في الدنيا فيوليه غيره يوم القيامة، ولا يحب رجل قوما إلا جعله الله معهم.
والرابعة لو حلفت عليها رجوت أن لا آثم لا يستر الله عبدا في الدنيا إلا ستره يوم القيامة) .
٥ - وروى الطبراني في الاوسط، عن جابر ﵁ قال، قال رجل يا رسول الله: أرأيت إن أدى الرجل زكاة ماله؟ فقال رسول الله ﷺ : (من أدى زكاة ماله ذهب عنه شره) .
٦ - وروى البخاري، ومسلم عن جابر بن عبد الله قال: بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم.
(٣) الترهيب من منعها:
١ - قال الله تعالى: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم، يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لانفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون) .
٢ - وقال: (لا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون (١) ما بخلوا به يوم القيامة) .
١ - وروى أحمد والشيخان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (ما من صاحب كنز (٢) لا يؤدي زكاته إلا أحمي عليه في نار جهنم فيجعل صفائح فتكوى بها جنباه وجبهته حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يرى سبيله،
стр. 326
إما إلى الجنة، وإما إلى النار، وما من صاحب إبل لا يؤدي زكاتها إلا بطح (١) لها بقاع قرقر (٢) كأوفر (٣) ما كانت، تسنن (٤) عليه، كلما مضى (٥) عليه أخراها ردت عليه أولاها، حتى يحكم الله بين عباده، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار، وما من صاحب غنم لا يؤدي زكاتها إلا بطح لها بقاع قرقر كأوفر ما كانت فتطؤه بأظلافها (٦) ، وتنطحه بقرونها ليس فيها عقصاء (٧) ولا جلحاء (٨) ، كلما مضى عليه أخراها ردت عليه أولاها، حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله، إما إلى الجنة، وإما إلى النار.) قالوا: فالخيل يا رسول الله؟ قال: (الخيل في نواصيها) ، أو قال: (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، الخيل ثلاثة: هي لرجل أجر، ولرجل ستر، ولرجل وزر، فأما التي هي له أجر فالرجل يتخذها في سبيل الله ويعدها له فلا تغيب شيئا في بطونها إلا كتب الله له أجرا، ولو رعاها في مرج (٩) فما أكلت من شئ إلا كتب الله له بها أجرا، ولو سقاها من نهر كان له بكل قطرة تغيبها في بطونها أجر، حتى ذكر الاجر في أبوالها وأرواثها ولو استنت شرفا (١٠) أو شرفين كتب له بكل خطوة يخطوها أجر. وأما التي هي له ستر، فالرجل يتخذها تكرما وتجملا، لا ينسى حتى ظهورها وبطونها في عسرها ويسرها. وأما التي هي عليه وزر، فالذي يتخذها أشرا (١١) وبطرا (١٢) وبذخا (١٣) ، ورياء الناس فذلك الذي عليه الوزر) قالوا: فالخمر يا رسول الله؟ قال: (ما أنزل الله علي فيها شيئا إلا هذه الاية الجامعة (١٤) الفاذة (١٥) : (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) .)
стр. 327
٢ - وروى الشيخان عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له (١) يوم القيامة شجاعا أقرع (٢) له زبيبتان (٣) يطوقه يوم القيامة، ثم يأخذ بلهزمتيه - يعني شدقيه - ثم يقول: أنا كنزك، أنا مالك) .
ثم تلا هذه الاية: (ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله الاية.)
٣ - وروى ابن ماجه، والبزار، والبيهقي - واللفظ له - عن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: (يا معشر المهاجرين خصال خمس - إن ابتليتم بهن ونزلن بكم أعوذ بالله أن تدركوهن -: لم تظهر الفاحشة (٤) في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الاوجاع (٥) التي لم تكن في أسلافهم، ولم ينقصوا المكيال والميزان، إلا أخذوا بالسنين (٦) وشدة المؤنة وجور السلطان. ولم يمنعوا زكاة أموالهم، إلا منعوا القطر (٧) من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله، إلا سلط عليهم عدو من غيرهم فيأخذ بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله، إلا جعل بأسهم (٨) بينهم) .
٤ - وروى الشيخان عن الاحنف بن قيس قال: (جلست إلى ملا من قريش فجاء رجل (٩) خشن الشعر والثياب والهيئة حتى قام عليهم فسلم ثم قال: بشر الكانزين برضف (١٠) يحمى عليه في نار جهنم، ثم يوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج من نغض (١١) كتفه، ويوضع على نغض كتفه حتى يخرج من حلمة ثدية فيتزلزل) . ثم ولى فجلس إلى سارية. وتبعته وجلست إليه وأنا لا أدري من هو - فقلت: لا أرى القوم إلا قد كرهوا الذي قلت.
стр. 328
قال: إنهم لا يعقلون شيئا، قال لي خليلي، قلت: من خليلك؟ قال: النبي ﷺ : أتبصر أحدا؟ قال: فنظرت إلى الشمس ما بقي من النهار، وأنا أرى أن رسول الله ﷺ يرسلني في حاجة له، قلت: نعم: قال: ما أحب أن لي مثل أحد ذهبا أنفقه كله إلا ثلاثة دنانير، وإن هؤلاء لا يعقلون، إنما يجمعون الدنيا، لا والله لا أسألهم دنيا ولا أستفتيهم عن دين حتى ألقى الله عزوجل.
(٤) حكم مانعها: الزكاة من الفرائض التي أجمعت عليها الامة واشتهرت شهرة جعلتها من ضروريات الدين، بحيث لو أنكر وجوبها أحد خرج عن الاسلام، وقتل كفرا، إلا إذا كان حديث عهد بالاسلام، فإنه يعذر لجهله بأحكامه.
أما من امتنع عن أدائها - مع اعتقاده وجوبها - فإنه يأثم بامتناعه دون أن يخرجه ذلك عن الاسلام، وعلى الحاكم أن يأخذها منه قهرا ويعزره، ولا يأخذ من ماله أزيد منها، إلا عند أحمد والشافعي في القديم، فإنه يأخذها منه، ونصف ماله، عقوبة له (١) لما رواه أحمد، والنسائي، وأبو داود، والحاكم، والبيهقي عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال، سمعت رسول الله ﷺ يقول: (في كل إبل سائمة، في كل أربعين ابنة لبون لا يفرق إبل عن حسابها من أعطاها مؤتجرا (٢) فله أجرها، ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله عزمة (٣) من عزمات ربنا ﵎ لا يحل لال محمد منها شئ) .
وسئل أحمد عن إسناده فقال: صالح الاسناد.
وقال الحاكم في بهز: حديثه صحيح (٤) .
ولو امتنع قوم عن أدائها - مع اعتقادهم وجوبها، وكانت لهم قوة ومنعة فإنهم يقاتلون عليها حتى يعطوها.
لما رواه البخاري، ومسلم عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (أمرت أن أقاتل الناس
стр. 329
حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الاسلام وحسابهم على الله) .
ولما رواه الجماعة عن أبي هريرة قال: لما توفي رسول الله ﷺ ، وكان أبو بكر، وكفر من كفر من العرب، فقال عمر: كيف تقاتل الناس (١) ؟ وقد قال رسول الله ﷺ : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله تعالى؟ فقال: والهل لاقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقا (٢) كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها. فقال عمر: فو الله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق.
ولفظ مسلم، وأبي داود، والترمذي: لو منعوني عقالا (٣) بدل (عناقا) .
(٥) على من تجب؟:
تجب الزكاة على المسلم الحر المالك للنصاب، من أي نوع من أنواع المال الذي تجب فيه الزكاة.
ويشترط في النصاب:
١ - أن يكون فاضلا عن الحاجات الضرورية التي لا غنى للمرء عنها، كالمطعم، والملبس، والمسكن، والمركب، وآلات الحرفة.
٢ - وأن يحول عليه الحول الهجري، ويعتبر ابتداؤه من يوم ملك النصاب، ولابد من كماله في الحول كله.
فلو نقص أثناء الحول ثم كمل اعتبر ابتداء الحول من يوم كماله.
стр. 330
قال النووي: مذهبنا، ومذهب مالك، وأحمد، والجمهور: أنه يشترط في المال الذي يجب الزكاة في عينه - ويعتبر فيه الحول، كالذهب، والفضة والماشية - وجود النصاب في جميع الحول، فإن نقص النصاب في لحظة من الحول انقطع الحول. فإن كمل بعد ذلك استؤنف الحول من حين يكمل النصاب.
وقال أبو حنيفة: المعتبر وجود النصاب في أول الحول وآخره، ولا يضر نقصه بينهما، حتى لو كان معه مائتا درهم، فتلفت كلها في أثناء الحول إلا درهما، أو أربعون شاة، فتلفت في أثناء الحول إلا شاة، ثم ملك في آخر الحول تمام المائتين وتمام الاربعين، وجبت الزكاة الجميع (١) .
وهذا الشرط لا يتناول زكاة الزروع والثمار فإنها تجب يوم الحصاد قال الله تعالى (وآتوا حقه يوم حصاده (٢)) .
وقال العبدري: أموال الزكاة ضربان، أحدهما ما هو نماء في نفسه،
كالحبوب، والثمار، فهذا تجب الزكاة فيه، لوجوده.
والثاني ما يرصد للنماء كالدراهم، والدنانير، وعروض التجارة، والماشية، فهذا يعتبر فيه الحول، فلا زكاة في نصابه حتى يحول عليه الحول، وبه قال الفقهاء كافة، انتهى، من المجموع للنووي.
(٦) الزكاة في مال الصبي والمجنون: يجب على ولي الصبي والمجنون أن يؤدي الزكاة عنهما من مالهما، إذا بلغ نصابا.
فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله ﷺ قال: (من ولي يتيما له مال فليتجر له ولا يتركه حتى تأكله الصدقة (٣)) وإسناده ضعيف، قال الحافظ: وله شاهد مرسل عند الشافعي. وأكده الشافعي بعموم الاحاديث الصحيحة في إيجاب الزكاة مطلقا.
وكانت عائشة ﵂ تخرج زكاة أيتام كانوا في حجرها.
стр. 331
قال الترمذي: اختلف أهل العلم في هذا: فرأى غير واحد من أصحاب النبي ﷺ في مال اليتيم زكاة، منهم عمر، وعلي، وعائشة، وابن عمر، وبه يقول مالك، والشافعي وأحمد، وإسحق.
وقالت طائفة: ليس في مال اليتيم زكاة، وبه يقول سفيان وابن المبارك.
(٧) المالك المدين: من كان في يده مال تجب الزكاة فيه - وهو مدين أخرج منه ما يفي بدينه
وزكى الباقي، إن بلغ نصابا، وإن لم يبلغ النصاب فلا زكاة فيه، لانه في هذه الحالة فقير والرسول ﷺ يقول: (لا صدقة إلا عن ظهر غني) رواه أحمد. وذكره البخاري معلقا.
وقال الرسول ﷺ : (تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم) . ويستوي في ذلك الدين الذي عليه لله، أو للعباد، ففي الحديث: (فدين الله أحق بالقضاء) وسيأتي.
(٨) من مات وعليه الزكاة: من مات وعليه الزكاة، فإنها تجب في ماله (١) وتقدم على الغرماء (٢) والوصية والورثة، لقول الله تعالى في المواريث: (من بعد وصية يوصي بها أو دين) والزكاة دين قائم لله تعالى.
فعن ابن عباس ﵄: أن رجلا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: إن أمي ماتت وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ فقال (لو كان على أمك دين أكنت قاضيه عنها؟!) قال: نعم. قال: (فدين الله أحق أن يقضى) . رواه الشيخان.
(٩) شرط النية في أداء الزكاة: الزكاة عبادة، فيشترط لصحتها النية، وذلك أن يقصد المزكي عند أدائها
стр. 332
وجه الله، ويطلب بها ثوابه ويجزم بقلبه أنها الزكاة المفروضة عليه. قال الله تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) .
وفي الصحيح: أن النبي ﷺ قال: (إنما الاعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) . واشترط مالك والشافعي: النية عند الاداء. وعند أبي حنيفة: أن النية تجب عند الاداء أو عند عزل الواجب. وجوز أحمد تقديمها على الاداء زمنا يسيرا.
(١٠) أداؤها وقت الوجوب: يجب إخراج الزكاة فورا عند وجوبها، ويحرم تأخير أدائها عن وقت الوجوب، إلا إذا لم يتمكن من أدائها فيجوز له التأخير حتى يتمكن.
لما رواه أحمد والبخاري عن عقبة بن الحارث قال: صليت مع رسول الله ﷺ العصر، فلما سلم، قام سريعا فدخل على بعض نسائه. ثم خرج، ورأى ما في وجوه القوم من تعاجبهم لسرعته، قال: (ذكرت وأنا في الصلاة تبرأ (١) عندنا، فكرهت أن يمسى أو يبيت عندنا، فأمرت بقسمته) (٢) .
وروى الشافعي، والبخاري في التاريخ عن عائشة، أن النبي ﷺ قال: (ما خالطت الصدقة مالا قط إلا أهلكته) .
رواه الحميدي وزاد، قال: (يكون قد وجب عليك في مالك صدقة فلا تخرجها، فيهلك الحرام الحلال) .
(١١) التعجيل بأدائها: يجوز تعجيل الزكاة وأداؤها قبل الحول ولو لعامين.
فعن الزهري: أنه كان لا يرى بأسا أن يعجل زكاته قبل الحول.
وسئل الحسن عن رجل أخرج ثلاث سنين، يجزيه؟ قال: يجزيه.
стр. 333
قال الشوكاني: وإلى ذلك ذهب الشافعي وأحمد وأبو حنيفة وبه قال الهادي، والقاسم، قال المؤيد بالله: وهو أفضل.
وقال مالك، وربيعة، وسفيان الثوري، وداود، وأبو عبيد بن الحارث، ومن أهل البيت، الناصر: إنه لا يجزئ حتى يحول الحول.
واستدلوا بالاحاديث التي فيها تعلق الوجوب بالحول وقد تقدمت، وتسليم ذلك لا يضر من قال بصحة التعجيل لان الوجوب متعلق بالحول فلا نزاع، وإنما النزاع في الاجزاء قبله. انتهى.
قال ابن رشد: وسبب الخلاف، هل هي عبادة أو حق واجب للمساكين؟ فمن قال: إنها عبادة، وشبهها بالصلاة، لم يجز إخراجها قبل الوقت، ومن شبهها بالحقوق الواجبة المؤجلة، أجاز إخراجها قبل الاجل على جهة التطوع.
وقد احتج الشافعي لرأيه بحديث علي ﵁: أن النبي صلى الله عليه ومسلم استسلف صدقة العباس قبل محلها، انتهى.
(١٢) الدعاء للمزكي: يستحب الدعاء للمزكي عند أخذ الزكاة منه.
لقول الله تعالى: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل (١) عليهم إن صلاتك سكن لهم) .
وعن عبد الله بن أبي أوفى أن رسول الله ﷺ كان إذا أتي بصدقة قال: (اللهم صل عليهم) .
وأن أبي أتاه بصدقة فقال (اللهم صل على آل أبي أوفى) . رواه أحمد وغيره.
وروى النسائي عن وائل بن حجر قال، قال رسول الله ﷺ في رجل بعث بناقة حسنة في الزكاة -: (اللهم بارك فيه وفي إبله) .
قال الشافعي: السنة للامام - إذا أخذ الصدقة - أن يدعو للمتصدق، ويقول: آجرك الله فيما أعطيت، وبارك لك فيما أبقيت.
стр. 334
الاموال التي تجب فيها الزكاة أوجب الاسلام الزكاة في الذهب، والفضة، والزروع، والثمار وعروض التجارة.
والسوائم، والمعدن، والركاز.
زكاة النقدين:
الذهب، والفضة وجوبها:
جاء في زكاة الذهب والفضة، قول الله تعالى: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم، يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباهم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لانفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون) .
والزكاة واجبة فيهما، سواء أكانا نقودا، أم سبائك، أم تبرأ، متى بلغ مقدار المملوك من كل منهما نصابا، وحال عليه الحول، وكان فارغا عن الدين، والحاجات الاصلية.
نصاب الذهب ومقدار الواجب:
لا شئ في الذهب حتى يبلغ عشرين دينارا، فإذا بلغ عشرين دينارا، وحال عليها الحول، ففيها ربع العشر، أو نصف دينار، وما زاد على العشرين دينارا يؤخذ ربع عشره كذلك، فعن علي ﵁: أن النبي صلى الله
عليه وسلم قال: (ليس عليك شئ - يعني في الذهب - حتى يكون لك عشرون دينارا، فإذا كانت لك عشرون دينارا وحال عليها الحول، ففيها نصف دينار.
فما زاد فبحساب ذلك، وليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول.
) رواه أحمد، وأبو داود، والبيهقي، وصححه البخاري، وحسنه الحافظ.
وعن زريق مولى بني فزارة: أن عمر بن عبد العزز كتب إليه - حين استخلف -: خذ ممن مر بك من تجار المسلمين - فيما يديرون من أموالهم - من كل أربعين دينارا: دينارا، فما نقص فبحساب ما نقص حتى يبلغ عشرين، فإن نقصت ثلث دينار فدعها، لا تأخذ منها شيئا، واكتب لهم براءة بما تأخذ
стр. 335
منهم، إلى مثلها من الحول، رواه ابن أبي شيبة.
قال مالك في الموطأ: السنة التي لا اختلاف فيها عندنا أن الزكاة تجب في عشرين دينارا كما تجب في مائتي درهم.
والعشرون دينارا تساوي ٢٨ درهما وزنا بالدرهم المصري.
نصاب الفضة ومقدار الواجب: وأما الفضة، فلا شئ فيها حتى تبلغ مائتي درهم، فإذا بلغت مائتي درهم ففيها ربع العشر، وما زاد فبحسابه، قل أم كثر، فإنه لا عفو في زكاة النقد بعد بلوغ النصاب.
فعن علي ﵁، أن النبي ﷺ قال: (قد عفوت لكم عن الخيل والرقيق، فهاتوا صدقة الرقة (الفضة) من كل أربعين درهما: درهم، وليس في تسعين ومائة شئ، فإذا بلغت مائتين ففيها خمسة دراهم.) رواه أصحاب السنن.
قال الترمذي: سألت البخاري عن هذا الحديث فقال: صحيح.
قال: والعمل عند أهل العلم، ليس فيما دون خمسة أوراق صدقة، والاوقية أربعون درهما، وخمس أوراق مائتا درهم.
والمائتا درهم ٩ / ٢٧ ٧ ريالا و ٥ / ٥٥٥ قرشا مصريا.
ضم النقدين:
من ملك من الذهب أقل من نصاب، ومن الفضة كذلك لا يضم أحدهما إلى الاخر، ليكمل منهما نصابا، لانهما جنسان: لا يضم أحدهما إلى الثاني، كالحال في البقر والغنم، فلو كان في يده ١٩٩ درهما وتسعة عشر دينارا، لا زكاة عليه.
زكاة الدين: للدين حالتان:
١ - الدين إما أن يكون على معترف به، باذل له، وللعلماء في ذلك عدة آراء:
стр. 336
(الرأي الاول) أن على صاحبه زكاته، إلا أنه لا يلزمه إخراجها حتى يقبضه فيؤدي لما مضى، وهذا مذهب علي، والثوري، وأبي ثور، والاحناف والحنابلة.
(الرأي الثاني) أنه يلزمه إخراج الزكاة في الحال، وإن لم يقبضه، لانه قادر على أخذه والتصرف فيه، فلزمه إخراج زكاته كالوديعة، وهذا مذهب عثمان، وابن عمر، وجابر، وطاووس، والنخعي، والحسن، والزهري، وقتادة، والشافعي.
(الرأي الثالث) أنه لا زكاة فيه، لانه غير نام فلم تجب زكاته، كعروض القنية، وهذا مذهب عكرمة، ويروى عن عائشة، وابن عمر.
(الرأي الرابع) أنه يزكيه إذا قبضه لسنة واحدة.
وهذا مذهب سعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح.
٢ - وإما أن يكون الدين على معسر، أو جاحد، أو مماطل به.
فإن كان كذلك، فقيل: إنه لا تجب فيه الزكاة وهذا قول قتادة، وإسحاق وأبي ثور، والحنفية، لانه غير مقدور على الانتقاع به.
وقيل: يزكيه إذا قبضه لما مضى.
وهو قول الثوري وأبي عبيد، لانه مملوك يجوز التصرف فيه، فوجبت زكاته لما مضى كالدين على الملئ، وروي عن الشافعي الرأيان.
وعن عمر بن عبد العزيز، والحسن، والليث، والاوزاعي، ومالك: يزكيه إذا قبضه، لعام واحد.
زكاة أوراق البنكنوت والسندات: أوراق البنكنوت والسندات: هي وثائق بديون مضمونة تجب فيها الزكاة، إذا بلغت أول النصاب ٢٧ ريالا مصريا لانه يمكن دفع قيمتها فضة فورا.
زكاة الحلى:
اتفق العلماء على أنه لا زكاة في الماس، والدر، والياقوت، واللؤلؤ،
стр. 337
والمرجان، والزبرجد، ونحو ذلك من الاحجار الكريمة إلا إذا اتخذت للتجارة ففيها زكاة.
واختلفوا في حلي المرأة، من الذهب والفضة.
فذهب إلى وجوب الزكاة فيه، أبو حنيفة، وابن حزم، إذا بلغ نصابا، استدلالا بما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: أتت النبي ﷺ امرأتان في أيديهما أساور من ذهب: فقال لهما رسول الله ﷺ : (أتحبان أن يسوركما (١) الله يوم القيامة أساور من نار؟) قالتا: لا، قال: (فأديا حق (٢) هذا الذي في أيديكما) .
وعن أسماء بنت يزيد قالت: دخلت أنا وخالتي على النبي ﷺ ، وعلينا أسورة من ذهب، فقال لنا: (أتعطيان زكاته؟) قالت: فقلنا: لا. قال: (أما تخافان أن يسور كما الله أسورة من نار؟ أديا زكاته) قال الهيثمي رواه أحمد وإسناده حسن.
وعن عائشة قالت: دخل علي رسول الله ﷺ فرأى في يدي فتخات (٣) من ورق (٤) ، فقال لي: ما (هذا يا عائشة؟) فقلت: صنعتهن أتزين لك يا رسول الله؟ فقال: (اتؤدين زكاتهن؟) قلت: لا، أو ما شاء الله، قال: (هو حسبك من النار) (٥) رواه أبو داود، والدارقطني، والبيهقي وذهب الائمة الثلاثة إلى أنه لا زكاة في حلى المرأة، بالغا ما بلغ.
فقد روى البيهقي أن جابر بن عبد الله سئل عن الحلي: أفيه زكاة؟ قال جابر: لا. فقيل: وإن كان يبلغ ألف دينار؟ فقال جابر: أكثر.
وروى البيهقي: أن أسماء بنت أبي بكر كانت تحلي بناتها بالذهب، ولا تزكيه، نحوا من خمسين ألفا.
وفي الموطأ، عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه: أن عائشة كانت تلي بنات أخيها، يتامى في حجرها، لهن الحلي فلا تخرج من حليهن الزكاة،
стр. 338
وفيه أن عبد الله بن عمر كان يحلي بناته وجواريه الذهب ثم لا يخرج من حليهن الزكاة.
قال الخطابي: الظاهر من الكتاب (١) يشهد لقول من أوجبها، والاثر يؤيده، ومن أسقطها ذهب الى النظر، ومعه طرف من الاثر.
والاحتياط أداؤها. هـ
ذا الخلاف بالنسبة للحلي المباح، فإذا اتخذت المرأة حليا ليس لها اتخاذه - كما إذا اتخذت حلية الرجل، كحلية السيف - فهو محرم، وعليها الزكاة، وكذا الحكم في اتخاذ أواني الذهب والفضة.
زكاة صدقة المرأة:
ذهب أبو حنيفة إلى أن صداق المرأة لا زكاة فيه، إلا إذا قبضته، لانه بدل عما ليس بمال، فلا تجب فيه الزكاة قبل القبض، كدين الكتابة.
ويشترط بعد قبضه أن يبلغ نصابا، ويحول عليه الحول، إلا إذا كان عنها نصاب آخر سوى المهر، فإنها إذا قبضت من الصداق شيئا ضمته إلى النصاب، وزكته بحوله.
وذهب الشافعي إلى أن المرأة يلزمها زكاة الصداق، إذا حال عليه الحول، ويلزمها الاخراج عن جميعه آخر الحول، وإن كان قبل الدخول ولا يؤثر كونه معرضا للسقوط بالفسخ، بردة أو غيرها، أو نصفه بالطلاق.
وعند الحنابلة: أن الصداق في الذمة دين للمرأة، حكمه حكم الديون عندهم، فإن كان على ملئ (٢) به فالزكاة واجبة فيه، إذا قبضته أدت لما مضى، وإن كان على معسر أو جاحد، فاختيار الخرقي وجوب الزكاة فيه.
ولا فرق بين ما قبل الدخول أو بعده.
فإن سقط نصفه بطلاق المرأة قبل الدخول، وأخذت النصف، فعليها زكاة ما قبضته، دون ما لم تقبضه.
وكذلك لو سقط كل الصداق قبل قبضه، لانفساخ النكاح بأمر من جهتها، فليس عليها زكاته.
стр. 339
زكاة أجرة الدور المؤجرة: ذهب أبو حنيفة ومالك، إلى أن المؤجر لا يستحق الاجرة بالعقد، وإنما يستحقها بانقضاء مدة الاجارة.
وبناء على هذا، فمن أجر دارا لا تجب عليه زكاة أجرتها حتى يقبضها، ويحول عليها الحول، وتبلغ نصابا.
وذهبت الحنابلة إلى أن المؤجر يملك الاجرة من حين العقد، وبناء عليه، فإن من أجر داره تجب الزكاة في أجرتها إذا بلغت نصابا وحال عليها الحول، فإن المؤجر يملك التصرف في الاجرة بأنواع التصرفات، وكون الاجارة عرضة للفسخ لا يمنع وجوب الزكاة، كالصداق قبل الدخول، ثم إن كان قد قبض الاجرة أخرج الزكاة منها، وإن كانت دينا فهي كالدين، معجلا كان أو مؤجلا (١) .
وفي المجموع للنووي: وأما إذا أجر داره أو غيرها بأجرة حالة، وقبضها، فيجب عليه زكاتها بلا خلاف.
زكاة التجارة:
حكمها:
ذهب جماهير العلماء من الصحابة، والتابعين ومن بعدهم من الفقهاء إلى وجوب الزكاة في عروض (٢) التجارة.
لما رواه أبو داود البيهقي عن سمرة بن جندب قال: أما بعد، فإن النبي ﷺ كان يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي نعده للبيع.
وروى الدارقطني والبيهقي عن أبي ذر: أن النبي ﷺ قال: (في الابل صدقتها، وفي الغنم صدقتها وفي البقر صدقتها، وفي البز (٣) صدقته) وروى الشافعي، وأحمد وأبو عبيد، والدارقطني والبيهقي وعبد الرزاق
стр. 340
عن أبي عمرو بن حماس عن أبيه قال: كنت أبيع الادم والجعاب (١) فمر بي عمر بن الخطاب ﵁ فقال: أد صدقه مالك، فقلت يا أمير المؤمنين، إنما هو الادم.
قال: قومه، ثم أخرج صدقته.
قال في المغني وهذه قصة يشتهر مثلها، ولم تنكر، فيكون إجماعا.
وقالت الظاهرية: لا زكاة في مال التجارة.
قال ابن رشد: والسبب في اختلافهم في وجوب الزكاة بالقياس.
واختلافهم في تصحيح حديث سمرة، وحديث أبي ذر.
أما القياس الذي اعتمده الجمهور، فهو أن العروض المتخذة للتجارة مال مقصود به التنمية، فأشبه الاجناس الثلاثة التي فيها الزكاة باتفاق - أعني الحرث، والماشية، والذهب، والفضة.
وفي المنار: جمهور علماء الملة يقولون بوجوب زكاة عروض التجارة، وليس فيها نص قطعي من الكتاب أو السنة وإنما ورد فيها روايات، يقوي بعضها بعضا، مع الاعتبار المستند إلى النصوص، وهو أن عروض التجارة المتداولة للاستغلال نقود، لا فرق بينها وبين الدراهم والدنانير التي هي أثمانها إلا في كون النصاب يتقلب ويتردد بين الثمن وهو النقد، والمثمن وهو العروض، فلو لم تجب الزكاة في التجارة لامكن لجميع الاغنياء، أو أكثرهم أن يتجروا بنقودهم، ويتحروا أن لا يحول على نصاب من النقدين أبدا، وبذلك تبطل الزكاة فيهما عندهم.
ورأس الاعتبار في المسألة: أن الله تعالى فرض في أموال الاغنياء صدقة لمواساة الفقراء ومن في معناهم، وإقامة المصالح العامة، وأن الفائدة في ذلك للاغنياء، تطهير أنفسهم من رذيلة البخل، وتزكيتها بفضائل الرحمة بالفقراء وسائر أصناف المستحقين، ومساعدة الدولة والامة في إقامة المصالح العامة، والفائدة للفقراء وغيرهم، إعانتهم على نوائب الدهر، مع ما في ذلك من سد ذريعة المفاسد، في تضخم الاموال، وحصرها في أناس معدودين، وهو المشار إليه بقوله تعالى في حكمة قسمة الفئ (كي لا يكون دولة بين
стр. 341
الاغنياء منكم) فهل يعقل أن يخرج من هذه المقاصد الشرعية كلها، التجار الذين ربما تكون معظم ثروة الامة في أيديهم؟ متى تصير العروض للتجارة؟: قال صاحب المغني (١) : (ولا يصير العرض للتجارة، إلا بشرطين: الاول: أن يملكهب فعله كالبيع، والنكاح، والخلع، وقبول الهبة، والوصية، والغنيمة، واكتساب المباحات، لان ما لا يثبت له حكم الزكاة بدخوله في ملكه، لا يثبت بمجرد النية، كالصوم، ولا فرق بين أن يملكه بعوض أم بغير عوض، لانه ملكه بفعله، فأشبه الموروث.
والثاني: أن ينوي عند تملكه، أنه للتجارة، فإن لم ينو عند تملكه أنه للتجارة لم يصر للتجارة، وإن نواه بعد ذلك.
وإن ملكه بإرث، وقصد أنه للتجارة، لم يصر للتجارة، لان الاصل القنية، والتجارة عارض، فلا يصير إليها بمجرد النية، كما لو نوى الحاضر السفر، لم يثبت له حكم السفر بدون الفعل، وإن اشترى عرضا للتجارة فنوى به الاقتناء صار للقنية، وسقطت الزكاة منه.
كيفية تزكية مال التجارة:
من ملك من عروض التجارة قدر نصاب، وحال عليه الحول قومه آخر الحول، وأخرج زكاته، وهو ربع عشر قيمته.
وهكذا يفعل التاجر في تجارته كل حول، ولا ينعقد الحول حتى يكون القدر الذي يملكه نصابا (٢) ، فلو ملك عرضا، قيمته دون النصاب، فمضى جزء من الحول، وهو كذلك، ثم زادت قيمة النماء به، أو تغيرت الاسعار، فبلغ نصابا، أو باعه بنصاب، أو ملك في أثناء الحول عرضا آخر، أو أثمانا، تم بها النصاب، ابتدأ الحول من حينئذ ولا يحتسب بما مضى.
стр. 342
وهذا قول الثوري والاحناف، والشافعي، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي ثور، وابن المنذر.
ثم إذا نقص النصاب أثناء الحول، وكمل في طرفيه، لا ينقطع الحول عند أبي حنيفة، لانه يحتاج إلى أن تعرف قيمته في كل وقت، ليعلم أن قيمته فيه تبلغ نصابا، وذلك يشق.
وعند الحنابلة: أنه إذا نقص أثناء الحول، ثم زاد حتى بلغا نصابا، استأنف الحول عليه، لكونه انقطع بنقصه في أثنائه.
زكاة الزروع والثمار
وجوبها: أوجب الله تعالى زكاة الزروع والثمار فقال: (يأيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الارض) والزكاة تسمى نفقة، قال تعالى: (وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره إذا أمثر وءاتوا حقه يوم حصاده) .
قال ابن عباس: حقه، الزكاة المفروضة.
وقال: العشر، ونصف العشر.
الاصناف التي كانت تؤخذ منها الزكاة على عهد الرسول:
وقد كانت الزكاة على عهد رسول الله ﷺ تؤخذ من الحنطة والشعير والتمر والزبيب.
فعن أبي بردة عن أبي موسى ومعاذ ﵄، أن رسول الله ﷺ بعثهما إلى اليمن يعلمان الناس أمر دينهم، فأمرهم أن لا يأخذوا الصدقة إلا من هذه الاربعة: الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب.
стр. 343
رواه الدارقطني، والحاكم، والطبراني، والبيهقي، وقال: رواته ثقات وهو متصل.
قال ابن المنذر وابن عبد البر: وأجمع العلماء: على أن الصدقة واجبة في الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب.
وجاء في رواية ابن ماجه: أن رسول الله ﷺ إنما سن الزكاة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب والذرة.
وفي إسناد هذه الرواية، محمد بن عبيد الله العرزمي وهو متروك..الاصناف التي لم تكن تؤخذ منها: ولم تكن تؤخذ الزكاة من الخضروات، ولا من غيرها من الفواكه إلا العنب والرطب.
فعن عطاء بن السائب: ان عبد الله بن المغيرة أراد أن يأخذ صدقة من أرض موسى بن طلحة من الخضروات فقال له موسى بن طلحة: ليس لك ذلك، إن رسول الله ﷺ كان يقول: (ليس في ذلك صدقة) .
رواه الدارقطني، والحاكم، والاثرم في سننه.
وهو مرسل قوي.
وقال موسى بن طلحة: جاء الاثر عن رسول الله ﷺ في خمسة أشياء: الشعير، والحنطة، والسلت (١) والزبيب، والتمر، وما سوى ذلك مما أخرجت الارض فلا عشر فيه.
وقال: إن معاذا لم يأخذ من الخضر صدقة.
قال البيهقي: هذه الاحاديث كلها مراسيل، إلا أنها من طرق مختلفة، فيؤكد بعضها بعضا، ومعها من أقوال الصحابة عمر وعلي وعائشة.
وروى الاثرم: أن عامل عمر كتب إليه في كروم فيها من الفرسك (٢) والرمان ما هو أكثر غلة من الكروم أضعافا؟ فكتب إليه: إنه ليس عليها عشر، هي من العضاه.
قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل (٣) العلم: أنه ليس في الخضروات صدقة.
وقال القرطبي: إن الزكاة تتعلق بالمقتات، دون الخضروات وقد
стр. 344
كان بالطائف الرمان والفرسك والاترج فما ثبت أن النبي ﷺ أخذ منها زكاة، ولا أحد من خلفائه.
قال ابن القيم: ولم يكن من هديه أخذ الزكاة من الخيل والرقيق، ولا البغال، ولا الحمير، ولا الخضروات، ولا الاباطخ والمقاتي، والفواكه التي لا تكال ولا تدخر إلا العنب والرطب فإنه يأخذ الزكاة منه جملة، ولم يفرق بين ما يبس وما لم ييبس.
رأي الفقهاء: لم يختلف أحد من العلماء في وجوب الزكاة في الزروع والثمار، وإنما اختلفوا في الاصناف التي تجب فيها، إلى عدة آراء نجملها فيما يلي:
١ - رأي الحسن البصري والشعبي أنه لا زكاة إلا في المنصوص عليه، وهو الحنطة، والشعير والذرة، والتمر، والزبيب.
لان ما عداه لا نص فيه، واعتبر الشوكاني هذا، المذهب الحق.
٢ - رأي أبي حنيفة: أن الزكاة واجبة في كل ما انبته الارض، لا فرق بين الخضروات وغيرها، واشترط أن يقصد بزراعته استغلال الارض ونماؤها عادة، واستثنى الحطب، والقصب الفارسي (١) والحشيش، والشجر الذي لا ثمر له. واستدل لذلك بعموم قوله ﷺ . (فيما سقت السماء العشر) وهذا عام يتناول جميع أفراده، ولانه يقصد بزراعته نماء الارض فأشبه الحب.
٣ - رأي أبي يوسف ومحمد: أن الزكاة واجبة في الخارج من الارض، بشرط أن يبقى سنة بلا علاج كثير، سواء أكان مكيلا كالحبوب، أو موزونا كالقطن والسكر.
فإن كان لا يبقى سنة، كالقثاء والخيار، والبطيخ، والشمام ونحوها من الخضروات والفواكه، فلا زكاة فيه.
стр. 345
٤ - مذهب مالك: أنه يشترط فيما يخرج من الارض أن يكون مما يبقي وييبس ويستنيته بنو آدم، سواء أكان مقاتا كالقمح والشعير، أو غير مقتات، كالقرطم والسمسم، ولا زكاة عنده في الخضروات والفواكه، كالتين، والرمان والتفاح.
٥ - وذهب الشافعي: إلى وجوب الزكاة فيما تخرجه الارض.
بشرط أن يكون مما يقتات ويدخر، ويستنبته الادميون، كالقمح والشعير.
قال النووي: مذهبنا: أنه زكاة في غير النخل والعنب من الاشجار. ولا في شئ من الحبوب إلا فيما يقتات ويدخر، ولا زكاة في الخضروات.
وذهب أحمد: إلى وجوب الزكاة في كل ما أخرجه الله من الارض، من الحبوب، والثمار، مما ييبس، ويبقى، ويكال ويستنبته الادميون في أراضيهم (١) سواء أكان قوتا: كالحنطة، أو من القطنيات (٢) ، أو من الاباريز، كالكسبرة: والكراويا، أو من البذور: كبذر الكتان، والقثاء، والخيار، أو حب البقول: كالقرطم والسمسم.
وتجب عنده أيضا، فيما جمع هذه الاوصاف من الثمار اليابسة كالتمر، والزبيب، والمشمش، والتين واللوز والبندق والفستق.
ولا زكاة عنده في سائر الفواكه كالخوخ، والكمثرى والتفاح، والمشمش والتين، اللذين لا يجففان ولا في الخضروات كالقثاء،
والخيار، والبطيخ، والباذنجان واللفت والجزر.
زكاة الزيتون:
قال النووي: وأما الزيتون، فالصحيح عندنا أنه لا زكاة فيه: وبه قال الحسن بن صالح، وابن أبي ليلى، وأبو عبيد.
وقال الزهري والاوزاعي، والليث، ومالك، والثوري، وأبو حنيفة
стр. 346
وأبو ثور: فيه الزكاة.
قال الزهري، والليث، والاوزاعي: يخرص فتؤخذ زكاته زيتا.
وقال مالك: لا يخرص، بل يؤخذ العشر بعد عصره وبلوغه خمسة أوسق. انتهى.
سبب الخلاف ومنشؤه:
قال ابن رشد: وسبب الخلاف: أما بين من قصر الزكاة على الاصناف المجمع عليها، وبين من عداها إلى المدخر المقتات، فهو اختلافهم في تعلق الزكاة بهذه الاصناف الاربعة، هل هو لعينها، أو لعلة فيها، وهي الاقتيات؟ فمن قال: لعينها، قصر الوجوب عليها.
ومن قال: لعلة الاقتيات، عدى الوجوب لجميع المقتات.
وسبب الخلاف بين من قصر الوجوب على المقتات، وبين من عداه إلى جميع ما تخرجه الارض - إلا ما وقع عليه الاجماع من الحشيش، والحطب، والقصب - معارضة القياس لعموم اللفظ: أما اللفظ الذي يقتضي العموم، فهو قوله ﵊: (فيما سقت السماء العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر) و (ما) بمعنى الذي، و (الذي) من الفاظ العموم.
وقوله تعالى: (وهو الذي أنشأ جنات معروشات) الاية إلى قوله: (وآتوا حقه يوم حصاده) .
وأما القياس فهو أن الزكاة إنما المقصود بن سد الحلة، وذلك لا يكون غالبا إلا فيما هو قوت.
فمن خصص العموم بهذا القياس، أسقط الزكاة مما عدا المقتات.
ومن غلب العموم، أوجبها فيما عدا ذلك، إلا ما أخرجه الاجماع.
والذين اتفقوا على المقتات، اختلفوا في اشياء، من قبل اختلافهم فيها، هل هي مقتاتة أم ليست بمقتاتة، وهل يقاس على ما اتفق عليه أو ليس يقاس؟ مثل اختلاف مالك، والشافعي، في الزيتون، فإن مالكا ذهب إلى وجوب الزكاة فيه ومنع الشافعي ذلك في قوله الاخير بمصر.
стр. 347
وسبب اختلافهم، هل هو قوت، أو ليس بقوت.
نصاب زكاة الزروع والثمار:
ذهب أكثر أهل العلم إلى أن الزكاة لا تجب في شئ من الزروع والثمار، حتى تبلغ خمسة أوسق بعد تصفيتها من التبن والقشر، فإن لم تصف، بأن تركت في قشرها (١) فيشترط أن تبلغ عشرة أوسق.
١ - فعن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) .
رواه أحمد، والبيهقي بسند جيد.
٢ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ليس فيما دون خمسة أوسق من تمر ولا حب صدقة) .
والوسق، ستون صاعا بالاجماع، وقد جاء ذلك في حديث أبي سعيد، وهو حديث منقطع.
وذهب أبو حنيفة ومجاهد إلى وجوب الزكاة في القليل والكثير، لعموم قوله ﷺ : (فيما سقت السماء العشر) ، ولانه لا يعتبر له حول، فلا يعتبر له نصاب.
قال ابن القيم - مناقشا هذا الرأى - وقد وردت السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في تقدير نصاب المعشرات بخمسة أوسق، بالمتشابه من قوله: (فيما سقت السماء العشر وما سقي بنضح أو غرب فنصف العشر) .
قالوا وهذا يعم القليل والكثير وقد عارضه الخاص، ودلالة العام قطعية كالخاص وإذا تعارضا قدم الاحوط، وهو الوجوب.
فيقال: يجب العمل بكلا الحديثين، ولا يجوز معارضة أحدهما بالاخر، وإلغاء أحدهما بالكلية، فإن طاعة الرسول ﷺ فرض في هذا، وفي هذا، ولا تعارض بينهما - بحمد الله تعالى - بوجه من الوجوه فإن قوله (فيما سقت السماء العشر) إنما أريد به التمييز، بين ما يجب فيه العشر، وما يجب فيه نصفه، فذكر النوعين، مفرقا بينهما في مقدار الواجب.
وأما
стр. 348
مقدار النصاب فسكت عنه في هذا الحديث، وبينه نصا في الحديث الاخر، فكيف يجوز العدول عن النص الصحيح الصريح المحكم الذي لا يحتمل غير ما أول عليه ألبتة، إلى المجمل المتشابه، الذي غايته أن يتعلق فيه بعموم لم يقصدوا بيانه بالخاص المحكم المبين كبيان سائر العمومات بما يخصصها من النصوصين؟ اه
وقال ابن قدامة: قول النبي ﷺ : (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) متفق عليه: هذا خاص يجب تقديمه وتخصيص عموم ما رووه به كما خصصنا قوله: (في كل سائمة من الابل الزكاة) بقوله: (ليس فيما دون خمس ذود صدقة) وقوله: (في الرقة ربع العشر) بقوله: (ليس فيما دون خمس أواق صدقة) ولانه مال تجب فيه الصدقة، فلم تجب في يسيره، كسائر الاموال الزكوية. وانما لم يعتبر الحول، لانه يكمل نماؤه باستحصاده، لا ببقائه. واعتبر الحول في غيره، لانه مظنة لكمال النماء في سائر الاموال. والنصاب اعتبر ليبلغ حدا يحتمل المواساة منه، فلهذا اعتبر فيه.
يحققه: أن الصدقة إنما تجب على الاغنياء ولا يحصل الغني بدون النصاب، كسائر الاموال الزكوية.
هذا، والصاع قدح وثلث.
فيكون النصاب خمسين كيلة فإن كان الخارج لا يكال، فقد قال ابن قدامة: (ونصاب الزعفران والقطن، وما ألحق بهما من الموزونات، ألف وستمائة رطل بالعراقي، فيقوم وزنه مقامه. (١)
قال أبو يوسف: إن كان الخارج مما لا يكال، لا تجب فيه الزكاة إلا إن بلغ قيمة نصاب من أدنى ما يكال.
فلا تجب الزكاة في القطن إلا إذا بلغت قيمته خمسة أوسق، من أقل ما يكال، كالشعير ونحوه.
لانه لا يمكن اعتباره بنفسه، فاعتبر بغيره، كالعروض يقوم بأدنى النصابين من الاثمان.
стр. 349
وقال محمد: يلزم أن يبلغ خمسة أمثال من أعلى ما يقدر به نوعه، ففي القطن لا تجب فيه الزكاة إن بلغ خمسة قناطير، لان التقدير بالوسق فيما يوسق كان باعتبار أنه أعلى ما يقدر به نوعه.
مقدار الواجب: يختلف القدر الذي يجب إخراجه، باختلاف السقي: فما سقي بدون استعمال آلة - بأن سقي بالراحة - ففيه عشر الخارج، فإن سقي بآلة أو بماء مشترى، ففيه نصف العشر.
١ - فعن معاذ ﵁ أن النبي ﷺ قال: (فيما سقت السماء والبعل (١) ، والسيل العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر) رواه البيهقي، والحاكم، وصححه.
٢ - وعن ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال: (فيما سقت السماء والعيون، أو كان عشريا العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر) رواه البخاري، وغيره.
فإن كان يسقى تارة بآلة، وتارة بدونها، فإن كان ذلك على جهة الاستواء ففيه ثلاثة أرباع العشر.
قال ابن قدامة: لا نعلم فيه خلافا، وإن كان أحدهما أكثر كان حكم الاقل تابعا للاكثر، عند أبي حنيفة، وأحمد، والثوري، وأحمد قولي الشافعي.
وتكاليف الزرع من خصاد وحمل ودياسة، وتصفية، وحفظ، وغير ذلك من خالص مال المالك، ولا يحسب منها شئ من مال الزكاة.
ومذهب ابن عباس وابن عمر ﵄ أنه يحسب ما اقترضه من أجل زرعه وثمره.
عن جابر بن زيد: عن ابن عباس وابن عمر ﵄ في الرجل
стр. 350
يستقرض فينفق على ثمرته وعلى أهله - قال: قال ابن عمر: يبدأ بما استقرض فيقضيه ويزكي ما بقي.
قال (١) وقال ابن عباس ﵄: يقضي ما أنفق على الثمرة، ثم يزكي ما بقي (٢) رواه يحيى بن آدم في الخراج.
وذكر ابن حزم عن عطاء: أنه يسقي مما أصاب النفقة فإن بقي مقدار ما فيه الزكاة زكي، وإلا فلا.
الزكاة في الارض الخراجية:
تنقسم الارض إلى:
١ - عشرية (٣) وهي الارض التي أسلم أهلها عليها طوعا، أو فتحت عنوة وقسمت بين الفاتحين، أو التي أحياها المسلمون.
٢ - وخراجية، وهي الارض التي فتحت عنوة، وتركت في أيدي أهلها، نظير خراج معلوم.
والزكاة كما تجب في أرض العشر، تجب كذلك في أرض الخراج، إذا أسلم أهلها، أو اشتراها المسلم، فيجتمع فيها العشر والخراج، ولا يمنع أحدهما وجوب الاخر.
قال ابن المنذر: وهو قول أكثر العلماء.
وممن قال به، عمر بن عبد العزيز، وربيعة، والزهري، ويحيى الانصاري
ومالك، والاوزاعي، والثوري، والحسن بن صالح، وابن أبي ليلى، والليث، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، وداود، واستدلوا على ذلك بالكتاب والسنة، والمعقول - أي القياس -.
أما الكتاب فقول الله تعالى: (يأيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الارض) فأوجب الانفاق من الارض
стр. 351
مطلقا، سواء كانت الارض خراجيه، أو عشرية.
وأما السنة فقوله ﵊: (فيما سقت السماء العشر) وهو عام يتناول العشرية والخراجية.
وأما المعقول، فلان الزاكة والخراج حقان بسببين مختلفين لمستحقين فلم يمنع أحدهما الاخر، كما لو قتل المحرم صيدا مملوكا.
ولان العشر وجب بالنص، فلا يمنعه الخراج الواجب بالاجتهاد.
وذهب أبو حنيفة: إلى أنه لا عشر في أرض الخراجية، وإنما الواجب فيها الخراج فقط كما كانت، وإن من شروط وجوب العشر أن لا تكون الارض خراجية.
أدلة أبي حنيفة ومناقشتها:
استدل الامام أبو حنيفة لمذهبه:
١ - بما رواه ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: (لا يجتمع عشر وخراج في أرض مسلم) .
وهذا الحديث مجمع على ضعفه، انفرد به يحيى بن عنبسة، عن أبي حنيفة، عن حماد عن إبراهيم النخعي عن علقمة، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ .
قال البيهقي في معرفة السنن والاثار: (هذا المذكور إنما يرويه أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم من قوله، فرواه يحيى هكذا مرفوعا.
ويحيى بن عنبسة مكشوف الامر في الضعف لروايته عن الثقات، الموضوعات.
قاله أبو أحمد ابن عدي الحافظ فيما أخبرنا به أبو سعيد الماليني عنه) . وضعفه كذلك الكمال بن الهمام من أئمة الحنفية (١) .
٢ - وربما رواه أحمد ومسلم وأبو داود عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: (منعت العراق قفيزها ودرهمها، ومنعت الشام مديها ودينارها، ومنعت مصر إردبها ودينارها، وعدتم من حيث بدأتم، قالها
стр. 352
ثلاثا، شهد على ذلك لحم أبي هريرة ودمه) (١) .
وليس في هذا الحديث دلالة على عدم أخذ الزكاة من الارض الخراجية، فقد أوله العلماء على معنى أنهم سيسلمون، وتسقط الجزية عنهم.
أو أنه إشارة إلى الفتن التي تقع آخر الزمان، المؤدية إلى منع الحقوق الواجبة عليهم، من زكاة، وجزية، وغيرهما.
قال النووي - عقب التأويلين -: لو كان معنى الحديث ما زعموه، للزم أن لا تجب زكاة الدراهم والدنانير والتجارة، وهذا لا يقول به أحد.
٣ - وروى: (أن دهقان بهر الملك، لما أسلم، قال عمر بن الخطاب: سلموا إليه الارض، وخذوا منه الخراج.
وهذا صريح في الامر بأخذ الخراج، دون الامر بأخذ العشر) .
وهذه القصة يقصد بها أن الخراج لا يسقي بإسلامه، ولا يلزم من ذلك
سقوط العشر، وإنما ذكر الخراج، لانه ربما يتوهم سقوطه بالاسلام كالجزية، وأما العشر، فمعلوم أنه واجب على الحر المسلم فلم يحتج إلى ذكره.
كما أنه لم يذكر أخذ زكاة الماشية منه.
وكذك زكاة النقدين، وغيرها، أؤ لان الدهقان لم يكن له ما يجب فيه العشر.
٤ - (وأن عمل الولاة والائمة على عدم الجمع بين العشر والخراج) .
وهذا ممنوع بما نقله ابن المنذر من أن عمر بن عبد العزيز جمع بينهما.
٥ - (وأن الخراج يباين العشر: فإن الخراج وجب عقوبة بينما العشر وجب عبادة، ولا يمكن اجتماعهما في شخص واحد فيجبا عليه معا.
وهذا صحيح في حالة الابتداء، ممنوع في حالة البقاء وليس كل صور الخراج أساسها العنوة والقهر، بل يكون في بعض صورة مع عدم العنوة، كما في الارض القريبة من أرض الخراج، أو التي أحياها وسقاها بماء الانهار الصغار.
٦ - (أن سبب كل من الخراج والعشر واحد، وهو الارض النامية،
стр. 353
حقيقة، أو حكما، بدليل أنها لو كانت سبخة لا منفعة لها، لا يجب فيها خراج ولا عشر، وإذا كان السبب واحدا، فلا يجتمعان معا في أرض واحدة، لان السبب الواحد لا يتعلق به حقان من نوع واحد، كما إذا ملك نصابا من السائمة للتجارة سنة، فإنه لا يلزمه زكاتان) .
والجواب: أن الامر ليس كذلك، فإن سبب العشر الزرع الخارج من الارض، والخراج يجب على الارض، سواء زرعها أم أهملها.
وعلى تسليم وحدة السببية، فلا مانع من تعلق الوظيفتين بالسبب الواحد، الذي هو الارض.
كما قال الكمال ابن الهمام..يرى جمهور العلماء أن من استأجر أرضا فزرعها فالزكاة عليه، دون مالك الارض.
وقال أبو حنيفة: الزكاة على صاحب الارض.
قال ابن رشد: والسبب في اختلافهم، هل العشر حق الارض أو حق الزرع؟ فلما كان عندهم أنه حق لاحد الامرين، اختلفوا في أيهما أولى أن ينسب إلى موضع الانفاق.
وهو كون الزرع والارض لمالك واحد.
فذهب الجمهور: إلى أنه ما تجب فيه الزكاة، وهو الحب.
وذهب أبو حنيفة: إلى أنه ما هو أصل الوجوب، وهو الارض.
ورجح ابن قدامة رأي الجمهور فقال: (إنه واجب في الزرع، فكان على مالكه، كزكاة القيمة، فيما إذا أعده للتجارة، وكعشر زرعه في ملكه، ولا يصح قولهم: إنه من مؤنة الارض لانه لو كان من مؤنتها، لوجب فيها، وإن لم تزرع، كالخراج، ولوجب على الذمي، كالخراج، ولتقدر بقدر الارض لا بقدر الزرع، ولوجب صرفه إلى مصارف الفئ، دون مصرف الزكاة.
تقدير النصاب في النخيل والاعناب بالخرص (١) دون الكيل:
إذا أزهى النخيل والاعناب، وبدا صلاحها، اعتبر تقدير النصاب فيها
стр. 354
بالخرص دون الكيل، وذلك بأن يحصي الخارص الامين العارف، ما على النخيل، والاعناب، من العنب والرطب، ثم يقدره تمرا وزبيبا، ليعرف مقدار الزكاة فيه، فإذا جفت الثمار أخذ الزكاة التي سبق تقديرها منها.
فعن أبي حميد الساعدي ﵁ قال: غزونا مع النبي ﷺ غزوة تبوك، فلما جاء وادي القرى، إذا امرأة في حديقة لها، فقال النبي ﷺ : (اخرصوا، وخرص رسول الله ﷺ عشرة أوسق، فقال لها: أحصي ما يخرج منها) رواه البخاري.
هذه سنة رسول الله ﷺ ، وعمل أصحابه من بعده وإليه ذهب أكثر أهل العلم (١) .
وخالف في ذلك الاحناف: لان الخرص ظن وتخمين، لا يلزم به حكم.
وسنة رسول الله ﷺ أهدى، فإن الخرص ليس من الظن في شئ، بل هو اجتهاد في معرفة قدر الثمر، كالاجتهاد في تقويم المتلفات.
وسبب الخرص، أن العادة جرت بأكل الثمار رطبا، فكان من الضروري إحصاء الزكاة قبل أن تؤكل وتصرم (٢) ومن أجل أن يتصرف أربابها بما شاءوا، ويضمنوا قدر الزكاة.
وعلى الخارص، أن يترك في الخرص الثلث، أو الربع، توسعة على أرباب الاموال، لانهم يحتاجون إلى الاكل منه، هم وأضيافهم وجيرانهم.
وتنتاب الثمرة النوائب من أكل الطير والمارة وما تسقطه الريح، فلو أحصي الزكاة من الثمر كله، دون استثناء الثلث، أو الربع، لاضر بهم.
فعن سهل بن أبي حثمة، أن النبي ﷺ قال: (إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع (٣)) رواه أحمد، وأصحاب السنن، إلا ابن ماجه.
ورواه الحاكم، وابن حبان وصححاه. قال الترمذي: والعمل على حديث سهل، عند أكثر أهل العلم.
стр. 355
وعن بشير بن يسار قال: بعث عمر بن الخطاب ﵁ أبا حثمة الانصاري على خرص أموال المسلمين، فقال: إذا وجدت القوم في نخلهم قد خرفوا (١) فدع لهم ما يأكلون، لا تخرصه عليهم.
وعن مكحول قال: كان رسول الله ﷺ إذا بعث الخراص قال: (خففوا على الناس، فإن في المال العرية والواطئة والاكلة) رواه أبو عبيد.
وقال: الواطئة (السابلة) سموا بذلك، لوطئهم بلاد الثمار مجتازين.
والاكلة: أرباب الثمار، وأهلوهم، ومن لصق بهم.
الاكل من الزرع:
يجوز لصاحب الزرع أن يأكل من زرعه، ولا يحسب عليه ما أكل منه قبل الحصاد، لان العادة جارية به، وما يؤكل شئ يسير.
وهو يشبه ما يأكله أرباب الثمار من ثمارهم فإذا حصد الزرع، وصفى الحب، أخرج زكاة الموجود.
سئل أحمد عما يأكل أرباب الزروع من الفريك؟ قال: لا بأس أن يأكل منه صاحبه ما يحتاج إليه.
وكذلك قال الشافعي، والليث، وابن حزم (٢) .
ضم الزروع والثمار:
اتفق العلماء على أنه يضم أنواع الثمر بعضه إلى بعض، وإن اختلف في الجودة، والرداءة واللون، وكذا يضم أنواع الزبيب بعضها إلى بعض وأنواع الحنطة، بعضها إلى بعض، وكذا أنواع سائر الحبوب (٣) .
واتفقوا أيضا على أن عروض التجارة تضم إلى الاثمان وتضم الاثمان إليها، إلا أن الشافعي لا يضمها إلا إلى جنس ما اشتريت به، لان نصابها معتبر به.
واتفقوا على أنه لا يضم جنس إلى جنس آخر، في تكميل النصاب، في غير الحبوب والثمار.