← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 9492

الصوم جنة

خالد الجريسي

Полный текст (177 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

١- ... كفّ الجوارح عن المحرّمات: والمقصود بالجوارح جنود القلب؛ من لسان وعين وأذن ويد ورجل، فإن المعاصي أول ما تتعلق بالقلب فإن أُشرِبها وأحبّها ظهرت آثار ذلك معاصي ظاهرة على باقي الجوارح. فإنْ أحب العبدُ اللغوَ لغا، وإن استمرأ الكذب كَذَب، وإن راقَتْه غِيبةٌ اغتاب، وخلافه صحيح: إن أبغض القلبُ جميعَ ذلك كفّ اللسانُ عن غيبة ونميمة ولغو ومراء، ثم لازم السكوتَ واشتغل بمحابّ الله ومراضيه من ذِكْر وتلاوة وقول سديد وصدق لهجة، بل إن الصائم يبلغ به الحِلْم في قوله كلَّ مبلغٍ، فيغلب لسانُ حاله لسانَ مقاله، فلا يقابل الإساءة بمثلها، بل يترفع عن ذلك ذاكراً صيامه، قال رسول الله ﷺ : «الصيام جُنّة، فلا يرفث، ولا يجهل، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم، مرتين» (١٢٥) ، وقُلْ مثلَ ذلك في باقي الجوارح، فالصائم غاضٌّ من بصره غير ناظر إلى

стр. 107

ما يُذم ويُكره فضلاً عما يَحْرم، متوجه إلى النظر بآيات الله في كتابه وآياته في عجائب خلقه، وكذا سمعه متنزه عن سماع غيبة أو كذب أو فحش في كلام، وهو مقبل على سماع الخير من تلاوة ودرس علم، وموعظةٍ تذكّرُ الآخرةَ، ومثل ذلك امتثال اليد والرجل، بل وسائر الجوارح. قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا *يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا *﴾ [الأحزَاب: ٧٠-٧١] ، انظر كيف ترتب صلاح العمل على سداد القول! وقال تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ... ﴾ [المَائدة: ٤٢] ، وانظر كيف سوى سبحانه بين كثرة الاستماع للكذب وبين المبالغة في أكل المال الحرام! وقال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ ... ﴾ [النُّور: ٣٠] ، تدبَّر كيف كان غضُّ البصر سبباً لحفظ الفرج، وكان ذلك أدعى لتزكية النفس والسموِّ بها!

стр. 108

وقال ﵊: «من لم يَدَعْ قولَ الزُّور والعملَ به، فليس لله حاجةٌ في أن يدع طعامه وشرابه» (١٢٦) ، تأمل كيف انتفى الداعي إلى تجشُّم مشقةِ الصيام، بمجرد النطق بقولٍ فيه زور، أو القيام بعملٍ سلب حقاً أو أثبت باطلاً! ٢- ... المبالغة في الجُود: ففي رمضانَ يُندب المسارعة إلى وجوه الإنفاق، ومواساة البائسين، ومواصلة ذوي الأرحام، والتوسعة على العيال، فقد «كان رسول الله ﷺ أجودَ الناس، وكان أجودُ ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسُه القرآنَ، فلَرسولُ الله ﷺ أجودُ بالخير من الريح المرسَلَة» (١٢٧) . ونحن نشهد في عصرنا إقبالَ كثيرٍ من الموسرين على جعل حَوْل زكاة أموالهم في رمضان، بل والإكثار من التصدق فيه، وفي ذلك إحياء لسُنَّة المصطفى ﷺ ، فليستكثر الصائمون من الخير، فإن في ذلك علامة

стр. 109

قبول العبادة ومضاعفة الأجور، لقوله ﷺ : «كل عمل ابن آدم يُضاعف؛ الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله : إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به، يَدَع شهوته وطعامه من أجلي، للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولَخلوف فيه أطيب عند الله من ريح المسك» (١٢٨) . ٣- ... تفطير الصائمين: ولو على تمرة أو جرعة ماء؛ لقول رسول الله ﷺ : «من فَطَّر صائماً كان له مثل أجره، غير أنه لا يَنْقُصُ من أجر الصائم شيئاً» (١٢٩) . ٤- ... السَّحور: وهو سُنَّة خاصة بهذه الأمة في صيامها، وهو يتحقق ولو بجرعة ماء، وابتداء وقته من انتصاف الليل (١٣٠) . قال رسول الله ﷺ : «تسحّروا، فإن في السَّحور بركةً» (١٣١) . وقال ﵊: «فَصْل ما بين صيامنا وصيام أهل

стр. 110

الكتاب: أَكْلة السَّحَر» (١٣٢) . وقال صلوات ربي وسلامه عليه: «السُّحور أكلةٌ بركةٌ، فلا تَدَعوه، ولو أن يجرع أحدُكم جَرْعةً من ماء، فإن الله وملائكته يصلّون على المُتسحِّرين» (١٣٣) . ٥- ... تأخير السحور: إلى قريب انفجار الفجر، فإن خشي المتسحِّر طلوع الفجر الثاني، فالأَوْلى له ترك السحور. قال ﷺ : «لا يزال الناس بخير ما عجَّلوا الفطر» (١٣٤) ، وقال ﵊: «لا تزال أمتي بخير ما عجَّلوا الإفطار وأخَّروا السُّحور» (١٣٥) . وقال زيدُ بن ثابتٍ ﵁: (تسحَّرنا مع رسول الله ﷺ ، ثم قمنا إلى الصلاة، قال أنس بن مالك لزيد ﵄: كم كان قَدْر ما بينهما؟ قال: خمسين آية) (١٣٦) . وقال ﵊: «إن بلالاً يؤذِّن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذِّنَ ابنُ أم مكتوم» (١٣٧) ، قال (١٣٨) : (ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا) ، وقال سهل بن سعد ﵁:

стр. 111

(كنت أتسحَّر في أهلي، ثم تكون سرعتي أن أدركَ السجودَ أو صلاةَ الفجرِ مع رسول الله ﷺ (١٣٩) . مسألة: ما الحكمة من مشروعية السحور، بل واستحباب تأخيره، مع كون رمضان شهر الجوع والعطش؟ لقد سنَّ لنا رسولُ الله ﷺ أكلة السَّحَر، فهي سُنَّة مُتَّبَعة، لا إيجاب فيها، لكنها شُرِعت رحمةً بالصائم، وطلباً للبركة فيها، ومنعاً لإرادة الوِصال في الصوم (١٤٠) ، لكن التوسُّع في التسحُّر بالتفكُّه بصنوف الأطعمة والأشربة حتى التُّخْمة، قد يفوِّت على الصائم الانتفاعَ الأمثل بصومه، فتبقى شهواته مندفعة جارية في عروقه مجرى الدم، فتنتفي عندها الحكمة من الصوم وهي إضعاف الشهوة بما يضيق مجاري الشيطان في البدن، لذا أُعلِمنا بأن السحور يتحقق ولو بجرعة ماء، والله أعلم. ٦- ... تعجيل الفطر: وذلك بعد تحقُّقِ الصائم من كمال غروب قرص الشمس، ودخول الليل، قال تعالى:

стр. 112

﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البَقَرَة: ١٨٧] ، وقال ﵊: «لا يزال الناس بخير ما عجَّلوا الفطر» (١٤١) ، و «كان النبيُّ ﷺ يُفطِر قبل أن يصلِّيَ على رُطَبات» (١٤٢) ، وقال ﷺ : «إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، وغربت الشمس، فقد أفطر الصائم» (١٤٣) ، وفي الحديث القدسي: «يقول الله : إن أحبَّ عبادي إليّ أعجلُهم فطراً» (١٤٤) . ٧- ... الإفطار على رُطَبات: فإن لم يكن فعلى تمرات، فإن لم يجد حسا حَسَوات من ماء، كما كان يفعله رسول الله ﷺ (١٤٥) . ٨- ... الدعاء بالمأثور عند الإفطار: وذلك لقول النبيِّ ﷺ : «إن للصائم عند فِطْره لَدعوةٌ لا تُرَدُّ» (١٤٦) ، وقد كان النبيُّ ﷺ إذا أفطر قال: «ذهب الظمأ وابتلَّتِ العروق وثَبَتَ الأجرُ إن شاء الله» ، «اللهم لك صمتُ، وعلى رزقك أفطرتُ (١٤٧) .

стр. 113

٩- ... الاشتغال بالعلم وتلاوة القرآن خاصة ومدارسته، والمواظبة على الأذكار؛ وذلك لكون رمضان شهر القرآن، قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البَقَرَة: ١٨٥] ، كما أن في ذلك اقتداء برسول الله ﷺ حين كان يلقاه جبريل ﵇ في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن. ١٠- الاعتكاف؛ ومعناه: اللُّبْث في المسجد من شخص مخصوص بنية، وهو مستحب في كل وقت، لكنه في رمضان أفضل، ويعظم فضله في العشر الأواخر منه، وذلك لطلب قيام ليلة القدر. فقد «كان النبيُّ ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان، حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده» (١٤٨) و «كان ﵊ إذا دخل العشرُ شدَّ مِئْزَرَه (١٤٩) ، وأحيا ليله، وأيقظ أهله» (١٥٠) .

стр. 114

١٢- مكروهات الصوم: لعل الضابط في معرفة ما يكره فعله للصائم، هو الامتناع عن كل ما قد يضعف الصائمَ، أو يُعرِّضه للفطر، أو يُنقِص من أجر صومه. وعليه، فإنه يكره للصائم أمور منها: ١- ... الاحتجام، وهي: استخراج الدم المحتقن من الجسم، مصًّا أو شَرْطاً، وكون الحجامة يُستخرج بها دم من بدن الصائم، فيكون ذلك - غالباً - سبباً في إضعافه، لذا، فإن تجنُّبَها للصائم أولى (١٥١) . ٢- ذوق الطعام لغير حاجة أو مصلحة، أي بلا عذر يَسُوغ معه ذلك، لما فيه من احتمال تعريض الصوم للفساد، لكن إن ذاق طعاماً لغير عذر، فوجد طعم المَذُوق في حلقه، فإنه يفطر بذلك، وقال الإمام أحمد ﵀: أَحَبُّ إليَّ أن يجتنبَ ذوق الطعام، فإن فعل فلا بأس (١٥٢) . ومن أمثلة ما يكون عذراً لذوق الطعام، قصد الزوجة إلى معرفة

стр. 115

مقدار الملح في الطعام ليُنظر بعدها اعتداله، وكذلك مضغ الطعام للولد إن لم تجد الأم بُدًّا من ذلك، لكن ليس من الحاجة مثلاً ذوق اللبن أو العسل لمعرفة الجيد منه والرديء عند الشراء، فإن ذلك مما يكره في الصوم (١٥٣) . ٣- ... التقبيل، وذلك إن لم يأمن على نفسه وقوع مُفْسِدٍ للصوم من إنزال أو جماع، فإنْ أَمِنَ وقوعَ ذلك لم تُكره في حقه، وكذلك سائر دواعي الوطء، كاللمس، والمعانقة ونحوه. لحديث عائشةَ ﵂: «كان النبيُّ ﷺ يقبِّل ويباشر وهو صائم، وكان أملكَكم لإِرْبه» (١٥٤) ، ولقولها ﵂: «إنْ كان رسول الله ﷺ ليقبِّل بعض أزواجه، وهو صائم، ثم ضحكَتْ» (١٥٥) ، كذلك فقد نهى النبيُّ ﷺ شابًا عن القُبلة، ورخَّص فيها للشيخ» (١٥٦) . ٤ - المبالغة في المضمضة والاستنشاق، وذلك لقوله ﷺ للَقِيطِ بن صَبْرَةَ ﵁: «أسبغ الوضوء، وخلِّل

стр. 116

بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق، إلا أن تكون صائماً» (١٥٧) [وتكون المبالغة في المضمضة: بإيصال الماء إلى رأس الحلق، وفي الاستنشاق بإيصاله إلى فوق المَارِن] (١٥٨) . والعلة في كراهة هذه المبالغة: الخشية من سَبْق الماء إلى الجوف فيفسد بذلك الصوم. ٥ - مضغ اللِّبَان (العِلْك) ، الذي لا يتحلل منه أجزاء؛ لأن الصائم بذلك يجمع ريقه ويبتلعه فيورثه العطش، فإن تحلل منه أجزاء كسُكّر ونحوه، فوجد طعمه في حلقه أفطر به. ومما يكره للصائم أيضاً مخالفته بعض المندوبات: - ... كتعمُّده تأخير الإفطار، أو مواصلته الصوم من غير أكلة السَّحَر، أو التلفُّظ بالهُجْر من الكلام إذا استرسل في الغضب، أو قضاء ساعات طوال أمام شاشة التلفاز، مما يكون ضرُّه أقربَ من نفعه.

стр. 117

١٣ - الاعتكاف (١٥٩) وهو لغة: اللبث وملازمة الشيء أو الدوام عليه؛ خيراً كان أو شراً، ومنه قوله تعالى: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبيَاء: ٥٢] ، وقوله سبحانه: ﴿قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى *﴾ [طه: ٩١] ، وقوله : ﴿وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البَقَرَة: ١٨٧] . ومعنى الاعتكاف شرعاً: لزوم مسجدٍ طاعةً لله تعالى، على صفة مخصوصة، من مسلم عاقل - ولو مميِّز - طاهرٍ مما يوجب غُسْلاً (١٦٠) . ودليله من الكتاب قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البَقَرَة: ١٨٧] . ومن السُّنَّة: «أنه ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده» (١٦١) . وحكمه: سنة - أي مستحب - في كل وقت، وهو

стр. 118

في العشر الأواخر من رمضان أفضل من أجل طلب ليلة القدر، فإن كان نذراً لزم - أي وجب الوفاء به على الصفة التي نذرها من تتابع أيامٍ، ونحوه. وذلك لعموم قول النبيِّ ﷺ : «من نذر أن يطيعَ الله فليُطِعْه» (١٦٢) ، ولأمره ﷺ عمرَ ﵁، حين أخبره بنذرٍ له في الجاهلية أن يعتكف ليلة في المسجد الحرام، بقوله ﵊: «أوفِ بنذرك» (١٦٣) . وقد اتفق العلماء على مشروطية المسجد - أي كونه شرطاً - لصحة الاعتكاف، فلا يجوز الاعتكاف في غير المسجد، لأن المسجد تميّز عن سائر البقاع بفضلِ أنه بُنِي لإقامة الطاعات والعبادات فيه. ثم إن الاعتكاف جائز في كل مسجد، إلا أنه في المسجد الجامع أفضل، حتى لا يحتاج المعتكف إلى الخروج من معتكفه لصلاة الجمعة، كما أن الاعتكاف لا يختص بالمساجد الثلاثة (المسجد الحرام، ومسجد الرسول ﷺ ، ومسجد بيت المقدس = المسجد

стр. 119

الأقصى) وذلك لعموم قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البَقَرَة:١٨٧] (١٦٤) . ومما يجدر ذكره في هذا المقام أن اعتكاف المرأة في بيتها جائز، حيث إن اعتكافها فيه أدعى للستر لها، بخلاف تعرُّضِها في المسجد لكثرة من يراها، [وقد أطلق الإمام الشافعيُّ ﵀ كراهة الاعتكاف للنساء في المسجد (*) ، وشَرَط الحنفية لصحة اعتكاف المرأة أن يكون في مسجد بيتها] (١٦٥) . وقته: يكون الاعتكاف في أي وقت من أيام السنة، فقد اعتكف النبيُّ ﷺ مرةً عشراً من شوال (١٦٦) ، لكنه يستحب في رمضانَ جميعه، وفي العشر الأوسط منه، ويتأكد استحبابه في العشر الأواخر منه، وذلك لمواظبته ﷺ وأزواجه من بعده - على فعل ذلك (١٦٧) ، كما يستحب أن يدخل المُعتِكف مُعتكَفه إذا صلّى الصبح، وذلك لمداومته ﷺ عليه (١٦٨) ، كذلك يُنهِي اعتكافه إذا صلّى الصبح،

стр. 120

فيخرج بعده، وذلك لخروج النبيِّ ﷺ صبيحة عشرين (١٦٩) ، وقد قال أبو سعيد ﵁: (اعتكفنا مع رسول الله ﷺ العَشْرَ الأوسط، فلما كان صبيحة عشرين نقلنا متاعنا) (١٧٠) . مسألة: هل ما ذكر آنفًا من استحباب دخول المُعتكِف مُعتكَفَه صبحاً وخروجِه منه كذلك، هو على إطلاقه؟ [إن من أراد اعتكاف الليالي دون الأيام، فإنه يدخل قبيل غروب الشمس ويخرج بعد طلوع الفجر، فإن أراد اعتكاف الأيام خاصة، فيدخل مع طلوع الفجر ويخرج بعد غروب الشمس، فإن أراد اعتكاف الأيام والليالي معاً، فإنه يدخل قبل غروب الشمس ويخرج بعد غروب الشمس أيضاً] (١٧١) . شروطه: يتبين من التعريف الاصطلاحي للاعتكاف مشروطية خمسة أمور لصحته هي:

стр. 121

١- الإسلام. ٢- العقل. ٣- النية. ٤- الطهارة (النقاء من الحيض والجنابة) . ٥- وقوع الاعتكاف في مسجد. مسألة: هل الصوم شرط في صحة الاعتكاف؟ [قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البَقَرَة: ١٨٧] . وقد سأل عمرُ النبيَّ ﷺ فقال: (كنت نذرتُ في الجاهلية أن أعتكف ليلة (١٧٢) في المسجد الحرام، قال ﵊: «فَأَوْفِ بنذرك» (١٧٣) . إن الناظر في هذين النصين الكريمين قد يجد في ظاهرهما تعارضًا؛ حيث إن الآية الكريمة ذكرت الاعتكاف إثر الصوم، فكأنه لا اعتكاف بغير صوم، بيد أن الحديث أرشد إلى مشروعية الاعتكاف ليلاً، ومعلوم أن الليل ليس مَحَلاً للصوم، فكيف يُعتكَف فيه؟ الحق أنه لا تعارض بين النصين، فليس في الآية ما يدل على تلازم الاعتكاف

стр. 122

والصوم، وإلا لزم ألا يصح صوم بغير اعتكاف، ولم يقل بذلك أحد من أهل العلم. لذا، فإن المختار في ذلك أن الاعتكاف ليس من شرطه الصيام، وإن كان غالب اعتكاف النبيِّ ﷺ كان بصوم، إلا أنه ﵊ اعتكف في شوال - كما مرّ - واعتكف عمرُ ﵁ ليلة كما صرح به البخاري ﵀، بقوله: «فاعتكف ليلة» (١٧٤) ، فدل ذلك على أنه لم يزد على نذره شيئاً، وأن الاعتكاف لا يشترط فيه الصوم، كما أنه لا يشترط له حدٌّ معين] (١٧٥) . مسألة: هل للاعتكاف حدٌّ في أقلِّ زمنِه أو أكثره؟ المختار في ذلك أن أقلَّ الاعتكاف يوم أو ليلة، ذلك أن معنى الاعتكاف مشتق من لزوم الشيء وحبس النفس عليه، وما كان دون يوم أو ليلة يَبْعُد أن يسمى اعتكافاً لقِصَر مدته وعدم انضباطه بزمن معين، فلا بدّ للمعتكف أن يلبث في المسجد قَدْراً يسمى عكوفاً،

стр. 123

وقد مرّ آنفاً حديثُ أَمْرِ النبيِّ ﷺ لعمرَ ﵁ بوجوب إيفائه لنذره باعتكافه يوماً أو ليلة. أما أكثر وقت الاعتكاف فلا حدَّ له، لكن غالب اعتكاف النبيِّ ﷺ قد كان في العشر الأواخر من رمضان، كما اعتكف ﵊ عشراً من شوال، «فلما كان العام الذي قُبِض فيه اعتكف عشرين» (١٧٦) ، [وقد قيل: إن السبب في ذلك أنه ﷺ علم بانقضاء أجله فأراد أن يستكثر من أعمال الخير، ليبين لأمته استحباب الاجتهاد في العمل إذا بلغوا أقصاه، وذلك ليلقَوا الله على خير أحوالهم، وقيل: السبب فيه أن جبريل _ج كان يعارضه بالقرآن في كل رمضان مرة، فلما كان العام الذي قبض فيه عارضه به مرتين، فلذلك اعتكف ﷺ قَدْر ما كان يعتكف مرتين، أو قد يكون ذلك بسبب سفره عاماً فلم يعتكف، وكان من شأنه ﵊ أنه إذا عمل عملاً أَثْبَتَه، فلما كان العام المقبل اعتكف عشرين] (١٧٧) ، ومهما يكن من

стр. 124

سبب لإطالة الاعتكاف، فقد دل ذلك على مشروعيته للاستزادة من فعل الخيرات، [لكن لو أطاله مسلم عن ذلك الحد، فقد يحصل بذلك إضاعة العبد لأهله وانشغاله عنهم، أو تَرْك طلب معاش أو تكليف غيره بالإنفاق عليه، لذا فمع كون الاعتكاف لا حدَّ لأكثره، لكنه يُستحسن فيه ألاّ يزيدَ عن حدِّ ما وردت به السُّنَّة، وبخاصة أنه قد يكون فيه مَظِنَّة حصول تفريط في أمور المعاش، والله أعلم] (١٧٨) . ما يحرم على المعتكف فيُبطِل اعتكافه، أو يقطعه: قال تعالى: ﴿وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا﴾ [البَقَرَة: ١٨٧] . [يحرم على المعتكف النساءُ ما دام معتكفاً في مسجده، ولو ذهب إلى منزله لحاجة لا بدّ له منها فلا يَحِلُّ له أن يتلبَّثَ فيه إلا بمقدار ما يَفْرغ من حاجته تلك من نحو قضاء الغائط أو أكلٍ (١٧٩) ، وليس له أن يقبِّلَ امرأته، ولا يضمَّها إليه، ولا يشتغل بشيء سوى

стр. 125

اعتكافه، ولا يعود المعتكف المريضَ، ولكن يسأل عنه وهو مارٌّ في طريقه] (١٨٠) . وعن عائشةَ زوجِ النبيِّ ﷺ قالت: «وإن كان رسول الله ﷺ لَيُدخِل عليَّ رأسَه - وهو في المسجد - فأرجِّلُه، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفاً» (١٨١) والحاصل فيه أن المعتكف يحرم عليه الجماع فيُبطِل اعتكافَه، كما يحرم عليه الخروج من المسجد - عمداً - لغير حاجة الإنسان (١٨٢) ، فإن فعل انقطع اعتكافه، لكن لا يضر إخراج بعض الأعضاء كالرأس للترجُّل أو للغَسْل (١٨٣) ، وكذلك له أن يخرج لحوائجه إلى باب المسجد، وكذلك فإن لزوجته زيارته في معتكفه (١٨٤) . آدابه: شُرِع الاعتكاف للتبتُّل والانقطاع إلى الله سبحانه، بالتقرُّب إليه بسائر أنواع القُرَب، والتزهُّد في أمر الدنيا وانقطاع انشغال القلب بها، لذا فقد كان الاعتكاف عبادة جليلة تُهذِّب النفس، وتسمو بالروح، وتَصقُل القلب، وتقوِّي الإرادة، بما يهيِّئ

стр. 126

المؤمنَ لمواجهة حرمان ملذات الحياة بقوة لا تعدلها قوة، وعزيمة لا تعرف خَوَراً ولا هزيمة. كل ذلك مترافق بروح التطوُّع والإقبال على الله تعالى، محبة لجلاله، وطمعاً في ثوابه، وخوفاً من عذابه؛ ومِنْ رَحِم هذه المعاني ومن صُلْبها تتولد آداب الاعتكاف، وهي عديدة تكاد ألاّ تحصى، فلينهلِ المعتكف منها ما شاء: ١- ... عِمارة الوقت، بصنوف الطاعات، من أداء الصلاة جماعة، أو قراءة القرآن، وحفظه، والاشتغال بالعلم ومدارسته، والإكثار من الأذكار المشروعة؛ المقيَّدِ منها والمطلق. ٢- ... الإكثار من الصلاة على النبيِّ ﷺ ، وبخاصة في ليلة الجمعة ونهارها، لقوله ﵊: «من أفضل أيامكم يوم الجمعة؛ فيه خُلِق آدم، وفيه قُبِض، وفيه النفخةُ، وفيه الصعقةُ، فأكثروا عليّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة عليّ» (١٨٥) .

стр. 127

٣- الإكثار من دعاء الله ، مع التزام شروط الدعاء وآدابه، وتحرّي أوقات الإجابة، ومنها: حال السجود، وحال الصيام، وليالي الوتر من العشر الأواخر من رمضان، وبين الأذان والإقامة، وساعة الإجابة من يوم الجمعة وهي من جلوس الإمام إلى انقضاء الصلاة، أو آخر ساعة بعد عصر الجمعة، فكلاهما ساعة إجابة (١٨٦) . كذلك الدعاء في وقت السَّحَر؛ وهو ثلث الليل الآخِر، ويخص في دعائه إخواناً له عَلِم فاقتهم أو ضراً نزل بهم، كما يكثر من الدعاء لأُمَّة سيِّدِنا محمَّدٍ ﷺ فيناله مثل الأجر الذي ينالهم. ٤- التعوُّد على الإكثار من الصمت، وتجنب الفُضول من الكلام، كالجدال وإن كان مُحِقّاً، وألاّ يتكلم المعتكف إلا بخير، ممتثلاً قوله ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت» (١٨٧) .

стр. 128

٥- التعوُّد على الاختلاء بالنفس، ليكون ذلك داعياً للتفكُّر والتأمُّل فيما سبق من حياة المعتكف، هل كانت فيما يرضي الله تعالى أم فيما سوى ذلك؟ ليبادر بعدها إلى توبة نصوح تكون بداية لتغير مسار حياته، وحسن ثواب آخرته. ٦- ... اعتياد قيام الليل، وقسر النفس على ذلك، ليجد حلاوة ذلك، فإذا أدركها بقي أثرها بعد اعتكافه ذكرى متجددة تسري في حنايا قلبه، تدعوه بإلحاح للوقوف بين يدي الله في ساعة مناجاة في جوف الليل. ٧- استحضار معنى اتباع النبيِّ ﷺ ، وتحقيق محبته المقتضية لحسن الاقتداء به، فالمعتكف يشعر بتغلغل محبة النبيِّ ﷺ في قلبه، وذلك بحُسن اتباعه، مما يحدوه - بعد انقضاء اعتكافه - إلى المحافظة على هذه الصلة الروحية مع رسول الله ﷺ .

стр. 129

١٤- قيام رمضان (ومنه صلاة التراويح) (١٨٨) . يقول الله تعالى في وصف عباده المؤمنين: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ *﴾ [السَّجدَة: ١٦] ، ويقول نبيُّه الكريم ﷺ : «من قام رمضانَ إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدَّم من ذنبه» (١٨٩) . ويقول ﵊: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح، صلّى ركعة واحدة توتر له ما قد صلّى» (١٩٠) . وكان من هَدْيه ﷺ الترغيب بقيام الليل في رمضان وغيره، قال ﷺ : «أفضل الصلاة بعد الصلاة المكتوبة، الصلاةُ في جوف الليل» (١٩١) ، وقد وصفت عائشة ﵂ صلاة النبيِّ ﷺ بقولها: «ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلّي أربعاً، فلا تَسَلْ عن حُسْنِهِنَّ وطولِهِنَّ، ثم يصلّي أربعاً فلا تسل عن حُسْنِهِنَّ وطولِهِنَّ، ثم يصلِّي ثلاثاً» . قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله أتنام قبل أن توتر؟ فقال: «يا عائشة إن عينيَّ تنامان ولا ينام قلبي» (١٩٢) . ومن هَدْيه

стр. 130

عليه الصلاة والسلام في قيام الليل: (التطويل في القراءة، ما أطاق القائم ذلك، ووجد في نفسه نشاطاً، كذلك المداومة على القيام، وكان أحبَّ الدِّين إليه ﷺ ما داوم عليه صاحبه) (١٩٣) . ستُّ مسائلَ متعلقة بقيام الليل، ومنه التراويح. قال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ *فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ *﴾ [السَّجدَة: ١٦-١٧] . وهنا ثلاث مسائل مستنبطة من معنى هاتين الآيتين، سأُتْبِعها بثلاث أخرى متعلقة بفقه القيام من سُنَّة النبيِّ ﷺ . الأولى: كيف تتجافى الجُنوب عن المضاجع؟ [يعني بذلك: قيام الليل، وتركَ النوم، والاضطجاع على الفُرُش الوطيئة. أو هو الصلاة بين العِشَاءَيْن، أو

стр. 131

انتظار صلاة العَتَمة، أي: العِشَاء الآخرة، أو الحرص عليها في جماعة، وكذلك صلاة الغداة، وهي الفجر] (١٩٤) . الثانية: كيف يكون دعاء المصلي بالليل خوفًا وطمعًا؟ وما علاقة الدعاء بالإنفاق، إذ أتبعه الله بذكره؟! [المعنى: خوفًا من وبال عقاب الله وطمعًا في جزيل ثوابه، ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ فيجمعون بين فعل القربات اللازمة كأداء الزكاة - والمتعدية تطوعًا - كقيام الليل والدعاء فيه - ومُقدَّم هؤلاء وسيِّدهم وفخرهم في الدنيا والآخرة رسول الله ﷺ ، كما قال عبد الله بن رواحةَ ﵁: وَفِينَا رَسُولُ اللهِ يَتْلُو كِتَابَهُ ... إِذَا انْشَقَّ مَعْرُوفٌ منَ الصُّبْحِ سَاطِعُ أَرَانَا الْهُدَى بَعْدَ الْعَمَى فَقُلُوبُنَا ... بِهِ مُوقِنَاتٌ أَنَّ مَا قَالَ وَاقِعُ

стр. 132

يَبِيتُ يُجَافِي جَنْبَهُ عَنْ فِرَاشِهِ ... إِذَا اسْتَثْقَلَتْ بِالْمُشْرِكِينَ الْمَضَاجِعُ] (١٩٥) الثالثة: لِمَ أخفى الله سبحانه ما لقائمي الليل من ثواب؟ وما معنى (قرة أعين) ؟ [أخفى الله لهم في الجنات من النعيم المقيم، واللذات التي لم يَطَّلع على مثلها أحدٌ، فلمّا أخفَوا هم أعمالهم أخفى الله لهم من الثواب، جزاءً وفاقاً، فإن الجزاء من جنس العمل. فأخفى لهم سبحانه ما لم تره عين ولم يخطر قَطُّ على قلب بشر!! قال رسول الله ﷺ : «قال الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأَتْ، ولا أُذُن سمعَتْ، ولا خطر على قلب بشر» ، قال أبو هريرة ﵁: فاقرؤوا إن شئتم: ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السَّجدَة: ١٧] (١٩٦) . الرابعة: هل المقصود بقول النبيِّ ﷺ : «مثنى مثنى» ، بيان صفة قيام الليل، وأنه لا بد من الفصل بين كل ركعتين بالتسليم؟

стр. 133

[إن الراوي للحديث - وهو ابن عمر ﵄ قد فسّره بقوله: (تسلّم من كل ركعتين) (١٩٧) . وراوي الحديث هو أعلم بالمراد به، وما فسّره به هو المتبادر إلى الفهم، لأنه لا يقال في الرباعية مثلاً إنها مثنى، واستُدل بهذا على تعيُّن الفصل بين كل ركعتين من صلاة الليل. فالمختار في صلاة الليل أن تكون مثنى مثنى - كما نصّ عليه ظاهر الحديث - وأن يسلّم من كل ركعتين لكونه ﷺ أجاب به السائل، ولكون أحاديث الفصل أثبت وأكثر طرقاً، لكن قد صح عنه ﷺ الفصل كما صح عنه الوصل، فيكون الفصل إرشاداً إلى الأخف، إذ السلام بين كل ركعتين أخف على المصلي من الوصل إلى الأربع فما فوقها، لما فيه من الراحة غالباً وقضاء ما يعرض من أمر مهم] (١٩٨) . الخامسة: حيث إن التراويح هي من جنس قيام الليل، فهي تصلى مثنى مثنى - كما تقرر -، لكن ما هو الأفضل في أدائها: الانفراد أم الجماعة؟

стр. 134

[خرج رسول الله ﷺ ذات ليلة من جوف الليل، فصلّى في المسجد، فصلّى رجال بصلاته، فأصبح الناس فتحدثوا، فاجتمع أكثرُ منهم فصلَّوْا معه، فأصبح الناس فتحدثوا، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج رسول الله ﷺ فصلَّوْا بصلاته، فلمّا كانت الليلة الرابعة عَجَز المسجد عن أهله حتى خرج النبيُّ ﷺ لصلاة الصبح؛ فلمّا قضى الفجرَ أقبل على الناس فتشهّد، ثم قال: «أما بعدُ؛ فإنه لم يَخْفَ عليّ مكانُكم، لكني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها» . قال ابن شهاب (١٩٩) : (فتوفي رسول الله ﷺ والناس على ذلك، ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدراً من خلافة عمر ﵄ (٢٠٠) . [وخرج عمر ﵁ ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاعٌ متفرقون؛ يصلِّي الرجل لنفسه، ويصلّي الرجل فيصلِّي بصلاته الرَّهْط، فقال عمر: إني أرى لو جمعتُ هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثلَ، ثم

стр. 135

عزم فجمعهم على أبيِّ بن كعبٍ ﵁، ثم خرج ليلة أخرى - والناس يصلون بصلاة قارئهم، فقال: نِعْم البدعةُ هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون، يريد آخر الليل، وكان الناس يقومون أوّلَه] (٢٠١) . إن النصوص المذكورة آنفًا يُستَدل بها على أمور، منها (٢٠٢) : * ... أن النبيَّ ﷺ قد أقرّ مَنْ صلّى معه في تلك الليالي الثلاث. * ... أنه ﵊ ترك ذلك فيما بعد، وكره لهم الدوام على صلاة التراويح جماعة معه، وذلك خشية أن يفرض الله تعالى ذلك عليهم، فيكون أداؤها عندئذٍ جماعةً في المسجد شرطاً في صحتها، فيعجز البعض عن ذلك فيفوته أجر قيام ليالي رمضان.

стр. 136

* ... أنه لما توفي رسولُ الله ﷺ حصل الأمن من الافتراض، ورجح عند عمر ﵁ أنّ جَمْع الناس على إمام واحد أمثل؛ لاعتبارات عديدة، منها: - ... التمسك بهَدْي النبيِّ ﷺ في صلاة القيام بالناس جماعة. - ... فقهه ﵁ أن النبيَّ ﷺ ما كره لهم ذلك إلا من أجل أن أداءها جماعة قد يترتب عليه عجزُهم عن أدائها فيما لو فُرِضت جماعة، فكان الترك رأفة بالمسلمين ورحمة بهم، لا لعدم أفضلية أدائها جماعة. - ... حرص عمر ﵁ على منع تخالف قلوب المصلين، لما في الاختلاف من افتراق الكلمة، ولأن الاجتماع على إمام واحد - وبخاصة إذا كان أقرأهم لكتاب الله، مع حسن الصوت وتمثُّل الخشوع به - هو أنشط لكثير من المصلين.

стр. 137

أخي القارئ، يتبين مما سبق أن أداء صلاة قيام رمضان جماعة هو الأولى، كما فعله عمر ﵁، وأقره صحابة رسول الله ﷺ ، واستمر عمل المسلمين عليه بعدها. يبقى أن عمر ﵁ قد نبَّه إلى أن الصلاة في آخر الليل، والتي ينام عنها كثير من الناس هي أفضل من القيام في أوَّله - ولو كان القيام في أول الليل جماعة - حثاً منه ﵁ للقائمين في التراويح على الصلاة آخر الليل كذلك، لقول رسول الله ﷺ : «ينزل ربُّنا ﵎ كلَّ ليلة إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخِر، يقول: من يدعوني فأستجيبَ له، من يسألُني فأعطيَه، من يستغفرُني فأغفرَ له» (٢٠٣) ، والله أعلم. السادسة: هل لصلاة التراويح عدد محدد يُلتزم به، فلا يُتجاوز، أم أن في الأمر سعة؟ قالت أم المؤمنين عائشة ﵂: «ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة ... » (٢٠٤) ، وقالت ﵂ تصف صلاة

стр. 138

رسول الله ﷺ : «سبع وتسع وإحدى عشرة، سوى ركعتي الفجر» (٢٠٥) . وقالت أيضاً ﵂: «كان النبيُّ ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، منها الوتر وركعتا الفجر» (٢٠٦) . قال الإمام ابن حجر ﵀: [أشكلت روايات عائشة ﵂ على كثير من أهل العلم حتى نسب بعضهم حديثَها إلى الاضطراب!! وهذا، إنما يتم - أي الاضطراب في الرواية - لو كان الراوي عنها واحداً، أو أخبرت عن وقت واحد، والصواب: أن كل شيء ذكرَتْه من ذلك محمول على أوقات متعددة وأحوال مختلفة، بحسب النشاط وبيان الجواز، والله أعلم، وظهر لي أن الحكمة في عدم الزيادة على إحدى عشرة ركعة: أن التهجد والوتر مختص بصلاة الليل، كما أن فرائض النهار: الظهر وهي أربع، والعصر وهي أربع، والمغرب وهي ثلاث: وتر النهار، فناسب أن تكون صلاة الليل كصلاة النهار جملة وتفصيلاً، وأما مناسبة

стр. 139

ثلاث عشرة فيكون بضمّ صلاة الصبح لكونها نهارية إلى ما بعدها] (٢٠٧) . يتبين من هذا الكلام النفيس أن [أكثر ما كان يصليه النبيُّ ﷺ في الليل في رمضان وغيره هو إحدى عشرة ركعة، فالرواية دلت على الحصر، لكنها لم تتعرض لركعتي الفجر، وتعرضت لها في الرواية الثانية، كذلك في الرواية الثالثة، وبهذا يجمع بين الروايات، والله أعلم] (٢٠٨) فالتراويح مُقيَّدة بالنصِّ - كما ترى - في هيئتها وفي وقتها، أما عدد ركعاتها فمع كون غالب صلاة النبيِّ ﷺ ليلاً إحدى عشرة ركعة، فإن فهم السلف وعملهم دلّ على أن الأمر فيه سعة، وأنه لا حدّ لأكثرها، وذلك عملاً بعموم قوله ﷺ : «صلاة الليل مثنى مثنى» (٢٠٩) ، حيث إنه بيان للكيفية، وأنه يسلّم من كل ثِنْتين كما سبق بيانه. والحاصل في ذلك: أن المراد بقيام رمضان: صلاة التراويح، فيحصل بها المطلوب من القيام يقيناً، لكن

стр. 140

ذلك لا يعني أن قيام رمضان لا يكون إلا بها، أو أنه لا يُزاد فيها عن إحدى عشرة ركعة، فقد يقتصد أحدهم في السُّنة، فلا يصلي إلا ركعتي قيامٍ مثلاً، وهذا مشروع داخل في مسمّى التراويح، كما أنه لو زاد عليها - أي على إحدى عشرة ركعة - فهو معتبر من مطلق التراويح كذلك، والله أعلم. ١٥ - قيام ليلة القدر. قال الله : ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البَقَرَة: ١٨٥] ، وقال تعالى: ﴿حم *وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ *إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ *فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ *أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ *﴾ [الدّخان: ١-٥] . وقال سبحانه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ *وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ *لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ *تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ *سَلاَمٌ هِيَ

стр. 141

حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ *﴾ [القَدر: ١-٥] . ويقول النبيُّ ﷺ : «من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غُفِر له ما تقدّم من ذنبه» (٢١٠) . وكان ﵊ إذا دخل العشرُ شدََّ مِئْزَرَه وأحيا ليله، وأيقظ أهله» (٢١١) . ويقول الصادق المصدوق ﷺ : «تحرَّوا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان» (٢١٢) . وقد خرج ﵊ ليخبر صحابته ﵃ بليلة القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين، فقال: «خرجت لأخبرَكم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان فَرُفِعَتْ، وعسى أن يكون خيراً، فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة» (٢١٣) . وقد علّم رسول الله ﷺ السيدةَ عائشة ﵂ دعاءً تقوله إن عَلِمت أيَّ ليلةٍ ليلةُ القدر، فقال: «قولي: اللهم إنك عفوٌّ كريم تُحِبُّ العفوَ فاعفُ عني» (٢١٤) .

стр. 142

أخي القارئ، تلك نصوص كريمة من الكتاب والسُّنَّة، قد حوت في ثناياها ما يُستنبط من أمر ليلة القدر، ومن ذلك أحد عشر مبحثًا، أشرع ببيانها، مستعيناً بالله تعالى: الأول: من دلالة الآيات الواردة بشأن ليلة القدر. [إن المتدبر للآيات من سورة البقرة ومن مطلع سورة الدخان، ومن تمام سورة القَدْر، يتبين له أن ليلة القدر هي - جزماً - من ليالي شهر رمضان، حيث [مدح الله تعالى - في الآية من سورة البقرة - شهر الصيام من بين سائر الشهور، بأنِ اختاره لإنزال القرآن العظيم فيه، فقال سبحانه: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البَقَرَة: ١٨٥] ، وكان ذلك في ليلة مباركة هي التي ذكرها الله في سورة الدخان بقوله تعالى: [الدّخان: ٣] ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ . وهي اللية التي فخَّم الله أمرَها، وسمّاها ليلة القدر، كما في قوله سبحانه:

стр. 143

﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ *﴾ [القَدر: ١] . هذا، وقد نزل القرآن جملة واحدة إلى بيت العزة من السماء الدنيا، في تلك الليلة، ثم نزل بعدُ مُفَرَّقاً - بحسب الوقائع - على قلب رسول الله ﷺ . كما روي ذلك - من غير وجهٍ - عن عبد الله بن عباس ﵄. وفي ليلة القدر المباركة من ليالي رمضان: يُفصَل من اللوح المحفوظ إلى الكَتَبة - من الملائكة - أمرُ السنة، وما يكون فيها من الآجال والأرزاق، وجميع ما يكون فيها إلى آخرها، وهذا الأمر يكون مُحكَماً؛ لا يُبدَّل ولا يُغيَّر، ولهذا قال سبحانه: ﴿أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾ [الدّخان: ٥] أي: جميع ما يكون ويقدّره الله تعالى وما يوحيه فبأمره وإذنه وعلمه] (٢١٥) . الثاني: في ذكر سبب نزول سورة القدر: ذكر أهل التفسير (٢١٦) رواياتٍ في سبب نزول السورة، منها ما أُرسِل عن مجاهد ﵀: (أن النبيَّ ﷺ ذكر رجلاً من بني إسرائيل لبس السلاحَ في سبيل الله

стр. 144

ألف شهر!، قال: فعجب المسلمون من ذلك، قال: فأنزل الله : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ *وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ *لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ *﴾ [القَدر: ١-٣] ، قال: خير من التي لبس فيها السلاحَ ذلك الرجلُ) . كذلك روي في سبب النزول، عن مجاهد ﵀، قال: كان في بني إسرائيل رجل يقوم الليل حتى يصبح، ثم يجاهد العدو بالنهار حتى يمسي، ففعل ذلك ألف شهر، فأنزل الله هذه الآية: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ *﴾ [القَدر: ٣] ، أي: قيام تلك الليلة خير من عمل ذلك الرجل) (٢١٧) . الثالث: معنى القَدْر، وسبب تسمية الليلة الشريفة به. أ - معنى القَدْر: [القَدْر: مَبْلَغُ كلِّ شيء، يقال: قَدْره كذا، أي: مبلغه، وكذلك القَدَر. والقَدْر: قضاء الله تعالى الأشياء على مَبَالغها ونهاياتها التي أرادها لها، وهو القَدَر أيضاً. وقوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعَام:

стр. 145

٩١] ، قال المفسرون: ما عظَّموا الله حقَّ عَظَمته، وهذا صحيح، وتلخيصه: أنهم لم يصفوه بصفته التي تنبغي له تعالى] (٢١٨) . [وقَدْر الشيء مقداره، والقَدْر والقَدَر: مقدار من الحكم الإلهي على العبد. فالقدر - بالسكون والحركة - مرادف التقدير] (٢١٩) . [وقَدْر الشيء - ساكن الدال، والفتح لغة - مَبْلَغُه، يقال: هذا قَدْر هذا وقَدَره، أي: مُماثِلُه، ويقال: ما له عندي قَدْر ولا قَدَر، أي: حرمة ووقار. والقَدَر بالفتح لا غير: القضاء الذي يُقدِّره الله تعالى] (٢٢٠) . والحاصل مما ذُكِر آنفًا أن القَدْر بإسكان الدال، تتعدد معانيه، فقد يرادف معنى القَدَر وهو قضاء الله الأشياء، وقد يكون بمعنى مبلغ الشيء ومقداره والحرمة والوقار ونحوها. أما القدَر بفتح الدال فهو مختص بما يُقدِّره الله من القضاء ويحكم به من الأمور.
следующие страницы →