← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 949

جامع العلوم والحكم - ت الفحل

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (928 стр.). Показаны 333–372 · переход к 338.

стр. 333

عن عُقبة بن عامر، قال: قلنا يا رسول الله، إنَّك تبعثُنا، فننزلُ بقوم لا يُقرونا، فما ترى (١)؟ فقال لنا رسولُ الله ﷺ : «إنْ نزلتُم بقومٍ فأمَرُوا لكم بما ينبغي للضَّيف، فاقْبَلُوا، فإنْ لم يفعلوا فخذُوا منهم حق الضَّيف الذي ينبغي لهم». وخرَّج الإمام أحمد والحاكم من حديث أبي هُريرة (٢)، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال : «أيُّما ضيفٍ نزلَ بقومٍ، فأصبح الضَّيفُ محروماً، فله أنْ يأخُذَ بقدرِ قراهُ، ولا حَرَجَ عليه» (٣). وقال عبد الله بن عمرو: مَنْ لم يُضِف، فليس مِن محمَّدٍ، ولا من إبراهيم. وقال عبد الله (٤) بن الحارث بن جَزْء: من لم يُكرِمْ ضيفَه، فليس من محمد، ولا من إبراهيم (٥). وقال أبو هريرة لِقوم نزل عليهم، فاستضافهم، فلم يُضَيِّفوهُ، فتنحَّى ونزل، فدعاهم إلى طعامه، فلم يُجيبوه، فقال لهم: لا تُنزلون الضيف ولا تجيبون الدعوة ما أنتُم من الإسلام على شيء، فعرفه رجل منهم، فقال له: انْزِل عافاك الله، قال: هذا شرٌّ وشرٌّ، لا تنزلون إلاَّ مَنْ تَعرِفُون. ورُوي عن أبي الدرداء نحو هذه القضية إلاّ أنَّه قال لهم: ما أنتُم مِنَ الدِّين إلا على مثلِ هذه، وأشار إلى هُدبةٍ في ثوبه.

стр. 334

وهذه النُّصوصُ تدلُّ (١) على وجوب الضِّيافة يوماً وليلة، وهو قولُ الليث وأحمد (٢)، وقال أحمد: له المطالبةُ بذلك إذا منعه؛ لأنَّه حقٌّ له واجب، وهل يأخذُ بيده من ماله إذا منعه، أو يرفعه إلى الحاكم؟ على روايتين منصوصتين عنه (٣). وقال حُميدُ بن زَنجويه: ليلةُ الضَّيف واجبةٌ، وليس له أنْ يأخذَ قِراه منهم قهراً، إلاَّ أنْ يكونَ مسافراً في مصالح المسلمين العامَّة دونَ مصلحة نفسه. وقال الليثُ بن سعد: لو نزل الضَّيفُ بالعبد أضافه من المال الذي بيده، وللضيف أنْ يأكلَ، وإنْ لم يعلم أنَّ سيِّده أذِنَ له؛ لأنَّ الضيافة واجبة (٤). وهو قياسُ قول أحمد؛ لأنَّه نصَّ على أنَّه يجوز إجابةُ دعوة العبد المأذون له في التجارة وقد روي عن جماعة من الصحابة أنَّهم أجابوا دعوة المملوك، ورُويَ ذلك عن النَّبيِّ ﷺ أيضاً (٥)، فإذا جاز له أنْ يدعوَ الناس إلى طعامه ابتداءً وجازَ إجابةُ دعوته، فإضافتُه لمن نزل به أولى. ومنع مالكٌ والشافعيُّ وغيرُهما مِنْ دعوة العبد المأذون له بدون إذن سيِّده (٦)، ونقل عليُّ بن سعيدٍ، عن أحمدَ ما يدلُّ على وجوب الضيافة للغُزاة خاصَّةً بمن مرُّوا بهم ثلاثةَ أيَّامٍ (٧)، والمشهور عنه الأولُ، وهو وجوبُها لكلِّ ضيفٍ نزلَ بقومٍ. واختلف قوله: هل تجبُ على أهلِ الأمصار والقُرى أم تختصُّ بأهلِ القُرى ومَنْ كان على طريقٍ يمرُّ بهم المسافرون؟ على روايتين منصوصتين عنه (٨).

стр. 335

والمنصوص عنه: أنَّها تجبُ للمسلمِ والكافرِ، وخصَّ كثيرٌ من أصحابه الوجوبَ للمسلم، كما لا تجبُ نفقةُ الأقارب مع اختلاف الدِّين على إحدى الروايتين عنه (١). وأمَّا اليومان الآخران، وهما الثاني والثالث، فهما تمامُ الضِّيافة، والمنصوصُ عن أحمد أنَّه لا يجبُ إلا الجائزةُ الأولى، وقال: قد فرَّق بين الجائزة والضيافة، والجائزة أوكدُ، ومِنْ أصحابنا مَنْ أوجَبَ الضيافة ثلاثة أيام، منهم: أبو بكر بن عبد العزيز، وابنُ أبي موسى، والآمدي، وما بعدَ الثَّلاث، فهو صدقة، وظنَّ بعضُ النَّاسِ أنَّ الضيافة ثلاثة أيام (٢) بعد اليوم والليلة الأولى، وردَّه أحمد بقوله ﷺ : «الضيافة ثلاثة أيام، فما زاد فهو صدقة» (٣)، ولو كان كما ظنَّ هذا لكان أربعة (٤). قلتُ: ونظيرُ هذا قوله تعالى: ﴿قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ إلى قوله: ﴿وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ (٥) والمراد: في تمام الأربعة. وهذا الحديث الذي احتجَّ به أحمد قد تقدَّم (٦) من حديث أبي شُريح، وخرَّجه البخاري من حديث أبي هريرة (٧)، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فَلْيُحسن قِرى ضَيفه»، قيل: يا رسول الله، وما قِرى الضيف؟ قال: «ثلاث، فما كان بعدُ فهو صدقة» (٨). قال حُميد بن زنجويه: عليه أنْ يتكلَّف له في اليوم والليلة من الطعام أطيب ما يأكله هو وعيالُه، وفي تمام الثلاث يطعمه من طعامه، وفي هذا نظر. وسنذكر حديثَ سلمان بالنَّهي عنِ التَّكلُّف للضَّيف، ونقل أشهبُ عن مالكٍ، قال: جائزتُه يومٌ وليلةٌ يُكرمه ويُتحفه ويخصه يوماً وليلةً وثلاثة أيَّام ضيافة (٩)، وكان ابنُ عمر يمتنع

стр. 336

مِن الأكل مِنْ مالِ مَنْ نزل عليه فوق ثلاثة أيامٍ، ويأمر أنْ يُنْفَقَ عليه من ماله (١). ولصاحب المنْزل أن يأمر الضيف بالتحوّل عنه بعد الثلاث؛ لأنَّه قضى ما عليهِ، وفعل ذَلِكَ الإمام أحمد. وقوله ﷺ : «لا يَحِلُّ لهُ أنْ يَثوِيَ عندَه حتَّى يُحْرِجَه» يعني: يُقيم عندَه حتَّى يُضَيِّقَ عليهِ، لكن هل هذا في الأيام الثلاثة أم فيما زاد عليها؟ فأما فيما ليس بواجبٍ، فلا شك في تحريمه، وأما في ما هو واجب وهو اليوم والليلة فينبني على أنَّه هل تجب الضيافة على من لا يجد شيئاً أم لا تجب إلا على من وجد ما يضيف به؟ فإنْ قيل: إنَّها لا تجب إلا على من يجد ما يضيف به - وهو قولُ طائفةٍ من أهلِ الحديث، منهم: حُميدُ بنُ زنجويه - لم يحل للضيف أنْ يستضيف من هُوَ عاجز عن ضيافته. وقد رُوِيَ من حديث سلمان قال: «نهانا رسولُ اللهِ ﷺ أنْ نتكلَّفَ للضيفِ (٢) ما ليسَ عندنا» (٣) فإذا نهي المضيف أنْ يتكلَّفَ للضيف ما ليس عنده دلَّ على أنَّه لا تَجِبُ عليه المواساةُ للضيف إلا مما عنده، فإذا لم يكن عنده فَضلٌ لم يلزمه شيءٌ، وأما إذا آثَرَ على نفسه، كما فعل الأنصاريُّ (٤) الذي نزل فيه : ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (٥) فذلك مقامُ فضلٍ وإحسّان، وليس بواجب. ولو علم الضيف أنَّهم لا يُضيفونه إلا بقوتِهم وقوت صبيانهم، وأنَّ الصبية يتأذَّوْنَ

стр. 337

بذلك، لم يجز له استضافتُهم حينئذ عملاً بقوله ﷺ : «ولا يَحِلُّ له أنْ يُقيمَ عندَه حتَّى يُحرجه» (١). وأيضاً فالضيافة نفقة واجبة، فلا تجب إلا على مَنْ عنده فضلٌ عن قوته وقوتِ عياله، كنفقة الأقارب، وزكاةِ الفطر. وقد أنكر الخطابي تفسيرَ تأثيمه بأنْ يُقيمَ عندَه ولا شيءَ له يَقريه، وقال: أراه غلطاً، وكيف يأثم في ذلك وهو لا يتسع لِقراه، ولا يجد سبيلاً إليه؟ وإنَّما الكلفة على قَدرِ الطاقة، قال: وإنَّما وَجْهُ الحديثِ أنَّه كَرِهَ له المقام عندَه بعدَ ثلاث لِئلا يضيقَ صدرُه بمكانه، فتكون الصدقة منه على وجه المنِّ والأذى فَيَبْطُلُ أجرُه (٢)، وهذا الذي قاله فيه نظر؛ فإنَّه قد صحَّ تفسيرُه في الحديث بما أنكره، وإنَّما وجهه أنَّه إذا أقامَ عندَه ولاشيءَ له يقريه به، فربما دعاه ضيقُ صدره به، وحرجه إلى ما يأثم به في قول، أو فعل، وليس المرادُ أنَّه يأثم بترك قِراه مع عجزه عنه، والله أعلم.

стр. 338

الحديث السادس عشر عَنْ أَبي هُرَيرَةَ ﵁ أنَّ رَجُلاً قالَ للنَّبيِّ ﷺ : أوصِني، قال: «لا تَغْضَبْ» فردَّد مِراراً قال: «لا تَغْضَبْ». رواهُ البُخاريُّ (١). هذا الحديثُ خرَّجه البخاري من طريق أبي حَصين الأسدي (٢)، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، ولم يُخرجه مسلم؛ لأنَّ الأعمشَ رواه عن أبي صالح، واختلف عليه في إسناده فقيل: عنه، عن أبي صالح، عن أبي هُريرة، كقول أبي حَصين، وقيل: عنه، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري، وعند يحيى بن معين أنَّ هذا هو الصحيحُ، وقيل: عنه، عن أبي صالح، عن أبي هريرة وأبي سعيد (٣)، وقيل: عنه، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أو جابر، وقيل: عنه، عن أبي صالح، عن رجل من الصحابة غير مسمى. وخرَّج الترمذي (٤) هذا الحديثَ من طريق أبي حصين أيضاً ولفظُه: جاء رجلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله علِّمني شيئاً ولا تُكثر عليَّ لَعَلِّي أعيه، قال: «لا تَغْضَب»، فردد ذلك مراراً كلُّ ذلك يقول: «لا تغضب» وفي رواية أخرى (٥) لغير الترمذي قال: قلتُ: يا رسولَ الله، دلني على عمل يُدخلني الجنَّة ولا تُكثِرْ عليَّ، قال: «لا تَغْضَب».

стр. 339

فهذا الرجلُ طلب مِن النَّبيِّ ﷺ أنْ يُوصِيهَ وصيةً وجيزةً جامعةً لِخصال الخيرِ، ليحفظها عنه خشيةَ أنْ لا يحفظها؛ لكثرتها، فوصَّاه النَّبيُّ ﷺ أنْ لا يغضب، ثم ردَّد هذه المسألة عليه مراراً، والنَّبيُّ ﷺ يردِّدُ عليه هذا الجوابَ، فهذا يدلُّ على أنَّ الغضب جِماعُ الشرِّ، وأنَّ التحرُّز منه جماعُ الخير (١). ولعلَّ هذا الرجلَ الذي سأل النَّبيَّ ﷺ هو أبو الدرداء، فقد خرَّج الطبراني (٢) من حديث أبي الدرداء قال: قلتُ: يا رسولَ الله دلني على عمل يدخلني الجنَّة، قال: «لا تَغْضَبْ ولكَ الجَنَّةُ». وقد روى الأحنفُ بنُ قيسٍ، عن عمه جارية (٣) بن قدامة: أنَّ رجلاً قال: يا رسولَ اللهِ قُلْ لي قولاً، وأقْلِلْ عليَّ لعلي أعقِلُهُ، قال: «لا تغضبْ»، فأعاد عليه مراراً كُلُّ ذلك يقول: «لا تَغضَبْ» خرَّجه الإمام أحمد (٤)، وفي رواية (٥) له أنَّ جارية بن قُدامة قال: سألت النَّبيَّ ﷺ فذكره. فهذا يغلب على الظنِّ أنَّ السائلَ هو جارية بنُ قدامة، ولكن ذكر الإمامُ أحمد (٦)

стр. 340

عن يحيى القطان أنَّه قال: هكذا قال هشام، يعني: أنَّ هشاماً ذكر في الحديث أنَّ جارية سأل النَّبيَّ ﷺ ، قال يحيى: وهم يقولون: لم يُدرك النَّبيّ ﷺ ، وكذا قال العجليُّ وغيرُه: إنَّه تابعيٌّ وليس بصحابي. وخرَّج الإمامُ أحمد (١) من حديث الزهري، عن حُميد بنِ عبد الرحمان، عن رجلٍ من أصحاب النَّبيِّ ﷺ قال: قلتُ: يا رسولَ الله أوصني، قال: «لا تَغْضَبْ» قال الرجل: ففكرتُ حين قال النَّبيُّ ﷺ ما قال، فإذا الغَضَبُ يجمع الشرَّ كُلَّه، ورواه مالك في " الموطأ " (٢) عن الزهري، عن حُميد، مرسلاً. وخرَّج الإمامُ أحمد (٣) من حديث عبد اللهِ بن عمرو: أنَّه سأل النَّبيَّ ﷺ : ماذا يُبَاعِدُني مِنْ غَضَبِ اللهِ ؟ قال: «لا تَغْضَب». وقول الصحابي: ففكرتُ فيما قال النَّبيُّ ﷺ فإذا الغضبُ يجمع الشرَّ كلَّه يشهد لما ذكرناه أنَّ الغضبَ جماعُ الشرِّ، قال جعفر بنُ محمد: الغضبُ مفتاحُ كلِّ شرٍّ. وقيل لابنِ المبارك: اجْمَعْ لنا حسنَ الخلق في كلمة، قال: تركُ الغضبِ. وكذا فسَّر الإمام أحمد، وإسحاقُ بنُ راهويه حسنَ الخلق بتركِ الغضب، وقد رُوي ذلك مرفوعاً، خرَّجه محمدُ بن نصر المروزي في كتاب " الصلاة " (٤) من حديث أبي العلاء بنِ الشِّخِّير: أنَّ رجلاً أتى النَّبيَّ ﷺ مِن قِبَلِ وجهه، فقالَ: يا رسولَ الله أيُّ العملِ أفضلُ؟ قالَ: «حُسْنُ الخلق» ثُمَّ أتاه عن يمينه، فقالَ: يا رسول الله، أيُّ

стр. 341

العمل أفضل؟ قال: «حسنُ الخُلُقِ»، ثم أتاه عن شِماله، فقال: يا رسول الله، أيُّ العمل أفضل؟ قال: «حسنُ الخُلُقُ»، ثم أتاه من بعده، يعني: من خلفه، فقال: يا رسولَ الله أيُّ العملِ أفضلُ؟ فالتفت إليه رسولُ الله ﷺ فقال: «مالك لا تَفْقَهُ! حسْنُ الخُلُقِ هو أنْ لا تَغْضَبَ إنِ استطعْتَ». وهذا مرسل. فقولُه ﷺ لمن استوصاه: «لا تَغْضَبْ» يحتَمِلُ أمرين: أحدُهما: أنْ يكونَ مرادُه الأمرَ بالأسباب التي توجب حُسْنَ الخُلُقِ من الكرم والسخاء والحلمِ والحياء والتواضع والاحتمال وكفِّ الأذى، والصفح والعفو، وكظم الغيظ، والطَّلاقةِ والبِشْرِ، ونحوِ ذلك من الأخلاق الجميلة، فإنَّ النفسَ إذا تخلَّقت بهذه الأخلاق، وصارت لها عادة أوجب لها ذلك دفع الغضب عند حصول أسبابه. والثاني: أنْ يكونَ المرادُ: لا تعمل بمقتضى الغضب إذا حَصَل لك، بل جاهد نفسَك على ترك تنفيذه والعمل بما يأمر به، فإنَّ الغضب إذا ملك ابنَ آدم كان كالآمر والناهي له (١)، ولهذا المعنى قال الله : ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾ (٢) فإذا لم يمتثل الإنسانُ ما يأمره به غضبُه، وجاهد نفسه على ذلك، اندفع عنه شرُّ الغضب، وربما سكن غَضَبُهُ، وذهب عاجلاً، فكأنَّه حينئذٍ لم يغضب، وإلى هذا المعنى وقعت الإشارةُ في القرآن بقوله : ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ (٣)، وبقوله : ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٤). وكان النَّبيُّ ﷺ يأمرُ من غضبَ بتعاطي أسبابٍ تدفعُ عنه الغضبَ، وتُسَكِّنُهُ، ويمدح من ملك نفسَه عند غضبه، ففي " الصحيحين " (٥) عن سليمانَ بن صُرَد قال: استَبَّ رجلانِ عندَ النَّبيِّ ﷺ ونحنُ عنده جلوسٌ، وأحدُهما يَسُبُّ صاحبهُ مغضباً قد احمرَّ وجهُهُ،

стр. 342

فقال النَّبيُّ ﷺ : «إني لأعْلَمُ كلمةً لو قالها لذهبَ عنه ما يجد، لو قال: أعوذُ بالله من الشَّيطان الرجيم» فقالوا للرجل: ألا تسمعُ ما يقولُ النَّبيُّ ﷺ ؟ قال: إني لَسْتُ بِمجنونٍ (١). وخرَّج الإمامُ أحمد (٢) والترمذيُّ (٣) من حديث أبي سعيد الخُدري: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال في خُطْبته: «ألا إنَّ الغَضَبَ جَمْرَةٌ في قلبِ ابنِ آدمَ، أفما رأيتُم إلى حُمرة عينيه، وانتفاخ أوداجه، فمن أحسَّ من ذلك شيئاً فليَلْزَقْ بالأرضِ». وخرَّج الإمامُ أحمدُ (٤)، وأبو داود (٥) من حديث أبي ذرٍّ: أنَّ النَّبيِّ ﷺ قال : «إذا غَضِبَ أحدُكُم وهو قائِمٌ، فَلْيَجْلِسْ، فإنْ ذَهَبَ عَنه الغضبُ وإلا فليَضطجعْ». وقد قيل: إنَّ المعنى في هذا أنَّ القائم متهيِّئ، للانتقام والجالس دونَه في ذلك، والمضطجع أبعدُ عنه، فأمره بالتباعد عن حالةِ الانتقام (٦)، ويَشْهَدُ لذلك أنَّه رُوي من حديث سِنان بنِ سعد، عن أنسٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ، ومن حديث الحسن مرسلاً عن النَّبيِّ ﷺ (٧) قال: «الغَضَبُ جَمرةٌ في قَلبِ الإنسانِ تَوَقَّدُ، ألا ترى إلى حُمرةِ عَيْنَيهِ وانْتِفَاخِ

стр. 343

أوداجِهِ، فإذا أحس أحدُكُم مِنْ ذلك شيئاً، فليَجْلِسْ، ولا يَعْدُوَنَّه الغَضَبُ» (١). والمرادُ: أنَّه يحبسه في نفسه، ولا يُعديه إلى غيره بالأذى بالفعلِ، ولهذا المعنى قال النَّبيُّ ﷺ في الفتن: «إنَّ المضطجِعَ فيها خَيْرٌ من القَاعِدِ، والقَاعِدَ فيها خيرٌ من القَائِم، والقائمَ خَيرٌ مِنَ المَاشِي، والمَاشِي خَيرٌ مِنَ السَّاعي» (٢)، وإنْ كان هذا على وجه ضرب المثالِ في الإسراع في الفتن، إلا أنَّ المعنى: أنَّ من كان أقرب إلى الإسراع فيها، فهو شرٌّ ممن كان أبعد عن ذلك. وخرَّج الإمامُ أحمد من حديث ابنِ عباس، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «إذا غَضِبَ أحَدُكُمْ، فليَسْكُتْ»، قالها ثلاثاً (٣). وهذا أيضاً دواء عظيم للغضب؛ لأنَّ الغضبان يصدر منه في حال غضبه من القول ما يندم عليهِ في حال زوال غضبه كثيراً من السِّباب وغيره مما يعظم ضَرَرُهُ، فإذا سكت زال هذا الشرّ كله عنه، وما أحسنَ قولَ مورق العجلي ﵀: ما امتلأتُ غيضاً قَطُّ ولا تكلَّمتُ في غضبٍ قطُّ بما أندمُ عليهِ إذا رضيتُ (٤). وغضب يوماً عمرُ بن عبد العزيز فقالَ لهُ ابنُه: عبدُ الملكِ - رحمهما الله -: أنتَ يا أميرَ المؤمنين مع ما أعطاك الله وفضَّلك به تغضبُ هذا الغَضبَ؟ فقال له: أو ما تغضبُ يا عبدَ الملك؟ فقال عبد الملك: وما يُغني عني سعةُ جوفي إذا لم أُرَدِّدْ فيه الغضبَ حتى لا يظهر (٥)؟ فهؤلاء قوم ملكوا أنفسهم عند الغضب ﵃.

стр. 344

وخرَّج الإمامُ أحمد (١)، وأبو داود (٢) من حديث عُروة بنِ محمد السَّعدي: أنَّه كلَّمه رجل فأغضبه، فقام فتوضأ، ثم قال: حدثني أبي عن جدِّي عطيةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : «إنَّ الغَضَبَ مِنَ الشَّيْطانِ، وإنَّ الشيطانَ خُلِقَ من النَّارِ، وإنَّما تُطفَأُ النار بالماءِ، فإذا غَضِبَ أحَدُكُم فَليَتوضَّأ». وروى أبو نعيم (٣) بإسناده عن أبي مسلم الخولاني: أنَّه كلَّم معاوية بشيءٍ وهو على المنبر، فغضب، ثم نزل فاغتسل، ثم عاد إلى المنبر، وقال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «إنَّ الغضبَ مِن الشيطان، والشيطانَ من النار، والماءُ يُطفئُ النار، فإذا غَضِبَ أحدكم فليغتسل». وفي " الصحيحين " (٤) عن أبي هُريرة، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «لَيْسَ الشَّديدُ بالصُّرَعَةِ، إنَّما الشَّديدُ الَّذي يَملِكُ نَفْسَهُ عندَ الغَضَبِ». وفي " صحيح مسلم " (٥) عن ابن مسعودٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «ما تَعُدُّوَن الصُّرَعَةَ فيكم؟» قلنا: الذي لا تَصْرَعُهُ الرِّجالُ، قال: «ليس ذلك، ولكنَّه الذي يَملِكُ نَفْسَهُ عندَ الغضبِ».

стр. 345

وخرَّج الإمامُ أحمد (١)، وأبو داود (٢)، والترمذي (٣)، وابن ماجه (٤) من حديث معاذ بن أنس الجهني، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «مَنْ كَظَمَ غَيظاً وهو يَستطيعُ أنْ يُنفذه، دعاه الله يومَ القيامة على رؤوس الخلائق حتَّى يخيره في أيِّ الحورِ شاء». وخرَّج الإمامُ أحمد (٥) من حديث ابن عمر، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «ما تَجَرَّع عبدٌ جُرعَةً أفضلَ عندَ اللهِ من جُرعَةِ غَيْظٍ يَكْظِمُها ابتغاءَ وجهِ الله » ومِن حديث ابن عباسٍ (٦)، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «مَا مِنْ جُرْعَةٍ أحبَّ إلى اللهِ من جُرعةِ غَيظٍ يَكظِمُها عبد، ما كظم عبدٌ لله إلا ملأ الله جوفَه إيماناً». وخرَّج أبو داود (٧) معناه من رواية بعضِ الصحابة، عن النَّبيِّ ﷺ وقال: «ملأه الله أمناً وإيماناً (٨)». وقال ميمون بن مِهران: جاء رجلٌ إلى سلمان، فقال: يا أبا عبدِ الله أوصني، قال: لا تغضب، قال: أمرتني أنْ لا أغضب وإنَّه ليغشاني ما لا أملِكُ، قال: فإنْ غضبتَ، فامْلِكْ لِسانك ويَدَك. خرَّجه ابن أبي الدنيا (٩)، وملكُ لسانه ويده هو الذي أشار إليه النَّبيُّ ﷺ بأمره لمن غَضِبَ أنْ يجلس، ويضطجع وبأمره له أنْ يسكت (١٠).

стр. 346

قال عمرُ بنُ عبد العزيز: قد أفلحَ مَنْ عُصِمَ من الهوى، والغضب، والطمع (١). وقال الحسن: أربعٌ من كُنَّ فيه عصمه الله من الشيطان، وحرَّمه على النار: مَنْ ملك نفسَه عندَ الرغبة، والرهبة، والشهوةِ، والغضبِ (٢). فهذه الأربع التي ذكرها الحسن هي مبدأ الشرِّ كُلِّه، فإنَّ الرغبةَ في الشيء هي ميلُ النفس إليه لاعتقاد نفعه، فمن حصل له رغبةٌ في شيءٍ، حملته تلك الرغبة على طلب ذلك الشيء من كل وجه يَظُنُّه موصلاً إليه (٣)، وقد يكون كثير منها محرماً، وقد يكون ذلك الشيءُ المرغوبُ فيه مُحرَّماً. والرهبة: هي الخوفُ من الشيء (٤)، وإذا خاف الإنسان من شيء تسبب في دفعه عنه بكلِّ طريق يظنه دافعاً له، وقد يكون كثير منها محرَّماً. والشهوة: هي ميلُ النفس إلى ما يُلائمها، وتلتذُّ به (٥)، وقد تميل كثيراً إلى ما هو محرَّم كالزنا والسرقة وشرب الخمر، بل وإلى الكفر والسحر والنفاق والبدع. والغضب: هو غليانُ دم القلب طلباً لدفع المؤذي عندَ خشية وقوعه، أو طلباً للانتقام ممن حصل له منه الأذى بعدَ وقوعه (٦)، وينشأ من ذلك كثيرٌ من الأفعال المحرمة كالقتل والضربِ وأنواعِ الظلم والعُدوان، وكثيرٍ من الأقوال المحرَّمة كالقذفِ والسبِّ والفحش، وربما ارتقى إلى درجة الكفر، كما جرى لجبلة بن الأيهم (٧)،

стр. 347

وكالأيمان التي لا يجوزُ التزامُها شرعاً، وكطلاق الزوجة الذي يُعقب الندمَ. والواجبُ على المؤمن أنْ تكون شهوتُه مقصورةً على طلب ما أباحه الله له، وربما تناولها بنيةٍ صالحةٍ، فأثيب عليها، وأنْ يكونَ غضبه دفعاً للأذى في الدين له أو لغيره وانتقاماً ممن عصى الله ورسولَه، كما قال تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ (١). وهذه كانت حالَ النَّبيِّ ﷺ ، فإنَّه كان لا ينتقِمُ لنفسه، ولكن إذا انتهكت حرماتُ الله لم يَقُمْ لِغضبه شيء (٢) ولم يضرب بيده خادماً ولا امرأة إلا أنْ يجاهِدَ في سبيل الله (٣). وخدمه أنس عشرَ سنين، فما قال له: «أفٍّ» قط، ولا قال له لشيء فعله: «لم فعلت كذا» (٤)، ولا لشيء لم يفعله: «ألا فعلت كذا». وفي رواية أنَّه كان إذا لامه بعضُ أهله قال ﷺ : «دعوه فلو قُضي شيءٌ كان» (٥). وفي رواية للطبراني (٦) قال أنس: خدمتُ رسولَ الله ﷺ عشر سنين،

стр. 348

فما دَرَيْتُ شيئاً قطُّ وافقه، ولا شيئاً قط خالفه رضي من الله بما كان. وسئلت عائشةُ عن خُلُقِ رسول الله ﷺ ، فقالت: كان خُلُقُه القُرآن (١)، تعني: أنَّه كان تأدَّب بآدابه، وتخلَّق بأخلاقه، فما مدحه القرآن، كان فيه رضاه، وما ذمه القرآنُ، كان فيه سخطه (٢)، وجاء في رواية عنها، قالت: كان خُلُقُه القُرآن يَرضى لِرضاه ويَسخَطُ لسخطه (٣). وكان ﷺ لِشدَّةِ حيائه لا يُواجِهُ أحداً بما يكره، بل تعرف الكراهة في وجهه، كما في " الصحيح " (٤) عن أبي سعيد الخدري قال: كان النَّبيُّ ﷺ أشدَّ حياءً من العذراءِ في خِدْرها، فإذا رأى شيئاً يكرهه، عرفناه في وجهه، ولما بلَّغَه ابنُ مسعودٍ قَولَ القائل: هذه قسمة ما أريد بها وجه الله، شقَّ عليه ﷺ ، وتَغيَّر وجهه، وغَضِبَ، ولم يَزِدْ على أنْ قال: «قد أوذِيَ موسى بأكثر من هذا فصبر» (٥). وكان ﷺ إذا رأى، أو سَمِعَ ما يكرهه الله، غَضِبَ لذلك، وقال فيه، ولم يَسْكُتْ، وقد دخل بيتَ عائشة فرأى ستراً فيه تصاويرُ، فتَلَوَّنَ وجهُهُ وهتكه، وقال: «إنَّ مِنْ أَشدِّ النَّاسِ عذاباً يومَ القيامةِ الَّذينَ يُصوِّرُونَ هذه الصُّورَ» (٦).

стр. 349

ولما شُكِيَ إليه الإمامُ الذي يُطيل بالناس صلاته حتى يتأخرَ بعضهم عن الصَّلاة معه، غَضِبَ، واشتد غضبُه، ووَعَظَ النَّاسَ (١)، وأمر بالتَّخفيف (٢). ولما رأى النُّخامَةَ في قبلة المسجد، تَغَيَّظ، وحكَّها، وقال: «إنَّ أحدَكُمْ إذا كان في الصَّلاةِ، فإنَّ الله حِيالَ وَجْهِهِ، فلا يَتَنخَّمَنَّ حِيال وجهه في الصَّلاةِ» (٣). وكان من دعائه ﷺ : «أسألك كَلِمَة الحقِّ في الغضب والرِّضا» (٤) وهذا عزيز جداً، وهو أنَّ الإنسان لا يقول سوى الحقِّ سواء غَضِبَ أو رضي، فإنَّ أكثرَ الناس إذا غَضِبَ لا يَتوقَّفُ فيما يقول. وخرَّج الطبراني (٥) من حديث أنس مرفوعاً: «ثلاثٌ من أخلاقِ الإيمان: مَنْ إذا غَضِبَ، لم يُدخله غضبُهُ في باطلٍ، ومن إذا رَضِيَ، لم يُخرجه رضاه من حقٍّ، ومن إذا قَدَرَ، لم يتعاطَ ما ليسَ له». وقد روي عن النَّبيِّ ﷺ : «أنَّه أخبر عن رجلين ممن كان قبلنا كان أحدُهما عابداً، وكان الآخرُ مسرفاً على نفسه، فكان العابدُ (٦) يَعِظُهُ، فلا ينتهي، فرآه يوماً على ذنبٍ

стр. 350

استعظمه، فقال: والله لا يَغفِرُ الله لك، فغفر الله للمذنب، وأحبط عملَ العابد». وقال أبو هريرة: لقد تكلَّم بكلمة أوبقت دنياه وآخِرتَه، فكان أبو هريرة يُحَذِّرُ الناسَ أنْ يقولوا مثلَ هذه الكلمة (١) في غضب. وقد خرَّجه الإمامُ أحمد (٢) وأبو داود (٣)، فهذا غَضِبَ لله، ثم تكلَّم في حال غضبه لله بما لا يجوزُ، وحتم على الله بما لا يعلم، فأحبط الله (٤) عمله، فكيف بمن تكلَّم في غضبه لنفسه، ومتابعة هواه بما لا يجوز. وفي " صحيح مسلم " (٥) عن عِمران بن حُصين: أنَّهم كانوا مع النَّبيِّ ﷺ في بعض أسفاره وامرأةٌ من الأنصار على ناقةٍ، فضَجِرَتْ، فلعَنَتها فسَمِعَ النَّبيُّ ﷺ ، فقال: «خذُوا مَتَاعَها ودَعُوها». وفيه أيضاً عن جابر قال: سِرنا مع رسول الله ﷺ في غزوة ورجلٌ من الأنصارِ على ناضحٍ له، فتلدَّنَ عليه بعض التلدُّن، فقال له: سِرْ، لَعنَك الله، فقال رسول الله ﷺ : «انْزِلْ عنه، فلا تَصْحَبْنا بملعونٍ، لا تدعوا على أنفُسِكُم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تَدْعوا على أموالكم، لا تُوافِقوا من الله ساعةً يُسأل فيها عطاء، فيستجيب لكم» (٦). فهذا كله يدلُّ على أنَّ دعاء الغضبانِ قد يُجاب إذا صَادف ساعةَ إجابةٍ، وأنَّه ينهى عن الدعاء على نفسه وأهله وماله في الغضب.

стр. 351

وأما ما قاله مجاهد (١) في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ (٢)، قال: هو الواصِلُ لأهله وولده وماله إذا غَضِبَ عليه، قال: اللهمَّ لا تُبارِكْ فيه، اللهم العنه، يقول: لو عجل له ذلك، لأهلك مَنْ دعا عليه، فأماتَه. فهذا يدلُّ على أنَّه لا يُستجاب جميعُ ما يدعو به الغضبانُ على نفسه وأهله وماله، والحديثُ دلَّ على أنَّه قد يُستجابُ لمصادفته ساعة إجابة. وأما ما رُوي عن الفُضيل بنِ عياض قال: ثلاثةٌ لا يُلامون على غضبٍ: الصائمُ والمريضُ والمسافرُ، وعن الأحنف بن قيس قال: يوحي الله إلى الحافظين اللذين مع ابن آدم: لا تكتبا على عبدي في ضجره شيئاً، وعن أبي عمران الجوني قال: إنَّ المريضَ إذا جزع فأذنب، قال المَلَكُ الذي على اليمين للملك الذي على الشمال: لا تكتب. خرَّجه ابن أبي الدنيا، فهذا كلُّه لا يُعرف له أصلٌ صحيحٌ من الشرع يدلُّ عليه، والأحاديثُ التي ذكرناها من قبل تدلُّ على خلافه. وقول النَّبيِّ ﷺ : «إذا غضبتَ فاسكت» (٣) يدلُّ على أنَّ الغضبانَ مُكَلَّفٌ في حال غضبه بالسكوت، فيكون حينئذٍ مؤاخذاً بالكلام، وقد صحَّ عن النَّبيِّ ﷺ : أنَّه أمر من غضب أنْ يتلافى غضبَه بما يُسكنه من أقوال وأفعال، وهذا هو عينُ التكليف له بقطع الغضب، فكيف يقال: إنَّه غيرُ مكلَّف في حال غضبه بما يصدر منه. وقال عطاءُ بنُ أبي رباح: ما أبكى العلماءَ بكاء آخرِ العمرِ من غضبة يغضبُها أحدُهُم فتهدِمُ عملَ خمسين سنة، أو ستين سنة، أو سبعين سنة، وربَّ غضبة قد أقحمت صاحبها مقحماً ما استقاله. خرَّجه ابن أبي الدنيا. ثم إنَّ من قال مِن السَّلف: إنَّ الغضبان إذا كان سببُ غضبه مباحاً، كالمرض، أو السفرِ، أو طاعةٌ كالصَّوْم لا يُلام عليه إنَّما مرادُه أنَّه لا إثمَ عليه إذا كان مما يقع منه في حال الغضب كثيراً من كلام (٤) يُوجِبُ تضجراً أو سباً ونحوه كما قال ﷺ : «إنَّما أنا بَشَرٌ

стр. 352

أرضى كما يرضي البَشَرُ، وأغْضَبُ كما يَغْضَبُ البشر، فأيُّما مسلم سببتُه أو جلدتُه، فاجعلها له كفارةً» (١). فأما ما كان من كفر، أو ردَّةٍ، أو قتل نفس، أو أخذ مالٍ بغير حقٍّ ونحو ذلك، فهذا لا يشكُّ مسلم أنَّهم لم يُريدوا أنَّ الغضبانَ لا يُؤاخذُ به، وكذلك ما يقعُ من الغضبان من طلاقٍ وعَتاقٍ، أو يمينٍ، فإنَّه يُؤاخَذُ بذلك كُلِّه بغيرِ خلافٍ (٢). وفي " مسند الإمام أحمد " (٣) عن خويلة بنت ثعلبة امرأة أوس بن الصامت أنَّها راجعت زوجَها، فغَضِبَ، فظاهر منها، وكان شيخاً كبيراً قد ساء خُلُقُه وضَجِرَ، وأنَّها جاءت إلى النَّبيِّ ﷺ ، فجعلت تشكو إليه ما تلقى من سوء خلقه، فأنزل الله آيةَ (٤) الظهار، وأمره رسول الله ﷺ بكفارة الظِّهار في قصة طويلة، وخرَّجها ابن أبي حاتم (٥) من وجه آخر، عن أبي العالية: أنَّ خُويلة غضب زوجها فظاهر منها، فأتت النَّبيَّ ﷺ ، فأخبرته بذلك، وقالت: إنَّه لم يُرِدِ الطلاقَ، فقال النَّبيُّ ﷺ : «ما أراكِ إلا حَرُمْتِ عليه»، وذكر القصةَ بطولها، وفي آخرها، قال: فحوَّل الله الطلاقَ، فجعله ظهاراً. فهذا الرجل ظاهر في حال غضبه، وكان النَّبيُّ ﷺ يرى حينئذ أنَّ الظهارَ طلاق، وقد قال: إنَّها حَرُمَتْ عليه بذلك، يعني: لزمه الطلاق، فلما جعله الله ظهاراً مكفراً ألزمه بالكفارة، ولم يُلغه.

стр. 353

وروى مجاهد عن ابنِ عباس: أنَّ رجلاً قال له: إني طلقت امرأتي ثلاثاً وأنا غضبان، فقال: إنَّ ابنَ عباس لا يستطيع أنْ يُحِلَّ لك ما حرَّم الله عليك، عصيتَ ربَّك وحرمت عليك امرأتك. خرَّجه الجوزجاني والدارقطني (١) بإسناد على شرط مسلم. وخرَّج القاضي إسماعيل بن إسحاق في كتاب " أحكام القرآن " بإسنادٍ صحيح عن عائشة قالت: اللغو في الأيمان ما كان في المراءِ والهزل والمزاحة، والحديث الذي لا يعقد عليه القلب، وأيمانُ الكفارة على كُلِّ يمينٍ حلفت عليها على جدٍ من الأمر في غضب أو غيره: لَتَفْعَلنَّ أو لَتَترُكنَّ، فذلك عقدُ الأيمان فيها الكفارة. وكذا رواه ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة وهذا من أصحِّ الأسانيد (٢)، وهذا يدلُّ على أنَّ الحديث المروي عنها مرفوعاً: «لا طلاقَ ولا عتاق في إغْلاقٍ» (٣) إما أنَّه غير صحيح، أو إنَّ تفسيرَه بالغضب غيرُ صحيح (٤). وقد صحَّ عن غير (٥) واحد من الصحابة أنَّهم أفْتَوا أنَّ يمينَ الغضبان منعقدة وفيها الكفارةُ (٦)، وما روي عن ابن عباسٍ مما يُخالِفُ ذلك فلا يصحُّ إسنادُه (٧)، قال الحسنُ: طلاقُ السنة أنْ يُطلقها واحدة طاهراً من غير

стр. 354

جماعٍ، وهو بالخيار ما بينه وبينَ أنْ تحيضَ ثلاث حيض، فإنْ بدا له أنْ يُراجِعَهَا كان أملكَ بذلك، فإنْ كان غضبان، ففي ثلاثِ حيض، أو في ثلاثة أشهر إنْ كانت لا تحيضُ ما يذهب غضبَهُ. وقال الحسن: لقد بَيَّن الله لئلا يندم أحدٌ في طلاق كما أمره الله، خرَّجه القاضي إسماعيل. وقد جعل كثيرٌ من العلماء الكناياتِ معَ الغضبِ كالصريح في أنَّه يقعُ بها الطلاقُ ظاهراً؛ ولا يقبل تفسيرُها مع الغضبِ بغير الطلاق، ومنهم مَنْ جعل الغضب مع الكنايات كالنية، فأوقع بذلك الطلاق في الباطن أيضاً، فكيف يجعل الغضب مانعاً من وقوع صريحِ الطلاق (١).

стр. 355

الحديث السابع عشر عَنْ أَبي يَعْلَى شَدَّاد بنِ أوسٍ، عَنْ رسولِ الله ﷺ قال: «إنَّ الله كَتَبَ الإحسّانَ على كُلِّ شيءٍ، فإذَا قَتَلْتُم فَأَحْسِنُوا القِتْلَة، وإذا ذَبَحْتُم فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ (١)، وليُحِدَّ أحدُكُمْ شَفْرَتَهُ، ولْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ». رواهُ مُسلم (٢). هذا الحديث خرَّجه مسلم دونَ البخاري من رواية أبي قلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن شدَّادِ بنِ أوس (٣)، وتركه البخاري؛ لأنَّه لم يخرِّج في " صحيحه " لأبي الأشعث شيئاً وهو شاميٌّ ثقة. وقد روي نَحوهُ من حديث سَمُرُةَ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «إنَّ الله محسِنٌ فأحسنوا، فإذا قَتَلَ أحدكُم، فليُكْرِم مقتولَه، وإذا ذبح، فليحدَّ شفرته، وليُرِحْ ذبيحته» خرَّجه ابن عدي (٤). وخرَّج الطبراني (٥) من حديث أنس، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «إذا حكمتُمْ فاعْدِلُوا، وإذا قَتَلتُم فأَحْسِنُوا، فإنَّ الله مُحْسِنٌ يُحِبُّ المحسنين».

стр. 356

فقولُه ﷺ : «إنَّ الله كتب الإحسّانَ على كُلِّ شيء»، وفي رواية لأبي إسحاق الفزاري في كتاب " السير " عن خالدٍ، عن أبي قِلابة، عن النَّبيِّ ﷺ : «إنَّ الله كتبَ الإحسّانَ على كلِّ شيءٍ»، أو قال: «على كلِّ خلقٍ» هكذا خرَّجها مرسلةً، وبالشكِّ في: «كُلِّ شيءٍ»، أو: «كلِّ خلق»، وظاهرُهُ يقتضي أنَّه كتب على كلِّ مخلوق الإحسّان، فيكون كُلُّ شيءٍ، أو كُلُّ مخلوق هو المكتوبَ عليه، والمكتوب هو الإحسّانُ (١). وقيل: إنَّ المعنى: أنَّ الله كتب الإحسّانَ إلى كلِّ شيء، أو في كلِّ شيء، أو كتب الإحسّانَ في الولاية على كُلِّ شيءٍ، فيكون المكتوبُ عليه غيرَ مذكور، وإنَّما المذكورُ المحسن إليه (٢). ولفظ: «الكتابة» يقتضي الوجوب عندَ أكثرِ الفقهاء والأصوليين خلافاً لبعضهم، وإنَّما يعرف (٣) استعمالُ لفظة الكتابة في القرآن فيما هو واجب حتمٌ إمَّا شرعاً، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ (٤)، وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ (٥)، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ (٦)، أو فيما هو واقع قدراً لا محالة، كقوله: ﴿كَتَبَ اللهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ (٧)، وقوله: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (٨)، وقوله : ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَان﴾ (٩). وقال النَّبيُّ ﷺ في قيام شهر رمضانَ : «إنِّي خشيتُ أنْ يُكْتَبَ عَلَيكُمْ» (١٠)، وقال: «أُمِرْتُ بالسِّواكِ حتَّى خشيتُ أنْ يُكتَبَ عليَّ» (١١)،

стр. 357

وقال: «كُتِبَ على ابنِ آدمَ حظُّه من الزِّنى، فهو مُدرِكٌ ذلك لا محالة» (١). وحينئذٍ فهذا الحديث نصٌّ في وجوب الإحسّان، وقد أمر الله تعالى به، فقال: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ (٢)، وقال: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣). وهذا الأمرُ (٤) بالإحسّان تارةً يكونُ للوجوب كالإحسّان إلى الوالدين والأرحام بمقدار ما يحصل به البرُّ والصِّلَةُ والإحسّانُ إلى الضيف بقدر ما يحصل به قِراه على ما سبق ذكره. وتارةً يكونُ للندب كصدقةِ التطوعِ ونحوها (٥). وهذا الحديثُ يدلُّ على وجوب الإحسّانِ في كل شيء من الأعمال، لكن إحسانُ كُلِّ شيء بحسبه، فالإحسّانُ في الإتيان بالواجبات الظاهرة والباطنةِ: الإتيانُ بها على وجه كمال واجباتها، فهذا القدرُ من الإحسّان فيها واجب، وأمَّا الإحسانُ فيها بإكمالِ مستحباتها فليس بواجب. والإحسّانُ في ترك المحرَّمات: الانتهاءُ عنها، وتركُ ظاهرها وباطنها، كما قال تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ (٦). فهذا القدرُ من الإحسّان فيها واجب (٧). وأما الإحسّانُ في الصبر على المقدورات، فأنْ يأتي بالصبر عليها على وجهه من غير تَسَخُّطٍ ولا جَزَع.

стр. 358

والإحسّانُ الواجبُ في معاملة الخلق ومعاشرتهم: القيامُ بما أوجب الله من حقوق ذلك كلِّه، والإحسّانُ الواجب في ولاية الخلق وسياستهم، القيام بواجبات الولاية كُلِّها، والقدرُ الزائد على الواجب في ذلك كلِّه إحسانٌ ليس بواجب. والإحسّانُ في قتل ما يجوزُ قتله من الناس والدواب: إزهاقُ نفسه على أسرعِ الوجوه وأسهلِها وأَوحاها من غير زيادةٍ في التعذيب، فإنَّه إيلامٌ لا حاجة إليه. وهذا النوعُ هو الذي ذكره النَّبيُّ ﷺ في هذا الحديث، ولعله ذكره على سبيلِ المثال، أو لحاجته إلى بيانه في تلك الحال فقال: «إذا قتلتُم فأحسِنوا القِتلة، وإذا ذبحتم فأحسِنوا الذِّبحة» والقِتلة والذِّبحة بالكسر، أي: الهيئة، والمعنى: أحسنوا هيئة الذبح، وهيئة القتل. وهذا يدلُّ على وجوب الإسراع في إزهاق النفوس التي يُباحُ إزهاقُها على أسهلِ الوجوه (١). وقد حكى ابنُ حَزمٍ الإجماع على وجوب الإحسان في الذبيحة (٢)، وأسهلُ وجوه (٣) قتل الآدمي ضربه بالسيف على العنق، قال الله تعالى في حقِّ الكفار: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ﴾ (٥). وقد قيل: إنَّه عيَّن الموضع الذي يكونُ الضربُ فيه أسهلَ على المقتول وهو فوقَ العظام دونَ الدماغ، ووصى دريدُ بنُ الصِّمة قاتله أنْ يَقْتُلَهُ كذلك. وكان النَّبيُّ ﷺ إذا بعث سريةً تغزوا في سبيل الله قال لهم: «لا تُمَثِّلُوا ولا تقتلوا وليداً» (٦). وخرَّج أبو داود، وابن ماجه من حديثِ ابنِ مسعود، عن النَّبيِّ ﷺ قال : «أَعَفُّ الناسِ قِتلةً أهلُ الإيمانِ» (٧).

стр. 359

وخرَّج أحمد وأبو داود من حديث عمران بنِ حُصينٍ وسَمُرَة بنِ جُندبٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان ينهى عن المُثْلةِ (١). وخرَّجه البخاري (٢) من حديث عبد الله بن يزيد، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه: نَهى عن المُثلَةِ (٣). وخرَّج الإمامُ أحمدُ من حديث يعلى بنِ مُرة، عن النَّبيِّ ﷺ : «قال الله تعالى: لا تُمَثِّلوا بِعِبادي (٤)» (٥). وخرَّج أيضاً من حديث رجلٍ من الصحابة عن النَّبيِّ ﷺ قال: «من مَثَّلَ بذي روحٍ، ثم لم يَتُبْ مثَّلَ الله به يومَ القيامة» (٦). واعلم أنَّ القتلَ المباحَ يقع على وجهين: أحدُهما أنْ يكون قصاصاً، فلا يجوزُ التمثيلُ فيه بالمقتص منه، بل يُقتَلُ كما قَتَلَ، فإنْ كان قد مَثَّلَ بالمقتولِ، فهل يُمثَّلُ به كما فعل أمْ لا يُقتل إلا بالسيف؟ فيهِ قولان مشهوران للعلماء:

стр. 360

أحدُهما (١): أنَّه يُفعَلُ به كما فَعَلَ، وهو قولُ مالك والشافعي (٢) وأحمد في المشهور عنه (٣)، وفي " الصحيحين " (٤) عن أنسٍ قالَ: خَرَجَتْ جاريةٌ عليها أوضاحٌ بالمدينة، فرماها يهودي بحجر، فجيء بها إلى رسول الله ﷺ وبها رَمَقٌ، فقالَ لها رسول الله ﷺ : «فلانٌ قتلك؟» فرفعت رأسها، فقال لها في الثالثة: «فلان قتلك؟» فخفضت رأسها، فدعا به رسولُ الله ﷺ ، فرضخ رأسه بَيْنَ الحَجَرَين. وفي روايةٍ لهما: فَأُخِذَ فاعترفَ، وفي روايةٍ لمسلم: أنَّ رجلاً من اليهود قتلَ جاريةً من الأنصار على حليٍّ لها، ثم ألقاها في القَلِيب، ورضَخَ رأسَها بالحجارة، فأُخِذَ، فأُتي به النَّبيَّ ﷺ ، فأمر به أنْ يُرجَمَ حتّى يموت، فرُجِمَ حتى ماتَ (٥). والقول الثاني: لا قَوَدَ إلاَّ بالسيف، وهو قولُ الثوري، وأبي حنيفة، ورواية عن أحمد (٦). وعن أحمد رواية ثالثة: يُفعل به كما فعل إلا أنْ يكونَ حرَّقه بالنار أو مَثَّلَ به، فيُقْتَلُ بالسيف للنهي عن المُثلة وعن التحريق بالنار نقلها عنه الأثرمُ (٧)، وقد رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ قال: «لا قَودَ إلاَّ بالسيف» خرَّجه ابن ماجه وإسناده ضعيف (٨)، قال أحمد: يُروى: «لا قَوَدَ إلاَّ بالسيف» وليس إسنادُه بجيدٍ (٩)، وحديث أنس، يعني: في قتل اليهودي بالحجارة أسندُ منه وأجودُ (١٠).

стр. 361

ولو مَثَّلَ به، ثم قتله مثلَ أنْ قطّع أطرافَه، ثم قتله، فهل يُكتفى بقتله أم يُصنع به كما صنع، فَتُقطع أطرافُه ثم يُقتل؟ على قولين: أحدهما: يُفعل به كما فعل سواء، وهو قولُ أبي حنيفة والشافعي وأحمد في إحدى الروايتين وإسحاق وغيرهم (١). والثاني: يُكتفى بقتله، وهو قولُ الثوري وأحمد في رواية وأبي يوسف ومحمد (٢)، وقال مالك: إنْ فعل به ذلك على سبيل التمثيلِ والتعذيبِ، فُعِلَ به كما فَعَلَ، وإنْ لم يكن على هذا الوجه اكتفي بقتله (٣). الوجه الثاني: أنْ يكون القتلُ (٤) للكفر، إما لكفر أصلي، أو لردَّة عن الإسلام، فأكثرُ العلماء على كراهة المُثلة فيه أيضاً، وأنَّه يُقتل فيه بالسيف، وقد رُوي عن طائفةٍ من السَّلف جوازُ التمثيل فيه بالتحريق بالنار وغير ذلك، كما فعله خالدُ بن الوليد وغيره (٥). ورُوي عن أبي بكر: أنَّه حرَّق الفجاءة بالنَّار (٦). ورُوي أنَّ أم قِرْفة الفزارية ارتدت في عهد أبي بكر الصديق، فأمر بها، فشدَّت ذوائِبُها في أذناب قَلُوصَيْنِ أو فرسين، ثم صاح بهما فتقطعت المرأة، وأسانيد هذه القصة منقطعة. وقد ذكر ابنُ سعد في " طبقاته " بغير إسناد: أنَّ زيدَ بن حارثة قتلها هذه القتلة على عهد رسولِ الله ﷺ ، وأخبر النَّبيَّ ﷺ بذلك (٧).

стр. 362

وصحَّ عن عليٍّ أنَّه حرَّق المرتدين، وأنكر ذلك ابنُ عباس عليه (١)، وقيل: إنَّه لم يُحرّقهم، وإنَّما دَخَّنَ عليهم حتى ماتوا (٢)، وقيل: إنَّه قتلهم، ثم حَرَّقَهُم، ولا يصحُّ ذلك. وروي عنه أنَّه جيء بمرتدٍّ، فأمر به فوطئ بالأرجل حتَّى مات. واختار ابنُ عقيلٍ - من أصحابنا - جوازَ القتل بالتمثيل للكفر لاسيما إذا تغلَّظ، وحمل النهي عن المُثلةِ على القتل بالقصاص، واستدلَّ من أجاز ذلك بحديثِ العُرنيين، وقد خرَّجاه في " الصحيحين " من حديث أنس: أنَّ أناساً من عُرينة قَدِمُوا على رسولِ الله ﷺ المدينة فاجْتَوَوْهَا، فقال لهم رسولُ الله ﷺ : «إنْ شئتم أنْ تَخْرُجُوا إلى إبل الصدقة، فتشربوا من ألبانها وأبوالها، فافعلوا» ففعلوا فصحُّوا، ثم مالوا على الرعاء، فقتلوهم، وارتدُّوا عن الإسلام، وساقوا ذَودَ رسولِ الله ﷺ ، فبلغ ذلك النَّبيَّ ﷺ ، فبعث في أثرهم، فأُتي بهم، فقطع أيديهم وأرجُلَهم، وسَمَلَ أعينَهم، وتركهم في الحرة حتى ماتوا (٣)، وفي روايةٍ: ثم نُبِذُوا في الشمس حتى ماتوا (٤)، وفي روايةٍ: وسمرت أعينُهم، وألقوا في الحرَّةِ (٥) يَستسقونَ فلا يُسقون (٦)،

стр. 363

وفي رواية للترمذي: قطع أيديَهم وأرجلهم من خلافٍ (١)، وفي رواية للنسائي: وصَلَبَهُم (٢). وقد اختلف العلماء في وجه عقوبة هؤلاء، فمنهم من قال: من فعل مِثلَ فعلهم فارتدَّ، وحارب، وأخذ المالَ، صنع به كما صنع بهؤلاء، وروي هذا عن طائفة، منهم: أبو قِلابة (٣)، وهو روايةٌ عن أحمد. ومنهم مَنْ قال: بل هذا يدلُّ على جواز التمثيل بمن تغلَّظَتْ جرائمُهُ في الجملة، وإنَّما نهي عن التمثيل في القصاص، وهو قول ابنِ عقيل من أصحابنا. ومنهم من قال: بل نسخ ما فعل بالعرنيين بالنهي عن المُثلةِ (٤). ومنهم من قال: كان قبلَ نزولِ الحدود وآيةِ المحاربة (٥)، ثم نُسخ بذلك (٦)، وهذا قولُ جماعة منهم: الأوزاعي وأبو عُبيد. ومنهم من قال: بل ما فعله النَّبيُّ ﷺ بهم إنَّما كان بآية المحاربة، ولم ينسخ شيء من ذلك، وقالوا: إنَّما قتلهم النَّبيُّ ﷺ ، وقَطَعَ أيديهم؛ لأنَّهم أخذوا المالَ، ومن أخذ المالَ وقَتَلَ (٧)، قُطِعَ وقُتِلَ، وصُلِبَ حتماً، فيُقتَلُ لقتله (٨) ويُقطع لأخذه المال يَدُه ورجلُه من خِلاف، ويُصلَبُ لجمعه (٩) بين الجنايتين وهما: القتلُ وأخذُ المال، وهذا قول الحسن، ورواية عن أحمد (١٠).

стр. 364

وإنَّما سَمَلَ أعينهم؛ لأنَّهم سملوا أعينَ الرعاة كذا خرَّجه مسلم من حديثِ أنس (١)، وذكر ابنُ شهابٍ أنَّهم قتلوا الراعي (٢)، ومَثَّلوا به (٣)، وذكر ابن سعد أنَّهم قطعوا يدَه ورجله، وغرسوا الشوكَ في لسانه وعينيه حتّى مات (٤)، وحينئذ فقد يكونُ قطعُهم، وسملُ أعينهم، وتعطيشُهم قصاصاً (٥)، وهذا يتخرَّجُ على قول مَنْ يقولُ: إنَّ المحاربَ إذا جنى جنايةً توجبُ القصاصَ استُوفِيت منه قبل قتله، وهو مذهب أحمد. لكن هل يستوفى (٦) منه تحتماً كقتله أم على وجه القصاص، فيسقط بعفو الولي؟ على روايتين عنه (٧)، ولكن رواية الترمذي أنَّ قطعَهُم من خلاف يدلُّ على أنَّ قطعهم للمحاربة إلا أنْ يكونوا قد قطعوا يدَ الراعي ورجلَه من خلاف، والله أعلم (٨). وقد رُوي عن النَّبيِّ ﷺ : أنَّه كان أَذِنَ في التحريق بالنار (٩)، ثم نهى عنه كما في " صحيح البخاري " (١٠) عن أبي هريرة قال: بعثنا رسولُ الله ﷺ في بعث (١١) فقال: «إنْ وَجَدتُم فلاناً وفلاناً - لرجلين من قريشٍ - فاحرقوهما بالنار»، ثمَّ قال

стр. 365

رسولُ الله ﷺ حين أردنا الخروجَ: «إني كنتُ أمرتُكم أنْ تحرِقوا فُلاناً وفُلاناً بالنار، وإنَّ النارَ لا يُعذِّبُ بها إلا الله، فإنْ وجدتموهما فاقتلوهما». وفيه أيضاً عن ابن عبَّاسٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لا تُعذِّبُوا بعذاب الله » (١). وخرَّج الإمام أحمد، وأبو داود، والنَّسائي من حديث ابن مسعودٍ قال: كُنَّا مع النَّبيِّ ﷺ ، فمَرَرنا بقريةِ نملٍ قد أُحرقَت، فغَضِب النَّبيُّ ﷺ وقال: «إنَّه لا ينبغي لِبشرٍ أنْ يعذِّبَ بعذاب الله » (٢). وقد حرَّقَ خالدٌ جماعة في الرِّدة (٣)، وروي عن طائفة من الصحابة تحريقُ من عَمِل عمل قومِ لوطٍ (٤)، ورُوي عن عليٍّ أنَّه أشار على أبي بكر أنْ يقتلَه ثم يحرقه بالنار (٥)، واستحسن ذلك إسحاق بن راهويه (٦) لئلا يكون تعذيباً بالنار (٧). وفي " مسند الإمام أحمد " (٨): أنَّ علياً لما ضربه ابنُ مُلجم، قال: افعلوا به كما أرادَ رسولُ الله ﷺ أنْ يفعلَ برجل أراد قتلَه، قال: «اقتلوه ثم حرِّقوه». وأكثرُ العلماء على كراهةِ التحريق بالنار حتى للهوام، وقال إبراهيم النَّخعيُّ: تحريقُ العقرب بالنار مُثلةٌ. ونهت أمُ الدرداء عن تحريق البرغوث بالنار. وقال أحمد: لا يُشوى السمكُ في النار وهو حيٌّ، وقال: الجرادُ أهونُ؛ لأنَّه لا دم لهُ (٩). وقد ثبت عن النَّبيِّ ﷺ : أنَّه نهى عن صَبرِ البهائم، وهو: أنْ تحبس البهيمة، ثُمَّ تُضرب بالنبل ونحوه حتَّى تموتَ (١٠). ففي " الصحيحين " (١١)

стр. 366

عن أنسٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى أنْ تُصبر البهائم. وفيهما أيضاً عن ابن عمر: أنَّه مرَّ بقوم نصبوا دجاجةً يرمونها، فقال ابنُ عمر: من فعل هذا؟ إنَّ رسول الله ﷺ لعن من فعل هذا (١). وخرَّج مسلم من حديث ابنِ عباس، عن النَّبيِّ ﷺ : أنَّه نهى أنْ يُتخذ شيء فيه الروح غرضاً (٢)، والغرض: هو الذي يرمى فيه بالسهام (٣). وفي " مسند الإمام أحمد " (٤) عن أبي هُريرة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عن الرَّمِيَّةِ: أنْ ترمى الدابة ثم تُؤكلُ ولكن تُذبح، ثم يرموا (٥) إنْ شاؤوا. وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة. فلهذا أمر النَّبيُّ ﷺ بإحسانِ القتلِ والذبح، وأمر أنْ تُحَدَّ الشفرةُ، وأنْ تُراح الذبيحة، يشير إلى أنَّ الذبح بالآلة الحادة يُرِيحُ الذبيحة بتعجيل زهوق نفسها (٦). وخرَّج الإمام أحمد، وابنُ ماجه من حديث ابنِ عمر، قال: أمر رسولُ الله ﷺ بحَدِّ الشفارِ، وأنْ تُوارى عن البهائم، وقال: «إذا ذَبَحَ أَحَدُكُم، فليُجْهِزْ» (٧)

стр. 367

يعني: فليسرع الذبح (١). وقد ورد الأمر بالرفق بالذبيحة عندَ ذبحها، وخرَّج ابنُ ماجه (٢) من حديث أبي سعيد الخدري قال: مرَّ رسولُ الله ﷺ برجل وهو يجرُّ شاة بأُذنها، فقال رسولُ الله ﷺ : «دع أُذنَها وخُذْ بِسالِفَتِها» والسالفة: مقدَّمُ العنق (٣). وخرَّج الخلالُ والطبرانيُّ من حديث عكرمة، عن ابن عباس قال: مرَّ رسولُ الله ﷺ برجلٍ واضع رجلَه على صفحة شاةٍ وهو يحدُّ شفرته وهي تلحظ إليه ببصرها، فقال: «أفلا قبْلَ هذا؟ تريدُ أنْ تُميتها موتتان (٤)؟» (٥). وقد روي عن عكرمة مرسلاً خرَّجه عبدُ الرزاق (٦) وغيره، وفيه زيادة: «هلاَّ حددت شفرتك قبل أنْ تُضْجِعها». وقال الإمام أحمد: تُقاد إلى الذبح قوداً رفيقاً، وتُوارى السكينُ عنها، ولا تُظهر السكين إلا عندَ الذبح، أمر رسولُ الله ﷺ بذلك: أنْ تُوارى الشفار (٧). وقال: ما أبهمت عليه البهائم فلم تبهم أنَّها تعرف ربها، وتعرف أنَّها تموت. وقال: يُروى عن ابن سابط أنَّه قال: إنَّ البهائم جُبِلَتْ على كلِّ شيءٍ إلاَّ على أنَّها تعرف ربها، وتخافُ الموتَ. وقد وردَ الأمرُ بقطع الأوداج عندَ الذبح، كما خرَّجه أبو داود من حديث عِكرمة،

стр. 368

عن ابن عباس، وأبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ : أنَّه نهى عن شريطة الشيطان، وهي التي تذبح فتقطع الجلد، ولا تفري الأوداج، وخرَّجه ابن حبان في " صحيحه " وعنده: قال عكرمة: كانوا يقطعون منها الشيء اليسيرَ، ثم يدعونها حتى تموتَ، ولا يقطعون الودجَ، فنهى عن ذلك (١). وروى عبدُ الرزاق في " كتابه " (٢) عن محمد بن راشدٍ، عن الوضين بنِ عطاء، قال: إنَّ جزَّاراً فتح باباً على شاةٍ ليذبحها فانفلتت منه حتَّى جاءت النَّبيَّ ﷺ ، فاتبعها، فأخذ يَسْحَبُها برجلها، فقال لها النَّبيُّ ﷺ : «اصبري لأمرِ الله، وأنتَ يا جزَّارُ فسُقْها إلى الموتِ سَوقاً رفيقاً». وبإسناده عن ابن سيرين: أنَّ عُمَرَ رأى رجلاً يسحب شاةً برجلها ليذبحها، فقال له: وَيْلَكَ قُدْها إلى الموت (٣) قوداً جميلاً (٤). وروى محمدُ بنُ زيادٍ: أنَّ ابن عمر رأى قصَّاباً يجُرُّ شاةً، فقال: سُقها إلى الموت سوقاً جميلاً، فأخرج القصابُ شفرة، فقال: ما أسوقها سوقا جميلاً وأنا أريد أنْ أذبحها الساعة، فقال: سقها سوقاً جميلاً (٥). وفي " مسند الإمام أحمد " (٦) عن معاوية بنِ قُرة، عن أبيه: أنَّ رجلاً قال للنَّبيِّ ﷺ : يا رسولَ اللهِ إني لأذبحُ الشاةَ وأنا أرحمها، فقال النَّبيُّ ﷺ : «والشاة إنْ رحمتها رَحِمَكَ الله».

стр. 369

وقال مطرف بنُ عبد الله: إنَّ الله ليرحم برحمة العصفور (١). وقال نوفٌ البكالي: إنَّ رجلاً ذبح عِجَّوْلاً (٢) له بين يدي أمه، فخُبِّلَ، فبينما هو تحتَ شجرة فيها وكْرٌ فيه فَرْخٌ، فوقع الفرخُ إلى الأرض، فرحمه فأعاده في مكانه، فردَّ الله إليه قوَّته (٣). وقد رُوي من غير وجه عن النَّبيِّ ﷺ : أنَّه نهى أنْ تُولَّه والدة عن ولدها، وهو عام في بني آدم وغيرهم (٤). وفي " سنن أبي داود " (٥): أنَّ النَّبيَّ ﷺ سُئِلَ عن الفَرَعِ، فقال: «هو حَقٌّ وإنْ تتركوه حتّى يكونَ بكراً ابنَ مخاض، أو ابنَ لَبُون، فتُعطيه أرملة، أو تحمل عليه في سبيل الله خيرٌ من أنْ تَذْبَحَهُ فيلصقَ لحمُه بوبره، وتُكفئ إناءك وتُولِّه ناقتك». والمعنى: أنَّ ولد الناقة إذا ذبح وهو صغير عندَ ولادته لم يُنتفع بلحمه، وتضرَّر صاحبُه بانقطاع لبنِ ناقته، فتُكفِئ إناه وهُوَ المِحْلَبُ الذي تُحلَب فيه الناقة، وتولَّه الناقة على ولدها بفقدها إيَّاه (٦).

стр. 370

الحديث الثامن عشر: عَنْ أَبي ذَرٍّ ومعاذِ بن جَبَلٍ ﵄: أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قال: «اتَّقِ الله حَيثُمَا كُنْتَ، وأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمحُهَا، وخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ». رواه التِّرمِذيُّ وقال: حَديثٌ حَسنٌ، وفي بعضِ النُّسَخِ: حَسَنٌ صَحيحٌ. هذا الحديث خرَّجه الترمذي (١) (٢) من رواية سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ميمون بن أبي شبيب، عن أبي ذرٍّ، وخرَّجه أيضاً بهذا الإسناد عن ميمون، عن معاذ (٣)، وذكر عن شيخه محمود بن غيلان أنَّه قال: حديثُ أبي ذرٍّ أصحُّ (٤). فهذا الحديثُ قد اختلف في إسناده وقيل فيه: عن حبيب (٥)، عن ميمون: أنَّ النَّبيَّ ﷺ وصَّى بذلك، مرسلاً، ورجَّحَ الدارقطني هذا المرسل (٦). وقد حسَّن الترمذي هذا الحديثَ، وما وقع في بعض النسخ من تصحيحه (٧)،

стр. 371

فبعيد، ولكن الحاكم خرَّجه، وقال: صحيح على شرطِ الشيخين (١)، وهو وهم مِن وجهين: أحدُهما: أنَّ ميمونَ بنَ أبي شبيب، ويقال: ابنُ شبيب لم يخرج له البخاري في " صحيحه " شيئاً، ولا مسلم إلا في مقدمة كتابه حديثاً عن المغيرة بن شعبة (٢). والثاني: أنَّ ميمون بن أبي شبيب لم يصحَّ سماعه من أحدٍ من الصحابة، قال الفلاس (٣): ليس في شيء من رواياته عن الصحابة: «سمعتُ»، ولم أخبر أنَّ أحداً يزعم أنَّه سمع من أصحاب النَّبيِّ ﷺ (٤). وقال أبو حاتم الرازي: روايته عن أبي ذرٍّ وعائشة غير متصلة (٥). وقال أبو داود: لم يدرك عائشة (٦)، ولم يَرَ علياً (٧)، وحينئذٍ فلم يُدرك معاذاً بطريق الأولى. ورأْيُ البخاري وشيخِه عليّ بن المديني، وأبي زرعة وأبي حاتم وغيرهم أنَّ الحديثَ لا يَتَّصِلُ إلا بصحة اللقيِّ، وكلامُ الإمام أحمد يدلُّ على ذلك، ونصَّ عليه الشافعي في " الرسالة " (٨) وهذا كُلُّه خلاف رأي مسلم ﵀ (٩). وقد رُوي عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه وصَّى بهذه الوصية معاذاً وأبا ذرٍّ من وجوهٍ أخَر، فخرّج

стр. 372

البزارُ (١) من حديث ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ بعثه إلى قوم، فقال: يا رسول الله أوصني، فقال (٢): «أفش السَّلام، وابذل الطعام، واستحي من الله استحياء رجل ذا هيئةٍ من أهلك، وإذا أسأتَ فأحسن، وليحسن خلقك ما استطعت». وخرّج الطبراني والحاكم من حديث عبد الله بنِ عمرو بن العاص: أنَّ معاذَ ابن جبل أراد سفراً، فقال: يا رسولَ الله أوصني، قال: «اعبد الله، ولا تشرك به شيئاً» قال: يا رسول الله زِدني، قال: «إذا أسأتَ فأحسنْ»، قال: يا رسول الله زدني، قال: «استقم ولْتُحْسِنْ خلقك» (٣). وخرّج الإمامُ أحمدُ (٤) من حديث درَّاج، عن أبي الهيثم (٥)، عن أبي ذرٍّ: أنَّ رسول الله ﷺ قال له: «أُوصيك بتقوى الله في سِرِّ أمرك وعلانيته، وإذا أسأتَ فأحسِنْ، ولا تسألنَّ أحداً شيئاً وإنْ سقط سوطُك، ولا تَقبضْ أمانةً، ولا تقضِ بين اثنين». وخرَّج أيضاً من حديث آخر عن أبي ذرٍّ قال: قلتُ: يا رسول الله علِّمني عملاً يقرِّبني من الجنة ويُباعدني من النار، قال: «إذا عملتَ سيئةً، فاعْمَلْ حسَنَةً، فإنَّها عشرُ أمثالها» قال: قلتُ: يا رسول الله، أمِنَ الحسناتِ لا إله إلاَّ الله؟ قال: «هي أحسنُ الحسناتِ» (٦). وخرّج ابن عبد البرّ في " التمهيد " (٧) بإسناد فيه نظر عن أنسٍ قال: بعث النَّبيُّ ﷺ
следующие страницы →