← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 949

جامع العلوم والحكم - ت الفحل

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (928 стр.). Показаны 473–512 · переход к 478.

стр. 473

والمرادُ بالتحليل والتحريم: فعلُ الحلال واجتنابُ الحرام كما ذُكر في هذا الحديث. وقد قال الله تعالى في حقِّ الكفار الذين كانوا يُغيرون تحريمَ الشُّهور الحُرُم: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللهُ﴾ (١)، والمراد: أنَّهم كانوا يُقاتلون في الشهر الحرام عاماً، فيُحلونه بذلك، ويمتنعون من القتال فيه عاماً، فيحرِّمونَهُ بذلك (٢). وقال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالاً طَيِّباً﴾ (٣) وهذه الآية نزلت بسبب قوم امتنعوا من تناول بعض الطيبات زهداً في الدنيا وتقشفاً، وبعضهم حرَّم ذلك عن نفسه، إمَّا بيمينٍ حَلَفَ بها، أو بتحريمه على نفسه، وذلك كُلُّه لا يوجبُ تحريمه في نفس الأمر، وبعضُهم امتنع منه من غير يمينٍ ولا تحريمٍ، فسمَّى الجميع تحريماً (٤)، حيث قصد الامتناعَ منه إضراراً بالنفس، وكفاً لها عن شهواتها. ويقال في الأمثال: فلانٌ لا يحلِّلُ ولا يحرِّمُ، إذا كان لا يمتنع من فعل حرام، ولا يقفُ عندَ ما أُبيح له، وإنْ كان يعتقدُ تحريمَ الحرام، فيجعلون من فَعَلَ الحرامَ ولا يتحاشى منه مُحلِّلاً له، وإنْ كان لا يعتقد حلّه. وبكلِّ حالٍ، فهذا الحديثُ يدلُّ على أنَّ من قام بالواجبات، وانتهى عن المحرَّمات، دخلَ الجنة، وقد تواترتِ الأحاديثُ عَنِ النبيِّ ﷺ بهذا المعنى، أو ما هو قريبٌ منه، كما خرَّجهُ النَّسائي، وابنُ حبان، والحاكم من حديث أبي هريرة وأبي سعيد عن النبيِّ ﷺ قال: «ما مِنْ عبدٍ يُصلِّي الصلواتِ الخمس، ويصومُ رمضان، ويُخرجُ الزَّكاة، ويجتنبُ الكبائر السَّبعَ، إلاَّ فُتِحَتْ له أبوابُ الجنة، يدخُلُ من أيِّها شاء»، ثم تلا: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (٥) (٦).

стр. 474

وخرَّج الإمام أحمد (١) والنسائي (٢) من حديث أبي أيوب الأنصاري، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «مَنْ عَبدَ الله، لا يُشركُ به، وأقامَ الصَّلاةَ، وآتى الزَّكاة، وصامَ رمضان، واجتنبَ الكبائرَ، فله الجنةُ، أو دخل الجنة». وفي " المسند " (٣) عن ابنِ عباس: أنَّ ضِمَامَ بنَ ثعلبةَ وفَدَ على النَّبيِّ ﷺ ، فذكر له الصَّلوات الخمس، والصيام، والزكاة، والحج، وشرائع الإسلام كلها، فلمَّا فرغ، قال: أشهد أنْ لا إله إلا الله، وأنَّ محمداً رسول الله، وسأؤدِّي هذه الفرائض، وأجتنبُ ما نهيتني عنه، لا أزيدُ ولا أنقُصُ، فقال رسولُ الله ﷺ : «إنْ صدقَ دخلَ الجنَّة». وخرَّجه الطبراني (٤) مِنْ وجهٍ آخرَ، وفي حديثه قال: والخامسة لا أَرَبَ لي فيها، يعني: الفواحش، ثم قال: لأعملنَّ بها، ومن أطاعني، فقال رسولُ الله ﷺ : «لئن صدقَ، ليدخلنَّ الجنَّة». وفي " صحيح البخاري " (٥) عن أبي أيوب: أنَّ رجلاً قال للنَّبيِّ ﷺ : أخبرني بعمل يُدخلني الجنَّة، قال: «تعبدُ الله لا تُشركُ به شيئاً، وتقيمُ الصَّلاة، وتُؤْتِي الزكاةَ، وتَصِلُ الرَّحم». وخرّجه مسلم (٦) إلاَّ أنَّ عنده أنَّه قال: أخبرني بعملٍ يُدنيني من الجنَّةِ ويُباعدُني من النَّارِ. وعنده في رواية: فلما أدبرَ قال رسول الله ﷺ : «إنْ تمسَّك بما أُمِرَ به، دخلَ الجنَّة». وفي " الصحيحين " (٧) عن أبي هريرة: أنَّ أعرابياً قال: يا رسول الله، دُلَّني على عملٍ إذا عملتُه دخلتُ الجنَّة، قال: «تعبدُ الله لا تُشركُ به شيئاً، وتقيمُ الصَّلاةَ المكتوبة،

стр. 475

وتؤدِّي الزكاةَ المفروضة، وتصومُ رمضانَ»، قال: والذي بعثك بالحقِّ، لا أزيدُ على هذا شيئاً أبداً ولا أَنْقُصُ منه، فلمَّا ولَّى، قال النَّبيُّ ﷺ : «مَن سرَّه أنْ ينظرَ إلى رجلٍ من أهلِ الجنَّة، فلينظر إلى هذا». وفي " الصحيحين " (١) عن طلحة بنِ عُبَيد الله: أنَّ أعرابياً جاء إلى رسولِ الله ﷺ ثائرَ الرأس، فقال: يا رسولَ الله، أخبرني ماذا فرض الله عليَّ من الصَّلاةِ؟ فقالَ: «الصلوات الخمس، إلا أنْ تَطوَّع شيئاً»، فقالَ: أخبرني بما فرض الله عليَّ منَ الصِّيامِ؟ فقال: «شهر رمضان، إلا أنْ تطوَّع شيئاً» فقال: أخبرني بما فرض الله عليَّ منَ الزَّكاة؟ فأخبره رسول الله ﷺ بشرائع الإسلام، فقال: والذي أكرمك (٢) بالحقِّ، لا أتطوَّعُ شيئاً ولا أنقصُ ممَّا فرضَ الله عليَّ شيئاً، فقال رسول الله ﷺ : «أفلحَ إنْ صدق، أو دخل الجنَّة إنْ صدق» ولفظه للبخاري. وفي " صحيح مسلم " (٣) عن أنس: أنَّ أعرابياً سألَ النَّبيَّ ﷺ فذكره بمعناه، وزاد فيه: «حجّ البيت من استطاع إليه سبيلاً» فقال: والذي بعثك بالحقِّ لا أزيد عليهن ولا أنقُصُ منهن، فقال النَّبيُّ ﷺ : «لئنْ صدَقَ ليَدْخُلَنَّ الجنَّة». ومراد الأعرابي أنَّه لا يزيدُ على الصلاة المكتوبة، والزكاة المفروضة، وصيام رمضان، وحجِّ البيت شيئاً من التطوُّع، ليس مرادُه أنَّه لا يعمل بشيءٍ من شرائعٍ الإسلام وواجباته غير ذلك، وهذه الأحاديثُ لم يذكر فيها اجتناب المحرَّمات؛ لأنَّ السائل إنَّما سأله عَنِ الأعمال التي يدخل بها عامِلُها الجنَّة. وخرَّج الترمذي (٤) من حديث أبي أُمامة قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يَخطُبُ في حجَّةِ الوداع يقول: «أيُّها النَّاس، اتَّقوا الله، وصلُّوا خمسَكم، وصُوموا شهركم، وأدُّوا زكاةَ أموالكم، وأطيعوا ذا أمركم، تدخلوا جنَّة ربكم» وقال: حسن

стр. 476

صحيح، وخرَّجه الإمام أحمد (١)، وعنده: «اعبدوا ربكم» بدل قوله : «اتقوا الله». وخرَّجه بقي بن مخلد في " مسنده " من وجه آخر، ولفظ حديثه: «صلُّوا خمسَكم، وصوموا شهرَكم، وحُجُّوا بيتكم، وأدُّوا زكاة أموالكم، طيِّبةً بها أنفسكم، تدخلوا جنَّة ربِّكم» (٢). وخرَّج الإمام أحمد (٣) بإسناده عن ابنِ المنتفق، قال: أتيتُ النَّبيَّ ﷺ وهو بعرفات، فقلت: ثنتان أسألُك عنهما: ما يُنجيني من النار، وما يُدخلني الجنَّة؟ قالَ: «لئن كنتَ أوجزتَ في المسألة لقد أعظمتَ وأطولت، فاعقل عني إذن: اعبد الله لا تشرك به شيئاً وأقم الصَّلاة المكتوبةَ، وأدِّ الزَّكاةَ المفروضةَ، وصُمْ رمضان، وما تُحِبُّ أنْ يفعله بكَ النَّاسُ، فافعله بهم، وما تكره أنْ يأتي إليك الناس، فذرِ الناس منه». وفي روايةٍ له أيضاً قال: «اتَّقِ الله، لا تشركْ به شيئاً، وتُقيم الصَّلاة، وتُؤتِي الزَّكاة، وتحجّ البيت، وتصوم رمضان، ولم تَزِدْ على ذلك» وقيل: إنَّ هذا الصحابي هو وافد بني المنتفق، واسمه لقيط (٤). فهذه الأعمال أسبابٌ مقتضية لدخول الجنَّة، وقد يكونُ ارتكابُ المحرَّمات موانع، ويدلُّ على هذا ما خرَّجه الإمام أحمد (٥) من حديث عمرو بن مرَّة الجهني، قال: جاء رجلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ ، فقال: يا رسولَ الله، شهدتُ أنْ لا إله إلاَّ الله، وأنَّك رسولُ الله، وصلَّيتُ الخمس، وأدَّيتُ زكاةَ مالي، وصُمْتُ شهرَ رمضانَ، فقال رسولُ الله ﷺ : «من مات على هذا، كان مع النبيِّين والصدِّيقينَ والشهداءِ (٦) يومَ القيامة هكذا - ونَصَبَ أصبعيه - ما لم يَعُقَّ والديه».

стр. 477

وقد ورد ترتُّب (١) دخولِ الجنة على فعلِ بعض هذه الأعمال كالصَّلاةِ، ففي الحديث المشهور: «من صلَّى الصلواتِ لوقتِها، كان له عندَ الله عهدٌ أنْ يُدخِلَهُ الجنّة». وفي الحديث الصحيح: «من صَلَّى البَرْدَينِ دخل الجنة»، وهذا كلُّه من ذكر السبب المقتضي الذي لا يعمل عمله (٢) إلاَّ باستجماع شروطه، وانتفاء موانعه؛ ويدلُّ على هذا ما خرَّجه الإمام أحمد (٣) عن بشير بنِ الخَصاصِيةِ، قالَ: أتيتُ النَّبيَّ ﷺ لأبايِعَه، فشرط عليَّ شهادة أنْ لا إله إلاَّ الله، وأنَّ محمداً عبده ورسوله، وأنْ أُقيمَ الصَّلاةَ، وأنْ أُوتي الزكاة، وأنْ أحجَّ حجة الإسلام، وأنْ أصومَ رمضان، وأنْ أُجاهِد في سبيل الله، فقلتُ: يا رسول الله أما اثنتان فوالله ما أُطيقُهُما: الجهاد والصَّدقةُ، فقبضَ رسولُ الله ﷺ يدَهُ، ثمَّ حَرَّكَها، وقال: «فلا جهادَ ولا صدقةَ؟ فبِمَ تدخلُ الجنَّة إذاً؟» قلتُ: يا رسول الله أنا أُبايعُك، فبايعتُه عليهنَّ كُلَّهنَّ. ففي هذا الحديث أنَّه لا يكفي في دخول الجنَّة هذه الخصالُ بدون الزكاة والجهاد. وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أنَّ ارتكاب بعضِ الكبائر يمنع دخولَ الجنَّة، كقوله: «لا يدخل الجَنَّةَ قاطع» (٤)، وقوله: «لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرَّةٍ من كِبْر» (٥)، وقوله: «لا تدخلوا الجنة حتَّى تُؤمِنوا، ولا تُؤْمِنوا حتَّى تحابُّوا» (٦) والأحاديث التي جاءت في منع دخول الجنَّة بالدَّينِ حتى يُقضى، وفي الصَّحيح : «أنَّ المؤمنين إذا جازوا الصِّراطَ، حُبِسُوا على قنطرة يقتصُّ منهم مظالمُ كانت بينهم في الدنيا» (٧).

стр. 478

وقال بعض السَّلف: إنَّ الرجل ليُحبَسُ على باب الجنَّةِ مئة عام بالذنب كان يعملُه في الدنيا (١). فهذه كُلُّها موانع. ومن هنا يظهرُ معنى الأحاديث التي جاءت في ترتيب دخول الجنَّة على مجرَّد التوحيد، ففي " الصحيحين " (٢) عن أبي ذرٍّ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «ما مِنْ عبدٍ قال: لا إله إلاَّ الله، ثمَّ مات على ذلك إلاَّ دخل الجنَّة»، قلت: وإنْ زنى وإنْ سرق؟! قالَ: «وإنْ زنى وإنْ سرق»، قالها ثلاثاً، ثم قال في الرابعة: «على رغم أنف أبي ذرٍّ»، فخرج أبو ذرٍّ، وهو يقول: وإنْ رغم أنفُ أبي ذرٍّ. وفيهما (٣) عن عُبادة بنِ الصامت، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «مَنْ شهد أنْ لا إله إلا الله وحدَهُ لا شَريكَ له، وأنَّ محمداً عبده ورسولُه، وأنَّ عيسى عبدُ الله ورسوله وكلمتُه ألقاها إلى مريم وروحٌ منه، وأنَّ الجنَّةَ حقٌّ، والنَّارَ حقٌّ، أدخله الله الجنَّة على ما كان من عملٍ». وفي " صحيح مسلم " (٤) عن أبي هريرة، أو أبي سعيد - بالشَّكِّ -، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «أشهد أنْ لا إله إلا الله وأنِّي رسول الله، لا يلقى الله بهما عَبْدٌ غيرَ شاك، فيُحْجَبُ عن الجنَّة». وفيه (٥) عن أبي هُريرة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال له يوماً: «مَنْ لَقِيتَ يشهد أنْ لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبُه، فبشِّره بالجنَّة» وفي المعنى أحاديث كثيرة جداً. وفي " الصحيحين " (٦) عن أنس: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال يوماً لمعاذ: «ما مِنْ عبدٍ يشهدُ أنْ لا إله إلا الله، وأنَّ محمداً عبدُه ورسوله إلاَّ حرَّمه الله على النار». وفيهما (٧) عن عِتبان بن مالك، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «إنَّ الله قد حرَّم على النَّارِ مَنْ قال: لا إله إلا الله، يبتغي بها وجه اللهِ».

стр. 479

فقال طائفةٌ من العلماء: إنَّ كلمة التوحيد سببٌ مقتضٍ لدخول الجنَّة وللنجاة مِنَ النَّارِ، لكن له شروطٌ، وهي الإتيانُ بالفرائضِ، وموانعُ وهي إتيانُ الكبائر. قال الحسن للفرزدق: إنَّ لـ «لا إله إلا الله» شروطاً، فإيَّاكَ وقذفَ المحصنة (١). ورُوي عنه أنَّه قال: هذا العمودُ، فأين الطُّنُبُ (٢)، يعني: أنَّ كلمةَ التوحيد عمودُ الفسطاط، ولكن لا يثبتُ الفسطاطُ بدون أطنابه، وهي فعلُ الواجبات، وتركُ المحرَّمات. وقيل للحسن: إنَّ ناساً يقولون: من قال: لا إله إلا الله، دخل الجنَّة، فقال: من قال: لا إله إلا الله، فأدَّى حقَّها وفرضها، دخلَ الجنَّةَ (٣). وقيل لوهب بنِ مُنبِّه: أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنَّة؟ قال: بلى؛ ولكن ما من مفتاحٍ إلا وله أسنان، فإنْ جئتَ بمفتاحٍ له أسنانٌ فتح لك، وإلاَّ لم يفتح لك (٤). ويشبه هذا ما رُوِيَ عن ابنِ عمر: أنَّه سُئِلَ عن لا إله إلا الله: هل يضرُّ معها عملٌ، كما لا ينفع مع تركها عملٌ؟ فقالَ ابن عمر: عش ولا تغتر (٥). وقالت طائفةٌ - منهم: الضحاكُ والزهري -: كانَ هذا قبلَ الفرائض والحدود (٦)، فمِنْ هؤلاء مَنْ أَشار إلى أنَّها نُسِخَتْ، ومنهم من قالَ: بل ضُمَّ إليها شروطٌ زيدت عليها، وزيادة الشرط هل هي نسخ أم لا؟ فيه خلاف مشهور بين الأصوليين، وفي هذا كلِّه نظرٌ، فإنَّ كثيراً مِنْ هذه الأحاديث متأخر بعدَ الفرائض والحدود. وقال الثوري: نسختها الفرائضُ والحدودُ، فيحتمل أنْ يكونَ مرادُه ما أراده هؤلاء، ويحتمل أنْ يكون مرادُه أنَّ وجوبَ الفرائض والحدود تبين بها أنَّ عقوبات

стр. 480

الدنيا لا تسقُطُ بمجرَّدِ الشهادتين، فكذلك عقوباتُ الآخرة، ومثل هذا البيان وإزالة الإيهام كان السَّلفُ يُسَمُّونه نسخاً، وليس هو بنسخ في الاصطلاح المشهور. وقالت طائفة: هذه النصوص المطلقة جاءت مقيدة بأنْ يقولها بصدقٍ وإخلاصٍ، وإخلاصُها وصدقُها يمنع الإصرارَ معها على معصية (١). وجاء من مراسيل الحسن، عن النَّبيِّ ﷺ : «من قال: لا إله إلا الله مخلصاً دخل الجنَّة» قيل: وما إخلاصها؟ قال: «أنْ تحجُزَكَ عمَّا حرَّم الله» (٢). وروي ذلك مسنداً من وجوه أخرَ ضعيفة (٣). ولعل الحسن أشار بكلامه الذي حكيناه عنه من قبلُ إلى هذا فإنَّ تحقق القلب بمعنى «لا إله إلا الله» وصدقه فيها، وإخلاصه بها يقتضي أنْ يرسخَ فيه تألُّهُ الله وحده، إجلالاً، وهيبةً، ومخافةً، ومحبَّةً، ورجاءً، وتعظيماً، وتوكُّلاً، ويمتلئَ بذلك، وينتفيَ عنه تألُّه ما سواه من المخلوقين، ومتى كان كذلك، لم يبقَ فيه محبَّةٌ، ولا إرادةٌ، ولا طلبٌ لغير ما يُريدُهُ الله ويحبُّه ويطلبه، وينتفي بذلك مِنَ القلب جميعُ أهواءِ النُّفوس وإراداتها، ووسواس الشيطان، فمن أحب شيئاً وأطاعه، وأحبَّ عليه وأبغض عليه، فهو إلههُ، فمن كان لا يحبُّ ولا يبغضُ إلا لله، ولا يُوالي ولا يُعادي إلا له، فالله إلههُ حقاً، ومن أحبَّ لهواه، وأبغض له، ووالى عليه، وعادى عليه، فإلهه هواه، كما قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ (٤) قالَ

стр. 481

الحسن: هوَ الذي لا يهوى شيئاً إلا ركبه (١). وقال قتادة: هوَ الذي كلما هَوِيَ شيئاً ركبه، وكلما اشتهى شيئاً أتاه، لا يَحجزُه عن ذلك ورعٌ ولا تقوى (٢). ويُروى من حديث أبي أمامة مرفوعاً «ما تحتَ ظلِّ السماء إلهٌ يُعبد أعظم عندَ الله من هوى متَّبع» (٣). وكذلك مَنْ أطاعَ الشيطان في معصية الله، فقد عبده، كما قال الله : ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (٤). فتبيَّن بهذا أنَّه لا يصحُّ تحقيقُ معنى قولِ: لا إله إلا الله، إلاَّ لمن لم يكن في قلبه إصرارٌ على محبة ما يكرهه الله، ولا على إرادة ما لا يُريده الله، ومتى كان في القلب شيءٌ مِنْ ذلك، كان ذلك نقصاً في التوحيد، وهو مِنْ نوع الشِّرك الخفيِّ. ولهذا قال مجاهدٌ في قوله تعالى: ﴿أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ (٥) قال: لا تحبُّوا غيري. وفي " صحيح الحاكم " (٦) عن عائشة، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «الشِّركُ أخفى من دبيب الذَّرِّ على الصَّفا في الليلة الظَّلماء، وأدناه أنْ تُحِبَّ على شيءٍ مِنَ الجَوْرِ، وتُبغِضَ على شيءٍ مِنَ العدل، وهل الدِّينُ إلا الحبّ والبغض؟ قال الله : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ (٧). وهذا نصٌّ في أنَّ محبةَ ما يكرهه الله، وبغضَ ما يُحبه متابعةٌ للهوى، والموالاة على ذلك والمعاداة عليه من الشرك الخفيّ. وخرَّج ابن أبي الدُّنيا من حديث أنس مرفوعاً: «لا تزالُ لا إله إلا الله تمنعُ العبادَ

стр. 482

مِنْ سخط الله، ما لم يُؤْثِروا دُنياهم على صَفقةِ دينهم، فإذا آثرُوا صفقةَ دُنياهم على دينهم، ثم قالوا: لا إله إلا الله رُدَّتْ عليهم، وقال الله: كذبتم» (١). فتبيَّن بهذا معنى قوله ﷺ : «من شهد أنْ لا إله إلا الله صادقاً من قلبه حرَّمه الله على النار»، وأنَّ من دخل النارَ من أهل هذه الكلمة، فَلِقِلَّةِ صدقه في قولها، فإنَّ هذه الكلمة إذا صدقت، طهَّرت من القلب كلَّ ما سوى الله، فمن صدق في قوله: لا إله إلا الله، لم يُحبَّ سواه، ولم يَرْجُ إلاَّ إيَّاه، ولم يخشَ أحداً إلاَّ الله، ولم يتوكَّل إلاَّ على الله، ولم تبقَ له بقيَّةٌ من آثار نفسه وهواه، ومتى بقي في القلب أثرٌ لسوى الله، فمن قلَّة الصدق في قولها. نارُ جهنَّم تنطفئ بنور إيمان الموحدين، كما في الحديث المشهور: «تقول النار للمؤمن: جُزْ يا مؤمنُ، فقد أطفأ نورُك لهبي» (٢). وفي " مسند الإمام أحمد " (٣) عن جابرٍ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قال: «لا يبقى برٌّ ولا فاجر إلاّ دخلها، فتكونُ على المؤمنين برداً وسلاماً كما كانت على إبراهيم، حتى أنَّ للنار ضجيجاً من بردهم». فهذا ميراثٌ وَرِثَه المؤمنون من حال إبراهيم ﵇، فنارُ المحبة في قلوب المؤمنين تخافُ منها نارُ جهنم. قال الجنيد: قالت النار: يا ربِّ، لو لم أُطِعك، هل كنت تُعذِّبني بشيءٍ هو أشدُّ مني؟ قالَ: نعم، كنتُ أسلط عليك نارِي الكبرى، قالت: وهل نارٌ أعظم مني وأشدُّ؟ قال: نعم، نار محبتي أسكنتُها قلوبَ أوليائي المؤمنين. وفي هذا يقول بعضهم:

стр. 483

ففي فؤادِ المُحِبِّ نارُ هوى … أحرُّ نارِ الجحيم أبردُهَا ويشهد لهذا المعنى حديثُ معاذ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «مَنْ كان آخِرَ كلامِهِ لا إله إلا الله، دخل الجنَّة» (١)، فإنَّ المحتضرَ لا يكادُ يقولُها إلاَّ بإخلاصٍ، وتوبةٍ، وندمٍ على ما مضى، وعزم على أنْ لا يعودَ إلى مثله، ورجح هذا القولَ الخطابيُّ في مصنَّفٍ له مفرد في التوحيد، وهو حسن.

стр. 484

الحديث الثالث والعشرون عَنْ أبي مالِكٍ الأشْعَريِّ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : «الطُّهورُ شَطْرُ الإيمانِ، والحَمْدُ للهِ تَملأُ المِيزانَ، وسُبحَانَ اللهِ، والحَمْدُ للهِ، تَملآنِ أو تَملأُ ما بَيْنَ السَّماواتِ والأرْضِ، والصَّلاةُ نورٌ، والصَّدقَةُ بُرهَانٌ، والصَّبْرُ ضِياءٌ، والقُرآنُ حُجَّةٌ لك أو عَلَيكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو، فَبائعٌ نَفْسَهُ، فمُعْتِقُها … أو مُوبِقها». رواه مسلم. هذا الحديث خرَّجه مسلم (١) من رواية يحيى بن أبي كثير: أنَّ زيدَ بن سلام حدثه: أنَّ أبا سلام حدثه عن أبي مالك الأشعري، قال: قال رسولُ الله ﷺ : … «الطُّهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان»، فذكر الحديثَ. وفي أكثر نسخ " صحيح مسلم ": «والصبرُ ضياء» وفي بعضها: «والصيامُ ضياء» (٢). وقد اختلف في سماع يحيى بن أبي كثير من زيدِ بن سلاَّم، فأنكره يحيى بنُ معين، وأثبته الإمامُ أحمدُ، وفي هذه الرواية التصريحُ بسماعه منه (٣). وخرَّج هذا الحديث النسائيُّ (٤)، وابنُ ماجه (٥) من رواية معاوية بن سلام، عن

стр. 485

أخيه زيدِ بن سلاَّم، عن جدِّه أبي سلام، عن عبد الرحمان بن غنم، عن أبي مالك، فزاد في إسناده عبد الرحمان بن غنم، ورجَّحَ هذه الرواية بعضُ الحفاظ، وقال: معاوية بن سلام أعلمُ بحديثِ أخيه زيدٍ من يحيى بن أبي كثيرٍ (١)، ويقوِّي ذلك أنَّه قد روي عن عبد الرحمان بن غنم، عن أبي مالك من وجهٍ آخر، وحينئذٍ فتكونُ روايةُ مسلمٍ منقطعةً (٢). وفي حديث معاويةَ بعضُ المخالفة لحديث يحيى بن أبي كثير، فإنَّ لفظ حديثه عند ابن ماجه: «إسباغُ الوضوء شطرُ الإيمان، والحمد لله مِلء الميزان، والتسبيحُ والتَّكبيرُ مِلء السماء والأرض، والصلاة نورٌ، والزكاة برهانٌ، والصبر ضياءٌ، والقرآنُ حُجَّةٌ لك أو عليك، كلُّ النَّاسِ يغدو، فبائع نفسه، فمعتقها، أو موبقها» (٣). وخرَّج الترمذي حديث يحيى بن أبي كثير الذي خرَّجه مسلم، ولفظ حديثه: «الوضوءُ شطرُ الإيمانِ»، وباقي حديثه مِثلُ سياقِ مسلمٍ (٤). وخرَّج الإمامُ أحمدُ (٥) والترمذي (٦)

стр. 486

من حديث رجلٍ من بني سليم، قال: عدَّهُنَّ رسولُ الله ﷺ في يدي أو في يده: «التسبيحُ نصفُ الميزان، والحمد لله تملؤه، والتكبير يملأ ما بين السماء والأرض، والصومُ نصفُ الصبر، والطهورُ نصفُ الإيمان». فقوله ﷺ : «الطهور شطرُ الإيمان» فسر بعضهم الطهورَ هاهنا بتركِ الذُّنوب، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُون﴾ (١)، وقوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (٢)، وقوله: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (٣). وقال: الإيمانُ نوعان: فعلٌ وترك، فنصفُه: فعلُ المأموراتِ، ونصفُه: ترك المحظورات، وهو تطهيرُ النفس بترك المعاصي، وهذا القولُ محتمل لولا أنَّ رواية: «الوضوء شطرُ الإيمان» تردُّه، وكذلك رواية: «إسباغ الوضوء». وأيضاً، ففيه نظرٌ من جهة المعنى، فإنَّ كثيراً من الأعمال تُطَهِّرُ النفس مِنَ الذُّنوبِ السابقة، كالصلاة، فكيف لا تدخل في اسم الطُّهور، ومتى دخلت الأعمالُ، أو بعضُها، في اسم الطُّهور، لم يتحقَّقْ كونُ تركِ الذنوبِ شَطْرَ الإيمان. والصحيح الذي عليه الأكثرون: أنَّ المراد بالطهور هاهنا: التَّطهُّر بالماء من الأحداث، وكذلك بدأ مسلمٌ بتخريجه في أبواب الوضوء (٤)، وكذلك خرَّجه النَّسائي وابن ماجه (٥) وغيرهما، وعلى هذا، فاختلف الناسُ في معنى كون الطهور بالماء شطرَ الإيمان. فمنهم من قال: المرادُ بالشطر: الجزءُ، لا أنَّه النصفُ بعينه، فيكونُ الطهور جزءاً مِنَ الإيمان، وهذا فيه ضعف؛ لأنَّ الشطر إنَّما يُعْرَفُ استعمالُه لغة في النِّصف؛ ولأنَّ في حديث الرجلِ من بني سُليم: «الطهورُ نصف الإيمان» كما سبق. ومنهم من قال: المعنى أنَّه يُضاعَفُ ثوابُ الوضوء إلى نصف ثوابِ الإيمان، لكن من غير تضعيف، وفي هذا نظرٌ، وبُعدٌ. ومنهم من قال: الإيمانُ يكفِّرُ الكبائرَ كلَّها، والوضوء يكفِّر الصَّغائِرَ، فهو شطرُ

стр. 487

الإيمان بهذا الاعتبار، وهذا يردُّه حديث: «من أساءَ في الإسلام أُخِذَ بما عمل في الجاهلية» وقد سبق ذكره. ومنهم من قال: الوضوء يُكفِّرُ الذنوبَ مع الإيمان، فصار نصفَ الإيمانِ، وهذا ضعيف (١). ومنهم من قال: المرادُ بالإيمان هاهنا: الصلاة، كما في قوله : ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (٢)، والمراد: صلاتُكم إلى بيتِ المقدس، فإذا كان المرادُ بالإيمان الصلاةَ، فالصلاةُ لا تُقبل إلا بطهور، فصار الطُّهور شطر الصلاة بهذا الاعتبار، حكى هذا التفسير محمدُ بن نصر المروزي في " كتاب الصلاة " (٣) عن إسحاق بن راهويه، عن يحيى بنِ آدم، وأنَّه قال في معنى قولهم: لا أدري نصفُ العلم: إنَّ العلم إنَّما هو: أدري ولا أدري، فأحدهما نصفُ الآخر (٤). قلت: كُلُّ شيءٍ كان تحته نوعان: فأحدُهما نصفٌ له، وسواءٌ كان عددُ النوعين على السواء، أو أحدهما أزيد من الآخر، ويدلُّ على هذا حديثُ : «قسمتُ الصلاةَ بيني وبَينَ عبدي نصفين» (٥) والمرادُ: قراءة الصلاة، ولهذا فسّرها بالفاتحة، والمرادُ أنَّها مقسومة لِلعبادة والمسألة، فالعبادةُ حقُّ الربِّ والمسألةُ حقُّ العبد، وليس المرادُ قسمة كلماتها على السواء (٦). وقد ذكر هذا الخطابيُّ، واستشهد بقول العرب: نصف السنة سفر، ونصفها حَضَر، قال: وليس على تساوي الزمانين

стр. 488

فيهما، لكن على انقسام الزمانين لهما، وإنْ تفاوتت مدتاهما (١)، وبقول شريح - وقيل له: كيف أصبحت؟ - قال: أصبحت ونصفُ الناس عليَّ غضبان (٢)، يريد أنَّ الناسَ بين محكومٍ له ومحكومٍ عليه، فالمحكومُ عليه غضبان، والمحكوم له راضٍ عنه، فهما حزبان مختلفان. ويقول الشاعر: إذا مِتُّ كان الناسُ نصفينِ: شامتٌ … بموتي ومُثْنٍ بالذي كنتُ أفعلُ ومراده أنَّهم ينقسمون قسمين. قلت: ومِنْ هذا المعنى: حديث أبي هريرة المرفوع في الفرائض: «إنَّها نصف العلم» خرَّجه ابن ماجه (٣)، فإنَّ أحكامَ المكلفين نوعان: نوع يتعلق بالحياة، ونوع يتعلَّقُ بما بعدَ الموتِ، وهذا هو الفرائضُ. وقال ابنُ مسعود: الفرائضُ ثلث العلم (٤). ووجه ذلك الحديث الذي خرَّجه أبو داود (٥) وابنُ ماجه (٦) من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعاً: «العلم ثلاثة، وما سوى ذلك، فهو فضلٌ: آية محكمة، أو سنّةٌ قائمةٌ، أو فريضة عادلة». وروي عن مجاهد أنَّه قال: المضمضةُ والاستنشاقُ نصفُ الوضوء، ولعلَّه أراد أنَّ الوضوء قسمان: أحدهما مذكور في القرآن، والثاني مأخوذٌ من السُّنَّةِ، وهو المضمضة والاستنشاق، أو أراد أنَّ المضمضةَ والاستنشاقَ يُطَهِّرُ باطنَ الجسدِ، وغسلَ سائرِ الأعضاء يُطهر ظاهره، فهما نصفان بهذا الاعتبار، ومنه قولُ ابن مسعود: الصبرُ نصفُ الإيمان، واليقينُ الإيمان كله (٧).

стр. 489

وجاء من رواية يزيد الرقاشي، عن أنسٍ مرفوعاً: «الإيمانُ نصفان: نصفٌ في الصَّبر، ونصفٌ في الشُّكر» (١)، فلمَّا كان الإيمانُ يشمل فعلَ الواجباتِ، وتركَ المحرَّمات، ولا يُنالُ ذلك كلُّه إلاَّ بالصَّبر، كان الصبرُ نصفَ الإيمان، فهكذا يقالُ في الوضوء: إنَّه نصف الصلاة. وأيضاً فالصلاةُ تُكفر الذنوبَ والخطايا بشرط إسباغ الوضوء وإحسانه، فصار شطرَ الصلاة بهذا الاعتبار أيضاً، كما في " صحيح مسلم " (٢) عن عثمان، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «ما مِنْ مُسلمٍ يتطهر فيُتِمُّ الطهورَ الذي كُتِبَ عليه، فيُصلي هذه الصلوات الخمْسَ إلاَّ كانت كفَّارةً لما بينَهنَّ». وفي روايةٍ له (٣): «من أتمَّ الوُضوء كما أمره الله، فالصلواتُ المكتوبات كفاراتٌ لما بينهن». وأيضاً فالصلاةُ مفتاحُ الجنَّة، والوضوء مفتاح الصَّلاة، كما خرَّجه الإمامُ أحمد (٤) والترمذي (٥) من حديث جابرٍ مرفوعاً، وكلٌّ من الصلاة والوضوء مُوجِبٌ لفتح أبواب الجنَّة كما في " صحيح مسلم " (٦) عن عُقبة بن عامر سمع النَّبيَّ ﷺ يقول: «ما من مسلمٍ يتوضأ، فيُحسنُ وضوءه، ثم يقوم فيصلي ركعتين، يقبل عليهما بقلبه ووجهه، إلا وجبت له الجنَّة»، وعن عقبة، عن عمر، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «ما مِنْكُم مِن أحَدٍ يتوضأ فيُبْلغُ أو يُسبغُ الوضوء، ثم يقولُ: أشهدُ أنْ لا إله إلا الله،

стр. 490

وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُه ورسوله، إلا فُتحتْ له أبوابُ الجنَّةِ الثمانية يدخل من أيِّها شاء» (١). وفي " الصحيحين " (٢) عن عُبَادة، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «من قال: أشهدُ أنْ لا إلهَ إلاَّ الله وحدَه لا شريكَ له، وأنَّ محمداً عبدُه ورسولُه، وأنَّ عيسى عبدُ الله، وابنُ أمتِهِ، وكلمتُهُ ألقاها إلى مريمَ، وروحٌ منه، وأنَّ الجنَّةَ حقٌّ، وأنَّ النار حقٌّ، أدخله الله مِنْ أيِّ أبوابِ الجنةِ الثمانيةِ شاءَ». فإذا كان الوضوء مع الشهادتين موجباً لفتح أبواب الجنَّة، صار الوضوءُ نصفَ الإيمان بالله ورسوله بهذا الاعتبار. وأيضاً فالوضوء من خِصال الإيمان الخفيَّة التي لا يُحافِظُ عليها إلاَّ مُؤمنٌ، كما في حديث ثوبان وغيره، عن النَّبيِّ ﷺ : «لا يُحافِظُ على الوضوء إلا مؤمن» (٣). والغسل من الجنابة قد ورد أنَّه أداء الأمانة، كما خرَّجه العقيلي (٤) من حديث أبي الدرداء، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «خمسٌ من جاءَ بهنَّ مع إيمانٍ دخل الجنَّةَ: من حافظ على الصلوات الخمس على وضوئهن وركوعهن وسجودهن ومواقيتهن، وأعطى الزَّكاةَ من ماله طيِّبَ النَّفسِ بها - قال: وكان يقول: - وايمُ اللهِ، لا يفعل ذلك إلا مؤمنٌ، وصام رمضانَ، وحجَّ البيتَ من استطاع إليه سبيلاً، وأدَّى الأمانة» قالوا: يا أبا الدرداء، وما أداءُ الأمانة؟ قال: الغسلُ من الجنابة، فإنَّ الله لم يأتمنِ ابنَ آدم على شيءٍ من دينه غيرها. وخرَّج ابنُ ماجه (٥)

стр. 491

من حديث أبي أيوبَ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «الصلواتُ الخمس، والجمعة إلى الجمعة، وأداءُ الأمانة كفَّارةٌ لما بينهنَّ»، قيل: وما أداء الأمانة؟ قالَ: «الغسل من الجنابة، فإنَّ تحتَ كُلِّ شعرة جنابة»، وحديث أبي الدرداء الذي قبلَه (١) جعل فيه الوضوءَ من أجزاءِ الصلاة. وجاء في حديثٍ آخر خرَّجه البزار (٢) من رواية شبابة بن سوار: حدثنا المُغيرة ابن مسلم، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعاً: «الصلاةُ ثلاثةُ أثلاث: الطهور ثُلُثٌ، والركوع ثُلُثٌ، والسجودُ ثُلُثٌ، فمن أدَّاها بحقِّها، قُبِلَتْ منه، وقُبِلَ منه سائرُ عمله، ومن رُدَّتْ عليه صلاتُه، رُدَّ عليه سائر عمله» وقال: تفرَّد به المغيرةُ، والمحفوظُ عن أبي صالح، عن كعب من قوله. فعلى هذا التقسيم الوضوءُ ثُلُثُ الصلاة، إلا أنْ يجعل الركوع والسجود كالشيء الواحد، لتقاربهما في الصورة، فيكونُ الوضوءُ نصفَ الصلاة أيضاً. ويحتمل أنْ يُقال: إنَّ خصالَ الإيمان من الأعمال والأقوال كُلّها تُطَهِّرُ القلبَ وتُزكيه، وأما الطهارةُ بالماء، فهي تختصُّ بتطهير الجسدِ وتنظيفه، فصارت خصالُ الإيمان قسمين: أحدُهما يُطهِّرُ الظاهر، والآخر يُطهِّرُ الباطن، فهما نصفان بهذا الاعتبار، والله أعلم بمراده ومراد رسوله في ذلك كُلِّه. وقوله ﷺ : «والحمدُ لله تملأ الميزانَ، وسبحان اللهِ والحمد لله تملآن أو تملأُ ما بَيْنَ السماوات والأرض» فهذا شكٌّ مِن الراوي في لفظه، وفي رواية النَّسائي وابن ماجه: «والتسبيح والتكبير مِلءُ السماء والأرض». وفي حديث الرجل من بني سُليم: «التسبيحُ نصفُ الميزانِ، والحمد لله تملؤُه، والتكبيرُ يملأ ما بَيْنَ السماء والأرض» (٣).

стр. 492

وخرَّج الترمذي (١) من حديث الإفريقي، عن عبد الله بن يزيد، عن عبد الله ابن عمرٍو، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «التسبيحُ نصفُ الميزان، والحمدُ لله تملؤه، ولا إله إلاَّ الله ليس لها دونَ اللهِ حجابٌ حتَّى تصلَ إليه»، وقال: ليس إسناده بالقوي (٢). قلت: اختلف في إسناده على الإفريقي، فروي عنه، عن أبي علقمة، عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ ، وفيه زيادة: «والله أكبر ملء السماوات والأرض» (٣). روى جعفر الفريابي في كتاب " الذكر " وغيره من حديث عليٍّ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «الحمد لله ملء الميزان، وسبحان الله نصف الميزان، ولا إله إلا الله والله أكبر ملء السماوات والأرض وما بينهن». وخرَّج الفريابي أيضاً من حديث معاذ بن جبل، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «كلمتان إحداهما مَنْ قالها لم يكن لها ناهية دونَ العرش، والأخرى تملأ ما بين السماء … والأرض: لا إله إلا الله والله أكبر» (٤). فقد تضمنت هذه الأحاديثُ فضلَ هذه الكلمات الأربع التي هي أفضلُ الكلام، وهي: سبحانَ الله، والحمدُ لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. فأما الحمدُ لله، فاتفقت الأحاديثُ كلُّها على أنَّه يملأ الميزانَ، وقد قيل: إنَّه ضربُ مثل، وأنَّ المعنى: لو كان الحمدُ جسماً لملأ الميزان، وقيل: بل الله يُمثِّلُ أعمالَ بني آدم وأقوالهم صُوَراً تُرى يومَ القيامة وتوزَنُ، كما قال النَّبيُّ ﷺ : «يأتي القرآنُ يومَ القيامة تقْدُمُه البقرةُ وآلُ عمران كأنَّهما غمامتان أو غَيَايتانِ (٥) أو فِرقان (٦) من طيرٍ صَوَّاف» (٧).

стр. 493

وقال: «كلمتانِ حبيبتان إلى الرحمان، ثقيلتان في الميزان، خفيفتان على اللسان: سبحان الله وبحمده، سبحانَ الله العظيمِ» (١). وقال: «أثقلُ ما يُوضَع في الميزانِ الخُلُق الحسنُ» (٢)، وكذلك المؤمن يأتيه عملُه الصالحُ في قبره في أحسنِ صُورَةٍ، والكافرُ يأتيه عملُه في أقبح صورةٍ، ورُوي أنَّ الصلاة والزكاة والصيام وأعمال البرِّ (٣) تكونُ حَوْل الميت في قبره تُدافعُ عنه، وأنَّ القرآن يصعَد فيشفعُ له (٤). وأما سبحان الله، ففي رواية مسلم: «سبحان الله والحمد لله تملأ - أو تملآن - ما بَينَ السماء والأرض» (٥)، فشكَّ الراوي في الذي يملأ ما بين السماءِ والأرض: هل هو الكلمتان أو إحداهما؟ وفي رواية النَّسائي وابنِ ماجه: «التسبيحُ والتَّكبيرُ ملءُ

стр. 494

السَّماءِ والأرض»، وهذه الروايةُ أشبه، وهل المرادُ أنَّهما معاً يملآن ما بينَ السماء والأرض، أو أنَّ كلاً منهما يملأُ ذلك؟ هذا محتمل (١). وفي حديث أبي هريرة والرجلِ الآخر أنَّ التكبير وحدَه يملأُ ما بينَ السَّماءِ والأرض. وبكلِّ حال فالتسبيح دونَ التحميد في الفضل كما جاء صريحاً في حديث عليٍّ وأبي هريرة، وعبد الله بن عمرو، والرجل من بني سُليمٍ: أنّ التسبيح نصفُ الميزان، والحمد لله تملؤه، وسببُ ذلك أنَّ التحميدَ إثباتُ المحامد كلِّها لله، فدخل في ذلك إثباتُ صفاتِ الكمال ونعوتِ الجلال كلِّها، والتسبيحُ هو تنزيه اللهِ عن النقائص والعيوب والآفات (٢)، والإثباتُ أكملُ من السلب، ولهذا لم يرد التسبيحُ مجرَّداً، لكن مقروناً بما يدلُّ على إثبات الكمال، فتارةً يُقرَنُ بالحمد، كقولِ: سبحان الله وبحمده، وسبحان الله والحمد لله، وتارة باسمٍ من الأسماء الدَّالَّةِ على العظمة والجلال، كقوله: سبحان الله العظيم، فإنْ كان حديثُ أبي مالكٍ يدلُّ على أنَّ الذي يملأُ ما بَيْنَ السَّماء والأرض هو مجموعُ التسبيح والتكبير، فالأمرُ ظاهر، وإنْ كان المراد أنَّ كلاً منهما يملأُ ذلك، فإنَّ الميزان أوسعُ مما بينَ السَّماء والأرض، فما يملأ الميزانَ هو أكبر ممَّا يملأ ما بينَ السَّماء والأرض، ويدلُّ عليه أنَّه صحَّ عن سلمانَ ﵁ أنَّه قال: يُوضعُ الميزانُ يوم القيامة، فلو وُزِنَ فيه السماواتُ والأرضُ لوسعت، فتقولُ الملائكة: يا ربِّ لمن تزن هذا؟ فيقول الله تعالى: لمن شئتُ من خلقي، فتقول الملائكة: سبحانك ما عبدناك حقّ عبادتك. وخرَّجه الحاكم مرفوعاً وصححه (٣)، ولكن الموقوف (٤) هو المشهور. وأمَّا التكبيرُ، ففي حديث أبي هريرة والرجل من بني سُليمٍ: أنَّه وحده يملأ ما بين السماوات والأرض، وفي حديث عليٍّ أنَّ التكبير مع التهليل يملأ السماوات والأرض وما بينهن.

стр. 495

وأما التهليلُ وحده، فإنَّه يصلُ إلى اللهِ من غيرِ حجابٍ بينه وبينه. وخرَّج التِّرمذي (١) من حديث أبي هريرة، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، قال: «ما قالَ عبدٌ لا إله إلا الله مخلصاً، إلاَّ فُتِحَتْ له أبوابُ السَّماء، حتَّى تُفضيَ إلى العرش ما اجتُنِبَتِ الكبائر». وقال أبو أمامة: ما من عبدٍ يُهلِّل تهليلةً، فيُنهْنِهُها (٢) شيءٌ دونَ العرشِ، وورد أنَّه لا يعدِلُها شيء في الميزان في حديث البطاقة المشهور، وقد خرَّجه أحمد (٣) والترمذي (٤) والنَّسائي، وفي آخره عندَ الإمامِ أحمد: «ولا يثقل شيءٌ بسم الله الرحمن الرحيم». وفي " المسند " (٥) عن عبد الله بن عمرو، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «إنَّ نوحاً ﵇ لمَّا حضرته الوفاةُ، قال لابنه: آمرك بـ (لا إله إلا الله)، فإنَّ السماوات السبعَ والأرضين السبع لو وضعت في كفةٍ، ووضعت لا إله إلا الله في كفَّةٍ، رجحت بهنَّ لا إله إلا الله». وفيه أيضاً عن عبد الله بن عمرو، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «إنَّ موسى ﵇ قال: يا ربِّ علمني شيئاً أذكُرُكَ به وأدعوك به، قال: يا موسى، قل: لا إله إلا الله، قال: كلُّ عبادِكَ يقولُ هذا، إنَّما أُريدُ شيئاً تخصُّني به، قال: يا موسى، لو أنَّ السماوات السبعَ وعامرهن غيري، والأرضين السبع في كفَّة ولا إله إلا الله في كفَّةٍ مالت بِهِنَّ لا إله إلا الله» (٦).

стр. 496

وقد اختلف في أيِّ الكلمتين أفضلُ؟ أكلمةُ الحمدِ أم كلمةُ التَّهليلِ؟ وقد حكى هذا الاختلافَ ابنُ عبد البرِّ (١) وغيره. وقال النَّخعي: كانوا يرون أنَّ الحمدَ أكثرُ الكلام تضعيفاً (٢)، وقال الثوري: ليس يُضاعف من الكلام مثل الحمد لله (٣). والحمدُ يتضمَّنُ إثباتَ جميع أنواع الكمال لله، فيدخل فيه التوحيد. وفي " مسند الإمام أحمد " (٤) عن أبي سعيد وأبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «إنَّ الله اصطفى من الكلام أربعاً: سبحان الله، والحمدُ لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فمن قال: سبحان الله، كُتِبَتْ له عشرون حسنة، أو حُطَّتْ عنه عشرون سيئة، ومن قال: الله أكبر مثل ذلك، ومن قال: لا إله إلا الله مثل ذلك، ومن قال: الحمدُ للهِ ربِّ العالمين من قبل نفسه، كتبت له ثلاثونَ حسنة، أو حطَّتْ عنه ثلاثون سيئة». وقد روي هذا عن كعبٍ من قوله (٥)، وقيل: إنَّه أصحُّ من المرفوع. وقولُه ﷺ : «والصلاةُ نورٌ، والصدقةُ برهانٌ، والصبرُ ضياءٌ»، وفي بعض نسخ " صحيح مسلم ": «والصيام ضياءٌ»، فهذه الأنواع الثلاثةُ من الأعمال أنوارٌ كلُّها، لكن منها ما يختصُّ بنوعٍ من أنواع النُّور، فالصَّلاةُ نورٌ مطلق، ويُروى بإسنادين فيهما نظر عن أنسٍ، عِنِ النَّبيِّ ﷺ ، قال: «الصلاةُ نورُ المؤمنِ» (٦)،

стр. 497

فهي للمؤمنين في الدُّنيا نورٌ في قلوبهم وبصائرهم، تُشرِق بها قلوبُهم، وتستنير بصائرُهم ولهذا كانت قرَّة عين المتقين، كما كان النَّبيُّ ﷺ يقول: «جعلت قُرَّةُ عيني في الصلاة» خرّجه أحمد (١) والنَّسائي (٢). وفي روايةٍ: «الجائع يشبع، والظمآنُ يروى، وأنا لا أشبع من حُبِّ … الصلاة» (٣). وفي " المسند " (٤) عن ابن عباسٍ، قال: قال جبريلُ للنَّبيِّ ﷺ : إنَّ الله قد حبَّبَ إليكَ الصَّلاةَ، فخُذْ منها ما شئتَ. وخرَّج أبو داود (٥) من حديث رجلٍ من خزاعةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «يا بلالُ، أقمِ الصَّلاةَ وأرِحْنا بها». قال مالك بن دينار: قرأتُ في التوراة: يا ابن آدم، لا تَعْجزْ أنْ تقومَ بين يديَّ في صلاتِك باكياً، فأنا الذي اقتربتُ بقلبك وبالغيب رأيت نوري، يعني: ما يفتح

стр. 498

للمصلي في الصلاة من الرِّقة والبكاء (١). وخرَّج الطبراني (٢) من حديث عُبادة بنِ الصامت مرفوعاً: «إذا حافظ العَبْدُ على صلاته، فأقام وضوءها، وركوعها، وسجودها، والقراءة فيها، قالت له: حَفِظكَ الله كما حَفِظتني، وصُعِدَ بها إلى السَّماء، ولها نورٌ حتَّى تنتهي إلى الله ، فتشفع لصاحبها». وهي نورٌ للمؤمنين في قبورهم، ولاسيَّما صلاة الليل، كما قال أبو الدرداء: «صلُّوا ركعتين في ظُلَم اللَّيلِ لِظلمة القبور» (٣). وكانت رابعةُ قد فَتَرَتْ عن وِرْدها باللَّيلِ مُدَّةً، فأتاها آتٍ في منامها فأنشدها: صلاتُك نورٌ والعبادُ رُقُودُ … ونومُكِ ضِدٌّ للصَّلاةِ عنيدُ وهي في الآخرة نورٌ للمؤمنين في ظلمات القيامة، وعلى الصراط، فإنَّ الأنوارَ تُقسم لهم على حسب أعمالهم. وفي " المسند " و" صحيح ابن حبان " عن عبد الله بن عمرو، عن النَّبيِّ ﷺ : أنَّه ذكر الصلاة، فقال: «من حافظ عليها كانت له نوراً وبُرهاناً ونجاةً يَوْمَ القيامة، ومَنْ لم يُحافِظْ عليها لم يكن له نور ولا نجاة ولا بُرهانٌ» (٤). وخرَّج الطبراني (٥) بإسنادٍ فيه نظرٌ من حديث ابن عباس وأبي هريرة، عن النَّبيِّ

стр. 499

- ﷺ : «من صلَّى الصلوات الخمسَ في جماعة، جاز على الصِّراط كالبرقِ اللاَّمع في أوَّلِ زُمرةٍ من السابقين، وجاء يومَ القيامة ووجهُه كالقمر ليلَةَ البدرِ». وأمَّا الصدقة، فهي برهان، والبرهان: هو الشُّعاعُ الذي يلي وجهَ الشَّمس، ومنه حديثُ أبي موسى: أنَّ روحَ المؤمن تخرُج مِنْ جسده لها برهان كبرهانِ الشَّمس (١)، ومنه سُمِّيَت الحُجَّةُ القاطعةُ برهاناً؛ لوضوح دلالتها على ما دلَّت عليه، فكذلك الصدقة برهان على صحة الإيمان، وطيب النفس بها علامة على وجود حلاوة الإيمان وطعمه، كما في حديث عبد الله بن معاوية الغاضِري، عن النَّبيِّ ﷺ : «ثلاث من فعلهن فقد طَعِمَ طَعْمَ الإيمان: مَنْ عَبَدَ الله وحدَه، وأنَّه لا إله إلا الله، وأدَّى زكاةَ ماله طيِّبَةً بها نفسُه رافِدةً عليه في كُلِّ عامٍ»، وذكر الحديثَ، خرَّجه أبو داود (٢). وقد ذكرنا قريباً حديث أبي الدرداء فيمن أدى زكاة ماله طيبة بها نفسه، قال: وكان يقول: لا يفعلُ ذلك إلا مؤمن (٣). وسبب هذا أنَّ المالَ تحبُّه النُّفوسُ، وتبخَلُ به، فإذا سمحت بإخراجه لله دلَّ ذلك على صحَّة إيمانها بالله ووعده ووعيده، ولهذا منعت العربُ الزكاة بعدَ النَّبيِّ ﷺ ، وقاتلهم الصدِّيقُ ﵁ على منعها، والصلاةُ أيضاً برهانٌ على صحة الإسلام. وقد خرَّج الإمامُ أحمد (٤) والترمذي (٥) من حديث كعب بن عُجره، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «الصلاة برهان».

стр. 500

وقد ذكرنا في شرح حديث: «أُمرتُ أنْ أقاتلَ الناس حتَّى يشهدوا أنْ لا إله إلا الله وأنَّ محمَّداً رسول الله، ويقيمُوا الصلاة ويؤتوا الزَّكاة» (١) أنَّ الصلاةَ هي الفارقةُ بين الكفرِ والإسلام، وهي أيضاً أوَّل ما يُحاسَبُ به المرءُ يومَ القيامةِ، فإنْ تمَّت صلاتُه، فقد أفلح وأنجح، وقد سبق حديث عبد الله بن عمرو فيمن حافظ عليها أنَّها تكونُ له نوراً وبرهاناً ونجاةً يوم القيامة (٢). وأمَّا الصبرُ، فإنَّه ضياء، والضياءُ: هو النُّورُ الذي يحصلُ فيه نوعُ حرارةٍ وإحراقٍ كضياء الشمس بخلاف القمر، فإنَّه نورٌ محضٌ، فيه إشراقٌ بغير إحراقٍ، قال الله : ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً﴾ (٣) ومِن هُنا وصف الله شريعةَ موسى بأنَّها ضياءٌ، كما قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٤) وإنْ كان قد ذكر أنَّ في التوراة نوراً كما قال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ﴾ (٥)، ولكن الغالب على شريعتهم الضياءُ لما فيها مِنَ الآصار والأغلال والأثقال. ووصف شريعةَ محمَّدٍ ﷺ بأنَّها نورٌ لما فيها من الحَنيفيَّةِ السمحة، قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ (٦) وقال: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٧). ولما كان الصبر شاقَّاً على النفوس، يحتاجُ إلى مجاهدةِ النفس وحبسِها، وكفِّها عمَّا تهواهُ، كان ضياءً، فإنَّ معنى الصَّبر في اللغة: الحبسُ، ومنه قَتْلُ الصبر: وهو أنْ يُحبَسَ الرَّجلُ حتى يقتل (٨).

стр. 501

والصبر المحمود أنواع: منه صبرٌ على طاعةِ الله ، ومنه صبرٌ عن معاصي الله ، ومنه صبرٌ على أقدار الله ، والصبرُ على الطاعات وعنِ المحرَّماتِ أفضلُ من الصَّبرِ على الأقدار المؤلمة، صرّح بذلك السَّلفُ، منهم: سعيدُ بنُ جبير، وميمون بن مهران (١)، وغيرهما. وقد روي بإسناد ضعيفٍ من حديث عليٍّ مرفوعاً: «إنَّ الصَّبرَ على المصيبة يُكتب به للعبد ثلاث مئة درجة، وإنَّ الصَّبر على الطاعة يكتب له به ست مئة درجة، وإنَّ الصبر عن المعاصي يُكتب له به تسع مئة درجة» (٢)، وقد خرَّجه ابنُ أبي الدنيا وابن جرير الطبري. ومن أفضل أنواع الصبر: الصيامُ، فإنَّه يجمعُ الصبرَ على الأنواعِ الثَّلاثةِ؛ لأنَّه صبرٌ على طاعةِ الله ، وصبرٌ عن معاصي الله؛ لأنَّ العبدَ يتركُ شهواتِه لله ونفسه قد تنازعه إليها، ولهذا في الحديث الصحيح: «إنَّ الله يقولُ: كُلُّ عمل ابنِ آدمَ له إلاَّ الصِّيامُ، فإنَّه لي، وأنا أجزي به، إنَّه تركَ شهوتَه وطعامَه وشرابَه من أجلي» (٣)، وفيه أيضاً صبرٌ على الأقدار المؤلمة بما قد يحصُلُ للصَّائم من الجوع والعطشِ، وكان النَّبيُّ ﷺ يسمِّي شهرَ الصِّيامِ شهرَ الصَّبر (٤). وقد جاء في حديث الرجل من بني سُليم، عن النَّبيِّ ﷺ : أنَّ الصوم نصفُ

стр. 502

الصبر، وربما عُسر الوقوف على سرِّ كونه نصفَ الصبر أكثر من عُسر الوقوف على سرِّ (١) كونِ الطهور شطر الإيمان، والله أعلم. وقوله ﷺ : «والقرآنُ حجةٌ لك أو عليك»، قال الله : ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَاراً﴾ (٢). قال بعضُ السَّلف: ما جالسَ أحدٌ القرآنَ فقام عنه سالماً؛ بل إمَّا أنْ يربح أو أنْ يخسرَ، ثمَّ تلا هذه الآية (٣). وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جَدِّه، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «يُمَثَّلُ القُرآن يومَ القيامة رجلاً، فيؤتى بالرَّجُلِ قد حمله، فخالف أمره، فيتمثَّلُ له خصماً، فيقول: يا ربِّ حمَّلتَه إيَّاي فشَرُّ حاملٍ تعدَّى حدودي، وضيَّع فرائضي، وركب معصيتي، وترك طاعتي، فما يزال يقذف عليه بالحُجَجِ حتَّى يقالَ: شأنك به، فيأخذ بيده، فما يرسلُه حتَّى يكبَّه على مِنخَرِه في النّار، ويُؤتى بالرَّجل الصَّالح كان قد حمله، وحفظ أمرَهُ، فيمتثلُ خصماً دونه، فيقول: يا ربِّ، حمَّلتَه إيَّاي، فخيرُ حاملٍ: حفظ حدودي، وعمل بفرائضي، واجتنب معصيتي، واتَّبع طاعتي، فما يزالُ يقذف له بالحجج حتى يقال: شأنك به، فيأخذه بيده، فما يرسلُه حتى يُلبِسَه حلَّة الإستبرق، ويعقد عليه تاجَ المُلك، ويسقيه كأسَ الخمر» (٤). وقال ابنُ مسعود: «القرآنُ شافع مُشفَّع وماحلٌ مصدَّق، فمن جعله أمامَه، قادَه إلى الجنَّةِ، ومن جعله خَلْفَ ظهره، قاده إلى النار» (٥). وعنه قال: «يجيءُ القرآنُ يومَ القيامة، فيشفع لِصاحبه، فيكون قائداً إلى الجنَّة، أو يشهد عليه، فيكون سائقاً إلى النار» (٦).

стр. 503

وقال أبو موسى الأشعري: إنَّ هذا القرآن كائنٌ لكم أجراً، وكائنٌ عليكم وِزراً، فاتَّبِعوا القرآن، ولا يتَّبعكُم القرآن، فإنَّه مَنِ اتَّبعَ القرآنَ هبط به على رياضِ الجنَّةِ، ومن اتَّبعه القرآنُ، زخَّ في قفاه، فقذفه في النار (١). قوله ﷺ : «كلُّ النَّاس يغدو، فبائعٌ نفسه فمعتِقُها أو موبقها» وخرَّج الإمامُ أحمد، وابن حبان من حديث كعب بن عُجرة، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «النَّاسُ غاديان، فمبتاعٌ نفسه، فمعتق نفسه وموبقها» (٢). وفي روايةٍ خرَّجها الطبراني: «الناس غاديان، فبائعٌ نفسه فموبِقُها، وفادٍ نفسه فمُعتِقها». وقال الله : ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ … دَسَّاهَا﴾ (٣)، والمعنى: قد أفلح من زكى نفسَه بطاعة الله، وخابَ من دسَّاها بالمعاصي، فالطاعةُ تُزكي النفس وتُطهرها، فترتفع، والمعاصي تُدسِّي النفس، وتقمعها، فتنخفض، وتصيرُ كالذي يُدسُّ في التراب. ودلَّ الحديثُ على أن كلَّ إنسان فهو ساعٍ في هلاك نفسه، أو في فِكاكِها، فمن سعى في طاعة الله، فقد باع نفسَه للهِ، وأعتقها من عذابه، ومن سعى في معصيةِ الله، فقد باعَ نفسَه بالهوان، وأوبقها بالآثام الموجبة لغضب الله وعقابه، قال الله : ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ إلى قوله: ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ (٦). وفي " الصحيحين " (٧) عن أبي هُريرة، قال: قال

стр. 504

رسولُ الله ﷺ حين أُنْزِل عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ (١): «يا معشرَ قريشٍ، اشترُوا أنفسَكُم مِنَ اللهِ، لا أُغني عنكُم من الله شيئاً، يا بني عبد المطلب، لا أغني عنكم مِنَ اللهِ شيئاً»، وفي روايةٍ للبخاري: «يا بني عبدِ مناف، اشترُوا أنفسَكُم من اللهِ، يا بني عبد المطلب، اشتروا أنفسكم من الله، يا عمَّة رسولِ الله، يا فاطمة بنت محمد، اشتريا أنفسكما مِنَ اللهِ، لا أملِكُ لكُما من الله شيئاً». وفي روايةٍ لمسلم أنَّه دعا قريشاً، فاجتمعوا، فعمَّ وخصَّ، فقال: «يا بني كعب بن لؤي أنقِذُوا أنفسكم من النار، يا بني مرَّة بن كعب أنقِذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة أنقذي نفسك من النار فإني لا أملك لكم من الله شيئاً». وخرَّج الطبراني (٢) والخرائطي من حديث ابن عباس مرفوعاً: «مَنْ قال إذا أصبح: سبحان الله وبحمده ألفَ مرَّة، فقد اشترى نفسه مِنَ الله تعالى، وكان من آخر يومه عتيقاً مِنَ النَّار». وقد اشترى جماعةٌ من السَّلف أنفسَهم من الله بأموالهم، فمنهم من تصدَّق بماله كحبيب أبي محمد (٣)، ومنهم مَنْ تصدَّق بوزنه فضة ثلاثَ مرَّاتٍ أو أربعاً، كخالد الطحَّان (٤). ومنهم من كان يجتهد في الأعمال الصالحة ويقول: إنَّما أنا أسيرٌ أسعى في فكاك رقبتي، منهم عمرو بنُ عُتبة (٥)، وكان بعضُهم يسبِّحُ كلَّ يوم اثني عشر ألفَ تسبيحة بقدر دِيَتِه، كأنَّه قد قتل نفسه، فهو يَفْتَكُّها بديتها (٦).

стр. 505

قال الحسن: المؤمن في الدنيا كالأسير، يسعى في فكاك رقبته (١)، لا يأمنُ شيئاً حتّى يلقى الله (٢). وقال: ابنَ آدم، إنَّك تغدو أو تروحُ في طلب الأرباح، فليكن همُّك نفسك، فإنَّك لن تربح مثلها أبداً. قال أبو بكر بن عيّاش: قال لي رجل مرَّة وأنا شابٌّ: خلِّص رقبتَك ما استطعتَ في الدنيا من رقِّ الآخرة، فإنَّ أسيرَ الآخرةِ غيرُ مفكوكٍ أبداً، قال: فوالله ما نسيتُها بعد (٣). وكان بعضُ السَّلف يبكي، ويقول: ليس لي نفسان، إنَّما لي نفسٌ واحدةٌ، إذا ذهبت لم أجد أخرى. وقال محمد بن الحنفية: إنَّ الله جعل الجنَّة ثمناً لأنفسكم، فلا تبيعُوها بغيرها (٤). وقال: من كرمت نفسه عليه لم يكن للدنيا عنده قدر (٥). وقيل له: من أعظمُ الناس قدراً؟ قالَ: من لم يرَ الدُّنيا كُلَّها لنفسه خطراً (٦). وأنشد بعضُ المتقدمين: أثامِن بالنفس النفيسةِ ربَّها … ولَيسَ لها في الخلق كُلِّهم ثَمَنْ بها تُملك الأخرى فإنْ أنا بِعتُهَا … بشيءٍ من الدُّنيا، فذَاكَ هُوَ الغَبَنْ لَئِنْ ذَهَبَتْ نفسي بدُنيا أُصيبُها … لقَدْ ذَهَبَتْ نفسي وقد ذَهَبَ الثَّمنْ

стр. 506

الحديث الرابع والعشرون عَنْ أبي ذَرٍّ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ فيما يَروي عَنْ ربِّه أنَّه قالَ: «يا عِبادي إنِّي حَرَّمْتُ الظُّلمَ على نَفسي، وجَعَلْتُهُ بَينَكُم مُحَرَّماً فلا تَظالموا، يا عِبادي كُلُّكُم ضَالٌّ إلاَّ مَنْ هَديتُهُ فاستهدُوني أهدِكُم، يا عبادي كُلُّكُم جَائِعٌ إلاَّ مَنْ أَطْعَمْتُهُ، فاستطعموني أُطعِمْكُم، يا عِبادي كُلُّكُم عَارٍ إلاَّ مَنْ كَسوتُهُ، فاستَكْسونِي أكسكُمْ، يا عِبادي إنَّكُم تُخْطِئونَ باللَّيلِ والنَّهار، وأنَا أَغْفِرُ الذُّنوبَ جَميعاً، فاستَغفِروني أغفر لكُمْ. يا عِبادي إنَّكم لَنْ تَبلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، ولن تَبلُغُوا نَفْعِي فَتَنفَعونِي. يا عِبادي لو أنَّ أوَّلَكُم وآخِركُم وإنْسَكُمْ وجِنَّكُم كانُوا على أتْقى قَلب رَجُلٍ واحدٍ منكُم، ما زَادَ ذلك في مُلكِي شَيئاً، يا عِبادي لو أنَّ أَوَّلَكُم وآخِرَكُم وإنْسَكُمْ وجِنَّكُم كانُوا على أفْجَر قَلبِ رَجُلٍ واحِدٍ منكُم، ما نَقَصَ ذلك من مُلكِي شيئاً، يا عِبادي لَوْ أنَّ أَوَّلَكُم وآخِرَكُم وإنْسَكُمْ وجنَّكم قاموا في صَعيدٍ واحدٍ فسألوني فأعطيت كل إنسانٍ مسألته، ما نَقَصَ ذلك مِمَّا عِندي إلاَّ كَما يَنْقُصُ المِخْيَطُ إذا أُدْخِلَ البَحرَ. يا عبادي، إنَّما هِيَ أَعمالُكُم أُحْصِيها لَكُمْ، ثمَّ أُوفِّيكُم إيَّاها، فَمَنْ وجَدَ خَيراً، فليَحْمَدِ الله، ومَنْ وَجَد غيرَ ذلكَ، فَلا يَلومَنَّ إلاَّ نَفسَه». رواهُ مسلمٌ (١). هذا الحديث خرَّجه مسلم من رواية سعيد بن عبد العزيز، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذرٍّ، وفي آخره: قال سعيدُ بنُ عبد العزيز: كان أبو إدريس الخولاني إذا حدَّثَ بهذا الحديث جثى على ركبتيه.

стр. 507

وخرَّجه مسلم أيضاً من رواية قتادة، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء الرَّحَبِي، عن أبي ذرٍّ، عن النَّبيِّ ﷺ ، ولم يَسُقْه بلفظه، ولكنَّه قال: وساق الحديث بنحو سياق أبي إدريس، وحديث أبي إدريس أتمُّ. وخرَّجه الإمام أحمد (١) والترمذي (٢) وابن ماجه (٣)، من رواية شهر بن حوشب، عن عبد الرحمان بن غنم، عن أبي ذرٍّ، قال: قال رسول الله ﷺ : «يقولُ الله تعالى: يا عبادي، كُلُّكم ضالٌّ إلاَّ مَنْ هَديتُ، فسلوني الهدى أهدِكُم، وكلُّكم فقيرٌ إلاَّ من أغنيتُ فسلوني أرزقكم، وكلُّكُم مذنبٌ إلا من عافيت، فمن علم منكم أني ذو قدرة على المغفرة واستغفرني غفرتُ له ولا أُبالي، ولو أنَّ أوَّلكم وآخركم وحيَّكم وميِّتكم، ورطبكم ويابسكم، اجتمعوا على أتقى قلب عبدٍ من عبادي ما زاد ذلك في ملكي جناحَ بعوضة، ولو أنَّ أوَّلكم وآخركم وحيَّكم وميتَكم ورطبكم ويابسكم اجتمعوا في صعيدٍ واحد، فسأل كلُّ إنسان منكم ما بلغتْ أمنيته فأعطيتُ كلَّ سائلٍ منكم، ما نقص ذلك من ملكي إلا كما لو أنَّ أحدَكم مرَّ بالبحر، فغمس فيه إبرة ثم رفعها إليه، ذلك بأني جوّاد واجد ماجد أفعلُ ما أريد، عطائي كلام، وعذابي كلام، إنَّما أمري لشيء إذا أردته أنْ أقولَ له: كن فيكون» وهذا لفظ الترمذي، وقال: «حديث حسن». وخرَّجه الطبراني (٤) بمعناه من حديث أبي موسى الأشعري، عن النَّبيِّ ﷺ ، إلاَّ أنَّ إسنادَه ضعيف. وحديث أبي ذرٍّ قال الإمام أحمد: هو أشرفُ حديثٍ لأهلِ الشام (٥).

стр. 508

فقوله ﷺ فيما يروي عن ربه: «يا عبادي إنِّي حرَّمتُ الظُّلمَ على نفسي»، يعني: أنَّه منع نفسه من الظلم لعباده، كما قال : ﴿وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (١)، وقال: ﴿وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبَادِ﴾ (٢)، وقال: ﴿وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٣)، وقال: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (٤)، وقال: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً﴾ (٥)، وقال: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ (٦)، وقال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً﴾ (٧)، والهضمُ: أنْ يُنقَصَ من جزاء حسناته، والظُّلم: أنْ يُعاقب بذنوب غيره (٨)، ومثل هذا كثير في القرآن. وهو مما يدلُّ على أنَّ الله قادرٌ على الظلم، ولكنَّه لا يفعلُه فضلاً منه وجوداً، وكرماً وإحساناً إلى عباده (٩). وقد فسَّر كثيرٌ من العلماء الظلمَ: بأنَّه وضعُ الأشياء في غير موضعها (١٠). وأمَّا من فسَّره بالتَّصرُّف في ملك الغير بغير إذنه - وقد نقل نحوه عن إياس بن معاوية وغيره - فإنَّهم يقولون: إنَّ الظُّلمَ مستحيلٌ عليه وغيرُه متصوَّرٌ في حقِّه؛ لأنَّ كلَّ ما يفعله فهو تصرُّفٌ في ملكه (١١)، وبنحو ذلك أجاب أبو الأسود الدؤلي لِعمران بنِ حصين حين سأله عن القدر (١٢).

стр. 509

وخرَّج أبو داود، وابنُ ماجه من حديث أبي سنان سعيد بن سنان، عن وهب بن خالد الحمصي، عن ابن الدَّيلَمي أنَّه سمع أبيَّ بن كعبٍ يقول: لو أنَّ الله عذَّب أهل سماواته وأهل أرضه، لعذَّبهم وهو غيرُ ظالمٍ لهم، ولو رَحِمَهُم، لكانت رحمتُه خيراً لهم من أعمالهم، وأنَّه أتى ابن مسعود، فقال له مثلَ ذلك، ثم أتى زيدَ ابن ثابت، فحدَّثه عن النَّبيِّ ﷺ بمثل ذلك (١). وفي هذا الحديث نظر، ووهبُ بنُ خالدٍ ليس بذلك المشهور بالعلم (٢). وقد يُحمل على أنَّه لو أراد تعذيبهم، لقدَّرَ لهم ما يعذِّبهم عليه، فيكون غيرَ ظالم لهم حينئذٍ. وكونه خلق أفعال العباد وفيها الظلمُ لا يقتضي وصفَه بالظُّلم ، كما أنَّه لا يُوصَفُ بسائر القبائح التي يفعلُها العبادُ، وهي خَلْقُه وتقديرُه (٣)، فإنَّه لا يُوصَفُ إلاَّ بأفعاله لا يُوصف بأفعال عباده، فإنَّ أفعالَ عباده مخلوقاتُه ومفعولاتُه، وهو لا يُوصَفُ بشيءٍ منها، إنَّما يوصَفُ بما قام به من صفاته وأفعاله! والله أعلم. وقوله: «وجعلتُه بينكم محرَّماً، فلا تظالموا» يعني: أنَّه تعالى حَرَّم الظلم على عباده، ونهاهم أنْ يتظالموا فيما بينهم، فحرامٌ على كلِّ عبدٍ أنْ يظلِمَ غيره، مع أنَّ الظُّلم في نفسه محرَّم مطلقاً، وهو نوعان:

стр. 510

أحدهما: ظلمُ النفسِ، وأعظمه الشِّرْكُ، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (١)، فإنَّ المشركَ جعل المخلوقَ في منزلةِ الخالق، فعبده وتألَّهه، فوضع الأشياءَ في غيرِ موضعها، وأكثر ما ذُكِرَ في القرآن مِنْ وعيد الظالمين إنَّما أُريد به المشركون، كما قال الله : ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٢)، ثمَّ يليه المعاصي على اختلاف أجناسها من كبائرَ وصغائرَ. والثاني: ظلمُ العبدِ لغيره، وهو المذكورُ في هذا الحديث، وقد قال النَّبيُّ ﷺ في خطبته في حجة الوداع: «إنَّ دماءكم وأموالَكُم وأعراضَكُم عليكُم حرامٌ، كحرمةِ يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا» (٣). وروي عنه أنَّه خطب بذلك في يوم عرفة، وفي يوم النَّحر، وفي اليوم الثاني من أيَّام التشريق، وفي رواية: ثُمَّ قال: «اسمعوا منِّي تعيشوا، ألا لا تَظلموا، ألا لا تَظلموا، ألا لا تَظلموا، إنَّه لا يحلُّ مالُ امرئٍ مسلمٍ إلاَّ عن طيبِ نفسٍ منه» (٤). وفي " الصحيحين " (٥) عن ابنِ عمر، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «الظلمُ ظُلُماتٌ يوم القيامة». وفيهما (٦) عن أبي موسى، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «إنَّ اللهَ لَيُملي للظَّالم حتَّى إذا أخَذَه لم يُفْلِته»، ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (٧). وفي " صحيح البخاري " (٨) عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «من كانت عنده مظلمة لأخيه، فليتحلَّلْهُ

стр. 511

منها، فإنَّه ليسَ ثَمَّ دينارٌ ولا درهمٌ مِنْ قبل أنْ يُؤخَذ لأخيه من حسناته، فإنْ لم يكن له حسناتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئات أخيه فطُرِحت عليه». قوله: «يا عبادي، كلُّكُم ضالٌّ إلاَّ من هديتُه، فاستهدوني أهدِكم، يا عبادِي، كُلُّكم جائعٌ إلاَّ من أطعمتُه، فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي، كلُّكم عارٍ إلاَّ من كَسوتُهُ، فاستكسوني أكسكُم، يا عبادي إنَّكم تُخطئون باللَّيل … والنَّهار، وأنا أغفرُ الذُّنوب جَميعاً، فاستغفروني أغفر لكم». هذا يقتضي أنَّ جميعَ الخلق مُفتقرون إلى الله تعالى في جلب مصالحهم، ودفع مضارِّهم في أمور دينهم ودُنياهم، وإنَّ العباد لا يملِكُون لأنفسهم شيئاً مِنْ ذلك كلِّه، وإنَّ مَنْ لم يتفضَّل اللهُ عليه بالهدى والرزق، فإنَّه يُحرمهما في الدنيا، ومن لم يتفضَّل اللهُ عليه بمغفرة ذنوبه، أوْبَقَتْهُ خطاياه في الآخرة. قال الله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً﴾ (١)، ومثل هذا كثيرٌ في القرآن، وقال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (٢)، وقال: ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (٣)، وقال: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ … وَاعْبُدُوهُ﴾ (٤)، وقال: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا﴾ (٥). وقال تعالى حاكياً عن آدم وزوجه أنَّهما قالا: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٦)، وعن نوح ﵊ أنَّه قال: ﴿وإلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٧). وقد استدلَّ إبراهيمُ الخليلُ ﵇ بتفرُّد الله بهذه الأمور على أنَّه لا إله غيره، وإنَّ كلَّ ما أشرك معه، فباطل، فقال لقومه: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ (٨)، فإنَّ من تفرَّد بخلق العبد وبهدايته وبرزقه وإحيائه وإماتته في الدنيا، وبمغفرة ذنوبه في الآخرة، مستحقٌّ أنْ يُفرَدَ بالإلهية

стр. 512

والعبادة والسؤال والتضرُّع إليه، والاستكانة له. قال الله : ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (١). وفي الحديث دليلٌ (٢) على أنَّ اللهَ يحبُّ أنْ يسأله العبادُ جميعَ مصالح دينهم ودنياهم، مِنَ الطَّعام والشراب والكسوة وغير ذلك، كما يسألونه الهداية والمغفرة، وفي الحديث: «ليسأل أحدُكم ربَّه حاجته كلَّها حتى يسأله شِسعَ نعله إذا انقطع» (٣). وكان بعضُ السَّلف يسأل الله في صلاته كلَّ حوائجه حتّى ملحَ عجينه وعلفَ شاته. وفي الإسرائيليات: أنَّ موسى ﵇ قال: يا ربِّ إنَّه لتَعْرِضُ لي الحاجةُ من الدنيا، فأستحيي أنْ أسألك، قال: سلني حتى ملح عجينك وعلف حمارك. فإنَّ كلَّ ما يحتاج العبد إليه إذا سأله من الله فقد أظهرَ حاجتَه فيه، وافتقاره إلى الله، وذلك يحبُّه الله، وكان بعضُ السَّلف يستحيي من الله أنْ يسأله شيئاً من مصالح … الدنيا، والاقتداءُ بالسُّنَّة أولى. وقوله: «كُلُّكم ضالٌّ إلاَّ مَنْ هديتُه» قد ظنَّ بعضُهم أنَّه معارض لِحديث عياض بنِ حمار، عن النَّبيِّ ﷺ : «يقولُ اللهُ : خلقتُ عبادي حنفاء»، وفي روايةٍ: «مسلمين فاجتالتهم الشياطين» (٤) وليس كذلك، فإنَّ الله خلق بني آدم، وفطرهم على قبول الإسلام، والميل إليه دونَ غيره، والتهيؤ لذلك، والاستعداد له بالقوَّة، لكن لابدَّ للعبد من تعليم الإسلام بالفعل، فإنَّه قبل التعليم جاهلٌ لا يعلم شيئاً، كما قال : ﴿وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ … شَيْئاً﴾ (٥) وقال لنبيه ﷺ : ﴿وَوَجَدَكَ ضَالاًّ
следующие страницы →