← Фикх общий

Фикх общий · id 9486

فقه السنة

سيد سابق

Полный текст (2 120 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

قصرت ما لم يستوطن المكان الذي أقام فيه. وللعلماء في ذلك آراء كثيرة، لخصها ابن القيم وانتصر لرأيه فقال: (أقام رسول الله ﷺ بتبوك عشرين يوما يقصر الصلاة ولم يقل للامة لا يقصر الرجل الصلاة إذا أقام أكثر من ذلك، ولكن اتفق إقامته هذه المدة) . وهذه الاقامة في حال السفر لا تخرج عن حكم السفر سواء طالت أم قصرت إذا كان غير مستوطن ولا عازم على الاقامة بذلك الموضع، وقد اختلف السلف والخلف في ذلك اختلافا كثيرا. ففي صحيح البخاري عن ابن عباس قال: (أقام النبي ﷺ في بعض أسفاره تسع عشرة يصلي ركعتين فنحن إذا أقمنا تسع عشرة نصلي ركعتين وإن زدنا على ذلك أتممنا) . وظاهر كلام أحمد ان ابن عباس أراد مدة مقامه بمكة زمن الفتح فإنه قال: (أقام رسول الله ﷺ بمكة ثماني عشرة يوما من الفتح لانه أراد حنينا ولم يكن ثم أجمع المقام) وهذه إقامته التي رواها ابن عباس. وقال غيره بل أراد ابن عباس مقامه بتبوك كما قال جابر ابن عبد الله: (أقام النبي ﷺ بتبوك عشرين يوما يقصر الصلاة) . رواه الامام أحمد في مسنده ز وقال المسور بن مخرمة: (أقمنا مع سعد ببعض قرى الشام أربعين ليلة يقصرها سعد ونتمها) . وقال نافع: (أقام ابن عمر بأذربيجان ستة أشهر يصلي ركعتين وقد حال الثلج بينه وبين الدخول) . وقال حفص بن عبيد الله: (أقام أنس بن مالك بالشام سنتين يصلي صلاة المسافر) . وقال أنس: أقام أصحاب النبي ﷺ برام هرمز سبعة أشهر يقصرون الصلاة) . وقال الحسن: (أقمت مع عبد الرحمن ابن سمرة بكابل سنتين يقصر الصلاة ولا يجمع) . وقال إبراهيم: (كانوا يقيمون بالري السنة وأكثر من ذلك وسجستان السنتين) . فهذا هدي النبي ﷺ وأصحابه كما ترى وهو الصواب. وأما مذهب الناس فقال الامام أحمد: إذا نوى إقامة أربعة أيام أتم وإن نوى دونها قصر. وحمل هذه الاثار على أن رسول الله ﷺ وأصحابه لم يجمعوا (١) الاقامة ألبتة بل كانوا يقولون اليوم نخرج غدا نخرج. وفي هذا نظر لا يخفى، فإن رسول الله ﷺ فتح مكة، وهي ما هي، وأقام فيها يؤسس قواعد

стр. 282

الاسلام ويهدم قواعد الشرك ويمهد أمر ما حولها من العرب، ومعلوم قطعا أن هذا يحتاج إقامة أيام ولا يتأتى في يوم واحد ولا يومين، وكذلك إقامته بتبوك فإنه أقام ينتظر العدو، ومن المعلوم قطعا أنه كان بينه وبينهم عدة مراحل تحتاج إلى أيام وهو يعلم أنهم لا يوافقون في أربعة أيام، وكذلك إقامة عمر بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة من أجل الثلج. ومن المعلوم أن مثل هذا الثلج لا يتحلل ويذوب في أربعة أيام بحيث تفتح الطريق، وكذلك إقامة أنس بالشام سنتين يقصر، وإقامة الصحابة برام هرمز سبعة أشهر يقصرون. ومن المعلوم أن مثل هذا الحصار والجهاد لا ينقضي في أربعة أيام. وقد قال أصحاب أحمد: إنه لو أقام لجهاد عدو، أو حبس سلطان، أو مرض قصر، سواء غلب على ظنه انقضاء الحاجة في مدة يسيرة أو طويلة. وهذا هو الصواب، لكن شرطوا فيه شرطا لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا عمل الصحابة، فقالوا شرط ذلك احتمال انقضاء حاجته في المدة التي لا تقطع حكم السفر وهي ما دون الاربعة الايام. فقال من أين لكم هذا الشرط والنبي ﷺ لما أقام زيادة على أربعة أيام يقصر الصلاة بمكة وبتبوك لم يقل لهم شيئا ولم يبين لهم أنه لم يعزم على إقامة أكثر من أربعة أيام وهو يعلم أنهم يقتدون به في صلاته، ويتأسون به في قصرها في مدة إقامته فلم يقل لهم حرفا واحدا لا تقصروا فوق إقامة أربع ليال، وبيان هذا من أهم المهمات، وكذلك اقتداء الصحابة به بعده ولم يقولوا لمن صلى معهم شيئا من ذلك. وقال مالك والشافعي: إذا نوى إقامة أكثر من أربعة أيام أتم وإن نوى دونها قصر. وقال أبو حنيفة ﵁: إن نوى إقامة خمسة عشر يوما أتم وإن نوى دونها قصر. وهو مذهب الليث بن سعد. وروى عن ثلاثة من الصحابة عمر وابنه وابن عباس. وقال سعيد بن المسيب: إذا أقمت أربعا فصل أربعا، وعنه كقول أبي حنيفة ﵀. وقال علي بن أبي طالب ﵁ إن أقام عشرا أتم وهو رواية عن ابن عباس. وقال الحسن: يقصر ما لم يقصر مصرا. وقالت عائشة: يقصر ما لم يضع الزاد والمزاد. والائمة الاربعة رضوان الله عليهم متفقون على أنه إذا أقام لحاجة ينتظر قضاءها يقول اليوم أخرج فإنه يقصر أبدا إلا الشافعي في أحد قوليه فإنه يقصر عنده إلى سبعة عشر أو ثمانية

стр. 283

عشر يوما ولا يقصر بعدها. وقد قال ابن المنذر في إشرافه: أجمع أهل العلم أن للمسافر أن يقصر ما لم يجمع إقامة وإن أتى عليه سنون. (٥) صلاة التطوع في السفر: ذهب الجمهور من العلماء إلى عدم كراهة النفل لمن يقصر الصلاة في السفر لا فرق بين السنن الراتبة وغيرها. فعند البخاري ومسلم أن النبي ﷺ اغتسل في بيت أم هانئ يوم فتح مكة وصلى ثماني ركعات. وعن ابن عمر أنه ﷺ كان يسبح على ظهر راحلته حيث كان وجهه يومئ برأسه. وقال الحسن: كان أصحاب رسول الله ﷺ يسافرون فيتطوعون قبل المكتوبة وبعدها إلا من جوف الليل، ورأى قوما يسبحون (١) بعد الصلاة فقال: لو كنت مسبحا لاتممت صلاتي، يا ابن أخي صحبت رسول الله ﷺ فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله تعالى، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين، وذكر عمر وعثمان وقال: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) رواه البخاري. وجمع ابن قدامة بين ما ذكره الحسن وبين ما ذكره ابن عمر بأن حديث الحسن يدل على أنه لا بأس بفعلها وحديث ابن عمر يدل على أنه لا بأس بتركها. (٦) السفر يوم الجمعة: لا بأس بالسفر يوم الجمعة ما لم تحضر الصلاة. فقد سمع عمر رجلا يقول: لولا أن اليوم يوم جمعة لخرجت. فقال عمر: اخرج فإن الجمعة لا تحبس عن السفر. وسافر أبو عبيدة يوم الجمعة ولم ينتظر الصلاة، وأراد الزهري السفر ضحوة يوم الجمعة فقيل له في ذلك فقال: إن النبي ﷺ سافر يوم الجمعة. الجمع بين الصلاتين: يجوز للمصلي أن يجمع بين الظهر والعصر تقديما وتأخيرا (٢) وبين المغرب

стр. 284

والعشاء كذلك (١) إذا وجدت حالة من الحالات الاتية: (١) الجمع بعرفة والمزدلفة: اتفق العلماء على أن الجمع بين الظهر والعصر جمع تقديم في وقت الظهر بعرفة، وبين المغرب والعشاء جمع تأخير في وقت العشاء بمزدلفة سنة لفعل رسول الله ﷺ . (٢) الجمع في السفر: الجمع بين الصلاتين في السفر في وقت إحداهما جائز في قول أكثر أهل العلم لا فرق بين كونه نازلا أو سائرا. فعن معاذ أن النبي ﷺ كان في غزوة تبوك إذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين الظهر والعصر وإذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى ينزل للعصر، وفي المغرب مثل ذلك، إن غابت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين المغرب والعشاء، وإن ارتحل قبل أن تغيب الشمس أخر المغرب حتى ينزل العشاء ثم نزل فجمع بينهما. رواه أبو داود والترمذي وقال: هذا حديث حسن. وعن كريب عن ابن عباس أنه قال: ألا أخبركم عن صلاة رسول الله ﷺ في السفر؟ قلنا: بلى. قال: كان إذا زاغت له الشمس في منزله جمع بين الظهر والعصر نزل فجمع بين الظهر والعصر، وإذا حانت له المغرب في منزله جمع بينها وبين العشاء، وإذا لم تحن في منزله ركب حتى إذا كانت العشاء نزل فجمع بينهما. رواه أحمد والشافعي في مسنده بنحوه، وقال فيه: إذا سار قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمع بينها وبين العصر في وقت العصر. رواه البيهقي بإسناد جيد وقال: الجمع بين الصلاتين بعذر السفر من الامور المشهورة المستعملة فيما بين الصحابة والتابعين. وروى مالك في الموطأ عن معاذ أن النبي ﷺ أخر الصلاة في غزوة تبوك يوما ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعا، ثم دخل ثم خرج فصلى المغرب

стр. 285

والعشاء جميعا، قال الشافعي: قوله (ثم دخل ثم خرج لا يكون إلا وهو نازل) . وقال ابن قدامة في المغني بعد ذكر هذا الحديث: قال ابن عبد البر: هذا حديث صحيح ثابت الاسناد. وقال أهل السير إن غزوة تبوك كانت في سنة تسع. وفي هذا الحديث أوضح الدلائل وأقوى الحجج في الرد على من قال لا يجمع بين الصلاتين إلا إذا جد به السير، لانه كان يجمع وهو نازل غير سائر ماكث في خبائه يخرج فيصلي الصلاتين جمعا ثم ينصرف إلى خبائه. وروى هذا الحديث مسلم في صحيحه قال: فكان يصلي الظهر والعصر جميعا والمغرب والعشاء جميعا. والاخذ بهذا الحديث متعين لثبوته وكونه صريحا في الحكم ولا معارض له، ولان الجمع رخصة من رخص السفر فلم يختص بحالة السير، كالقصر والمسح، ولكن الافضل التأخير. انتهى. ولا تشترط النية في الجمع والقصر، قال ابن تيمية: وهو قول الجمهور من العلماء، وقال: والنبي ﷺ لما كان يصلي بأصحابه جمعا وقصرا لم يكن يأمر أحدا منهم بنية الجمع والقصر، بل خرج من المدينة إلى مكة يصلي ركعتين من غير جمع ثم صلى بهم الظهر بعرفة ولم يعلمهم أنه يريد أن يصلي العصر بعدها ثم صلى بهم العصر ولم يكونوا نووا لاجمع وهذا جمع تقديم وكذلك لما خرج من المدينة صلى بهم بذي الحليفة العصر ركعتين ولم يأمرهم بنية قصر. وأما الموالاة بين الصلاتين فقد قال: والصحيح أنه لا يشترط بحال، لا في وقت الاولى ولا في وقت الثانية، فإنه ليس لذلك حد في الشرع، ولان مراعاة ذلك يسقط مقصود الرخصة، وقال الشافعي: لو صلى المغرب في بيته بنية الجمع ثم أتى المسجد فصلى العشاء جاز. وروي مثل ذلك عن أحمد. (٣) الجمع في المطر: روى الاثرم في سننه عن أبي سلمة ابن عبد الرحمن أنه قال: من السنة إذا كان يوم مطير أن يجمع بين المغرب والعشاء. وروى البخاري أن النبي ﷺ جمع بين المغرب والعشاء في ليلة مطيرة. وخلاصة المذاهب في ذلك أن الشافعية تجوز للمقيم الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء جمع تقديم فقط بشرط وجود المطر عند الاحرام بالاولى والفراغ منها وافتتاح الثانية.

стр. 286

وعند مالك أنه يجوز جمع التقديم في المسجد بين المغرب والعشاء لمطر واقع أو متوقع، وللطين مع الظلمة إذا كان الطين كثيرا يمنع أواسط الناس من لبس النعل، وكره الجمع بين الظهر والعصر للمطر. وعند الحنابلة يجوز الجمع بين المغرب والعشاء فقط تقديما وتأخيرا بسبب الثلج والجليد والوحل والبرد الشديد والمطر الذي يبل الثياب، وهذه الرخصة تختص بمن يصلي جماعة بمسجد يقصد من بعيد يتأذى بالمطر في طريقه فأما من هو بالمسجد أو يصلي في بيته جماعة أو يمشي إلى المسجد مستترا بشئ أو كان المسجد في باب داره فإنه لا يجوز له الجمع. (٤) الجمع بسبب المرض أو العذر: ذهب الامام أحمد والقاضي حسين والخطابي والمتولي من الشافعية إلى جواز الجمع تقديما وتأخيرا بعذر المرض لان المشقة فيه أشد من المطر. قال النووي: وهو قوي في الدليل. وفي المغني: والمرض المبيح للجمع هو ما يلحقه به بتأدية كل صلاة في وقتها مشقة وضعف. وتوسع الحنابلة فأجازوا الجمع تقديما وتأخيرا لاصحاب الاعذار وللخائف. فأجازوه للمرضع التي يشق عليها غسل الثوب في وقت كل صلاة، وللمستحاضة ولمن به سلس بول، وللعاجز عن الطهارة ولمن خاف على نفسه أو ماله أو عرضه قال ابن تيمية: وأوسع المذاهب في الجمع مذهب أحمد فإنه جوز الجمع إذا كان شغل كما روى النسائي ذلك مرفوعا إلى النبي ﷺ إلى أن قال: يجوز الجمع أيضا للطباخ والخباز ونحوهما ممن يخشى فساد ماله. (٥) الجمع للحاجة: قال النووي في شرح مسلم: ذهب جماعة من الائمة إلى جواز الجمع في الحضر للحاجة لمن يتخذه عادة. وهو قول ابن سيرين وأشهب من أصحاب مالك، وحكاه الخطابي عن القفال والشاشي الكبير من أصحاب الشافعي وعن أبي إسحاق المروزي وعن جماعة من أصحاب الحديث واختاره ابن المنذر،

стр. 287

ويؤيده ظاهر قول ابن عباس: أراد أن لا يحرج أمته فلم يعلله بمرض ولا غيره. اه وحديث ابن عباس الذي يشير إليه ما رواه مسلم عنه قال: جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر. قيل لابن عباس: ماذا أراد بذلك؟ قال: أراد ألا يحرج أمته. وروى البخاري ومسلم عنه أن النبي ﷺ صلى بالمدينة سبعا (١) وثمانيا: الظهر والعصر والمغرب والعشاء. وعند مسلم عن عبد الله بن شقيق قال: خطبنا ابن عباس يوما بعد العصر حتى غربت الشمس وبدت النجوم وجعل الناس يقولون: الصلاة الصلاة قال: فجاءه رجل من بني تيم لم يفتر ولا ينثني: الصلاة الصلاة، فقال ابن عباس: أتعلمني بالسنة لا أم لك! ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء. قال عبد الله بن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شئ، فأتيت أبا هريرة فسألته فصدق مقالته. فائدة: قال في المغني: وإذا أتم الصلاتين في وقت الاولى ثم زال العذر بعد فراغه منهما قبل دخول وقت الثانية أجزأته ولم تلزمه الثانية في وقتها، لان الصلاة وقعت صحيحة مجزئة عما في ذمته وبرئت ذمته منها فلم تشتغل الذمة بها بعد ذلك، ولانه أدى فرضه حال العذر فلم يبطل بزواله بعد ذلك، كالمتيمم إذا وجد الماء بعد فراغه من الصلاة. الصلاة في السفينة والقاطرة والطائرة: تصح الصلاة في السفينة والقاطرة والطائرة بدون كراهية حسبما تيسر للمصلي. فعن ابن عمر قال: سئل النبي ﷺ عن الصلاة في السفينة؟ قال: (صل فيها قائما إلا أن تخاف الغرق) رواه الدارقطني والحاكم على شرط الشيخين، وعن عبد الله بن أبي عتبة قال: صحبت جابر بن عبد الله وأبا سعيد الخدري وأبا هريرة في سفينة فصلوا قياما في جماعة، أمهم بعضهم وهم يقدرون على الجد (٢) ، رواه سعيد بن منصور.

стр. 288

أدعية السفر: يستحب للمسافر أن يقول إذا خرج من بيته: بسم الله توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله: اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل، أو أزل أو أزل، أو أظلم أو أظلم أو أجهل أو يجهل علي. ثم يتخير من الادعية المأثورة ما يشاء، وهاك بعضها: ١ - عن علي بن ربيعة قال: رأيت عليا ﵁ أتى بدابة ليركبها فلما وضع رجله في الركاب قال: بسم الله: فلما استوى عليها قال: الحمد لله (سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين (١) وإنا إلى ربنا لمنقلبون) ثم حمد الله ثلاثا وكبر ثلاثا. ثم قال سبحانك لا إله إلا أنت، قد ظلمت نفسي فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ثم ضحك. فقلت: مم ضحكت يا أمير المؤمنين؟ قال: رأيت رسول الله ﷺ فعل مثل ما فعلت ثم ضحك فقلت: مم ضحكت يا رسول الله؟ قال: (يعجب الرب من عبده إذا قال رب اغفر لي ويقول: علم عبدي أنه لا يغفر الذنوب غيري) رواه أحمد وابن حبان والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم. ٢ - وعن الازدي: أن ابن عمر علمه أن رسول الله ﷺ كان إذا استوى على بعيره خارجا إلى سفر كبر ثلاثا ثم قال: (سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون: اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى: اللهم هون علينا سفرنا هذا واطولنا بعده: اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الاهل: اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر (٢) وكآبة المنقلب (٣) ، وسوء المنظر في الاهل والمال (٤) وإذا

стр. 289

رجع قالهن وزاد فيهن: (آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون) أخرجه أحمد ومسلم. ٣ - وعن ابن عباس: كان النبي ﷺ إذا أراد أن يخرج إلى سفر قال: (اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الاهل: اللهم إني أعوذ بك من الضبنة (١) في السفر والكآبة في المنقلب: اللهم اطو لنا الارض، وهون علينا السفر) وإذا أراد الرجوع قال: (آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون) وإذا دخل على أهله قال: (توبا توبا (٢) لربنا أوبا لا يغادر علينا حوبا) رواه أحمد والطبراني والبزار بسند رجاله رجال الصحيح. ٤ - وعن عبد الله بن سرجس كان النبي ﷺ إذا خرج في سفر قال: (اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب. والحور بعد الكور (٣) ، ودعوة المظلوم، وسوء المنظر في المال والاهل) وإذا رجع قال مثله إلا أنه يقول: (وسوء المنظر في الاهل والمال) فيبدأ بالاهل رواه أحمد ومسلم. ٥ - وعن ابن عمر: كان رسول الله ﷺ إذا غزا أو سافر فأدركه الليل قال: (يا أرض ربي وربك الله، أعوذ بالله من شرك وشر ما فيك وشر ما خلق فيك وشر ما دب عليك، أعوذ بالله من شر كل أسد وأسود (٤) ، وحية وعقرب، ومن شر ساكن البلد، ومن شر والد وما ولد) رواه أحمد وأبو داود. ٦ - وعن خولة بنت حكيم السليمية أن النبي ﷺ قال: (من نزل منزلا ثم قال: أعوذ بكلمات الله التامات كلها من شر ما خلق لم يضره شئ حتى يرتحل من منزله ذلك) رواه الجماعة إلا البخاري وأبو داود. ٧ - وعن عطاء بن أبي مروان عن أبيه أن كعبا حلف له بالذي فلق

стр. 290

البحر لموسى أن صهيبا حدثه أن النبي ﷺ لم ير قرية يريد دخولها إلا قال حين يراها: (اللهم رب السموات السبع وما أظللن، ورب الارضين السبع وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما ذرين، أسألك خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها، ونعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها) رواه النسائي وابن حبان والحاكم وصححاه. ٨ - وعن ابن عمر قال: كنا نسافر مع رسول الله ﷺ فإذا رأى قرية يريد أن يدخلها قال: (اللهم بارك لنا فيها (ثلاث مرات) : اللهم ارزقنا جناها، وحببنا إلى أهلها وحبب صالحي أهلها إلينا) رواه الطبراني في الاوسط بسند جيد. ٩ - وعن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أشرف على أرض يريد دخولها قال: (اللهم إني أسألك من خير هذه وخير ما جمعت فيها، اللهم ارزقنا جناها (١) وأعذنا من وباها، وحببنا إلى أهلها، وحبب صالحي أهلها إلينا) رواه ابن السني. ١٠ - وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ إذا كان في سفر وأسحر يقول: (سمع سامع (٢) بحمد الله وحسن بلائه علينا، ربنا صاحبنا وأفضل علينا، عائذا بالله من النار) (٣) رواه مسلم. الجمعة: (١) فضل يوم الجمعة: ورد أن يوم الجمعة خير أيام الاسبوع: فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة: فيه خلق آدم ﵇، وفيه أدخل الجنة وفيه أخرج منها. ولا تقوم الساعة

стр. 291

إلا في يوم الجمعة) رواه مسلم وأبو داود والنسائي والترمذي وصححه، وعن أبي لبانة البدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (سيد الايام يوم الجمعة وأعظمها عند الله تعالى، وأعظم عند الله تعالى من يوم الفطر ويوم الاضحى، وفيه خمس خلال: خلق الله فيه آدم ﵇، وأهبط الله تعالى فيه آدم إلى الارض، وفيه توفى الله تعالى آدم، وفيه ساعة لا يسأل العبد فيها شيئا إلا آتاه الله تعالى إياه ما لم يسأل حراما، وفيه تقوم الساعة، ما من ملك مقرب ولا سماء ولا أرض، ولا رياح ولا جبال ولا بحر إلا هن يشفقن من يوم الجمعة) . رواه أحمد وابن ماجه، قال العراقي إسناده حسن. (٢) الدعاء فيه: ينبغي الاجتهاد في الدعاء عند آخر ساعة من يوم الجمعة. فعن عبد الله بن سلام ﵁ قال: قلت - ورسول الله ﷺ جالس: إنا لنجد في كتاب الله تعالى في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يصلي يسأل الله فيها شيئا إلا قضى له حاجته. قال عبد الله: فأشار إلي رسول الله ﷺ ، (أو بعض ساعة) . فقلت: صدقت، أو بعض ساعة. قلت أي ساعة هي؟ قال: (آخر ساعة من ساعات النهار) قلت: إنها ليست ساعة صلاة قال: (بلى: إن العبد المؤمن إذا صلى ثم جلس لا يجلسه إلا الصلاة فهو في صلاة) رواه ابن ماجه. وعن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ أن النبي ﷺ قال: (إن في الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها خبرا إلا أعطاه إياه، وهي بعد العصر) رواه أحمد. قال العراقي: صحيح. وعن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: (يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة منها ساعة لا يوجد عبد مسلم يسأل الله تعالى شيئا إلا آتاه إياه: والتمسوها آخر ساعة بعد العصر) رواه النسائي وأبو داود والحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرط مسلم، وحسن الحافظ إسناده في الفتح. وعن أبي سلمة ابن عبد الرحمن ﵁: أن ناسا من أصحاب رسول الله ﷺ اجتمعوا فتذكروا الساعة التي في يوم الجمعة، فتفرقوا ولم يختلفوا أنها آخر ساعة من يوم الجمعة. رواه سعيد في سننه وصححه الحافظ في الفتح. وقال أحمد بن حنبل: أكثر الاحاديث في الساعة التي يرجى فيها إجابة الدعاء أنها بعد صلاة

стр. 292

العصر ويرجى بعد زوال الشمس. وأما حديث مسلم وأبي داود عن أبي موسى ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول في ساعة الجمعة: (هي ما بين أن يجلس الامام) يعني على المنبر (إلى أن تقضي الصلاة) فقد أعل بالاضطراب والانقطاع. (٣) استحباب كثرة الصلاة والسلام على الرسول ﷺ ليلة الجمعة ويومها: فعن أوس بن أوس ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : (من أفضل أيامكم يوم الجمعة: فيه خلق آدم وفيه قبض وفيه النفخة وفيه الصعقة فأكثروا علي من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة علي) قالوا: يا رسول الله وكيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمت؟ (١) فقال: (إن الله حرم على الارض أن تأكل أجساد الانبياء) رواه الخمسة إلا الترمذي. قال ابن القيم: يستحب كثرة الصلاة على النبي ﷺ في يوم الجمعة وليلته لقوله. (أكثروا من الصلاة علي يوم الجمعة وليلة الجمعة) ورسول الله ﷺ سيد الانام ويوم الجمعة سيد الايام فللصلاة عليه في هذا اليوم مزية ليست لغيره، مع حكمة أخرى وهي أن كل خير نالته أمته في الدنيا والاخرة فإنها نالته على يده فجمع الله لامته بين خيري الدنيا والاخرة فأعظم كرامة تحصل لهم فإنما تحصل يوم الجمعة. فإن فيه بعثهم إلى منازلهم وقصورهم في الجنة وهو يوم المزيد لهم إذا دخلوا الجنة. وهو عيد لهم في الدنيا، ويوم يسعفهم الله تعالى بطلباتهم وحوائجهم ولا يرد سائلهم، وهذا كله إنما عرفوه وحصل لهم بسببه وعلى يده فمن شكره وحمده، وأداء القليل من حقه ﷺ أن يكثروا من الصلاة عليه في هذا اليوم وليلته. (٤) استحباب قراءة سورة الكهف يوم الجمعة وليلته: فعن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: (من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين) رواه النسائي والبيهقي

стр. 293

والحاكم. وعن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: (من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة سطع له نور من تحت قدمه إلى عنان السماء يضئ له يوم القيامة وغفر له ما بين الجمعتين) رواه ابن مردويه بسند لا بأس به. كراهة رفع الصوت بها في المساجد: أصدر الشيخ محمد عبده فتوى جاء فيها: وقراءة سورة الكهف يوم الجمعة جاء في عبارة الاشباه عند تعداد المكروهات ما نصه: ويكره إفراده بالصوم (١) وإفراد ليلته بالقيام، وقراءة الكهف فيه خصوصا وهي لا تقرأ إلا بالتلحين، وأهل المسجد يلغون ويتحدثون ولا ينصتون، ثم إن القارئ كثيرا ما يشوش على المصلين فقراءتها على هذا الوجه محظورة. (٥) الغسل والتجمل والسواك والتطيب للمجتمعات ولا سيما الجمعة: يستحب لكل من أراد حضور صلاة الجمعة (٢) أو مجمع من مجامع الناس سواء كان رجلا أو امرأة، أو كان كبيرا أو صغيرا، مقيما أو مسافرا، أن يكون على أحسن حال من النظافة والزينة: فيغتسل ويلبس أحسن الثياب ويتطيب بالطيب ويتنظف بالسواك وقد جاء في ذلك: ١ - عن أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ قال: (على كل مسلم الغسل يوم الجمعة ويلبس من صالح ثيابه، وإن كان له طيب مس منه) رواه أحمد والشيخان. ٢ - وعن ابن سلام ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول على المنبر يوم الجمعة: (ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مهنته) (٣) رواه أبو داود وابن ماجه. ٣ - وعن سلمان الفارسي ﵁ قال، قال النبي صلى الله عليه

стр. 294

وسلم: (لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر بما استطاع من طهر، ويدهن (١) من دهنه أو يمس من طيب بيته ثم يروح إلى المسجد ولا يفرق بين اثنين ثم يصلي ما كتب له ثم ينصت للامام إذا تكلم إلا غفر له من الجمعة إلى الجمعة الاخرى) رواه أحمد والبخاري. وكان أبو هريرة يقول: (وثلاثة أيام زيادة، إن الله جعل الحسنة بعشرة أمثالها) . وغفران الذنوب خاص بالصغار. لما رواه ابن ماجه عن أبي هريرة (ما لم يغش الكبائر) . ٤ - وعند أحمد بسند صحيح أن النبي ﷺ قال: (حق على كل مسلم الغسل والطيب والسواك يوم الجمعة) . ٥ - وعند الطبراني في الاوسط والكبير بسند رجاله ثقات عن ابي هريرة أن النبي ﷺ قال في جمعة من الجمع: (يا معشر المسلمين هذا يوم جعله الله لكم عيدا فاغتسلوا وعليكم بالسواك) . (٦) التبكير إلى الجمعة: يندب التبكير إلى صلاة الجمعة لغير الامام. قال علقمة: خرجت مع عبد الله ابن مسعود إلى الجمعة فوجد ثلاثة قد سبقوه فقال: رابع أربعة وما رابع أربعة من الله ببعيد، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الناس يجلسون يوم القيامة على قدر ترواحهم إلى الجمعات الاول ثم الثاني ثم الثالث ثم الرابع، وما رابع أربعة من الله ببعيد) رواه ابن ماجه والمنذري. وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة (٢) ثم راح فكأنما قرب بدنة (٣) ، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن (٤) ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجه، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة. فإذا خرج الامام حضرت الملائكة يستعمون الذكر) رواه الجماعة إلا ابن ماجه. وذهب الشافعي وجماعة من العلماء إلى أن هذه الساعات هي ساعات

стр. 295

النهار فندبوا إلى الرواح من أول النهار (١) وذهب مالك إلى أنها أجزاء ساعة واحدة قبل الزوال وبعده، وقال قوم هي أجزاء ساعة قبل الزوال. وقال ابن رشد: وهو الاظهر لوجوب السعي بعد الزوال. (٧) تخطي الرقاب: حكى الترمذي عن أهل العلم أنهم كرهوا تخطي الرقاب يوم الجمعة وشددوا في ذلك، فعن عبد الله بن بسر ﵁ قال: جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب فقال له رسول الله ﷺ : (اجلس فقد آذيت وآنيت) (٢) رواه أبو داود والنسائي وأحمد وصححه ابن خزيمة وغيره. ويستثنى من ذلك الامام أو من كان بين يديه فرجة لا يصل إليها إلا بالتخطي ومن يريد الرجوع إلى موضعه الذي قام منه لضرورة بشرط أن يتجنب أذى الناس. فعن عقبة بن الحارث ﵁ قال: صليت وراء رسول الله ﷺ بالمدينة العصر ثم قام مسرعا فتخطى رقاب الناس إلى بعض حجر نسائه ففزع الناس من سرعته، فخرج عليهم فرأى أنهم قد عجبوا من سرعته فقال: (ذكرت شيئا من تبر (٣) كان عندنا فكرهت أن يحبسني فأمرت بقسمته) رواه البخاري والنسائي. (٨) مشروعية التنفل قبلها: يسن التنفل قبل الجمعة ما لم يخرج الامام فيكف عنه بعد خروجه إلا تحية المسجد فإنها تصلى أثناء الخطبة مع تخفيفها إلا إذا دخل في أواخر الخطبة بحيث ضاق عنها الوقت فإنها لا تصلى. ١ - فعن ابن عمر ﵄ أنه كان يطيل الصلاة قبل الجمعة ويصلي بعدها ركعتين ويحدث أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك. رواه أبو داود.

стр. 296

٢ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من اغتسل يوم الجمعة ثم أتى الجمعة فصلى ما قدر له. ثم أنصت حتى يفرغ الامام من خطبته، ثم يصلي معه، غفر له ما بينه وبين الجمعة الاخرى وفضل ثلاثة أيام) رواه مسلم. ٣ - وعن جابر ﵁ قال: دخل رجل يوم الجمعة ورسول الله ﷺ يخطب فقال: (صليت؟) قال لا قال: (فصل ركعتين) رواه الجماعة. وفي رواية (إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والامام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما) رواه أحمد ومسلم وأبو داود. وفي رواية: (إذا جاء أحدكم يوم الجمعة وقد خرج الامام فليصل ركعتين) متفق عليه. (٩) تحول من غلبه النعاس عن مكانه: يندب لمن بالمسجد أن يتحول عن مكانه إلى مكان آخر إذا غلبه النعاس: لان الحركة قد تذهب بالنعاس وتكون باعثا على اليقظة، ويستوى في ذلك يوم الجمعة وغيره. فعن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: (إذا نعس أحدكم وهو في المسجد فليتحول من مجلسه ذلك إلى غيره) رواه أحمد وأبو داود والبيهقي والترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وجوب صلاة الجمعة: أجمع العلماء على أن صلاة الجمعة فرض عين، وأنها ركعتان لقول لله تعالى: (يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله (١) وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون) . ١ - ولما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (نحن الاخرون (٢) السابقون يوم القيامة، بيد (٣) أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، ثم هذا يومهم الذي

стр. 297

فرض عليهم (١) فاختلفوا فيه فهدانا الله. فالناس لنا فيه تبع: اليهود غدا والنصارى بعد غد) (٢) . ٢ - وعن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال لقوم يتخلفون عن الجمعة: (لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم) رواه أحمد ومسلم. ٣ - وعن أبي هريرة وابن عمر أنهما سمعا النبي ﷺ يقول على أعواد منبره: (لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات (٣) أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين) رواه مسلم ورواه أحمد والنسائي من حديث ابن عمر وابن عباس. ٤ - وعن أبي الجعد الضمري، وله صحبة، أن رسول الله ﷺ قال: (من ترك ثلاثا جمع تهاونا طبع الله على قلبه) رواه الخمسة ولاحمد وابن ماجه من حديث جابر نحوه، وصححه ابن السكن. من تجب عليه ومن لا تجب عليه: تجب صلاة الجمعة على المسلم الحر العاقل البالغ المقيم القادر على السعي إليها الخالي من الاعذار المبيحة للتخلف عنها وأما من لا تجب عليهم فهم: ١ و ٢ - المرأة والصبي، وهذا متفق عليه. ٣ - المريض الذي يشق عليه الذهاب الى الجمعة أو يخاف زيادة المرض أو بطأه وتأخيره. ويلحق به من يقوم بتمريضه إذا كان لا يمكن الاستغناء عنه، فعن طارق بن شهاب ﵁ عن النبي ﷺ قال: (الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة: عبد مملوك أو امرأة

стр. 298

أو صبي أو مريض) قال النووي: إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم. وقال الحافظ: صححه غير واحد. ٤ - المسافر وإذا كان نازلا وقت إقامتها فإن أكثر أهل العلم يرون أنه لا جمعة عليه: لان النبي ﷺ كان يسافر فلا يصلي الجمعة فصلى الظهر والعصر جمع تقديم ولم يصل جمعته، وكذلك فعل الخلفاء وغيرهم. ٥، ٦ - المدين المعسر الذي يخاف الحبس، والمختفي من الحاكم الظالم، فعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: (من سمع النداء فلم يجبه فلا صلاة له إلا من عذر) قالوا: يا رسول الله وما العذر؟ قال: (خوف أو مرض) رواه أبو داود بإسناد صحيح. ٧ - كل معذور مرخص له في ترك الجماعة، كعذر المطر والوحل والبرد ونحو ذلك. فعن ابن عباس أنه قال لمؤذنه في يوم مطير: إذا قلت: أشهد أن محمدا رسول الله فلا تقل: حي على الصلاة. قل صلوا في بيوتكم، فكأن الناس استنكروا فقال: فعله من هو خير مني، إن الجمعة عزمة، وإني كرهت أن أخرجكم فتمشون في الطين والدحض (١) . وعن أبي مليح عن أبيه أنه شهد النبي ﷺ في يوم جمعة وأصابهم مطر لم تبتل أسفل نعالهم فأمرهم أن يصلوا في رحالهم. رواه أبو داود وابن ماجه. وكل هؤلاء لا جمعة عليهم وإنما يجب عليهم أن يصلوا الظهر، ومن صلى منهم الجمعة صحت منه وسقطت عنه فريضة الظهر (٢) وكانت النساء تحضر المسجد على عهد رسول الله ﷺ وتصلى معه الجمعة. وقتها: ذهب الجمهور من الصحابة والتابعين إلى أن وقت الجمعة هو وقت الظهر. لما رواه أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي والبيهقي عن أنس ﵁

стр. 299

أن النبي ﷺ كان يصلي الجمعة إذا مالت الشمس. وعند أحمد ومسلم أن سلمة بن الاكوع قال: كنا نصلي مع رسول الله ﷺ الجمعة إذا زالت الشمس ثم نرجع نتتبع الفئ (١) . وقال البخاري: وقت الجمعة إذا زالت الشمس. وكذلك يروى عن عمر وعن علي والنعمان بن بشير وعمر بن حريث ﵃. وقال الشافعي صلى النبي ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان والائمة بعدهم كل جمعة بعد الزوال. وذهبت الحنابلة وإسحاق إلى أن وقت الجمعة من أول وقت صلاة العيد إلى آخر وقت الظهر، مستدلين بما رواه أحمد ومسلم والنسائي عن جابر قال: كان رسول الله ﷺ يصلي الجمعة ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها حين تزول الشمس. وفي هذا تصريح بأنهم صلوها قبل زوال الشمس. واستدلوا أيضا بحديث عبد الله بن سيدان السلمي ﵁ قال: شهدت الجمعة مع أبي بكر فكانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار، ثم شهدتها مع عمر فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول انتصف النهار، ثم شهدتها مع عثمان فكانت صلاته وخطبته إلى أن أقول زوال النهار فما رأيت أحدا عاب ذلك ولا أنكره، رواه الدارقطني والامام أحمد في رواية ابنه عبد الله واحتج به، وقال: وكذلك روي عن ابن مسعود وجابر وسعيد ومعاوية أنهم صلوها قبل الزوال فلم ينكر عليهم. فكان الاجماع. وأجاب الجمهور عن حديث جابر بأنه محمول على المبالغة في تعجيل الصلاة بعد الزوال من غير إبراد، أي انتظار لسكون شدة الحر، وأن الصلاة وإراحة الجمال كانتا تقعان عقب الزوال. كما أجابوا عن أثر عبد الله بن سيدان بأنه ضعيف، قال الحافظ ابن حجر: تابعي كبير غير معروف العدالة. وقال ابن عدي: يشبه المجهول. وقال البخاري: لا يتابع على حديثه وقد عارضه ما هو أقوى منه. فروى ابن أبي شيبة عن سويد بن غفلة أنه صلى مع أبي بكر وعمر حين زالت الشمس، وإسناده قوي. لا خلاف بين العلماء في أن الجماعة شرط من شروط صحة الجمعة،

стр. 300

لحديث طارق بن شهاب أن النبي ﷺ قال: (الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة) . واختلفوا في العدد الذي تنعقد به الجمعة إلى خمسة عشر مذهبا ذكرها الحافظ في الفتح. والرأي الراجح أنها تصح باثنين فأكثر لقول رسول الله ﷺ : (الاثنان فما فوقهما جماعة) ، قال الشوكاني: وقد انعقدت سائر الصلوات بهما بالاجماع، والجمعة صلاة فلا تختص بحكم يخالف غيرها إلا بدليل، ولا دليل على اعتبار عدد فيها زائد على المعتبر في غيرها. وقد قال عبد الحق: إنه لا يثبت في عدد الجمعة حديث، وكذلك قال السيوطي: لم يثبت في شئ من الاحاديث تعيين عدد مخصوص. اه وممن ذهب إلى هذا الطبري وداود والنخعي وابن حزم. مكان الجمعة: الجمعة يصح أداؤها في المصر والقرية والمسجد وأبنية البلد والفضاء التابع لها، كما يصح أداؤها في أكثر من موضع. فقد كتب عمر ﵁ إلى أهل البحرين: (أن جمعوا حيثما كنتم) . رواه ابن أبي شيبة، وقال أحمد: إسناده جيد. وهذا يشمل المدن والقرى. وقال ابن عباس: (إن أول جمعة جمعت في الاسلام بعد جمعة جمعت في مسجد رسول الله ﷺ بالمدينة لجمعة جمعت ب (جوائى) : قرية من قرى البحرين) . رواه البخاري وأبو داود. وعن الليث بن سعد أن أهل مصر وسواحلها كانوا يجمعون على عهد عمر وعثمان بأمرهما وفيها رجال من الصحابة. وعن ابن عمر أنه كان يرى أهل المياه بين مكة والمدينة يجمعون فلا يعتب عليهم. رواه عبد الرزاق بسند صحيح. مناقشة الشروط التي اشترطها الفقهاء تقدم الكلام على أن شروط وجوب الجمعة: الذكورة والحرية والصحة والاقامة وعدم العذر الموجب للتخلف عنها، كما تقدم أن الجماعة شرط لصحتها. هـ ذا هو القدر الذي جاءت به السنة والذي كلفنا الله به. وأما ما وراء ذلك من الشروط التي اشترطها بعض الفقهاء فليس له أصل يرجع إليه ولا مستند يعول

стр. 301

عليه. ونكتفي هنا بنقل ما قاله الروضة الندية قال: (هي كسائر الصلوات لا تخالفها لكونه لم يأت ما يدل على أنها تخالفها. وفي هذا الكلام إشارة إلى رد ما قيل من أنه يشترط في وجوبها الامام الاعظم والمصر الجامع والعدد المخصوص، فإن هذه الشروط لم يدل عليها دليل يفيد استحبابها فضلا عن وجوبها فضلا عن كونها شروطا، بل إذا صلى رجلان الجمعة في مكان لم يكن فيه غيرهما جماعة فقد فعلا ما يجب عليهما، فإن خطب أحدهما فقد عملا بالسنة وإن تركا الخطبة فهي سنة فقط. ولولا حديث طارق بن شهاب المقيد للوجوب على كل مسلم بكونه في جماعة ومن عدم إقامتها في زمنه ﷺ في غير جماعة لكان فعلها فرادى مجزئا كغيرها من الصلوات. وأما ما يروى (من أربعة إلى الولاة) فهذا قد صرح أئمة الشأن بأنه ليس من كلام النبوة ولا من كلام من كان في عصرها من الصحابة حتى يحتاج إلى بيان معناه أو تأويله) وإنما هو من كلام الحسن البصري. ومن تأمل فيما وقع في هذه العبادة الفاضلة - التي افترضها الله عليهم في الاسبوع وجعلها شعارا من شعائر الاسلام، وهي صلاة الجمعة - من الاقوال الساقطة والمذاهب الزائفة والاجتهادات الداحضة (١) قضى من ذلك العجب فقائل يقول الخطبة كركعتين وإن من فاتته لم تصح جمعته وكأنه لم يبلغه ما ورد عن رسول الله ﷺ من طرق متعددة يقوي بعضها بعضا، ويشد بعضها عضد بعض: أن من فاتته ركعة من ركعتي الجمعة فليضف إليها أخرى وقد تمت صلاته، ولا بلغه غير هذا الحديث من الادلة. وقائل يقول: لا تنعقد الجمعة إلا بثلاثة مع الامام، وقائل يقول بأربعة، وقائل يقول بسبعة، وقائل يقول بتسعة، وقائل يقول باثني عشر، وقائل يقول بعشرين، وقائل يقول بثلاثين، وقائل يقول لا تنعقد إلا بأربعين، وقائل يقول بخمسين، وقائل يقول لا تنعقد إلا بسبعين وقائل يقول فيما بين ذلك، وقائل يقول بجمع كثير من غير تقييد وقائل يقول إن الجمعة لا تصح إلا في مصر جامع. وحده بعضهم بأن يكون الساكنون فيه كذا وكذا من الالاف. وآخر قال أن يكون فيه جامع وحمام، وآخر قال أن يكون فيه كذا وكذا وآخر قال إنها لا تجب إلا مع الامام الاعظم فإن لم يوجد

стр. 302

أو كان مختل العدالة بوجه من الوجوه لم تجب الجمعة ولم تشرع، ونحو هذه الاقوال التي ليس عليها أثارة من علم ولا يوجد في كتاب الله تعالى ولا في سنة رسول الله ﷺ حرف واحد يدل على ما ادعوه من كون هذه الامور المذكورة شروطا لصحة الجمعة أو فرضا من فرائضها أو ركنا من أركانها. فيا لله للعجب مما فعل الرأي بأهله، وما يخرج من رؤوسهم من الخزعبلات الشبيهة بما يتحدث الناس به في مجامعهم وما يخبرونه في أسمارهم من القصص والاحاديث الملفقة وهي عن الشريعة المطهرة بمعزل، يعرف هذا كل عارف بالكتاب والسنة وكل متصف بصفة الانصاف وكل من ثبت قدمه ولم يتزلزل عن طريق الحق بالقيل والقال، ومن جاء بالغلط فغلطه رد عليه مردود في وجهه. والحكم بين العباد هو كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ كما قال سبحانه: (فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول) (إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا) (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) . فهذه الايات ونحوها تدل أبلغ دلالة وتفيد أعظم فائدة أن المرجع مع الاختلاف هو حكم الله ورسوله. وحكم الله هو كتابه، وحكم رسوله بعد أن قبضه الله تعالى هو سنته ليس غير ذلك، ولم يجعل الله تعالى لاحد من العباد وإن بلغ في العلم أعلى مبلغ وجمع منه ما لا يجمع غيره أن يقول في هذه الشريعة بشئ لا دليل عليه من كتاب ولا سنة. والمجتهد، وإن جاءت الرخصة له بالعمل برأيه عند عدم الدليل، فلا رخصة لغيره أن يأخذ بذلك الرأي كائنا من كان. وإني، كما علم الله، لا أزال أكثر التعجب من وقوع مثل هذا للمصنفين وتصديره في كتب الهداية وأمر العوام والمقصرين باعتقاده والعمل به وهو على شفا جرف هار، ولم يختص بمذهب من المذاهب ولا بقطر من الاقطار ولا بعصر من العصور: بل تبع فيه الاخر الاول كأنه أخذه من أم الكتاب وهو حديث خرافة. وقد كثرت التعيينات في هذه العبادة كما سبقت الاشارة إليها بلا برهان ولا قرآن ولا شرع ولا عقل.

стр. 303

خطبة الجمعة: حكمها: ذهب جمهور أهل العلم إلى وجوب خطبة الجمعة واستدلوا على الوجوب بما ثبت عنه ﷺ بالاحاديث الصحيحة ثبوتا مستمرا أنه كان يخطب في كل جمعة، واستدلوا أيضا بقوله ﷺ : (صلوا كما رأيتموني أصلي) وقول الله (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله) وهذا أمر بالعي إلى الذكر فيكون واجبا لانه لا يجب السعي لغير الواجب وفسروا الذكر بالخطبة لاشتمالها عليه. وناقش الشوكاني هذه الادلة فأجاب عن الدليل الاول بأن مجرد الفعل لا يفيد الوجوب، وعن الدليل الثاني بأنه ليس فيه إلا الامر بإيقاع الصلاة على الصفة التي كان يوقعها عليها والخطبة ليست بصلاة، وعن الثالث بأن الذكر المأمور بالسعي إليه هو الصلاة، غاية الامر أنه متردد بينها وبين الخطبة وقد وقع الاتفاق على وجوب الصلاة، والنزاع في وجوب الخطبة فلا ينتهض هذا الدليل للوجوب ثم قال: فالظاهر ما ذهب إليه الحسن البصري وداود الظاهري والجويني (١) من أن الخطبة مندوبة فقط. استحباب تسليم الامام إذا رقي المنبر والتأذين إذا جلس عليه واستقبال المأمومين له: فعن جابر ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا صعد المنبر سلم. رواه ابن ماجه وفي إسناده ابن لهيعة وهو للاثرم في سننه عن الشعبي عن النبي ﷺ مرسلا، وفي مراسيل عطاء وغيره أنه ﷺ كان إذا صعد المنبر أقبل بوجهه على الناس، ثم قال: (السلام عليكم) . قال الشعبي: كان أبو بكر وعمر يفعلان ذلك. وعن السائب بن يزيد ﵁ قال: النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الامام على المنبر، على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر فلما كان عثمان وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء ولم يكن للنبي ﷺ مؤذن غير واحد. رواه

стр. 304

البخاري والنسائي وأبو داود. وفي رواية لهم: فلما كانت خلافة عثمان وكثروا أمر عثمان يوم الجمعة بالاذان الثالث وأذن به على الزوراء فثبت الامر على ذلك. ولاحمد والنسائي: كان بلال يؤذن إذا جلس النبي ﷺ على المنبر ويقيم إذا نزل. وعن عدي بن ثابت عن أبيه عن جده قال: كان النبي ﷺ إذا قام على المنبر استقبله أصحابه بوجوههم، رواه بان ماجه. والحديث وإن كان فيه مقال إلا أن الترمذي قال: العمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم يستحبون استقبال الامام إذا خطب. استحباب اشتمال الخطبة على حمد الله تعالى والثناء على رسول الله ﷺ والموعظة والقراءة: فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم (١)) رواه أبو داود وأحمد بمعناه. وفي رواية (الخطبة التي ليس فيها شهادة (٢) كاليد الجذماء) رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وقال (تشهد) بدل (شهادة) . وعن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا تشهد قال: (الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا. من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالحق بشيرا بين يدي الساعة. من يطع الله تعالى ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه ولا يضر الله تعالى شيئا) . عن ابن شهاب ﵁ أنه سئل عن تشهد النبي صلى الل عليه وسلم يوم الجمعة فذكر نحوه وقال: ومن يعصهما فقد غوى. رواهما أبو داود. وعن جابر بن سمرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يخطب دائما ويجلس بين الخطبتين. ويقرأ آيات ويذكر الناس. رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي. وعنه أيضا ﵁ عن النبي ﷺ أنه كان لا يطيل الموعظة

стр. 305

يوم الجمعة إنما هي كلمات يسيرات. رواه أبو داود. وعن أم هشام بنت حارثة بن النعمان ﵄ قالت: ما أخذت (ق والقرآن المجيد) إلا عن لسان رسول الله ﷺ يقرؤها كل جمعة على المنبر إذا خطب الناس. رواه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود، وعن يعلى بن أمية قال سمعت رسول الله ﷺ يقرأ على المنبر: (ونادوا يا مالك) متفق عليه. وعن ابن ماجه عن أبي أن الرسول قرأ يوم الجمعة (تبارك) وهو قائم يذكر بأيام الله. وفي الروضة الندية: ثم اعلم أن الخطبة المشروعة هي ما كان يعتاده ﷺ من ترغيب الناس وترهيبهم، فهذا في الحقيقة روح الخطبة الذي لاجله شرعت. وأما اشتراط الحمد لله أو الصلاة على رسوله أو قراءة شئ من القرآن فجميعه خارج عن معظم المقصود من شرعية الخطبة، واتفاق مثل ذلك في خطبته ﷺ لا يدل على أنه مقصود متحتم وشرط لازم، ولا يشك منصف أن معظم المقصود هو الوعظ دون ما يقع قبله من الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. وقد كان عرف العرب المستمر أن أحدهم إذا أراد أن يقوم مقاما ويقول مقالا شرع بالثناء على الله وعلى رسوله ﷺ وما أحسن هذا وأولاه، ولكن ليس هو المقصود، بل المقصود ما بعد، ولو قال: إن من قام في محفل من المحافل خطيبا ليس له باعث على ذلك إلا أن يصدر منه الحمد والصلاة لما كان هذا مقبولا، بل كان طبع سليم يمجه ويرده. إذا تقرر هذا عرفت أن الوعظ في خطبة الجمعة هو الذي يساق إليه الحديث فإذا فعله الخطيب فقد فعل الامر المشروع إلا أنه إذا قدم الثناء على الله وعلى رسوله أو استطرد في وعظه القوارع القرآنية كان أتم وأحسن) . مشروعية القيام للخطبتين والجلوس بينهما جلسة خفيفة: فعن ابن عمر ﵄ قال: كان النبي ﷺ يخطب يوم الجمعة قائما ثم يجلس ثم يقوم كما يفعلون اليوم. رواه الجماعة. وعن جابر ابن سمرة ﵁ قال: كان النبي ﷺ يخطب قائما ثم يجلس ثم يقوم فيخطب قائما، فمن قال انه يخطب جالسا فقد كذب، فقد والله صليت معه أكثر من ألفي صلاة (١) رواه أحمد ومسلم وأبو داود. وروى ابن

стр. 306

أبي شيبة عن طاوس قال: خطب رسول الله ﷺ قائما وأبو بكر وعمر وعثمان، وأول من جلس على المنبر معاوية. وروى أيضا عن الشعبي أن معاوية إنما خطب قاعدا لما كثر شحم بطنه ولحمه. وبعض الائمة أخذ وجوب القيام أثناء الخطبة ووجوب الجلوس بين الخطبتين استنادا إلى فعل الرسول ﷺ وصحابته، ولكن الفعل بمجرده لا يفيد الوجوب. استحباب رفع الصوت بالخطبة وتقصيرها والاهتمام بها: فعن عمار بن ياسر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقه (١) فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة) (٢) رواه أحمد ومسلم. (وإنما كان قصر الخطبة وطول الصلاة دليلا على فقه الرجل لان الفقيه يعرف جوامع الكلم فيكتفي بالقليل من اللفظ على الكثير من المعنى) وعن جابر بن سمرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يطيل الصلاة ويقصر الخطبة. رواه النسائي بإسناد صحيح. وعن جابر ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم (٤) رواه مسلم وابن ماجه. قال النووي: يستحب كون الخطبة فصيحة بليغة مرتبة مبينة من غير تمطيط ولا تقعير، ولا تكون ألفاظا مبتذلة ملفقة فإنها لا تقع في النفوس موقعا كاملا، ولا تكون وحشية لانه لا يحصل مقصودها، بل يختار ألفاظا جزلة مفهمة. وقال ابن القيم: (وكذلك كانت خطبه ﷺ إنما هي تقرير الاصول

стр. 307

الايمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه، وذكر الجنة والنار وما أعد الله لاوليائه وأهل طاعته وما أعد لاعدائه وأهل معصيته فيملا القلوب من خطبته إيمانا وتوحيدا ومعرفة بالله وأيامه، لا كخطب غيره التي إنما تفيد أمورا مشتركة بين الخلائق، وهي النوح على الحياة والتخويف بالموت فإن هذا أمر لا يحصل في القلب إيمانا بالله ولا توحيدا له ولا معرفة خاصة ولا تذكيرا بأيامه ولا بعثا للنفوس على محبته والشوق إلى لقائه، فيخرج السامعون ولم يستفيدوا فائدة غير أنهم يموتون وتقسم أموالهم ويبلي التراب أجسامهم، فيا ليت شعري أي إيمان حصل بهذا وأي توحيد وعلم نافع يحصل به؟! ومن تأمل خطب النبي ﷺ وخطب أصحابه وجدها كفيلة ببيان الهدى والتوحيد وذكر صفات الرب ﷻ وأصول الايمان الكلية والدعوة إلى الله وذكر آلائه تعالى التي تحببه إلى خلقه، وأيامه التي تخوفهم من بأسه والامر بذكره، وشكره الذي يحببهم إليه فيذكرون من عظمة الله وصفاته وأسمائه ما يحببه إلى خلقه، ويأمرون من طاعته وشكره وذكره ما يحببهم إليه فينصرف السامعون قد أحبوه وأحبهم. ثم طال العهد وخفي نور النبوة وصارت الشرائع والاوامر رسوما تقوم من غير مراعاة حقائقها ومقاصدها، فأعطوها صورها وزينوها بما، زينوها به فجعلوا الرسوم والاوضاع سننا لا ينبغي الاخلال بها وأخلوا بالمقاصد التي لا ينبغي الاخلال بها فرصعوا الخطب بالتسجيع والفقر وعلم البديع، فنقص، بل عدم حظ القلوب منها وفات المقصود بها. قطع الإمام الخطبة للأمر يحدث: وعن أبي بريدة ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يخطبنا فجاء الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران فنزل رسول الله ﷺ من المنبر فحملهما ووضعهما بين يديه ثم قال (صدق الله ورسوله، إنما أموالكم وأولادكم فتنة، نظرت هذين الصبيين يمشيان ويعثران، فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما) رواه الخمسة. وعن أبي رفاعة العدوي ﵁ قال: (انتهيت إلى رسول الله ﷺ وهو يخطب فقلت: يا رسول الله: رجل غريب يسأل عن دينه لا يدري ما دينه؟ فأقبل علي وترك خطبته حتى انتهى إلي فأتى بكرسي من خشب

стр. 308

قوائمه حديد فقعد عليه، وجعل يعلمني مما علمه الله تعالى، ثم أتى الخطبة فأتم آخرها) . رواه مسلم والنسائي. قال ابن القيم: وكان ﷺ يقطع خطبته للحاجة تعرض والسؤال لاحد من أصحابه فيجيبه، وربما نزل للحاجة ثم يعود فيتمها كما نزل لاخذ الحسن والحسين، وأخذهما ثم رقي بهما المنبر فأتم خطبته، وكان يدعو الرجل في خطبته تعال اجلس يا فلان، صل يا فلان، وكان يامرهم بمقتضى الحال في خطبته. حرمة الكلام أثناء الخطبة: ذهب الجمهور إلى وجوب الانصات وحرمة الكلام أثناء الخطبة ولو كان أمرا بمعروف أو نهيا عن منكر سواء كان يسمع الخطبة أم لا، فعن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: (من تكلم يوم الجمعة والامام يخطب فهو كالحمار يحمل أسفارا، والذي يقول له أنصت لا جمعة له (١) : رواه أحمد وابن أبي شيبة والبزار والطبراني. قال الحافظ في بلوغ المرام: إسناده لا بأس به. وعن عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: (يحضر لجمعة ثلاثة نفر: فرجل حضرها يلغو فهو حظه منها، ورجل حضرها يدعو، فهو رجل الله دعا إن شاء أعطاه وإن شاء منعه، ورجل حضرها بإنصات وسكوت ولم يتخط رقبة مسلم ولم يؤذ أحدا فهي كفارة إلى الجمعة الت تليها وزيادة ثلاثة أيام، وذلك أن الله يقول: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) رواه أحمد وأبو داود بإسناد جيد. وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة والامام يخطب أنصت فقد لغوت) (٢) رواه الجماعة إلا ابن ماجه. وعن أبي الدرداء قال: جلس النبي ﷺ على المنبر وخطب الناس وتلا آية وإلى جنبي أبي بن كعب فقلت له: يا أبي متى أنزلت هذه الاية؟ فأبى أن يكلمني، ثم سألته فأبى أن يكلمني، حتى نزل رسول الله ﷺ فقال لي أبي:

стр. 309

مالك بن جمعتك إلا ما لغوت. فلما انصرف رسول الله ﷺ جئته فأخبرته فقال: (صدق أبي، إذا سمعت إمامك يتكلم فانصت حتى يفرغ) رواه أحمد والطبراني. وروي عن الشافعي وأحمد انهما فرقا بين من يمكنه السماع ومن لا يمكنه فاعتبرا تحريم الكلام في الاول دون الثاني وإن كان الانصات مستحبا. وحكى الترمذي عن أحمد وإسحق الترخيص في رد السلام وتشميت العاطس والامام يخطب. وقال الشافعي: لو عطس رجل يوم الجمعة فشمته رجل رجوت أن يسعه لان التشميت سنة، ولو سلم رجل على رجل كرهت ذلك ورأيت أن يرد عليه، لان السلام سنة ورده فرض..أما الكلام في غير وقت الخطبة فإنه جائز. فعن ثعلبة بن أبي مالك قال: كانوا يتحدثون يوم الجمعة وعمر جالس على المنبر فإذا سكت المؤذن قام عمر فلم يتكلم أحد حتى يقضي الخطبتين كلتيهما، فإذا قامت الصلاة ونزل عمر تكلموا. رواه الشافعي في مسنده. وروى أحمد بإسناد صحيح أن عثمان ابن عفان كان وهو على المنبر والمؤذن يقيم يستخبر الناس عن أخبارهم وأسعارهم. ادراك ركعة من الجمعة أو دونها: يرى أكثر أهل العلم أن من أدرك ركعة من الجمعة مع الامام فهو مدرك لها وعليه أن يضيف إليها أخرى، فعن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: (من أدرك ركعة من صلاة الجمعة فليضف إليها أخرى وقد تمت صلاته) . رواه النسائي وابن ماجه والدارقطني. قال الحافظ في بلوغ المرام: إسناده صحيح لكن قوى أبو حاتم إرساله. وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدركها كلها) رواه الجماعة. وأما من أدرك أقل من ركعة فإنه لا يكون مدركا للجمعة ويصلي ظهرا أربعا (١) في قول أكثر العلماء. قال ابن مسعود: من أدرك من الجمعة ركعة فليضف إليها أخرى، ومن فاتته الركعتان فليصل أربعا. رواه الطبراني بسند حسن. وقال ابن عمر: إذا أدركت من الجمعة ركعة فأضف إليها أخرى، وإن أدركتهم جلوسا فصل أربعا. رواه البيهقي.

стр. 310

وهذا مذهب الشافعية والمالكية والحنابلة ومحمد بن الحسن. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: من أدرك التشهد مع الامام فقد أدرك الجمعة فيصلي ركعتين بعد سلام الامام وتمت جمعته. الصلاة في الزحام: روى أحمد والبيهقي عن سيار قال: سمعت عمر وهو يخطب يقول: إن رسول الله ﷺ بني هذا المسجد ونحن معه، المهاجرون والانصار، فإذا اشتد الزحام فليسجد الرجل منكم على ظهر أخيه. ورأى قوما يصلون في الطريق فقال: صلوا في المسجد. التطوع قبل الجمعة وبعدها: يسن صلاة أربع ركعات أو صلاة ركعتين بعد صلاة الجمعة، فعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (من كان مصليا بعد الجمعة فليصل أربعا) رواه مسلم وأبو داود والترمذي. وعن ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ يصلي يوم الجمعة ركعتين في بيته. رواه الجماعة. قال ابن القيم: (وكان ﷺ إذا صلى الجمعة دخل منزله فصلى ركعتين وأمر من صلاها أن يصلي بعدها أربعا. قال شيخنا ابن تيمية: إن صلى في المسجد صلى أربعا وإن صلى في بيته صلى ركعتين. قلت: وعلى هذا تدل الاحاديث. وقد ذكر أبو داود عن ابن عمر أنه إذا صلى في المسجد صلى أربعا، وإذا صلى في بيته صلى ركعتين. وفي الصحيحين عن ابن عمر أنه ﷺ كان يصلي بعد الجمعة ركعتين في بيته) . انتهى. وإذا صلى أربع ركعات قبل يصليها موصولة وقيل يصلي ركعتين ويسلم ثم يصلي ركعتين، والافضل صلاتها بالبيت. وإن صلاها بالمسجد تحول عن مكانه الذي صلى فيه الفرض. أما صلاة السنة قبل الجمعة فقد قال شيخ الاسلام ابن تيمية: (أما النبي ﷺ فلم يكن يصلي قبل الجمعة بعد الاذان شيئا ولا نقل هذا عنه أحد، فإن النبي ﷺ كان لا يؤذن على عهده إلا إذا قعد على

стр. 311

المنبر، ويؤذن بلال ثم يخطب النبي ﷺ الخطبتين، ثم يقيم بلال فيصلي بالناس فما كان يمكن أن يصلي بعد الاذان لا هو ولا أحد من المسلمين الذين يصلون معه ﷺ ، ولا نقل عنه أحد أنه صلى في بيته قبل الخروج يوم الجمعة، ولا وقت بقوله صلاة مقدرة قبل الجمعة، بل ألفاظه ﷺ فيها الترغيب في الصلاة إذا قدم الرجل المسجد يوم الجمعة من غير توقيت كقوله: (من بكر وابتكر ومشى ولم يركب وصلى ما كتب له) وهذا هو المأثور عن الصحابة..كانوا إذا أتوا المسجد يوم الجمعة يصلون من حين يدخلون ما تيسر. فمنهم من يصلي عشر ركعات ومنهم من يصلي اثنتي عشرة ركعة ومنهم من يصلي ثمان ركعات ومنهم من يصلي أقل من ذلك، ولهذا كان جماهير الائمة متفقين على أنه ليس قبل الجمعة سنة مؤقتة بوقت، مقدرة بعدد لان ذلك إنما يثبت بقول النبي ﷺ أو فعله، وهو لم يسن في ذلك شيئا، لا بقوله ولا فعله. اجتماع الجمعة والعيد في يوم واحد إذا اجتمع الجمعة والعيد في يوم واحد سقطت الجمعة عمن صلى العيد، فعن زيد بن أرقم قال: صلى النبي ﷺ ثم رخص في الجمعة فقال: (من شاء أن يصلي فليصل) رواه الخمسة وصححه ابن خزيمة والحاكم. وعن أبي هريرة أنه ﷺ قال: (قد اجتمع في يومكم هذا عيدان، فمن شاء أجزأه من الجمعة وإنا مجمعون) رواه أبو داود. ويستحب للامام أن يقيم الجمعة ليشهدها من شاء شهودها، ومن لم يشهد العيد لقوله ﷺ : (وإنا مجمعون) . وتجب صلاة الظهر على من تخلف عن الجمعة لحضوره العيد عند الحنابلة. والظاهر عدم الوجوب، لما رواه أبو داود عن ابن الزبير أنه قال: عيدان اجتمعا في يوم واحد، فجمعهما فصلاهما ركعتين بكرة، لم يزد عليهما حتى صلى العصر.

стр. 312

صلاة العيدين: شرعت صلاة العيدين في السنة الاولى من الهجرة، وهي سنة مؤكدة واظب النبي ﷺ عليها وأمر الرجال والنساء أن يخرجوا لها. ولها أبحاث نوجزها فيما يلي: (١) استحباب الغسل والتطيب، ولبس أجمل الثياب: فعن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ كان يلبس برد حبرة (١) في كل عيد. رواه الشافعي والبغوي. وعن الحسن السبط قال: أمرنا رسول الله ﷺ في العيدين أن نلبس أجود ما نجد وأن نتطيب بأجود ما نجد وأن نضحي بأثمن ما نجد. الحديث رواه الحاكم وفيه إسحاق ابن برزخ، ضعفه الازدي ووثقه ابن حبان. وقال ابن القيم: وكان ﷺ يلبس لهما أجمل ثيابه وكان له حلة يلبسها للعيدين والجمعة. (٢) الاكل قبل الخروج في الفطر دون الاضحى: يسن أكل تمرات وترا قبل الخروج إلى الصلاة في عيد الفطر وتأخير ذلك في عيد الاضحى حتى يرجع من المصلى فيأكل من أضحيته إن كان له أضحية. قال أنس: كان النبي ﷺ لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات ويأكلهن وترا (٢) رواه أحمد والبخاري. وعن بريدة قال: كان النبي ﷺ لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل، ولا يأكل يوم الاضحى حتى يرجع. رواه الترمذي وابن ماجه وأحمد، وزاد: فيأكل من أضحيته. وفي الموطأ عن سعيد بن المسيب: أن الناس كانوا يؤمرون بالاكل قبل الغدو يوم الفطر. وقال ابن قدامة: لا نعلم في استحباب تعجيل الاكل يوم الفطر اختلافا.

стр. 313

(٣) الخروج إلى المصلى: صلاة العيد يجوز أن تؤدى في المسجد، ولكن أداءها في المصلى خارج البلد أفضل (١) ما لم يكن هناك عذر كمطر ونحوه لان رسول الله ﷺ كان يصلي العيدين في المصلى (٢) ولم يصل العيد بمسجده إلا مرة لعذر المطر. فعن أبي هريرة أنهم أصابهم مطر في يوم عيد فصلى بهم النبي ﷺ صلاة العيد في المسجد. رواه أبو داود وابن ماجه والحاكم، وفي إسناده مجهول. قال الحافظ في التلخيص: إسناده ضعيف. وقال الذهبي: هذا حديث منكر. (٤) خروج النساء والصبيان: يشرع خروج الصبيان والنساء في العيدين للمصلى من غير فرق بين البكر والثيب والشابة والعجوز والحائض، لحديث أم عطية قالت: أمرنا أن نخرج العواتق (٣) والحيض في العيدين يشهدن الخير ودعوة المسلمين ويعتزل الحيض المصلى. متفق عليه. وعن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان يخرج نساءه وبناته في العيدين. رواه ابن ماجه والبيهقي. وعن ابن عباس قال: خرجت مع النبي (٤) ﷺ يوم فطر أو أضحى فصلى ثم خطب ثم أتى النساء فوعظهن وذكرهن وأمرهن بالصدقة. رواه البخاري. (٥) مخالفة الطريق: ذهب أكثر أهل العلم إلى استحباب الذهاب إلى صلاة العيد في طريق والرجوع في طريق آخر سواء كان إماما أو مأموما، فعن جابر ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا كان يوم عيد خالف الطريق. رواه البخاري. وعن أبي هريرة قال: كان النبي ﷺ إذا خرج إلى العيد يرجع في غير الطريق الذي خرج فيه. رواه أحمد ومسلم والترمذي.

стр. 314

ويجوز الرجوع في الطريق الذي ذهب فيه، فعند أبي داود والحاكم والبخاري في التاريخ عن بكر بن مبشر. قال: كنت أغدو مع أصحاب رسول الله ﷺ إلى المصلى يوم الفطر ويوم الاضحى فنسلك بطن بطحان (١) حتى نأتي المصلى فنصلي مع رسول الله ﷺ ثم نرجع من بطن بطحان إلى بيوتنا. قال ابن السكن: إسناده صالح. (٦) وقت صلاة العيد: وقت صلاة العيد من ارتفاع الشمس قدر ثلاثة أمتار إلى الزوال، لما أخرجه أحمد بن الحسن البناء من حديث جندب قال: كان النبي ﷺ يصلي بنا الفطر والشمس على قيد رمحين (٢) والاضحى على قيد رمح. قال الشوكاني، في هذا الحديث: إنه أحسن ما ورد من الابحاث في تعيين وقت صلاة العيدين. وفي الحديث استحباب تعجيل صلاة عيد الاضحى وتأخير صلاة الفطر. قال ابن قدامة: ويسن تقديم الاضحى ليتسع وقت الضحية وتأخير الفطر ليتسع وقت إخراج صدقة الفطر، ولا أعلم فيه خلافا. (٧) الاذان والاقامة للعيدين: قال ابن القيم: كان ﷺ إذا انتهى إلى المصلى أخذ في الصلاة من غير أذان ولا إقامة ولا قول: الصلاة جامعة. والسنة أن لا يفعل شئ من ذلك. انتهى. وعن ابن عباس وجابر قالا: لم يكن يؤذن يوم الفطر ولا يوم الاضحى. متفق عليه. ولمسلم عن عطاء قال: أخبرني جابر أن لا أذان الصلاة يوم الفطر حين يخرج الامام ولا بعدما يخرج ولا إقامة ولا نداء ولا شئ، لا نداء يومئذ ولا إقامة. وعن سعد بن أبي وقاص أن النبي ﷺ صلى العيد بغير أذان ولا إقامة، وكان يخطب خطبتين قائما يفصل بينهما بجلسة. رواه البزار.

стр. 315

(٨) التكبير في صلاة العيدين: صلاة العيد ركعتان يسن فيهما أن يكبر المصلي قبل القراءة في الركعة الاولى سبع تكبيرات بعد تكبيرة الاحرام، وفي الثانية خمس تكبيرات غير تكبيرة القيام، مع رفت اليدين مع كل تكبيرة (١) . فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ كبر في عيد اثنتي عشرة تكبيرة، سبعا في الاولى وخمسا في الاخرة. ولم يصل قبلها ولا بعدها. رواه أحمد وابن ماجه. وقال أحمد: وأنا أذهب إلى هذا. وفي رواية أبي داود والدارقطني قال: قال النبي ﷺ : (التكبير في الفطر سبع في الاولى وخمس في الاخرة، والقراءة بعدهما كلتيهما) . وهذا القول هو أرجح الاقوال وإليه ذهب أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين والائمة. قال ابن عبد البر: (روي عن النبي ﷺ من طرق حسان أنه كبر في العيدين سبعا في الاولى وخمسا في الثانية من حديث عبد الله بن عمرو وابن عمر وجابر وعائشة وأبي واقد وعمرو بن عوف المزني. ولم يرو عنه من وجه قوي ولا ضعيف خلاف هذا، وهو أول ما عمل به (٢)) انتهى. وقد كان ﷺ يسكت بين كل تكبيرتين سكنة يسيرة ولم يحفظ عنه ذكر معين بين التكبيرات، ولكن روى الطبراني والبيهقي بسند قوي عن ابن مسعود من قوله وفعله أنه كان يحمد الله ويثني عليه ويصلي على النبي ﷺ (٣) . وروي كذلك عن حذيفة وأبي موسى. والتكبير سنة لا تبطل الصلاة بتركه عمدا ولا سهوا. وقال ابن قدامة: ولا أعلم فيه خلافا، ورجح الشوكاني أنه إذا تركه سهوا لا يسجد للسهو.

стр. 316

(٩) الصلاة قبل صلاة العيد وبعدها: لم يثبت أن لصلاة العيد سنة قبلها ولا بعدها، ولم يكن النبي ﷺ ، ولا أصحابه يصلوم إذا انتهوا إلى المصلي شيئا قبل الصلاة ولا بعدها. قال ابن عباس: خرج رسول الله ﷺ يوم عيد فصلى ركعتين لم يصل قبلهما ولا بعدهما. رواه الجماعة. وعن ابن عمر أنه خرج يوم عيد فلم يصل قبلها ولا بعدها وذكر أن النبي ﷺ فعله، وذكر البخاري عن ابن عباس أنه كره الصلاة قبل العيد. أما مطلق النفل فقد قال الحافظ ابن حجر في الفتح إنه لمى ثبت فيه منع بدليل خاص إلا إن كان ذلك في وقت الكراهة في جميع الايام. (١٠) من تصح منهم صلاة العيد: تصح صلاة العيد من الرجال والنساء مسافرين كانوا أو مقيمين جماعة أو منفردين، في البيت أو في المسجد أو في المصلى. ومن فاتته الصلاة مع الجماعة صلى ركعتين، قال البخاري: (باب) إذا فاته العيد يصلي ركعتين وكذلك النساء ومن في البيوت والقرى، لقول النبي ﷺ (هذا عيدنا أهل الاسلام) . وأمر أنس بن مالك مولاهم ابن أبي عتبة بالزاوية فجمع أهله وبنيه وصلى كصلاة أهل المصر وتكبيرهم. وقال عكرمة: أهل السواد يجتمعون في العيد يصلون ركعتين كام يصنع الامام. وقال عطاء: إذا فاته العيد صلى ركعتين. (١١) خطبة العيد: الخطبة بعد صلاة العيد سنة والاستماع إليها كذلك. فعن أبي سعيد قال: كان النبي ﷺ يخرج يوم الفطر والاضحى إلى المصلى. (١) وأول شئ يبدأ به الصلاة ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس، والناس جلوس على صفوفهم فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم، وإن كان يريد أن يقطع بعثا (٢) أن يأمر بشئ أمر به ثم ينصرف. قال أبو سعيد: فلم يزل الناس على ذلك

стр. 317

حتى خرجت مع مروان وهو أمير المدينة في أضحى أو فطر، فلما أتينا المصلى إذا منبر بناه كثير بن الصلت، فإذا مروان يريد أن يرتقيه قبل أن يصلي فجبذت بثوبه فجبذني فارتفع فخطب قبل الصلاة. فقلت له: غيرتم والله. فقال: أبا سعيد! ... قد ذهب ما تعلم. فقلت: ما أعلم والله خير مما لا أعلم. فقال: إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة فجعلتها قبل الصلاة. متفق عليه. وعن عبد الله بن السائب قال: شهدت مع رسول الله ﷺ العيد فلما قضى الصلاة قال: (إنا نخطب فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس ومن أحب أن يذهب فليهذب) رواه النسائي وأبو داود وابن ماجه. وكل ما ورد في أن للعيد خطبتين يفصل بينهما الامام بجلوس فهو ضعيف. قال النووي: لم يثبت في تكرير الخطبة شئ. ويستحب افتتاح الخطبة بحمد الله تعالى، ولم يحفظ عن رسول الله ﷺ غير هذا. قال ابن القيم: كان ﷺ يفتتح خطبه كلها بالحمد لله ولم يحفظ عنه في حديث واحد أنه كان يفتتح خطبتي العيد بالتكبير، وإنما روى ابن ماجه في سننه عن سعيد، مؤذن النبي ﷺ ، أنه كان يكبر بين أضعاف الخطبة ويكثر التكبير في خطبة العيدين. وهذا لا يدل على أنه يفتتحها به. وقد اختلف الناس في افتتاح خطبة العيدين والاستسقاء فقيل: يفتتحان بالتكبير، وقيل تفتتح خطبة الاستسقاء بالاستغفار، وقيل يفتتحان بالحمد. قال شيخ الاسلام تقي الدين: هو الصواب، لان النبي ﷺ قال: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد فهو أجذم) (١) وكان ﷺ يفتتح خطبه كلها بالحمد لله، وأما قول كثير من الفقهاء: أنه يفتتح خطب الاستسقاء بالاستغفار وخطبة العيدين بالتكبير فليس معهم فيها سنة عن النبي ﷺ البتة، والسنة تقضي خلافه، وهو افتتاح جميع الخطب بالحمد لله. (١٢) قضاء صلاة العيد: قال أبو عمير بن أنس: حدثني عمومتي من الانصار من أصحاب رسول

стр. 318

الله ﷺ قالوا: أغمي علينا هلال شوال وأصبحنا صياما فجاء ركب من آخر النهار فشهدوا عند رسول الله ﷺ أنهم رأوا الهلال بالامس فأمرهم رسول الله أن يفطروا وأن يخرجوا إلى عيدهم من الغد. رواه أحمد والنسائي وابن ماجه بسند صحيح. وفي هذا الحديث حجة للقائلين بأن الجماعة إذا فاتتها صلاة العيد بسبب عذر من الاعذار أنها تخرج من الغد فتصلي العيد. (١٣) اللعب واللهو والغناء والاكل في الاعياد: اللعب المباح، واللهو البرئ، والغناء الحسن، ذلك من شعائر الدين التي شرعها الله في يوم العيد، رياضة للبدن وترويحا عن النفس، قال أنس: قدم النبي ﷺ المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما قال: (قد أبدلكم الله تعالى بهما خيرا منهما يوم الفطر والاضحى) رواه النسائي وابن حبان بسند صحيح. وقالت عائشة: إن الحبشة كانوا يلعبون عند رسول الله ﷺ في يوم عيد فاطلعت من فوق عاتقه فطأطأ لي منكبيه فجعلت أنظر إليهم من فوق عاتقه حتى شبعت ثم انصرفت رواه أحمد والشيخان. ورووا أيضا عنها قالت: دخل علينا أبو بكر في يوم عيد وعندنا جاريتان تذكران يوم بعاث (١) يوما قتل فيه صناديد الاوس والخزرج، فقال أبو بكر: عباد الله أمزمور الشيطان (قالها ثلاثا) فقال رسول الله ﷺ (يا أبا بكر إن لكل قوم عيدا وإن اليوم عيدنا) : ولفظ البخاري قالت عائشة: دخل علي رسول الله ﷺ وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث فاضطجع على الفراش وحول وجهه، ودخل أبو بكر فانتهرني وقال: مزمارة الشيطان عند النبي ﷺ ! فأقبل عليه النبي ﷺ فقال: (دعهما) فلما غفل غمزتهما فخرجتا، وكان يوم عيد يلعب السودان بالدرق (٢) والحراب فإما سألت النبي ﷺ وإما قال: (تشتهين تنظرين؟) فقلت: نعم، فأقامني وراءه، خدي على خده

стр. 319

وهو يقول: (دونكم يا بني أرفدة) (١) حتى إذا ملك قال (حسبك؟) قلت: نعم. قال: (فاذهبي) قال الحافظ في الفتح وروى ابن السراج من طريق أبي الزناد عن عروة عن عائشة أنه ﷺ قال يومئذ: (لتعلم يهود المدينة أن في ديننا فسحة، إني بعثت بحنيفية سمحة) . وعند أحمد ومسلم عن نبيشة أن النبي ﷺ قال: (أيام التشريق أيام أكل وشرب، وذكر لله عزوجل) . (١٤) فضل العمل الصالح في أيام العشر من ذي الحجة: عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: (ما من أيام العمل الصالح أحب إلى الله من هذه الايام) (يعني أيام العشر) : قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: (ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع بشئ من ذلك) رواه الجماعة إلا مسلما والنسائي. وعند أحمد والطبراني عن ابن عمر قال، قال رسول الله ﷺ : (ما من أيام أعظم عند الله سبحانه ولا أحب إلى الله العمل فيهن من هذه الايام العشر فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد) وقال ابن عباس في قوله تعالى (ويذكروا اسم الله في أيام معلومات) هي أيام العشر. وكان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما. رواه البخاري. وكان سعيد ابن جبير إذا دخل أيام العشر اجتهد اجتهادا شديدا حتى ما يكاد يقدر عليه. وقال الاوزاعي: بلغني أن العمل في اليوم من أيام العشر كقدر غزوة في سبيل الله يصام نهارها ويحرس ليلها إلا أن يختص امرؤ بشهادة. قال الاوزاعي: حدثني بهذا الحديث رجل من بني مخزوم عن النبي ﷺ . وروى عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (ما من أيام أحب إلى الله أن يتعبد له فيها من عشر ذي الحجة يعدل صيام كل يوم منها بصيام سنة وقيام كل ليلة منها بقيام ليلة القدر.) رواه الترمذي وابن ماجه والبيهقي.

стр. 320

(١٥) استحباب التهنئة بالعيد: عن جبير بن نفير قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا التقوا يوم العيد يقول بعضهم لبعض: (تقبل منا ومنك) . قال الحافظ إسناده حسن. (١٦) التكبير في أيام العيدين: التكبير في أيام العيدين سنة. ففي عيد الفطر قال الله تعالى: (ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون) وفي عيد الاضحى قال: (واذكروا الله في أيام معدودات) (١) . وقال: (كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم) ، وجمهور العلماء على أن التكبير في عيد الفطر من وقت الخروج إلى الصلاة إلى ابتداء الخطبة. وقد روي في ذلك أحاديث ضعيفة وإن كانت الرواية صحت بذلك عن ابن عمر وغيره من الصحابة. قال الحاكم: هذه سنة تداولها أهل الحديث. وبه قال مالك وأحمد وإسحق وأبو ثور. وقال قوم التكبير من ليلة الفطر إذا رأوا الهلال حتى يغدوا إلى المصلى وحتى يخرج الامام. ووقته في عيد الاضحى من صحيح يوم عرفة إلى عصر أيام التشريق وهي اليوم الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر من ذي الحجة. قال الحافظ في الفتح: ولم يثبت في شئ من ذلك عن النبي ﷺ حديث، وأصح ما ورد فيه عن الصحابة قول علي وابن مسعود إنه من صبح يوم عرفة إلى عصر آخر أيام منى. أخرجه ابن المنذر وغيره. وبهذا أخذ الشافعي وأحمد وأبو يوسف ومحمد وهو مذهب عمر وابن عباس. والتكبير في أيام التشريق لا يختص استحبابه بوقت دون وقت، بل هو مستحب في كل وقت من تلك الايام. قال البخاري: وكان عمر ﵁ يكبر في قبته بمنى فيسمعه أهل المسجد فيكبرون ويكبر أهل السوق حتى يرتج منى تكبيرا. وكان ابن عمر يكبر بمنى تلك الايام وخلف الصلوات وعلى فراشه وفي فسطاطه ومجلسه وممشاه تلك الايام جميعا، وكانت ميمونة تكبر يوم
следующие страницы →