سلسلة زاد المؤمن (٨)
الصوم جُنَّة
تأليف
د. خالد بن عبد الرحمن الجريسي
تقديم
العلاّمة الشيخ د/ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
стр. 2
تقديم
الحمد لله الذي هدانا للإسلام وأرسل إلينا نبيَّه محمدًا أفضلَ الأنام، فبيَّن برسالته الحلال والحرام، وفصَّل أحكام الصلاة والصيام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملكُ العلاَّم، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسولُه أفضل من صلَّى لربِّه وصام، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه البَرَرةِ الكرام، وسلَّم تسليماً كثيراً ما دامت الليالي والأيام.
أما بعد، فقد قرأت هذه الرسالة القيمةَ والتي بعنوان (الصَّوْمُ جُنَّةٌ) والتي صنَّفها الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي وفَّقه الله تعالى وسدَّده، ورأيتُه قد أجاد في الانتقاء والاختيار، واستوفى كلَّ ما يتعلق بالصيام وتأريخ فَرْضِه والحكمة منه وواجباته وشروطه وما يُبطِله ومن يُعذَر فيه وصيام النَّفْل وقيام رمضان وليلة القدر وزكاة الفطر، مع الأدلة واختيار الأحاديث الثابتة الصحيحة
стр. 3
وتخريجها، ومصادر النقل ونحو ذلك، فهو كتاب نافع - بإذن الله - مفيد في موضوعه، فجزى الله المؤلف خير الجزاء، وأثابه أجزل الثواب، ونفع بجهوده، والله أعلم، وصلَّى الله على محمَّدٍ وآله وصحبه وسلَّم.
كتبه
عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
٢٥/١٠/١٤٢٥هـ.
وقال جلَّ ذِكره: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ *فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ *﴾ . [المجَادلة: ٣-٤]
أخي القارئ - وفَّقك اللَّّه- لا شك بأن هذه النصوص القرآنية قد حوت مجملَ ما يحتاجه المسلم لفقه أحكام الصيام، وقد جاءت السُّنَّة النبويَّة مبيِّنة لهذه الأحكام، إلا أني اقتصرت على ذكر الآيات الكريمة؛ وذلك لكثرة ما أفاضت به الأحاديث الصحيحة والحسنة في شأن الصيام، والتي سأعمد - إن شاء الله - إلى إيراد بعضٍ منها عند الاستدلال بها في ثنايا هذا الكتاب، ولا يخفى أن استقصاء تلك النصوص الحديثية قد يُعجِز طالِبَه، ولو بذل في ذلك وسعَه، ومقصودي هنا التيسير ما أمكن، مع إيراد ما يكون سببًا لفقه المسلم بفريضة الصيام.
стр. 11
الفصل الثاني
تعريف الصيام، وتأريخ تشريعه
تعريف الصيام:
الصيام لغةً: يُطلق الصيام ويقصد به مطلقُ الإمساك، أي التوقُّف عن كل فعل أو قول، فالصائم إنما سمِّي كذلك لإمساكه عن شهوتَي البطن والفرج، والمسافر إذا توقَّف عن سيره سُمِّي صائماً، والصامت عن الكلام صائم، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَانِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ . [مَريَم: ٢٦] وكذا الفَرَس إذا أمسكَتْ عن العَلَف فهي صائم، وإذا قامت في موقفها، فهي في مَصامها، وصوم الماء ركودُه، وصوم الريح توقُّفُها، وصومُ الشمس استواؤها في كَبِد السماء قُبيل الزوال، عند انتصاف النهار (٢) .
الصيام شرعاً: إن المتتبع لعبارات الفقهاء - جزاهم الله خيراً - في تعريف الصوم، يجدها جميعًا مفيدة لمعنى واحد، حتى إن لفظها يكاد يكون متطابقًا،
стр. 12
ومحصل ذلك إجمالاً، أن الصيام هو: الإمساك عن المفطِّر على وجه مخصوص (٣) .
ومعنى هذا التعريف - تفصيلاً - أن الصيام هو:
إمساك المكلَّف، الذي اشتغلت ذمَّتُه بواجب الصيام، وهو المسلم البالغ العاقل، العالم بوجوب الصيام، الناوي له، والمُطِيق له، غير المباح له الفطر لسفر أو مرض ونحوهما، إمساكُ هذا المكلَّف عن تعمُّد ما يُفسِد صومَه من المُفطِّرات كأكلٍ أو شُربٍ أو جِماع، أو تعمُّد قيءٍ ونحوه، ويكون ذلك الإمساك من طلوع الفجر الثاني الصادق من يوم الصيام إلى غروب شمس ذلك اليوم.
فائدة في معنى (شهر رمضان) :
هو عَلَمُ جنسٍ مركب تركيباً إضافياً، وكذا باقي أسماء الشهور هي من حيِّز عَلَم الجنس، وهو ممنوع من الصرف للعَلَمية والزيادة، وهو من الرَّمَض، أي: الاحتراق؛ سُمِّي بذلك لاحتراق الذنوب فيه، أو هو
стр. 13
من الرَّمَض كذلك، ومعناه: شدة العطش، لأن الإبل يشتد عطشها فيه. أما معنى الشهر؛ فلأهل اللغة فيه قولان: أشهرهما: أنه اسم لمدة الزمان التي يكون مبدؤها الهلال ظاهراً إلى أن يستتر، وسُمِّي الشهرُ بذلك لشهرته في حاجة الناس إليه في المعاملات، والمعنى الثاني: أن الشهر اسم للهلال نفسِه (٤) .
مراحل تشريع الصيام:
إن الصيام عبادة مشروعة، وتشريع ربّاني عرفته الأمم السابقة من أهل الكتاب، كما دلَّ عليه قولُه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ *﴾ . [البَقَرَة: ١٨٣] ثم جاء الإسلام ليستقرَّ فيه تشريع الصيام على الوجه الأكمل، وقد اقتضت حكمة الله تعالى أن يتدرج هذا التشريع في مراحل، كما هو الحال في كثير من التشريعات في الإسلام، رحمة من الله بعباده وتلطُّفاً بهم وتيسيراً عليهم.
стр. 14
هذا، ويمكن لمن تتبَّع مراحل هذا التشريع العظيم أن يرتِّبها كالآتي:
المرحلة الأولى: الأمر بصيام ثلاثة أيام البِيض من كلِّ شهر قمري، وصيام يوم عاشوراء (العاشر من المُحرَّم) ، والحثُّ المؤكَّد على ذلك.
- ... عن جابر بن سَمُرة ﵁، قال: «كان رسول الله ﷺ يأمرنا بصيام يوم عاشوراء، ويحثُّنا عليه، ويتعاهدُنا عنده، فلما فُرض رمضانُ لم يأمرْنا، ولم يَنْهَنا، ولم يتعاهدْنا عنده» (٥) .
- ... وعن معاذِ بن جبلٍ ﵁ أن رسولَ الله ﷺ كان يصوم ثلاثة أيام من كلِّ شهر، ويصوم يوم عاشوراء، فأنزل الله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البَقَرَة: ١٨٣] ، فكان من شاء أن يصوم صام، ومن شاء أن يُفطِر ويُطعِم كلَّ يوم مسكينًا أجزأه ذلك (٦) .
стр. 15
مسألة:
في تعيين ثلاثة أيام البِيض، هل هي ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة من كل شهر قمري؟
اتفق الفقهاء على أنه يُسَنُّ صومُ ثلاثة أيام من كلِّ شهر، وذهب الجمهور (الحنفية والشافعية والحنابلة) ، إلى استحباب كونها الأيام البِيض، وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر (٧) . وسُمِّيت هذه الأيام بذلك لتكامل ضوء الهلال في لياليها وشدة بياضه؛ فهي الأيام التي تكون لياليها بِيضٌ مستنيرة، وفي الحديث أن النبيَّ ﷺ قال: «يا أبا ذرٍّ، إذا صمتَ من الشهر ثلاثة أيام، فصم ثلاثَ عَشْرَةَ، وأربعَ عَشْرَةَ، وخمسَ عَشْرَةَ» (٨) . وقد عَنْون الإمام البخاريُّ ﵀ في صحيحه بقوله: باب صيام أيام البِيض: ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة.
ولعل من المناسب في هذه المسألة: ألاَّ يعتقدَ المسلم بأن الثواب بصيام ثلاثة أيام من الشهر لا
стр. 16
يحصل إلا بصيام هذه الأيام بعينها، بل هو حاصل - إن شاء الله - بصيام ثلاثة أيام من الشهر مطلقاً، لكنه يصوم ثلاثةَ البِيض باعتبارها ثلاثة أيام من الشهر، فعن أبي هريرة ﵁، قال: «أوصاني خليلي ﷺ بثلاث: بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أرقد» (٩) .
المرحلة الثانية من مراحل تشريع الصيام: وهي: التخيير في صيام عاشوراء، وكان ذلك بعد الأمر بصيام أيام معدودات، التي هي عِدَّة أيام شهر رمضان، وذلك في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ *أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ *﴾ .
- ... وقد «صام النبيُّ ﷺ عاشوراءَ، وأمر بصيامه، فلما فُرض رمضانُ تُرِك» (١٠) .
- ... وقال رسول الله ﷺ : «إن عاشوراءَ يوم من أيام الله، فمن شاء صامه ومن شاء تركه» (١١) .
стр. 17
المرحلة الثالثة: الترخيص بالإفطار في رمضان للقادر على الصيام، مع إيجاب الفدية عليه، فقد كان من شاء صام، ومن شاء أفطر وأدى الفدية؛ حيث إن الصحابة ﵃ كانوا قومًا لم يتعوَّدوا الصيام، وكان الصيام عليهم شديدًا.
قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ .
المرحلة الرابعة: نَسْخُ هذا الترخيص عند القدرة على الصيام، وذلك بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ . [البَقَرَة، من الآية: ١٨٥] فعن سلمةَ بن الأكوعِ ﵁، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ ، [البَقَرَة: ١٨٤] كان من أراد أن يفطر ويفتدي، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها (١٢) . فصار الأمر بهذه المرحلة أن كلَّ مَن شَهِد استهلال شهر الصوم (دخوله) من المسلمين، فقد وجب صيامه عليه، ولا رخصةَ له بالإفطار حال كونه
стр. 18
قادراً على الصيام، حتى لو أدّى فديةً طعام مسكين.
المرحلة الخامسة: تخصيص الترخيص بالإفطار في رمضان في حالين: الأول: المرض في البدن الذي يشق معه الصيام، أو يؤدي إلى تأخُّر بُرْءِ المريض، أو يتسبب بزيادة مرضه، والثاني: حال السفر؛ بأن كان متلبِّسًا بالسفر وقت طلوع الفجر، فله في هذين الحالين أن يُفطِر، ثم يقضي بعد رمضان صيام أيامٍ عددَ ما أفطره حال المرض أو السفر. قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ . [البَقَرَة: ١٨٥]
وقد استقر التشريع - ولله الحمد - على ذلك الوجه الأكمل بعد أن تدرَّج بهم، مريداً بهم اليسر، وإتمام عِدَّة صيام الشهر المبارك، وذلك بصيامه كاملاً عند عدم العذر، وبتدارك ما فات منه بعذرٍ بالقضاء. قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ . [البَقَرَة: ١٨٥]
стр. 19
أما تأريخ تشريع فريضة الصوم فقد كان ذلك في شهر شعبان من السنة الثانية للهجرة الشريفة، على الكيفية التي استقر عليها، وقد صامه النبيُّ ﷺ تسعَ سنين.
أما كيفيته التي استقر عليها، فهي: الامتناع عن المُفطِّرات من طلوع الفجر الصادق من يوم الصيام إلى غروب شمس ذلك اليوم.
ومما يجدر ذكره هنا أن الصيام لم تكن كيفيته كذلك في بداية تشريعه!! فقد كان الأكل والشرب والجماع مباحًا ليلة الصيام، بشرط ألاّ ينام المبيِّت لنية الصيام - في تلك الليلة - قبل أن يُفطِر، كذلك ألاّ يصلِّيَ العِشاء الآخرة، فإن نام ثم قام من نومه، أو صلّى العشاء لم يُبَح له أكل أو شرب أو جماع، بقية ليله، حتى يُفطِر عند غروب شمس اليوم التالي!!
- ... أما عدم حِلّ الطعام له ليلة الصيام إذا نام قبل أن يُفطِر، فيدلّ عليه قول البراء ابن عازب ﵁:
стр. 20
(كان أصحابُ محمَّدٍ ﷺ ، إذا كان الرجل صائماً، فحضر الإفطارُ فنام قبل أن يُفطِر، لم يأكلْ ليلته ولا يومَه حتى يُمسِي ... ) . (١٣)
- ... وكذلك يدل عليه حوادثُ متعددة، كان حدوثُها من بعض الصحابة ﵃ رحمةً للصائمين إلى يوم الدين؛ حيث كانت سبباً لنزول وحي يُتلى، كان فيه ترخيصٌ بالجماع وبالأكل والشرب ليلة الصوم، سواء نام - من بَيَّت نية الصوم - قبل أن يُفطِر، أو صلَّى العشاء الآخرة، أم لم يفعل أيًّا من الأمرين، ومن تلك الحوادث:
* ... ما حدّث به عبدُالله بن كعب بن مالك ﵁، عن أبيه: كان الناس في رمضانَ إذا صام الرجل فأمسى فنام حَرُم عليه الطعامُ والشراب والنساء حتى يُفطِر من الغد، فرجع عمر بن الخطاب ﵁ من عند النبيِّ ﷺ ذات ليلةٍ وقد سَهِر عنده - فوجد امرأتَه قد نامت، فأرادها، فقالت: إني قد
стр. 21
نمتُ، قال: ما نمتِ! ثم وقع بها، فغدا عمرُ إلى النبيِّ ﷺ فأخبره، فأنزل الله ﵎ قولَه: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البَقَرَة: ١٨٧] (١٤) . وقد حدث مثل ذلك مع كعب بن مالك نفسه ﵁.
* ... وقال البراءُ بن عازبٍ ﵁: (كان أصحاب محمّدٍ ﷺ إذا كان الرجل صائماً، فحضر الإفطار، فنام قبل أن يُفطِر، لم يأكل ليلته ولا يومَه حتى يُمسِي، وإن قيسَ بنَ صِرْمَةَ الأنصاريَّ ﵁ كان صائماً، فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال لها: أعندك طعام؟ قالت: لا، ولكنْ أنطلقُ فأطلبُ لك، وكان يومَه يعمل، فغلبته عيناه، فجاءته امرأته، فلما رأته قالت: خيبةً لك، فلما انتصف النهار غُشِي عليه،
стр. 22
فذُكِر ذلك للنبيِّ ﷺ ، فنزلت هذه الآية: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ ... ﴾ [البَقَرَة: ١٨٧] ، ففرحوا بها فرحاً شديداً، ونزلت: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البَقَرَة: ١٨٧] (١٥) .
* ... وأما تحريم الطعام والشراب والنساءِ إذا صلّى العشاء الآخرة؛ فمما يُستدل به على ذلك: ما ورد من قول ابن عباس ﵄ في سبب نزول قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ ... ﴾ [البَقَرَة: ١٨٧]-: إنّ المسلمين كانوا في شهر رمضان إذا صَلَّوا العِشاء حَرُم عليهم النساء والطعام إلى مثلها من القابلة، ثم إن ناساً من المسلمين أصابوا من الطعام والنساء في شهر رمضان بعد العشاء، منهم عمر بن الخطاب ﵁، فشكَوْا ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فأنزل الله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ
стр. 23
عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ ... ﴾ . [البَقَرَة: ١٨٧]
- ... وكذلك يُستدل له بقول القاسم بن محمد ﵀: إن بدء الصوم كان يصوم الرجل من عِشاء إلى عِشاء، فإذا نام لم يَصِل إلى أهله بعد ذلك، ولم يأكل ولم يشرب، حتى جاء عمر إلى امرأته، فقالت: إني قد نمت، فوقع بها، وأمسى قيسُ بنُ صِرْمة صائماً فنام قبل أن يُفطِر، وكانوا إذا ناموا لم يأكلوا ولم يشربوا، فأصبح صائماً وكاد الصوم يقتله، فأنزل الله الرخصة، قال سبحانه: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ [البَقَرَة: ١٨٧] (١٦) .
وبذا استقرّ الأمر على حرمة المُفطِّرات من طعام وشراب وجماع، وذلك من تبيُّنِ الفجر الصادق إلى الليل، مع إباحتها طوال الليل، بعد أن كانت هذه الإباحة مُقيَّدة بعدم النوم، أو عدم صلاة العشاء، والله أعلم.
فائدة:
كلمة ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ . [البَقَرَة: ١٨٧] هذه الكلمة هي أبلغ من كلمة تخونون التي تُفسَّر بها، وذلك لزيادة البناء، فزيادة المبنى دالَّة على زيادة المعنى، وتدل كلمة ﴿تَخْتَانُونَ﴾ ، على زيادة الخيانة، من حيث كثرة مقدمات الجماع، والله أعلم (١٧) .
стр. 24
مسألة:
ما المقصود بتبيُّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود في قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ... ﴾ ؟ [البَقَرَة: ١٨٧]
قال النبيُّ ﷺ : «إنما هو سواد الليل وبياض النهار» (١٨) .
وقال عليه والصلاة والسلام: «إن الفجر ليس الذي يقول هكذا - وجمع أصابعه ﷺ ثم نَكَسها إلى الأرض-، ولكن الذي يقول هكذا، ووضع المُسبِّحة على المُسبِّّحة، ومدَّ يديه ﷺ (١٩) .
стр. 25
يتبيَّن مما ذُكر آنفًا أن تبيُّنَ الفجر الثاني الصادق، إنما يكون بتميّز بياض النهار من سواد الليل؛ لأن الفجر الأول الكاذب يبدو في الأفق، ثم يرتفع مستطيلاً، ثم يضمحلّ ويتلاشى، ثم يبدو بعده الفجر الثاني الصادق منتشراً معترضاًً في الأفق مستطيراً، ويتميز فيه البياض والسواد في الأفق باستمرارهما وانتشارهما معترضَيْن، فيَحْرُم على الصائم عندها المُفطِّرات حتى دخول الليل، وذلك بغياب قرص الشمس بكماله في الأفق
هذا، ولما نزلت: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ ، [البَقَرَة: ١٨٧]
стр. 26
ولم ينزل قوله تعالى: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ ، [البَقَرَة: ١٨٧] فتبيَّن بذلك أن المقصود بالخيطين: خيط النهار وخيط الليل عند الفجر إذا اعترضا في الأفق - كما ذُكِر آنفًا - من بيان رسول الله ﷺ ذلك بقوله: «إنما هو سواد الليل وبياض النهار» ، ومن تمثيله ﷺ لصورة الفجر الصادق بأصابعه الشريفة، وبإحالة المسلمين إلى سماع أذان عبد الله ابن أم مكتوم ﵁، فهو المُعْلِم بدخول الفجر الصادق، وليس أذان بلال بن رباح ﵁، وقد كان يؤذِّن بليل. قال رسول الله ﷺ : «إن بلالاً يؤذِّن بليلٍ، فكلوا واشربوا حتى يؤذِّن ابن أم مكتوم» (٢٠) .
ومما يجدر ذِكره - في ختام هذا المبحث - أن صيام يوم عاشوراء، لم يزل مشروعاً مأموراً به على سبيل الندب، بعد أن خيَّر النبيُّ ﷺ بصيامه بعد افتراض رمضان، ومما يدلُّ عليه قولُ النبيِّ ﷺ : «هذا يوم عاشوراء، ولم يكتبِ الله عليكم صيامَه، وأنا
стр. 27
صائم، فمن شاء فليَصُم، ومن شاء فليُفطِر» (٢١) ، وقوله ﵊: «إن عاشوراء يوم من أيام الله، فمن شاء صامه ومن شاء تركه» (٢٢) . بل إن النبيَّ ﷺ قد رغّب في صوم هذا اليوم وأكّد استحباب ذلك حتى في عام وفاته ﷺ ، وعزم ﵊ على المداومة على صيامه ويومٍ قبله، مخالفة لاقتصار اليهود - من أهل خيبر - على تعظيم اليوم العاشر وتخصيصه بالصوم، فقال صلوات ربي وسلامه عليه: «فإذا كان العامُ المُقبِل، إن شاء الله، صُمنا اليومَ التاسع» (٢٣) ، وقال ابن عباس ﵄: فلم يأت العامُ المُقبِل حتى توفيَ رسولُ الله ﷺ (٢٤) .
****
стр. 28
الفصل الثالث
فضائل الصيام وأسراره، وخصائص رمضان
أخي القارىء الكريم! إن فضائل العبادة وأسرارَها ميدانٌ قد تحار فيه الألباب، ويذهب الوجدان فيه كلَّ مذهب، لذا كان لا بد لمن أراد ولوج باب المعرفة في ذلك أن يتلمَّسَ ما صحَّت به نصوص الشريعة الغرَّاء، وإني - مع علمي بصِفْر اليدين، ومُزْجاة البِضاعة - فقد رغبت في بذل الوسع في ذلك متشبِّهاً بأهل هذا الشأن، فأقول والله المستعان:
إن فضائل الصيام وأسرارَه تكاد - بحمد الله - أن لا تنحصر، فمن ذلك أن:
١ - ... الصيام ركن عظيم من أركان هذا الدِّين الحنيف، فلا يستقيم بناء الإسلام إلا به، ولا يثبت إيمان امرئٍ حتى يُقِرَّ بفرضيته.
قال النبيُّ ﷺ : «بُنِي الإسلامُ على خمسٍ: شهادةِ أنْ لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وإقامِ الصلاة،
стр. 29
وإيتاءِ الزكاة، وحجِّ البيت، وصومِ رمضان» (٢٥) .
٢ - ... الصيام في رمضان وقيام ليله - وبخاصة ليلة القدر - إيماناً واحتساباً، دالٌ على صدق إيمان فاعله، وإخلاصه في عمله، لذا فهو مبشَّر بمغفرة عموم سابق ذنبِه.
قال رسول الله ﷺ : «من صام رمضانَ إيماناً واحتساباً، غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه» (٢٦) .
وقال ﵊: «من قام رمضانَ إيماناً واحتساباً، غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه» (٢٧) .
ويقول الصادق المصدوق ﷺ : «من يَقُم ليلةَ القَدْر، إيماناً واحتساباً، غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه» (٢٨) .
٣- ... الصيام لا يعدِل أجرَه أجرُ شيء من عمل ابن آدم، ففيه استكنَّ سرُّ الإخلاص، فبزَّ أجرُه بذلك جميعَ الأعمال. قال النبيُّ ﷺ : «كلُّ عمل ابن آدم يُضاعف، الحسنةُ عشرُ أمثالِها إلى سبعمائة ضعف،
стр. 30
قال الله : إلا الصومَ فإنه لي وأنا أجزي به، يَدَع شهوته وطعامَه من أجلي!!» (٢٩) .
٤ - ... الصيام وقاية لنفس الصائم من اتباع الهوى في الدنيا، ومن عذاب الله في الآخرة، وحِصْن حَصِين للصائم من مكايد الشيطان الرجيم، قال النبيُّ ﷺ : «الصَّوْمُ جُنَّةٌ» (٣٠) .
٥- ... الصيام قاطع مُؤقَّت لشهوة النكاح، وسبب للعِفَّة والطهارة، قال النبيُّ ﷺ موصياً شباب أُمَّتِه - وأكرِم به من موصٍ ﷺ : «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغضُّ للبصر وأحصن للفَرْج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وِجاءٌ» (٣١) . و «الباءة» : القدرة على مَؤنة النكاح. و «وِجاء» ، أي: قاطع للشهوة.
٦- ... الصيام مهذِّب لنفس الصائم، ممسكٌ عليه لسانَه وجوارحه عن قول زُورٍ أو عملٍ به، مصبِّرٌ له على أذى الناس. قال النبيُّ ﷺ : «إذا أصبح أحدكم
стр. 31
يوماً صائماً، فلا يرفث ولا يجهل، فإنِ امرؤٌ شاتمه أو قاتله، فليقل: إني صائم، إني صائم» (٣٢) . وقال ﵊: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قولَ الزُّور، والعملَ به، فليس لله حاجةٌ في أن يَدَعَ طعامَه وشرابَه» (٣٣) .
٧- ... الصيام فاق سائر العبادات - بتحقّق فضيلة الصبر به. قال النبيُّ ﷺ : «الصَّوم نصفُ الصَّبْر» (٣٤) .
٨- ... الصيام سبيل لدخول الجنة من باب الريَّان (باب من أبواب الجنة الثمانية) وهو مُخصَّص للصائمين فقط.
قال النبيُّ ﷺ : «إن في الجنة باباً يُقال له: الريَّان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم، يقال: أين الصائمون؟ فيقومون لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أُغلِق، فلم يدخل منه أحد» (٣٥) .
٩- ... خَلوف أو خُلْفة فم الصائم هي أطيب عند الله من ريح المسك.
стр. 32
قال ﷺ : «لَخَلوف فم الصائم أطيبُ عند الله من ريح المِسْك» (٣٦) .
١٠- للصائم فرحتان!!
قال النبيُّ ﷺ : «وللصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفِطْره، وإذا لقي ربَّه فرح بصومه» (٣٧) .
١١- الصيام من الأحوال المختصة بإجابة الدعاء.
قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ *وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ *﴾ . [البَقَرَة: ١٨٥-١٨٦]
تأمَّل كيف ذكر سبحانه إجابةَ الدعاء بعد ذكره فريضةَ الصيام.
وقال النبيُّ ﷺ : «إن للصائم عند فِطْره لَدعوةٌ ما تُرَدُّ» (٣٨) .
١٢- ... الصيام يدعو المسلمَ للاقتداء بمزيد جُود النبيِّ ﷺ في رمضان.
стр. 33
«كان النبيُّ ﷺ أجود الناس بالخير، وكان أجودُ ما يكونُ ﷺ في رمضانَ، حين يلقاه جبريلُ ﵇» (٣٩) .
١٣- ومن فضائل الصيام كذلك أنه قد فُرِض في أفضل الشهور؛ شهر رمضان المبارك، الذي تكاد فضائله لا تُحصى، ولعل من المناسب في هذا المقام ذكر بعضٍ من خصائص هذا الشهر، لتسمو الروح بتذكُّرِها، وتتجدد ذكرى الحبيب بها.
* ... رمضان: شهر القرآن، ففيه كان ابتداء إنزاله، وقد أُنزِل جملةً واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العِزَّة من السماء الدنيا في تلك الليلة، ثم نزل منجَّماً (مُفرَّقاً) على قلب النبيِّ ﷺ في ثلاث وعشرين سنة مدة النبوة (٤٠) ، كان ابتداء هذا التنزُّل في ليلة القدْر المباركة.
قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ . [البَقَرَة: ١٨٥]
стр. 34
وقال : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ *﴾ . [الدّخان: ٣]
وقال سبحانه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ *﴾ . [القَدر: ١]
* ... رمضان: شهرٌ فُرِض فيه الصيام.
قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ . [البَقَرَة: ١٨٥]
وقال النبيُّ ﷺ مُخبِراً الأعرابيَّ عما افترضه الله عليه من الصيام: «شهر رمضان إلا أن تطَّوَّع شيئاً» (٤١) .
* ... رمضان: شهر حوى ليلةً العبادةُ فيها هي خير من عبادةٍ في ألف شهر، وهو ما يزيد عن ثلاث وثمانين سنة، (أي: عمر الإنسان جميعه إن لم يزد عليه!!) وهي تكون في إحدى ليالي الأيام الوتر (المفرد) من العشر الأواخر من رمضان.
قال تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ *﴾ . [القَدر: ٣]
стр. 35
وقال ﵊: «فالتمسوها في العشر الأواخر في كل وتر» (٤٢) .
* ... رمضان: شهر يُقرَّب فيه أهل البِرِّ والخير، ويُقصى فيه أهل الفجور والشر، وتغلَّق فيه أبواب النيران، وتشرَّع فيه أبواب الجِنان، وُيعتق فيه من النار عبادٌ لله، وذلك في كل ليلة.
قال النبيُّ ﷺ : «إذا كان أولُ ليلةٍ من شهر رمضان، صُفِّدت الشياطينُ ومَرَدَةُ الجِنِّ، وغُلِّقت أبواب النيران فلم يفتحْ منها باب، وفُتِّحت أبواب الجنة فلم يُغلقْ منها باب، وينادي منادٍ: يا باغي الخير أَقْبِل ويا باغي الشر أَقْصِر، ولله عتقاءُ من النار، وذلك كل ليلة» (٤٣) .
اللهم أكرمنا بشُهود هذا الشهر العظيم، وأَفِض علينا من بركاته، وافتح لنا أبواب رحمتك به، وتفضَّل علينا بالتوفيق لصيامه وقيامه إيماناً واحتساباً، واختم لنا فيه بمغفرة من عندك، ورحمةٍ من لدنك، ومُنَّ علينا بعتق رقابنا من النار في لياليه المباركة، آمين.
***
стр. 36
الفصل الرابع
أنواع الصيام
* أنواع الصيام:
إن المستقرىء لمنهاج الفقهاء في تقسيم الصوم، يتبين له أن الصوم - من حيث الحكم - على أربعة أنواعٍ هي:
١- الصوم المفروض.
٢- الصوم المُستحَبُّ.
٣- الصوم المكروه.
٤- الصوم المُحَرَّم.
أما الأول: وهو المفروض، فمن حيث توقيت الأداء، هو قسمان:
أ- ... ما له وقت معين، بتعيين الله تعالى لذلك، كصوم رمضان، أو بتعيين العبد له، كالنَّذْر بالصيام في وقت مُحدَّدٍ بعينه.
стр. 37
ب- ... وما ليس له وقت معين: كقضاء صومٍ من رمضان، أو صوم كفارات، ككفارة الظِّهار واليمين المنعقدة، وكصوم جزاء الصيد للمُحْرِم وغيرها.
و الصوم المفروض - من حيث كيفية الأداء - على قسمين أيضاً:
أ- ... ما يجب فيه التتابع كضرورة تتابع الصوم لأيام رمضان، ولزوم تتابع صيام شهرَيْ كفارة الظِّهار، ونحو ذلك.
ب- ما لا يجب فيه التتابع، ومنه: صوم كفارة الحَلْق قبل بلوغ الهَدْي مَحِلَّه - ومَحِلُّ ما يُهدى إلى فقراء الحرم من بَدَنة، أو بقرة، أو شاة هو: مكانُه الذي يجب أن يُراق فيه دمُه، وهو الحَرَم، أو حيث أُحصِر الحاجُّ أو المعتمر - ومما لا يجب فيه التتابع كذلك النذر بصومٍ مطلقٍ غير محدد، وصوم قضاءٍ من رمضان. لكن المندوب في جميع ما ذكر آنفًا التتابعُ فيه، مسارعةً إلى إسقاط الفرض.
стр. 38
وسيأتي بيان ذلك بتفصيل إن شاء الله.
وأما الثاني من أنواع الصيام: فهو المستحبُّ أو المندوب، وهو صوم التطوُّع (أي ما وردت النصوص باستحباب التطوُّع به) ، وهذا النوع مختصٌّ بغير أيام رمضان، وهو جمٌّ غفير - ولله الحمد - لكل راغبٍ في الاستزادة من الثواب الجزيل؛ ومن ذلك:
١- ... صوم يوم وإفطار يوم، وهو صيام نبيِّ الله داودَ ﵇، وهو أفضل الصيام بعد الفرض. قال النبيُّ ﷺ ، لعبد الله بن عمرو ﵄: «صُم يوماً، وأفطر يوماً، وذلك صيام داود ﵇ ، وهو أعدل الصيام» (٤٤) .
٢- ... صوم ثلاثة أيام البِيض من كل شهر قمري. (ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة) .
قال أبو هريرة ﵁: أوصاني خليلي بثلاثٍ: «صيامِ ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أُوتر قبل أن أنام» (٤٥) .
стр. 39
وقد أوصى رسولُ الله ﷺ أبا الدرداء ﵁ بمثله، حيث أخبر ﵁ بالوصية قائلاً: (أوصاني حبيبي ﷺ بثلاثٍ لا أَدَعَهن ما عشتُ؛ بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاةِ الضحى، وبأن لا أنام حتى أُوتر) (٤٦) .
٣- ... صوم يومي الاثنين والخميس من كل أسبوع. والاثنين صيامُه آكد من الخميس.
سئل رسول الله ﷺ عن صوم يوم الاثنين، فقال: «ذاك يومٌ وُلِدت فيه، ويومٌ بُعِثت -أو أُنزِل عليّ- فيه» (٤٧) .
وسئل حِبُّ رسول الله ﷺ وابنُ حِبِّه أسامةُ بن زيدٍ ﵄: لِمَ تصوم يوم الاثنين والخميس، وأنت شيخ كبير؟! فقال: إن نبيَّ الله ﷺ كان يصوم الاثنين والخميس، وسئل عن ذلك، فقال ﷺ : «إن أعمال العباد تُعرَض يوم الاثنين ويوم الخميس» (٤٨) ، «فأحب أن يُعرض عملي وأنا صائم» (٤٩) .
стр. 40
٤- ... الإكثار من الصيام في شهر شعبان.
قالت السيدة عائشة ﵂ تصف صيام النبيِّ ﷺ : «وما رأيتُه في شهرٍ أكثرَ منه صياماً في شعبان» (٥٠) .
٥- ... صيام ستة أيام من شوال، متتابعة - وهو الأفضل- أو مُفرَّقة.
قال النبيُّ ﷺ : «من صام رمضان، ثم أَتْبعه ستاً من شوال، كان كصيام الدهر» (٥١) .
٦- ... صيام تسعة أيام الأولى من شهر ذي الحجة، وآكدها استحباباً التاسع منه (يوم عرفة) . فصيامه: كفارة لسنتين - سابقة وقابلة - من الصغائر، أو تخفيف من الكبائر، أو فيه رفع لدرجات المؤمن. قال رسول الله ﷺ : «صيام يوم عرفةَ، أحتسب على الله تعالى أن يُكفِّر السنةَ التي قبله، والسنةَ التي بعده» (٥٢) .
٧- ... الصيام في شهر الله المُحرَّم، وهو أفضل الصيام بعد رمضان، وأفضل أيام صومه: العاشر منه