← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 949

جامع العلوم والحكم - ت الفحل

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (928 стр.). Показаны 298–337 · переход к 303.

стр. 298

من حديث جُندب مرفوعاً (١): «حدُّ السَّاحر (٢) ضربةٌ بالسَّيف»، وذكر أنَّ الصحيح وقفه على جندب (٣)، وهو مذهبُ جماعةٍ من العلماء، منهم: عُمَرُ بنُ عبد العزيز ومالك وأحمد وإسحاق، ولكن هؤلاء يقولون: إنَّه يكفر بسحره، فيكون حكمُه حكمَ المرتدين (٤). ومنها: قتلُ من وقع على بهيمة، وقد ورد فيه حديث مرفوع (٥)، وقال به طائفةٌ من العلماء (٦). ومنها: من ترك الصَّلاة، فإنَّه يُقتل عندَ كثيرٍ من العُلماء مع قولهم: إنَّه ليس بكافرٍ، وقد سبق ذكرُ ذلك مستوفى. ومنها قتلُ شاربِ الخمر في المرَّة الرابعة، وقد ورد الأمرُ به عنِ النَّبيِّ ﷺ من وُجوهٍ متعدِّدَةٍ (٧)،

стр. 299

وأخذَ بذلك عبدُ الله بنُ عمرو بن العاص وغيره، وأكثر العلماء على أنَّ القتل انتسخ، وروي أنَّ النَّبيَّ ﷺ أُتي بالشَّارب في المرَّةِ الرَّابعة، فلم يقتُله (١). وفي " صحيح البخاري " (٢): أنَّ رجلاً كان يُؤتى به النَّبيَّ ﷺ في الخمر، فلعنه رجلٌ، وقال: ما أكثرَ ما يُؤتى به، فقال النَّبيُّ ﷺ : «لا تلعنه؛ فإنَّه يُحِبُّ الله ورسوله» ولم يقتله بذلك. وقد روي قتلُ السارق في المرة الخامسة (٣)، وقيل: إنَّ بعضَ الفُقهاء ذهبَ إليه (٤). ومنها: ما رُوي عنه ﷺ أنَّه قال: «إذا بُويِعَ لِخَلِيفَتين، فاقتلوا الآخرَ منهما» خرَّجه مسلم (٥) من حديث أبي سعيد، وقد ضعف العقيلي أحاديثَ هذا الباب كلها (٦). ومنها: قولُه ﷺ : «من أتاكم وأمرُكُم جميعٌ على رجلٍ واحدٍ، فأراد أنْ يشقَّ عصاكم، أو يفرِّقَ جماعَتَكُم فاقتلوه» (٧)، وفي رواية: «فاضربوا رأسه بالسيف كائناً من كان». وقد خرَّجه مسلم (٨)

стр. 300

أيضاً من رواية عرفجة. ومنها: من شَهَرَ السِّلاحَ، فخرَّج النسائيُّ (١) من حديث ابن الزبير، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «مَنْ شَهَرَ السِّلاحَ ثم وضعه، فدمه هدرٌ»، وقد روي عن ابن الزبير مرفوعاً وموقوفاً، وقال البخاري: إنَّما هو موقوف (٢). وسئل أحمد عن معنى هذا الحديث، فقال: ما أدري ما هذا. وقال إسحاق ابن راهويه: إنَّما يريد من شهر سلاحه ثمَّ وضعه في النَّاس حتّى استعرض النَّاس، فقد حل قتله، وهو مذهب الحرورية يستعرضون الرجال والنِّساء والذرية. وقد رُوِيَ عن عائشة ما يخالف تفسير إسحاق، فخرَّج الحاكم (٣) من رواية علقمة ابن أبي علقمة، عن أمِّه: أنَّ غلاماً شهر السَّيف على مولاه في إمرةِ سعيدِ بن العاص، وتفلَّت به عليه، فأمسكه النَّاسُ عنه، فدخل المولى (٤) على عائشة، فقالت: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «من أشارَ بحديدةٍ إلى أحدٍ من المسلمين يريد قتله، فقد وجب دمه» فأخذه مولاه فقتله، وقال: صحيح على شرط الشيخين (٥). وقد صحَّ عن النَّبيِّ ﷺ : أنَّه قال: «من قُتِلَ دون ماله، فهو شهيد» (٦)، وفي رواية: «ومن قتل دون دمه، فهو شهيد» (٧).

стр. 301

فإذا أريد مالُ المرء أو دمُه، دافع عنه بالأسهل. هذا مذهب الشافعي (١) وأحمد، وهل يجب أنْ ينوي أنَّه لا يريد قتله أم لا؟ فيه روايتان عن الإمام أحمد (٢). وذهب طائفة إلى أنَّ مَنْ أراد مالَه أو دمَه، أُبيح له قتلُه ابتداء، ودخل على ابن عمرَ لِصٌّ، فقام إليه بالسيف صلتاً، فلولا أنَّهم حالوا بينه وبينه، لقتله (٣). وسئل الحسنُ عن لصٍّ دخل بيت رجلٍ ومعه حديدة، قال: اقتله بأيِّ قتلة قدرتَ عليه، وهؤلاء أباحوا قتله وإنْ ولَّى هارباً من غير جناية (٤)، منهم: أيوبُ السَّختياني. وخرَّج الإمام أحمد (٥) من حديث عبادة بن الصامت، عن النَّبيِّ ﷺ قال : «الدَّارُ حرمك، فمن دخل عليك حَرَمَكَ، فاقتله» ولكن في إسناده ضعف. ومنها: قتلُ الجاسوسِ المسلم إذا تجسَّسَ للكفار على المسلمين، وقد توقَّف فيه أحمد (٦)، وأباح قَتْلَهُ طائفة من أصحاب مالِك، وابنُ عقيل من أصحابنا (٧)، ومن المالكية مَنْ قال: إنْ تكرَّر ذلك منه، أُبِيحَ قتله (٨)، واستدلَّ من أباحَ

стр. 302

قتله (١) بقولِ النَّبيِّ ﷺ في حقِّ حاطب بن أبي بلتعة لما كتب الكتابَ إلى أهلِ مكَّةَ يخبرهم بسير النَّبيِّ ﷺ إليهم (٢)، ويأمرهم بأخذ حذرهم، فاستأذن عمرُ في قتله، فقال: «إنَّه شهدَ بدراً» (٣)، فلم يقل: إنَّه لم يأتِ ما يُبيحُ دمه، وإنَّما علَّل بوجود مانعٍ مِنْ قتله، وهو شهودُه بدراً ومغفرةُ الله لأهل بدر، وهذا المانعُ منتفٍ في حقِّ مَنْ بعدَه. ومنها: ما خرَّجه أبو داود في " المراسيل " (٤) من رواية ابن المسيَّب: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «من ضرب أباه فاقتلوه» ورُويَ مسنداً من وجهٍ آخرَ لا يصحُّ (٥). وأعلم أنَّ من هذه الأحاديث المذكورة ما لا يصحُّ ولا يُعرف به قائلٌ معتبر، كحديث: «مَنْ ضرب أباه فاقتلوه»، وحديث: «قتل السارق في المرة الخامسة» (٦). وباقي النصوص كلُّها يمكن ردُّها إلى حديث ابن مسعود، وذلك أنَّ حديثَ ابنِ مسعودٍ تضمَّن أنَّه لا يُستباح دمُ المسلم إلاَّ بإحدى ثلاث خصالٍ: إمَّا أنْ يترك دينه ويفارق جماعة المسلمين، وإمَّا أنْ يزني وهو محصن، وإمَّا أنْ يقتل نفساً بغير حقٍّ (٧). فيؤخذ منه أنَّ قتل المسلم لا يُستباح إلاَّ بأحد ثلاثة أنواع: تركِ الدين، وإراقةِ الدم المحرَّم، وانتهاك الفرج المحرَّم، فهذه الأنواع الثلاثة هي التي تُبيح دم المسلم دون غيرها.

стр. 303

فأما انتهاكُ الفرج المحرّم، فقد ذكر في الحديث أنَّه الزنا بعد الإحصان، وهذا - والله أعلم - على وجه المثال، فإنَّ المحصن قد تمَّت عليه النعمة بنيل هذه الشهوة بالنِّكاح (١)، فإذا أتاها بعد ذلك مِنْ فرجٍ محرَّمٍ عليه، أُبيح دمه (٢)، وقد ينتفي شرط الإحصان، فيخلفه شرط آخر، وهو كون الفرج لا يُستباحُ بحال، إمَّا مطلقاً كاللواط، أو في حقِّ الواطئ، كمن وطئ ذاتَ محرم بعقد أو غيره، فهذا الوصف هل يكون قائماً مقامَ الإحصان وخلفاً عنه؟ هذا هو محلُّ النِّزاع بين العلماء، والأحاديثُ دالَّةٌ على أنَّه يكون خلفاً عنه، ويُكتفى به في إباحة الدم (٣). وأما سفك الدَّم الحرام، فهل يقومُ مقامه إثارة الفتن المؤدية إلى سفك الدماء، كتفريق جماعة المسلمين (٤)، وشقِّ العصا (٥)، والمبايعةِ لإمامٍ ثانٍ (٦)، ودلِّ الكُفَّارِ على عورات المسلمين (٧)؟ هذا هو محلُّ النزاع. وقد روي عن عمر ما يَدُلُّ على إباحة القتل بمثل هذا (٨). وكذلك شهرُ السلاح لطلب القتل: هل يقومُ مقامَ القتل في إباحة الدم أم لا؟ فابنُ الزبير وعائشة رأياه قائماً مقام القتل الحقيقي في ذلك (٩). وكذلك قطعُ الطَّريق بمجرَّده: هل يبيحُ القتلَ أم لا؟ لأنَّه مظِنَّةٌ لسفك الدِّماء المحرَّمة، وقول الله : ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً﴾ (١٠)، يدلُّ على أنَّه إنَّما يُباحُ قتل النفس بشيئين:

стр. 304

أحدهما: بالنفس (١)، والثاني: بالفساد في الأرض، ويدخل في الفساد في الأرض: الحراب (٢) والرِّدَّة، والزنى، فإنَّ ذلك كلَّه فساد في الأرض (٣)، وكذلك تكرُّر شرب الخمر والإصرار عليه هو مظنةُ سفكِ الدِّماء المحرمة. وقد اجتمع الصحابة في عهد عمر على حدِّه ثمانينَ، وجعلوا السكر مَظِنَّة الافتراءِ والقذفِ الموجب لجلد الثمانين (٤)، ولمَّا قدِمَ وفدُ عبدِ القيس على النَّبيِّ ﷺ ، ونهاهُم عن الأشربة والانتباذِ في الظُّروف قال: «إنَّ أَحَدَكُم ليقومُ إلى ابن عمه - يعني: إذا شرب - فيضربه بالسَّيف»، وكان فيهم رجلٌ قد أصابته جراحةٌ مِنْ ذلك (٥)، فكان يخبؤها حياءً من النَّبيِّ ﷺ (٦) فهذا كلُّه يرجِعُ إلى إباحة الدَّم بالقتل إقامة لمظان القتل مقامَ حقيقته، لكن هل نسخ ذلك أم حكمه باق وهذا هو محلُّ النِّزاع. وأما تركُ الدين، ومفارقةُ الجماعة، فمعناه: الارتدادُ عن دين الإسلام ولو أتى بالشهادتين، فلو سبَّ الله ورسوله ﷺ ، وهو مقرٌّ بالشهادتين، أُبيح دمُه؛ لأنَّه قد ترك بذلك دينه (٧). وكذلك (٨) لو استهان بالمُصحف، وألقاه في القاذورات، أو جحد ما يُعلم من الدِّين بالضَّرورة كالصلاة، وما أشبه ذلك ممَّا يُخرج منَ الدِّين (٩). وهل يقومُ مقامَ ذلك تركُ شيء مِنْ أركان الإسلام الخمس؟ وهذا ينبني على أنَّه

стр. 305

هل يخرج من الدِّين بالكُلِّيَّة بذلك أم لا؟ فمن رآه خروجاً عنِ الدِّين، كان عنده كتركِ الشَّهادتين وإنكارهما، ومن لم يره خروجاً عن الدِّين، فاختلفوا هل يلحقُ بتارك الدِّين في القتل، لكونه ترك أحدَ مباني الإسلام أم لا؟ لكونه لم يخرج عن الدِّين. ومِنْ هذا الباب ما قاله كثيرٌ من العلماء في قتل الدَّاعية إلى البدع، فإنَّهم نظروا إلى أنَّ ذلك شبيهٌ بالخروج عَنِ الدِّين، وهو ذريعةٌ ووسيلة إليه، فإن استخفى بذلك ولم يَدْعُ غيرَه، كان حُكمُه حكمَ المنافقين إذا استخفَوا، وإذا دعا إلى ذلك، تَغَلَّظ جرمُه بإفساد دين الأمة (١). وقد صحَّ عن النَّبيِّ ﷺ الأمر بقتال الخوارج وقتلهم (٢). وقد اختلف العلماء في حكمهم. فمنهم من قال: هم كفَّارٌ، فيكون قتلُهم لكفرهم (٣). ومنهم من قال: إنَّما يُقتلون لفسادهم في الأرض (٤) بسفكِ دماءِ المسلمين وتكفيرهم لهم، وهو قولُ مالكٍ وطائفة من أصحابنا، وأجازوا الابتداء بقتالهم، والإجهازَ على جريحهم. ومنهم من قال: إن دَعَوْا إلى ما هُمْ عليه، قوتلوا، وإنْ أظهروه ولم يدعوا إليه لم يُقاتلوا، وهو نصُّ أحمد وإسحاق، وهو يرجع إلى قتال من دعا إلى بدعة مغلظة. ومنهم من لم يرَ البداءة بقتالهم حتّى يبدءوا بقتالٍ يُبيح قتالَهم مِنْ سفك دماءٍ ونحوه، كما رُوِيَ عن عليٍّ، وهو قولُ الشافعي وكثيرٍ من أصحابنا (٥).

стр. 306

وقد روي من وجوه متعددة أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمر بقتل رجلٍ كان يُصلي، وقال: «لو قتل، لكان أوَّلَ فتنةٍ وآخرها» (١)، وفي رواية: «لو قُتِلَ، لم يختلف رجلان من أمتي حتى يخرجَ الدَّجَّالُ»، خرّجه الإمام أحمد ﵀ وغيره (٢). فيستدلَّ بهذا على قتل المبتدع إذا كان قتله يكف شرَّه عن المسلمين، ويحسم مادة الفتن (٣). وقد حكى ابنُ عبد البر وغيرُه عن مذهبِ مالكٍ جوازَ (٤) قتل الدَّاعي إلى البدعة. فرجعت نصوصُ القتل كلُّها إلى ما في حديث ابن مسعود (٥) بهذا التقدير، ولله الحمد. وكثيرٌ من العلماء يقولُ في كثير من هذه النصوص التي ذكرناها هاهنا: إنَّها منسوخةٌ (٦) بحديث ابنِ مسعودٍ، وفي هذا نظرٌ من وجهين: أحدهما: أنَّه لا يُعلم أنَّ حديثَ ابنِ مسعود كان متأخراً عن تلك النصوص كلِّها، لا سيما وابن مسعود من قدماء المهاجرين. وكثير من تلك النصوص يرويها من تأخَّر إسلامُه كأبي هريرة، وجريرِ بنِ عبد الله، ومعاوية، فإنَّ هؤلاء كلهم رووا حديثَ (٧) قتل شارب الخمر في المرة الرابعة (٨). والثاني: أنَّ الخاصَّ لا يُنْسَخُ بالعامِّ، ولو كان العامُّ متأخراً عنه في الصحيح الذي

стр. 307

عليه جمهور العلماء؛ لأنَّ دلالة الخاصِّ على معناه بالنصِّ، ودلالة العام عليهِ بالظاهر عندَ الأكثرين، فلا يُبطِلُ الظاهرُ حكمَ النص (١). وقد روي أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمر بقتل رجل كذَب عليهِ في حياته، وقال لحيٍّ من العرب: إنَّ رسول الله ﷺ أرسلني وأمرني أنْ أحكمَ في دمائِكم وأموالكم، وهذا رُوي من وجوهٍ متعدِّدةٍ كلها ضعيفة (٢)، وفي بعضها أنَّ هذا الرجل كانَ قد خطب امرأةً منهم في الجاهلية، فأبوا أنْ يُزوِّجوه، وأنَّه لمَّا قالَ لهم هذه المقالة صدَّقوه، ونزل على تلك المرأة، وحينئذٍ فهذا الرَّجُلُ قد زنى (٣)، ونسب إباحةَ ذَلِكَ إلى النَّبيِّ ﷺ (٤)، وهذا كفرٌ وردَّة عن الدِّين. وفي " صحيح مسلم " (٥): أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمر علياً بقتل القبطي الذي كان يدخل على أمِّ ولده مارية، وكان الناسُ يتحدثون بذلك، فلما وجده عليٌّ مجبوباً تركه. وقد حمله بعضُهم على أنَّ القبطيَّ لم يكن أسلمَ بعدُ، وأنَّ المعاهَدَ إذا فعل ما يُؤذي المسلمين انتقض عهدُه، فكيف إذا آذى النَّبيَّ ﷺ ؟ وقال بعضهم: بل كان مسلماً، ولكنَّه نُهي عن ذلك فلم ينته، حتَّى تكلَّم الناسُ بسببه في فراش النَّبيِّ ﷺ ، وأذى النَّبيِّ ﷺ في فراشه (٦) مبيحٌ للدم، لكن لما ظهرت براءتُه بالعيان، تبيَّن للناس براءةُ مارية، فزال السببُ المبيح للقتل (٧).

стр. 308

وقد رُوي عن الإمام أحمد: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان له أنْ يَقْتُلَ بغير هذه الأسباب الثلاثة التي في حديث ابن مسعود، وغَيْرُهُ ليس له ذلك، كأنَّه يُشير إلى أنَّه ﷺ كان له أنْ يُعَزِّرَ بالقتل إذا رأى ذلك مصلحةً؛ لأنَّه ﷺ معصوم من التعدِّي والحَيْفِ، وأما غيرُه فليس لهُ ذَلِكَ؛ لأنَّه غير مأمون عليهِ التعدِّي بالهوى. قالَ أبو داود: سمعتُ أحمد سُئِلَ عن حديث أبي بكر ما كانت لأحدٍ بعد النَّبيِّ ﷺ ، قال: لم يكن لأبي بكر أنْ يقتل رجلاً إلا بإحدى ثلاثٍ (١)، والنَّبيُّ ﷺ كان له ذَلِكَ أنْ يقتل، وحديث أبي بكر المشار إليه هو أنَّ رجلاً كلم أبا بكر فأغلظ له، فقال له أبو برزة: ألا أقتلُه يا خليفةَ رسولِ الله؟ فقال أبو بكر: ما كانت لأحدٍ بعدَ النَّبيِّ ﷺ (٢). وعلى هذا يتخرَّجُ حديثُ الأمرِ بقتل هذا القبطي، ويتخرَّجُ عليه أيضاً حديثُ الأمر بقتل السارق إنْ كان صحيحاً، فإنَّ فيه أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمر بقتله في أوَّلِ مرةٍ، فراجعوه فيه فقطعه، ثم فعل ذلك أربع مرات وهو يأمر بقتله، فيُراجع فيه، فيُقطع حتَّى قُطعت أطرافُه الأربع، ثمَّ قتل في الخامسة، والله تعالى أعلم (٣).

стр. 309

الحديث الخامس عشر عَنْ أبي هُرَيرةَ ﵁ عن رَسول اللهِ ﷺ قالَ: «مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بالله واليَومِ الآخرِ، فَلْيَقُلْ خَيراً أَوْ لِيَصْمُتْ، ومَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بالله واليَوْمِ الآخِرِ، فَليُكْرِمْ جَارَهُ، ومَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ واليَومِ الآخرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ» رواه البخاريُّ ومُسلمٌ (١). هذا الحديث خرَّجاه من طُرُقٍ عن أبي هريرة، وفي بعض ألفاظها: «فلا يؤذ جاره» وفي بعض ألفاظها: «فليُحسن قِرى ضيفِه»، وفي بعضها: «فليَصِلْ رحمه» بدل ذكر الجار. وخرَّجاه أيضاً بمعناه من حديث أبي شريح الخزاعي، عن النَّبيِّ ﷺ (٢). وقد رُوي هذا الحديثُ عن النَّبيِّ ﷺ من حديث عائشة (٣) وابن مسعود (٤) وعبد الله بن عمرو (٥)،

стр. 310

وأبي أيوب الأنصاري (١) وابن عباس (٢) وغيرهم مِنَ الصَّحابة. فقوله ﷺ : «مَنْ كان يؤمِنُ باللهِ واليوم الآخر» فليفعل كذا وكذا، يدلُّ على أنَّ هذه الخصال مِنْ خصال الإيمان، وقد سبق أنَّ الأعمال تدخلُ في الإيمان، وقد فسَّر النَّبيُّ ﷺ الإيمان بالصبر والسماحة (٣)، قال الحسن: المراد (٤): الصبر عن المعاصي، والسماحة بالطَّاعة (٥). وأعمال الإيمان تارة تتعلَّق بحقوق الله، كأداءِ الواجبات وترك المحرَّمات، ومِنْ ذلك قولُ الخير، والصمتُ عن غيره. وتارةً تتعلق بحقوق عبادِه كإكرامِ الضيف، وإكرامِ الجارِ، والكفِّ عن أذاه، فهذه ثلاثة أشياء يؤمر بها المؤمن: أحدها: قولُ الخير والصمت عما سواه، وقد روى الطبراني من حديث أسودَ بنِ أصرم المحاربي، قال: قلت: يا رسول الله أوصني، قال: «هل تملك لسانكَ؟» قلت: ما أملك إذا لم أملك لساني؟ قال: «فهل تملك يدك؟» قلت: فما أملك إذا لم أملك يدي؟ قال: «فلا تَقُلْ بلسانك إلا معروفاً، ولا تبسُط يدَك إلاَّ إلى خير» (٦). وقد ورد أنَّ استقامة اللسانِ من خصالِ الإيمان، كما في " المسند " (٧)

стр. 311

عن أنس (١)، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «لا يَستَقيمُ إيمانُ عبدٍ حتَّى يستقيمَ قلبُه، ولا يستقيم قلبُه حتَّى يستقيمَ لسانُه». وخرَّج الطبراني (٢) من حديث أنسٍ (٣)، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «لا يَبْلُغُ عبدٌ حقيقةَ الإيمانِ حتَّى يَخْزِنَ من لسانه»، وخرَّج الطبراني (٤) من حديث معاذ بن جبل، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «إنَّكَ لن تزالَ سالماً ما سكتَّ، فإذا تكلَّمتَ، كُتِبَ لك أو عليك». وفي " مسند الإمام أحمد " (٥)، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «من صمت نجا». وفي " الصحيحين " (٦) عن أبي هُريرة، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «إنَّ الرَّجُلَ لَيَتكلَّمُ بالكلمة ما يتبيَّنُ ما فيها، يزِلُّ بها في النَّارِ أبعدَ ما بين المشرقِ والمغرب». وخرَّج الإمامُ أحمد، والترمذي (٧) من حديث أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ قال:

стр. 312

«إنَّ الرجلَ ليتكلَّمُ بالكلمةِ لا يرى بها بأساً يهوي بها سبعين خريفاً في النار» (١). وفي " صحيح البخاري " (٢) عن أبي هُريرة ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قال (٣): «إنَّ الرَّجُلَ ليتكلمُ بالكلمةِ مِنْ رضوان الله لا يُلقي لها بالاً يرفعه الله بها درجاتٍ، وإنَّ العبدَ ليتكلم بالكلمة من سَخَطِ الله لا يُلقي لها بالاً يهوي بها في جهنَّم». وخرَّج الإمام أحمد (٤) من حديث سليمان بن سُحيم، عن أمِّه، قالت: سمعتُ النَّبيَّ ﷺ يقولُ: «إنَّ الرجلَ ليدنو من الجنة حتَّى ما يكونَ بينه وبينَها إلا ذراعٌ فيتكلم بالكلمة، فيتباعد منها أبعدَ مِن صنعاء». وخرَّج الإمام أحمد، والترمذي، والنَّسائي من حديث بلالِ بنِ الحارث قال: سمعتُ النَّبيَّ ﷺ يقول: «إنَّ أحدكم ليتكلَّمُ بالكلمة مِن رضوان الله ما يَظُنُّ أنْ تَبْلُغ ما بلغت، فيكتب الله له بها رضوانَه إلى يوم يلقاه، وإنَّ أحدَكُم ليتكلَّمُ بالكلمة من سخط الله ما يظنُّ أنْ تَبْلُغَ ما بلغت، فيكتب الله عليه بها سَخطه إلى يوم يلقاه» (٥).

стр. 313

وقد ذكرنا فيما سبق حديثَ أمِّ حبيبة، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «كلامُ ابنِ آدم عليه لا له، إلا الأمرَ بالمعروف، والنهيَ عن المنكر، وذكر الله » (١). فقوله ﷺ : «فليقل خيراً أو ليصمُت» أمر بقول الخير، وبالصمت عمَّا عداه، وهذا يدلُّ على أنَّه ليس هناك كلام يستوي قولُه والصمت عنه، بل إمَّا أنْ يكون خيراً، فيكون مأموراً بقوله، وإمَّا أنْ يكون غير خير، فيكون مأموراً بالصمت عنه، وحديث معاذ وأم حبيبة يدلان على هذا. وخرَّج ابنُ أبي الدنيا حديث معاذ بن جبل ولفظه: إنَّ النَّبيَّ ﷺ قال له : «يا مُعاذُ ثكلتك أُمُّكَ وهَلْ تقول شيئاً إلاَّ وهو لك أو عليك» (٢). وقد قال الله تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (٣) وقد أجمع السَّلفُ الصَّالحُ على أنَّ الذي عن يمينه يكتُبُ الحسناتِ، والذي عن شِماله يكتبُ السيئات، وقد رُوي ذلك مرفوعاً من حديث أبي أمامة بإسناد ضعيف (٤). وفي " الصحيح " (٥) عن النَّبيِّ ﷺ : «إذا كان أحدُكُم يُصَلِّي، فإنَّه يُناجي

стр. 314

ربَّه والملك عن يمينه (١)». ورُوي من حديث حُذيفة مرفوعاً: «إنَّ عن يمينه كاتب الحسنات» (٢). واختلفوا: هل يكتب كلَّ ما تكلَّم به، أو لا يكتب إلا ما فيه ثواب أو عِقاب؟ على قولين مشهورين. وقال عليُّ بنُ أبي طلحة، عن ابن عباس: يكتب كل ما تكلم به من خيرٍ أو شرٍّ حتى إنَّه ليكتب قوله: أكلتُ وشربتُ وذهبتُ وجئتُ، حتّى إذا كان يوم الخميسِ عُرِضَ قوله وعمله فأقرَّ ما كان فيه من خير أو شرٍّ (٣)، وألقي سائره، فذلك قولُه تعالى: ﴿يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (٤). وعن يحيى بن أبي كثير، قال: ركب رجل الحمارَ، فعثر به، فقال: تَعِسَ الحمارُ، فقال صاحب اليمين: ما هي حسنة أكتبها، وقال صاحبُ الشمال: ما هي من السيئات فأكتبها، فأوحى الله إلى صاحب الشمال: ما ترك صاحبُ اليمين من شيء، فاكتبهُ، فأثبت في السيئات: «تَعِسَ الحمارُ» (٥). وظاهر هذا أنَّ ما ليس بحسنةٍ فهو سيئة، وإنْ كان لا يُعاقب عليها، فإنَّ بعضَ السيئات قد لا يُعاقب عليها (٦)، وقد تقع مكفرةً باجتناب الكبائر، ولكن زمانها قد خسره صاحبُها حيث ذهب باطلاً، فيحصل له بذلك حسرةٌ في القيامة وأسف عليه، وهو نوعُ عقوبة. وخرَّج الإمامُ أحمد وأبو داود والنسائي من حديث أبي هُريرة، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «مَا مِنْ قوم يقومون مِنْ مجلس لا يذكُرون الله فيه، إلاَّ قاموا عن مثلِ جِيفة حمار، وكان لهم حسرة» (٧).

стр. 315

وخرَّجه الترمذي (١) ولفظه: «ما جلسَ قوم مجلساً لم يذكروا الله فيه، ولم يُصَلُّوا على نبيهم، إلاَّ كان عليهم تِرَة (٢)، فإنْ شاء عذبهم، وإنْ شاء غفر لهم». وفي رواية لأبي داود والنَّسائي: «من قَعَدَ مقعداً لم يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة، ومن اضطجع مضطجعاً لم يذكر الله فيه، كانت عليه من الله ترة» زاد النَّسائي: «ومَنْ قام مقاماً لم يذكر الله فيه، كانت عليه من اللهِ تِرة» (٣). وخرَّج أيضاً من حديث أبي سعيدٍ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «ما مِنْ قوم يجلسون مجلساً لا يذكُرونَ الله فيه إلا كانت عليهم حسرةً يوم القيامة، وإنْ دخلوا الجنَّة» (٤). وقال مجاهد: ما جلس قومٌ مجلساً، فتفرَّقوا قبل أنْ يذكُرُوا الله، إلا تفرَّقوا عن أنتنِ من ريح الجيفة، وكان مجلسُهم يَشهدُ عليهم بغفلتهم، وما جلس قومٌ مجلساً، فذكروا الله قبل أنْ يتفرَّقوا، إلاَّ تفرَّقوا عن أطيب من ريحِ المسك، وكان مجلسهم يشهدُ لهم بذكرهم.

стр. 316

وقال بعضُ السَّلف: يعرض على ابن آدم يوم القيامة ساعاتُ عمره، فكلُّ ساعة تمرُّ بابنِ آدمَ (١) لم يذكر الله فيها تتقطَّعُ نفسه عليها (٢) حسراتٍ. وخرَّجه الطبراني (٣) من حديث عائشة مرفوعاً: «ما مِنْ ساعة تمرُّ بابن آدم لم يذكرِ الله فيها بخيرٍ، إلا حسرَ عندَها يومَ القيامةِ». فمن هنا يعلم أنَّ ما ليس بخيرٍ مِنَ الكلامِ، فالسُّكوتُ عنه أفضلُ من التكلم به، اللَّهمَّ إلا ما تدعو إليه الحاجةُ مما لابدَّ منه. وقد روي عن ابن مسعود قال: إيَّاكم وفضولَ الكلام، حسبُ امرئ ما بلغ حاجته (٤)، وعن النَّخعي قال: يَهلِكُ الناسُ في فضول المال والكلام. وأيضاً فإنَّ الإكثارَ من الكلام الذي لا حاجة إليه يوجبُ قساوةَ القلب كما في " الترمذي " (٥) من حديث ابن عمر مرفوعاً: «لا تُكثِرُوا الكلامَ بغيرِ ذكر الله، فإنَّ كثرةَ الكلامِ بغيرِ ذكرِ الله يُقسِّي القلب، وإنَّ أبعدَ الناس عن الله القلبُ القاسي». وقال عمر: مَنْ كَثُرَ كلامُه، كَثُرَ سَقَطُهُ، ومَنْ كَثُرَ سَقَطُه، كَثُرَتْ ذُنوبهُ، ومَن كَثُرَتْ ذنوبُه، كانت النارُ أولى به (٦). وخرَّجه العقيلي من حديث ابن عمر مرفوعاً بإسنادٍ ضعيفٍ (٧). وقال محمد بن عجلان: إنَّما الكلام أربعة: أنْ تذْكُرَ الله، وتقرأ القرآن، وتسأل عن علم فتخبر به، أو تكلَّم فيما يعنيك من أمر دنياك.

стр. 317

وقال رجل لسلمان: أوصني، قال: لا تكلَّم، قال: ما يستطيعُ من عاش في الناس أنْ لا يتكلم، قال: فإنْ تكلَّمت، فتكلم بحقٍّ أو اسكُت (١). وكان أبو بكر الصديق ﵁ يأخذ بلسانه ويقول: هذا أوردني الموارد (٢). وقال ابن مسعود: والله الذي (٣) لا إله إلا هو، ما على الأرض أحقُّ بطول سجنٍ مِنَ اللِّسانِ (٤). وقال وهب بن منبه: أجمعت الحكماءُ على أنَّ رأسَ الحكمِ الصمتُ (٥). وقال شميط بن عجلان: يا ابن آدم، إنَّك ما سكتَّ، فأنت سالمٌ، فإذا تكلمت، فخذ حِذرَك، إمَّا لك وإمَّا عليك (٦). وهذا بابٌ يطول استقصاؤه. والمقصود أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمر بالكلام بالخير، والسُّكوتِ عمَّا ليس بخيرٍ، وخرَّج الإمام أحمدُ وابنُ حبان (٧) من حديث البراء بن عازب: أنَّ رجلاً قال: يا رسولَ الله، علمني عملاً يُدخلُني الجنَّة، فذكر الحديثَ، وفيه قال: «فأطعم الجائع، واسقِ الظمآن، وأْمُر بالمعروف، وانْهَ عَنِ المُنكر، واسكت عن الشَّرِ (٨)، فإنْ لم تُطِقْ ذلك، فكفَّ لسانك إلاَّ مِن خيرٍ» (٩).

стр. 318

فليس الكلامُ مأموراً به على الإطلاق، ولا السُّكوتُ كذلك، بل لابدَّ منَ الكلامِ بالخير، والسكوت عنِ الشرِّ، وكان السَّلفُ (١) كثيراً يمدحُون الصَّمتَ عن الشَّرِّ، وعمَّا لا يعني؛ لِشِدَّته على النفس، ولذلك يقع فيه النَّاسُ كثيراً، فكانوا يُعالجون أنفسهم، ويُجاهدونها على السكوت عما لا يعنيهم. قال الفضيلُ بن عياض: ما حجٌّ ولا رِباطٌ ولا جهادٌ أشدَّ مِنْ حبس اللسان، ولو أصبحت يهمُّكَ لسانُك، أصبحتَ في غمٍّ شديد، وقال: سجنُ اللسان سجنُ المؤمن، ولو أصبحت يهمُّك لسانُك، أصبحت في غمٍّ شديد (٢). وسئلَ ابنُ المبارك عن قولِ لقمان لابنه: إنَّ كان الكلامُ من فضَّةٍ، فإنَّ الصَّمتَ من ذهبٍ، فقال: معناه: لو كان الكلامُ بطاعة الله من فضة، فإنَّ الصَّمتَ عن معصيةِ الله من ذهبٍ (٣). وهذا يرجعُ إلى أنَّ الكفَّ عن المعاصي أفضلُ من عمل الطاعات، وقد سبق القولُ في هذا مستوفى. وتذاكروا عندَ الأحنفِ بنِ قيس، أيُّما أفضل الصمتُ أو النطقُ؟ فقالَ قوم: الصمتُ أفضلُ، فقالَ الأحنفُ: النطقُ أفضل؛ لأنَّ فضلَ (٤) الصمت لا يعدو صاحبَه، والمنطق الحسن ينتفع به مَنْ سَمِعَهُ (٥). وقال رجلٌ من العلماء عند عمرَ بنِ عبد العزيز ﵀: الصَّامت على علمٍ

стр. 319

كالمتكلم على علمٍ، فقال عمر: إنِّي لأرجو أنْ يكونَ المتكلمُ على علم أفضلهما يوم القيامة حالاً، وذلك أنَّ منفعته للناس، وهذا صمتُه لنفسه، فقال له: يا أمير المؤمنين وكيف بفتنة المنطق (١)؟ فبكى عمرُ عند ذلك (٢) بكاءً شديداً. ولقد خطب عمر بن عبد العزيز يوماً فرقَّ الناسُ وبكَوا، فقطع خطبته، فقيل له: لو أتممتَ كلامك رجونا أنْ ينفعَ الله به، فقال عمر: إنَّ القولَ فتنة والفعل أولى بالمؤمن من القول. وكنت من مدَّةٍ طويلةٍ قد رأيتُ في المنام (٣) أميرَ المؤمنين عمرَ بنَ عبد العزيز ﵁، وسمعته يتكلَّمُ في هذه المسألة، وأظنُّ أنِّي فاوضتُه فيها، وفهمتُ من كلامِه أنَّ التكلُّم بالخير أفضلُ من السُّكوتِ، وأظُنُّ أنَّه وقع في أثناء الكلام ذكرُ سليمان ابن عبد الملك، وأنَّ عمر قال ذلك له، وقد رُويَ عن سليمانَ بن عبد الملك أنَّه قال: الصمت منامُ العقل، والمنطقُ يَقظَتُهُ (٤)، ولا يتمُّ حالٌ إلا بحالٍ، يعني: لابدَّ من الصَّمت والكلام. وما أحسنَ ما قال عُبيدُ الله بن أبي جعفر فقيه أهل مصر في وقته، وكان أحدَ الحكماء: إذا كان المرءُ يحدِّث في مجلسٍ، فأعجبه الحديثُ فليسكتْ، وإذا كان ساكتاً، فأعجبه السكوتُ، فليُحدِّث (٥)، وهذا حسنٌ فإنَّ من كان كذلك، كان سكوتُه وحديثُه لمخالفة هواه وإعجابه بنفسه، ومن كان كذلك، كان جديراً بتوفيق الله إيَّاه وتسديده في نطقه وسكوته؛ لأنَّ كلامَه وسكوتَه يكونُ لله . وفي مراسيل الحسن، عن النَّبيِّ ﷺ فيما يرويه عن ربِّه قالَ: «علامة الطُّهر أنْ يكونَ قلبُ العبد عندي معلَّقاً، فإذا كانَ كذلك لم ينسني على حال، وإذا كانَ كذلك مننتُ عليهِ بالاشتغال بي كي لا ينساني، فإذا نسيني حرَّكتُ قلبهُ، فإنْ تكلّم،

стр. 320

تكلّم لي، وإن سكتَ، سكتَ لي، فذلك الذي تأتيه المعونةُ من عندي» خرَّجه إبراهيمُ بنُ الجنيد. وبكلِّ حالٍ، فالتزامُ الصمت مطلقاً، واعتقاده قربة إمَّا مطلقاً، أو في بعض العبادات، كالحجِّ والاعتكاف والصيام منهيٌّ عنه. ورُوي من حديث أبي هريرة عن النَّبيِّ ﷺ : أنَّه نهى عن صيامِ الصَّمت (١). وخرَّج الإسماعيلي من حديث عليٍّ قال: نهانا رسولُ الله ﷺ عن الصمت في العُكوفِ، وفي " سنن أبي داود " (٢) من حديث عليٍّ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «لا صُماتَ يَومٍ إلى الليلِ». وقال أبو بكر الصديق ﵁ لامرأة حَجَّتْ مُصمتَةً: إنَّ هذا لا يَحلُّ هذا من عمل الجاهلية (٣). وروي عن عليِّ بنِ الحسين زين العابدين أنَّه قال: صومُ الصَّمْتِ حرام (٤). الثاني مما أمر به النَّبيُّ ﷺ في هذا الحديث المؤمنين: إكرامُ الجار، وفي بعض الرِّوايات: «النهي عن أذى الجار» فأمَّا أذى الجار، فمحرَّمٌ، فإنَّ الأذى بغيرِ حقٍّ محرَّمٌ لكلِّ أحدٍ، ولكن في حقِّ الجار هو أشدُّ تحريماً، وفي " الصحيحين " (٥) عن ابن مسعودٍ،

стр. 321

عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه سُئِلَ: أيُّ الذَّنبِ أعظمُ؟ قالَ: «أنْ تجعل للهِ ندَّاً وهو خلقك»، قيل: ثُمَّ أي؟ قالَ: «أنْ تقتُلَ ولدَكَ مخافة أنْ يَطْعَمَ معك»، قيل: ثُمَّ أي؟ قال: «أن تُزَانِي حليلةَ جارك». وفي " مسند الإمام أحمد " (١) عن المقداد بنِ الأسود قال: قال رسول الله ﷺ : «ما تقولون في الزنى؟» قالوا: حرام حرَّمه الله ورسوله، فهو حرامٌ إلى يوم القيامة، فقال رسول الله ﷺ : «لأنْ يزني الرَّجلُ بعشرِ نسوةٍ أيسرُ عليه من أنْ يزنيَ بامرأةِ جاره»، قال: «فما تقولون في السَّرقة؟» قالوا: حرَّمها الله ورسوله، فهي حرام، قال: «لأنْ يَسرِقَ الرجلُ من عشرة أبياتٍ أيسرُ عليه من أنْ يسرق من جاره». وفي " صحيح البخاري " (٢) عن أبي شُريح، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «والله لا يُؤْمِنُ، والله لا يُؤْمِنُ، واللهِ لا يؤمنُ» قيل: وَمَنْ يا رسولَ الله؟ قالَ: «مَنْ لا يأْمَنُ جارهُ بوائِقَهُ». وخرَّجه الإمامُ أحمد (٣)، وغيره من حديث أبي هُريرة. وفي " صحيح مسلم " (٤) عن أبي هُريرة، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «لا يَدخُلُ الجنَّة مَنْ لا يَأْمَنُ جارُه بوائقهُ». وخرَّج الإمامُ أحمد، والحاكم من حديث أبي هُريرة، قال: قيلَ: يا رسولَ الله إنَّ فُلانةَ تُصلي الليلَ، وتصومُ النهار وفي لسانها شيءٌ تؤذي جيرانها سليطة، قال:

стр. 322

«لا خير فيها، هي في النار»، وقيل له: إنَّ فلانة تُصلي المكتوبةَ، وتصومُ رمضانَ، وتتصدَّقُ بالأثوارِ، وليس لها شيء غيره، ولا تؤذي أحداً، قال: «هي في الجنة» ولفظ الإمام أحمد: «ولا تؤذي بلسانها جيرانها» (١). وخرَّج الحاكمُ (٢) من حديث أبي جُحيفة قال: جاء رجلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ يشكو جارَه، فقال له: «اطرح متاعَك في الطَّريق»، قال: فجعل النَّاسُ يمرُّون به فيلعنونه، فجاء إلى النَّبيِّ ﷺ ، فقال: يا رسولَ الله، ما لقيتُ من الناس، قال : «وما لقيتَ منهم؟» قال: يلعنوني، قال: «فقد لعنك الله قبلَ النَّاسِ»، قال: يا رسولَ الله، فإني لا أعود. وخرَّجه أبو داود (٣) بمعناه من حديث أبي هريرة، ولم يذكر فيه: «فقد لعنك الله قبل الناس». وخرَّج الخرائطي من حديث أمِّ سلمة، قالت: دخلت شاةٌ لجارٍ لنا، فأخذت قرصةً لنا، فقمت إليها فاجتذبتها من بين لحْيَيْهَا، فقال رسول الله ﷺ : «إنَّه لا قليلَ من أذى الجار» (٤). وأمَّا إكرامُ الجارِ والإحسانُ إليه، فمأمورٌ به، وقد قال الله : ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ

стр. 323

وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً﴾ (١)، فجمع الله تعالى في هذه الآية بين ذكرِ حقِّه على العبد وحقوقِ العباد على العبد أيضاً، وجعل العبادَ الذين أمرَ بالإحسّان إليهم خمسة أنواع: أحدها: من بينَه وبينَ الإنسان قرابةٌ، وخصَّ منهمُ الوالدين بالذِّكر؛ لامتيازهما عن سائر الأقارب بما لا يَشْرَكونهما فيه، فإنَّهما كانا السببَ في وجود الولد ولهما حقُّ التربية والتأديب وغير ذلك. الثاني: مَنْ هو ضعيفٌ محتاجٌ إلى الإحسَّان، وهو نوعان: من هو محتاج لضعف بدنه، وهو اليتيم، ومن هو محتاج لِقِلَّةِ ماله، وهو المسكين. والثالث: مَنْ له حقُّ القُرب والمخالطة، وجعلهم ثلاثة أنواع: جارٌ ذو قربى، وجار جُنبٌ، وصاحبٌ بالجنب. وقد اختلف المفسرون في تأويل ذلك، فمنهم مَن قال: الجارُ ذو القربى: الجارُ الذي له قرابةٌ، والجارُ الجُنب: الأجنبيُّ (٢)، ومنهم من أدخل (٣) المرأةَ في الجارِ ذي القربى، ومنهم من أدخلها في الجار الجُنب (٤)، ومنهم من أدخل الرَّفيقَ في السَّفر في الجارِ الجُنب (٥)، وقد روي عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه كان يقول في دعائه: «أعوذُ بكَ من جارِ السُّوءِ في دار الإقامة، فإنَّ جار البادية يتحوَّلُ» (٦). ومنهم من قال: الجارُ ذو القربى: الجار المسلم، والجارُ الجنب: الكافر

стр. 324

(١)، وفي " مسند البزار " (٢) من حديث جابر مرفوعاً: «الجيرانُ ثلاثةٌ: جارٌ له حقٌّ واحدٌ، وهو أدنى الجيران حقاً (٣)، وجارٌ له حَقَّان، وجار له ثلاثةُ حقوق وهو أفضلُ الجيران حقاً، فأمَّا الذي له حقٌّ واحدٌ، فجارٌ مشرك، لا رَحِمَ له، له حقُّ الجوار، وأمَّا الذي له حقَّان، فجارٌ مسلمٌ، له حقُّ الإسلام وحقُّ الجوار، وأمَّا الذي له ثلاثةُ حقوقٍ، فجار مسلمٌ ذو رحم، له حقُّ الإسلام، وحقُّ الجوار، وحقُّ الرحم». وقد روي هذا الحديثُ من وجوه أُخر متصلة ومرسلة (٤)، ولا تخلو كلُّها مِنْ مقالٍ. وقيل: الجار ذو القربى: هو القريبُ الملاصق، والجار الجُنُب: البعيد الجوار (٥). وفي " صحيح البخاري " (٦) عن عائشة، قالت: قلت: يا رسولَ الله، إنَّ لي جارين، فإلى أيهما أُهدي؟ قال: «إلى أقربهما منك باباً». وقال طائفة من السَّلف: حَدُّ الجوارِ أربعون داراً، وقيل: مستدار أربعين داراً من كلِّ جانب (٧).

стр. 325

وفي مراسيل الزهري (١): أنَّ رجلاً أتى النَّبيَّ ﷺ يشكو جاراً له، فأمر النَّبيُّ ﷺ بعضَ أصحابه (٢) أنْ يُنادي: «ألا إنَّ أربعين داراً جار». قال الزهري (٣): أربعونَ هكذا، وأربعون هكذا، وأربعون هكذا، وأربعون هكذا، يعني: بين يديه، ومِن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله (٤). وسئل الإمام أحمد عمَّن يطبخ قدراً (٥) وهو في دارِ السبيل، ومعه في الدار نحو ثلاثين أو أربعين نفساً، يعني: أنَّهم سكان معه في الدار، فقال: يبدأ بنفسه، وبمن يعولُ، فإنْ فضلَ فضلٌ أعطى الأقرب إليه، وكيف يُمكنه أنْ يُعطِيَهم كلَّهم؟ قيل له: لعلَّ الذي هو جاره يتهاون بذلك القدر ليس له عنده موقع؟ فرأى أنَّه لا يبعث إليه (٦). وأمَّا الصَّاحبُ بالجنب، ففسره طائفةٌ بالزَّوجة (٧)، وفسره طائفةٌ منهم: ابن عباس بالرَّفيق في السفر (٨)، ولم يريدوا إخراجَ الصاحب الملازم في الحضر إنَّما أرادوا أنَّ صحبة السفر تكفي، فالصحبة الدائمة في الحضر أولى، ولهذا قالَ سعيدُ بن جبير: هوَ الرفيق الصالحُ (٩)، وقال زيدُ بن أسلم: هوَ جليسُك في الحضر، ورفيقُك في السَّفر (١٠)، وقال ابنُ زيدٍ: هوَ الرَّجلُ يعتريك

стр. 326

ويُلِمُّ بك لتنفعه (١). وفي " المسند " والترمذي عن عبد الله بنِ عمرو بن العاص، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «خيرُ الأصحابِ عندَ الله خيرُهُم لصاحبه، وخير الجيرانِ عندَ الله خيرُهم لجاره» (٢). الرابع: من هو واردٌ على الإنسان، غيرُ مقيم عندَه، وهو ابن السبيل يعني: المسافر إذا ورد إلى بلدٍ آخر (٣)، وفسَّره بعضُهم بالضَّيف، يعني: به ابنَ السبيل إذا نزل ضيفاً (٤) على أحد (٥). والخامس: ملكُ اليمين، وقد وصَّى النَّبيُّ ﷺ بهم كثيراً وأمر بالإحسانِ إليهم، وروي أنَّ آخرَ ما وصَّى به عند موته: «الصلاة وما ملكت أيمانكم» (٦)، وأدخل بعضُ السَّلف في

стр. 327

هذه الآية: ما يملكُهُ الإنسان من الحيوانات والبهائم (١). ولنرجع إلى شرح (٢) حديث أبي هريرة في إكرام الجار، وفي "الصحيحين" (٣) عن عائشة وابن عمر، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «ما زال جبريل يُوصيني بالجارِ حتَّى ظننتُ أنَّه سيورِّثُه». فمن أنواع الإحسَّان إلى الجارِ مواساتُه عندَ حاجته، وفي " المسند " (٤) عن عمر، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «لا يَشْبَعُ المؤمنُ دُونَ جارِه»، وخرَّج الحاكم من حديث ابنِ عباس عنِ النَّبيِّ ﷺ قال: «لَيْسَ المؤمن الذي يشبعُ وجارُه جائعٌ» (٥)، وفي رواية أخرى عن ابن عباس، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «ما آمن مَنْ بات شبعاناً وجارُهُ طاوياً» (٦). وفي " المسند " (٧) عن عقبة بن عامر، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «أوَّل خصمينِ يومَ القيامةِ جاران». وفي كتاب " الأدب " (٨)

стр. 328

للبخاري عن ابن عمر، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «كم من جارٍ متعلِّقٌ بجاره يوم القيامة، فيقول: يا ربِّ هذا أغلقَ بابه دوني فمنع معروفه». وخرَّج الخرائطي (١) وغيرُه بإسنادٍ ضعيف من حديث عطاءٍ الخراساني، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن، جدِّه عن النَّبيِّ ﷺ : «من أغلقَ بابَه دونَ جارِه مخافةً على أهله ومالِه، فليس ذلك بمؤمنٍ، وليس بمؤمن من لم يأمنْ جارُه بوائقه. أتدري ما حقُّ الجار؟ إذا استعانك أعنته، وإذا استقرضك أقرضته، وإذا افتقر، عُدْتَ عليهِ، وإذا مَرِضَ عُدته، وإذا أصابه خير هنأته، وإذا أصابته مُصيبةٌ عزَّيته، وإذا ماتَ اتبعتَ جنازته، ولا تستطل عليه بالبناء، فتحجبَ عنه الرِّيح إلا بإذنه، ولا تؤذيه بقُتار قدرك إلاَّ أنْ تَغرفَ له منها، وإنِ اشتريتَ فاكهةً، فاهد له، فإنْ لم تفعل، فأدخلها سرَّاً، ولا يخرج بها ولدُك ليغيظَ بها ولدَه» ورَفْعُ هذا الكلام مُنكرٌ، ولعلَّه من تفسير عطاء الخراساني. وقد روي أيضاً عن عطاء، عن الحسن، عن جابر مرفوعاً: «أدنى حقِّ الجوار أنْ لا تُؤذي جارَك بقتارِ قِدْرِك إلاَّ أنْ تَقدَحَ له منها» (٢). وفي " صحيح مسلم " (٣) عن أبي ذرٍّ قال: «أوصاني خليلي ﷺ : إذا طبختَ مرقاً، فأكثِر ماءهُ، ثم انظُر إلى أهلِ (٤) بيتِ جيرانِك،

стр. 329

فأصِبْهُم منها بمعروفٍ». وفي رواية أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «يا أبا ذرٍّ إذا طبخت مرقةً (١)، فأكثِر ماءها، وتعاهد جيرانَك». وفي " المسند " والترمذي (٢) عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أنَّه ذبح شاةً، فقال: هل أهديتُم منها لجارنا اليهودي ثلاثَ مرَّات، ثم قال: سمعتُ النَّبيَّ ﷺ يقول: «ما زال جبريلُ يوصيني بالجار حتَّى ظننت أنه سَيُورِّثُه». وفي " الصحيحين " (٣) عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «لا يَمنَعَنَّ أحدُكم جَارَه أن يَغْرِزَ خَشبَةً في جداره»، ثم يقول أبو هريرة: مالي أراكم عنها مُعرِضين، والله لأرمِيَنَّ بها بين أكتافكم. ومذهبُ الإمامِ أحمد أنَّ الجار يلزمه أنْ يُمَكِّنَ جاره من وضع خشبه على جداره إذا احتاجَ الجارُ إلى ذلك ولم يضرَّ بجداره، لهذا الحديث الصحيح، وظاهرُ كلامه أنَّه يجب عليه أنْ يُواسِيهَ من فضل ما عندَه بما لا يضرُّ به إذا علم حاجته (٤). قال المروذي: قلتُ لأبي عبد الله: إني أسمع السائل في الطريق يقول: إنِّي جائع، فقال: قد يَصدُق وقد يَكذِبُ. قلت: فإذا كان لي جار أعلم أنَّه يجوعُ؟ قال: تواسيه، قلت: إذا كان قوتي رغيفين؟ قال: تُطعمه شيئاً، ثم قال: الذي جاء في الحديث إنَّما هو الجارُ.

стр. 330

وقال المروذي: قلتُ لأبي عبد الله: الأغنياءُ يجبُ عليهمُ المواساة؟ قال: إذا كان قوم يضعون شيئاً على شيءٍ كيف لا يجبُ عليهم، قلت: إذا كان للرجل قميصان، أو قلت: جُبَّتان، يجب عليه المواساة؟ قال: إذا كان يحتاج إلى أنْ يكون فضلاً. وهذا نصٌّ منه في وجوب المواساة من الفاضل، ولم يخصَّه بالجار، ونصُّه الأوَّل (١) يقتضي اختصاصه بالجار. وقال في رواية ابن هانئ في السُّؤال يكذِبُون أحبُّ إلينا لو صدقوا ما وَسِعَنا إلا مواساتُهم، وهذا يدلُّ على وجوب مواساة الجائع مِنَ الجيران، وغيرهم. وفي " الصحيح " عن أبي موسى، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «أطعِموا الجائع، وعُودُوا المريضَ، وفُكُّوا العاني» (٢). وفي " المسند " و" صحيح الحاكم " عن ابن عمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال : «أيُّما أهل عَرَصةٍ أصبحَ فيهم امرؤٌ جائع، فقد برئت منهم ذِمَّةُ الله » (٣). ومذهب أحمدَ ومالكٍ أنَّه يمنع الجار أنْ يتصرَّف في خاصِّ ملكه بما يضرُّ بجاره، فيجبُ عندهما كفُّ الأذى عن الجار بمنعِ إحداث الانتفاع المضرِّ به، ولو كان المنتفعُ إنَّما ينتفعُ (٤) بخاصِّ ملكه، ويجب عندَ أحمد أنْ يبذُلَ لجاره ما يحتاجُ إليه، ولا ضررَ عليه في بَذله (٥)، وأعلى مِنْ هذين أنْ يصبر على أذى جاره، ولا يُقابله بالأذى.

стр. 331

قال الحسن: ليس حسنُ الجوار كفَّ الأذى، ولكن حسن الجوار احتمالُ الأذى، ويُروى من حديث أبي ذرٍّ يرفعه: «إنَّ الله يحبُّ الرَّجل يكونُ له الجارُ يؤذيه جِوارُه، فيصبر على أذاه حتى يُفرِّقَ بينهما موتٌ أو ظعنٌ» خرَّجه الإمام أحمد (١). وفي مراسيل أبي عبد الرحمان الحبلي: أنَّ رجلاً جاء إلى النَّبيِّ ﷺ يشكو إليه جارَه، فقال النَّبيُّ ﷺ : «كفَّ أذاكَ عنه، واصبِرْ لأذاه، فكفى بالموت مفرِّقاً» خرَّجه ابن أبي الدنيا (٢). الثالث ممَّا أمر به النَّبيُّ ﷺ المؤمنين: إكرامُ الضيف، والمرادُ: إحسّانُ ضيافته، وفي "الصحيحين" (٣) من حديث أبي شُريح، قال: أبصَرَتْ عيناي رسولَ الله ﷺ ، وسمعتهُ أذنايَ حينَ تكلَّم به قال: «مَنْ كَانَ يُؤمِنُ باللهِ واليوم الآخر، فليُكْرِمْ ضيفَه جائزته» قالوا: وما جائزته؟ قال: «يَومٌ وليلة» قال: «والضيافةُ ثلاثةُ أيام، وما كان بعد ذلك، فهو صدقة». وخرَّج مسلم من حديث أبي شُريح أيضاً، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «الضيافة ثلاثةُ أيَّام، وجائزتُه يومٌ وليلةٌ، وما أنفق عليه بعد ذلك، فهو صدقةٌ، ولا يَحِلُّ له أنْ يَثْوِي عندَه حتى يُؤْثِمهُ»، قالوا: يا رسول الله وكيف يُؤثِمُهُ؟ قالَ: «يُقيم عنده ولا شيءَ لهُ يقرِيه به» (٤). وخرَّج الإمام أحمد من حديث أبي سعيدٍ الخدري ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «مَنْ كان يُؤمِنُ باللهِ واليومِ الآخرِ فليُكرِمْ ضَيفهُ». قالها ثلاثاً، قالوا: وما

стр. 332

كرامة الضيف يا رسولَ الله؟ قالَ: «ثلاثةُ أيام، فما جلس بعد ذَلِكَ فهوَ صدقة» (١). ففي هذه الأحاديث أنَّ جائزة الضيف يومٌ وليلةٌ، وأنَّ الضيافة ثلاثةُ أيام، ففرَّق بين الجائزة والضيافة، وأكَّدَ الجائزة، وقد ورد في تأكيدها أحاديثُ أخرُ، فخرَّج أبو داود (٢) مِنْ حديث المقدام بن (٣) معدي كرب، عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: «ليلة الضيف حقٌّ على كلِّ مسلم، فمن أصبحَ بِفِنائه، فهو عليه دَيْنٌ، إنْ شاءَ اقتضى، وإنْ شاءَ ترك». وخرَّجه ابن ماجه (٤) ولفظه: «ليلةُ الضيفِ حقٌّ على كُلِّ مسلمٍ». وخرَّج الإمامُ أحمد، وأبو داود من حديث المقدام، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال : «أيُّما رجلٍ أضاف قوماً، فأصبح الضيفُ محروماً، فإنَّ نَصْرَهُ حقٌّ على كُلِّ مسلمٍ حتَّى يأخذ بِقِرَى ليلةٍ من زرعه وماله» (٥). وفي " الصحيحين " (٦)

стр. 333

عن عُقبة بن عامر، قال: قلنا يا رسول الله، إنَّك تبعثُنا، فننزلُ بقوم لا يُقرونا، فما ترى (١)؟ فقال لنا رسولُ الله ﷺ : «إنْ نزلتُم بقومٍ فأمَرُوا لكم بما ينبغي للضَّيف، فاقْبَلُوا، فإنْ لم يفعلوا فخذُوا منهم حق الضَّيف الذي ينبغي لهم». وخرَّج الإمام أحمد والحاكم من حديث أبي هُريرة (٢)، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال : «أيُّما ضيفٍ نزلَ بقومٍ، فأصبح الضَّيفُ محروماً، فله أنْ يأخُذَ بقدرِ قراهُ، ولا حَرَجَ عليه» (٣). وقال عبد الله بن عمرو: مَنْ لم يُضِف، فليس مِن محمَّدٍ، ولا من إبراهيم. وقال عبد الله (٤) بن الحارث بن جَزْء: من لم يُكرِمْ ضيفَه، فليس من محمد، ولا من إبراهيم (٥). وقال أبو هريرة لِقوم نزل عليهم، فاستضافهم، فلم يُضَيِّفوهُ، فتنحَّى ونزل، فدعاهم إلى طعامه، فلم يُجيبوه، فقال لهم: لا تُنزلون الضيف ولا تجيبون الدعوة ما أنتُم من الإسلام على شيء، فعرفه رجل منهم، فقال له: انْزِل عافاك الله، قال: هذا شرٌّ وشرٌّ، لا تنزلون إلاَّ مَنْ تَعرِفُون. ورُوي عن أبي الدرداء نحو هذه القضية إلاّ أنَّه قال لهم: ما أنتُم مِنَ الدِّين إلا على مثلِ هذه، وأشار إلى هُدبةٍ في ثوبه.

стр. 334

وهذه النُّصوصُ تدلُّ (١) على وجوب الضِّيافة يوماً وليلة، وهو قولُ الليث وأحمد (٢)، وقال أحمد: له المطالبةُ بذلك إذا منعه؛ لأنَّه حقٌّ له واجب، وهل يأخذُ بيده من ماله إذا منعه، أو يرفعه إلى الحاكم؟ على روايتين منصوصتين عنه (٣). وقال حُميدُ بن زَنجويه: ليلةُ الضَّيف واجبةٌ، وليس له أنْ يأخذَ قِراه منهم قهراً، إلاَّ أنْ يكونَ مسافراً في مصالح المسلمين العامَّة دونَ مصلحة نفسه. وقال الليثُ بن سعد: لو نزل الضَّيفُ بالعبد أضافه من المال الذي بيده، وللضيف أنْ يأكلَ، وإنْ لم يعلم أنَّ سيِّده أذِنَ له؛ لأنَّ الضيافة واجبة (٤). وهو قياسُ قول أحمد؛ لأنَّه نصَّ على أنَّه يجوز إجابةُ دعوة العبد المأذون له في التجارة وقد روي عن جماعة من الصحابة أنَّهم أجابوا دعوة المملوك، ورُويَ ذلك عن النَّبيِّ ﷺ أيضاً (٥)، فإذا جاز له أنْ يدعوَ الناس إلى طعامه ابتداءً وجازَ إجابةُ دعوته، فإضافتُه لمن نزل به أولى. ومنع مالكٌ والشافعيُّ وغيرُهما مِنْ دعوة العبد المأذون له بدون إذن سيِّده (٦)، ونقل عليُّ بن سعيدٍ، عن أحمدَ ما يدلُّ على وجوب الضيافة للغُزاة خاصَّةً بمن مرُّوا بهم ثلاثةَ أيَّامٍ (٧)، والمشهور عنه الأولُ، وهو وجوبُها لكلِّ ضيفٍ نزلَ بقومٍ. واختلف قوله: هل تجبُ على أهلِ الأمصار والقُرى أم تختصُّ بأهلِ القُرى ومَنْ كان على طريقٍ يمرُّ بهم المسافرون؟ على روايتين منصوصتين عنه (٨).

стр. 335

والمنصوص عنه: أنَّها تجبُ للمسلمِ والكافرِ، وخصَّ كثيرٌ من أصحابه الوجوبَ للمسلم، كما لا تجبُ نفقةُ الأقارب مع اختلاف الدِّين على إحدى الروايتين عنه (١). وأمَّا اليومان الآخران، وهما الثاني والثالث، فهما تمامُ الضِّيافة، والمنصوصُ عن أحمد أنَّه لا يجبُ إلا الجائزةُ الأولى، وقال: قد فرَّق بين الجائزة والضيافة، والجائزة أوكدُ، ومِنْ أصحابنا مَنْ أوجَبَ الضيافة ثلاثة أيام، منهم: أبو بكر بن عبد العزيز، وابنُ أبي موسى، والآمدي، وما بعدَ الثَّلاث، فهو صدقة، وظنَّ بعضُ النَّاسِ أنَّ الضيافة ثلاثة أيام (٢) بعد اليوم والليلة الأولى، وردَّه أحمد بقوله ﷺ : «الضيافة ثلاثة أيام، فما زاد فهو صدقة» (٣)، ولو كان كما ظنَّ هذا لكان أربعة (٤). قلتُ: ونظيرُ هذا قوله تعالى: ﴿قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ إلى قوله: ﴿وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ (٥) والمراد: في تمام الأربعة. وهذا الحديث الذي احتجَّ به أحمد قد تقدَّم (٦) من حديث أبي شُريح، وخرَّجه البخاري من حديث أبي هريرة (٧)، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فَلْيُحسن قِرى ضَيفه»، قيل: يا رسول الله، وما قِرى الضيف؟ قال: «ثلاث، فما كان بعدُ فهو صدقة» (٨). قال حُميد بن زنجويه: عليه أنْ يتكلَّف له في اليوم والليلة من الطعام أطيب ما يأكله هو وعيالُه، وفي تمام الثلاث يطعمه من طعامه، وفي هذا نظر. وسنذكر حديثَ سلمان بالنَّهي عنِ التَّكلُّف للضَّيف، ونقل أشهبُ عن مالكٍ، قال: جائزتُه يومٌ وليلةٌ يُكرمه ويُتحفه ويخصه يوماً وليلةً وثلاثة أيَّام ضيافة (٩)، وكان ابنُ عمر يمتنع

стр. 336

مِن الأكل مِنْ مالِ مَنْ نزل عليه فوق ثلاثة أيامٍ، ويأمر أنْ يُنْفَقَ عليه من ماله (١). ولصاحب المنْزل أن يأمر الضيف بالتحوّل عنه بعد الثلاث؛ لأنَّه قضى ما عليهِ، وفعل ذَلِكَ الإمام أحمد. وقوله ﷺ : «لا يَحِلُّ لهُ أنْ يَثوِيَ عندَه حتَّى يُحْرِجَه» يعني: يُقيم عندَه حتَّى يُضَيِّقَ عليهِ، لكن هل هذا في الأيام الثلاثة أم فيما زاد عليها؟ فأما فيما ليس بواجبٍ، فلا شك في تحريمه، وأما في ما هو واجب وهو اليوم والليلة فينبني على أنَّه هل تجب الضيافة على من لا يجد شيئاً أم لا تجب إلا على من وجد ما يضيف به؟ فإنْ قيل: إنَّها لا تجب إلا على من يجد ما يضيف به - وهو قولُ طائفةٍ من أهلِ الحديث، منهم: حُميدُ بنُ زنجويه - لم يحل للضيف أنْ يستضيف من هُوَ عاجز عن ضيافته. وقد رُوِيَ من حديث سلمان قال: «نهانا رسولُ اللهِ ﷺ أنْ نتكلَّفَ للضيفِ (٢) ما ليسَ عندنا» (٣) فإذا نهي المضيف أنْ يتكلَّفَ للضيف ما ليس عنده دلَّ على أنَّه لا تَجِبُ عليه المواساةُ للضيف إلا مما عنده، فإذا لم يكن عنده فَضلٌ لم يلزمه شيءٌ، وأما إذا آثَرَ على نفسه، كما فعل الأنصاريُّ (٤) الذي نزل فيه : ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (٥) فذلك مقامُ فضلٍ وإحسّان، وليس بواجب. ولو علم الضيف أنَّهم لا يُضيفونه إلا بقوتِهم وقوت صبيانهم، وأنَّ الصبية يتأذَّوْنَ

стр. 337

بذلك، لم يجز له استضافتُهم حينئذ عملاً بقوله ﷺ : «ولا يَحِلُّ له أنْ يُقيمَ عندَه حتَّى يُحرجه» (١). وأيضاً فالضيافة نفقة واجبة، فلا تجب إلا على مَنْ عنده فضلٌ عن قوته وقوتِ عياله، كنفقة الأقارب، وزكاةِ الفطر. وقد أنكر الخطابي تفسيرَ تأثيمه بأنْ يُقيمَ عندَه ولا شيءَ له يَقريه، وقال: أراه غلطاً، وكيف يأثم في ذلك وهو لا يتسع لِقراه، ولا يجد سبيلاً إليه؟ وإنَّما الكلفة على قَدرِ الطاقة، قال: وإنَّما وَجْهُ الحديثِ أنَّه كَرِهَ له المقام عندَه بعدَ ثلاث لِئلا يضيقَ صدرُه بمكانه، فتكون الصدقة منه على وجه المنِّ والأذى فَيَبْطُلُ أجرُه (٢)، وهذا الذي قاله فيه نظر؛ فإنَّه قد صحَّ تفسيرُه في الحديث بما أنكره، وإنَّما وجهه أنَّه إذا أقامَ عندَه ولاشيءَ له يقريه به، فربما دعاه ضيقُ صدره به، وحرجه إلى ما يأثم به في قول، أو فعل، وليس المرادُ أنَّه يأثم بترك قِراه مع عجزه عنه، والله أعلم.
следующие страницы →