← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 949

جامع العلوم والحكم - ت الفحل

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (928 стр.). Показаны 508–547 · переход к 513.

стр. 508

فقوله ﷺ فيما يروي عن ربه: «يا عبادي إنِّي حرَّمتُ الظُّلمَ على نفسي»، يعني: أنَّه منع نفسه من الظلم لعباده، كما قال : ﴿وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (١)، وقال: ﴿وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبَادِ﴾ (٢)، وقال: ﴿وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٣)، وقال: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (٤)، وقال: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً﴾ (٥)، وقال: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ (٦)، وقال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً﴾ (٧)، والهضمُ: أنْ يُنقَصَ من جزاء حسناته، والظُّلم: أنْ يُعاقب بذنوب غيره (٨)، ومثل هذا كثير في القرآن. وهو مما يدلُّ على أنَّ الله قادرٌ على الظلم، ولكنَّه لا يفعلُه فضلاً منه وجوداً، وكرماً وإحساناً إلى عباده (٩). وقد فسَّر كثيرٌ من العلماء الظلمَ: بأنَّه وضعُ الأشياء في غير موضعها (١٠). وأمَّا من فسَّره بالتَّصرُّف في ملك الغير بغير إذنه - وقد نقل نحوه عن إياس بن معاوية وغيره - فإنَّهم يقولون: إنَّ الظُّلمَ مستحيلٌ عليه وغيرُه متصوَّرٌ في حقِّه؛ لأنَّ كلَّ ما يفعله فهو تصرُّفٌ في ملكه (١١)، وبنحو ذلك أجاب أبو الأسود الدؤلي لِعمران بنِ حصين حين سأله عن القدر (١٢).

стр. 509

وخرَّج أبو داود، وابنُ ماجه من حديث أبي سنان سعيد بن سنان، عن وهب بن خالد الحمصي، عن ابن الدَّيلَمي أنَّه سمع أبيَّ بن كعبٍ يقول: لو أنَّ الله عذَّب أهل سماواته وأهل أرضه، لعذَّبهم وهو غيرُ ظالمٍ لهم، ولو رَحِمَهُم، لكانت رحمتُه خيراً لهم من أعمالهم، وأنَّه أتى ابن مسعود، فقال له مثلَ ذلك، ثم أتى زيدَ ابن ثابت، فحدَّثه عن النَّبيِّ ﷺ بمثل ذلك (١). وفي هذا الحديث نظر، ووهبُ بنُ خالدٍ ليس بذلك المشهور بالعلم (٢). وقد يُحمل على أنَّه لو أراد تعذيبهم، لقدَّرَ لهم ما يعذِّبهم عليه، فيكون غيرَ ظالم لهم حينئذٍ. وكونه خلق أفعال العباد وفيها الظلمُ لا يقتضي وصفَه بالظُّلم ، كما أنَّه لا يُوصَفُ بسائر القبائح التي يفعلُها العبادُ، وهي خَلْقُه وتقديرُه (٣)، فإنَّه لا يُوصَفُ إلاَّ بأفعاله لا يُوصف بأفعال عباده، فإنَّ أفعالَ عباده مخلوقاتُه ومفعولاتُه، وهو لا يُوصَفُ بشيءٍ منها، إنَّما يوصَفُ بما قام به من صفاته وأفعاله! والله أعلم. وقوله: «وجعلتُه بينكم محرَّماً، فلا تظالموا» يعني: أنَّه تعالى حَرَّم الظلم على عباده، ونهاهم أنْ يتظالموا فيما بينهم، فحرامٌ على كلِّ عبدٍ أنْ يظلِمَ غيره، مع أنَّ الظُّلم في نفسه محرَّم مطلقاً، وهو نوعان:

стр. 510

أحدهما: ظلمُ النفسِ، وأعظمه الشِّرْكُ، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (١)، فإنَّ المشركَ جعل المخلوقَ في منزلةِ الخالق، فعبده وتألَّهه، فوضع الأشياءَ في غيرِ موضعها، وأكثر ما ذُكِرَ في القرآن مِنْ وعيد الظالمين إنَّما أُريد به المشركون، كما قال الله : ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٢)، ثمَّ يليه المعاصي على اختلاف أجناسها من كبائرَ وصغائرَ. والثاني: ظلمُ العبدِ لغيره، وهو المذكورُ في هذا الحديث، وقد قال النَّبيُّ ﷺ في خطبته في حجة الوداع: «إنَّ دماءكم وأموالَكُم وأعراضَكُم عليكُم حرامٌ، كحرمةِ يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا» (٣). وروي عنه أنَّه خطب بذلك في يوم عرفة، وفي يوم النَّحر، وفي اليوم الثاني من أيَّام التشريق، وفي رواية: ثُمَّ قال: «اسمعوا منِّي تعيشوا، ألا لا تَظلموا، ألا لا تَظلموا، ألا لا تَظلموا، إنَّه لا يحلُّ مالُ امرئٍ مسلمٍ إلاَّ عن طيبِ نفسٍ منه» (٤). وفي " الصحيحين " (٥) عن ابنِ عمر، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «الظلمُ ظُلُماتٌ يوم القيامة». وفيهما (٦) عن أبي موسى، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «إنَّ اللهَ لَيُملي للظَّالم حتَّى إذا أخَذَه لم يُفْلِته»، ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (٧). وفي " صحيح البخاري " (٨) عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «من كانت عنده مظلمة لأخيه، فليتحلَّلْهُ

стр. 511

منها، فإنَّه ليسَ ثَمَّ دينارٌ ولا درهمٌ مِنْ قبل أنْ يُؤخَذ لأخيه من حسناته، فإنْ لم يكن له حسناتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئات أخيه فطُرِحت عليه». قوله: «يا عبادي، كلُّكُم ضالٌّ إلاَّ من هديتُه، فاستهدوني أهدِكم، يا عبادِي، كُلُّكم جائعٌ إلاَّ من أطعمتُه، فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي، كلُّكم عارٍ إلاَّ من كَسوتُهُ، فاستكسوني أكسكُم، يا عبادي إنَّكم تُخطئون باللَّيل … والنَّهار، وأنا أغفرُ الذُّنوب جَميعاً، فاستغفروني أغفر لكم». هذا يقتضي أنَّ جميعَ الخلق مُفتقرون إلى الله تعالى في جلب مصالحهم، ودفع مضارِّهم في أمور دينهم ودُنياهم، وإنَّ العباد لا يملِكُون لأنفسهم شيئاً مِنْ ذلك كلِّه، وإنَّ مَنْ لم يتفضَّل اللهُ عليه بالهدى والرزق، فإنَّه يُحرمهما في الدنيا، ومن لم يتفضَّل اللهُ عليه بمغفرة ذنوبه، أوْبَقَتْهُ خطاياه في الآخرة. قال الله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً﴾ (١)، ومثل هذا كثيرٌ في القرآن، وقال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (٢)، وقال: ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (٣)، وقال: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ … وَاعْبُدُوهُ﴾ (٤)، وقال: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا﴾ (٥). وقال تعالى حاكياً عن آدم وزوجه أنَّهما قالا: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٦)، وعن نوح ﵊ أنَّه قال: ﴿وإلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٧). وقد استدلَّ إبراهيمُ الخليلُ ﵇ بتفرُّد الله بهذه الأمور على أنَّه لا إله غيره، وإنَّ كلَّ ما أشرك معه، فباطل، فقال لقومه: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ (٨)، فإنَّ من تفرَّد بخلق العبد وبهدايته وبرزقه وإحيائه وإماتته في الدنيا، وبمغفرة ذنوبه في الآخرة، مستحقٌّ أنْ يُفرَدَ بالإلهية

стр. 512

والعبادة والسؤال والتضرُّع إليه، والاستكانة له. قال الله : ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (١). وفي الحديث دليلٌ (٢) على أنَّ اللهَ يحبُّ أنْ يسأله العبادُ جميعَ مصالح دينهم ودنياهم، مِنَ الطَّعام والشراب والكسوة وغير ذلك، كما يسألونه الهداية والمغفرة، وفي الحديث: «ليسأل أحدُكم ربَّه حاجته كلَّها حتى يسأله شِسعَ نعله إذا انقطع» (٣). وكان بعضُ السَّلف يسأل الله في صلاته كلَّ حوائجه حتّى ملحَ عجينه وعلفَ شاته. وفي الإسرائيليات: أنَّ موسى ﵇ قال: يا ربِّ إنَّه لتَعْرِضُ لي الحاجةُ من الدنيا، فأستحيي أنْ أسألك، قال: سلني حتى ملح عجينك وعلف حمارك. فإنَّ كلَّ ما يحتاج العبد إليه إذا سأله من الله فقد أظهرَ حاجتَه فيه، وافتقاره إلى الله، وذلك يحبُّه الله، وكان بعضُ السَّلف يستحيي من الله أنْ يسأله شيئاً من مصالح … الدنيا، والاقتداءُ بالسُّنَّة أولى. وقوله: «كُلُّكم ضالٌّ إلاَّ مَنْ هديتُه» قد ظنَّ بعضُهم أنَّه معارض لِحديث عياض بنِ حمار، عن النَّبيِّ ﷺ : «يقولُ اللهُ : خلقتُ عبادي حنفاء»، وفي روايةٍ: «مسلمين فاجتالتهم الشياطين» (٤) وليس كذلك، فإنَّ الله خلق بني آدم، وفطرهم على قبول الإسلام، والميل إليه دونَ غيره، والتهيؤ لذلك، والاستعداد له بالقوَّة، لكن لابدَّ للعبد من تعليم الإسلام بالفعل، فإنَّه قبل التعليم جاهلٌ لا يعلم شيئاً، كما قال : ﴿وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ … شَيْئاً﴾ (٥) وقال لنبيه ﷺ : ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاًّ

стр. 513

فَهَدَى﴾ (١)، والمراد: وجدَك غيرَ عالمٍ بما علَّمك من الكتاب والحكمة (٢)، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ﴾ (٣) فالإنسان يولد مفطوراً على قبول الحقِّ، فإنْ هداه الله سبَّب له من يعلمه الهدى، فصار مهتدياً بالفعل بعد أنْ كان مهتدياً بالقوَّة، وإنْ خذله الله، قيَّض له من يعلمه ما يُغير فطرته كما قال ﷺ : «كلُّ مولودٍ يُولد على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه ويُنصرانه ويمجسانه» (٤). وأما سؤالُ المؤمن من الله الهداية، فإنَّ الهدايةَ نوعان: هداية مجملة: وهي الهدايةُ للإسلام والإيمان وهي حاصلة للمؤمن، وهدايةٌ مفصلة: وهي هدايته إلى معرفة تفاصيلِ أجزاء الإيمان والإسلام، وإعانتُه على فعل ذلك، وهذا يحتاج إليه كلُّ مؤمن ليلاً ونهاراً، ولهذا أمر (٥) الله عباده أنْ يقرؤوا في كُلِّ ركعةٍ من صلاتهم قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (٦)، وكان النَّبيُّ ﷺ يقول في دعائه بالليلِ: «اهدني لما اختُلِفَ فيه من الحقِّ بإذنك، إنَّكَ تَهدي من تشاءُ إلى صراط … مستقيم» (٧)، ولهذا يُشمت العاطس، فيقال له: «يرحمك الله» فيقول : «يهديكم الله» كما جاءت السنة بذلك (٨)، وإنْ أنكره من أنكره من فقهاء العراق ظناً منهم أنَّ المسلم لا يحتاج أنْ يُدعى له بالهُدى، وخالفهم جمهورُ العلماء

стр. 514

اتِّباعاً للسنة في ذلك. وقد أمر النَّبيُّ ﷺ علياً أنْ يسأل الله السداد والهدى (١)، وعلَّم الحسن أنْ يقولَ في قُنوتِ الوتر: «اللهم اهدني فيمن هديت» (٢). وأما الاستغفارُ من الذنوب، فهو طلبُ المغفرة، والعبدُ أحوجُ شيءٍ إليه؛ لأنَّه يخطئ بالليل والنهار، وقد تكرَّر في القرآن ذكرُ التوبة والاستغفارِ، والأمرُ بهما، والحثُّ عليهما، وخرَّج الترمذي، وابنُ ماجه من حديث أنسٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «كلُّ بني آدم خطَّاءٌ، وخيرُ الخطَّائين التَّوابون» (٣). وخرَّج البخاري من حديث أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرَّةً» (٤)، وخرَّجه النَّسائي وابن ماجه، ولفظهما: «إني لأستغفر الله وأتوب إليه كلَّ يوم مئة مرَّةً» (٥).

стр. 515

وخرّج مسلم (١) من حديث الأغرِّ المزني سمع النَّبيَّ ﷺ يقولُ: «يا أيُّها الناسُ توبوا إلى ربِّكم، فإنِّي أتوبُ إليه في اليوم مئة مرَّة»، وخرَّجه النَّسائي (٢)، ولفظه: «يا أيُّها الناسُ توبوا إلى ربِّكم واستغفروه، فإنِّي أتوب إلى الله وأستغفره كلَّ يوم مئة مرَّة». وخرَّج الإمامُ أحمد (٣) من حديث حُذيفة قال: كان في لساني ذَرَبٌ على أهلي لم أَعْدُهُ إلى غيرِه، فذكرتُ ذلك للنَّبيِّ ﷺ ، فقال: «أين أنتَ مِنَ الاستغفار يا حُذيفَةُ، إنِّي لأستغفرُ اللهَ كل يوم مئة مرَّة». ومن حديث أبي موسى، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «إنِّي لأستغفر الله كل يومٍ مئة مرّة وأتوب إليه» (٤). وخرَّج النَّسائي (٥) من حديث أبي موسى، قال: كنَّا جلوساً، فجاء النَّبيُّ ﷺ ، فقال: «ما أصبحت غداةً قط إلا استغفرتُ الله مئةَ مرَّة». وخرَّج الإمام أحمد، وأبو داود (٦)، والترمذي، والنَّسائي، وابن ماجه من

стр. 516

حديث ابنِ عمر، قال: إنْ كنَّا لنُعدُّ لرسول الله ﷺ في المجلس الواحد مئة مرَّة يقول: «ربِّ اغفر لي وتُب عليَّ، إنَّك أنتَ التَّوَّابُ الرَّحيم» (١). وخرَّج النَّسائي (٢) من حديث أبي هريرة، قال: لم أرَ أحداً أكثرَ أنْ يقولَ: أستغفرُ اللهَ وأتوبُ إليه من رسول الله ﷺ . وخرَّج الإمامُ أحمد (٣) من حديث عائشة، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه كان يقول: … «اللهمَّ اجعلني مِنَ الذين إذا أحسنوا استبشروا، وإذا أساءوا استغفروا»، وسنذكر بقية الكلام في الاستغفار فيما بعد إنْ شاء الله تعالى. وقوله: «يا عبادي، إنَّكم لن تبلُغوا ضَرِّي فتضرُّوني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني» يعني: أنَّ العباد لا يَقدِرُونَ أنْ يُوصِلُوا إلى الله نفعاً ولا ضرّاً، فإنَّ الله تعالى في نفسه غنيٌّ حميدٌ، لا حاجةَ له بطاعات العباد، ولا يعودُ نفعُها إليه، وإنَّما هُم ينتفعون بها، ولا يتضرَّرُ بمعاصيهم، وإنَّما هم يتضررون بها، قال الله تعالى: ﴿وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئاً﴾ (٤). وقال: ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً﴾ (٥). وكان النَّبيُّ ﷺ يقول في خطبته: «ومَنْ يعصِ الله ورسولَه فقد غوى، ولا يضرُّ إلا نفسه ولا يضرُّ الله شيئاً» (٦). قال الله : ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللهُ غَنِيّاً حَمِيداً﴾ (٧)، وقال حاكياً عن موسى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (٨)، وقال: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (٩)،

стр. 517

وقال: ﴿لَنْ يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ (١). والمعنى: أنَّه تعالى يُحبُّ من عباده أنْ يتَّقوهُ ويُطيعوه، كما أنَّه يكره منهم أنْ يَعْصُوه، ولهذا يفرح بتوبة التائبين أشدَّ من فرح من ضَلَّتْ راحلته التي عليها طعامُه وشرابُه بفلاةٍ مِنَ الأرض، وطلبها حتى أعيى وأيِسَ منها، واستسلم للموت، وأيس من الحياة، ثم غلبته عينُه فنام، فاستيقظ وهي قائمةٌ عنده، وهذا أعلى ما يتصوره المخلوقُ من الفرح، هذا كلُّه مع غناه عن طاعات عباده وتوباتهم إليه، وإنَّه إنَّما يعودُ نفعُهَا إليهم دونه، ولكن هذا من كمال جوده وإحسّانه إلى عباده، ومحبته لنفعهم، ودفع الضَّرر عنهم، فهو يُحِبُّ من عباده أنْ يعرفوه ويحبُّوه ويخافوه ويتَّقوه ويطيعوه ويتقرَّبوا إليه، ويُحِبُّ أنْ يعلموا أنَّه لا يغفر الذنوب غيره، وأنَّه قادرٌ على مغفرة ذنوب عباده، كما في رواية عبد الرحمان بن غَنْم، عن أبي ذرٍّ لهذا الحديث: «من علم منكم أنِّي ذو قُدرةٍ على المغفرة، ثم استغفرني، غفرت له ولا أبالي». وفي " الصحيح " (٢) عن النَّبيِّ ﷺ : «أنَّ عبداً أذنب ذنباً، فقال: يا ربّ، إنِّي عملتُ ذنباً، فاغفر لي، فقالَ الله: علم عبدي أنَّ لهُ رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، قد غفرتُ لعبدي». وفي حديث عليِّ بن أبي طالب، عن النَّبيِّ ﷺ : أنَّه لمَّا ركب دابَّته، حَمِدَ اللهَ ثلاثاً، وكبَّر ثلاثاً، وقال: «سبحانك إني ظلمتُ نفسي، فاغفر لي، فإنَّه لا يغفر الذنوبَ إلاَّ أنت، ثمَّ ضحك، وقال: إنَّ ربَّك ليعجَبُ مِنْ عبده إذا قال: ربِّ اغفر لي ذنوبي، يعلم أنَّه لا يغفرُ الذُّنوبَ غيري»، خرَّجه الإمامُ أحمد والترمذي وصححه (٣). وفي الصحيح (٤) عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «والله للهُ أرحمُ بعباده من الوالدةِ بولدِها». كان بعضُ أصحاب ذي النون يطوفُ وينادي: آه أين قلبي، من وجد قلبي؟ فدخل يوماً بعضَ السكك، فوجد صبياً يبكي وأمه تضرِبهُ، ثُمَّ أخرجته من الدار،

стр. 518

وأغلقت البابَ دونه، فجعل الصبيُّ يتلفَّتُ يميناً وشمالاً لا يدري أين يذهب ولا أين يقصِدُ، فرجع إلى باب الدار، فجعلَ يبكي ويقول: يا أماه من يَفْتَحُ لي الباب إذا أغلقت عني بابَك؟ ومن يُدنيني من نفسه إذا طردتيني؟ ومن الذي يدنيني بعد أنْ غضبت عليَّ؟ فرحمته أمُّه، فقامت، فنظرت من خَلَلِ الباب، فوجدت ولدها تجري الدموعُ على خديه متمعِّكاً في التراب، ففتحت البابَ، وأخذته حتى وضعته في حجرها، وجعلت تُقبِّله، وتقول: يا قُرَّة عيني، ويا عزيز نفسي، أنتَ الذي حملتني على نفسك، وأنتَ الذي تعرَّضت لما حلَّ بك، لو كنتَ أطعتني لم تلقَ مني مكروهاً، فتواجد الفتى، ثم قام، فصاح، وقال: قد وجدتُ قلبي، قد وجدتُ قلبي. وتفكروا في قوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ﴾ (١)، فإنَّ فيه إشارةً إلى أنَّ المذنبين ليس لهم من يلجؤون إليه، ويُعوِّلون عليه في مغفرة ذنوبهم غيره، وكذلك قوله في حقِّ الثلاثة الذين خُلِّفوا: ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (٢)، فرتَّب توبته عليهم على ظنِّهم أنْ لا ملجأ من الله إلا إليه، فإنَّ العبدَ إذا خاف من مخلوقٍ، هرب منه، وفرَّ إلى غيره، وأمَّا من خاف من الله، فما له منْ ملجأ يلجأُ إليه، ولا مهرب يهربُ إليه إلاَّ هو، فيهرُب منه إليه، كما كان النَّبيُّ ﷺ يقول في دعائه: «لا ملجأ، ولا مَنجَا منك إلاَّ إليك» (٣) وكان يقول: «أعوذُ برضاكَ مِنْ سَخَطِك، وبعفوك من عقوبتك، وبِكَ منكَ» (٤).

стр. 519

قال الفضيلُ بنُ عياض ﵀: ما مِنْ ليلةٍ اختلط ظلامُها، وأرخى اللَّيلُ سِربالَ سَترها، إلاَّ نادى الجليلُ ﷻ : مَنْ أعظمُ منِّي جوداً، والخلائق لي عاصون، وأنا لهم مراقبٌ، أكلؤهم في مضاجعهم، كأنَّهم لم يعصوني، وأتولَّى حفظَهم، كأنَّهم لم يُذنبوا فيما بيني وبينهم، أجودُ بالفضل على العاصي، وأتفضَّلُ على المسيءِ، مَنْ ذا الذي دعاني فلم أُلبِّه؟ أم مَنْ ذا الذي سألني فلم أعطِه؟ أم من الذي أناخ ببابي فنحَّيتُه؟ أنا الفضلُ، ومنِّي الفضل، أنا الجوادُ، ومنِّي الجودُ، أنا … الكريمُ، ومنِّي الكرمُ، ومن كرمي أنْ أغفرَ للعاصين بعد المعاصي (١)، ومن كرمي أنْ أُعطي العبد ما سألني، وأُعطيه ما لم يسألني، ومن كرمي أنْ أُعطي التَّائبَ كأنَّه لم يعصني، فأين عني يهرُبُ الخلائقُ؟ وأين عن بابي يتنحَّى العاصون (٢)؟ خرَّجه أبو نعيم (٣). ولبعضهم في المعنى: أسأتُ ولم أُحْسِنْ وجئتُكَ تائباً … وأنَّى لِعَبْدٍ عن مواليه مَهْرَبُ يُؤَمِّلُ غُفَراناً فإنْ خَابَ ظَنُّه … فما أَحَدٌ منه على الأرضِ أخيبُ فقوله بعد هذا: «يا عبادي، لو أنَّ أوَّلكم وآخرَكُم وإنسكم وجِنَّكم كانوا على أتقى قلبِ رجلٍ واحدٍ منكم، ما زاد ذلك في مُلكي شيئاً، ولو كانوا على أفجر قلبِ رجلٍ منكم، ما نقص ذلك من مُلكي شيئاً»: هو إشارةٌ إلى أنَّ مُلكه لا يزيدُ بطاعة الخلق، ولو كانوا كلُّهم بررةً أتقياءَ، قلوبُهم على قلب أتقى رجلٍ منهم، ولا يَنْقُصُ مُلكُهُ بمعصية العاصين، ولو كان الجنُّ والإنسُ كلُّهم عصاةً فجرةً قلوبُهم على قلبِ أفجرِ رجلٍ منهم، فإنَّه سبحانه الغنيُّ بذاته عمَّن سواه، وله الكمالُ المطلق في ذاته وصفاته وأفعاله، فَمُلكُهُ ملكٌ كاملٌ لا نقص فيه بوجه من الوجوه على أيِّ وجهٍ كان. ومِنَ النَّاس مَنْ قال: إنَّ إيجاده لخلقِه على هذا الوجه الموجود أكملُ من إيجاده

стр. 520

على غيره، وهو خيرٌ من وجوده على غيره، وما فيه من الشَّرِّ، فهو شرٌّ إضافيٌّ نسبيٌّ بالنسبة إلى بعض الأشياء دونَ بعض، وليس شَرَّاً مطلقاً، بحيث يكونُ عدمُه خيراً من وجوده من كلِّ وجه، بل وجودُه خيرٌ من عدمه، قال: وهذا معنى قوله: «بيده الخيرُ» (١) ومعنى قول النَّبيِّ ﷺ : «والشَّرُّ ليس إليك» (٢) يعني: أنَّ الشَّرَّ المحضَ الذي عدمه خيرٌ من وجوده ليس موجوداً في ملككَ، فإنَّ الله تعالى أوجد خلقه على ما تقتضيه حكمته وعدله، وخصَّ قوماً من خلقه بالفضل، وترك آخرينَ منهم في العدل، لما له في ذلك من الحكمة البالغة. وهذا فيه نظرٌ، وهو يُخالِفُ ما في الحديث مِنْ أنَّ جميعَ الخلق لو كانوا على صفةِ أكمل خلقه من البرِّ والتقوى، لم يزد ذلك ملكه شيئاً، ولا قدر جناح بعوضة، ولو كانوا على صفة أنقصِ خلقه من الفجور، لم ينقص ذلك من ملكه شيئاً، فدلَّ على أنَّ ملكه كاملٌ على أيِّ وجهٍ كان لا يزداد ولا يكمل بالطاعات، ولا يَنقُصُ بالمعاصي، ولا يؤثِّرُ فيه شيء. وفي هذا الكلام دليلٌ على أنَّ الأصل في التَّقوى والفجور هو القلبُ، فإذا برَّ القلبُ واتَّقي برَّت الجوارحُ، وإذا فجر القلب، فجرت الجوارحُ، كما قال النَّبيُّ ﷺ : «التقوى هاهنا»، وأشار إلى صدره (٣). قوله: «يا عبادي، لو أنَّ أوَّلكم وآخركم وإنسَكُم وجنَّكم قاموا في صعيدٍ

стр. 521

واحدٍ، فسألوني، فأعطيتُ كُلَّ إنسانٍ مسألته، ما نقصَ ذلك ممَّا عندي إلاَّ كما ينقصُ المِخْيَطُ إذا أُدخِلَ البحرَ» المرادُ بهذا ذكرُ كمال (١) قدرته سبحانه، وكمال ملكه، وإنَّ مُلكَهُ وخزائنَه لا تَنفَدُ، ولا تَنقُصُ بالعطاء، ولو أعطى الأوَّلين والآخرين من الجنِّ والإنس جميعَ ما سألوه في مقامٍ واحدٍ، وفي ذلك حثٌّ للخلق على سؤالِه وإنزالِ حوائجهم به، وفي " الصحيحين " (٢) عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «يَدُ الله ملأى، لا تَغِيضُها نفقةٌ، سحَّاءُ الليلَ والنهارَ (٣)، أفرأيتم ما أنفقَ منذ خلق السماوات والأرض؟ فإنَّه لم يَغِضْ ما في يَمينه». وفي " صحيح مسلم " (٤) عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «إذا دعا أحدُكم، فلا يَقُل: اللهمَّ اغفر لي إنْ شئتَ، ولكن ليعزم المسألةَ، وليُعَظِّم الرَّغبةَ، فإنَّ الله لا يتعاظمُهُ شيءٌ». وقال أبو سعيدٍ الخدريُّ: إذا دعوتُم الله، فارفعوا في المسألة، فإنَّ ما عنده لا يَنْفَدُه شيء، وإذا دعوتم فاعزموا، فإنَّ الله لا مستكره له. وفي بعض الآثار الإسرائيلية: يقول الله : أيُؤَمَّلُ غيري للشدائد والشدائد بيدي وأنا الحيُّ القيُّوم؟ ويُرجى غيري، ويُطرق بابُه بالبكرات، وبيدي مفاتيحُ الخزائنِ، وبابي مفتوحٌ لمن دعاني؟ من ذا الذي أمَّلني لنائبة فقطعت به؟ أو مَنْ ذا الذي رجاني لعظيمٍ، فقطعت رجاءه؟ أو مَنْ ذا الذي طرق بابي، فلم أفتحه له؟ أنا غايةُ الآمالِ، فكيف تنقطعُ الآمالُ دوني؟ أبخيلٌ أنا فيبخِّلُني عبدي؟ أليس الدُّنيا والآخرة والكرم والفضلُ كُلُّه لي؟ فما يمنع المؤمَّلين أنْ يؤمِّلوني؟ لو جمعتُ أهل السماوات والأرض، ثم أعطيتُ كلَّ واحدٍ منهم ما أعطيتُ الجميعَ، وبلَّغْت كلَّ واحدٍ منهم أملَه، لم يَنقُصْ ذلك مِنْ مُلكي عضو ذرَّةٍ، كيف يَنقُصُ ملكٌ أنا قَيِّمُه؟ فيا بؤساً للقانطين من رحمتي، ويا بؤساً لمن عصاني وتوثَّب على محارمي (٥).

стр. 522

قوله: «لم ينقص ذلك ممَّا عندي إلاَّ كما يَنقُصُ المِخيَطُ إذا أدخل البحر» تحقيق لأنَّ ما عنده لا ينقُصُ البتَّة، كما قال تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللهِ بَاقٍ﴾ (١)، فإنَّ البحرَ إذا غُمِسَ فيه إبرةٌ، ثم أُخرجتْ، لم ينقص من البحر بذلك شيءٌ، وكذلك لو فرض أنَّه شرب منه عصفورٌ مثلاً، فإنَّه لا ينقص البحر البتة، ولهذا ضربَ الخضرُ لموسى ﵉ هذا المثل في نسبة علمهما إلى علم الله (٢)، وهذا لأنَّ البحر لا يزال تمدُّهُ مياه الدُّنيا وأنهارُها الجاريةُ، فمهما أُخِذَ منه، لم يَنْقُصْهُ شيءٌ؛ لأنَّه يمدُّه ما هو أزيدُ ممَّا أخذ منه، وهكذا طعامُ الجنَّة وما فيها، فإنَّه لا ينفدُ، كما قال تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ (٣)، وقد جاء: «أنَّه كلَّما نُزِعت ثمرةٌ، عاد مكانها مثلُها» وروي: «مثلاها» (٤)، فهي لا تنقُصُ أبداً ويشهد لذلك قولُ النَّبيِّ ﷺ في خطبة الكسوف: «وأريتُ الجنَّة، فتناولتُ منها عنقوداً، ولو أخذتُه لأكلتُم منه ما بَقِيَتِ الدُّنيا» خرَّجاه في " الصحيحين " من حديث ابن عباس (٥)، وخرَّجه الإمام أحمد من حديث جابرٍ، ولفظه: «ولو أتيتكم به لأكل منه مَنْ بينَ السَّماء والأرض، لا يَنقصُونَه شيئاً» (٦).

стр. 523

وهكذا لحمُ الطَّيرِ الذي يأكلُه أهل الجنَّة يستخلف ويعودُ كما كان حياً لا ينقص منه شيءٌ، وقد روي هذا عن النَّبيِّ ﷺ من وجوهٍ فيها ضعفٌ (١)، وقاله كعبٌ. وروي أيضاً عن أبي أمامة الباهلي من قوله، قال أبو أمامة: وكذلك الشرابُ يشرب حتى ينتهي نفَسُه، ثم يعودُ مكانَه. ورؤي بعض العلماء الصالحين بعدَ موته بمدَّة في المنام فقال: ما أكلتُ منذ فارقتكم إلاَّ بعضَ فرخٍ، أما علمتم أنَّ طعامَ الجنَّة لا ينفَدُ؟ (٢) وقد بيَّن في الحديث الذي خرَّجه الترمذيُّ وابنُ ماجَه السبب الذي لأجله لا ينقصُ ما عندَ الله بالعطاء بقولِهِ: «ذَلِكَ بأنِّي جوادٌ واجدٌ ماجدٌ، أفعلُ ما أُريدُ، عطائي كلامٌ، وعذابي كلامٌ، إنَّما أمري لشيءٍ إذا أردتُ أنْ أقولَ له: … كن فيكون» (٣) وهذا مثلُ قوله : ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٥). في " مسند البزار " بإسناد فيه نظرٌ من حديث أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «خزائنُ اللهِ الكلامُ، فإذا أراد شيئاً، قال له: كن، فكان» (٦)، فهو سبحانه إذا أراد شيئاً من عطاءٍ أو عذابٍ أو غير ذلك، قال له: كن، فكان، فكيف يتصوَّرُ أنْ يَنقُصَ هذا؟ وكذلك إذا أراد أنْ يخلُق شيئاً، قال له: كن، فيكون، كما قال: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٧). وفي بعض الآثار الإسرائيلية: أوحى الله تعالى إلى موسى ﵇: يا موسى لا تخافنَّ غيري ما دام ليَ السُّلطان، وسلطاني دائمٌ لا ينقطعُ، يا موسى، لا تهتمَّنَّ

стр. 524

برزقي أبداً ما دامت خزائني مملوءةً، وخزائني مملوءةٌ لا تفنَى أبداً، يا موسى لا تأنس بغيري ما وجدتَني أنيساً لك، ومتى طلبتني وجدتني، يا موسى، لا تأمن مكري ما لم تَجُزِ الصِّراطَ إلى الجنة. وقال بعضهم: لا تَخضَعَنَّ لِمخلُوقٍ على طَمَعٍ … فإنَّ ذَاكَ مُضِرٌّ مِنْكَ بالدِّينِ واستَرْزِقِ الله مِمَّا في خَزَائِنِهِ … فإنَّما هيَ بَيْنَ الكَافِ والنُّونِ وقوله: «يا عبادي، إنَّما هي أعمالُكُم أُحصيها لكم، ثم أُوَفِّيكُم إيَّاها» يعني: أنَّه سبحانه يُحصي أعمالَ عبادِه، ثمَّ يُوفيهم إياها بالجزاء عليها، وهذا كقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ (١)، وقوله: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ (٢)، وقوله: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً﴾ (٣)، وقوله: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَميعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللهُ وَنَسُوهُ﴾ (٤). وقوله: «ثم أُوَفِّيكُم إيَّاها» الظاهرُ أنَّ المرادَ توفيتُها يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٥)، ويحتمل أنَّ المرادَ: أنَّه يوفي عبادَه جزاءَ أعمالِهم في الدُّنيا والآخرة كما في قوله: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً … يُجْزَ بِهِ﴾ (٦). وقد رُوي عنِ النَّبيِّ ﷺ أنَّه فسّر ذلك بأنَّ المؤمنين يُجازَوْن بسيِّئاتهم في الدُّنيا، وتدخر لهم حسناتُهم في الآخرة، فيوفَّوْن أجورها (٧). وأما الكافر فإنَّه يعجل له في الدنيا ثواب حسناته، وتُدَّخر له سيئاته، فيعاقب بها في الآخرة. وتوفية الأعمال هي توفية جزائها من خيرٍ أو شرٍ، فالشرُّ يُجازى به مثلَه من غير زيادةٍ، إلاَّ أنْ يعفوَ الله عنه، والخيرُ تُضاعف الحسنة منه بعشر أمثالها إلى سبعِ مئةِ ضعفٍ إلى أضعافٍ كثيرةٍ لا يعلم قدرها إلا الله (٨)، كما قال : ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٩). وقوله: «فمن وجد خيراً، فليحمَدِ الله، ومن وجدَ غير ذلك، فلا يلومنَّ إلا

стр. 525

نفسه» إشارةٌ إلى أنَّ الخيرَ كلَّه من الله فضلٌ منه على عبدِه، من غير استحقاقٍ له، والشرُّ كلُّه من عند ابنِ آدم من اتَّباع هوى نفسه، كما قال : ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ (١)، وقال عليٌّ ﵁: لا يرجونَّ عبدٌ إلا ربه، ولا يخافنَّ إلا ذنبه (٢)، فالله سبحانه إذا أراد توفيقَ عبد وهدايته أعانه، ووفَّقه لطاعته، فكان ذلك فضلاً منه، وإذا أراد خِذلانَ عبدٍ، وكلَهُ إلى نفسه، وخلَّى بينَه وبينَها، فأغواهُ الشيطانُ لغفلته عن ذكرِ الله، واتَّبع هواه، وكان أمره فُرُطاً، وكان ذلك عدلاً منه، فإنَّ الحجَّةَ قائمةٌ على العبدِ بإنزالِ الكتاب، وإرسال الرسول، فما بقي لأحدٍ مِنَ النَّاس (٣) على الله حجةٌ بعد الرُّسُلِ. فقوله بعد هذا: «فمن وجد خيراً، فليحمدِ الله، ومن وجدَ غيرَ ذلك، فلا يلومنَّ إلاَّ نفسَه» إنْ كان المرادُ: مَنْ وجدَ ذلك في الدُّنيا، فإنَّه يكونُ حينئذٍ مأموراً بالحمد لله على ما وجده من جزاءِ الأعمال الصالحة الذي عجل له في الدُّنيا كما قال: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٤)، ويكون مأموراً بلوم نفسه على ما فَعَلَتْ من الذُّنوب التي وجد عاقبتها في الدنيا، كما قال تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٥)، فالمؤمن إذا أصابه في الدُّنيا بلاءٌ، رجع على نفسه باللوم، ودعاه ذلك إلى الرجوع إلى الله بالتوبة والاستغفار، وفي " المسند " (٦) و" سنن أبي داود " (٧) عن النَّبيِّ ﷺ قال: «إنَّ المؤمنَ إذا أصابه سَقَمٌ، ثمَّ عافاه الله منه، كان كفَّارةً لما مضى مِنْ ذُنوبه، وموعظةً له فيما يستقبلُ من عمره، وإنَّ المنافق إذا مرض وعوفي، كان كالبعيرِ عَقَلَه أهلُه، وأطلقوه، لا يدري لِمَ عقلوه ولا لِمَ أطلقوه».

стр. 526

وقال سلمان الفارسي: إنَّ المسلمَ ليُبتلى، فيكون كفارةً لما مضى ومستعتباً فيما بقي، وإنَّ الكافر يُبتلى، فمثله كمثل البعير أُطلِقَ، فلم يدر لما أطلق، وعقل، فلم يدر لم عُقِلَ؟ (١) وإنْ كان المرادُ من وجد خيراً أو غيرَه في الآخرة، كان إخباراً منه بأنَّ الذين يجدون الخيرَ في الآخرة يحمَدُونَ الله على ذلك، وأنَّ مَنْ وجدَ غير ذلك يلوم نفسه حين لا ينفعُهُ اللومُ، فيكونُ الكلام لفظه لفظُ الأمر، ومعناه الخبرُ، كقوله ﷺ : «مَنْ كَذَب عليَّ متعمداً، فليتبوَّأ مقعده من النار» (٢) والمعنى: أنَّ الكاذبَ عليه يتبوَّأ مقعده من النار. وقد أخبر الله تعالى عن أهل الجنَّة أنَّهم يحمَدُون الله على ما رزقهم من فضله، فقال: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللهُ﴾ (٣)، وقال: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ للهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ (٤)، وقال: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ (٥)، وأخبر عن أهل النار أنَّهم يلومون أنفسهم، ويمقُتونها أشدَّ المقت، فقال تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ (٧). وقد كان السَّلفُ الصالح يجتهدون في الأعمال الصالحة؛ حذراً من لوم النفس عندَ انقطاع الأعمال على التقصير. وفي " الترمذي " (٨) عن أبي هريرة مرفوعاً:

стр. 527

«ما مِنْ مَيِّتٍ يموتُ إلاَّ ندم، إنْ كان محسناً ندم على أنْ لا يكونَ ازداد، وإنْ كان مسيئاً ندم أنْ لا يكون استعتب». وقيل لمسروق: لو قصرتَ عن بعض ما تصنع من الاجتهاد، فقال: والله لو أتاني آتٍ، فأخبرني أنْ لا يعذبني، لاجتهدت في العبادة، قيل: كيف ذاك؟ قال: حتى تَعْذِرني نفسي إنْ دخلت النار أنْ لا ألومها، أما بلغك في قول الله تعالى: … ﴿وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ (١) إنَّما لاموا أنفسهم حين صاروا إلى جهنَّمَ، فاعتنقتهم الزَّبانيةُ، وحيل بينهم وبين ما يشتهون، وانقطعت عنهم الأماني، ورفعت عنهم الرحمة، وأقبل كلُّ امرئٍ منهم يلومُ نفسَه (٢). وكان عامر بن عبد قيس يقول: والله لأجتهدنَّ، ثم والله لأجتهدنَّ، فإنْ نجوت فبرحمة الله، وإلاَّ لم ألم نفسي (٣). وكان زياد مولى ابن عياش يقول لابن المنكدر ولصفوانَ بن سُليم: الجدَّ الجدَّ والحذَرَ الحذَرَ، فإنْ يكن الأمرُ على ما نرجو، كان ما عمِلتُما فضلاً، وإلاَّ لم تلوما أنفسكما. وكان مُطرِّف بن عبد الله يقول: اجتهدوا في العمل، فإنْ يكن الأمرُ كما نرجو من رحمة الله وعفوه، كانت لنا درجات في الجنَّة، وإنْ يكن الأمرُ شديداً كما نخاف ونُحاذِرُ، لم نقل: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا … نَعْمَلُ﴾ (٤)، نقول: قد عملنا فلم ينفعنا ذلك (٥).

стр. 528

الحديث الخامس والعشرون عَنْ أبي ذَرٍّ ﵁: أنَّ ناساً مِنْ أصْحَابِ رسولِ اللهِ ﷺ قالُوا لِلنَّبيِّ ﷺ : يا رَسُولَ اللهِ ذَهَبَ أهْلُ الدُّثُورِ بالأجورِ، يُصلُّونَ كَما نُصَلِّي، ويَصومُونَ كَمَا نَصُومُ، ويتَصدَّقُونَ بفُضُولِ أموالِهمْ، قال: «أوليسَ قد جعلَ اللهُ لَكُمْ ما تَصَّدَّقُونَ؟ إنَّ بكُلِّ تَسبيحةٍ صَدقةً، وكُلِّ تَكبيرةٍ صَدقَةً، وكُلِّ تَحْمِيدةٍ صَدقةً، وكُلِّ تَهْليلَةٍ صدقةً، وأمْرٌ بِالمَعْروفِ صَدقَةٌ، ونَهْيٌ عَنْ مُنكَرٍ صَدقَةٌ، وفي بُضْعِ أحَدِكُم صَدقَةٌ». قالوا: يا رسولَ الله، أيأتِي أحدُنا شَهْوَتَهُ ويكونُ لهُ فيها … أجْرٌ؟ قال: «أرأيتُمْ لَوْ وَضَعَها في حَرَامٍ، أكانَ عليهِ وِزْرٌ. فكذلك إذا وضَعَها في الحلالِ كانَ لهُ أَجْرٌ». رَواهُ مُسلمٌ (١). هذا الحديث خرَّجه مسلم من رواية يحيى بن يعمر، عن أبي الأسود الديلي، عن أبي ذرٍّ ﵁، وقد روي معناه عن أبي ذرٍّ من وجوهٍ كثيرةٍ بزيادةٍ ونقصانٍ، وسنذكر بعضها فيما بعد إنْ شاء الله تعالى. وفي هذا الحديث دليلٌ على أنَّ الصحابة ﵃ لِشدَّةِ حرصهم على الأعمال الصالحة، وقوة رغبتهم في الخير كانوا يحزنون على ما يتعذر عليهم فعلُه من الخير ممَّا يقدر عليه غيرهم، فكان الفقراء يَحزَنُونَ على فواتِ الصَّدقة بالأموال التي يَقدِرُ عليها الأغنياء، ويحزنون على التخلُّف عن الخروجِ في الجهاد؛ لعدم القدرة على آلته، وقد أخبر الله عنهم بذلك في كتابه، فقال: ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ (٢).

стр. 529

وفي هذا الحديث: أنَّ الفقراء غَبَطوا أهل الدُّثور - والدُّثور: هي … الأموال (١) - بما يحصُلُ لهم مِنْ أجرِ الصدقة بأموالهم، فدلَّهمُ النَّبيُّ ﷺ على صدقاتٍ يقدِرُون عليها. وفي " الصحيحين " (٢) عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرة: أنَّ فقراءَ المهاجرين أتَوا النَّبيَّ ﷺ ، فقالوا: ذَهَبَ أهلُ الدُّثورِ بالدرجات العُلى والنعيمِ المقيمِ، فقال: «وما ذاك؟» قالوا: يُصلُّون كما نُصلِّي، ويصومون كما نصوم، ويتصدَّقون ولا نتصدَّق، ويَعتِقون ولا نَعتِق، فقال رسولُ الله ﷺ : «أفلا أُعَلِّمُكم شيئاً تُدرِكُونَ به مَنْ قد سَبَقَكُم، وتسبِقونَ به من بَعدكم، ولا يكون أحدٌ أفضلَ منكم إلا مَنْ صنع مثل ما صنعتم؟ قالوا: بلى يا رسولَ الله، قال: «تُسبِّحونَ وتُكبِّرونَ وتحمَدُونَ دُبُرَ كلِّ صلاة ثلاثاً وثلاثين مرَّة»، قال أبو صالح: فرجع فقراءُ المهاجرين إلى رسول الله ﷺ فقالوا: سمع إخواننا أهلُ الأموالِ بما فعلنا ففعلوا مثله، فقال رسولُ الله ﷺ : ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ (٣). وقد روي نحو هذا الحديث من رواية جماعة من الصحابة منهم: علي (٤)، وأبو ذر (٥)، وأبو الدرداء (٦)، وابن عمر (٧)، وابن عباس (٨)، وغيرهم. ومعنى هذا أنَّ الفقراء ظنُّوا أنْ لا صدقةَ إلاَّ بالمال، وهم عاجزون عن ذلك، فأخبرهُم النَّبيُّ ﷺ أنَّ جميعَ أنواع فعلِ المعروف والإحسّان صدقة. وفي " صحيح مسلم " (٩) عن حذيفة، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «كلُّ

стр. 530

معروفٍ صدقةٌ». وخرَّجه البخاري (١) من حديث جابرٍ، عن النَّبيِّ ﷺ . فالصدقة تُطلق على جميع أنواع فعل المعروف والإحسّان، حتَّى إنَّ فضل الله الواصل منه إلى عباده صدقة منه عليهم. وقد كان بعضُ السَّلف يُنكر ذلك، ويقول: إنَّما الصَّدقةُ ممَّن يطلُبُ جزاءها وأجرَها، والصَّحيحُ خلافُ ذلك، وقد قال النَّبيُّ ﷺ في قصر الصَّلاة في السفر: «صدقةٌ تصدَّقَ اللهُ بها عليكم، فاقبلوا صدقتَه» خرَّجه مسلم (٢)، وقال: من كانت له صلاةٌ بليلٍ، فغلب عليه نومٌ فنام عنها، كتب الله له أجرَ صلاتِه، وكان نومُه صدقةً مِنَ الله تصدَّق بها عليه». خرَّجه النَّسائي وغيرُه من حديث عائشة (٣)، وخرَّجه ابن ماجه من حديث أبي الدرداء (٤). وفي " مسندي " (٥) بقي بن مخلد والبزار من حديث أبي ذرٍّ مرفوعاً: «ما من يومٍ ولا ليلةٍ ولا ساعةٍ إلاَّ لله فيها صدقة يَمُنُّ بها على مَنْ يشاءُ مِنْ عباده، وما منَّ الله على عبدٍ مثلَ أنْ يُلهِمَهُ ذكره». وقال خالدُ بن معدان: إنَّ الله يتصدَّقُ كلَّ يوم بصدقة، وما تصدَّق الله على أحدٍ من خلقِه بشيءٍ خيرٍ من أنْ يتصدَّق عليه بذكره (٦). والصدقة بغير المال نوعان: أحدهما: ما فيه تعدية الإحسّان إلى الخلق، فيكون صدقةً عليهم، وربما كان أفضلَ من الصدقة بالمال، وهذا كالأمر بالمعروف، والنَّهي عن المنكر، فإنَّه دُعاءٌ إلى طاعة الله، وكفٌّ عن معاصيه، وذلك خيرٌ من النَّفع بالمال، وكذلك تعليمُ العلم النافع، وإقراءُ القرآن، وإزالةُ الأذى عن الطريق، والسعيُ في جلب

стр. 531

النفع للناس، ودفعُ الأذى عنهم، وكذلك الدُّعاءُ للمسلمين والاستغفارُ لهم. وخرَّج ابنُ مردويه بإسنادٍ فيه ضعفٌ عن ابن عمر مرفوعاً: «مَنْ كانَ له مالٌ، فليتصدَّق من ماله، ومن كان له قوَّةٌ، فليتصدَّق من قوَّته، ومن كان له عِلمٌ، فليتصدَّق من عِلْمِه» ولعله موقوف (١). وخرَّج الطبراني (٢) بإسنادٍ فيه ضعفٌ عن سَمُرَة، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «أفضلُ الصدقة اللسانُ» قيل: يا رسول الله، وما صدقةُ اللسان؟ قال: «الشفاعةُ تَفُكُّ بها الأسيرَ، وتحقِنُ بها الدَّم، وتَجُرُّ بها المعروف والإحسّان إلى أخيك، وتدفع عنه الكريهة». وقال عمرو بنُ دينار: بلغنا أنَّ رسول الله ﷺ قال: «ما مِنْ صدقةٍ أحبَّ إلى الله من قولٍ، ألم تسمع إلى قوله تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذىً﴾ (٣) خرَّجه ابن أبي حاتم (٤). وفي مراسيل الحسن (٥)، عن النَّبيِّ ﷺ : «إنَّ مِنَ الصَّدقة أنْ تسلِّم على النَّاس وأنت طليق الوجه». خرَّجه ابن أبي الدُّنيا. وقال معاذ: تعليمُ العلم لمن لا يعلمه صدقةٌ، وروي مرفوعاً (٦). ومن أنواع الصدقة: كفُّ الأذى عن النَّاسِ، ففي " الصحيحين " (٧)

стр. 532

عن أبي ذرٍّ قال: قلت: يا رسول الله أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: «الإيمانُ والجهادُ في سبيله»، قلت: فأيُّ الرِّقاب أفضلُ؟ قال: «أنفسُها عندَ أهلها وأكثرها ثمناً» قلت: فإنْ لم أفعل؟ قال: «تُعين صانعاً، وتصنع لأخرقَ». قلتُ: يا رسولَ الله، أرأيتَ إنْ ضَعُفْتُ عن بعض العمل؟ قالَ: «تكفُّ شرَّك عَن النَّاس، فإنَّها … صدقةٌ». وقد رُوِيَ في حديث أبي ذرٍّ زياداتٌ أخرى، فخرَّج الترمذي (١) من حديث أبي ذرٍّ، عنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: «تبسُّمك في وجه أخيك لك صدقةٌ، وأمرُك بالمعروف، ونهيُك عن المنكر صدقةٌ، وإرشادُك الرَّجُلَ في أرض الضَّلال لك صدقةٌ، وإماطتُك الحجرَ والشَّوكَ والعظمَ عن الطَّريق لك صدقةٌ، وإفراغُكَ من دلوِكَ في دلوِ أخيكَ لك صدقة». وخرَّج ابن حبَّان في " صحيحه " (٢) من حديث أبي ذرٍّ: أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لَيْسَ من نفسِ ابنِ آدم إلاَّ عليها صدقةٌ في كلِّ يوم طلعت فيه الشَّمسُ». قيل: يا رسول الله، ومن أين لنا صدقة نتصدَّقُ بها؟ قالَ: «إنَّ أبواب الخير لكثيرةٌ: التسبيحُ، والتكبير، والتحميد، والتهليل، والأمر بالمعروف، والنَّهيُ عن المنكرِ، وتميطُ الأذى عن الطَّريقِ، وتُسمعُ الأصمَّ، وتهدي الأعمى، وتدُلُّ المستَدِلَّ على حاجته، وتسعى بشدَّةِ ساقيكَ مع اللَّهفان المستغيثِ، وتحمِلُ بشدّةِ ذراعيكَ مع الضَّعيف، فهذا كُلُّه صدقةٌ منكَ على نفسك». وخرَّج الإمام أحمد (٣) من حديث أبي ذرٍّ قال: قلتُ: يا رسولَ الله، ذهبَ الأغنياءُ بالأجر، يتصدَّقون ولا نتصدَّق، قال: «وأنت فيك صدقةٌ: رفعُك العظمَ عِنِ الطَّريقِ صَدقةٌ، وهدايتُكَ الطَّريقَ صدقةٌ، وعونُكَ الضَّعيفَ بفضلِ قوَّتك صدقةٌ، وبيانُك عن الأغتَم صدقةٌ، ومباضعتُك امرأتَك صدقةٌ»، قلت: يا رسول الله، نأتي شهوتنا ونؤجر؟! قالَ:

стр. 533

«أرأيت لو جعله في حرامٍ، أكان يأثَمُ؟» قالَ: قلتُ: نعم، قالَ: «أفتحتسبون بالشرِّ ولا تحتسبون بالخير؟» وفي روايةٍ أخرى، فقال النَّبيُّ ﷺ : «إنَّ فيك صدقةً كثيرةً، فذكر فضلَ سمعك وفضل بصرك» وفي روايةٍ أخرى للإمام أحمد (١): قال: «إنَّ من أبواب الصدقةِ التَّكبير، وسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، وأستغفر الله، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتَعْزِلُ الشوكةَ عَنْ طريق الناس والعظم والحجر، وتهدي الأعمى، وتُسمع الأصمَّ والأبكم حتّى يفقَه، وتدلُّ المستدلَّ على حاجةٍ له قد علمتَ مكانَها، وتسعى بشدَّةِ ساقيك إلى اللَّهفان المستغيثِ، وترفَعُ بشدَّة ذراعَيْكَ مَعَ الضَّعيف، كلُّ ذلك من أبواب الصدقة منك على نفسك، ولك في جماعِكَ زوجتك أجرٌ»، قلتُ: كيف يكونُ لي أجرٌ في شهوتي؟ فقال رسولُ الله ﷺ : «أرأيت لو كان لك ولدٌ، فأدرك ورجوتَ خيرَه، فمات، أكنت تحتسب به؟ قلت: نعم، قال: فأنت خلقته؟ قلت: بل الله خلقَه، قال: فأنت هديته؟ قلت: بل الله هداه، قال: فأنت كنت ترزُقُه؟ قلت: بل الله كان يرزُقُه، قال: كذلك فضعه في حلاله وجنبه حرامه، فإنْ شاء الله أحياه، وإنْ شاءَ أماته، ولك أجر». وظاهرُ هذا السياق يقتضي أنَّه يُؤْجَرُ على جِماعِه لأهله بنيَّةِ طلب الولد الذي يترتَّبُ الأجر على تربيته وتأديبه في حياته، ويحتسبه عند موته، وأمَّا إذا لم يَنْوِ شيئاً بقضاءِ شهوته، فهذا قد تنازع النَّاسُ في دخوله في هذا الحديث (٢). وقد صحَّ الحديث بأنَّ نفقة الرجل على أهله صدقة، ففي " الصحيحين " (٣) عن أبي مسعود الأنصاري، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «نفقةُ الرجل على أهله

стр. 534

صدقةٌ». وفي روايةٍ لمسلم: «وهو يحتسبها»، وفي لفظٍ للبخاري: «إذا أنفقَ الرجلُ على أهله وهو يحتسبها، فهو له صدقة»، فدل على أنّه إنَّما يؤجرُ فيها إذا احتسبها عند الله كما في حديث سعد بن أبي وقاص، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «إنَّك لن تُنفِقَ نفقةً تبتغي بها وجهَ الله إلاَّ أُجِرْتَ عليها، حتَّى اللُّقمة ترفعُها إلى في امرأتك» خرَّجاه (١). وفي " صحيح مسلم " (٢) عن ثوبان، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «أفضلُ الدنانير دينارٌ ينفقُه الرَّجُل على عيالِه، ودينارٌ ينفقه على فرسٍ في سبيل الله، ودينارٌ ينفقه الرجل على أصحابه في سبيل الله» قال أبو قِلابة عند رواية هذا الحديث: بدأ بالعيال، وأيُّ رجلٍ أعظمُ أجراً من رجلٍ ينفقُ على عيالٍ له صغار يُعِفُّهم الله به، ويُغنيهم الله به. وفيه أيضاً (٣) عن سعد، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «إنَّ نفقتك على عيالِكَ صدقة، وإنَّ ما تأكلُ امرأتُك من مالك صدقة». وهذا قد ورد مقيداً في الرواية الأخرى بابتغاء وجه الله. وفي " صحيح مسلم " (٤) عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «دينار أنفقتَه في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدَّقت به على مسكينٍ، ودينارٌ أنفقته على أهلك، أفضلُها الدِّينارُ الذي أنفقته على أهلك». وخرَّج الإمام أحمد (٥)، وابن حبان في " صحيحه " (٦) من حديث أبي هُريرة قال: قال رسولُ الله ﷺ : «تصدَّقُوا»، فقال رجلٌ: عندي دينار، فقال: … «تصدَّق به على نفسك» قال: عندي دينارٌ آخر، قال: «تصدَّق به على زوجتك»، قال: عندي دينارٌ آخر، قال: «تصدَّق به على وَلَدِكَ»، قال: عندي دينارٌ آخرُ، قال: «تصدَّقْ به على خادمك»، قال: عندي دينارٌ آخر، قال: «أنت أبصرُ».

стр. 535

وخرَّج الإمام أحمد (١) من حديث المقدام بن معدي كرب، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «ما أَطْعَمْتَ نفسَك، فهو لك صدقة، وما أطعمت ولدكَ، فهو لك … صدقة، وما أطعمت زوجتك، فهو لك صدقة، وما أطعمت خادمَك، فهو لك صدقة» وفي هذا المعنى أحاديثُ كثيرة يطول ذكرها. وفي " الصحيحين " (٢) عن أنس، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «ما مِنْ مسلمٍ يَغرسُ غَرْساً، أو يزرعُ زرعاً، فيأكلُ منه إنسانٌ، أو طيرٌ، أو دابَّةٌ، إلا كان له صدقةٌ». وفي " صحيح مسلم " (٣) عن جابر، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «ما من مسلمٍ يغرسُ غَرْساً إلا كان ما أكلَ منه له صدقة، وما سُرِقَ منه له صدقة، وما أَكَلَ السَّبعُ منه فهو له صدقة، وما أكلتِ الطَّير فهو له صدقةٌ، ولا يرزؤُه أحدٌ إلا كان له صدقة». وفي روايةٍ له أيضاً: «فيأكل منه إنسانٌ، ولا دابةٌ، ولا طائرٌ إلاَّ كان له صدقة إلى يوم القيامة». وفي " المسند " (٤) بإسنادٍ ضعيف عن معاذ بن أنس الجُهني، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «من بَنى بنياناً في غير ظلمٍ ولا اعتداءٍ، أو غرس غِراساً في غيرِ ظلمٍ ولا اعتداءٍ، كان له أجراً جارياً ما انتفع به أحدٌ من خلق الرحمان». وذكر البخاري في " تاريخه " (٥) من حديث جَابر مرفوعاً: «مَنْ حَفَر ماءً لم تشرب منه كبد حرَّى من جنٍّ ولا إنسٍ ولا سَبُعٍ ولا طائرٍ إلا آجره الله يومَ … القيامة». وظاهر هذه الأحاديث كلّها يدلُّ على أنَّ هذه الأشياء تكونُ صدقة يُثاب عليها الزارعُ والغارسُ ونحوهما من غير قصدٍ ولا نيةٍ، وكذلك قولُ النَّبيِّ ﷺ : «أرأيت لو وضعها في الحرام، أكان عليه وِزْرٌ؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجرٌ» يدلُّ بظاهره على أنَّه يُؤْجَرُ في إتيان أهله من غير نيَّةٍ، فإنَّ المُباضِع لأهله كالزَّارع في الأرض

стр. 536

الذي يحرث الأرض ويبذر فيها، وقد ذهب إلى هذا طائفةٌ من العلماء، ومال إليه أبو محمد بن قتيبة في الأكل والشُّرب والجماع، واستدل بقول النَّبيِّ ﷺ : «إنَّ المؤمنَ ليؤجَرُ في كلِّ شيءٍ حتَّى في اللُّقمة يرفعها إلى فيه» (١). وهذا اللَّفظ الذي استدلَّ به غيرُ معروف، إنَّما المعروف قولُ النَّبيِّ ﷺ لسعد: «إنَّكَ لن تُنفِقَ نفقةً تبتغي بها وجهَ اللهِ إلا أُجِرتَ عليها، حتَّى اللُّقمة ترفعها إلى في امرأتك» (٢)، وهو مقيَّدٌ بإخلاص النية لله، فتحمل الأحاديثُ المطلقة عليه، والله أعلم. ويدلُّ عليهِ أيضاً قولُ الله : ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ (٣)، فجعل ذَلِكَ خيراً، ولم يرتِّب عليهِ الأجرَ إلا مع نية الإخلاصِ. وأمَّا إذا فعله رياءً، فإنَّه يُعاقب عليهِ، وإنَّما مَحَلُّ التردُّد إذا فعله بغيرِ نيَّةٍ صالحةٍ ولا فاسدة. وقد قالَ أبو سليمان الداراني: من عَمِلَ عَمَلَ خيرٍ من غير نية كفاه نيَّة اختيارِه للإسلام على غيرِه منَ الأديان (٤)، وظاهر هذا أنَّه يُثاب عليهِ من غيرِ نيَّةٍ بالكلية؛ لأنَّه بدخوله في الإسلام مختارٌ لأعمالِ الخيرِ في الجُملة، فيثابُ على كُلِّ عَملٍ يعملُه منها بتلك النية، والله أعلم. وقوله: «أرأيت لو وضعها في الحرام، أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال، كان له أجر». هذا يُسمَّى عندَ الأصوليين قياسَ العكس، ومنه قولُ ابن مسعودٍ، قال النَّبيُّ ﷺ كلمةً وقلتُ أنا أخرى، قال: «من مات يُشرِكُ بالله شيئاً دخل النار»، وقلت: من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة (٥).

стр. 537

والنَّوع الثاني من الصدقة التي ليست مالية: ما نفعُه قاصرٌ على فاعله، كأنواع الذِّكر: مِنَ التَّكبير، والتَّسبيح، والتَّحميد، والتَّهليل، والاستغفار، وكذلك المشيُ إلى المساجدِ صدقة، ولم يذكر في شيء من الأحاديث الصَّلاة والصيام والحج والجهاد أنَّه صدقة، وأكثرُ هذه الأعمال أفضلُ من الصَّدقات الماليَّة؛ لأنَّه إنَّما ذكر ذلك جواباً لسؤالِ الفُقراء الَّذين سألوه عمَّا يُقاوم تطوَّع الأغنياء بأموالهم، وأما الفرائض، فقد كانوا كلهم مشتركين فيها. وقد تكاثرتِ النُّصوصُ بتفضيل الذكر على الصدقة بالمال وغيرها من لأعمال، كما في حديث أبي الدرداء، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «ألا أنبِّئُكُم بخيرِ أعمالكم، وأزكاها عند مليكِكُم، وأرفعِها في درجاتكم، وخيرٍ لكم من إنفاق الذهب والفضة، وخيرٍ لكم منْ أنْ تَلْقَوا عدوَّكم، فتضربوا أعناقهم، ويضربوا … أعناقكم؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قالَ: «ذكرُ اللهِ ». خرَّجه الإمام أحمد (١) والترمذي (٢)، وذكره مالك في " الموطأ " (٣) موقوفاً على أبي الدرداء. وفي " الصحيحين " (٤) عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «مَنْ قال: لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له، له الملكُ، وله الحمدُ، يُحيي ويُميت، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ في يوم مئة مرَّة، كانت له عَدْلَ عشر رقاب، وكُتبت له مئة حسنةٍ، ومُحيت عنه مئة سيئةٍ، وكانت له حِرْزاً من الشَّيطان يومَه ذلك حتَّى يُمسي، ولم يأتِ أحدٌ بأفضلَ ممَّا جاءَ به إلاَّ أحدٌ عَمِلَ أكثرَ من ذلك». وفيهما (٥) أيضاً عن أبي أيوبَ، عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّه قال: «من قالها عشرَ مرَّاتٍ، كان كمن أعتقَ أربعةَ أنفُسٍ مِنْ ولدِ إسماعيل».

стр. 538

وخرَّج الإمام أحمد، والترمذي من حديث أبي سعيدٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ سُئِلَ: أيُّ العباد أفضلُ درجة عندَ الله يومَ القيامة؟ قال: «الذاكرون الله كثيراً» قلتُ: يا رسولَ الله، ومِنَ الغازي في سبيل الله؟ قال: «لو ضرب بسيفه في الكُفَّار والمشركين حتى ينكسر ويختضب دماً، لكان الذاكرون لله أفضلَ منه درجةً» (١). ويُروى نحوه من حديث معاذ وجابر مرفوعاً، والصوابُ وقفُه على معاذ من قوله (٢). وخرَّج الطبراني (٣) من حديث أبي الوازع، عن أبي بُردة، عن أبي موسى، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «لو أنَّ رجلاً في حجره دراهمُ يقسِمُها، وآخرَ يذكر الله، كان الذاكر لله أفضلَ». قلت: الصحيحُ عن أبي الوازع، عن أبي برزة الأسلمي من قوله. خرَّجه جعفر الفريابي (٤). وخرَّج أيضاً من حديث أنس، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «من كبَّرَ مئة، وسبَّح مئة (٥)، وهلَّل مئة، كانت خيراً له من عشر رقابٍ يَعْتِقُها، ومن سبع بَدَناتٍ ينحَرها» (٦).

стр. 539

وخرَّج ابن أبي الدُّنيا بإسناده عن أبي الدرداء أنَّه قيل له: إنَّ رجلاً أعتق مئة نسمة، فقال: إنَّ مئة نسمة من مالِ رجلٍ كثيرٌ، وأفضلُ من ذلك إيمانٌ ملزومٌ بالليل والنَّهار، وأنْ لا يزال لسانُ أحدكم رطباً من ذكر الله (١). وعن أبي الدَّرداء أيضاً، قال: لأن أقولَ: الله أكبرُ مئة مرة، أحبُّ إلىَّ من أنْ أتصدَّق بمئة دينار (٢). وكذلك قال سلمان الفارسي وغيرُه من الصَّحابة والتابعين: إنَّ الذِّكرَ أفضلُ من الصَّدقة بعددِه من المال. وخرَّج الإمامُ أحمد (٣) والنَّسائي (٤) من حديث أمِّ هانئ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لها: «سَبِّحي الله مئة تسبيحة، فإنَّها تَعدِلُ مئة رقبة من ولد إسماعيل، واحمدي الله مئة تحميدة، فإنَّها تَعدِلُ لكِ مئة فرس مُلجَمة مُسرَجة (٥) تحملين عليهنَّ في سبيل الله، وكبِّري الله مئة تكبيرة، فإنَّها تعدِلُ لك مئة بَدَنة مقلَّدة مُتُقبَّلة، وهلِّلي الله مئة تهليلة - لا أحسبه إلا قال: - تملأ ما بَيْنَ السماء والأرض، ولا يُرفَع يومئذٍ لأحدٍ مثلُ عملك إلاَّ أنْ يأتيَ بمثل ما أتيت»، وخرَّجه أحمد (٦) أيضاً وابنُ ماجه (٧)، وعندهما: «وقولي: لا إله إلا الله مئة مرة، لا تذر ذنباً، ولا يسبقها العمل». وخرَّجه الترمذي (٨) من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، عن النَّبيِّ ﷺ ، بنحوه.

стр. 540

وخرَّج الطبراني (١) من حديث ابن عباس مرفوعاً: قال: «ما صَدقةٌ أفضلَ من ذكرِ الله ». وخرَّج الفريابي بإسنادٍ فيه نظرٌ عن أبي أمامة مرفوعاً: «من فاته الليلُ أنْ يُكابِدَه، وبَخِل بماله أن ينفِقه، وجَبُنَ مِنَ العدوِّ أنْ يُقاتِله، فليكثر مِن سُبحان الله وبحمده، فإنَّها أحبُّ إلى الله مِنْ جبلِ ذهبٍ، أو جبل فضَّةٍ يُنفقه في سبيل الله (٢)». وخرَّجه البزار (٣) بإسنادٍ مُقارب من حديث ابن عباس مرفوعاً وقال في حديثه: «فليكثر ذكر الله» ولم يزِدْ على ذلك، وفي المعنى أحاديثُ أُخَرُ متعدِّدةٌ.

стр. 541

الحديث السادس والعشرون عَنْ أَبي هُرَيرةَ ﵁، قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «كُلُّ سُلامَى (١) مِنَ النَّاسِ عليهِ صَدَقةٌ، كُلَّ يَوْمٍ تَطلُعُ فيه الشَّمْسِ: تَعدِلُ بَينَ الاثنينِ صدَقَةٌ، وتُعينُ الرَّجُلَ في دابَّتِهِ، فتحمِلُهُ عليها، أو تَرْفَعُ لهُ عليها متاعَهُ صَدَقةٌ، والكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقةٌ، وبِكُلِّ خُطوةٍ تَمشيها إلى الصَّلاةِ صَدَقةٌ، وتُميطُ الأذى عَنِ الطَّريقِ صَدَقَةٌ». رواهُ البُخاريُّ ومُسلمٌ. هذا الحديث خرَّجاه من رواية همَّام بن مُنَبِّه، عن أبي هريرة (٢)، وخرَّجه البزار (٣) من رواية أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «الإنسان ثلاث مئة وستون عظماً، أو ستة وثلاثون سلامى، عليه في كلِّ يوم صدقةٌ» قالوا: فمن لم يجد؟ قالَ: «يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر» قالوا: فمن لم يستطع؟ قال: «يرفع عَظْماً عن الطَّريقِ» قالوا: فمن لم يستطع؟ قال: «فليُعن ضعيفاً» قالوا: فمن لم يستطع ذلك؟ قال: «فليدع النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ». وخرَّج مسلم (٤) من حديث عائشة، عن

стр. 542

النَّبيِّ ﷺ قال: «خُلِقَ ابنُ آدم على ستين وثلاث مئة مَفْصِلٍ، فمن ذكر الله، وحَمِدَ الله، وهلَّل الله، وسبَّح الله، وعزل حجراً عن طريق المسلمين، أو عزل شوكةً، أو عزل عظماً، أو أمر بمعروفٍ، أو نهى عن منكرٍ عددَ تلك الستين والثلاث مئة السُّلامى أمسى من يومه وقد زَحْزَحَ نفسه عن النَّارِ». وخرَّج مسلم (١) أيضاً من رواية أبي الأسود الدَّيلي، عن أبي ذرٍّ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ ، قال: «يُصبح على كلِّ سُلامى مِن أحدكم صدقةٌ، فكلُّ تسبيحةٍ صدقةٌ، وكلُّ تحميدةٍ صدقةٌ، وكلُّ تهليلةٍ صدقةٌ، وكلُّ تكبيرةٍ صدقةٌ، وأمرٌ بالمعروف صدقةٌ، ونهيٌ عَنِ المُنكرِ صدقةٌ، ويُجزئ من ذلك ركعتان يركعهما منَ الضُّحى». وخرَّج الإمام أحمد (٢)، وأبو داود (٣) من حديث بُريدة، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «في الإنسان ثلاث مئة وستونَ مَفْصِلاً، فعليه أنْ يتصدَّقَ عن كلِّ مَفصِلٍ منه بصدقة» قالوا: ومَن يُطيق ذلك يا نبيَّ الله؟ قال: «النُّخَاعَةُ في المسجد تَدفنها، والشَّيء تُنَحِّيه عن الطريق، فإنْ لم تجد، فركعتا الضحى تجزئُك». وفي " الصحيحين " (٤) عن أبي موسى، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «على كلِّ مسلمٍ صدقةٌ» قالوا: فإنْ لم يجد؟ قالَ: «فيعملُ بيده، فينفع نفسَه ويتصدَّقُ» قالوا: فإنْ لم يستطع، أو لم يفعل؟ قال: «يُعينُ ذا الحاجة الملهوف»، قالوا: فإنْ لم يفعل؟ قال: «فليأمر بالخير أو قال: بالمعروف» قالوا: فإنْ لم يفعل؟ قال: … «فليُمسِكْ عَنِ الشَّرِّ، فإنَّه له صدقة». وخرَّج ابن حبان في " صحيحه " (٥) من حديث ابن عباس، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال:

стр. 543

«على كُل مَنْسِمٍ (١) من ابن آدم صدقة كُلَّ يوم» فقال رجلٌ من القوم: ومن يُطِيق هذا؟ قال: «أمر بالمعروف صدقة، ونهيٌّ عن المنكر صدقة، والحملُ على الضَّعيف صدقة، وكلُّ خطوةٍ يخطوها أحدُكم إلى الصَّلاة صدقةٌ». وخرَّجه البزار (٢) وغيره. وفي رواية: «على كل مِيسَم (٣) من الإنسان صدقةٌ كل يوم، أو صلاة»، فقال رجل: هذا من أشدِّ ما أتيتنا به، فقال: «إنَّ أمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر صلاةٌ أو صدقةٌ، وحملك عن الضعيف صلاة، وإنحاؤكَ القذرَ عَنِ الطَّريقِ صلاةٌ، وكلُّ خطوةٍ تَخطوها إلى الصَّلاة صلاةٌ» (٤). وفي رواية البزار: «وإماطةُ الأذى عَنِ الطَّريق صدقةٌ» أو قال: «صلاةٌ». وقال بعضهم: يريد بالمِيسم: كلَّ عضو على حِدة، مأخوذ من الوسم: وهو العلامة، إذ ما مِنْ عظم ولا عرق ولا عَصَبٍ إلا وعليه أثَرُ صنع الله، فيجبُ على العبدِ الشكرُ على ذلك للهِ والحمد له على خلقه سوياً صحيحاً، وهذا هو المراد بقوله: «عليه صلاةٌ كلَّ يومٍ»؛ لأنَّ الصَّلاة تحتوي على الحمد والشكر والثناء. وخرَّج الطبراني (٥) من وجه آخر عن ابن عباس رفع الحديث إلى النَّبيِّ ﷺ ، قالَ: «على كلِّ سُلامَى، أو على كلِّ عضوٍ من بني آدم في كلِّ يوم صدقة، ويُجزئ من ذلك ركعتا الضحى». ويُروى من حديث أبي الدرداء، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «على كلِّ نفسٍ في كلِّ يومٍ صدقة» قيل: فإنْ كان لا يجد شيئاً؟ قال: «أليس بصيراً شهماً فصيحاً صحيحاً؟» قال: بلى، قال: «يُعطي من قليله وكثيره، وإنَّ بصرَك للمنقوصِ بصرُه صدقةٌ، وإنَّ سمعكَ للمنقوص سمعُهُ صدقة» (٦).

стр. 544

وقد ذكرنا في شرح الحديث الماضي - حديث أبي ذرٍّ - الذي خرَّجه ابن حبان في " صحيحه " (١): أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَيسَ مِنْ نفسِ ابن آدم إلا عليها صدقةٌ في كلِّ يومٍ طلعت فيه الشمس»، قيل: يا رسولَ الله، ومن أين لنا صدقة نتصدَّقُ بها؟ قال: «إنَّ أبوابَ الخيرِ لكثيرةٌ: التَّسبيحُ، والتَّحميدُ، والتَّكبيرُ، والتَّهليلُ، والأمرُ بالمعروف، والنَّهيُ عن المُنكر، وتُميط الأذى عن الطَّريقِ، وتُسمِعُ الأصمَّ، وتهدي الأعمى، وتَدُلُّ المستدلَّ على حاجته، وتسعى بشدَّة ساقيك مع اللَّهفان المستغيث، وتحمل بشِدَّة ذراعيك معَ الضَّعيف، فهذا كلُّه صدقةٌ منكَ على نفسِكَ». فقوله ﷺ : «على كلِّ سُلامى مِن النَّاس عليه صدقة». قال أبو عُبيد: السُّلامى في الأصل (٢) عَظْمٌ يكون في فِرْسِنِ البعير، قال: فكأنَّ معنى الحديث: على كُلِّ عظم من عظام ابن آدم صدقةٌ (٣)، يُشير أبو عُبيد إلى أنَّ السُّلامى اسمٌ لبعض العظام الصغار التي في الإبل، ثم عبَّرَ بها عن العظام في الجملة بالنسبة إلى الآدمي وغيره. فمعنى الحديث عنده: على كُلِّ عظمٍ من عظام ابن آدم صدقة. وقال غيرُه: السُّلامى: عظمٌ في طرف اليد والرِّجلِ، وكني بذلك عن جميع عظام الجسد، والسُّلامى جمعٌ، وقيل: هو مفرد. وقد ذكر علماء الطبِّ أنَّ جميعَ عظام البدن مئتان وثمانية وأربعون عظماً سوى السمسمانيات، وبعضهم يقول: هي ثلاث مئة وستون عظماً، يظهر منها للحسِّ مئتان وخمسة وستون عظماً، والباقية صغارٌ لا تظهر تُسمى السمسمانية، وهذه الأحاديث تُصدق هذا القول، ولعلَّ السُّلامى عبر بها عن هذه العظام … الصغار، كما أنَّها في الأصل اسم لأصغر ما في البعير من العظام، ورواية البزار لحديث أبي هريرة يشهد لهذا، حيث قال فيها: «أو ستةٌ وثلاثون سُلامى» وقد خرَّجه غيرُ البزار، وقال فيه: «إنَّ في ابنِ آدمَ ست مئة وستين عظماً» وهذه الرواية غلطٌ. وفي حديث عائشة وبُريدة ذكر ثلاث مئة وستين مفصلاً.

стр. 545

ومعنى الحديث: أنَّ تركيب هذه العظام وسلامتها مِن أعظم نِعَمِ الله على عبده، فيحتاج كلُّ عظم منها إلى صدقة يتصدق ابنُ آدم عنه، ليكونَ ذلك شكراً لهذه النعمة. قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الإنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ (١)، وقال : ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ﴾ (٢)، وقال : ﴿وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٣)، وقال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ﴾ (٤)، قال مجاهد: هذه نِعَمٌ من الله متظاهرةٌ يقرِّرُكَ بها كيما تَشكُر (٥)، وقرأ الفُضيلُ ليلةً هذه الآية، فبكى، فسئل عن بكائِهِ، فقال: هل بتَّ ليلة شاكراً لله أنْ جعل لك عينين تُبصر بهما؟ هل بتَّ ليلةً شاكراً لله أنْ جعل لك لساناً تنطق به؟ وجعل يعدِّد من هذا الضرب. وروى ابنُ أبي الدُّنيا (٦) بإسناده عن سلمانَ الفارسي، قال: إنَّ رجُلاً بُسِطَ له مِنَ الدُّنيا، فانتزع ما في يديه، فجعل يحمَدُ الله ، ويُثني عليه، حتَّى لم يكن له فراش إلا بوري (٧)، فجعل يَحمد الله، ويُثني عليه، وبسط للآخر من الدنيا، فقال لصاحب البُوري: أرأيتك أنتَ على ما تحمد الله ؟ قال: أحْمَدُ اللهَ على ما لو أُعْطِيتُ به ما أُعْطِيَ الخَلقُ، لم أُعْطِهِمْ إيَّاه، قال: وما ذاك؟ قال: أرأيتَ بصرَك؟ أرأيت لسانَك؟ أرأيت يديك؟ أرأيت رجليك؟ وبإسناده عن أبي الدرداء أنَّه كان يقول: الصِّحَّةُ غِنى الجسد (٨). وعن يونس بن عبيد: أنَّ رجلاً شكا إليه ضِيقَ حاله، فقال له يونس: أيسُرُّك أنَّ لك ببصرك هذا الذي تُبصِرُ به مئة ألف درهم؟ قال الرجل: لا، قال: فبيدك مئة ألف

стр. 546

درهم؟ قال: لا، قال: فبرجليك؟ قال: لا، قال: فذكَّره نِعَمَ الله عليه، فقال يونس: أرى عندك مئين ألوفٍ وأنت تشكو الحاجة (١). وعن وهب بن مُنَبِّهٍ، قال: مكتوبٌ في حكمة آل داود: العافية المُلك الخفيُّ (٢). وعن بكر المزني قال: يا ابن آدم، إنْ أردتَ أنْ تعلمَ قدرَ ما أنعمَ اللهُ عليك، فغمِّضْ عينيك (٣). وفي بعض الآثار: كم مِنْ نِعمَةٍ لله في عرقٍ ساكن (٤). وفي " صحيح البخاري " (٥) عن ابن عباس، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «نِعْمَتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس: الصِّحَّةُ والفراغ». فهذه النِّعم مما يُسألُ الإنسانُ عن شكرها يومَ القيامة، ويُطالب بها كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ (٦). وخرَّج الترمذيُّ (٧) وابنُ حبَّانَ (٨) من حديث أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «إنَّ أوَّلَ ما يُسأل العبد عنه يوم القيامة مِن النعيم، فيقول له: ألم نصحَّ لك جسمَك، ونُرْويكَ من الماء البارد؟». وقال ابن مسعود ﵁: النعيمُ: الأمنُ والصحة (٩). وروي عنه مرفوعاً (١٠). وقال عليُّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ … النَّعِيمِ﴾ (١١)، قال: النعيم: صحَّةُ الأبدان والأسماع والأبصار، يسأَلُ الله

стр. 547

العبادَ: فيما استعملوها؟ وهو أعلمُ بذلك منهم (١)، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ (٢). وخرَّج الطبراني (٣) من رواية أيوب بن عُتبة - وفيه ضعف (٤) -، عن عطاء، عن ابن عمر، عن النَّبيِّ ﷺ : «من قال: لا إله إلا الله، كان لهُ بها عهدٌ عند الله، ومن قال: سبحان الله وبحمده، كتب له بها مئة ألف حسنة وأربعة وعشرون ألف حسنة»، فقال رجل: كيف نَهلكُ بعدَ هذا يا رسول الله؟ قال: «إنَّ الرجلَ ليأتي يومَ القيامة بالعملِ، لو وُضِعَ على جبل لأثقله، فتقوم النِّعمَةُ مِن نعمِ اللهِ، فتكاد أنْ تستنفد ذلك كلَّه، إلاَّ أنْ يتطاول الله برحمته». وروى ابن أبي الدنيا (٥) بإسنادٍ فيه ضعف أيضاً عن أنس، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «يُؤتى بالنِّعم يومَ القيامة، وبالحسنات والسيئات، فيقول الله لنعمةٍ مِنْ نِعَمِهِ: خذي حقك من حسناته فما تترك له حسنةً إلا ذهبت بها».
следующие страницы →