← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 9492

الصوم جنة

خالد الجريسي

Полный текст (177 стр.). Показаны 141–177 · переход к 146.

стр. 141

حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ *﴾ [القَدر: ١-٥] . ويقول النبيُّ ﷺ : «من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غُفِر له ما تقدّم من ذنبه» (٢١٠) . وكان ﵊ إذا دخل العشرُ شدََّ مِئْزَرَه وأحيا ليله، وأيقظ أهله» (٢١١) . ويقول الصادق المصدوق ﷺ : «تحرَّوا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان» (٢١٢) . وقد خرج ﵊ ليخبر صحابته ﵃ بليلة القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين، فقال: «خرجت لأخبرَكم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان فَرُفِعَتْ، وعسى أن يكون خيراً، فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة» (٢١٣) . وقد علّم رسول الله ﷺ السيدةَ عائشة ﵂ دعاءً تقوله إن عَلِمت أيَّ ليلةٍ ليلةُ القدر، فقال: «قولي: اللهم إنك عفوٌّ كريم تُحِبُّ العفوَ فاعفُ عني» (٢١٤) .

стр. 142

أخي القارئ، تلك نصوص كريمة من الكتاب والسُّنَّة، قد حوت في ثناياها ما يُستنبط من أمر ليلة القدر، ومن ذلك أحد عشر مبحثًا، أشرع ببيانها، مستعيناً بالله تعالى: الأول: من دلالة الآيات الواردة بشأن ليلة القدر. [إن المتدبر للآيات من سورة البقرة ومن مطلع سورة الدخان، ومن تمام سورة القَدْر، يتبين له أن ليلة القدر هي - جزماً - من ليالي شهر رمضان، حيث [مدح الله تعالى - في الآية من سورة البقرة - شهر الصيام من بين سائر الشهور، بأنِ اختاره لإنزال القرآن العظيم فيه، فقال سبحانه: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البَقَرَة: ١٨٥] ، وكان ذلك في ليلة مباركة هي التي ذكرها الله في سورة الدخان بقوله تعالى: [الدّخان: ٣] ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ . وهي اللية التي فخَّم الله أمرَها، وسمّاها ليلة القدر، كما في قوله سبحانه:

стр. 143

﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ *﴾ [القَدر: ١] . هذا، وقد نزل القرآن جملة واحدة إلى بيت العزة من السماء الدنيا، في تلك الليلة، ثم نزل بعدُ مُفَرَّقاً - بحسب الوقائع - على قلب رسول الله ﷺ . كما روي ذلك - من غير وجهٍ - عن عبد الله بن عباس ﵄. وفي ليلة القدر المباركة من ليالي رمضان: يُفصَل من اللوح المحفوظ إلى الكَتَبة - من الملائكة - أمرُ السنة، وما يكون فيها من الآجال والأرزاق، وجميع ما يكون فيها إلى آخرها، وهذا الأمر يكون مُحكَماً؛ لا يُبدَّل ولا يُغيَّر، ولهذا قال سبحانه: ﴿أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾ [الدّخان: ٥] أي: جميع ما يكون ويقدّره الله تعالى وما يوحيه فبأمره وإذنه وعلمه] (٢١٥) . الثاني: في ذكر سبب نزول سورة القدر: ذكر أهل التفسير (٢١٦) رواياتٍ في سبب نزول السورة، منها ما أُرسِل عن مجاهد ﵀: (أن النبيَّ ﷺ ذكر رجلاً من بني إسرائيل لبس السلاحَ في سبيل الله

стр. 144

ألف شهر!، قال: فعجب المسلمون من ذلك، قال: فأنزل الله : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ *وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ *لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ *﴾ [القَدر: ١-٣] ، قال: خير من التي لبس فيها السلاحَ ذلك الرجلُ) . كذلك روي في سبب النزول، عن مجاهد ﵀، قال: كان في بني إسرائيل رجل يقوم الليل حتى يصبح، ثم يجاهد العدو بالنهار حتى يمسي، ففعل ذلك ألف شهر، فأنزل الله هذه الآية: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ *﴾ [القَدر: ٣] ، أي: قيام تلك الليلة خير من عمل ذلك الرجل) (٢١٧) . الثالث: معنى القَدْر، وسبب تسمية الليلة الشريفة به. أ - معنى القَدْر: [القَدْر: مَبْلَغُ كلِّ شيء، يقال: قَدْره كذا، أي: مبلغه، وكذلك القَدَر. والقَدْر: قضاء الله تعالى الأشياء على مَبَالغها ونهاياتها التي أرادها لها، وهو القَدَر أيضاً. وقوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعَام:

стр. 145

٩١] ، قال المفسرون: ما عظَّموا الله حقَّ عَظَمته، وهذا صحيح، وتلخيصه: أنهم لم يصفوه بصفته التي تنبغي له تعالى] (٢١٨) . [وقَدْر الشيء مقداره، والقَدْر والقَدَر: مقدار من الحكم الإلهي على العبد. فالقدر - بالسكون والحركة - مرادف التقدير] (٢١٩) . [وقَدْر الشيء - ساكن الدال، والفتح لغة - مَبْلَغُه، يقال: هذا قَدْر هذا وقَدَره، أي: مُماثِلُه، ويقال: ما له عندي قَدْر ولا قَدَر، أي: حرمة ووقار. والقَدَر بالفتح لا غير: القضاء الذي يُقدِّره الله تعالى] (٢٢٠) . والحاصل مما ذُكِر آنفًا أن القَدْر بإسكان الدال، تتعدد معانيه، فقد يرادف معنى القَدَر وهو قضاء الله الأشياء، وقد يكون بمعنى مبلغ الشيء ومقداره والحرمة والوقار ونحوها. أما القدَر بفتح الدال فهو مختص بما يُقدِّره الله من القضاء ويحكم به من الأمور.

стр. 146

ب - سبب تسمية الليلة: (ليلة القدر) (٢٢١) . اختلف أهل العلم في معنى (القَدْر) ، الذي أضيفت إليه تلك الليلة على أقوال، يمكن ردُّها بمجملها إلى ثلاثة، هي: ١- أن القَدْر بمعنى القَدَر - بفتح الدال - الذي هو مؤاخي القضاء، والمعنى: أنه يُقدَّر فيها أحكامُ تلك السنة، فيظهر للملائكة في تلك الليلة ما سيكون في السنة من الأقدار والأرزاق والآجال، مما أثبت في اللوح المحفوظ، وسبق علم الله تعالى به وتقديره له. وهذا معنى قوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ *﴾ ، وقوله سبحانه: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ *﴾ [القَدر: ٤] . ٢- أن المراد بالقَدْر: التعظيم، فسُمِّيت الليلة بذلك لعظم قَدْرها وشرفها، كقوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعَام: ٩١] ، أي: ما عظموه تعظيماً يليق بجلاله. وإنما اكتسبت تلك الليلة هذا التعظيم لأمور

стр. 147

عديدة، منها: نزول القرآن فيها، ولعِظَم الرسول ﷺ الذي أُنزِل عليه هذا القرآن، وشرف الأمة التي اختُصَّت بها، ولتنزُّل الملائكة فيها، وتنزُّل البركة فيها والرحمة والمغفرة، ولعظم أجر من أحياها، وعظيم قَدْره عند الله تعالى. ٣- أن معنى القَدْر هنا التضييق، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطّلاَق: ٧] أي: ضُيِّق، ومعنى التضييق في الليلة: إخفاؤها عن العلم بتعيينها بليلة محددة، أو لأن الأرض تضيق فيها عن الملائكة لكثرة تنزُّلِهم في تلك الليلة المشرَّفة. فائدة: [إنما جاء القَدْر بسكون الدال، وإن كان الشائع في القَدَر الذي هو مؤاخي القضاء فتحَ الدال، وذلك ليُعلم أنه لم يُرَد به ذلك - أي القضاء - إنما أريد بالقَدْر: تفصيل ما جرى به القضاء وإظهاره وتحديده في تلك السنة لتحصيل ما يُلقى إليهم - أي إلى الملائكة - فيها مقداراً بمقدار] (٢٢٢) .

стр. 148

الرابع: فضل ليلة القَدْر، وشرفها (٢٢٣) . قال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ *﴾ . لقد عظَّم الله سبحانه شأن ليلة القدر، حتى إنه أعلم نبيَّه ﷺ ، بأن درايته - مع عِظَم سعتها ومبلغ شأوها - لم تبلغ غاية فضل هذه الليلة وفخامة أمرها. ثم بيَّن له شأنها، ومن ذلك: أ- ... أن العبادة فيها هي أفضل من عبادة ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، وهذا الزمن يقارب ثلاثاً وثمانين سنة وأربعة أشهر، فانظر - رحمك الله - إلى مزيد رحمة الله بهذه الأمة. ب- ... أنها ليلة يكثر فيها تنزُّل الملائكة، لكثرة بركتها، والملائكة يتنزَّلون مع تنزُّل البركة والرحمة، كما يتنزَّلون عند تلاوة القرآن، ويحيطون بحِلَق الذِّكْر، ويضعون أجنحتهم لطالب العلم - بإخلاص نيَّةٍ - تعظيماً له. وممن يتنزَّل من الملائكة ﵈ في تلك الليلة أمين الوحي الروحُ جبريلُ عليه

стр. 149

السلام، ما يرفع شأن هذه الليلة ويُعظِم قدرها. جـ- ... أن الملائكة ﵈ تحيِّي أهل المساجد من المصلِّين، بالسلام عليهم في تلك الليلة، وتدعو لهم، حتى يطلع الفجر. د- ... ليلة القدر ليلة سالمة من الآفات والبلايا، ولا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءاً أو يعمل فيها أذى، فهي خير كلها، ليس فيها شر إلى مطلع الفجر. هـ- ... هي ليلة - كما ذُكِر آنفًا - يُقدِّر الله فيها مقادير الأرزاق والآجال وحوادث العالم كلها التي تكون في ذلك العام، فيفرق ذلك على المُدبِّرات من الملائكة ﵈. و ... في ليلة القدر، أنزل الله القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا، ثم نزل مفصَّلاً بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة على قلب رسول الله ﷺ .

стр. 150

هذا، وإن فضائل هذه الليلة تكاد ألا تنحصر، اللهم بلِّغناها وشرِّفنا بقيامها إيماناً واحتساباً، ووفِّقنا لموافقتها عطاءً وكرامة، وضاعف لنا أجر قيامها مِنّة وكرماً، ولا تحرمنا من خيرها فضلاً ورحمةً، آمين. الخامس: مِنْحةُ مضاعفةِ الأجرِ في ليلة القدر، أمر مختص بالأمة الإسلامية. من آلاء الله سبحانه على الأمة أنِ اختصها بمزيد فضل على سائر الأمم السالفة، ومن ذلك أنْ جعل لها تعالى أجراً جزيلاً مضاعفاً لعمل قليل، وإن تفضيل العمل في ليلة القدر على عمل ألف شهر خير شاهد على ذلك. قال رسول الله ﷺ مُبشِّرًا أُمَّته بما اختصَّها الله به -: «إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم، كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس؛ أوتي أهل التوراةِ التوراةَ، فعملوا حتى إذا انتصف النهارُ عَجَزوا،

стр. 151

فأُعطُوا قيراطاً قيراطاً، ثم أوتي أهل الإنجيلِ الإنجيلَ، فعملوا إلى صلاة العصر، ثم عجزوا، فأُعطُوا قيراطاً قيراطاً، ثم أوتينا القرآنَ، فعمِلْنا إلى غروب الشمس، فأُعطِينا قيراطين قيراطين، فقال أهل الكتابَيْن: أيْ ربَّنا، أعطيتَ هؤلاء قيراطين قيراطين، وأعطيتنا قيراطاً قيراطاً، ونحن أكثر عملاً؟ قال: قال الله : هل ظلمتكم من أجركم من شيء؟ قالوا: لا، قال: فهو فضلي أوتيه من أشاء» (٢٢٤) . اللهم إنا نسألك من فضلك العظيم. هذا، وإن جمعاً من أهل العلم قد رجَّح كونَ ليلة القدر مما اختصت به هذه الأمة، منهم الأئمة مالك، وابن حجر، والنووي والسيوطي، رحم الله الجميع (٢٢٥) . وقد أشار الإمام ابن كثير إلى عدم اختصاصها بهذه الأمة، فقال: (والذي عليه الحديث أنها كانت في الأمم الماضين كما هي في أمتنا) (٢٢٦) . اهـ. والمختار هو الأول، والله أعلم.

стр. 152

السادس: التماس ليلة القدر، والتحقيق في تعيين أرجى أوقات طلبها. قال النبيُّ ﷺ : «تحرَّوا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان» (٢٢٧) . هذا الحديث الشريف هو عمدة في بيان مَحَلِّ هذه الليلة، وأرجى أوقات طلبها، والأحاديث الصحيحة الدالة على التماسها عديدة، أمكن العلماء أن يستنبطوا منها ما يربو على أربعين قولاً في تعيين مَحَلِّها، ليس المقام يتسع لذكرها فضلاً عن بسطها، لكن سأعمد إلى ذكر نُقول من كلام أهل العلم فيما رجح لديهم في ذلك: ١- ... ترجم الإمام البخاريُّ ﵀ باباً في (تحرِّي ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر) ، قال الإمام ابن حجر ﵀: [في هذه الترجمة إشارة إلى رجحان كون ليلة القدر منحصرة في رمضان، ثم في العشر الأواخر منه، ثم في أوتاره لا في ليلة بعينها، وهذا هو الذي يدل عليه مجموع الأخبار

стр. 153

الواردة فيها] (٢٢٨) . وقال أيضاً عند إيراده القول الخامس والعشرين في تعيين الليلة: [إنها في أوتار العشر الأخير، وعليه يدل حديث عائشة وغيرها في هذا الباب، وهو أرجح الأقوال وصار إليه أبو ثور والمُزَني وابن خزيمة (٢٢٩) ، وجماعة من علماء المذاهب] (٢٣٠) . وقال ﵀ بعد أن ساق ثمانية وأربعين قولاً في المسألة: [وأرجحها كلها أنها في وتر من العشر الأخير، وأنها تنتقل كما يُفهم من أحاديث هذا الباب] (٢٣١) . ٢- وقال الإمام النوويُّ ﵀: [إنما تنتقل ليلة القدر في العشر الأواخر، وبهذا يجمع بين الأحاديث الصحيحة المختلفة فيها] (٢٣٢) . ٣- ... وقال شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية ﵀: (ليلة القدر في العشر الأواخر من شهر رمضان، هكذا صح عن النبيِّ ﷺ أنه قال: «هي في العشر الأواخر من رمضان وتكون في الوتر منها» ) . اهـ. (٢٣٣) .

стр. 154

٤- ... (قال طائفة من السلف - وهو الجادّة من مذهب الإمام أحمد ﵀، وهو رواية عن الإمام أبي حنيفة ﵀: إنها ليلة سبع وعشرين) (٢٣٤) ، واستُدِلّ لذلك بقول أبيِّ بن كعبٍ ﵁: (واللهِ الذي لا إله إلا هو - يحلف ما يستثني - ووالله إني لأعلم أي ليلة هي، هي الليلة التي أمرنا بها رسول الله ﷺ بقيامها، هي ليلة صبيحة سبع وعشرين، وأمارتها أن تطلع الشمس في صبيحة يومها بيضاء لا شعاع لها) (٢٣٥) . [هذا، وقد حكي عن بعض السلف أنه حاول استخراج كونها ليلة سبع وعشرين من القرآن، من قوله تعالى: (هي) لأنها الكلمة السابعة والعشرون من السورة، والله أعلم] (٢٣٦) . ٥ - وقال العلاّمَة الشَّنْقيطي بعد أن سرد أقوال أهل العلم في المسألة: (إذا علمتَ ما ذكر مما دلّ على طلب ليلة القدر في أوتار العشر الأواخر من رمضان فاعلم أن أرجى الأوتار هو ليلة سبع وعشرين حسبما عليه أكثر العلماء، وهو الذي

стр. 155

تشهد له الأدلة، وبه قال جماهير أصحاب أحمد ابن حنبل، قال القسطلاني (٢٣٧) : قال في الإنصاف - أي الإمام المرداوي -: وهذا المذهبُ، وعليه جماهير الأصحاب، وهو من المفردات. اهـ. وبه جزم أبيّ بن كعب وحلف عليه كما في صحيح مسلم، وفي حديث ابن عمر - عند أحمد - مرفوعاً: «ليلة القدر ليلة سبع وعشرين» ، وحكاه الشاشي من الشافعية في الحِلْية عن أكثر العلماء. اهـ) (٢٣٨) . هذا، وإن مما يستدل به على كونها ليلة سبع وعشرين، ما رواه ابن عباس: أن رجلاً أتى النبيَّ ﷺ ، فقال: يا نبيَّ الله، إني شيخ كبير عليلٌ يَشُقُّ عليَّ القيام، فَأْمُرْني بليلةٍ، لعلّ الله يوفقني فيها لليلة القَدْر، قال ﵊: «عليك بالسابعة» (٢٣٩) . أخي القارئ، يتحصل مما سبق أن أرجى أوقات طلب تلك الليلة، هو فيما يتنقل من أوتار العشر

стр. 156

الأواخر، ولا يُجزم بكونها ليلة منها بعينها (٢٤٠) ، وذلك عملاً بمجموع صحيح الأحاديث الواردة في ذلك، مع كون ليلة السابع والعشرين هي أرجى أوتار العشر، والله أعلم. السابع: علامات ليلة القدر. إن من عظيم رحمة الله تعالى بهذه الأمة، أن اختصها بهذه الليلة المباركة، ثم جعل لها أمارات تعرفها بها، وتكون علامة على صدق نبيِّهم ﷺ ، وسبيلَ استبشارٍ لهم بمضاعفة الأجر بما يبلغ - بحمد الله - عبادة عُمُرٍ بأكمله. هذه العلامات قد تكون عامة يدركها عموم الأمة، أو مختصّة بخُلَّص العباد المُوفَّقين لرؤيتها، وسأعرض في هذا المبحث للعلامات العامة، ثم أستدل لها، وأدّخر ما يكون من علامات مختصة - بمن وُفّقت له ليلة القدر فرأى من الخوارق ما شاء الله له أن يرى - إلى مبحث رؤية الليلة إن شاء الله. ويشار هنا إلى أن من علاماتها

стр. 157

العامة ما يكون وصفاً لها، أو وصفاً لما يكون بها، أو لما يكون في صبيحتها. ومن هذه العلامات: ١- ... طلوع الشمس صبيحتها واضحة الاستدارة، لا يخالط استدارتَها شعاع، يمكن النظر إليها كما يُنظَر إلى القمر البدر الساطع، لا يخرج معها شيطان يومئذٍ. ٢- ... ظهور القمر فيها على هيئة شِقِّ جَفْنَةٍ، أي: يشبه هيئة نصف قَصْعة الطعام. ٣- ... تكون الليلة هادئة للغاية، لا يعكر صفوَها شهابٌ يُرمى به مارد مسترق للسمع. وتكون الليلة صافية منورة كأن القمر بدر ساطع فيها، ليس فيها حرٌّ مزعج ولا برد مؤلم. أخي القارئ، ما سبق كان وصفاً مفصَّلاً لأمارات تلك الليلة الجليلة - مقتصراً منها على ما صح دليله - وهاك أدلتها، مرتبةً بترتيب إيرادها:

стр. 158

١- ... سأل زِرُّ بنُ حبيش أبيَّ بنَ كعب ﵄، فقال: بأي شيء تقول ذلك يا أبا المنذر؟ - أي أن ليلة القدر ليلة سبع وعشرين -، قال: بالعلامة، أو بالآية التي أخبرنا رسول الله ﷺ أنها تطلع - أي الشمس - يومئذٍ لا شعاع لها (٢٤١) . ٢- ... وقال النبيُّ ﷺ : «وإن أمارتها أن الشمس صبيحتها تخرج مستوية، ليس لها شعاع، مثل القمر ليلة البدر، ولا يَحِلُّ للشيطان أن يخرج معها يومئذٍ» (٢٤٢) . ٣- ... وقد تذاكر صحابة رسول الله ﷺ ليلة القدر عنده، فقال ﵊ «أيّكم يذكر حين طلع القمر وهو مثل شِقِّ جَفْنَةٍ؟» (٢٤٣) . ٤- ... وقال ﵊: «إن أمارة ليلة القدر، أنها صافية بَلَجة، كأن فيها قمراً ساطعاً، ساكنة ساجية، لا بردَ فيها ولا حرَّ، لا يَحِلُّ لكوكب أن يُرمى به فيها حتى تصبح» (٢٤٤) .

стр. 159

الثامن: عِلم رسولِ الله ﷺ بوقتها. قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ *﴾ . في تفسير ذلك [قال ابن عيينة ﵀: ما كان في القرآن (ما أدراك) فقد أَعْلَمَه؛ وما قال: (وما يدريك) فإنه لم يُعْلِمْهُ] (٢٤٥) . اهـ. وقال الحافظ ابن حجر ﵀: [ومقصود ابن عيينة أنه ﷺ كان يعرف تعيين ليلة القدر] . اهـ (٢٤٦) . وقد خرج النبيُّ ﷺ ليخبر الصحابة ﵃ بليلة القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين. فقال: «خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان فرُفِعت، وعسى أن يكون خيراً لكم، فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة» (٢٤٧) . وقال ﵊: «أُرِيت ليلةَ القدر، ثم أيقظني بعض أهلي، فنُسِّيتها (٢٤٨) ، فالتمسوها في العشر الغوابر» (٢٤٩) .

стр. 160

يستدل من مجموع الأدلة السابقة أن رسول الله ﷺ كان يعلم يقيناً تعيين ليلة القدر، وقد أراد ﵊ الإخبار بها، لكنه نُسِّي ذلك، مرة بسبب اختصام رجلين، يدعي كل منهما أنه محقّ فيما ذهب إليه، وأخرى بسبب إيقاظ أهله له، فلم يذكر بسبب ذلك رؤيا عيَّنَتْ له مَحَلَّ ليلة القدر، والله أعلم (٢٥٠) . فائدة: سبق أن سبب نسيان النبيِّ ﷺ كان تنازع رجلين، ومما يستفاد من ذلك [شؤم التنازع، وأن المخاصمة والمنازعة مذمومة، وأنها سبب للعقوبة المعنوية، وأن المماراة تقطع الفائدة والعلمَ النافع] (٢٥١) بخلاف ما يظنه كثير من الناس، من أن مدارسة العلم تقتضي المراء في بعض مسائله، والحرص على جَدْل الخصم عن رأيه، انتصاراً للنفس لا إظهارًا للحق وطلباً له. هذا، ومما يستفاد من الحديث بجملته: الإرشاد إلى ترك المخاصمة في شأن العلم، وكذلك توقير أهل

стр. 161

العلم؛ كأن لا يُوقَظ أحدُهم إلا لإدراك أداء فريضة ونحوه، ولا يُطرق باب مسكنهم حتى يخرجوا إلى صلاتهم مثلاً، مما فيه مزيد تأدُّبٍ في حضرتهم، كذلك يستفاد منه المبادرة إلى فضِّ الخصومة بين المتنازعين من المؤمنين، والله أعلم. التاسع: تلمُّس الحكمة في رفع معرفة وقتها. قال النبيُّ ﷺ : «وعسى أن يكون خيراً لكم» (٢٥٢) ، يعني: عدم تعيين ليلة القدر، [وإن وجه الخيرية في ذلك أن خفاءها يستدعي قيام كل الشهر أو العشر، بخلاف ما لو بقيت معرفة تعيينها] (٢٥٣) ، [فإنها إذا كانت مبهمة اجتهد طُلاَّبُها في ابتغائها في جميع محالِّ رجائها، فكان أكثر للعبادة، فلو علموا عينَها فإنها كانت الهمم تتقاصر على قيامها فقط، وإنما اقتضت الحكمة إبهامَها لتعمَّ العبادة جميع الشهر في ابتغائها، ويكون الاجتهاد في العشر الأواخر أكثر، ولهذا «كان رسول الله ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفّاه الله ، ثم اعتكف أزواجه من بعده» (٢٥٤) ،

стр. 162

و «كان ﵊ إذا دخل العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله» (٢٥٥) ] (٢٥٦) . العاشر: بقاء ليلة القدر، وعدم رفعها. بوّب الإمام البخاريُّ ﵀ (باب: رفع معرفة ليلة القدر لتلاحي الناس) . [وقيد الإمام الرفع بمعرفة الليلة إشارة منه إلى أنها لم تُرفع أصلاً ورأساً] (٢٥٧) ، وهذا من عظيم فقهه للحديث الذي صدّر به الباب، وفيه: «فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة» (٢٥٨) ، فبعد أن أخبر ﵊ بأنها رفعت، أمرهم بتحرِّيها في تلك الليالي، وهذا يدل على أن [الصحيح من جهة النظر أنها لم ترفع لحديث الصحيحين: «تحرَّوا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان» (٢٥٩) ، فلوا ارتفعت لما أمر ﵊ بتحرّيها في الوتر من العشر الأواخر من رمضان، إذ لا فائدة في تحرّي ما رُفِع كما هو واضح] (٢٦٠) . وأن المراد هو [رفع علم وقتها عيناً، لا

стр. 163

رفعها بالكلية من الوجود] (٢٦١) ، [فلو أريد رفع وجودها لم يأمر ﷺ بالتماسها، وأجمع من يُعتدّ به على وجودها ودوامها إلى آخر الدهر لتضافر الأحاديث وكثرة رؤية الصالحين لها] (٢٦٢) . والحاصل في ذلك أن مضاعفة الأجر في ليلة القدر هي منحة ربانية للأمة المحمّدية، وأن الليلة باقية - بفضل الله - إلى يوم القيامة. الحادي عشر: رؤية ليلة القدر. قال رسول الله ﷺ : «وقد رأيتُني أسجد في ماء وطين، قال أبو سعيد ﵁ راوي الحديث -: (فاستهلَّتِ السماءُ (٢٦٣) في تلك الليلة فأمطرت، فوَكَفَ المسجد (٢٦٤) في مصلّى النبيِّ ﷺ ليلة إحدى وعشرين، فبصُرَتْ عَيْنِي رسولَ الله ﷺ ونظرتُ إليه انصرفَ من الصبح ووجهُه ممتلئ طيناً وماءً» (٢٦٥) . وقال ﵊: «أرى رؤياكم في العشر الأواخر، فاطلبوها في الوتر منها» (٢٦٦) . وفي الصحيح

стр. 164

أيضاً: أن رجالاً من أصحاب النبيِّ ﷺ أُروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر، فقال رسول الله ﷺ : «أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحرِّيَها فَلْيتحرَّها في السبع الأواخر» (٢٦٧) . ويكون الجمع بين طلب التماسها في العشر أو في السبع قوله ﷺ : «التمسوها في العشر الأواخر (يعني: ليلة القدر) فإن ضَعُف أحدكم أو عَجَز، فلا يُغْلَبَنَّ على السبع البواقي» (٢٦٨) . أخي القارئ، يُستنبط مما ذكر آنفًا - في شأن إثبات رؤية الليلة - أمور منها: ١ - أن رؤية ليلة القدر، قد تكون رؤيا منام، ثم تحقق الرؤيا فتأتي مثل فَلَق الصبح، حيث أري ﵊ أنه يسجد صبيحتها في طين وماء، فكان ذلك واقعاً كما أُرِيَه ﷺ . ٢ -[أن الاستناد إلى الرؤيا إنما هو من حيث الاستدلال بها على أمر وجودي غيرِ مخالف

стр. 165

لقاعدة شرعية، فقد أرجح رسولُ الله ﷺ حكم طلب الليلة في الوتر من العشر، بتوافق رؤية رجال من أصحابه رؤىً في تلك الليالي، وليس أنه أثبت بها حكماً في أنها لا تطلب في تلك العشر إلا لكونهم رأَوْا ذلك، بل هي موجودة، سواء رَأَوْا تلك الرؤى أم لا. وغاية الأمر أنه ﷺ أقرّهم على رجحان ذلك، ومثل ذلك تكرر في أمور مشروعة كالأذان ونحوه] (٢٦٩) . ٣ - أن رؤية بعض الصالحين لها على صورة رؤيا منام هو أمر واقع مقرر شرعاً، وقد ثبت حصوله مع رجال من صحابة رسول الله ﷺ . مسألة: [هل لليلة القدر علامة - في اليقظة - تظهر لمن وُفِّقت له (٢٧٠) ، أم لا؟ اختلف أهل العلم في ذلك، فقيل: يرى كلَّ شيء ساجداً، وقيل: يرى الأنوار في كل مكان ساطعة حتى

стр. 166

في المواضع المظلمة، وقيل: يسمع سلاماً أو خطاباً من الملائكة ﵈، وقيل: علامتها استجابة دعاء من وُفِّقت له، واختار الطبري ﵀ أن جميع ذلك غير لازم، وأنه لا يشترط لحصولها رؤية شيء ولا سماعه] (٢٧١) . واختار النوويُّ ﵀: [أنها موجودة، تُرى ويتحققها من شاء الله تعالى من بني ءآدم كل سنة في رمضان، كما تظاهرت عليه الأحاديث، وأخبار الصالحين بها، وأن رؤيتهم لها أكثر من أن تحصر] (٢٧٢) . والمختار هو إمكان رؤيتها يقظة بخوارق يشهدها من شاء الله من الصالحين، لكن ذلك ليس شرطاً لحصولها، فهي حاصلة سواء كُشِفت يقظة أو مناماً أم لا، والله أعلم. مسألة: ما الدعاء المستحب الإكثار منه لمن علم تلك الليلة المباركة؟ وما السرُّ في الإرشاد إليه؟ [المستحبّ: الإكثار من الدعاء في جميع الأوقات، وفي شهر رمضان أكثر، وفي ليالي العشر الأخير منه،

стр. 167

ثم في أوتارها خاصة، ومنها ليلة القدر، والمستحبّ أن يكثر فيها الدعاء بقوله: «اللهم إنك عَفُوٌّ تحبّ العفوَ فاعف عني» ، وذلك لقول أم المؤمنين عائشة: يا رسول الله، إن وافقتُ ليلة القدر فبِمَ أدعو؟ قال: «قولي: اللهم إنك عَفُوٌّ تحبّ العفوَ فاعف عني» ] (٢٧٣) . [وإنما أمر ﷺ بسؤال العفو في ليلة القدر بعد الاجتهاد في الأعمال فيها وفي ليالي العشر إيثاراً للمقام الأعظم الأكمل، والعمل الأسنى الأرفع، وهو بذل الوسع في العمل مع عدم رؤيته والاعتداد به والتعويل عليه] (٢٧٤) . مسألة: هل يحصل الثواب - المعيَّن الموعود به - في قيام ليلة القدر، لكل من قامها، أم يشترط في ذلك أن يعلمها وتُوفَّق له؟ قال رسول الله ﷺ : «من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباًً، غُفِر له ما تقدّم من ذنبه» (٢٧٥) ، وقال عليه

стр. 168

الصلاة والسلام: «من يقم ليلة القدر فيوافقها إيماناً واحتساباً غفر له» (٢٧٦) . وقال صلوات ربي وسلامه عليه: «فمن قامها ابتغاءها إيماناً واحتساباً، ثم وُفِّقَتْ له، غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر» (٢٧٧) . هذا التقييد في قوله ﷺ «فيوافقها» ، وفي قوله ﷺ : «ثم وُفِّقَتْ له» ، هل هو بمعنى أنها تُكشف له يقظةً فيرى خوارق؟ أم أنه يعلمها لعلامة تُعرف بها؟ أو لرجحان دليل كليلة سبع وعشرين ونحوه؟ أو أنه يوافقها فتكون ليلة القدر ولو لم يعلم هو بذلك؟ [المختار في ذلك ما ترجّح في نظر الإمامين النوويِّ وابنِ حجر رحمهما الله، من أن الموافقة هي العلم بأنها ليلة القدر، فيقومها فيحصل له ذلك الأجر الجزيل الموعود به، فلا يكون شرطاً لحصوله أن يُختص برؤية الخوارق، وذلك مع عدم إنكار حصول الثواب لمن قام لابتغاء ليلة القدر - جزمًا - وإن لم يعلم بها ولم تُوفَّق له، وإنما الكلام على حصول

стр. 169

الثواب المعين الموعود به، وهو المغفرة التامة لما تقدم من الذنب وما تأخّر، فيكون ذلك يقيناً لمن قامها ابتغاءها ثم كشفت له على سبيل الكرامة، لكن لا يكون التعويل في حصول الأجر الموعود به على ذلك الكشف، بل العبرة بالاستقامة بإحيائها، فإن الاستقامة تستحيل إلا أن تكون كرامة، بخلاف الخارق فقد يقع كرامة وقد يقع فتنة، وإن فضل الله واسع، ورُبَّ قائم في تلك الليلة لم يحصل منها إلا على العبادة من غير رؤية خارق، وآخر رأى الخارق من غير عبادة، والذي حصل على العبادة أفضل، والله أعلم] (٢٧٨) . يُفهم مما ذكر آنفًا أن القائمين المبتغين لتلك الليلة يكونون على ثلاث مراتب: قائم بالعبادة فيها من غير أن يعلمَها فذلك يؤجر أجراً جزيلاً، وآخر قامها وقد علمها من غير كشف بخارق، فهذا ينال الأجر الموعود به بمغفرة عامة ذنبه، وثالث قامها، إيماناً واحتساباً، وطلبها فعرفها، ثم كشفت له، فهذا قد أُجِر أجرًا

стр. 170

جزيلاً، وحصل له الثواب المعيّن الموعود به، فغُفِر له جميع ذنبه، واختُصّ كذلك بكرامة رؤيتها يقظة أو مناماً، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. ١٦- زكاة الفطر، أو صدقة الفطر . لقد مَنَّ الله تعالى على الصائمين في ختام شهر صيامهم، إذ شرع لهم طُهرة يُتِمُّ بها نعمته عليهم، فيتقبل بها صيامهم وقيامهم، ويتجاوز بها عما خالط عبادتَهم من لغو أو رفث، ويغني بها فقراءهم عن السؤال في يوم الجائزة: عيد الفطر، فيتكافل بذلك أهل الإسلام ويتحابُّون، غنيُّهم وفقيرُهم، ويُدخِل اللهُ بهذه الصدقة المباركة الحبورَ إلى قلوب الصائمين بما يسَّر لهم من سبيل إرضائه في ذلك الشهر العظيم، تلك هي زكاة الفطر، إنها على قلة المقدار الواجب فيها لكنها - في حالها - عَلَم على عظمة التشريع الإسلامي وكماله. [صدقة الفطر، سميت بذلك لكونها تجب بالفطر من رمضان] (٢٧٩) ، وقد فرضها رسول الله ﷺ في السنة

стр. 171

الثانية من الهجرة، عام فرض الصيام، وهي واجبة على كل مسلم ذكر أو أنثى، صغير أو كبير، حرٍّ أو مملوك، حاضر أو بادٍ، حال كونه يملكها مما زاد عن قُوْته وقوت عياله في يوم العيد وليلته، وهي تجب بإدراك غروب شمس آخر يوم من أيام رمضان، يخرجها المسلم عن نفسه وعمن تلزمه نفقته - من المسلمين - كزوجه وولده الفقير وخادمه، وهي تعدل صاعاً (٢٨٠) (أي ما يعدل = ٢٧٠٠غم) تقريباً من طعام أهل بلده، لأن نفوس المستحقين إنما تتشوّف لمثله في هذا اليوم، ومن هذا الطعام أصناف أربعة حدّدها النبيُّ ﷺ ، وهي: التمر، والشعير (ومنه السُّلْت) (٢٨١) ، والأَقِط (٢٨٢) ، والزبيب. وقد حدّد وقت إخراجها ﵊ فسنّ للمسلم أن يؤدي زكاة فطره بعد صلاة الفجر من يوم عيد الفطر وقبل خروج الناس إلى صلاة العيد، وذلك وقتها المستحب، ويجوز إخراجها في شهر رمضان، وتقديمها عن يوم العيد بيوم أو

стр. 172

يومين أو أكثر، مبادرةً بأدائها، لكن يُكره تأخيرها عن صلاة العيد إلا لعذر - كغَيبة مستحقٍ لها - وإنما يكره تأخيرها: لفوات المقصود منها عندئذٍ، وهو إغناء الفقراء عن الطلب صبيحة يوم السرور. أخي القارئ، هذا بعض ما أَتحفَتْ به الشريعةُ الغرّاء من أحكام متعلقة بزكاة الفطر، أوردته مجملاً طلباً للاختصار، وسأتبعه حالاً بأدلته مرتبة، مختتماً بذلك مباحث هذا الفصل، الذي به تتم فصول الكتاب، - ولله الحمد والمنة -، نفعني الله وإياك بفقهه والعمل بما فيه. ١ - «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طُهْرة للصيام من اللغو والرَّفَث، وطعمة للمساكين» (٢٨٣) . ٢ - «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر، صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير، على العبد والحرّ، والذكر والأنثى، والصغير والكبير، من المسلمين، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة» (٢٨٤) .

стр. 173

٣ - وقال أبو سعيد الخُدْري ﵁: (كنا نُخرج زكاة الفطر صاعاً من طعام، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من أَقِطٍ، أو صاعاً من زبيب) (٢٨٥) .

стр. 174

خاتمة (وفيها بيان حقيقة الصوم ومصالحه، ... وكمال هدي المصطفى ﷺ فيه) قال الإمام ابن القيم ﵀: [لما كان المقصودُ من الصيام حَبْسَ النفس عن الشهوات، وفِطامَها عن المألوفات، وتعديلَ قوتها الشهوانية، لتستعدَّ لطلب ما فيه غايةُ سعادتها ونعيمها، وقبولِ ما تزكو به مما فيه حياتُها الأبدية، ويكسر الجوعُ والظمأ من حِدَّتها وسَوْرتها، ويُذكّرها بحال الأكباد الجائعة من المساكين، ويضيّق مجاري الشيطان من العبد بتضييق مجاري الطعام والشراب، ويحبس قوى الأعضاء عن استرسالها لحكم الطبيعة فيما يضرها في معاشها ومعادها، ويُسكِّن كلَّ عضوٍ منها، وكلَّ قوةٍ عن جِماحه، وتُلجَم بلجامه، فهو لجام المتقين، وجُنَّة المحاربين، ورياضة الأبرار والمقرّبين، وهو لرب العالمين من بين سائر الأعمال، فإن الصائم لا يفعل

стр. 175

شيئاً، وإنما يترك شهوته وطعامه وشرابه من أجل معبوده، فهو ترك محبوبات النفس وتلذُّذِ ذاتِها إيثاراً لمحبة الله ومرضاته، وهو سرٌّ بين العبد وربِّه لا يَطَّلع عليه سواه، والعباد قد يطَّلعون منه على ترك المُفطِّرات الظاهرة، وأما كونُه ترك طعامَه وشرابه وشهوته من أجل معبوده، فهو أمر لا يطَّلع عليه بَشَرٌ، وذلك حقيقة الصوم. وللصوم تأثير عجيب في حفظ الجوارح الظاهرة، والقوى الباطنة، وحِمْيَتِها عن التخليط الجالب لها المواد الفاسدة التي إذا استولت عليها أفسدتها، واستفراغ المواد الرديئة المانعة لها من صحتها، فالصوم يحفظ على القلب والجوارح صحتها، ويعيد إليها ما استلبَتْه منها أيدي الشهوات، فهو من أكبر العون على التقوى، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ *﴾ [البَقَرَة: ١٨٣] . وقال النبيُّ

стр. 176

صلى الله عليه وسلم: «الصَّوْمُ جُنَّةٌ» (٢٨٦) ، وأَمَرَ ﷺ من اشتدت عليه شهوة النكاح - ولا قدرة له عليه - بالصيام، وجعله وجاء هذه الشهوة (٢٨٧) . والمقصود أن مصالح الصوم لما كانت مشهودةً بالعقول السليمة، والفِطَر المستقيمة، شرعه الله لعباده رحمةً بهم، وإحساناً إليهم، وحِمْية لهم وجُنَّة. وكان هَدْي رسولِ الله ﷺ فيه أكملَ الهدي، وأعظمَ تحصيلٍ للمقصود، وأسهلَه على النفوس] (٢٨٨) . اهـ. هذا ما وفّق الله تعالى ويسّر - بحمده - من جمعٍ وترتيبٍ لبعضٍ من فقه أحكام الصيام، وقد بذلت في ذلك وسعي، فما وُفِّقت فيه للإصابة فمن فضل الله تعالى، وما جانبتُ فيه الصوابَ، فلن أَعْدِمَ - إن شاء الله - قارئاً فاضلاً راسخاً في علمه، حريصاً على دينه، مخلصاً في نصحه، أديباً في مقاله، يُقِيل عَثْرتي، وينضح عليَّ من إناء علمه ووعاء فقهه، فيشاركني بذلك الأجرَ، ويرفع لكتابي هذا القَدْر.

стр. 177

هذا، وإني سائل الله تعالى أن يجعل ما كتبت خالصاً لوجهه الكريم، وأن يُثقِّل به ميزان حسناتي ووالديّ والمؤمنين والمؤمنات، وأن ينفعني وينفعَ بي كلَّ النفع، إنه سميع مجيب. وصلَّى الله وسلَّم وبارك على عبده ورسوله سيّدِنا محمدٍ النبيِّ الأُمِّيِّ، الرحمةِ المُهداة والنعمة المُسداة، وعلى آله الأطهار، وصحابته الأخيار، والتابعينَ لهم بإحسان إلى يوم الدين. وآخر دعوانا أنِ الْحمدُ لله ربِّ العالمين.