٦ - يجوز للرجل أن يغتسل ببقية الماء الذي اغتسلت منه المرأة والعكس، كما يجوز لهما أن يغتسلا معا من إناء واحد.
فعن ابن عباس قال: اغتسل بعض أزواج النبي ﷺ في جفنة، فجاء النبي ﷺ ليتوضأ منها، أو يغتسل، فقالت له يا رسول الله: إني كنت جنبا! فقال: (إن الماء لا يجنب) .
رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي، وقال: حسن صحيح.
وكانت عائشة تغتسل مع رسول الله ﷺ من إناء واحد، فيبادرهما وتبادره، حتى يقول لها: دعي لي، وتقول له: دع لي (١) .
٧ - لا يجوز الاغتسال عريانا بين الناس، لان كشف العورة محرم، فإن استتر بثوب ونحوه فلا بأس.
فقد كان رسول الله ﷺ تستره فاطمة بثوب ويغتسل، أما لو اغتسل عريانا بعيدا عن أعين الناس فلا مانع منه، فقد اغتسل موسى ﵇ عريانا، كما رواه البخاري فعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (بينا أيوب ﵇ يغتسل عريانا فخر عليه جراد من ذهب، فجعل أيوب يحثي في ثوبه.
فناداه ربه ﵎: (يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى وعزتك، ولكن لا غنى لي عن بركتك) رواه أحمد والبخاري والنسائي.
التيمم:
١ - تعريفه: المعنى اللغوي للتيمم: القصد.
والشرعي: القصد إلى الصعيد، لمسح الوجه واليدين، بنية استباحة الصلاة ونحوها.
٢ - دليل مشروعيته: ثبتت مشروعيته بالكتاب والسنة والاجماع.
أما الكتاب فلقول الله تعالى: (وإن كنتم مرضى أو على سفر، أو جاء أحد منكم من الغائط، أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا) (٢) .
стр. 72
وأما السنة، فلحديث أبي أمامة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (جعلت الارض كلها لي ولامتي مسجدا وطهورا، فأينما أدركت رجلا من أمتي الصلاة فعنده طهوره) رواه أحمد.
وأما الاجماع، فلان المسلمين أجمعوا على أن التيمم مشروع، بدلا من الوضوء والغسل في أحوال خاصة.
٣ - اختصاص هذه الامة به: وهو من الخصائص التي خص الله بها هذه الامة.
فعن جابر ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: (أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي.
نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الارض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لاحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث في قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة) .
رواه الشيخان.
٤ - سبب مشروعيته: روت عائشة ﵂ قالت: خرجنا مع النبي ﷺ في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء انقطع عقد لي، فأقام النبي ﷺ على التماسه، وأقام الناس معه، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فأتى الناس إلى أبي بكر ﵁ فقالوا: ألا ترى إلى ما صنعت عائشة؟ فجاء أبو بكر، والنبي ﷺ على فخذي قد نام، فعاتبني وقال ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعن بيده خاصرتي فما يمنعني من التحرك إلا مكان النبي ﷺ على فخذي، فنام حتى أصبح على غير ماء، فأنزل الله تعالى آية التيمم (فتيمموا) قال السيد بن حضير:
ما هي أول (١) بركتكم يا آل أبي بكر!! فقالت: فبعثنا البعير الذي كنت عليه، فوجدنا العقد تحته) .
رواه الجماعة إلا الترمذي.
٥ - الاسباب المبيحة له: يباح التيمم للمحدث حدثا أصغر أو أكبر، في الحضر والسفر، إذا وجد سبب من الاسباب الاتية:
ا - إذا لم يجد الماء، أو وجد منه ما لا يكفيه للطهارة، لحديث عمران بن حصين ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر،
стр. 73
فصلى بالناس، فإذا هو رجل معتزل فقال: (ما منعك أن تصلي؟) قال: أصابتني جنابة، ولا ماء. قال: (عليك بالصعيد فإنه يكفيك) رواه الشيخان.
وعن أبي ذر ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: (إن الصعيد طهور لمن لم يجد الماء عشر سنين) رواه أصحاب السنن، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
لكن يجب عليه - قبل أن يتيمم - أن يطلب الماء من رجله، أو من رفقته، أو ما قرب منه عادة، فإذا تيقن عدمه، أو أنه بعيد عنه، لا يجب عليه الطلب.
ب - إذا كان به جراحة أو مرض، وخاف من استعمال الماء زيادة المرض أو تأخر الشفاء، سواء عرف ذلك بالتجربة أو بإخبار الثقة من الاطباء، لحديث جابر رضي الله عليه قال، خرجنا في سفر، فأصاب رجلا منا حجر، فشجه في رأسه ثم احتلم، فسأل أصحابه: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات. فلما قدمنا على رسول الله ﷺ أخبر بذلك فقال: (قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذا لم يعلموا؟ فإنما شفاء العي السؤال (١) . إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب على جرحه خرقة ثم يمسح عليه، ويغسل سائر جسده) رواه أبو داود وابن ماجه والدارقطني، وصححه ابن السكن.
ج - إذا كان الماء شديد البرودة، وغلب على ظنه حصول ضرر بإستعماله بشرط أن يعجز عن تسخينه ولو بالاجر، أولا يتيسر له دخول الحمام، لحديث عمرو بن العاص ﵁، أنه لما بعث في غزوة ذات السلاسل قال: احتملت في ليلة شديدة البرودة، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح. فلما قدمنا على رسول الله ﷺ ذكروا ذلك له فقال: (يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟) .
فقلت: ذكرت قول الله عزوجل: (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما) (٢) فتيممت ثم صليت. فضحك رسول الله ولم يقل شيئا. رواه أحمد وأبو داود والحاكم والدارقطني وابن حبان، وعلقه البخاري.
وفي هذا إقرار، والاقرار حجة لانه ﷺ لا يقر على باطل.
стр. 74
د - إذا كان الماء قريبا منه، إلا أنه يخاف على نفسه أو عرضه أو ماله أو فوت الرفقة، أو حال بينه وبين الماء عدو يخشى منه، سواء كان العدو آدميا أو غيره، أو كان مسجونا، أو عجز عن استخراجه، لفقد آلة الماء، كحبل ودلو، لان وجود الماء في هذه الاحوال كعدمه، وكذلك من خاف إن اغتسل أن يرمي بما هو برئ منه ويتضرر به، جاز التيمم (١) .
- إذا احتاج إلى الماء حالا أو مآلا لشربه أو شرب غيره، ولو كان كلبا غير عقور، أو احتاج له لعجن أو طبخ وإزالة نجاسة غير معفو عنها، فإنه يتيمم ويحفظ ما معه من الماء.
قال الامام أحمد ﵁: عدة من الصحابة تيمموا وحبسوا لماء لشفاههم.
وعن علي ﵁ أنه قال - في الرجل يكون في السفر، فتصيبه الجنابة، ومعه قليل من الماء، يخاف أن يعطش -: يتيمم ولا يغتسل. رواه الدارقطني.
قال ابن تيمية: ومن كان حاقنا عادما للماء، فالافضل أن يصلي بالتيمم غير حاقن من أن يحفظ وضوءه ويصلي حاقنا.
و إذا كان قادرا على استعمال الماء، لكنه خشي خروج الوقت باستعماله في الوضوء أو الغسل، فأنه يتيمم ويصلي، ولا اعادة عليه.
٦ - الصعيد الذي يتيمم به: يجوز التيمم بالتراب الطاهر وكل ما كان من جنس الارض، كالرمل والحجر والرجص.
لقول الله تعالى: (فتيمموا صعيدا طيبا) وقد أجمع أهل اللغة، على أن الصعيد وجه الارض، ترابا كان أو غيره.
٧ - كيفية التيمم: على المتيمم أن يقدم النية (٢) .
وتقدم الكلام عليها في الوضوء، ثم يسمي الله تعالى، ويضرب بيديه الصعيد الطاهر، ويمسح بهما وجهه ويديه إلى الرسغين.
ولم يرد في ذلك أصح ولا أصرح من حديث عمار ﵁ قال: اجنبت فلم أصب الماء فتمعكت في الصعيد (٣) وصليت، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: (إنما كان يكفيك هكذا) وضرب النبي ﷺ بكفيه الارض (وتنفخ فيهما) ثم مسح بهما
стр. 75
وجهه وكفيه) . رواه الشيخان.
وفي لفظ آخر: (إنما كان يكفيك أن تضرب بكفيك في التراب، ثم تنفخ فيهما، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك إلى الرسغين) رواه الدارقطني.
ففي هذا الحديث، الاكتفاء بضربة واحدة، والاقتصار في مسح اليدين على الكفين، وان من السنة لمن تيمم بالتراب، أن ينفض يديه وينفخهما منه، ولا يعفر به وجهه.
٨ - ما يباح به التيمم: التيمم بدل من الوضوء والغسل عند عدم الماء فيباح به ما يباح بهما، من الصلاة ومس المصحف وغيرهما، ولا يشترط لصحته دخول الوقت، وللمتيمم أن يصلي بالتيمم الواحد ما شاء من الفرائض والنوافل، فحكمه كحكم الوضوء، سواء بسواء، فعن أبي ذر ﵁، أن النبي ﷺ قال: (إن الصعيد طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين. فإذا وجد الماء فليمسه بشرته فإن ذلك خير) رواه أحمد والترمذي وصححه.
٩ - نواقضه: ينقض التيمم كل ما ينقض الوضوء، لانه بدل منه، كما ينقضه وجود الماء لمن فقده، أو القدرة على استعماله، لمن عجز عنه.
لكن إذا صلى بالتيمم، ثم وجد الماء، أو قدر على استعماله بعد الفراغ من الصلاة، لا تجب عليه الاعادة، وإن كان الوقت باقيا، فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: خرج رجلان في سفر، فحضرت الصلاة وليس معهما ماء فتيمما صعيدا طيبا فصليا، ثم وجد الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الوضوء والصلاة، ولم يعد الاخر، ثم أتيا رسول الله ﷺ ، فذكرا له ذلك، فقال للذي لم يعد: (أصبت السنة وأجزأتك صلاتك) وقال للذي توضأ وأعاد: (لك الاجر مرتين) رواه أبو داود والنسائي.
أما إذا وجد الماء وقدر على استعماله بعد الدخول في الصلاة، وقبل الفراغ منها، فإن وضوءه ينتقض، ويجب عليه التطهر بالماء، لحديث أبي ذر المتقدم.
وإذا تيمم الجنب أو الحائض لسبب من الاسباب المبيحة للتيمم وصلى، لا تجب عليه إعادة الصلاة.
ويجب عليه الغسل متى قدر على استعمال الماء، لحديث عمر ﵁ قال: (صلى رسول الله ﷺ بالناس، فلما انفتل من صلاته إذا هو
стр. 76
برجل معتزل لم يصل مع القوم، قال: (ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم؟) قال: أصابتني جنابة ولم أجد ماء.
قال: (عليك بالصعيد فإنه يكفيك) ثم ذكر عمران: أنهم بعد أن وجدوا الماء أعطى رسول الله ﷺ الذي أصابته الجنابة إناء من ماء وقال: (إذهب فأفرغه عليك) ، رواه البخاري.
المسح على الجبيرة ونحوها:
مشروعية المسح على الجبيرة والعصابة: يشرع المسح على الجبيرة ونحوها مما يربط به العضو المريض.
لاحاديث وردت في ذلك، وهي وإن كانت ضعيفة، إلا أن لها طرقا يشد بعضها بعضا.
وتجعلها صالحة للاستدلال بها على المشروعية.
من هذه الاحاديث حديث جابر: أن رجلا أصابه حجر، فشجه في رأسه ثم احتلم، فسأل أصحابه، هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: لا نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات.
فلما قدمنا على رسول الله ﷺ ، وأخبر بذلك فقال: (قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتمم ويعصر أو يعصب على جرحه، ثم يمسح عليه ويغسل سائر جسده) ، رواه أبو داود وابن ماجه والدارقطني وصححه ابن السكن.
وصح عن ابن عمر، أنه مسح على العصابة.
حكم المسح:
حكم المسح على الجبيرة الوجوب، في الوضوء والغسل، بدلا من غسل العضو المريض أو مسحه.
متى يجب المسح: من به جراحة أو كسر وأراد الوضوء أو الغسل، وجب عليه غسل أعضائه، ولو اقتضى ذلك تسخين الماء، فإن خاف الضرر من غسل العضو المريض، بأن ترتب على غسله حدوث مرض، أو زيادة ألم، أو تأخر شفاء، انتقل فرضه إلى مسح العضو المريض بالماء، فإن خاف الضرر من المسح وجب
стр. 77
عليه أن يربط على جرح عصابة، أو يشد على كسره جبيرة، بحيث لا يتجاوز العضو المريض إلا لضرورة ربطها، ثم يمسح عليها مرة تعمها.
والجبيرة أو العصابة لا يشترط تقدم الطهارة على شدها، ولا توقيت فيها بزمن، بل يمسح عليها دائما في الوضوء والغسل، ما دام العذر قائما.
مبطلات المسح:
يبطل المسح على الجبيرة، بنزعها من مكانها أو سقوطها عن موضعها عن برء أو براءة موضعها، وإن لم تسقط.
صلاة فاقد الطهورين من عدم الماء والصعيد بكل حال يصلي على حسب حاله ولا إعادة عليه.
لما رواه مسلم عن عائشة أنها استعارت من أسماء قلادة فهلكت. فأرسل رسول الله ﷺ ناسا من أصحابه في طلبها، فأدركتهم الصلاة فصلوا بغير وضوء، فلما أتوا النبي ﷺ شكوا ذلك إليه، فنزلت آية التيمم، فقال أسيد بن حضير. جزاك الله خيرا، فو الله ما نزل بك أمر قط، إلا جعل الله لك منه مخرجا، وجعل للمسلمين منه بركة، فهؤلاء الصحابة صلوا حين عدموا ما جعل لهم طهورا، وشكوا ذلك النبي ﷺ ، فلم ينكره عليهم، ولم يأمرهم بالاعادة: قال النووي: وهو أقوى الاقوال دليلا.
الحيض:
(١) تعريفه: أصل الحيض في اللغة: السيلان، والمراد به هنا: الدم الخارج من قبل المرأة حال صحتها، من غير سبب ولادة ولا افتضاض.
(٢) وقته: وقته يرى كثير من العلماء أن وقته لا يبدأ قبل بلوغ الانثى تسع سنين (١) فإذا رأت الدم قبل بلوغها هذا السن لا يكون دم حيض، بل دم علة
стр. 78
وفساد، وقد يمتد إلى آخر العمر، ولم يأت دليل على أن له غاية ينتهي إليها، فمتى رأت العجوز المسنة الدم، فهو حيض.
(٣) لونه: يشترط في دم الحيض أن يكون على لون من ألوان الدم الاتية:
١ - السواد، لحديث فاطمة بنت أبي حبيش، أنها كانت تستحاض فقال لها النبي ﷺ : (إذا كان دم الحيضة أسود يعرف (١) فإذا كان كذلك فأمسكي عن الصلاة فإذا كان الاخر فتوضي وصلي فإنما هو عرق) رواه أبو داود والنسائي وابن حبان والدارقطني.
وقال: رواته كلهم ثقات ورواه الحاكم وقال: على شرط مسلم.
ب - الحمرة: لانها أصل لون الدم.
ح - الصفرة: وهي ماء تراه المرأة كالصديد يعلوه اصفرار.
د - الكدرة: وهي التوسط بين لون البياض والسواد كالماء الوسخ، لحديث علقمة بن أبي علقمة عن أمه مرجانة مولاة عائشة ﵂ قالت: (كانت النساء يبعثن إلى عائشة بالدرجة (٢) فيها الكرسف فيه الصفرة، فتقول. لا تعجلن حتى ترين القصة (٣) البيضاء) رواه مالك ومحمد بن الحسن وعلقه البخاري.
وإنما تكون الصفرة والكدرة حيضا في أيام الحيض، وفي غيرها لا تعتبر حيضا، لحديث أم عطية ﵂ قالت: (كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئا) رواه أبو داود والبخاري ولم يذكر بعد الطهر.
стр. 79
(٤) مدته (١) : لا يتقدر أقل الحيض ولا أكثره.
ولم يأت في تقدير مدته ما تقوم به الحجة.
ثم إن كانت لها عادة متقررة تعمل عليها، لحديث أم سلمة ﵂: أنها استفتت رسول الله ﷺ في امرأة تهراق الدم فقال: (لتنظر قدر الليالي والايام التي كانت تحيضهن وقدرهن من الشهر، فتدع الصلاة ثم لتغتسل ولتستثفر (٢) ثم تصلي) رواه الخمسة إلا الترمذي، وإن لم تكن لها عادة متقررة ترجع إلى القرائن المستفادة من الدم لحديث فاطمة بنت أبي حبيش المتقدم، وفيه قول النبي ﷺ : (إذا كان دم الحيض فإنه أسود يعرف) فدل الحديث على أن دم الحيض متميز عن غيره، معروف لدى النساء.
٥ - مدة الطهر بين الحيضتين: اتفق العلماء على أنه لا حد لاكثر الطهر المتخلل بين الحيضتين.
واختلفوا في أقله، فقدره بعضهم بخمسة عشر يوما، وذهب فريق منهم إلى أنه ثلاثة عشر.
والحق أنه لم يأت في تقدير أقله دليل ينهض للاحتجاج به.
النفاس:
(١) تعريفه: هو الدم الخارج من قبل المرأة بسبب الولادة وإن كان المولود سقطا.
(٢) مدته: لا حد لاقل النفاس، فيتحقق بلحظة فإذا ولدت وانقطع دمها عقب الولادة، أو ولدت بلا دم وانقضى نفاسها، لزمها ما يلزم الطاهرات من الصلاة والصوم وغيرهما، وأما أكثره فأربعون يوما.
لحديث أم سلمة ﵂ قالت: (كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله صلى الله
стр. 80
عليه وسلم أربعين يوما) .
رواه الخمسة إلا النسائي وقال الترمذي - بعد هذا الحديث -: قد أجمع أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين ومن بعدهم، على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يوما، إلا أن ترى
الطهر قبل ذلك، فإنها تغتسل وتصلي، فإن رأت الدم بعد الاربعين، فإن أكثر أهل العلم قالوا: لا تدع الصلاة بعد الاربعين.
ما يحرم على الحائض والنفساء:
تشترك الحائض والنفساء مع الجنب في جميع ما تقدم مما يحرم على الجنب، وفي أن كل واحد من هؤلاء الثلاث يقال له محدث حدثا أكبر ويحرم على الحائض والنفساء - زيادة على ما تقدم - أمور:
(١) الصوم: فلا يحل للحائض والنفساء أن تصوم، فإن صامت لا ينعقد صيامها، ووقع باطلا، ويجب عليها قضاء ما فاتها من أيام الحيض والنفاس في شهر رمضان، بخلاف ما فاتها من الصلاة، فإنه لا يجب عليها قضاؤه دفعا للمشقة، فإن الصلاة يكثر تكرارها، بخلاف الصوم، لحديث أبي سعيد الخدري قال: خرج رسول الله ﷺ في أضحى أو فطر إلى المصلى فمر على النساء فقال: (يا معشر النساء تصدقن فإني أيتكن أكثر أهل النار) فقلن: ولم يا رسول الله؟ قال: (تكترن اللعن وتكفرن العشير. ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن!) قلن: وما نقصان عقلنا وديننا يا رسول الله؟ قال: (أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ قلن: بلى. قال (فذلك من نقضان عقلها، أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟) قلن: بلى. قال. (فذلك نقصان دينها) رواه البخاري ومسلم.
وعن معاذة قالت: (سألت عائشة ﵂، فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت: كان يصيبنا ذلك مع رسول الله ﷺ فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة. رواه الجماعة.
(٢) الوطء: وهو حرام بإجماع المسلمين، بنص الكتاب والسنة، فلا يحل وطء
стр. 81
الحائض والنفساء حتى تطهر، لحديث أنس: أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة منهم لم يؤاكلوها، ولم يجامعوها.
ولقد سأل أصحاب النبي ﷺ فأنزل الله (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) (١) فقال رسول الله ﷺ : (اصنعوا كل شئ إلا النكاح) ، وفي لفظ (إلا الجماع) رواه الجماعة إلا البخاري،، قال النووي: ولو اعتقد مسلم حل جماع الحائض في فرجها صار كافرا مرتدا، ولو فعله غير معتقد حله ناسيا أو جاهلا الحرمة أو وجود الحيض، فلا إثم عليه ولا كفارة، وإن فعله عامدا عالما بالحيض والتحريم مختارا فقد ارتكب معصية كبيرة، يجب عليه التوبة منها.
وفي وجوب الكفارة قولان: أصحهما أنه لا كفارة عليه، ثم قال: النوع الثاني أن يباشرها فيما فوق السرة وتحت الركبة وهذا حلال بالاجماع، والنوع الثالث أن يباشرها فيما بين السرة والركبة، غير القبل والدبر. وأكثر العلماء على حرمته.
ثم اختار النووي الحل مع الكراهة، لانه أقوى من حيث الدليل، انتهى ملخصا.
والدليل الذي أشار إليه، ما روي عن أزواج النبي ﷺ أن النبي كان إذا أراد من الحائض شيئا ألقى على فرجها شيئا. رواه أبو داود. قال الحافظ: إسناده قوي.
وعن مسروق بن الاجدع، قال: سألت عائشة: ما للرجل من امرأته إذا كانت حائضا؟ قالت: (كل شئ إلا الفرج) رواه البخاري في تاريخه.
الاستحاضة:
(١) تعريفها هي استمرار نزول الدم وجريانه في غير أوانه.
стр. 82
(٢) أحوال المستحاضة:
المستحاضة لها ثلاث حالات:
ا - أن تكون مدة الحيض معروفة لها قبل الاستحاضة، وفي هذه الحالة تعتبر هذه المدة المعروفة هي مدة الحيض، والباقي استحاضة، لحديث أم سلمة: أنها استفتت النبي ﷺ في امرأة تهراق الدم فقال: (لتنظر قدر الليالي والايام التي كانت تحيضهن وقدرهن من الشعر، فتدع الصلاة، ثم لتغتسل ولتستثفر ثم تصلي) رواه مالك والشافعي والخمسة إلا الترمذي قال النووي: وإسناده على شرطهما.
قال الخطابي: هذا حكم المرأة يكون لها من الشهر أيام معلومة تحيضها في أيام الصحة قبل حدوث العلة ثم تستحاض فتهريق الدم، ويستمر بها السيلان أمرها النبي ﷺ أن تدع الصلاة من الشهر قدر الايام التي كانت تحيض، قبل أن يصيبها ما أصابها، فإذا استوفت عدد تلك الايام، اغتسلت مرة واحدة، وحكمها حكم الطواهر.
ب - أن يستمر بها الدم ولم يكن لها أيام معروفة، إما لانها حسبت عادتها، أو بلغت مستحاضة، ولا تستطيع تمييز دم الحيض.
وفي هذه الحالة يكون حيضها ستة أيام أو سبعة، على غالب عادة النساء، لحديث حمنة بنت جحش قالت: كنت أستحاض حيضة شديدة كثيرة، فجئت رسول الله ﷺ أستفتيه وأخبره فوجدته في بيت أختي زينب بن جحش، قالت فقلت: يا رسول الله إني أستحاض حيضة كثيرة شديدة، فما ترى فيها، وقد منعتني الصلاة والصيام؟ فقال: (أنعت لك الكرسف (١) فإنه يذهب الدم) قالت: هو أكثر من ذلك، قال (فتلجمي) قالت: إنما أثج ثجا فقال: (سآمرك بآمرين) أيهما فعلت فقد أجزأ عنك من الاخر، فان قويت عليها فأنت أعلم، فقال لها: (إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان، فتحيضي ستة أيام إلى سبعة في علم الله ثم اغتسلي، حتى إذا رأيت أنك قد
стр. 83
طهرت واستنقيت، فصلي أربعا وعشرين ليلة، أو ثلاثا وعشرين ليلة وأيامها، وصومي، فإن ذلك يجزئك، وكذلك فافعلي في كل شهر كما تحيض النساء وكما يطهرن بميقات حيضهن وطهرهن، وإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر، فتغسلين ثم تصلين الظهر والعصر جميعا، ثم تؤخرين المغرب وتعجلين العشاء وتجمعين الصلاتين فافعلي، وتغتسلين مع الفجر وتصلين، فكذلك فافعلي وصلي وصومي إن قدرت على ذلك ... ) وقال رسول الله ﷺ : (وهذا أحب الامرين إلي) رواه أحمد وأبو داود والترمذي قال: هذا حديث حسن صحيح.
قال: وسألت عنه البخاري فقال: حديث حسن.
وقال أحمد بن حنبل: هو حديث حسن صحيح.
قال الخطابي - تعليقا على هذا الحديث -: إنما هي امرأة مبتدأة لم يتقدم لها أيام، ولا هي مميزة لدمها، وقد استمر بها الدم حتى غلبها، فرد رسول الله ﷺ أمرها إلى العرف الظاهر والامر الغالب من أحوال النساء كما حمل أمرها في تحيضها كل شهر مرة واحدة على الغالب من عادتهن.
ويدل على هذا قوله: (كما تحيض النساء ويطهرن بميقات حيضهن وطهرهن) قال: وهذا أصل في قياس أمر النساء بعضهن على بعض، في باب الحيض والحمل والبلوغ، وما أشبه هذا من أمورهن.
ح - أن لا تكون لها عادة، ولكنها تستطيع تمييز دم الحيض عن غيره وفي هذه الحالة تعمل بالتمييز، لحديث فاطمة بنت أبي حبيش: أنها كانت تستحاض، فقال لها النبي ﷺ : (إذا كان دم الحيض فإنه أسود يعرف، فإذا كان كذلك فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الاخر فتوضئي وصلى فإنما هو عرق) وقد تقدم.
(٣) أحكامها: للمستحاضة أحكام نلخصها فيما يأتي:
ا - أنه لا يجب عليها الغسل لشئ من الصلاة ولا في وقت من الاوقات إلا مرة واحدة، حينما ينقطع حيضها.
وبهذا قال الجمهور من السلف والخلف.
ب - أنه يجب عليها الوضوء لكل صلاة، لقوله صلى الله عليه وسلم
стр. 84
- في رواية البخاري -: (ثم توضئي لكل صلاة) .
وعند مالك يستحب لها الوضوء لكل صلاة، ولا يجب إلا بحدث آخر.
ح - أن تغسل فرجها قبل الوضوء وتحشوه بخرقة أو قطنة دفعا للنجاسة، وتقليلا لها، فإذا لم يندفع الدم بذلك شدت مع ذلك على فرجها وتلجمت واستثفرت، ولا يجب هذا، وإنما هو الاولى.
د - ألا تتوضأ قبل دخول وقت الصلاة عند الجمهور إذ طهارتها ضرورية، فليس لها تقديمها قبل وقت الحاجة.
هـ - أنه يجوز لزوجها أن يطأها في حال جريان الدم، عند جماهير العلماء لانه لم يرد دليل بتحريم جماعها.
قال ابن عباس: المستحاضة يأتيها زوجها إذا صلت الصلاة، أعظم رواه البخاري ليعني إذا جاز لها أن تصلي ودمها جار، وهي أعظم ما يشترط لها الطهارة، جاز جماعها.
وعن عكرمة بنت حمنة، أنها كانت مستحاضة وكان زوجها يجامعها. رواه أبو داود والبيهقي، وقال النووي: إسناده حسن.
و أن لها حكم الطاهرات: تصلي وتصوم وتعتكف وتقرأ القرآن وتمس المصحف وتحمله وتفعل كل العبادات.
وهذا مجمع عليه (١) .
стр. 85
الصلاة:
الصلاة عبادة تتضمن أقوالا وأفعالا مخصوصة، مفتتحة بتكبير الله تعالى، مختتمة بالتسليم.
منزلتها في الاسلام:
وللصلاة في الاسلام منزلة لا تعدلها منزلة أية عبادة أخرى، فهي عماد الدين الذي لا يقوم إلا به، قال رسول الله ﷺ : (رأس الامر الاسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله) ، وهي أول ما أوجبه الله تعالى من العبادات، تولى إيجابها بمخاطبة رسوله ليلة المعراج من غير واسطة.
قال أنس: (فرضت الصلاة على النبي ﷺ ليلة أسري به خمسين، ثم نقصت حتى جعلت خمسا، ثم نودي يا محمد: إنه لا يبدل القول لدي، وإن لك بهذه الخمس خمسين) . رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه.
وهي أول ما يحاسب عليه العبد.
نقل عبد الله بن قرط قال، قال رسول الله ﷺ : (أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة) فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله) رواه الطبراني.
وهي آخر وصية وصي بها رسول الله ﷺ أمته عند مفارقة الدنيا، جعل يقول - وهو يلفظ أنفساه الاخيرة -: (الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم) وهي آخر ما يفقد من الدين، فإن ضاعت ضاع الدين كله.
قال رسول الله ﷺ : (لتنقضن عرى الاسلام عروة عروة فكلما انتقضت عروة تشبث الناس قبالتي تليها.
فأولهن نقضا الحكم. وآخرهن الصلاة) رواه ابن حبان من حديث أبي أمامة.
والمتتبع لايات القرآن الكريم يرى أن الله سبحانه يذكر الصلاة ويقرنها بالذكر تارة: (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر) (١) . (قد أفلح
стр. 86
من تزكى وذكر اسم ربه فصلى (١) (وأقم الصلاة لذكري (٢)) وتارة يقرنها بالزكاة: (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة (٣)) ومرة بالصبر (واستعينوا بالصبر والصلاة (٤) ، وطورا بالنسك (فصل لربك والنحر (٥) (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين) (٦) .
وأحيانا يفتتح بها أعمال البر ويختتمها بها، كما في سورة، سأل (المعارج) وفي أول سورة المؤمنين: (قد أفلح المؤمنون، الذين هم في صلاتهم خاشعون) إلى قوله: (والذين هم على صلواتهم يحافظون أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون) (٧)) .
وقد بلغ من عناية الاسلام بالصلاة، أن أمر بالمحافظة عليها في الحضر والسفر، والامن والخوف، فقال تعالى: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى، وقوموا لله قانتين، فإن خفتم فرجالا أو ركبانا، فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون) (٨) وقال مبينا كيفيتها في السفر والحرب والامن: (وإذا ضربتم في الارض فليس عليكم جناح أن تقتصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا. وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم، فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم، ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم، ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة، ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم، وخذوا حذركم، إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا، فإذا قضيتم
стр. 87
الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم، فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا) (١) .
وقد شدد النكير على من يفرط فيها، وهدد الذين يضيعونها.
فقال جل شأنه: (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة، واتبعوا الشهوات، فسوف يلقون غيا (٢) وقال: (فويل للمصلين، الذين هم عن صلاتهم ساهون) (٣) .
ولان الصلاة من الامور الكبرى التي تحتاج إلى هداية خاصة، سأل إبراهيم ﵇ ربه أن يجعله هو وذريته مقيما لها فقال: (رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي، ربنا وتقبل دعاء) (٤) .
حكم ترك الصلاة:
ترك الصلاة جحودا بها وإنكارا لها كفر وخروج عن ملة الاسلام، بإجماع المسلمين.
أما من تركها مع إيمانه بها واعتقاده فرضيتها، ولكن تركها تكاسلا أو تشاغلا عنها، بما لا يعد في الشرع عذرا فقد صرحت الاحاديث بكفره ووجوب قتله.
أما الاحاديث المصرحة بكفره فهي:
١ - عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : (بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة) .
رواه أحمد ومسلم، وأبو داود والترمذي وابن ماجه.
٢ - وعن بريدة قال: قال رسول الله ﷺ : (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر) .
رواه أحمد وأصحاب السنن.
٣ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ ، أنه ذكر الصلاة يوما فقال: (من حافظ عليها كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم
стр. 88
القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نورا ولا برهانا ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف) رواه أحمد والطبراني وابن حبان، وإسناده جيد.
وكون تارك المحافظة على الصلاة مع أئمة الكفر في الاخرة يقتضي كفره.
قال ابن القيم: تارك المحافظة على الصلاة، إما أن يشغله ماله أو ملكه أو رياسته أو تجارته.
فمن شعله عنها ماله فهو مع قارون ومن شغله عنها ملكه فهو مع فرعون، ومن شغله عنها رياسته ووزارته فهو مع هامان، ومن شغله عنها تجارته فهو مع أبي بن خلف.
٤ - وعن عبد الله بن شقيق العقيلي قال: (كان أصحاب محمد ﷺ لا يرون شيئا من الاعمال تركه كفر غير الصلاة) رواه الترمذي والحاكم على شرط الشيخين.
٥ - قال محمد بن نصر المروزي: سمعت إسحاق يقول: (صح عن النبي ﷺ : أن تارك الصلاة كافر) كان رأي أهل العلم، من لدن محمد ﷺ أن تارك الصلاة عمدا من غير عذر حتى يذهب وقتها كافر.
٦ - وقال ابن حزم: وقد جاء عن عمر، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاذ بن جبل، وأبي هريرة وغيرهم من الصحابة (أن من ترك صلاة فرض واحدة متعمدا حتى يخرج وقتها فهو كافر مرتد) ولا نعلم لهؤلاء الصحابة مخالفا. ذكره المنذري في الترغيب والترهيب.
ثم قال: قد ذهب جماعة من الصحابة ومن بعدهم إلى تكفير من ترك الصلاة، متعمدا تركها، حتى يخرج جميع وقتها، منهم عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، ومعاذ بن جبل، وجابر بن عبد الله، وأبو الدرداء ﵃.
ومن غير الصحابة أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وعبد الله بن المبارك، والنخعي، والحكم بن عتيبة وأبو أيوب السختياني، وأبو داود الطيالسي، وأبو بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب، وغيرهم رحمهم الله تعالى.
أما الاحاديث المصرحة بوجوب قتله فهي:
стр. 89
١ - عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: (عرى الاسلام وقواعد الدين ثلاثة. عليهن أسس الاسلام، من ترك واحدة منهن فهو بها كافر حلال الدم.
شهادة أن لا إله إلا الله، والصلاة المكتوبة، وصوم رمضان) رواه أبو يعلى بإسناد حسن.
وفي رواية أخرى: (من ترك منهن واحدة بالله كافر ولا يقبل منه صرف ولا عدل) (١) .
وقد حل دمه وماله) .
٢ - وعن ابن عمر، أن النبي ﷺ قال: أمرت أن أقاتل الناس حتى شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الاسلام وحسابهم على الله .
رواه البخاري ومسلم.
٣ - وعن أم سلمة، أن رسول الله ﷺ قال: (إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم ولكن من رضي وتابع) قالوا يا رسول الله: ألا نقاتلهم؟ قال: (لا، ما صلوا) رواه مسلم.
جعل المانع من مقاتلة أمراء الجور الصلاة.
٤ - وعن أبي سعيد قال: بعث علي - وهو على اليمن - إلى النبي ﷺ بذهيبة فقسمها بين أربعة، فقال رجل يا رسول الله: اتق الله. فقال: (ويلك!! أو لست أحق أهل الارض أن يتقي الله!) ثم ولى الرجل فقال خالد بن الوليد: يا رسول الله ألا أضرب عنقه؟ فقال لا: (لعله أن يكون يصلي) فقال خالد: وكم من رجل يقول بلسانه ما ليس في قلبه. فقال النبي ﷺ : (إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم) مختصر من حديث للبخاري ومسلم.
وفي هذا الحديث أيضا، جعل الصلاة هي المانعة من القتل، ومفهوم هذا، أن عدم الصلاة يوجب القتل.
رأي بعض العلماء الاحاديث المتقدمة ظاهرها يقتضي كفر تارك الصلاة وإباحة دمه، ولكن كثيرا من علماء السلف والخلف، منهم أبو حنيفة، مالك، والشافعي، على
стр. 90
أنه لا يكفر، بل يفسق ويستتاب، فإن لم يتب قتل حد أعند مالك والشافعي وغيرهما.
وقال أبو حنيفة: لا يقتل بل يعزر ويحبس حتى يصلي، وحملوا أحاديث التكفير على الجاحد أو المستحل للترك، وعارضوها ببعض النصوص العامة كقول الله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) . (١)
وكحديث أبي هريرة عند أحمد ومسلم عن رسول الله ﷺ قال: (لكل نبي دعوة مستجابة. فتعجل كل نبي دعوته وإني اختبأت دعوتي شفاعة لامتي يوم القيامة، فهي نائلة - إن شاء الله - من مات لا يشرك بالله شيئا) وعنه، عند البخاري: أن رسول الله ﷺ قال: (أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلا الله، خالصا من قلبه) .
مناظرة في تارك الصلاة:
ذكر السبكي في طبقات الشافعية أن الشافعي وأحمد ﵄ تناظرا في تارك الصلاة.
قال الشافعي: يا أحمد أتقول: إنه يكفر؟ قال: نعم.
قال: إذا كان كافرا فبم يسلم؟ قال: يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله.
قال الشافعي: فالرجل مستديم لهذا القول لم يتركه.
قال: يسلم بأن يصلي.
قال: صلاة الكافر لا تصح، ولا يحكم له بالاسلام بها.
فسكت الامام أحمد، رحمهما الله تعالى.
تحقيق الشوكاني:
قال الشوكاني: والحق أنه كافر يقتل.
أما كفره، فلان الاحاديث قد صحت أن الشارع سمى تارك الصلاة بذلك الاسم، وجعل الحائل بين الرجل وبين جواز إطلاق هذا الاسم عليه هو الصلاة، فتركها مقتض لجواز الاطلاق، ولا يلزمنا شئ من المعارضات التي أوردها المعارضون، لانا نقول: لا يمنع أن يكون بعض أنواع الكفر غير مانع من المغفرة واستحقاق الشفاعة، ككفر أهل
стр. 91
القبلة ببعض الذنوب التي سماها الشارع كفرا، فلا ملجئ إلى التأويلات التي وقع الناس في مضيقها.
على من تجب؟ تجب الصلاة على المسلم العاقل البالغ، لحديث عائشة عن النبي ﷺ قال: (رفع القلم عن ثلاث (١) : عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم (٢) ، وعن المجنون حتى يعقل) رواه أحمد وأصحاب السنن والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين، وحسنه الترمذي.
صلاة الصبي:
والصبي وإن كانت الصلاة غير واجبة عليه، إلا أنه ينبغي لوليه أن يأمره بها، إذا بلغ سبع سنين، ويضربه على تركها، إذا بلغ عشرا، ليتمرن عليها ويعتادها بعد البلوغ.
فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال، قال رسول الله ﷺ : (مروا أولادكم بالصلاة إذا بلغوا سبعا، واضربوهم عليها إذا بلغوا عشرا، وفرقوا بينهم في المضاجع) رواه أحمد وأبو داود والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم.
عدد الفرائض:
الفرائض التي فرضها الله تعالى في اليوم والليلة خمس: فعن ابن محيريز، أن رجلا من بني كنانة يدعى المخدجي، سمع رجلا بالشام يدعى أبا محمد، يقول: الوتر واحد قال: فرحت إلى عبادة بن الصامت فأخبرته، فقال عبادة: كذب أو محمد، سمعت رسول الله ﷺ يقول: (خمس صلوات كتبهن الله على العباد، من أتى بهن لم يضيع منهن شيئا استخفافا بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر له) .
رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه، وقال فيه: (ومن جاء بهن قد انتقص منهن شيئا
стр. 92
استخفافا بحقهن) .
وعن طلحة بن عبيد الله أن اعرابيا جاء إلى رسول الله ﷺ ثائر الشعر فقال: (يا رسول الله أخبرني ما فرض الله علي من الصلوات؟ فقال: (الصلوات الخمس إلا أن تطوع شيئا) فقال: أخبرني ماذا فرض الله علي من الصيام؟.
فقال: (شهر رمضان إلا أن تطوع شيئا) .
فقال: أخبرني ماذا فرض الله علي من الزكاة؟ قال: فأخبره رسول الله صلى الله عليه
وسلم بشرائع الاسلام كلها.
فقال: والذي أكرمك لا أتطوع شيئا ولا أنقص مما فرض الله علي شيئا.
فقال رسول الله ﷺ : (أفلح إن صدق، أو دخل الجنة إن صدق) .
رواه البخاري ومسلم.
مواقيت الصلاة:
للصلاة أوقات محدودة لا بد أن تؤدى فيها، لقول الله تعالى: (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا) (١) أي فرضا مؤكدا ثابتا ثبوت الكتاب.
وقد أشار القرآن إلى هذه الاوقات فقال تعالى: (وأقم الصلاة طرفي النهار (٢) وزلفا من الليل، إن الحسنات يذهبن السيئات، ذلك ذكرى للذاكرين (٣)) .
وفي سورة الاسراء: (أقم الصلاة لدلوك الشمس (٤) إلى غسق الليل، وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا (٥)) .
وفي سورة طه: (وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى (٦))
стр. 93
يعني بالتسبيح قبل طلوع الشمس: صلاة الصبح، وبالتسبيح قبل غروبها: صلاة العصر، لما جاء في الصحيحين عن جرير بن عبد الله البجلي قال: كنا جلوسا عند رسول الله ﷺ فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا، ثم قرأ هذه الاية) .
هذا هو ما أشار إليه القرآن من الاوقات: وأما السنة فقد حددتها وبينت معالمها فيما يلي:
١ - عن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله ﷺ قال: (وقت الظهر إذا زالت الشمس، وكان ظل الرجل كطوله ما لم يحضر العصر، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس، ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق، وقت العشاء إلى نصف الليل الاوسط، ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر وما لم تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس فأمسك عن الصلاة، فإنها تطلع بين قرني شيطان) ، رواه مسلم.
٢ - وعن جابر بن عبد الله، أن النبي ﷺ جاءه جبريل ﵇ فقال له: (قم فصله، فصلى الظهر حين زالت الشمس، ثم جاءه العصر فقال: قم فصله، فصلى العصر حين صار ظل كل شئ مثله، ثم جاءه المغرب فقال: قم فصله، فصلى العشاء حين غ اب الشفق، ثم جاءه الفجر حين برق الفجر، أو قال: (سطع الفجر) ثم جاءه من الغد للظهر فقال: قم فصله، فصلى الظهر حين صار ظل كل شئ مثله، ثم جاءه العصر فقال: قم فصله، فصلى العصر حين صار ظل كل شئ مثليه، ثم جاءه العصر فقال: قم فصله، فصلى العصر حين صار ظل كل شئ مثليه، ثم جاءه المغرب وقتا واحدا لم يزل عنه، ثم جاءه العشاء حين ذهب نصف الليل، أو قال: (ثلث الليل) فصلى العشاء.
ثم جاءه حين أسفر جدا فقال: قم فصله، فصلى الفجر، ثم قال: (ما بين هذين الوقتين وقت) رواه أحمد والنسائي والترمذي.
وقال البخاري: هو أصح شئ في المواقيت، يعني إمامة جبريل.
стр. 94
وقت الظهر
تبين من الحديثين المتقدمين، أن وقت الظهر يبتدئ من زوال الشمس عن وسط السماء، ويمتد إلى أن يصير ظل كل شئ مثله سوى فئ الزوال، إلا أنه يستحب تأخير صلاة الظهر عن أول الوقت عند شدة الحر، حتى لا يذهب الخشوع، والتعجيل في غير ذلك.
دليل هذا
: ١ - ما رواه أنس قال: (كان النبي ﷺ إذا اشتد البرد بكر بالصلاة، وإذا اشتد الحر أبرد بالصلاة) رواه البخاري.
٢ - وعن أبي ذر قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر فأراد المؤذن أن يؤذن الظهر فقال: أبرد، ثم أراد أن يؤذن فقال: أبرد، مرتين أو ثلاثا، حتى رأينا في التلول (١) ثم قال: (إن شدة الحر من فيح جهنم، فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة) ، رواه البخاري ومسلم.
غاية الابراد
قال الحافظ في الفتح: واختلف العلماء في غاية الابراد. فقيل حتى يصير الظل ذراعا بعد ظل الزوال. وقيل: ربع قامة، وقيل: ثلثها. وقيل: نصفها، وقيل غير ذلك.
والجاري على القواعد، أنه يختلف باختلاف الاحوال ولكن بشرط أن لا يمتد إلى آخر الوقت.
وقت صلاة العصر
وقت صلاة العصر يدخل بصيرورة ظل الشئ مثله بعده فئ الزوال، ويمتد إلى غروب الشمس.
فعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر) .
رواه الجماعة، ورواه البيهقي بلفظ: (من صلى من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس ثم صلى ما تبقى بعد غروب الشمس لم يفته العصر) .
стр. 95
وقت الاختيار ووقت الكراهة وينتهي وقت الفضيلة والاختيار باصفرار الشمس، وعلى هذا يحمل حديث جابر وحديث عبد الله بن عمر والمتقدمين.
وأما تأخير الصلاة إلى ما بعد الاصفرار فهو وإن كان جائزا إلا أنه مكروه إذا كان لغير عذر.
فعن أنس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (تلك صلاة المنافق، يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقرها أربعا. لا يذكر الله إلا قليلا) رواه الجماعة، إلا البخاري، وابن ماجه.
قال النووي في شرح مسلم: قال أصحابنا للعصر خمسة أوقات:
(١) وقت فضيلة.
(٢) واختيار.
(٣) وجواز بلا كراهة.
(٤) وجواز مع كراهة.
(٥) ووقت عذر، فأما وقت الفضيلة فأول وقتها.
ووقت الاختيار، يمتد إلى أن يصير ظل الشئ مثليه، ووقت الجواز إلى الاصفرار، ووقت الجواز مع الكراهة حال الاصفرار إلى الغروب، ووقت العذر، وهو وقت الظهر في حق من يجمع بين العصر والظهر، لسفر أو مطر، ويكون العصر في هذه الاوقات الخمسة أداء، فإذا فاتت كلها بغروب الشمس صارت قضاء.
تأكيد تعجيلها في يوم الغيم:
عن بريدة الاسلمي قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة فقال: (بكروا بالصلاة في اليوم الغيم، فإن من فاتته صلاة العصر فقد حبط عمله) رواه أحمد وابن ماجه.
قال ابن القيم: الترك نوعان: ترك كلي لا يصليها أبدا، فهذا يحبط العمل جميعه، وترك معين، في يوم معين، فهذا يحبط عمل اليوم) .
صلاة العصر هي صلاة الوسطى قال الله تعالى: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين) .
وقد جاءت الاحاديث الصحيحة مصرحة بأن صلاة العصر هي الصلاة الوسطى.
стр. 96
١ - فعن علي ﵁: أن النبي ﷺ قال يوم الاحزاب: (ملا الله قبورهم وبيوتهم نارا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس) رواه البخاري ومسلم.
ولمسلم وأحمد وأبي داود: (شغلونا عن الصلاة الوسطى، صلاة العصر) .
٢ - وعن ابن مسعود قال: حبس المشركون رسول الله ﷺ عن صلاة العصر حتى احمرت الشمس واصفرت فقال رسول الله ﷺ : (شغلونا عن الصلاة الوسطى، صلاة العصر، ملا الله أجوافهم وقبورهم نارا) ، (أو حشا أجوافهم وقبورهم نارا) رواه أحمد ومسلم وابن ماجه.
وقت صلاة المغرب
يدخل وقت صلاة المغرب إذا غابت الشمس وتوارت بالحجاب، ويمتد إلى مغيب الشفق الاحمر، لحديث عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ
قال: (وقت صلاة المغرب إذا غابت الشمس ما لم يسقط الشفق) رواه مسلم.
وروي أيضا عن أبي موسى: أن سائلا سأل رسول الله ﷺ عن مواقيت الصلاة، فذكر الحديث، وفيه فأمره فأقام المغرب حين وجبت الشمس، فلما كان اليوم الثاني.
قال: ثم أخر حتى كان عند سقوط الشفق (١) ثم قال: الوقت ما بين هذين.
قال النووي في شرح مسلم: (وذهبت المحققون من أصحابنا إلى رجيح القول بجواز تأخيرها ما لم يغب الشفق، وأنه يجوز ابتداؤها في كل وقت من ذلك، ولا يأثم بتأخيرها عن أول الوقت) .
وهذا هو الصحيح أو الصواب الذي لا يجوز غيره.
وأما ما تقدم في حديث إمامة جبريل: أنه صلى المغرب في اليومين في وقت واحد حين غربت الشمس، فهو يدل على استحباب التعجيل بصلاة المغرب، وقد جاءت الاحاديث مصرحة بذلك.
стр. 97
١ - فعن السائب بن يزيد أن: رسول الله ﷺ قال: (لا تزال أمتي على الفطرة ما صلوا المغرب قبل طلوع النجوم) رواه أحمد والطبراني.
٢ - وفي المسند ان ابن أبي أيوب الانصاري قال: قال رسول الله ﷺ : (صلوا المغرب لفطر الصائم وبادروا طلوع النجوم) .
٣ - وفي صحيح مسلم عن رافع بن خديج: (كنا نصلي المغرب مع رسول الله ﷺ فينصرف أحدنا وانه ليبصر مواقع نبله) .
٤ - وفيه عن سلمة بن الاكوع: أن رسول الله ﷺ كان يصلي المغرب إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب..وقت العشاء يدخل وقت صلاة العشاء بمغيب الشفق الاحمر، ويمتد إلى نصف الليل.
فعن عائشة قالت: (كانوا يصلون العتمة (١) فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل الاول) رواه البخاري.
وعن أبي هريرة قال، قال رسول الله ﷺ : (لولا أن أشق على أمتي لامرتهن أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه) ، رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه.
وعن أبي سعيد قال: انتظرنا رسول الله ﷺ ليلة بصلاة العشاء حتى ذهب نحو من شطر الليل قال: فجاء فصلى بنا ثم قال: (خذوا مقاعدكم فإن الناس قد أخذوا مضاجعهم، وإنكم لن تزالوا في صلاة منذ انتظرتموها لولا ضعف الضعيف وسقم السقيم وحاجة ذي الحاجة، لاخرت هذه الصلاة إلى شطر الليل) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه والنسائي وابن خزيمة وإسناده صحيح. هذا وقت الاختيار.
وأما وقت الجواز والاضطرار فهو ممتد إلى الفجر، لحديث أبي قتادة قال، قال رسول الله ﷺ : (أما إنه ليس في النوم تفريط إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجئ وقت الصلاة الاخرى) رواه مسلم.
والحديث المتقدم في المواقيت يدل على أن وقت كل صلاة ممتد إلى دخول وقت
стр. 98
الصلاة الاخرى، إلا صلاة الفجر فإنها لا تمتد إلى الظهر، فإن العلماء أجمعوا أن وقتها ينتهي بطلوع الشمس.
استحباب تأخير صلاة العشاء عن أول وقتها:
والافضل تأخير صلاة العشاء إلى آخر وقتها المختار، وهو نصف الليل،
لحديث عائشة قالت: أعتم (١) النبي ﷺ ذات ليلة حتى ذهب عامة الليل، حتى نام أهل المسجد ثم خرج فصلى فقال: (إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي) رواه مسلم والنسائي.
وقد تقدم حديث أبي هريرة، وحديث أبي سعيد، وهما في معنى حديث عائشة، وكلها تدل على استحباب التأخير وأفضليته، وأن النبي ﷺ ترك المواظبة عليه لما فيه من المشقة على المصلين، وقد كان النبي ﷺ يلاحظ أحوال المؤتمين، فأحيانا يعجل وأحيانا يؤخر.
فعن جابر قال: (كان رسول الله ﷺ يصلي الظهر بالهاجرة (٢) ، والعصر، والشمس نقية، والمغرب، إذا وجبت الشمس، والعشاء، أحيانا يؤخرها وأحيانا يعجل، إذا رآهم اجتمعوا عجل، وإذا رآهم أبطأوا أخر، والصبح كانوا أو كان النبي ﷺ يصليها بغلس (٣)) ، رواه البخاري ومسلم.
стр. 99
جدب لنا رسول الله ﷺ السمر بعد العشاء، ورواه ابن ماجه قال: جدب: يعني زجرنا ونهانا عنه.
وعلة كراهة النوم قبلها والحديث بعدها: أن النوم قد يفوت على النائم الصلاة في الوقت المستحب أو صلاة الجماعة، كما أن السمر بعدها يؤدي إلى السهر المضيع لكثير من الفوائد، فإن أراد النوم وكان معه من يوقظه أو أو تحدث بخير فلا كراهة حينئذ.
فعن ابن عمر قال: (كان رسول الله ﷺ يسمر عند أبي بكر الليلة كذلك في أمر من أمور المسلمين، وأنا معه) رواه أحمد والترمذي وحسنه، وعن ابن عباس قال: (رقدت في بيت ميمونة ليلة كان رسول الله ﷺ عندها، لانظر كيف صلاة رسول الله ﷺ بالليل، فتحدث النبي ﷺ مع أهله ساعة ثم رقد) .رواه مسلم.
وقت صلاة الصبح
يبتدئ الصبح من طلوع الفجر الصادق ويستمر إلى طلوع الشمس، كما تقدم في الحديث.
استحباب المبادرة لها يستحب المبادرة بصلاة الصبح بأن تصلي في أول وقتها، لحديث أبي مسعود الانصاري، أن رسول الله ﷺ صلى صلاة الصبح مرة بغلس، ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها، ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس حتى مات، ولم يعد أن يسفر.
رواه أبو داود والبيهقي، وسنده صحيح.
وعن عائشة قالت: (كن نساء مؤمنات يشهدن مع النبي ﷺ صلاة الفجر متلفعات بمروطهن (١) ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة لا يعرفهن أحد من الغلس) .
رواه الجماعة.
وأما حديث رافع بن خديج: أن النبي ﷺ قال: (أصبحوا
بالصبح فإنه أعظم لاجوركم) ، وفي رواية: (أسفروا بالفجر فإنه أعظم للاجر) .
رواه الخمسة وصححه الترمذي وابن حبان، فإنه أريد به الاسفار
стр. 100
بالخروج منها، لا الدخول فيها: أي أطيلوا القراءة فيها، حتى تخرجوا منها مسفرين، كما كان يفعله رسول الله ﷺ ، فإنه كان يقرأ فيها الستين آية إلى المائة آية، أو أريد به تحقق طلوع الفجر، فلا يصلي مع غلبة الظن.
ادراك ركعة من الوقت من أدرك ركعة من الصلاة قبل خروج الوقت فقد أدرك الصلاة، لحديث أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة) .رواه الجماعة.
وهذا يشمل جميع الصلوات، وللبخاري: (إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته، وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته) والمراد بالسجدة الركعة، وظاهر الاحاديث أن من أدرك الركعة من صلاة الفجر أو العصر لا تكره الصلاة في حقه عند طلوع الشمس وعند غروبها وإن كانا وقتي كراهة، وأن الصلاة تقع أداء بإدراك ركعة كاملة، وإن كان لا يجوز تعمد التأخير إلى هذا الوقت.
النوم عن الصلاة أو نسيانها:
من نام عن صلاة أو نسيها فوقتها حين يذكرها، لحديث أبي قتادة قال: ذكروا للنبي ﷺ نومهم عن الصلاة فقال: (إنه ليس في النوم تفريط إنما التفريط في اليقظة، فإذا نسي أحدكم صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها) ، رواه النسائي والترمذي وصححه.
وعن أنس، أن النبي ﷺ قال: (من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك) ، رواه البخاري ومسلم.
وعن عمران بن الحصين قال: سربنا مع رسول الله ﷺ فلما كان من آخر الليل عرسنا فلم نستيقظ حتى أيقظنا حر الشمس. فجعل الرجل منا يقوم دهشا إلى طهوره، قال: فأمرهم النبي ﷺ أن يسكتوا، ثم ارتحلنا فسرنا حتى إذا ارتفعت الشمس توضأ ثم أمر بلال فأذن ثم صلى الركعتين قبل الفجر. ثم أقام فصلينا فقالوا:
стр. 101
يا رسول الله، ألا نعيدها في وقتها من الغد؟ فقال: (أينهاكم ربكم تعالى عن الربا ويقبله منكم) . رواه أحمد وغيره.
الأوقات المنهي عن الصلاة فيها:
ورد النهي عن صلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، وعند طلوعها حتى ترتفع قدر رمح، وعند استوائها حتى تميل إلى الغروب، وبعد صلاة العصر حتى تغرب، فعن أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: (لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس) . رواه البخاري ومسلم.
وعن عمرو بن عبسة قال: قلت: يا نبي الله أخبرني عن الصلاة؟ قال: (صل صلاة الصبح ثم أقصر عن الصلاة (١) حتى تطلع الشمس وترتفع، فإنها تطلع بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار، ثم صل فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقل الظل بالرمح، ثم اقصر عن الصلاة فإن (٢) حينئذ تسجر جهنم (٣) فإذا أقبل الفي فصل فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلي العصر، ثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب، فإنها تغرب بين قرني شيطان وحينئذ يسجد لها الكفار) ، رواه أحمد ومسلم.
وعن عقبة بن عامر قال: ثلاث ساعات نهانا رسول الله ﷺ أن نصلي فيهن وأن نقبر فيهن موتانا (٤) : حين تطلع الشمس بازغة (٥)
стр. 102
حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة، وحين تضيف للغروب حتى تغرب. رواه الجماعة إلا البخاري.
رأي الفقهاء في الصلاة بعد الصبح والعصر:
يرى جمهور العلماء جواز قضاء الفوائت بعد صلاة الصبح والعصر، لقول رسول الله ﷺ : (من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها) ، رواه البخاري ومسلم.
وأما صلاة النافلة فقد كرهها من الصحابة: علي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبو هريرة، وابن عمر وكان عمر يضرب على الركعتين بعد العصر بمحضر من الصحابة من غير نكير، كما كان خالد ابن الوليد يفعل ذلك.
وكرهها من التابعين الحسن، وسعيد ابن المسيب، ومن أئمة المذاهب أبو حنيفة، ومالك.
وذهب الشافعي إلى جواز صلاة ما له سبب (١) كتحية المسجد، وسنة الوضوء في هذين الوقتين، استدلالا بصلاة رسول الله ﷺ سنة الظهر بعد صلاة العصر، والحنابلة ذهبوا إلى حرمة التطوع ولو له سبب في هذين الوقتين، إلا ركعتي الطواف، لحديث جبير بن مطعم: أن النبي ﷺ قال: (يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء، من ليل أو نهار) . رواه أصحاب السنن وصححه ابن خزيمة والترمذي.
رأيهم في الصلاة عند طلوع الشمس وغروبها واستوائها:
يرى الحنفية عدم صحة الصلاة مطلقا في هذه الاوقات، سواء كانت الصلاة مفروضة أو واجبة أو نافلة، قضاء أو أداء، واستثنوا عصر اليوم وصلاة الجنازة (إن حضرت في أي وقت من هذه الاوقات، فإنها تصلى فيها بلا كراهة) وكذا سجدة التلاوة، إذا تليت آياتها في هذه الاوقات، واستثنى أبو يوسف التطوع يوم الجمعة وقت الاستواء.
ويرى الشافعية كراهة النفل الذي لا سبب له في هذه الاوقات.
أما الفرض مطلق، والنفل الذي له سبب، والنقل وقت
стр. 103
الاستواء يوم الجمعة، والنفل في الحرم المكي، فهذا كله مباح لا كراهة فيه.
والمالكية يرون في وقت الطلوع والغروب حرمة النوافل، ولو لها سبب، والمنذورة وسجدة التلاوة، وصلاة الجنازة، إلا إذا خيف عليها التغير فتجوز، وأباحوا الفرائض العينية، أداء وقضاء في هذين الوقتين، كما أباحوا الصلاة مطلقا، فرضا أو نفلا وقت الاستواء.
قال الباجي في شرح الموطأ: وفي المبسوط عن ابن وهب: سئل مالك عن الصلاة نصف النهار فقال: أدركت
الناس وهم يصلون يوم الجمعة نصف النهار، وقد جاء في بعض الاحاديث نهي عن ذلك، فأنا لا أنهى عنه للذي أدركت الناس عليه، ولا أحبه للنهي عنه.
وأما الحنابلة فقد ذهبوا إلى عدم انعقاد النفل مطلقا في هذه الاوقات الثلاثة سواء كان له سبب أو لا، وسواء كان بمكة أو غيرها، وسواء كان يوم جمعة أو غيره، إلا تحية المسجد يوم الجمعة، فإنهم جوزوا فعلها بدون كراهة وقت الاستواء وأثناء الخطبة، وتحرم عندهم صلاة الجنازة في هذه الاوقات، إلا إن خيف عليها التغير فتجوز بلا كراهة.
وأباحوا قضاء الفوائت، والصلاة المنذورة، وركعتي الطواف ولو نفلا في هذه الاوقات الثلاثة (١) .
التطوع بعد طلوع الفجر وقبل صلاة الصبح:
عن يسار مولى ابن عمر قال: رآني ابن عمر وأنا أصلي بعد ما طلع الفجر فقال: إن رسول الله ﷺ خرج علينا ونحن نصلي هذه الساعة فقال: (ليبلغ شاهدكم غائبكم أن لا صلاة بعد الصبح إلا ركعتين) .
رواه أحمد وأبو داود.
والحديث وإن كان ضعيفا، إلا أن له طرقا يقوي بعضها بعضا، فتنهض للاحتجاج بها على كراهة التطوع بعد طلوع الفجر بأكثر من ركعتي الفجر.
أفاده الشوكاني، وذهب الحسن والشافعي وابن حزم إلى جواز التنفل مطلقا بلا كراهة، وقصر مالك الجواز لمن فاتته صلاة الليل لعذر، وذكر أنه بلغه: أن عبد الله بن عباس والقاسم بن محمد وعبد الله بن عامر بن ربيعة أوتروا بعد الفجر، وأن عبد الله بن مسعود قال: ما أبالي لو أقيمت صلاة الصبح وأنا أوتر.
وعن يحيى بن سعيد أنه قال: كان عبادة بن الصامت يؤم
стр. 104
قوما فخرج يوما إلى الصبح، فأقام المؤذن صلاة الصبح، فأسكته عبادة حتى أوتر، ثم صلى بهم الصبح.
عن سعيد بن جبير: أن ابن عباس رقد ثم استيقظ ثم قال لخادمه: انظر ما صنع الناس، وهو يومئذ قد ذهب بصره، فذهب الخادم ثم رجع فقال: قد انصرف الناس من الصبح. فقام ابن عباس فأوتر ثم صلى الصبح.
التطوع أثناء الإقامة:
إذا أقيمت الصلاة كره الاشتغال بالتطوع.
فعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) ، وفي رواية: (إلا التي أقيمت) .
رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن.
وعن عبد الله بن سرجس قال: دخل رجل المسجد، ورسول الله ﷺ في صلاة الغداة (١) ، فصلى ركعتين في جانب المسجد، ثم دخل مع رسول الله ﷺ . فلما سلم رسول الله ﷺ قال: (يا فلان بأي الصلاتين اعتددت، بصلاتك وحدك أم بصلاتك معنا) ؟ رواه مسلم وأبو داود والنسائي.
وفي إنكار الرسول ﷺ ، مع عدم أمره بإعادة ما صلي، دليل على صحة الصلاة وإن كانت مكروهة، وعن ابن عباس قال: كنت أصلي وأخذ المؤذن في الاقامة، فجذبني نبي الله ﷺ ، وقال: (أتصلي الصبح أربعا؟) .
رواه البيهقي والطبراني وأبو داود الطيالسي وأبو يعلى والحاكم، وقال: إنه على شرط الشيخين.
وعن أبي موسى الاشعري ﵁: أن رسول الله ﷺ رأى رجلا يصلي ركعتي الغداة حين أخذ المؤذن يؤذن، فغمز منكبه وقال: (ألا كان هذا قبل هذا) . رواه الطبراني. قال العراقي: إسناده جيد.
стр. 105
الاذان:
(١) الاذان: هو الاعلام بدخول وقت الصلاة بألفاظ مخصوصة.
ويحصل به الدعاء إلى الجماعة وإظهار شعائر الاسلام، وهو واجب أو مندوب.
قال القرطبي وغيره: الاذان - على قلة ألفاظه - مشتمل على مسائل العقيدة، لانه بدأ بالاكبرية، وهي تتضمن وجود الله وكماله، ثم ثنى بالتوحيد ونفي الشريك، ثم بإثبات الرسالة لمحمد ﷺ ، ثم دعا إلى الطاعة المخصوصة عقب الشهادة بالرسالة، لانها لا تعرف إلا من جهة الرسول، ثم دعا إلى الفلاح، وهو البقاء الدائم، وفيه الاشارة إلى المعاد، ثم أعاد ما أعاد توكيدا..
(٢) فضله: ورد في فضل الاذان والمؤذنين أحاديث كثيرة نذكر بعضها فيما يلي:
١ - عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: (لو يعلم الناس ما في الاذان والصف الاول (١) ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لاتوهما ولو حبوا) رواه البخاري وغيره.
٢ - وعن معاوية: أن النبي ﷺ قال: (إن المؤذنين أطول الناس أعناقا يوم القيامة) ، رواه أحمد ومسلم وابن ماجه.
٣ - وعن البراء بن عازب: أن نبي الله ﷺ قال: (إن الله وملائكته يصلون على الصف المقدم، والمؤذن يغفر له مد صوته، ويصدقه
стр. 106
من سمعه من رطب ويابس، وله مثل أجر من صلى معه) .
قال المنذري: رواه أحمد والنسائي بإسناد حسن جيد.
٤ - وعن أبي الدرداء قال، سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما من ثلاثة لا يؤذنون، ولا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان) رواه أحمد.
٥ - وعن أبي هريرة قال، قال رسول الله ﷺ : (الامام ضامن والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الائمة واغفر للمؤذنين) .
٦ - وعن عقبة بن عامر قال، سمعت النبي ﷺ يقول: (يعجب ربك من راعي غنم في شظية (١) بجبل يؤذن الصلاة ويصلي، فيقول الله عزوجل: انظروا لعبدي هذا يؤذن ويقيم الصلاة يخاف مني! قد غفرت لعبدي وأدخلته الجنة) رواه أحمد وأبو داود والنسائي.
(٣) سبب مشروعيته: شرع الاذان في السنة الاولى من الهجرة.
وكان سبب مشروعيته لما بينته الاحاديث الاتية:
١ - عن نافع: أن ابن عمر كان يقول: كان المسلمون يجتمعون فيتحينون الصلاة (٢) وليس وليس ينادي بها أحد، فتكلموا يوما في ذلك، فقال بعضهم: اتخذوا ناقوسا مثل ناقوس النصارى.
وقال بعضهم: بل قرنا مثل قرن اليهود، فقال عمر: أولا تبعثون رجلا ينادي بالصلاة.
فقال رسول الله ﷺ : (يا بلال قم فنادي بالصلاة) رواه أحمد والبخاري.
٢ - وعن عبد الله بن عبد ربه قال: لما أمر رسول الله ﷺ
بالناقوس ليضرب به الناس في الجمع للصلاة، وفي رواية، وهو كاره لموافقته للنصارى، طاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوسا في يده.
فقلت له: يا عبد الله أتبيع الناقوس؟ قال: ماذا تصنع به؟ قال: فقلت: ندعو به إلى الصلاة
стр. 107
قال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ فقلت له: بلى. قال: تقول: (الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر. أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة. حي على الفلاح حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله) ثم استأخر غير بعيد ثم قال: (تقول إذا أقيمت الصلاة: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله) . فلما أصبحت أتيت رسول الله ﷺ فأخبرته بما رأيت. فقال: (إنها لرؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذن به فإنه أندى (١) صوتا منك) قال: فقمت مع بلال فجعلت ألقيه عليه ويؤذن به قال: فسمع بذلك عمر وهو في بيته فخرج يجر رداءه يقول. والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل الذي أرى. قال: فقال النبي ﷺ (فلله الحمد) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن خزيمة والترمذي وقال: حسن صحيح.
فيؤخذ منه استحباب كون المؤذن رفيع صوت وحسنه.
وعن أبي محذورة: أن النبي ﷺ أعجبه صوته فعلمه الاذان، ولو ابن خزيمة.
(٤) كيفيته: ورد الاذان بكيفيات ثلاث نذكرها فيما يلي:
أولا: تربيع التكبير الاول وتثنية باقي الاذان بلا ترجيع ما عدا كلمة التوحيد، فيكون عدد كلماته خمس عشرة كلمة.
لحديث عبد الله بن زيد المتقدم.
ثانيا: تربيع التكبير، وترجيع كل من الشهادتين، بمعنى أن يقول المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، يخفض بها صوته، ثم يعيدها مع الصوت.
فعن أبي محذورة: أن النبي ﷺ علمه الاذان تسع عشرة كلمة.
رواه الخمسة وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
стр. 108
ثالثا: تثنية التكبير مع ترجيع الشهادتين فيكون عدد كلماته سبع عشرة كلمة، لما رواه مسلم عن أبي محذورة: أن رسول الله ﷺ علمه هذا الاذان: (الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، ثم يعود فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله مرتين، أشهد أن محمدا رسول الله مرتين، حي على الصلاة مرتين، حي على الفلاح مرتين، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله) .
(٥) التثويب: ويشرع للمؤذن التثويب، وهو أن يقول في أذان الصبح - بعد الحيعلتين -: (الصلاة خير من النوم) قال أبو محذورة: يا رسول الله: علمني سنة الاذان؟ فعلمه وقال (فإن كان صلاة الصبح قلت: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله) رواه أحمد وأبو داود.
ولا يشرع لغير الصبح.
(٦) كيفية الاقامة: ورد للاقامة كيفيات ثلاث.
وهي: أولا: تربيع التكبير الاول مع تثنية جميع كلماتها، ما عدا الكلمة الاخيرة لحديث أبي محذورة أن النبي ﷺ علمه الاقامة سبع عشرة كلمة: الله أكبر أربعا، أشهد أن لا إله إلا الله مرتين، أشهد أن محمدا رسول الله مرتين، حي على الصلاة مرتين، حي على الفلاح مرتين، قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله.) رواه الخمسة وصححه الترمذي.
ثانيا: تثنية التكبير الاول والاخير وقد قامت الصلاة، وإفراد سائر كلماتها فيكون عددها إحدى عشرة كلمة.
وفي حديث عبد الله زيد المتقدم: ثم تقول إذا أقمت: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة حي على الفلاح، قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله.
стр. 109
ثالثا: هذه الكيفية كسابقتها ما عدا (كلمة قد قامت الصلاة) فيها لا تثنى، بل تقال مرة واحدة، فيكون عددها عشر كلمات وبهذه الكيفية أخذ مالك لانها عمل أهل المدينة، إلا أن ابن القيم قال: لم يصح عن رسول الله ﷺ إفراد كلمة قد قامت الصلاة البتة، وقال ابن عبد البر: هي مثناه على كل حال.
(٧) الذكر عند الاذان: يستحب لمن يسمع المؤذن أن يلتزم الذكر الاتي:
١ - يقول مثل ما يقول المؤذن إلا في الحيعلتين، فإنه يقول عقب كل كلمة: لا حول ولا قوة إلا بالله.
فعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول الموذن) رواه الجماعة.
وعن عمر أن النبي ﷺ قال: (إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر) ، فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر، ثم قال أشهد أن لا إله إلا الله قال: أشهد أن لا إله إلا الله، ثم قال أشهد أن محمدا رسول الله قال: أشهد أن محمدا رسول الله، ثم قال: حي على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: الله أكبر الله أكبر، قال: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: لا إله إلا الله، قال: لا إله إلا الله، من قبله، دخل الجنة) رواه مسلم وأبو داود.
قال النووي: قال أصحابنا: وإنما استحب للمتابع أن يقول مثل المؤذن في غير الحيعلتين فيدل على رضاه به وموافقته على ذلك أما الحيعلة فدعاء إلى الصلاة، وهذا لا يليق بغير المؤذن، فاستحب للمتابع ذكر آخر، فكان لا حول ولا قو إلا بالله، لانه تفويض محض إلى الله تعالى.
وثبت في الصحيحين عن أبي موسى الاشعري، أن رسول الله ﷺ قال: (لا حول ولا قوة إلا بالله، كنز من كنوز الجنة.) قال أصحابنا: ويستحب متابعته لكل سامع، من طاهر ومحدث، وجنب وحائض، وكبير وصغير، لانه ذكر، وكل هؤلاء من أهل الذكر.
ويستثنى من هذا المصلي، ومن هو على الخلاء، والجماع، فإذا فرغ من الخلاء تابعه فإذا سمعه وهو في قراءة أو ذكر
стр. 110
أو درس أو نحو ذلك، قطعه وتابع المؤذن ثم عاد إلى ما كان عليه إن شاء، وإن كان في صلاة فرض أو نفل، قال الشافعي والاصحاب: لا يتابعه، فإذا فرغ منها قاله، وفي المغني: دخل المسجد فسمع المؤذن استحب له انتظاره، ليفرغ ويقول مثل ما يقول جمعا بين الفضيلتين، وإن لم يقل كقوله وافتتح الصلاة فلا بأس، نص عليه أحمد.
٢ - أن يصلي على النبي ﷺ عقب الاذان بإحدى الصيغ الواردة، ثم يسأل الله له الوسيلة، لما رواه عبد الله بن عمرو: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الله لي الوسيلة حلت له شفاعتي) رواه مسلم.
وعن جابر أن النبي ﷺ قال: (من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته حلت له شفاعتي يوم القيامة) رواه البخاري.
(٨) الدعاء بعد الاذان: الوقت بين الاذان والاقامة، وقت يرجى قبول الدعاء فيه فيستحب الاكثار فيه من الدعاء.
فعن أنس أن النبي ﷺ قال: (لا يرد الدعاء بين الاذان والاقامة) رواه أبو داود والنسائي والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
وزاد (قالوا: ماذا نقول يا رسول الله؟ قال: (سلوا الله العفو والعافية في الدنيا والاخرة) ، وعن عبد الله بن عمرو: أن رجلا قال: يا رسول الله إن المؤذنين يفضلوننا. فقال رسول الله ﷺ : (قل كما يقولون فإذا انتهيت فسل تعطه) رواه أحمد وأبو داود.
وعن سهل بن سعد قال، قال رسول الله ﷺ : (ثنتان لا تردان - أو قال ما تردان - الدعاء عند النداء، وعند البأس، حين يلحم بعضهم بعضا) رواه أبو داود بإسناد صحيح.
وعن أم سلمة قالت: علمني رسول الله ﷺ عند أذان المغرب: (اللهم إن هذا إقبال ليلك، وإدبار نهارك،
وأصوات دعاتك فاغفر لي) .