الفصل الرابع
أنواع الصيام
* أنواع الصيام:
إن المستقرىء لمنهاج الفقهاء في تقسيم الصوم، يتبين له أن الصوم - من حيث الحكم - على أربعة أنواعٍ هي:
١- الصوم المفروض.
٢- الصوم المُستحَبُّ.
٣- الصوم المكروه.
٤- الصوم المُحَرَّم.
أما الأول: وهو المفروض، فمن حيث توقيت الأداء، هو قسمان:
أ- ... ما له وقت معين، بتعيين الله تعالى لذلك، كصوم رمضان، أو بتعيين العبد له، كالنَّذْر بالصيام في وقت مُحدَّدٍ بعينه.
стр. 37
ب- ... وما ليس له وقت معين: كقضاء صومٍ من رمضان، أو صوم كفارات، ككفارة الظِّهار واليمين المنعقدة، وكصوم جزاء الصيد للمُحْرِم وغيرها.
و الصوم المفروض - من حيث كيفية الأداء - على قسمين أيضاً:
أ- ... ما يجب فيه التتابع كضرورة تتابع الصوم لأيام رمضان، ولزوم تتابع صيام شهرَيْ كفارة الظِّهار، ونحو ذلك.
ب- ما لا يجب فيه التتابع، ومنه: صوم كفارة الحَلْق قبل بلوغ الهَدْي مَحِلَّه - ومَحِلُّ ما يُهدى إلى فقراء الحرم من بَدَنة، أو بقرة، أو شاة هو: مكانُه الذي يجب أن يُراق فيه دمُه، وهو الحَرَم، أو حيث أُحصِر الحاجُّ أو المعتمر - ومما لا يجب فيه التتابع كذلك النذر بصومٍ مطلقٍ غير محدد، وصوم قضاءٍ من رمضان. لكن المندوب في جميع ما ذكر آنفًا التتابعُ فيه، مسارعةً إلى إسقاط الفرض.
стр. 38
وسيأتي بيان ذلك بتفصيل إن شاء الله.
وأما الثاني من أنواع الصيام: فهو المستحبُّ أو المندوب، وهو صوم التطوُّع (أي ما وردت النصوص باستحباب التطوُّع به) ، وهذا النوع مختصٌّ بغير أيام رمضان، وهو جمٌّ غفير - ولله الحمد - لكل راغبٍ في الاستزادة من الثواب الجزيل؛ ومن ذلك:
١- ... صوم يوم وإفطار يوم، وهو صيام نبيِّ الله داودَ ﵇، وهو أفضل الصيام بعد الفرض. قال النبيُّ ﷺ ، لعبد الله بن عمرو ﵄: «صُم يوماً، وأفطر يوماً، وذلك صيام داود ﵇ ، وهو أعدل الصيام» (٤٤) .
٢- ... صوم ثلاثة أيام البِيض من كل شهر قمري. (ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة) .
قال أبو هريرة ﵁: أوصاني خليلي بثلاثٍ: «صيامِ ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أُوتر قبل أن أنام» (٤٥) .
стр. 39
وقد أوصى رسولُ الله ﷺ أبا الدرداء ﵁ بمثله، حيث أخبر ﵁ بالوصية قائلاً: (أوصاني حبيبي ﷺ بثلاثٍ لا أَدَعَهن ما عشتُ؛ بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاةِ الضحى، وبأن لا أنام حتى أُوتر) (٤٦) .
٣- ... صوم يومي الاثنين والخميس من كل أسبوع. والاثنين صيامُه آكد من الخميس.
سئل رسول الله ﷺ عن صوم يوم الاثنين، فقال: «ذاك يومٌ وُلِدت فيه، ويومٌ بُعِثت -أو أُنزِل عليّ- فيه» (٤٧) .
وسئل حِبُّ رسول الله ﷺ وابنُ حِبِّه أسامةُ بن زيدٍ ﵄: لِمَ تصوم يوم الاثنين والخميس، وأنت شيخ كبير؟! فقال: إن نبيَّ الله ﷺ كان يصوم الاثنين والخميس، وسئل عن ذلك، فقال ﷺ : «إن أعمال العباد تُعرَض يوم الاثنين ويوم الخميس» (٤٨) ، «فأحب أن يُعرض عملي وأنا صائم» (٤٩) .
стр. 40
٤- ... الإكثار من الصيام في شهر شعبان.
قالت السيدة عائشة ﵂ تصف صيام النبيِّ ﷺ : «وما رأيتُه في شهرٍ أكثرَ منه صياماً في شعبان» (٥٠) .
٥- ... صيام ستة أيام من شوال، متتابعة - وهو الأفضل- أو مُفرَّقة.
قال النبيُّ ﷺ : «من صام رمضان، ثم أَتْبعه ستاً من شوال، كان كصيام الدهر» (٥١) .
٦- ... صيام تسعة أيام الأولى من شهر ذي الحجة، وآكدها استحباباً التاسع منه (يوم عرفة) . فصيامه: كفارة لسنتين - سابقة وقابلة - من الصغائر، أو تخفيف من الكبائر، أو فيه رفع لدرجات المؤمن. قال رسول الله ﷺ : «صيام يوم عرفةَ، أحتسب على الله تعالى أن يُكفِّر السنةَ التي قبله، والسنةَ التي بعده» (٥٢) .
٧- ... الصيام في شهر الله المُحرَّم، وهو أفضل الصيام بعد رمضان، وأفضل أيام صومه: العاشر منه
стр. 41
(عاشوراء) ، ثم يليه في الفضل التاسع (تاسوعاء) ، ويُسنُّ الجمعُ بينهما.
سئل رسول الله ﷺ : أيُّ الصيام أفضل بعد شهر رمضان، فقال ﷺ : «أفضل الصيام بعد شهر رمضان، صيامُ شهر الله المُحرَّم» (٥٣) .
وقَدِم النبيُّ ﷺ المدينةَ فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراءَ، فقال: «ما هذا؟» ، قالوا: هذا يومٌ صالح، هذا يومٌ نجّى الله بني إسرائيل من عدوِّهم، فصامه موسى. قال ﷺ : فأنا أحق بموسى منكم» فصامه وأمر بصيامه (٥٤) .
وقال ﵊ مخالفةً لليهود -: «فإذا كان العام المقبل، إن شاء الله، صمنا اليوم التاسع. قال عبد الله بن عباس ﵄: فلم يأتِ العام المقبل، حتى توفيَ رسولُ الله ﷺ » (٥٥) .
وهنا أشير - تذكرةً - إلى ما مرَّ من أن صوم عاشوراء كان واجباً أول الإسلام ثم نُسِخ وجوبُه
стр. 42
عند فرض رمضان، وبقي صيامه على الاستحباب مستقراً.
٨- ... صوم سُرَر (خواتيم) كل شهر قمري، واستحباب ألاّ يُخلي شهراً عن صوم آخره، ولو كان شهر شعبان إلا يوم الشك، وهو الثلاثين منه، إذا تحدث الناس برؤية هلال رمضان.
قال رسول الله ﷺ : «يا أبا فلان، أما صمت سرر هذا الشهر؟» (٥٦) .
٩- ... صيام يومٍ أو أكثرَ في الجهاد في سبيل الله تعالى: قال النبيُّ ﷺ : «ما مِن عبدٍ يصوم يوماً في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهَه عن النار سبعينَ خريفاً» (٥٧) .
أخي - القارئ الحبيب - هذا ما أحببت استقصاءه مما سُنَّ صيامُه، راجياً لك التوفيق للإكثار منه.
стр. 43
وأما الثالث من أنواع الصيام، فهو الصوم المكروه ، وقد شَمِل ما يأتي:
١- ... إفراد يوم الجمعة بالصوم.
قال رسول الله ﷺ : «لا يصومنَّ أحدُكم يومَ الجُمُعة إلا يوماً قبله أو بعده» (٥٨) .
وقال ﵊: «لا تختصُّوا ليلة الجمعة بقيامٍ من بين الليالي، ولا تخصُّوا يوم الجمعة بصيامٍ من بين الأيام، إلا أن يكون في صومٍ يصومُه أحدُكم» (٥٩) .
٢- ... إفراد يوم السبت بالصيام.
قال رسول الله ﷺ : «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افتُرِض عليكم، فإن لم يجد أحدُكم إلا لِحَاءَ عِنَبَةٍ أو عُودَ شَجَرَةٍ فَلْيَمْضَغْه» (٦٠) .
ولعل وجه الكراهة في إفراد السبت بصيام: أنه يوم تُعظِّمه يهود، ففي إفراده بالصوم تشبُّهٌ ظاهر بهم. وكذلك فإن تعمُّدَ صوم يوم الأحد بخصوصه
стр. 44
مكروه، منعاً للتشبه بالنصارى، فيكره صيام كل عيد لليهود أو للنصارى، أو أي يوم يُفرِدونه بالتعظيم إلا أن يوافق ذلك عادةً للصائم (٦١) .
٣- ... صوم الحاجِّ بعرفات يوم عرفة.
- ... أرسلت ميمونة زوجُ النبيِّ ﷺ حين شك الناس بصيام رسول الله ﷺ يوم عرفة - أرسلت إليه بحِلاب اللبن، وهو واقف في الموقف بعرفة، فشرب منه والناس ينظرون إليه ﷺ (٦٢) .
- ... وسئل ابنُ عمرَ ﵄ عن صوم يوم عرفة بعرفة، فقال: (حججتُ مع النبيِّ ﷺ فلم يصمه، ومع أبي بكر فلم يصمه، ومع عمرَ فلم يصمه، ومع عثمانَ فلم يصمه، وأنا لا أصومه ولا آمُر به ولا أنهى عنه) (٦٣) .
٤- ... صوم يوم الشك وهو: يوم الثلاثين من شعبان، إذا لم يُر الهلال (هلال رمضان) ليلته، مع كون السماء صحواً، لم يُطبِق الغيم فيها، ولم يحجب
стр. 45
الرؤيةَ علةٌ كغبار ونحوه، أو رؤي الهلال ليلتَه، لكنْ رُدَّت شهادة من رآه، لفسق ونحوه.
وصيام يوم الشك مكروه عند الجمهور، [الحنفية (كراهة تحريم) والمالكية والحنابلة] ، وذهب الشافعية إلى حرمة صيامه، ولعل ذلك أن يكون أَوْلى لصريح النهي عن صيامه. وهذه الكراهة تنتفي عند الجمهور - كما التحريمُ عند الشافعية - إذا وافق صيامُه عادةً له في تطوُّعه، كأن يكون قد اعتاد صيام الاثنين في تطوعه فوافق يومَ شكٍّ، وكذلك يجوز صيام يوم الشك عندهم - مطلقًا - إن كان قضاء عن رمضانَ سابق، أو كفارة عن يمين أو غيره كنذرٍ معيَّن، والله أعلم (٦٤) .
قال رسول الله ﷺ : «الشهر تسع وعشرون ليلة، فلا تصوموا حتى ترَوْه، فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العِدَّة ثلاثين» (٦٥) .
وقال ﵊: «من صام اليوم الذي
стр. 46
يُشَكّ فيه فقد عصى أبا القاسم ﷺ » (٦٦) .
٥- صوم يوم أو يومين قبل رمضان، وحكم ذلك كحكم يوم الشك المتقدِّم تفصيلُه.
قال النبيُّ ﷺ : «لا يتقدَّمنَّ أحدُكم رمضانَ بصوم يوم أو يومين إلا أن يكون رجل كان يصوم صومَه، فليصم ذلك اليوم» (٦٧) .
٦- ... إفراد أي عيد من أعياد الكفار بصيام، كتخصيص يوم السبت بصيام، أو يوم الأحد - وقد سبق بيان ذلك - ومثلهما يومَيِ النَّيْروز والمهرجان (٦٨) لدى الفرس. لما في قصد إفراد هذه الأيام بالصوم من موافقةٍ لهم في تعظيمها (٦٩) .
٧- ... صوم الوِصال: ومعناه: ألاّ يُفطِر الصائمُ بعد الغروب أصلاً، حتى يواصلَ صومَ الغد بالأمس، فيواصل صومَ يومين متتابعين.
واصَلَ رسول الله ﷺ في أول شهر رمضان، فواصل ناس من المسلمين، فبلغه ذلك فقال ﷺ :
стр. 47
«لو مُدَّ لنا الشهرُ لواصلْنا وِصالاً يَدَعُ المتعمِّقون تعمُّقَهم، إنكم لستم مثلي، (أو قال) : إنِّي لستُ مثلَكم، إني أَظَلُّ يُطعِمُني ربِّي ويَسْقِيني» (٧٠) .
٨- ... صوم الدهر (صوم العمُر) ، إلا الأيام التي يحرم صومُها، وهي العيدان وأيام التشريق. ويكره صوم الدهر لما قد يكون فيه من إضعافٍ للصائم عن الفرائض والواجبات، والكسب الذي لا بدّ منه.
قال ﷺ : «لا صام من صام الأبد، لا صام من صام الأبد، لا صام من صام الأبد» (٧١) .
وقال عمر ﵁: يارسول الله، كيف بمن يصوم الدهر كلَّه؟ فقال ﷺ : «لا صام ولا أفطر (أو قال) : لم يصم ولم يفطر» (٧٢) .
والمعنى - والله أعلم -: أنه لم يؤجر على صومه الدهر؛ لمخالفته الهَدْي النبويَّ في الصيام المشروع، وكذلك فإنه لم يُفطِر - وهذا هو واقع حاله - فقد صام كلَّ نهارٍ، فشقَّ بذلك على نفسه.
стр. 48
النوع الرابع من أنواع الصيام، وهو: الصوم المُحرَّم .
ويمكن تقسيم هذا النوع إلى قسمين:
أ - الأيام المُحرَّم صيامُها بعينها.
وهي خمسة أيام: يوم عيد الفطر (١ شوال) ويوم عيد الأضحى: يوم النحر (١٠ ذي الحجة) ، وثلاثة أيام التشريق (٧٣) ، وهي: الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من شهر ذي الحجة.
«نهى النبيُّ ﷺ عن صيام يومين: يوم الفطر، ويوم النحر» (٧٤) .
وقال رسول الله ﷺ : «أيام التشريق أيام أكل وشرب، وذكرٍ لله» (٧٥) .
وقال ﵊: «يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق، عيدُنا أهلَ الإسلام، وهن أيامُ أَكْلٍ وشُرْب» (٧٦) .
ويلحظ هنا - ضرورةً - أن الحاجَّ إذا كان متمتعاً بالعمرة إلى الحج، أو كان قارناً لهما، ثم لم يجد
стр. 49
الهَدْي [دم التمتع والقِران] فإنه يباح له الصيام في هذه الأيام.
لما روى البخاري ﵀: «لم يرخَّص في أيام التشريق أن يُصَمن، إلا لمن لم يجد الهدي» (٧٧) .
وقال عبد الله بن عمر ﵄: (الصيام لمن تمتع بالعمرة إلى الحج، إلى يوم عرفة، فإن لم يجد هدياً ولم يصم، صام َأيام منى) (٧٨) .
ب - الصيام المحرّم، لعلةٍ توجب ذلك، ومنه:
١- ... صيام المرأة الحائض أو النُّفَساء.
فإن المرأة في حالتَيْ الحيض والنفاس، يسقط عنها وجوب أداء الصوم في رمضان، ويحرم عليها الصيام مطلقاً، ولا ينعقد صومها، فإذا صامت أثمت، ولم يصح صومها. ثم إذا طهرت وجب في حقها القضاء للصوم لا للصلاة، وذلك منعاً للحرج في قضاء الصلاة، حيث إن الصلاة تتكرر يومياً خمس مرات،
стр. 50
فسقط وجوب أدائها تيسيراً، أما الصوم، فإنه قليل ولا حرج في قضائه، لذا، فقد أمرت بالقضاء، فتقضيه ولو في شعبان، ومما يجدر ذكره هنا أن الأَوْلى في حق الحائض والنفساء أن يكون فطرهما خفيةً، لأن سبب فطرهما خفي، فناسب ذلك حالهما، والله أعلم.
قال النبيُّ ﷺ : «أليس إذا حاضت لم تُصَلِّ ولم تَصُم؟، فذلك نقصان دينها» (٧٩) .
وتقول أمُّ المؤمنين عائشةُ ﵂: «كان يصيبنا ذلك - أي الحيض - فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة» (٨٠) .
وتقول ﵂ أيضاً: «كان يكون عليَّ الصومُ من رمضان، فما أستطيع أن أقضيَ إلا في شعبان» (٨١) .
٢- ... ومن الصيام المُحرَّم لعلة: صيام المرأة تطوعاً من غير إذن زوجها.
(ورد النهي للمرأة أن تصوم تطوعاً وزوجها حاضر إلا بإذنه، وذلك لحاجة الاستمتاع، فلو صامت بدون
стр. 51
إذنه جاز له أن يُفطِّرها إن احتاج إلى الجماع، فإن لم يكن له بها حاجة كُرِه له منعها إذا كان الصيام لا يضرُّها ولا يعوقها عن تربية ولد ولا رضاع ونحوه، سواء في ذلك الست من شوال أو غيرها من النوافل) (٨٢) .
قال رسول الله ﷺ : «لا تَصُمِ المرأةُ وبعلُها شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن في بيته وهو شاهد إلا بإذنه، وما أنفقَتْ من كسبه من غير أمره فإن نصفَ أجرِه له» (٨٣) .
٣- ... ومنه أيضًا صيام من يخاف على نفسه الهلاك بصومه.
وذلك لعموم دلالة النصوص الشرعية على وجوب الحفاظ على الضرورات ومنها النفس، ومن أدلة ذلك:
- ... قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ . [النِّسَاء: ٢٩]
- ... وقوله : ﴿وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ . [البَقَرَة: ١٩٥]
стр. 52
فائدة:
العبرة في تقرير الأحكام - كما لا يخفى - إنما تكون بعموم لفظ النص الشرعي، لا بخصوص سبب نزوله، (ومضمون الآية - بعمومها -: الأمرُ بالإنفاق في سبيل الله في سائر وجوه القربات ووجوه الطاعات، وخاصة صرف الأموال في قتال الأعداء وبذلها فيما يقوى به المسلمون على عدوِّهم، والإخبار بأن المسلم إذا لازم تَرْكَ ذلك واعتاده، تسبَّب لنفسه هلاكاً، وأَوْردها مورد العذاب. لكن خصوص السبب أنها نزلت في منع الرجل للنفقة في سبيل الله، فكانت التهلكة بعدها في إيثار الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد] (٨٤) .
ومما يستدل به على وجوب حفظ النفس كذلك عموم قول النبيِّ ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار» (٨٥) .
***
стр. 53
الفصل الخامس
أحكام الصيام، ومسائل مهمة متعلقة به
أخي القارئ المكرم، هذا الفصل هو قُطب رحى الكتاب، وعليه مداره، فإن المسلم الحق لا يسعه إلا الاهتمام البالغ بأداء هذه العبادة الركن على وجهها الأكمل، على بصيرة وعلم، وهذا ما يفسر لنا مزيد تساؤلات المؤمنين عن أحكام الصيام وتفصيلاتها قبيل هذا الشهر الكريم، لذا، ومحبة لإفادة عامة الأمة المكرمة، وإيفاءً لبعض من حقها، فقد أفردت بتفصيلٍ عمدة أحكام الصيام، التي لا غنية للصائم عنها، ولا يسع المؤمن الجهل بها، وجماعها في ستة عشر مبحثاً، مرتبة كالآتي:
١- ... كيفية ثبوت شهر رمضان.
٢- ... المقصود باختلاف المطالع، وأثر ذلك في تحقق الثبوت والانقضاء.
٣- ... كيفية ثبوت انقضاء شهر رمضان.
стр. 54
٤- ... ركن الصوم.
٥- ... شروط وجوب الصوم.
٦- ... شروط صحة الصوم.
٧- ... الصوم الواجب (المفروض) .
٨- ... مفسدات الصوم.
٩ - ... مالا يُفسِد الصوم.
١٠ - مبيحات الإفطار، وما يلحق بها.
١١- ... مندوبات الصوم.
١٢- ... مكروهات الصوم.
١٣- ... الاعتكاف.
١٤- ... قيام رمضان (التراويح) .
١٥- ... قيام ليلة القدر.
١٦- ... زكاة الفطر.
стр. 55
١- كيفية ثبوت الشهر الكريم
إن بداية الصيام وثبوت دخول شهره، يكون بأحد أمرين:
الأول: بقبول الإمام لرؤية شاهدٍ واحد عدل - على ما ذهب إليه أكثر أهل العلم - لهلال رمضان، وذلك في ليلة الثلاثين من شعبان، وبذا يكون شعبان في هذه الحالة تسعة وعشرين يوماً.
فإن لم تُمكِن الرؤية، لغيم أو قَتَر-غبار- ونحوه، أو لعدم ولادة الهلال بعد، أو لاستحالة وقوع الرؤية بعد الولادة إلا بعد انقضاء زمن محدد، بحيث يصير الهلال ذا حجم تمكن رؤيته معه، فإن لم تمكن الرؤية لما ذكر آنفًا، عند ذلك يكون الثبوت بالأمر الثاني، وهو: إكمال عدة شعبان ثلاثين يوماً، ويُحكَم بعد ذلك - قطعاً - بدخول شهر رمضان، فإن الشهر القمري تسع وعشرون، وقد يكون ثلاثين يوماً، إلا أنه لا يمكن أن يزيد عن ثلاثين.
стр. 56
قال رسول الله ﷺ : «الشهر تسع وعشرون ليلة، فلا تصوموا حتى تروه، فإن غُمّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين» (٨٦) .
وقال ﵊: «إنا أمَّة أمِّية، لا نكتب ولا نحسُب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا، وعقد الإبهام في الثالثة، والشهر هكذا وهكذا وهكذا. يعني تمام ثلاثين» (٨٧) .
وقال عبد الله بن عمر ﵄: (تراءى الناسُ الهلالَ، فأخبرت رسولَ الله ﷺ أني رأيتُه، فصامه وأمر الناس بصيامه) (٨٨) .
مسألة:
هل يدخل الشهر، أو يثبت الهلال بقول منجِّمٍ يَحسُب سَيْر القمر؟
إن الشارع الحكيم قد أناط الصوم والفطر - وكذا الحجَّ - برؤية الهلال، لا بمجرد ولادته أو وجوده،
стр. 57
فالرؤية هي المُعوَّل عليه ابتداءً في إثبات الهلال، إلا أنه - كما لا يخفى - قد أمكن للمراصد الفلكية اليوم بحساب بالغ الدقة تحديدَ زمن ولادة الهلال، بل زمن إمكانية رؤيته في أمكنة محددة، واستحالتها في أمكنة أخرى في ذلك الزمن، ومع كون ذلك صحيحاً بدرجة كبيرة، إلا أن الشريعة نصت على أن الرؤية هي مناط التكليف، فيُعوَّل عليها إن تناقضت - فَرَضاً - مع حساب المراصد الفلكية، والحق أنه لا يمكن أن يتناقضا، لأن العلم المُتيقَّن الصحيح لا يتعارض بحال مع الخبر الصادق الموثوق، لكنْ من المقرر - في علم الفلك - أن الهلال إذا وُلد، فإنه لا يمكن رؤيته إلا بعد مرور زمن محدد يصل فيها إلى أدنى مستويات إمكان الرؤية، وهذا يدخل فيه كثير من العوامل الجوية والفلكية وغيرها، مما ينفي الضابط في ذلك أو - على الأقل - يجعل هذا الضابط غير مطَّردٍ لدى الفلكي، لذا لم نعمل بقوله في إثبات الهلال، وإن كثرت إصابته
стр. 58
لصحة إمكان الرؤية، ويبقى أن التعويل على الرؤية هو الأصل، كما قررته الشريعة الغراء.
٢- اختلاف المطالع، وأثر ذلك في تحقق الثبوت والانقضاء
ما المقصود باختلاف المطالع، وما أثر ذلك على إثبات دخول الشهر القمري أو انقضائه؟
[اعلم - رحمني الله وإياك - أنه قد يُرى الهلال في بلد قبل الآخرين بليلة، وذلك تبعاً لاختلاف مطالع القمر، كما تختلف مطالع الشمس بين البلدان، واختلاف مطالع القمر لا يكون في أقل من أربعة وعشرين فرسخاً، والفرسخ = ثلاثة أميال، وهو يساوى بالتقريب: (٥٥٤٤م) ، فلا يكون اختلاف المطالع - على ذلك - بمسافة هي أقلّ من (٢٤ × ٥٥٤٤م) = ١٣٣٠٥٦م = ١٣٣.٠٥٦ كلم، وهي تقارب مرة ونصف مسافة القصر في السفر، والتي هي - كما هو معلوم - ستة عشر فرسخاً أو (٨٩) كلم تقريباً.
стр. 59
لذلك فقد رأى بعض الفقهاء (الشافعية) اختلاف بدء الصوم والعيد بحسب اختلاف مطالع القمر بين مسافات بعيدة - كما تقدّم - في حين رأى جمهور الفقهاء (الحنفية والمالكية والحنابلة) جزى الله الجميع خيراً، أن الصوم والعيد يوحَّد بين المسلمين، ولا عبرة لديهم باختلاف المطالع، فإذا ثبتت رؤية الهلال بمكان، قريباً كان أو بعيداً لزم المسلمين كلَّهم الصومُ، وحُكْمُ من لم يره حُكْمُ من رآه.
ومما استدل به الجمهور عموم ما يدل عليه حديث: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غُمِّيَ -[غُبِّي]- عليكم، فأكملوا عدة شعبان ثلاثين» (٨٩) .
ومما استدلت به الشافعية حديث كُرَيْب: أن أمَّ الفضل [لبابة بنت الحارث الهلالية] بعثته إلى معاويةَ بالشام، قال: فقدمتُ الشام، فقضيتُ حاجتَها، وأستُهِلَّ عليَّ رمضانُ وأنا بالشام، فرأيت الهلال ليلة الجمعة، ثم قَدِمتُ المدينةَ في آخر الشهر، فسألني عبد الله بن
стр. 60
عباس، ثم ذكر الهلال، فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلتُ: رأيناه ليلة الجمعة، فقال: أنت رأيتَه؟ فقلت: نعم، ورآه الناس، وصاموا وصام معاويةُ، فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين، أو نراه، فقلت: أولا تكتفي برؤية معاويةَ وصيامه؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله ﷺ (٩٠) .
ولعل الأَوْلى في مسألة اختلاف المطالع ترجيح رأي الجمهور في أنه إذا رآه أهل بلد لزم أهلَ البلاد كلها (٩١) ، فإن ذلك أدعى لتوحيد كلمة المسلمين في الميقات الزماني لعبادة الصيام، وأقرب لدرء مفسدة الخلاف بينهم، ولأن وجوب الصيام متعلق بمطلق الرؤية للهلال، لا لقُطْر بعينه، هذا فضلاً عن أنه [من المقرر أن أقصى مدة زمنية بين أبعد قطرين إسلاميين لا يتجاوز تسع ساعات - كما تفيده تقارير العلوم الفلكية المستحدثة - وإن وسائل الاتصال الحديثة صارت تُمكِّن بيسر من تبليغ حصول الرؤية، فتتواصل بذلك
стр. 61
البلدان الإسلامية في توحيد بدء صيامها وموعد فطرها (٩٢) .
ولعل ما ذهبت إليه الشافعية من الاستدلال بحديث ابن عباس ﵄، واعتبار اختلاف المطالع كان في الزمن الأول، وذلك لصعوبة الاتصال بين البلدان حينها، أما وقد تطورت وسائل الاتصال فقرّبت البعيد، وترابطت بها أنحاء المعمورة في ثوان، فلا مُسوِّغ عندئذٍ لاعتبار اختلاف المطالع، والله أعلم.
٣- كيفية ثبوت انقضاء شهر رمضان:
يكون انقضاء الشهر الكريم أيضاً بأحد أمرين:
الأول: بقبول الحاكم - الإمام - لشهادة رجلين عدلين، برؤية الهلال.
والثاني: إن لم تمكن الرؤية، أو كان صحواً ولم يُر، فيكون إثبات انقضاء رمضان بإكمال عدته ثلاثين يوماً.
- ... ويلحظ هنا مزيد التحوُّط للعبادة، ففي أول رمضان
стр. 62
يثبت الشهر بقبول رؤية شاهد واحد عدل، فيصوم الناس بذلك، بينما في آخر رمضان لا يزال المسلمون يصومون ولا يخرجون من عبادتهم حتى يكملوا ثلاثين أو يرى الهلالَ رجلان عدلان مقبولة شهادتهما عند الإمام. فما أعظم هذا التشريع، وما أجلّ الحكمة المُودَعة فيه!!.
فائدة:
لا يُقبل في إثبات دخول الشهر القمري عامّة إلا رجلان عدلان بلفظ الشهادة، إلا في رمضان فإنه يُقبل بشهادة رجل واحد، وكان ﵊ يحتاط لشعبان ما لا يحتاط لغيره من الشهور «ويحصي هلال شعبان لرمضان» (٩٣) ، ويقول ﵊: «لا تُقدِّموا رمضانَ بصوم يومٍ ولا يومين» (٩٤) ذلك بأن الدقة والتثبت من دخول شعبان يترتب عليه صحة إثبات دخول شهر رمضان، وفي ذلك كلِّه مزيد اهتمام بهذا الركن العظيم (الصيام) .
стр. 63
٤ - ركن الصوم:
إن حقيقة الصوم وقِوامه، هو الإمساك (الامتناع) عن المُفطِّرات - وسيأتي تفصيل لها إن شاء الله -، وذلك من طلوع الفجر الثاني الصادق [المنتشر المعترض في الأفق] من يوم الصيام، إلى غياب قرص الشمس بكماله في الأفق.
قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ . [البَقَرَة: ١٨٧]
وحيث إن الله تعالى قد أباح هذه الجملة من المُفطِّرات ليلة الصيام، وأمر سبحانه بالإمساك عنها في نهار الصيام، فقد دل ذلك على أن ركن الصوم وحقيقته هو هذا الإمساك المأمور به.
٥ - شروط وجوب الصوم:
المقصود بهذه الشروط: الأمور التي يلزم عند وجودها الصومُ، فتتعلق ذمّة المكلَّف بهذا الواجب،
стр. 64
فإن عُدِم أحدُها لم يكن الصوم عندئذٍ واجباً، وهي خمسة:
أ- ... الإسلام، فلا يجب الصوم على كافر، فإن أسلم أثناء شهر رمضان، صام ما يستقبل من بقية شهره، ولا يقضي، لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفَال: ٣٨] ، ولقوله ﷺ : «أما علمتَ - يا عمرو - أن الإسلام يَهْدِم ما كان قبله» (٩٥) . ولقوله ﵊: «الإسلام يَجُبُّ ما قبله» (٩٦) . فلو أسلم الكافر في أثناء نهار الصوم، لزمه إمساك بقية يومه - تعظيماً لحرمة نهار رمضان - كما يلزمه القضاء، لكونه قد أدرك جزءاً من وقت العبادة، حال كونه مسلماً.
ب - العقل:
من المقرر - أصولاً - أن خطاب التكليف لا يتوجه لغير عاقل، وذلك لعدم أهليته للعبادة، فلا
стр. 65
يجب الصوم على مجنون، أو مغمى عليه، قال ﷺ : «رفع القلم عن ثلاث: عن المجنون المغلوب على عقله، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم» (٩٧) .
مسألة:
من زال عقلُه بسُكْرٍ بشراب أو غيره، فهل يجب عليه الصوم؟ ثم لو أفطر، هل يقضي؟
- ... السكران هو عاقل في الأصل، وهو مخاطب بالتكليف قبل زوال عقله، لذا فإن وجوب الصوم يبقى متعلقاً بذمته، والحال أنه قد تسبَّب عمداً بزوال عقله، فيأثم بذلك، كما يأثم بفطره، ويلزمه القضاء بعد الإفاقة من زوال عقله، والله أعلم.
ج - البلوغ:
وقد اعتُبِر شرطَ وجوبٍ لأن الغرض من التكليف هو الطاعة والامتثال، ولا يكون ذلك إلا بإدراك معنى
стр. 66
التكليف والقدرة على القيام به، والطفل في واقع حاله عاجز عن الإدراك والقدرة، فلم يكن ذلك الصومُ واجباً على الصبي حتى يحتلم، ولا على الفتاة حتى تحيض.
مسألة:
هل يؤمر الصبي المميِّز أو الفتاة المميِّزة [عند سن السابعة] ، هل يؤمران بالصيام؟ وهل يصح منهما صوم؟
- إذا أطاق هؤلاء الصيامَ، أَمَرَهم وليُّهم به، وذلك ليعتادوا عليه، ويصح منهم الصوم، كما تصح الصلاة، إلا أن الصوم فيه مشقة عليهما، فاعتُبِرت له الطاقة ولم تُعتبَر في الأمر بالصلاة لإمكان القيام بها من غير مشقة.
د - العلم بوجوب الصيام على المُكلَّف.
إذا علم المسلم المكلّف - العاقل البالغ - بوجوب الصيام، وكان شاهداً الشهر الكريم، وجب عليه
стр. 67
الصوم، والحال أن ذلك معلوم بالضرورة لكل من نشأ في دار الإسلام، ولا يُعذر المسلم بجهله بهذا، كما لا يُظن بمسلم الجهل بوجوب صيام رمضان عند شهوده.
مسألة:
من أسلم في دار الحرب (بلاد الكفار) ، فكيف يحصل له العلم المُوجِب للصيام؟
اشترط الفقهاء - جزاهم الله خيراً - لمن أسلم في دار الحرب، كي يحصل له العلم المُوجِب للصيام، أن يتم إخباره بدخول الشهر بطريق معتبرة شرعاً، وذلك بإخبار رجل عدل أو رجلين عدلين أو رجلٍ مستور الحال، وامرأتين مستورتَيْ الحال، والواقع أن الإعلام بدخول الشهر لم يعد أمراً خافياً على أحد في عصرنا، وذلك لتوافر آلات الاتصال المستحدَثة، حيث يتواتر العلم بذلك حال ثبوته، فيكون ذلك كافياً لحصول العلم الموُجِب، والله أعلم.
стр. 68
٦ - شروط صحة الصوم:
بعد أن تعلقت ذمة المُكلَّف بوجوب أداء الصوم، وذلك بتوافر شروط الوجوب عليه، فما الذي يجعل هذا الصوم عند وقوعه من المُكلَّف صحيحاً؟ هذا هو المقصود بشروط الصحة، وهي ثلاثة:
أ - الإسلام فكما أنه شرط لوجوب الصوم - كما ذُكِر بيانه آنفًا - فهو شرط كذلك في صحة وقوع الصوم، فلا يصح صوم الكافر بحال، ولو مرتداً - والعياذ بالله - وليس عليه القضاء، فالكافر مع كونه مطالباً بالإسلام، فهو مطالب كذلك بفروع الشريعة، ومن ثَمَّ فإنه يجب عليه الصوم، فيكون عذاب الكافر مضاعفاً في الآخرة؛ ابتداءً لعدم إسلامه، ومن ثَمَّ لتركه العبادة. ولو أسلم الكافر فإنه لا يُطالَب بالقضاء لما أفطره حال كفره، ذلك أن «الإسلام يجبُّ ما قبله» (٩٨) .
ب- النية: ومعناها - هنا - أن يقصِد المكلَّفُ بالصيام العالمُ بوجوبه الصومَ، وأن تكون هذه النية بالصوم
стр. 69
جازمة لا تردُّدَ فيها، وأن تكون معيِّنةً لمَحَلِّ وقت الصوم، كصيام غدٍ مثلاً، أو معيَّنة لمحلِّ سبب الصوم، كصيام قضاء يوم من رمضان مثلاً، كما يُشترط في النية أن تكون مبيَّتة ليلاً وذلك لصيام الفرض، أما صيام النفل فلا يشترط تبييت النية فيه ليلاً، بل يصح صومه بنيةٍ قبل الزوال. كما أنه لا بد للنية أن تكون مستمرة ليلة الصيام؛ فلو نوى الإفطار ليلاً، كان مفطراً في نهاره ولو أمسك عن المُفطِّرات، كما أنه لو نوى الإفطار نهاراً وهو صائم انقطع صيامه ولو لم يُفطِر بمُفطِّر؛ لأن الصيام عبادة، والعبادات لا تصح إلا بالنية، والله أعلم.
ودليل وجوب تبييت النية في الفرض قولُ النبيِّ ﷺ : «من لم يُجمِع الصيامَ قبل الفجر فلا صيام له» (٩٩) .
ودليل جواز تأخر النية في النفل إلى قُبيل الزوال
стр. 70
حديثُ عائشة ﵂، قالت: «دخل عليَّ النبيُّ ﷺ ذات يوم فقال: يا عائشة: هل عندكم شي؟ فقلنا: لا، قال: فإني إذن صائم» (١٠٠) .
ج- ... الطهارة من الحيض والنفاس، وذلك في جميع نهار الصوم؛ فمن انقطع دمها من حيض أو نفاس ليلاً، ثم لم تغتسل، ونوت الصيام من الغد، صحَّ صومها، أما من طرأ عليها حيض أو نفاس في نهارٍ بَطَل صومُها، ووجب عليها القضاء حال الطهارة. هذا، ومما يجدر ذكره هنا أنه لا يصح صوم حائض أو نفساء - إجماعاً - من أجل أنهما ليستا أهلاً للصوم.
مسألة:
لو أصبح المسلم جُنُباً، فهل يصح صومه؟
نعم، فالاحتلام لا يؤدي إلى الفطر بالإجماع، فمن احتلم من ليل أو نهار، فصيامه صحيح ولا شيء عليه.
стр. 71
وكذلك لو جامع ليلاً ولم يغتسل، فأصبح جنباً، فإن صيامه صحيح، وذلك لما روت عائشةُ وأمُّ سلمةَ ﵄ «أن النبيَّ ﷺ كان يصبح جُنُباً من غير حُلُم ثم يصوم» (١٠١) .
مسألة:
لو أسلم المرتد - عاد إلى الإسلامٍ بعد أن تركه -، فهل يقضي صياماً تَرَكه حال رِدَّته؟
نعم، لو أسلم المرتدُّ وجب عليه قضاء ما فاته، لأن الرِّدَّة لا يَسقط بها وجوبُ العبادات عنه، فقد التزم هذه العبادات حال الإسلام، فيستمر وجوبها عليه حال رِدَّته، والله أعلم.
مسألة:
ما حكم الرِّدَّة بعد نية الصوم؟
حصول الرِّدَّة - والعياذ بالله - بعد نية الصوم يُبطِل الصومَ بلا خلاف.
стр. 72
٧ - الصوم الواجب (المفروض) :
هذا الصوم لا يسع المؤمن الجهل بأحكامه، وذلك لوقوع الإثم على من لم يلتزم به. وقد مرّ أنه من حيث كيفية الأداء هو على قسمين اثنين، وهاك تفصيلاً لذلك:
أ - ما يجب في أدائه التتابع (عدم انقطاع) ، وهو:
- ... صوم رمضان، قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البَقَرَة: ١٨٥] ، ومعلوم أن الشهر لا يكون َإلا متتابعاً قي أيامه فيكون صومه متتابعاً بالضرورة.
- ... صوم بعض الكفَّارات، وهي: كفَّارة القتل الخطأ، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النِّسَاء: ٩٢] .
- ... وكذلك كفَّارة الظِّهار - والظِّهار: قول الرجل لامرأته أنتِ عليَّ كظَهْر أمي! يريد بذلك تحريمَها - قال تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ
стр. 73
مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسَّا﴾ [المجَادلة: ٤] .
- ... ويشترط التتابع أيضاً في صوم كفَّارة الجماع عمداً في نهار رمضان، وهي المسمّاة (الكفَّارة الكبرى) .
قال أبو هريرة ﵁: بينما نحن جلوس عند النبيِّ ﷺ ، إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله هلكتُ، قال: «ما لَكَ؟» ، قال: وقعتُ على امرأتي وأنا صائم. فقال رسول الله ﷺ : «هل تجد رقبةً تعتقها؟» ، قال: لا. قال: «فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟» ، قال: لا، فقال: «فهل تجد إطعام ستين مسكيناً؟» ، قال: لا. قال: «فمكث النبيُّ ﷺ » . فبينا نحن على ذلك، أُتِِيَ النبيُّ ﷺ بعَرَقٍ فيها تمر، [والعَرَق المِكتَلُ] (١٠٢) ، قال ﷺ : «أين السائل؟» فقال: أنا، قال: «خذها فتصدَّق به» فقال الرجل: أعَلى أفقر مني يا رسول الله؟! فوالله ما بين لابتيها [لابتي المدينة: يريد الحرّتين] ، أهل بيتٍ أفقرُ من أهل بيتي. فضحك النبيُّ ﷺ حتى بدت أنيابه، ثم قال: «أَطْعِمْه أهلَك» (١٠٣) .
стр. 74
- ... كما يُشترط التتابع في أداء الصوم الواجب، لمن نذر أو حلف أن يصوم أياماً بعينها، كالعشر الأولى من شهر رجب مثلاً، أو صوم شهر شعبان، ونحو ذلك، فإنه يتعين عليه التتابع لتعيينه الوقت، فلا يَصْدُق على العشر الأولى إلا إذا تتابعت، وإلا لم تكن أولى، ولا يَصْدُُق على شهر إلا إذا تتابع.
ب- ما لا يجب في أدائه التتابع (يجوز تفريق أداء صيامه) :
من الصوم الواجب، ما يكون صاحبه بالخِيار: إن شاء فرّق، وإن شاء تابع، ومن ذلك:
- صوم قضاء رمضان.
فلو أفطر مسلم في رمضانَ أياماً لعذرٍ كمرض أو سفر، فعليه المبادرة إلى إسقاط الفرض، ويستحب له أن يتابع في القضاء، ولكن هذا التتابع لا يشترط، لقوله تعالى: [البَقَرَة: ١٨٤] ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ، فقد
стр. 75
ذكر تعالى صوم القضاء لرمضان، بصيغة ُ ٨ ِ، وهي نَكِرة مُنَوَّنة، فتعمّ لتشمل أي يوم آخر من غير أيام شهر الصيام، - ويستثنى من ذلك ما يحرم صومه من أيامٍ، وقد ذُكِر بيانه آنفًا - كما أن الله تعالى قد ذكر الصوم هنا مطلقاً عن التتابع، لذا، فإنه لا يجب فيه التتابع.
- صوم المتعة في الحج.
فمن أحرم بالعمرة في أشهر الحج، وأتى بأعمالها، حتى إذا فرغ من أداء عمرته تحلل منها، ثم أحرم بعدها بالحج من مكة في تلك السنة: سُمِّي حاجًّا متمتعاً، وهذا الحاجُّ - بسبب تمتُّعِه بالتحلُّل من العمرة قبل إحرامه بالحج -، قد أوجب الله عليه الهَدْي، وهو: ما يُهدى إلى البيت ويُفرَّق لحمُه على مساكين الحرم، من بدَنَة (١٠٤) ، أو بقرة، أو شاة، فإن عجز عن الهَدْيَة (سوق الهَدْي) إلى البيت، وجب عليه الصيام عشراً كاملةً من ذي الحجة، والأفضل صوم