← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 949

جامع العلوم والحكم - ت الفحل

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (928 стр.). Показаны 613–652 · переход к 618.

стр. 613

ثم تلا هذه الآية: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾ (١)، وقال الحاكم (٢): صحيح الإسناد، وقال البزار (٣): إسناده صالح. وخرَّجه الطبراني (٤) والدارقطني (٥) من وجه آخر، عن أبي الدرداء، عن النَّبيِّ ﷺ بمثل حديث (٦) أبي ثعلبة، وقال في آخره: «رحمة من الله، فاقبلوها»، ولكن إسناده ضعيف. وخرَّج الترمذي (٧)، وابن ماجه (٨) من رواية سيف بن هارون، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن سلمان قال: سئل رسول الله ﷺ عَنِ السَّمن والجُبن والفراء، فقال: «الحلالُ ما أحلَّ الله في كتابه، والحرامُ ما حرَّمَ الله في كتابه، وما سكت عنه، فهو مما عفا عنه». وقال الترمذي (٩): رواه سفيان - يعني: ابن عيينة - عن سليمان، عن أبي عثمان، عن سلمان من قوله، قال: وكأنَّه أصحُّ. وذكر في كتاب " العلل " (١٠) عن البخاري: أنَّه قال في الحديث المرفوع: ما أراه محفوظاً، وقال أحمد: هو منكر، وأنكره ابنُ معين أيضاً، وقال أبو حاتم الرازي (١١): هو خطأ، رواه الثقات عن التيمي، عن أبي عثمان، عن النَّبيِّ ﷺ مرسلاً، ليس فيه سلمان. قلت: وقد روي عن سلمان من قوله من وجوه أخر.

стр. 614

وخرَّجه ابن عدي (١) من حديث ابن عمر مرفوعاً وضعَّف إسناده. ورواه أبو صالح المري، عن الجُريري، عن أبي عثمان النهدي، عن عائشة مرفوعاً، وأخطأ في إسناده. وروي عن الحسن مرسلاً (٢). وخرَّج أبو داود (٣) من حديث ابن عباس قال: كان أهلُ الجاهلية يأكلون أشياء، ويتركون أشياء تقذراً، فبعث الله نبيَّه ﷺ ، وأنزل كتابه، وأحلَّ حلاله، وحرَّم حرامه، فما أحلَّ فهو حلال، وما حرَّم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، وتلا: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً﴾ (٤)، وهذا موقوف. وقال عُبيد بن عمير: إنَّ الله أحلَّ حلالاً وحرَّم حراماً، وما أحلَّ فهو حلال، وما حرَّم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفوٌ (٥). فحديث أبي ثعلبة قسَّم فيه أحكام الله أربعةَ أقسام: فرائض، ومحارم، وحدود، ومسكوت عنه، وذلك يجمع أحكامَ الدين كلَّها. قال أبو بكر بن السَّمعاني: هذا الحديثُ أصلٌ كبيرٌ من أصولِ الدِّين، قال: وحُكي عن بعضهم أنّه قال: ليس في أحاديث رسولِ الله ﷺ حديثٌ واحدٌ أجمع بانفراده لأصولِ العلم وفروعه من حديث أبي ثعلبة، قال: وحُكي عن أبي واثلة المزني أنَّه قال: جَمَعَ رسولُ الله ﷺ الدِّين في أربعِ كلماتٍ، ثم ذكر حديثَ أبي ثعلبة. قال ابنُ السَّمعاني: فمن عمِلَ بهذا الحديث، فقد حاز الثَّواب، وأمِنَ العقابَ؛ لأنَّ من أدَّى الفرائضَ، واجتنب المحارم، ووقف عندَ الحدودِ، وترك البحث عمَّا

стр. 615

غاب عنه، فقد استوفى أقسامَ الفضل، وأوفى حقوق الدِّين؛ لأنَّ الشرائع لا تخرُج عَنْ هذه الأنواع المذكورة في هذا الحديث. انتهى. فأما الفرائض، فما فرضه الله على عباده وألزمهم القيام به، كالصلاة والزكاة والصيام والحجِّ. وقد اختلفَ العلماء: هل الواجبُ والفرضُ بمعنى واحد أم لا؟ فمنهم من قال: هما سواء، وكلُّ واجب بدليلٍ شرعي من كتابٍ، أو سنةٍ، أو إجماعٍ، أو غير ذلك من أدلة الشرع، فهو فرضٌ، وهو المشهور عن أصحاب الشَّافعي وغيرهم (١)، وحُكي رواية عن أحمد؛ لأنَّه قال: كلُّ ما في الصلاة فهو فرضٌ. ومنهم من قال: بل الفرضُ ما ثبتَ بدليلٍ مقطوعٍ به (٢)، والواجبُ ما ثبت بغير مقطوع به، وهو قولُ الحنفيَّةِ وغيرهم (٣). وأكثرُ النُّصوص عن أحمد تُفرِّق بين الفرض والواجب (٤)، فنقل جماعةٌ مِنْ أصحابه عنه أنَّه قال: لا يُسمَّى فرضاً إلا ما كان في كتاب الله تعالى، وقال في صدقة الفطر: ما أجترئ أنْ أقول: إنَّها فرضٌ (٥)، مع أنَّه يقول بوجوبها، فمِنْ أصحابنا مَنْ قال: مراده أنَّ الفرض: ما ثبت بالكتاب، والواجب: ما ثبت بالسنَّة، ومنهم من قال: أراد أنَّ الفرض: ما ثبت بالاستفاضة والنَّقل المتواتر، والواجب: ما ثبت مِنْ جهة الاجتهاد، وساغ الخلافُ في وجوبه (٦).

стр. 616

ويُشْكِلُ على هذا أنَّ أحمد قال في رواية الميموني في برِّ الوالدين: ليس بفرضٍ، ولكن أقولُ: واجبٌ ما لم يكن معصية، وبرُّ الوالدين مجمَعٌ على وجوبه، وقد كثُرتِ الأوامرُ به في الكتاب والسُّنَّة، فظاهرُ هذا أنَّه لا يقول: فرضاً إلاَّ ما ورد في الكتاب والسُّنة تسميته فرضاً. وقد اختلفَ السَّلفُ في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر: هل يُسمَّى فريضةً أم لا (١)؟ فقالَ جويبر، عن الضحاك: هما مِنْ فرائض الله ، وكذا رُوي عَنْ مالك. وروى عبدُ الواحد بن زيد، عن الحسن، قال: ليس بفريضةٍ، كان فريضةً على بني إسرائيل، فرحم الله هذه الأمة لِضعفهم، فجعله عليهم نافلة. وكتب عبدُ الله بن شبرمة إلى عمرو بن عُبيد أبياتاً مشهورةً أولها: الأَمْرُ بالمعروفِ يا عمرو نافِلَةٌ … والقَائِمونَ بهِ لله أنْصارُ واختلف كلامُ أحمد فيه: هل يُسمَّى واجباً أم لا؟ فروى عنه جماعةٌ ما يدلُّ على وجوبه، وروى عنه أبو داود في الرجل يرى الطُّنبورَ ونحوَه: أواجبٌ عليه تغييره؟ قال: ما أدري ما واجب إن غيَّر، فهو فضل (٢). وقال إسحاق بن راهويه: هو واجبٌ على كلِّ مسلمٍ، إلاَّ أنْ يخشى على نفسه، ولعلَّ أحمد يتوقَّفُ في إطلاقه الواجب على ما ليس بواجبٍ على الأعيان، بل على الكفاية. وقد اختلف العلماءُ في الجهاد: هل هو واجبٌ أم لا؟ فأنكر جماعةٌ منهم وجوبَه (٣)، منهم: عطاء (٤)، وعمرو بنُ دينار (٥)، وابنُ شبرمة (٦)، ولعلَّهم أرادوا

стр. 617

هذا المعنى، وقالت طائفة: هوَ واجبٌ، منهم: سعيدُ بن المسيّب (١)، ومكحولٌ، ولعلَّهما أرادا وجوبَه على الكفاية. وقال أحمد في رواية حَنْبل: الغزوُ واجبٌ على النَّاس كلِّهم كوجوبِ الحجِّ، فإذا غزا بعضهم أجزأ عنهم، ولابدَّ للناس من الغزو. وسأله المروذي عن الجهاد: أفرضٌ هو؟ قالَ: قد اختلفوا فيهِ، وليس هوَ مثلَ الحجِّ، ومرادُه: أنَّ الحجَّ لا يسقطُ عمَّن لم يحجَّ مع الاستطاعة بحجِّ غيره، بخلاف الجهاد. وسُئِلَ عن النَّفير: متى يجب؟ فقال: أما إيجابٌ فلا أدري، ولكن إذا خافوا على أنفسهم، فعليهم أنْ يخرُجوا. وظاهر هذا التوقُّف في إطلاق لفظ الواجب (٢) على ما لم يأت فيه لفظُ الإيجاب تورُّعاً، ولذلك توقَّف في إطلاق لفظ الحرام على ما اختُلِفَ فيه، وتعارضت أدلتُه من نصوص الكتاب أو السنة، فقال في متعة النساء: لا أقولُ: هي حرامٌ، ولكن يُنهى عنه، ولم يتوقَّف في معنى التحريم، ولكن في إطلاق لفظه؛ لاختلاف النصوص والصحابةِ فيها، هذا هو الصحيح في تفسير كلام أحمد (٣). وقال في الجمع بين الأختين بملك اليمين: لا أقولُ: حرام، ولكن يُنهى عنه (٤)، والصَّحيح في تفسيره أنه توقَّف في إطلاق لفظة الحرام دون معناها، وهذا كله على سبيل الورع في الكلام؛ حذراً من الدُّخول تحت قوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ﴾ (٥). قال الربيعُ بن خثيم: ليتق أحدُكم أنْ يقولَ: أحلَّ الله كذا، وحرَّم كذا، فيقولُ الله: كذبتَ، لم أُحِلَّ كذا ولم أحرِّم كذا (٦).

стр. 618

وقال ابنُ وهب: سمعتُ مالك بنَ أنس يقول: أدركت علماءنا يقول أحدهم إذا سئل: أكره هذا، ولا أحبُّه، ولا يقول: حلال ولا حرام. وأما ما حُكي عن أحمد أنَّه قال: كلُّ ما في الصلاة فهو فرض، فليس كلامه كذلك وإنَّما نقل عنه ابنُه عبد الله أنَّه قال: كلُّ شيءٍ في الصلاة مما وكَّده الله، فهو فرض، وهذا يعود إلى معنى قوله: إنَّه لا فرض إلاّ ما في القرآن والذي وكّده الله من أمر الصلاة القيامُ والقراءة والركوع والسجود، وإنَّما قال أحمد هذا؛ لأنَّ بعضَ النَّاس كان يقول: الصَّلاةُ فرضٌ، والرُّكوع والسجود (١) لا أقول: إنَّه فرضٌ، ولكنه سنَّةٌ. وقد سُئِلَ مالك بنُ أنس عمن يقول ذلك، فكفَّره، فقيل له: إنَّه يتأوَّل، فلعنه، وقال: لقد قال قولاً عظيماً. وقد نقله أبو بكر النَّيسابوري في كتاب " مناقب مالك " من وجوه عنه (٢). وروى أيضاً بإسناده عن عبد الله بن عمرو بن ميمون بن الرماح، قال: دخلتُ على مالكِ بن أنسٍ، فقلت: يا أبا عبد الله، ما في الصَّلاة من فريضةٍ وما فيها من سنةٍ، أو قال: نافلة؟ فقال مالك: كلامُ الزنادقة، أخرِجوه (٣). ونقل إسحاق بن منصور، عن إسحاق بن راهويه: أنَّه أنكر تقسيمَ أجزاءِ الصَّلاة إلى سنَّةٍ وواجب، فقال: كلُّ ما في الصَّلاة، فهو واجبٌ، وأشار إلى أنَّ منه ما تُعادُ الصَّلاةُ بتركه، ومنه لا تعاد. وسببُ هذا - والله أعلم - أنَّ التعبير بلفظ السُّنَّة قد يُفضي إلى التَّهاونِ بفعل ذلك، وإلى الزُّهد فيه وتركه، وهذا خلافُ مقصودِ الشارع مِنَ الحثِّ عليه، والتَّرغيب فيه بالطُّرق المؤدِّيةِ إلى فعله وتحصيله، فإطلاقُ لفظ الواجب أَدْعى إلى الإتيان به، والرغبة فيه. وقد ورد إطلاقُ الواجب في كلام الشَّارع على ما لا يأثمُ بتركه، ولا يُعاقب عليه

стр. 619

عندَ الأكثرين (١)، كغُسلِ الجمعة، وكذلك ليلة الضَّيفِ عندَ كثيرٍ من العلماء أو أكثرهم، وإنَّما المرادُ به المبالغةُ في الحثِّ على فعله وتأكيده. وأمَّا المحارم: فهي التي حماها الله تعالى، ومنع من قُربانها وارتكابها وانتهاكها (٢). والمحرَّمات المقطوعُ بها مذكورة في الكتاب والسنة، كقوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ﴾ (٣) إلى آخر الآيات الثلاثة، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ (٤). وقد ذكر في بعض الآيات المحرَّمات المختصة بنوع من الأنواع كما ذكر المحرّمات من المطاعم في مواضع، منها قولُه تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ (٥)، وقوله: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ الله﴾ (٦) وفي الآية الأخرى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِه﴾ (٧)، وقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ﴾ (٨). وذكر المحرَّمات في النكاح في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ (٩). وذكر المحرَّمات من المكاسب في قوله: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ (١٠). وأما السُّنة، ففيها ذكر كثيرٍ من المحرَّمات، كقوله ﷺ : «إنَّ الله حرَّم بَيْعَ الخمر

стр. 620

والميتة والخنْزير والأصنام» (١). وقوله: «إنَّ الله إذا حرَّم شيئاً حرَّم ثمنه» (٢). وقوله: «كلُّ مسكرٍ حرام» (٣). وقوله: «إنَّ دماءكم وأموالَكم وأعراضكم عليكم حرام» (٤). فما ورد التَّصريحُ بتحريمه في الكتاب والسنة، فهو محرّم. وقد يستفادُ التحريمُ من النَّهي مع الوعيد والتَّشديدِ، كما في قوله : ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (٥). وأما النهي المجرد، فقد اختلفَ الناسُ: هل يُستفاد منه التَّحريمُ أم لا (٦)؟ وقد روي عن ابن عمر إنكارُ استفادة التحريم منه. قالَ ابنُ المبارك: أخبرنا سلاَّمُ بن أبي مطيع، عن ابن أبي دخيلةَ، عن أبيه، قالَ: كنتُ عندَ ابن عمر، فقالَ: نهى رسول الله ﷺ عَنِ الزَّبيب والتَّمر، يعني: أنْ يُخلطا، فقال لي رجل من خلفي: ما قال؟ فقلتُ: حرَّم رسولُ الله ﷺ الزبيب والتمر، فقال عبد الله بنُ عمر: كذبتَ، فقلتُ: ألم تقل: نهى رسولُ الله ﷺ عنه، فهو حرامٌ؟ فقال: أنت تشهد بذاك؟ قال سلاَّم: كأنه يقول: من نهي النَّبيِّ ﷺ ما هو أدب.

стр. 621

وقد ذكرنا فيما تقدم عن العلماء الورعين كأحمد ومالك توقِّي إطلاق لفظ الحرام على ما لم يتيقن تحريمُه ممَّا فيه نوعُ شبهةٍ أو اختلاف. وقال النَّخعي: كانوا يكرهون أشياء لا يُحرمونها، وقال ابنُ عون: قال لي مكحول: ما تقولون في الفاكهة تُلقى بين القَوم فينتهبونها؟ قلتُ: إنَّ ذَلِكَ عندنا لمكروهٌ، قال: حرام هي؟ قلت: إنَّ ذلك عندنا لمكروه، قال: حرام هي (١)؟ قال ابن عون: فاستجفينا ذلك مِنْ قول مكحول. وقال جعفر بن محمد: سمعت رجلاً يسأل القاسم بن محمد: الغناءُ أحرامٌ هو؟ فسكت عنه القاسمُ، ثم عاد، فسكت عنه، ثم عاد، فقال له: إنَّ الحرام ما حُرِّم في القرآن؟ أرأيت إذا أتي بالحقِّ والباطل إلى الله، في أيهما يكونُ الغناء؟ فقال الرجل: في الباطل، فقال: فأنت، فأفتِ نفسكَ. قال عبد الله بن الإمام أحمد: سمعتُ أبي يقول: أما ما نهى النَّبيُّ ﷺ ، فمنها أشياء حرامٌ، مثل قوله: «نهى أنْ تُنكحَ المرأةُ على عمَّتها، أو على خالتها» (٢)، فهذا حرام، ونهى عن جلودِ السِّباع (٣)، فهذا حرامٌ، وذكر أشياء من نحو هذا. ومنها أشياء نهى عنها، فهي أدبٌ. وأما حدودُ الله التي نهى عن اعتدائها، فالمرادُ بها جملة ما أَذِنَ في فعله، سواء كان على طريقِ الوجوبِ، أو الندب، أو الإباحة، واعتداؤها: هو تجاوزُ ذلك إلى ارتكاب ما نهى عنه، كما قال تعالى: ﴿وتِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ (٤) والمراد: من طلَّقَ على غير ما أمرَ الله به وأذن فيه، وقال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٥)،

стр. 622

والمراد: من أمسك بعد أنْ طلَّق بغير معروف، أو سرَّح بغير إحسانٍ، أو أخذ ممَّا أعطى المرأة شيئاً على غير وجه الفدية التي أذِنَ الله فيها. وقال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ﴾ (١) إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (٢)، والمراد: من تجاوز ما فرضه الله للورثة، ففضَّلَ وارثاً، وزاد على حقه، أو نقصه منه، ولهذا قال النَّبيُّ ﷺ في خطبته في حجَّة الوداع: «إنَّ الله قد أعطى كلَّ ذي حقٍّ حقَّه فلا وصية لوارث» (٣). وروى النَّوَّاس بنُ سمعان، عن النَّبيِّ ﷺ (٤) قال: «ضرب الله مثلاً صراطاً مستقيماً، وعلى جَنَبَتيِّ الصِّراط سوران فيهما أبواب مفتَّحةٌ، وعلى الأبواب ستورٌ مرخاة، وعلى باب الصِّراط داعٍ يقول: يا أيُّها النَّاسُ، ادخُلوا الصِّراط جميعاً، ولا تُعرِّجوا، وداعٍ يدعو من جوفِ الصِّراط، فإذا أراد أنْ يفتحَ شيئاً من تلك الأبواب، قال: وَيْحَكَ لا تَفتحه، فإنَّك إنْ تَفتحه تَلِجْه، والصِّراطُ: الإسلامُ، والسُّوران: حدودُ الله، والأبواب المفتَّحةُ: محارمُ الله، وذلك الداعي على رأس الصِّراط كتاب الله، والداعي من فوقُ: واعظ الله في قلب كلِّ مسلم» خرَّجه الإمام أحمد (٥)، وهذا لفظه، والنَّسائي في " تفسيره " (٦)، والترمذي (٧) وحسنه. فضرب النَّبيُّ ﷺ مثلَ الإسلام في هذا الحديث بصراطٍ مستقيمٍ، وهو الطريقُ السَّهلُ الواسعُ، الموصلُ سالكَه إلى مطلوبه، وهو - مع هذا - مستقيمٌ، لا عوَجَ فيه، فيقتضي ذلك قربَه وسهولته، وعلى جنبتي الصِّراط يمنة ويَسرة سوران، وهما حدودُ الله، وكما أنَّ السُّورَ يمنع من كان داخله مِن تعدِّيه ومجاوزته، فكذلك الإسلامُ يمنع

стр. 623

من دخله من الخُروج عن حدوده ومجاوزتها، وليس وراءَ ما حدَّ الله من المأذونِ فيه إلاَّ ما نهى عنه، ولهذا مدح سبحانه الحافظينَ لحدوده، وذمَّ من لا يعرف حدَّ الحلال من الحرام، كما قال تعالى: ﴿الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ (١). وقد تقدَّم حديث القرآن وأنَّه يقول لمن عمل به: حَفِظَ حدودي، ولمن لم يعمل به: تعدَّى حدودي. والمراد: أنَّ من لم يُجاوز ما أُذِنَ له فيه إلى ما نُهِي عنه، فقد حفظ حدودَ الله، ومن تعدَّى ذلك، فقد تعدَّى حدود الله (٢) (٣). وقد تُطلق الحدودُ، ويراد بها نفسُ المحارم (٤)، وحينئذٍ فيقال: لا تقربوا حدودَ الله، كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُوْدُ اللهِ فَلا تَقْرَبُوها﴾ (٥)، والمراد: النَّهي عن ارتكاب ما نهى عنه في الآية من محظورات الصِّيام والاعتكاف في المساجد، ومن هذا المعنى - وهو تسميةُ المحارم حدوداً - قولُ النَّبيِّ ﷺ : «مَثَلُ القائمِ على حدودِ الله والمُدْهِنِ فيها، كمثل قوم اقتسموا سفينة» (٦) الحديث المشهور، وأراد بالقائم على حدود الله: المنكر للمحرَّمات والناهي عنها (٧). وفي حديث ابنِ عباس، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «إني آخذ بحُجَزِكُم أقول: اتَّقوا النَّارَ، اتَّقوا الحدودَ» قالها ثلاثاً، خرَّجه الطبراني (٨) والبزار (٩)، وأراد بالحدود محارم الله ومعاصيه، ومنه قولُ الرجل الذي قال للنَّبيِّ ﷺ : إني أصبتُ حداً فأقمه عليَّ (١٠).

стр. 624

وقد تُسمى العقوباتُ المقدرة الرادعةُ عن المحارم المغلظة حدوداً، كما يقال: حدُّ الزنى، وحدُّ السرقة، وحدُّ شرب الخمر، ومنه قول النَّبيِّ ﷺ لأسامة: «أتشفع في حدٍّ من حدود الله؟» (١)، يعني: في القطع في السَّرقة. وهذا هو المعروف من اسم الحدود في اصطلاح الفقهاء. وأمَّا قولُ النَّبيِّ ﷺ : «لا يُجْلَدُ فَوقَ عشرِ جلدات إلا في حدٍّ مِنْ حُدودِ اللهِ» (٢) فهذا قد اختلف الناسُ في معناه، فمنهم من فسر الحدود هاهنا بهذه الحدود المقدرة، وقال: إنَّ التَّعزير لا يُزاد على عشرِ جلدات، ولا يُزادُ عليها إلاَّ في هذه الحدود المقدَّرة، ومنهم من فسَّر الحدودَ هاهنا بجنس محارمِ الله، وقال: المرادُ أنَّ مجاوزة العشر جلداتٍ لا يجوزُ إلا في ارتكاب محرَّم مِنْ محارم الله، فأمَّا ضربُ التَّأديبِ على غير محرَّمٍ، فلا يتجاوز به عشر جلدات (٣). وقد حمل بعضُهم قوله ﷺ : «وحدَّ حُدُوداً فلا تعتدوها» على هذه العقوبات الزَّاجرة عَنِ المحرَّمات، وقال: المراد النَّهيُ عن تجاوُزِ هذه الحدود وتعديها عند إقامتها على أهل الجرائم. ورجَّح ذلك بأنَّه لو كان المراد بالحدود الوقوف عند الأوامر والنَّواهي لكان تكريراً لقوله: «فرض فرائضَ فلا تُضيِّعُوها، وحرَّم أشياء، فلا تنتهكوها» وليس الأمر على ما قاله، فإنَّ الوقوفَ عندَ الحُدودِ يقتضي أنَّه لا يخرج عمَّا أذِنَ فيه إلى ما نهى عنه، وذلك أعمُّ من كونِ المأذون فيه فرضاً، أو ندباً، أو مباحاً كما تقدَّم، وحينئذٍ فلا تكريرَ في هذا الحديث، والله أعلم. وأمَّا المسكوتُ عنه، فهو ما لم يُذكَرْ حكمُه بتحليلٍ، ولا إيجابٍ، ولا تحريمٍ، فيكون معفوَّاً عنه، لا حرجَ على فاعلِهِ، وعلى هذا دلَّت هذه الأحاديثُ المذكورة هاهنا، كحديث أبي ثعلبة وغيره.

стр. 625

وقد اختلفت ألفاظُ حديث أبي ثعلبة، فروي باللفظ المتقدِّم، ورُوي بلفظ آخر، وهو: «إنَّ الله فَرضَ فرائضَ فلا تُضيِّعُوها، ونهاكم عن أشياء فلا تنتهكوها، وعفا عن أشياء من غير نسيانٍ فلا تبحثوا عنها» خرَّجه إسحاق بنُ راهويه. ورُوي بلفظ آخر وهو: «إنَّ الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وسنَّ لكم سنناً فلا تنتهكوها، وحرَّم عليكم أشياء فلا تعتدوها، وترك بين ذلك أشياء من غير نسيان رحمة منه فاقبلوها ولا تبحثوا عنها» خرَّجه الطبراني (١). وهذه الرواية تبيِّنُ أنَّ المعفوَّ عنه ما تُرِكَ ذكرُه، فلم يحرَّم ولم يُحلَّل. ولكن مما ينبغي أنْ يعلم: أنَّ ذكرَ الشيءِ بالتَّحريم والتَّحليل مما قد يخفى فهمُه مِنْ نُصوص الكتاب والسُّنة، فإنَّ دلالة هذه النُّصوص قد تكونُ بطريق النَّصِّ والتَّصريح، وقد تكونُ بطريق العُموم والشُّمول، وقد تكون دِلالتُه بطريق الفحوى والتنبيه، كما في قوله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ (٢)، فإنَّ دخُولَ ما هو أعظمُ من التَّأفيف مِنْ أنواع الأذى يكونُ بطريق الأولى، ويُسمَّى ذلك مفهومَ الموافقةِ (٣). وقد تكونُ دلالته بطريقِ مفهومِ المخالفة، كقوله: «في الغنم السَّائمة الزكاة» (٤) فإنَّه يدلُّ بمفهومه على أنَّه لا زَكاةَ في غير السَّائمة، وقد أخذ الأكثرون بذلك، واعتبروا مفهوم المخالفة، وجعلوه حجَّةً (٥). وقد تكونُ دلالته مِنْ باب القياس، فإذا نصَّ الشَّارع على حُكم في شيءٍ لمعنى من المعاني، وكان ذلك المعنى موجوداً في غيره، فإنَّه يتعدَّى الحكمُ إلى كلِّ ما وجد في ذلك المعنى عندَ جمهور العلماء، وهو من باب العدل والميزان الذي أنزله الله، وأمر بالاعتبار به، فهذا كلُّه ممَّا يعرَفُ به دلالة النُّصوص على التَّحليل والتَّحريم.

стр. 626

فأمَّا ما انتفى فيه ذلك كلُّه، فهُنا يُستدلُّ بعدم ذكره بإيجابٍ أو تحريمٍ على أنَّه معفوٌّ عنه، وهاهنا مسلكان: أحدهما: أنْ يُقال: لا إيجابَ ولا تحريمَ إلاَّ بالشَّرع، ولم يوجب الشَّرعُ كذا، أو لم يحرِّمه، فيكونُ غيرَ واجبٍ، أو غير حرامٍ، كما يقال مثلُ هذا في الاستدلال على نفي وجوب الوتر والأُضحية، أو نفي تحريم الضَّبِّ ونحوه، أو نفي تحريم بعض العُقود المختلف فيها، كالمساقاة والمزارعة ونحو ذلك، ويرجعُ هذا إلى استصحاب براءةِ الذِّمَّةِ حيث لم يُوجَدْ ما يدلُّ على اشتغالها، ولا يصْلُحُ هذا الاستدلالُ إلاَّ لمن عرف أنواعَ أدلَّة الشَّرع وسبرَهَا، فإنْ قطع - مع ذلك - بانتفاء ما يدلُّ على إيجابٍ أو تحريمٍ، قطع بنفي الوجوب أو التحريم، كما يقطع بانتفاء فرضية صلاةٍ سادسةٍ، أو صيام شهر غير شهر رمضان، أو وجوب الزَّكاة في غير الأموال الزَّكويَّة، أو حَجَّةٍ غير حجَّةِ الإسلام، وإنْ كان هذا كلُّه يستدلُّ عليه بنصوصٍ مصرِّحةٍ بذلك، وإنْ ظنَّ انتفاء ما يدلُّ على إيجابٍ أو تحريمٍ، ظنَّ انتفاء الوجوب والتحريم من غير قطع. والمسلك الثاني: أنْ يذكر مِنْ أدلَّة الشَّرع العامة ما يدلُّ على أنَّ ما لم يوجبه الشَّرع، ولم يحرِّمه، فإنَّه معفوٌّ عنه، كحديث أبي ثعلبة هذا وما في معناه من الأحاديث المذكورة معه، ومثل قوله ﷺ لمَّا سُئلَ عنِ الحجِّ أفي كلِّ عام؟ فقال: «ذروني ما تركتُكم، فإنَّما هلك مَنْ كان قَبلَكم بكثرةِ سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتُكم عن شيءٍ، فاجتنبوه، وإذا أمرتُكم بأمرٍ، فأتوا منه ما استطعتم» (١). ومثل قوله ﷺ في حديث سعد بن أبي وقَّاص: «إنَّ أعظم المسلمين في المسلمين جرماً من سأل عن شيءٍ لم يحرَّم، فحرِّم من أجل مسألته» (٢). وقد دلَّ القرآنُ على مثلِ هذا أيضاً في مواضعَ، كقوله : ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ (٣)، فإنّ هذا يدلُّ على

стр. 627

أنّ ما لم يجِد تحريمه، فليس بمحرَّمٍ، وكذلك قوله: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (١)، فعنفهم على تركِ الأكل ممّا ذُكِرَ اسمُ الله عليه، معلِّلاً بأنَّه قد بيَّن لهمُ الحرامَ، وهذا ليس منه، فدلَّ على أنَّ الأشياء على الإباحة، وإلاَّ لمَا أَلحَقَ اللَّومَ بمن امتنع من الأكل ممَّا لم ينصَّ له على حِلِّه بمجرَّد كونه لم ينصَّ على تحريمه. واعلم أنَّ هذه المسألة غيرُ مسألةِ حُكم الأعيان قبل وُرود الشَّرع: هل هو الحظرُ أو الإباحة، أو لا حُكم فيها؟ فإنَّ تلك المسألة مفروضةٌ فيما قبل وُرودِ الشَّرع (٢)، فأمَّا بعد وُروده فقد دلت هذه النُّصوصُ وأشباهُها على أنَّ حكم ذلك الأصل زال واستقرَّ أنَّ الأصل في الأشياء الإباحة بأدلَّة الشَّرع. وقد حكى بعضُهم الإجماع على ذلك، وغلَّطوا من سوَّى بين المسألتين، وجعل حكمهما واحداً. وكلام الإمام أحمد يدلُّ على أنَّ ما لا يدخل في نصوص التَّحريم، فإنَّه معفوٌّ عنه (٣). قال أبو الحارث: قلت لأبي عبد الله - يعني: أحمد -: إنَّ أصحاب الطَّير يذبَحُون مِنَ الطير شيئاً لا نعرفه، فما ترى في أكله؟ فقال: كل ما لم يكن ذا مِخلَبٍ أو يأكلُ الجِيفَ، فلا بأس به، فحصر تحريمَ الطير في ذي المخلب المنصوص عليه، وما يأكل الجِيفَ؛ لأنَّه في معنى الغراب المنصوص عليه (٤) وحكم بإباحة ما عداهما. وحديث ابن عباس (٥) الذي سبق ذكره يدلُّ على مثل هذا، وحديث سلمان الفارسي (٦) فيه النهي عن السؤال عن الجبن والسمن والفراء، فإنَّ الجبن كان يُصنعُ بأرضِ المجوس ونحوهم من الكُفَّارِ، وكذلك السَّمن، وكذلك الفراء تُجلب من عندِهم، وذبائحهم ميتةٌ، وهذا مما يستدلُّ به على إباحة لبن الميتة وأنفحتها، وعلى إباحة أطعمة المجوس، وفي ذلك كُلِّه خلافٌ مشهورٌ، ويُحملُ على أنَّه إذا اشتبه الأمرُ، لم

стр. 628

يجبِ السُّؤالُ والبحثُ عنه، كما قال ابن عمر لمَّا سُئل عن الجُبن الذي يصنعه المجوسُ، فقال: ما وجدته في سوق المسلمين اشتريتُه ولم أسأل عنه (١)، وذكر عندَ عمر الجبن وقيل له: إنَّه يُصنع بأنافح الميتة، فقال: سموا الله وكلوا (٢). قال الإمام أحمد: أصحُّ حديث فيه هذا الحديث، يعني: جبن المجوس (٣). وقد رُوي من حديث ابن عباس: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أُتي بجبنة في غزوة الطَّائِفِ، فقال: «أين تُصنَعُ هذه؟» قالوا: بفارس، فقال ﷺ : «ضعوا فيها السِّكِّينَ واقطعوا، واذكروا اسمَ الله وكلوا» خرَّجه الإمام أحمد (٤)، وسئل عنه، فقال: هو حديث منكرٌ، وكذا قال أبو حاتم الرازي (٥). وخرَّج أبو داود (٦) معناه من حديث ابن عمر، إلاَّ أنَّه قال: في غزوة تبوك، وقال أبو حاتم (٧): هو منكر أيضاً. وخرَّجه عبد الرزاق في " كتابه " (٨) مرسلاً، وهو أشبه، وعنده زيادة، وهي: أنَّه قيل له: يا رسول الله، نخشى أنْ تكونَ ميتة؟ قال: «سمُّوا عليه وكُلوه». وخرَّج الطبراني (٩) معناه من حديث ميمونة، وإسناده جيِّد، لكنه غريب جداً. وفي " صحيح البخاري " (١٠) عن عائشة: أنَّ قوماً قالوا للنَّبيِّ ﷺ : إنَّ قوماً يأتوننا باللَّحم، لا ندري أَذُكِرَ اسمُ الله عليه أم لا؟ فقال: «سمُّوا عليه أنتم وكلوا» قالت: وكانوا حديثي عهدٍ بالكُفر.

стр. 629

وفي " مسند الإمام أحمد " (١) عن الحسن: أنَّ عمر أراد أنْ ينهى عن حُلَلِ الحِبَرَةِ؛ لأنَّها تُصبَغُ بالبَوْلِ، فقال له أُبيٌّ: ليس ذلك لك، قد لبسهنَّ النَّبيُّ ﷺ ولبسناهنَّ في عهده، وخرَّجه الخلاَّل من وجه آخر وعنده: إنَّ أُبَيّاً قال له: يا أمير المؤمنين، قد لبسها نبيُّ الله ﷺ ، ورأى اللهُ مكانها، ولو علم اللهُ أنَّها حرامٌ، لنهى عنها، فقال: صدقت. وسئل الإمام أحمد عن لبس ما يَصبغُه أهلُ الكتاب من غير غسلٍ، فقال: لم تسأل عمَّا لا تعلم، لم يزلِ النَّاسُ منذ أدركناهم لا يُنكرون ذلك. وسئِلَ عن يهود يَصبغُون بالبول، فقال: المسلم والكافرُ في هذا سواء، ولا تسأل عن هذا، ولا تبحث عنه، وقال: إذا علمت أنَّه لا محالةَ يصبغ بشيءٍ مِنَ البولِ، وصحَّ عندكَ، فلا تصلِّ فيه حتّى تغسله. وخرَّج من حديث المغيرة بن شعبة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أُهدي إليه خُفَّان، فلبسهما ولا يعلم أذكيٌّ هما أم لا (٢). وقد ورد ما يستدلُّ به على البحث والسؤال، فخرَّج الإمام أحمد (٣) من حديث رجلٍ عن أمِّ مسلمٍ الأشجعية: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أتاها وهي في قبَّةٍ فقال: «ما أحسنها إنْ لم يكن فيها ميتةٌ»، قالت: فجعلت أتتبعها. والرجل مجهول (٤). وخرَّج الأثرمُ بإسنادِه عن زيد بن وهب، قال: أتانا كتابُ عمر بأَذربيجان: إنَّكم بأرضٍ فيها الميتة، فلا تلبِسُوا مِنَ الفراء حتّى تعلموا حِلَّه من حرامه. وروى الخلال بإسناده عن مجاهد: أنَّ ابن عمر رأى على رجل فرواً، فمسَّه وقال: لو أعلم أنَّه ذُكِّيَ، لسرَّني أنْ يكون لي منه ثوب (٥).

стр. 630

وعن محمد بن كعب أنَّه قال لعائشة: ما يمنعك أنْ تتخذي لحافاً (١) من الفراء؟ قالت: أكره أنْ ألبس الميتة. وروى عبد الرزاق (٢) بإسناده عن ابن مسعود: أنَّه قال لمن نزلَ من المسلمين بفارس: إذا اشتريتُم لحماً فسلوا، إنْ كان ذبيحةَ يهودي أو نصراني فكُلوا، وهذا لأنَّ الغالب على أهل فارس المجوس وذبائحُهم محرَّمةٌ. والخلاف في هذا يُشبه الخلاف في إباحة طعام من لا تُباح ذبيحته من الكفَّار، وفي استعمال أواني المشركين وثيابهم، والخلاف فيها يرجعُ إلى قاعدةِ تعارُض الأصل والظاهر، وقد سبق ذكرُ ذلك في الكلام على حديث: «الحلال بيِّن والحرام بيِّن، وبينهما أمورٌ مشتبهات» (٣). وقوله في الأشياء التي سكت عنها: «رحمة من غير نسيان» (٤) يعني: أنَّه إنَّما سكت عن ذكرها رحمةً بعباده ورفقاً؛ حيث لم يحرِّمْها عليهم حتّى يُعاقبَهم على فعلها، ولم يُوجِبها عليهم حتّى يعاقبَهم على تركها، بل جعلها عفواً، فإنْ فعلوها، فلا حرجَ عليهم، وإنْ تركوها فكذلك، وفي حديث أبي الدرداء (٥): ثم تلا: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾ (٦) ومثلُه قوله : ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾ (٧). وقوله: «فلا تبحثوا عنها» يحتمِلُ اختصاص هذا النهي بزمن النَّبيِّ ﷺ ؛ لأنَّ كثرةَ البحث والسؤال عمَّا لم يذكر قد يكونُ سبباً لنزول التَّشديد فيه بإيجابٍ أو تحريمٍ، وحديث سعد بن أبي وقَّاص (٨) يدلُّ على هذا، فيحتمل أنْ يكون النَّهيُ عامَّاً، والمروى عن سلمان من قوله يدلُّ على ذلك، فإنَّ كثرة البحث والسُّؤال عن حكمٍ ما لم يُذكر في الواجبات ولا في المحرمات، قد يُوجِب اعتقاد تحريمه، أو إيجابه؛

стр. 631

لمشابهته لبعضِ الواجبات أو المحرَّمات، فقَبولُ العافية فيه، وتركُ البحث والسُّؤالِ عنه خيرٌ، وقد يدخلُ ذلك في قول النَّبيِّ ﷺ : «هلك المتنطعون»، قالها ثلاثاً. خرَّجه مسلم (١) من حديث ابن مسعود مرفوعاً، والمتنطع: هو المتعمِّقُ البحَّاث عمَّا لا يعنيه (٢)، وهذا قد يتمسَّك به من يتعلَّق بظاهرِ اللَّفظ، وينفي المعاني والقياس كالظاهرية. والتَّحقيق في هذا المقام - والله أعلم - أنَّ البحث عمَّا لم يُوجَدْ فيه نصٌّ خاصٌّ أو عامٌّ على قسمين: أحدهما: أنْ يبحث عن دخوله في دلالات النُّصوص الصَّحيحة من الفحوى والمفهوم والقياس الظاهر الصَّحيح، فهذا حقٌّ، وهو ممَّا يتعيَّنُ فعلُه على المجتهدين في معرفة الأحكام الشرعية. والثاني: أنْ يدقِّق النَّاظِر نظرَه وفكرَه في وُجوهِ الفُروق المستبعدةِ، فيفرِّق بين متماثلين بمجرَّد فرقٍ لا يظهر له أثرٌ في الشَّرع، مع وجود الأوصاف المقتضية للجمعِ، أو يجمع بين متفرِّقين بمجرَّد الأوصاف الطرديَّة التي هي غيرُ مناسبة، ولا يدلُّ دليلٌ على تأثيرها في الشَّرع، فهذا النَّظر والبحثُ غيرُ مرضيٍّ ولا محمودٍ، مع أنَّه قد وقع فيه طوائفٌ مِنَ الفُقَهاءِ، وإنَّما المحمودُ النَّظرُ الموافقُ لنظرِ الصحابة ومَنْ بعدهُم مِنَ القُرونِ المفضَّلةِ كابنِ عبَّاسٍ ونحوه، ولعلَّ هذا مرادُ ابن مسعود بقوله: إيَّاكم والتنطُّع، إياكم والتعمُّق، وعليكم بالعتيق، يعني: بما كان عليه الصَّحابة ﵃. ومن كلام بعض أئمة الشافعية: لا يليقُ بنا أنْ نكتفيَ بالخيالات في الفروق، كدأبِ أصحاب الرأي، والسر في تلك أنَّ متعلَّق الأحكام في الحال الظُّنونُ وغلباتُها، فإذا كان اجتماعُ مسألتين أظهرَ في الظنِّ مِنَ افتراقهما، وجب القضاءُ باجتماعهما، وإنِ انقدحَ فرقٌ على بعد، فافهموا ذلك فإنَّه من قواعد الدين. انتهى.

стр. 632

ومما يدخل في النَّهي عن التعمُّق والبحث عنه: أمورُ (١) الغيب الخبريّة التي أمر بالإيمان بها، ولم يُبين كيفيتها، وبعضُها قد لا يكونُ له شاهدٌ في هذا العالم المحسوس، فالبحث عن كيفيَّة ذلك هو ممَّا لا يعني، وهو مما يُنهى عنه، وقد يوجِبُ الحيرة والشَّكَّ، ويرتقي إلى التَّكذيب. وفي " صحيح مسلم " (٢) عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «لا يزال النَّاس يَسألون حتّى يقال: هذا الله خلَقَ الخَلْق، فمن خلق الله؟ فمن وجد مِنْ ذَلِكَ شيئاً، فليقل: آمنت بالله»، وفي روايةٍ (٣) لهُ: «لا يزالُ النَّاسُ يسألونَكم عَنِ العِلم، حتّى يقولوا: هذا الله خلقنا، فمن خلق الله؟» وفي روايةٍ له أيضاً (٤): «لَيسألَنَّكُم النَّاسُ عَنْ كلِّ شيءٍ، حتى يقولوا: الله خلق كلَّ شيءٍ، فمن خلقه؟». وخرَّجه البخاري (٥)، ولفظه: «يأتي الشيطان أحدَكُم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربَّك؟ فإذا بلغه فليستعذْ بالله ولينتَهِ». وفي " صحيح مسلم " (٦) عن أنس، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «قال الله : إنَّ أمَّتك لا يزالون يقولون: ما كذا ما كذا، حتّى يقولوا: هذا الله خلق الخلق، فمن خلق الله؟». وخرَّجه البخاري (٧)، ولفظه: «لن يبرحَ الناس يتساءلون: هذا الله خالِقُ كلِّ شيءٍ، فمن خلق الله؟». قال إسحاق بن راهويه: لا يجوزُ التفكُّر في الخالق، ويجوز للعباد أن يتفكَّروا في المخلوقين بما سمعوا فيهم، ولا يزيدون على ذلك؛ لأنَّهم إنْ فعلوا تاهوا، قال: وقد قال الله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ (٨)، فلا يجوز أنْ يقال: كيف تُسبِّحُ القِصَاعُ، والأَخْوِنَةُ، والخبزُ المخبوزُ، والثِّيابُ المنسوجة؟ وكلُّ هذا قد صحَّ العلم فيهم أنَّهم يسبحون، فذلك إلى الله أنْ يجعل تسبيحَهم كيف شاء وكما شاء،

стр. 633

وليس للنَّاس أنْ يخوضُوا في ذلك إلاَّ بما علموا، ولا يتكلَّموا في هذا وشِبْهِهِ إلاَّ بما أخبر الله، ولا يزيدُوا على ذلك، فاتَّقوا الله، ولا تخوضوا في هذه الأشياء المتشابهة، فإنَّه يُرْديكم الخوض فيه عن سنن الحقِّ. نقل ذلك كلَّه حربٌ، عن إسحاق ﵀.

стр. 634

الحديث الحادي والثلاثون عَنْ سهلِ بنِ سعْدٍ السَّاعِديِّ قال: جاءَ رجُلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ فقالَ: يا رَسولَ الله دُلَّني عَلى عَمَلٍ إذا عَمِلْتُهُ أَحَبَّنِي الله، وأحَبَّنِي النَّاسُ، فقال: «ازهَدْ فِي الدُّنيا يُحِبَّكَ الله، وازهَدْ فيمَا في أيدي النَّاسِ يُحبَّكَ النَّاسُ». حديثٌ حسنٌ رَواهُ ابنُ ماجه (١) وغيرُهُ بأسانِيدَ حَسَنةٍ. هذا الحديث خرَّجه ابن ماجه من رواية خالد بن عمرو القرشي، عن سفيان الثوري، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، وقد ذكر الشيخ ﵀ أنَّ إسناده حسن، وفي ذلك نظر، فإنَّ خالد بن عمرو القرشي الأموي قال فيه الإمامُ أحمد: منكرُ الحديث، وقال مرة: ليس بثقة، يروي أحاديث بواطيل، وقال ابن معين: ليس حديثه بشيءٍ، وقال مرة: كان كذاباً يكذب، حدَّث عن شعبة أحاديثَ موضوعة، وقال البخاري وأبو زرعة: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: متروكُ الحديث ضعيف (٢) (٣)، ونسبه صالح بنُ محمد، وابنُ عدي إلى وضع الحديث (٤)، وتناقض ابنُ حبان في أمره، فذكره في كتاب "الثقات" (٥)، وذكره في كتاب " الضعفاء " (٦)، وقال: كان ينفردُ عَنِ الثِّقاتِ بالموضوعات، لا يحلُّ الاحتجاج

стр. 635

بخبره، وخرَّج العقيلي (١) حديثه هذا وقال: ليس له أصل من حديث سفيان الثوري، قال: وقد تابع خالداً عليه محمَّد بن كثيرٍ الصَّنعانيُّ، ولعله أخذه عنه ودلسه؛ لأنَّ المشهور به خالد هذا. قال أبو بكر الخطيب: وتابعه أيضا أبو قتادة الحرَّاني ومِهرانُ بن أبي عمر الرازي، فرووه عن الثَّوريِّ قال: وأشهرُها حديثُ ابن كثير. كذا قال، وهذا يخالفُ قولَ العقيلي: إنَّ أشهرَها حديثُ خالد بن عمرو، وهذا أصحُّ، ومحمد بن كثير الصنعاني هو المصيصي، ضعفه أحمد (٢). وأبو قتادة ومهران تُكُلِّمَ فيهما أيضاً، لكن محمد بن كثير خيرٌ منهما، فإنَّه ثقةٌ عندَ كثير مِنَ الحفَّاظ. وقد تعجب ابنُ عدي من حديثه هذا، وقال: ما أدري ما أقول فيه (٣). وذكر ابنُ أبي حاتم (٤) أنَّه سأل أباه عن حديث محمد بن كثير، عن سفيان الثوري، فذكر هذا الحديث، فقال: هذا حديثٌ باطلٌ، يعني: بهذا الإسناد، يُشير إلى أنَّه لا أصلَ له عن محمد بن كثير، عن سفيان. وقال ابن مشيش: سألتُ أحمد عن حديث سهل بن سعد، فذكر هذا الحديث، فقال أحمد: لا إله إلا الله - تعجباً منه - من يروي هذا؟ قلت: خالد ابن عمرو، فقال: وقعنا في خالد بن عمرو، ثم سكت، ومراده الإنكار على من ذكر له شيئاً من حديث خالد هذا، فإنَّه لا يُشتغل به. وخرَّجه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب " المواعظ " (٥) له عن خالد بن عمرو، ثم قال: كنت منكراً لهذا الحديث، فحدثني هذا الشيخُ عن وكيع: أنَّه سأله عنه، ولولا مقالته هذه لتركته. وخرَّج ابن عدي (٦) هذا الحديث (٧) في ترجمة خالد بن

стр. 636

عمرو، وذكر رواية محمد بن كثير له أيضاً، وقال: هذا الحديث عن الثوري منكر، قال: ورواه زافر - يعني: ابن سلمان - عن محمد بن عيينة أخي سفيان، عن أبي حازم، عن ابن عمر. انتهى، وزافر ومحمد بن عيينة، كلاهما ضعيف. وقد روي هذا الحديث من وجه آخر مرسلٍ (١): خرجه أبو سليمان بن زبر الدِّمشقي في " مسند إبراهيم بن أدهم " (٢) من جمعه من رواية معاوية بن حفص، عن إبراهيم بن أدهم، عن منصور، عن ربعي بن حِراش، قال: جاء رجلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ ، فقال: يا رسولَ الله، دلَّني على عمل يحبَّني الله عليه، ويحبني الناس عليه، فقال: «أما العملُ الذي يحبُّك الله عليه، فالزُّهدُ في الدُّنيا، وأمَّا العملُ الذي يحبُّك الناس عليه، فانظر هذا الحطام، فانبذه إليهم». وخرَّجه ابن أبي الدُّنيا في كتاب " ذم الدُّنيا " من رواية عليِّ بن بكار، عن إبراهيم بن أدهم، قال: جاء رجل إلى النَّبيِّ ﷺ ، فذكره، ولم يذكر في إسناده منصوراً ولا ربعياً، وقال في حديثه: «فانبذ إليهم ما في يديك من الحُطام». وقدِ اشتمل هذا الحديثُ على وصيتين عظيمتين: إحداهما: الزُّهدُ في الدُّنيا، وأنَّه مقتضٍ لمحبة الله لعبده. والثانية: الزُّهد فيما في أيدي الناس، وأنَّه مقتضٍ لِمحبَّة النَّاس. فأمَّا الزُّهد في الدُّنيا، فقد كثُر في القُرآن الإشارة إلى مدحه، وإلى ذمّ الرغبة في الدُّنيا، قال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيا وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنيا وَاللهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ (٤)، وقال تعالى في قصة قارون: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللهِ خَيْرٌ لِمَنْ

стр. 637

آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الصَّابِرُونَ﴾ إلى قوله: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنيا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنيا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ﴾ (٢)، وقال: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنيا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ (٣). وقال حاكياً عن مؤمن آل فرعون أنَّه قال لقومه: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنيا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ (٤). وقد ذمَّ الله مَنْ كان يُريد الدُّنيا بعمله وسعيه ونيَّته، وقد سبق ذكرُ ذلك في الكلام على حديث: «الأعمال بالنيات» (٥). والأحاديث في ذمِّ الدُّنيا وحقارتها عند الله كثيرةٌ جداً، ففي " صحيح مسلم " (٦) عن جابر: أنَّ النَّبيَّ ﷺ مرَّ بالسُّوقِ والنَّاسُ كَنَفَيْهِ (٧)، فمرَّ بجديٍّ أسكَّ (٨) ميِّتٍ، فتناوله، فأخذ بأذنه، فقال: «أيُّكم يُحبُّ أنَّ هذا له بدرهم؟» فقالوا: ما نحبُّ أنَّه لنا بشيء، وما نصنع به؟ قال: «أتحبُّون أنَّه لكم؟» قالوا: والله لو كان حياً كان عيباً فيه؛ لأنَّه أسكُّ، فكيف وهو ميت؟ فقال: «والله للدُّنيا أهونُ على الله من هذا عليكم». وفيه أيضاً (٩) عن المستورد الفهري، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «ما الدُّنيا في الآخرة إلاَّ كما يَجْعَلُ أحدُكم أصبَعَهُ في اليمِّ، فلينظر بماذا ترجع».

стр. 638

وخرَّج الترمذي (١) من حديث سهل بن سعد، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «لو كانتِ الدُّنيا تعدِلُ عندَ الله جناح بعوضةٍ، ما سقى كافراً منها شربةً» وصححه (٢). ومعنى الزهد في الشيء: الإعراضُ عنه لاستقلاله، واحتقاره، وارتفاع الهمَّةِ عنه، يقال: شيء زهيد، أي: قليل حقير (٣). وقد تكلَّم السَّلفُ ومَنْ بعدَهم في تفسير الزُّهد في الدُّنيا، وتنوَّعت عباراتهم عنه، وورد في ذلك حديثٌ مرفوع خرَّجه الترمذي (٤) وابن ماجه (٥) من رواية عمرو بن واقدٍ، عن يونس بن حلبس، عن أبي إدريس الخولانيِّ، عن أبي ذرٍّ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «الزَّهادةُ في الدُّنيا ليست بتحريم الحلال، ولا إضاعة المال، ولكن الزهادة في الدُّنيا أنْ لا تكونَ بما في يديك أوثقَ ممَّا في يد الله، وأنْ تكون في ثواب المصيبة إذا أنتَ أُصبتَ بها أَرغبَ فيها لو أنَّها بقيت لك». وقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلاَّ من هذا الوجه، وعمرو بن واقد منكر الحديث (٦). قلت: الصحيح وقفه، كما رواه الإمام أحمد في كتاب " الزهد " (٧)، حدثنا زيد بن يحيى الدمشقي، حدثنا خالدُ بنُ صبيح، حدثنا يونس بن حلبس قال: قال أبو مسلم الخولاني: ليس الزهادةُ في الدُّنيا بتحريم الحلال، ولا إضاعة المال، إنَّما الزهادة في الدُّنيا أنْ تكونَ بما في يد الله أوثق مما في يديك، وإذا أُصِبْتَ بمصيبةٍ، كنت أشدَّ رجاءً لأجرها وذُخرها مِن إيَّاها لو بقيت لك. وخرَّجه ابن أبي الدُّنيا من راوية محمد بن مهاجر، عن يونس بن ميسرة، قال: ليس الزَّهادة في الدُّنيا بتحريم الحلال، ولا بإضاعة المال، ولكن الزهادة في الدُّنيا أنْ

стр. 639

تكونَ بما في يد الله أوثق منك بما في يدك، وأنْ يكونَ حالك في المصيبة وحالُك إذا لم تُصب بها سواءً، وأنْ يكون مادحُك وذامُّك في الحقِّ سواء. ففسر الزهد في الدُّنيا بثلاثة أشياء كُلُّها من أعمال القلوب، لا من أعمال الجوارح، ولهذا كان أبو سليمان يقول: لا تَشْهَدْ لأحدٍ بالزُّهد، فإنَّ الزُّهد في القلب. أحدها: أنْ يكونَ العبدُ بما في يد الله أوثقَ منه بما في يد نفسه، وهذا ينشأ مِنْ صحَّة اليقين وقوَّته، فإنَّ الله ضَمِن أرزاقَ عباده، وتكفَّل بها، كما قال: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا﴾ (١)، وقال: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ (٢)، وقال: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ﴾ (٣). قال الحسن: إنَّ مِنْ ضعف يقينك أنْ تكونَ بما في يدك أوثقَ منك بما في يد الله . وروي عن ابن مسعود قال: إنَّ أرجى ما أكون للرزق إذا قالوا: ليس في البيت دقيق. وقال مسروقٌ: إنَّ أحسن ما أكون ظناً حين يقول الخادم: ليس في البيت قفيزٌ من قمحٍ ولا درهمٌ (٤). وقال الإمامُ أحمد: أسرُّ أيامي إليَّ يوم أُصْبِحُ وليس عندي شيء (٥). وقيل لأبي حازم الزاهد: ما مالُك؟ قال: لي مالان لا أخشى معهما الفقر: الثِّقةُ بالله، واليأسُ ممَّا في أيدي الناس (٦). وقيل له: أما تخافُ الفقر؟ فقال: أنا أخاف الفقر ومولاي له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى؟! ودُفع إلى عليِّ بنِ الموفق ورقة، فقرأها فإذا فيها: يا عليّ بن الموفق أتخاف الفقرَ وأنا ربك؟ وقال الفضيلُ بن عياض (٧):

стр. 640

أصلُ الزُّهد الرِّضا عَنِ الله . وقال: القنوع هو الزهد، وهو الغنى. فمن حقق اليقين، وثق بالله في أموره كلها، ورضي بتدبيره له، وانقطع عن التعلُّق بالمخلوقين رجاءً وخوفاً، ومنعه ذلك مِنْ طلب الدُّنيا بالأسباب المكروهة، ومن كان كذلك، كان زاهداً في الدُّنيا حقيقة، وكان من أغنى الناس، وإنْ لم يكن له شيء من الدُّنيا كما قال عمَّار: كفى بالموت واعظاً، وكفى باليقين غنى، وكفى بالعبادة شغلاً (١). وقال ابن مسعود: اليقينُ: أنْ لا ترضي النَّاسَ بسخطِ اللهِ، ولا تحمد أحداً على رزق الله، ولا تلم أحداً على ما لم يؤتِكَ الله، فإنَّ الرِّزقَ لا يسوقُه حرصُ حريصٍ، ولا يردُّه كراهة كارهٍ، فإنَّ الله ﵎ بقسطه وعلمه وحكمه - جعل الرَّوحَ والفرحَ في اليقين والرضا، وجعل الهمَّ والحزن في الشكِّ والسخطِ (٢). وفي حديث مرسل أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يدعو بهذا الدُّعاء: «اللهمَّ إنِّي أسألك إيماناً يُباشر قلبي، ويقيناً (٣) صادقاً (٤) حتى أعلم أنَّه لا يمنعني رزقاً قسمته لي، ورضِّني من المعيشة بما قسمت لي» (٥). وكان عطاء الخراساني لا يقومُ من مجلسه حتى يقولَ: اللهمَّ هب لنا يقيناً منك حتى تُهوِّن علينا مصائبَ الدُّنيا، وحتى نعلمَ أنَّه لا يُصيبنا إلا ما كتبتَ علينا، ولا يُصيبنا مِنْ هذا الرِّزقِ إلاَّ ما قسمتَ لنا (٦). روينا من حديث ابن عباس مرفوعاً، قال: «من سرَّه أنْ يكون أغنى الناسِ، فليكن بما في يدِ الله أوثق منه بما في يده» (٧).

стр. 641

والثاني: أنْ يكونَ العبدُ إذا أُصيبَ بمصيبةٍ في دُنياه مِنْ ذهابِ مالٍ، أو ولدٍ، أو غير ذلك، أرغبَ في ثواب ذلك ممَّا ذهبَ منه مِنَ الدُّنيا أنْ يبقي له، وهذا أيضاً ينشأُ مِنْ كمالِ اليقين. وقد روي عن ابن عمر: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يقول في دعائه: «اللهُمَّ اقسم لنا مِنْ خشيتك ما تحولُ به بيننا وبين معاصِيكَ، ومِنْ طاعتك ما تبلِّغُنا به جنَّتك، ومِنَ اليقين ما تهوِّنُ به علينا مصائبَ الدُّنيا» (١) وهو من علامات الزُّهد في الدُّنيا، وقلَّةِ الرَّغبة فيها، كما قال عليٌّ ﵁: من زهد في الدُّنيا، هانت عليه المصيباتُ. والثالث: أنْ يستوي عندَ العبد حامدُه وذامُّه في الحقِّ، وهذا من علامات الزُّهد في الدُّنيا، واحتقارها، وقلَّةِ الرَّغبة فيها، فإنَّ من عظُمتِ الدُّنيا عنده أحبَّ المدحَ وكرِهَ الذَّمَّ، فربما حمله ذلك على تركِ كثيرٍ مِنَ الحق خشيةَ الذَّمِّ، وعلى فعلِ كثيرٍ مِنَ الباطلِ رجاءَ المدح، فمن استوى عنده حامدُه وذامُّه في الحقِّ، دلَّ على سُقوط منزلة المخلوقين من قلبه، وامتلائه مِنْ محبَّة الحقِّ، وما فيه رضا مولاه، كما قال ابن مسعود: اليقين أنْ لا تُرضي النَّاسَ بسخط الله (٢). وقد مدح الله الذين يُجاهدون في سبيل الله، ولا يخافون لومة لائم. وقد روي عن السَّلف عبارات أخرُ في تفسير الزُّهد في الدُّنيا، وكلها تَرجِعُ إلى ما تقدَّم، كقول الحسن: الزاهد الذي إذا رأى أحداً قال: هو أفضل مني، وهذا يرجع إلى أنَّ الزاهد حقيقةً هو الزَّاهدُ في مدح نفسه وتعظيمها، ولهذا يقال: الزهد في الرِّياسة أشدُّ منه في الذهب والفضة (٣)، فمن أخرج مِنْ قلبه حبَّ الرياسة في الدُّنيا، والتَّرفُّع فيها على الناس، فهو الزاهد حقاً، وهذا هو الذي يستوي عنده حامدُه وذامُّه في الحقِّ، وكقول وهيب بن الورد: الزهد في الدُّنيا أنْ لا تأسى على ما فات منها، ولا تفرح بما آتاك منها (٤)،

стр. 642

قال ابن السماك: هذا هو الزاهد المبرز في زهده. وهذا يرجع إلى أنَّه يستوي عند العبد إدبارها وإقبالها وزيادتها ونقصُها، وهو مثلُ استواءِ المصيبة وعدمها كما سبق. وسئل بعضُهم - أظنُّه الإمام أحمد - عمَّن معه مالٌ: هل يكون زاهداً؟ قال: إنْ كان لا يفرح بزيادته ولا يحزن بنقصه، أو كما قال. وسئل الزهري عن الزاهد فقال: من لم يغلب الحرامُ صبرَه، ولم يشغل الحلالُ شكره (١)، وهذا قريبٌ ممَّا قبله، فإنَّ معناه أنَّ الزاهد في الدُّنيا إذا قدر منها على حرام، صبر عنه، فلم يأخذه، وإذا حصل له منها حلالٌ، لم يشغَلْهُ عَنِ الشُّكر، بل قام بشكرِ الله عليه. قال أحمد بن أبي الحواري: قلتُ لسفيان بن عيينة: مَنِ الزَّاهد في الدُّنيا؟ قال: من إذا أنعم عليه شكر (٢)، وإذا ابتُلي صبر. فقلت: يا أبا محمد قد أنعم عليه فشكر، وابتلي فصبر، وحبس النِّعمةَ (٣)، كيف يكون زاهداً؟! فقال: اسكت، من لم تمنعه النَّعماءُ مِنَ الشُّكر، ولا البلوى من الصَّبر، فذلك الزاهد (٤). وقال ربيعة: رأس الزهادة جمعُ الأشياء بحقها، ووضعُها في حقِّها (٥). وقال سفيان الثوري: الزهد في الدُّنيا قِصَرُ الأمل، ليس بأكل الغليظ، ولا بلبس العباء (٦)، وقال: كان من دعائهم: اللهم زهِّدنا في الدُّنيا، ووسِّع علينا منها، ولا تزوِها عنا، فترغِّبنا فيها. وكذا قال الإمام أحمد: الزُّهد في الدُّنيا: قِصَرُ الأمل، وقال مرة: قِصَرُ الأملِ واليأسُ مما في أيدي الناس.

стр. 643

ووجه هذا أنَّ قِصَرَ الأملِ يُوجِبُ محبَّةَ لقاء الله بالخروج من الدُّنيا، وطول الأمل يقتضي محبَّةَ البقاءِ فيها، فمن قصُرَ أملُه، فقد كره البقاء في الدُّنيا، وهذا نهاية الزُّهد فيها، والإعراض عنها، واستدل ابنُ عيينة لهذا القول بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ (١). وروى ابن أبي الدُّنيا بإسناده عن الضَّحَّاك بن مزاحم قال: أتى النَّبيَّ ﷺ رجلٌ، فقال: يا رسول الله، مَنْ أزهدُ النَّاسِ؟ فقال: «من لم ينسَ القبرَ والبِلى، وترك أفضلَ (٢) زينة الدُّنيا، وآثرَ ما يبقى على ما يفنى، ولم يعدَّ غداً مِنْ أيَّامه وعدَّ نفسه من الموتى» (٣) وهذا مرسل. وقد قسَّم كثيرٌ مِنَ السَّلفِ الزُّهدَ أقساماً: فمنهم من قال: أفضل الزُّهدِ: الزُّهدُ في الشِّركِ، وفي عبادةِ ما عُبِدَ من دُونِ الله، ثمَّ الزُّهدُ في الحرام كلِّه من المعاصي، ثمَّ الزُّهدُ في الحلال، وهو أقلُّ أقسام الزهد، فالقسمان الأولان من هذا الزهد، كلاهما واجبٌ، والثَّالث: ليس بواجبٍ، فإنَّ أعظمَ الواجبات: الزُّهد في الشِّركِ، ثم في المعاصي كلِّها (٤). وكان بكرٌ المزنيُّ يدعو لإخوانه: زهَّدنا الله وإياكم زُهْدَ مَنْ أمكنه الحرام والذنوب في الخلوات، فعلم أنَّ الله يراه فتركه. وقال ابنُ المبارك: قال سلام بن أبي مطيع: الزُّهد على ثلاثة وجوه: واحد: أنْ يُخْلِصَ العمل لله والقول، ولا يُراد بشيء منه الدُّنيا. والثاني: تركُ ما لا يصلُحُ، والعمل بما يصلح. والثالث: الحلال أنْ يزهدَ فيه وهو تطوُّعٌ، وهو أدناها (٥).

стр. 644

وهذا قريب مما قبله، إلاَّ أنَّه جعل الدَّرجةَ الأُولى مِنَ الزُّهدِ الزُّهدَ في الرياء المنافي للإخلاص في القول والعمل، وهو الشِّركُ الأصغر، والحاملُ عليه محبَّةُ المدح في الدُّنيا، والتقدُّم عند أهلها، وهو مِنْ نوعِ محبَّةِ العلوِّ فيها والرياسة. وقال إبراهيم بن أدهم: الزهد ثلاثة أصناف: فزهدٌ فرضٌ، وزهدٌ فضلٌ، وزهدٌ سلامةٌ، فالزهد الفرض: الزهد في الحرام، والزهد الفضل: الزهد في الحلال، والزهدُ السلامةُ: الزُّهد في الشبهات (١). وقدِ اختلفَ الناسُ: هل يستحقُّ اسمَ الزاهد مَنْ زَهِدَ في الحرام خاصَّةً، ولم يزهد في فضول المباحات أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنَّه يستحقُّ اسمَ الزهد بذلك، وقد سبق ذلك عَنِ الزُّهري وابن عيينة وغيرهما. والثاني: لا يستحقُّ اسم الزهد بدون الزهد في فضول المباح، وهو قولُ طائفة من العارفين وغيرهم، حتى قال بعضهم: لا زُهْدَ اليوم لفقد المباح المحض، وهو قول يوسف بن أسباط (٢) وغيره، وفي ذلك نظر. وكان يونس بن عبيد يقول: وما قدر الدُّنيا حتى يُمدَح من زهد فيها؟ وقال أبو سليمان الداراني: اختلفوا علينا في الزُّهد بالعراق، فمنهم من قال: الزُّهد في ترك لقاءِ النَّاسِ، ومنهم من قال: في ترك الشَّهواتِ، ومنهم من قال: في ترك الشِّبَعِ، وكلامهم قريبٌ بعضُه مِن بعضٍ، قال: وأنا أذهبُ إلى أنَّ الزُّهدَ في ترك ما يشغلُك عن الله (٣)، وهذا الذي قاله أبو سليمان حسن، وهو يجمعُ جميعَ معاني الزُّهد وأقسامه وأنواعه. واعلم أنَّ الذمَّ الوارد في الكتاب والسُّنَّة للدُّنيا ليس هو راجعاً إلى زمانها الذي هو اللَّيل والنَّهار، المتعاقبان إلى يوم القيامة، فإنَّ الله جعلهما خِلفَةً لمن أراد أنْ يذَّكَّرَ أو أراد شكوراً. ويُروى عن عيسى ﵇ أنَّه قال: إنَّ هذا الليل والنهار خزانتان، فانظُروا ما تضعُون فيهما، وكان يقول: اعملوا اللَّيل لما خلق له، والنَّهار لما خلق له.

стр. 645

وقال مجاهد: ما مِنْ يوم إلاَّ يقول: ابنَ آدم قد دخلتُ عليك اليوم، ولن أرجعَ إليك بعدَ اليوم، فانظُر ماذا تعمل فيَّ، فإذا انقضى، طوي، ثم يُخْتَمُ عليه، فلا يُفَكُّ حتّى يكون الله هو الذي يفضّه يومَ القيامة، ولا ليلة إلا تقول كذلك (١)، وقد أنشد بعضُ السَّلف: إنَّما الدُّنيا إلى الجنَّـ … ـةِ والنَّار طريق واللَّيالي متجر الإنـ … ـسان والأيَّام سُوق وليس الذمُّ راجعاً إلى مكان الدُّنيا الذي هو الأرض التي جعلها الله لبني آدم مِهاداً وسكناً، ولا إلى ما أودعه الله فيها من الجبال والبحار والأنهار والمعادن، ولا إلى ما أنبته فيها من الشَّجر والزرع، ولا إلى ما بثَّ فيها من الحيوانات وغير ذلك، فإنَّ ذلك كُلَّه مِنْ نعمة الله على عباده بما لهم فيه من المنافع، ولهم به من الاعتبار والاستدلال على وحدانيَّة صانعه وقُدرته وعَظَمَتهِ، وإنَّما الذَّمُّ راجعٌ إلى أفعال بني آدم الواقعة في الدُّنيا؛ لأنَّ غالبها واقعٌ على غير الوجه الذي تُحمَدُ عاقبتُه، بل يقعُ على ما تضرُّ عاقبتُه، أو لا تنفع، كما قال : ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ﴾ (٢). وانقسم بنو آدم في الدُّنيا إلى قسمين: أحدهما: من أنكر أنْ يكون للعباد بعد الدُّنيا دارٌ للثَّواب والعقاب، وهؤلاء هم الَّذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنيا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٣)، وهؤلاء همُّهمُ التمتُّع بالدُّنيا، واغتنامُ لَذَّاتها قبل الموت، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ (٤). ومن هؤلاء من كان يأمرُ بالزُّهد في الدُّنيا؛ لأنَّه يرى أنَّ الاستكثار منها يُوجِبُ الهمَّ والغمَّ، ويقول: كلَّما كثُرَ التعلُّقُ بها، تألَّمت النَّفسُ بمفارقتها عند الموت، فكان هذا غايةَ زُهدهم في الدُّنيا. والقسم الثاني: من يُقرُّ بدارٍ بعد الموت للثَّواب والعقاب، وهم المنتسبون إلى

стр. 646

شرائع المرسلين، وهم منقسمون إلى ثلاثة أقسام: ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق بالخيرات بإذن الله. فالظالم لنفسه: هم الأكثرون منهم، وأكثرهم وقف مع زهرةِ الدُّنيا وزينتِها، فأخذها مِن غير وجهها، واستعملها في غيرِ وجهها، وصارت الدُّنيا أكبرَ همِّه، لها يغضب (١)، وبها يرضى، ولها يُوالي، وعليها يُعادي، وهؤلاء هم أهلُ اللَّهو واللَّعب والزِّينة والتَّفاخر والتَّكاثر، وكلُّهم لم يعرفِ المقصودَ من الدُّنيا (٢)، ولا أنَّها منزلُ سفرٍ يتزوَّدُ منها لِمَا بعدَها مِنْ دارِ الإقامة، وإنْ كان أحدُهم يُؤمِنُ بذلك إيماناً مجمَلاً، فهو لا يعرفه مفصَّلاً، ولا ذاقَ ما ذاقَهُ أهلُ المعرفة بالله في الدُّنيا ممَّا هو أنموذَجُ ما ادُّخر لهم في الآخرة. والمقتصد منهم أخذَ الدُّنيا مِنْ وجوهها المباحَةِ، وأدَّى واجباتها، وأمسك لنفسه الزَّائِدَ على الواجب، يتوسَّعُ به في التمتُّع بشهواتِ الدُّنيا (٣)، وهؤلاءِ قدِ اختُلف في دخولهم في اسم الزَّهادَةِ في الدُّنيا كما سبق ذكره، ولا عقاب عليهم في ذلك، إلاَّ أنَّه ينقصُ من درجاتهم من الآخرة بقدر توسُّعهم في الدُّنيا. قال ابن عمر: لا يصيبُ عبدٌ مِنَ الدُّنيا شيئاً إلاَّ نقص من درجاته عند الله، وإنْ كان عليه كريماً، خرَّجه ابنُ أبي الدُّنيا (٤) بإسنادٍ جيد. وروي مرفوعاً من حديث عائشة بإسناد فيه نظر. وروى الإمام أحمدُ في كتاب " الزهد " بإسناده: أنَّ رجلاً دخل على معاوية، فكساه، فخرج فمرَّ على أبي مسعود الأنصاري ورجلٍ آخر من الصَّحابة، فقال أحدهما له: خذها مِنْ حسناتِك، وقال الآخر: من طيِّباتك. وبإسناده عن عمر قال: لولا أنْ تنقص حسناتي لخالطتكم في لين عَيشِكُم، ولكنَّي سمعت الله عيَّرَ قوماً، فقال: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنيا﴾ (٥) (٦).

стр. 647

وقال الفضيل بن عياض: إنْ شئت استَقِلَّ مِنَ الدُّنيا، وإنْ شئت استكثر منها فإنَّما تأخُذُ مِن كيسك. ويشهد لهذا أنَّ الله حرَّم على عباده أشياءَ مِنْ فضول شهواتِ الدُّنيا وزينتها وبهجتها، حيث لم يكونوا محتاجين إليه، وادَّخره لهم عنده في الآخرة، وقد وقعت الإشارة إلى هذا بقوله : ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرحمان لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنيا وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١). وصحَّ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «مَنْ لبس الحَريرَ في الدُّنيا، لم يلبسه في الآخرة» (٢)، و «من شرب الخمر في الدُّنيا لم يشربها في الآخرة» (٣). وقال: «لا تلبَسوا الحريرَ ولا الدِّيباجَ، ولا تشربوا في آنية الذَّهبِ والفِضَّةِ، ولا تأكُلُوا في صحافها، فإنَّها لهم في الدُّنيا، ولكم في الآخرة» (٤). قال وهب: إنَّ الله قال لموسى ﵇: إنِّي لأذودُ أوليائي عن نعيم الدُّنيا ورخائها كما يذودُ الرَّاعي الشفيقُ إبِلَه عن مبارك العُرَّةِ، وما ذلك لهوانهم عليَّ، ولكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتي سالماً موفراً لم تَكْلَمْه الدُّنيا (٥). ويشهد لهذا ما خرَّجه الترمذي عن قتادة بن النُّعمان، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «إنَّ الله إذا أحبَّ عبداً حماه عَنِ الدُّنيا، كما يَظَلُّ أحدُكُمْ يحمي سقيمَه الماءَ» (٦)، وخرَّجه الحاكم (٧)، ولفظه: «إنَّ الله ليحمي عبدَه

стр. 648

الدُّنيا وهو يحبُّه، كما تحمُونَ مريضَكم الطَّعام والشراب، تخافون عليه». وفي " صحيح مسلم " (١) عن عبد الله بن عمرو، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «الدُّنيا سجنُ المؤمن، وجنَّة الكافر». وأمَّا السَّابقُ بالخيرات بإذن الله، فهمُ الَّذينَ فهِمُوا المرادَ مِنَ الدُّنيا، وعَمِلُوا بمقتضى ذلك، فعلموا أنَّ الله إنَّما أسكنَ عبادَه في هذه الدَّارِ، ليبلوهم أيُّهم أحسنُ عملاً، كما قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ (٢)، وقال: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ (٣). قال بعض السَّلف: أيهم أزهد في الدُّنيا، وأرغبُ في الآخرة، وجعل ما في الدُّنيا مِنَ البهجة والنُّضرة مِحنَةً، لينظر من يقف منهم معه، ويَركَن إليه، ومن ليس كذلك، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ (٤) ثم بين انقطاعه ونفاده، فقال: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً﴾ (٥)، فلمَّا فهِموا أنَّ هذا هو المقصود مِنَ الدُّنيا، جعلوا همَّهم التزوُّدَ منها للآخرة التي هي دارُ القرار، واكتفوا مِنَ الدُّنيا بما يكتفي به المسافرُ في سفره، كما كان النَّبيُّ ﷺ يقول: «ما لي وللدُّنيا، إنَّما مثلي ومثل الدُّنيا كراكبٍ قالَ في ظلِّ شجرةٍ، ثم راح وتركها» (٦). ووصَّى ﷺ جماعةً من الصحابة أنْ يكون بلاغُ أحدِهم مِنَ الدُّنيا كزادِ الراكب، منهم: سلمان (٧)،

стр. 649

وأبو عبيدة بن الجراح، وأبو ذرٍّ، وعائشة (١)، ووصَّى ابنَ عمرَ أنْ يكونَ في الدُّنيا كأنَّه (٢) غريبٌ أو عابرُ سبيل، وأنْ يَعُدَّ نفسه من أهل القبور (٣). وأهل هذه الدرجة على قسمين: منهم من يقتصرُ من الدُّنيا على قدر ما يسدُّ الرَّمق فقط، وهو حالُ كثيرٍ من الزُّهَّادِ. ومنهم من يفسح لنفسه أحياناً في تناول بعض شهواتِها المباحةِ؛ لتقوى النَّفسُ بذلك، وتنشَط للعملِ، كما روي عنِ النَّبيِّ ﷺ : أنَّه قال: «حُبِّبَ إليَّ من دنياكمُ النِّساءُ والطِّيبُ، وجُعِلَتْ قُرَّةُ عيني في الصَّلاة» خرَّجه الإمام أحمد (٤) والنَّسائي (٥) من حديث أنس. وخرَّج الإمام أحمد (٦) من حديث عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يحبُّ من الدُّنيا النِّساء والطِّيب والطعام، فأصاب من النِّساءِ والطِّيبِ، ولم يُصب من الطَّعامِ. وقال وهب: مكتوبٌ في حكمة آل داود ﵇: ينبغي للعاقل أنْ لا يَغْفُل عن أربع ساعاتٍ: ساعةٍ يُحاسِبُ فيها نفسه، وساعةٍ يُناجي فيها ربَّه، وساعةٍ يلقى فيها إخوانه الذين يُخبرونه بعيُوبه، ويُصدقونه عن نفسه، وساعةٍ يُخلي بين نفسه وبين لذَّاتها فيما يحلُّ ويجمل، فإنَّ في هذه السَّاعة عوناً على تلك الساعات، وفضلَ بُلغة واستجماماً للقلوب، يعني: ترويحاً لها (٧).

стр. 650

ومتى نوى المؤمن بتناول شهواته المباحة التقوِّي على الطاعة كانت شهواتُه له طاعة يُثابُ عليها، كما قال معاذ بن جبل: إنِّي لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي (١)، يعني: أنَّه ينوي بنومه التَّقوِّي على القيام في آخر الليل، فيحتسِبُ ثوابَ نومهِ كما يحتسب ثواب قيامه. وكان بعضهم إذا تناول شيئاً من شهواته المباحة واسى منها إخوانَه، كما روي عن ابن المبارك أنَّه كان إذا اشتهى شيئاً لم يأكلْه حتّى يشتهيه بعضُ أصحابه، فيأكله معهم، وكان إذا اشتهى شيئاً، دعا ضيفاً له ليأكل معه. وكان يذكر عن الأوزاعي أنَّه قال: ثلاثة لا حسابَ عليهم في مطعمهم: المتسحِّر، والصائم حين يفطر، وطعام الضيف (٢). وقال الحسن: ليس مِن حبك للدُّنيا طلبك ما يصلحك فيها، ومن زهدك فيها ترك الحاجة يسدها عنك تركها، ومن أحبَّ الدُّنيا وسرَّته، ذهب خوفُ الآخرة من قلبه. وقال سعيد بن جبير: متاعُ الغرور ما يُلهيك عن طلب الآخرة، وما لم يُلهك فليس بمتاع الغرور، ولكنَّه متاعُ بلاغٍ إلى ما هو خيرٌ منه (٣). وقال يحيى بنُ معاذ الرازي: كيف لا أُحِبُّ دنيا قُدِّر لي فيها قوتٌ، أكتسب بها حياةً، أُدركُ بها طاعةً، أنالُ بها الآخرة. وسئل أبو صفوان الرّعيني - وكان من العارفين -: ما هي الدُّنيا التي ذمَّها الله في القرآن التي ينبغي للعاقل أنْ يجتنبها؟ فقال: كلُّ ما أصبت في الدُّنيا تريدُ به الدُّنيا، فهو مذمومٌ، وكلُّ ما أَصبتَ فيها تريدُ به الآخرة، فليس منها (٤). وقال الحسن: نعمت الدار كانت الدُّنيا للمؤمن، وذلك أنَّه عمل قليلاً، وأخذ زاده منها إلى الجنَّة، وبئست الدار كانت للكافر والمنافق، وذلك أنَّه ضيَّع لياليه،

стр. 651

وكان زادُه منها إلى النار (١). وقال أيفع بنُ عبدٍ الكَلاعيُّ: قال رسول الله ﷺ : «إذا دخل أهل الجنَّةِ الجنَّة وأهل النار النارَ، قال الله: يا أهل الجنة، كَمْ لَبِثْتُم في الأرضِ عَدَدَ سِنين؟ قالوا: لَبِثْنَا يَوماً أَوْ بَعْضَ يَومٍ، قال: نعم ما اتجرتم في يومٍ أو بعض يوم، رحمتي ورضواني وجنتي، امكثوا فيها خالدين مخلدين، ثم يقول لأهل النار: كم لبثتم في الأرض عددَ سنين؟ قالوا: لبثنا يوماً أو بعض يوم، فيقول: بئس ما اتَّجرتم في يومٍ أو بعض يومٍ، سخطي ومعصيتي وناري، امكثوا فيها خالدين مخلدينَ» (٢). وخرَّج الحاكم (٣) من حديث عبد الجبَّار بن وهب، أنبأنا سعدُ بن طارق، عن أبيه، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «نعمتِ الدَّارُ الدُّنيا لمن تزوَّد منها لآخرته حتّى يُرضِيَ ربَّهُ، وبئستِ الدَّارُ لمن صدَّته عن آخرته، وقصَّرت به عن رضا ربِّه، وإذا قال العبد: قبَّحَ الله الدُّنيا، قالت الدُّنيا: قبَّح الله أعصانا لربِّه» وقال (٤): صحيح الإسناد، وخرَّجه العقيلي (٥)، وقال: عبد الجبار بن وهب مجهول وحديثُه غير محفوظ، قال: وهذا الكلام يُروى عن عليٍّ من قوله. وقول عليٍّ خرَّجه ابنُ أبي الدُّنيا (٦) عنه بإسنادٍ فيه نظر: أنَّ علياً سمع رجلاً يسبُّ الدُّنيا، فقال: إنَّها لدارُ صدق لمن صدقها، ودارُ عافيةٍ لمن فهم عنها، ودارُ غنى لمن تزوَّد منها، مسجد أحبَّاءِ الله، ومهبِطُ وحيِهِ، ومُصَلّى ملائكتِهِ، ومتجَرُ أوليائه،

стр. 652

اكتسبوا فيها الرَّحمَةَ وربحُوا فيها الجَنَّة، فمن ذا يذمُّ الدُّنيا وقد آذنت بفراقها، ونادت بعيبها، ونعت نفسها وأهلَها، فمثَّلت ببلائها البلاءَ، وشوَّقت بسرُورها إلى السُّرور، فذمَّها قومٌ عندَ النَّدامة، وحمِدها آخرون، حدَّثتهم فصدقوا، وذكَّرتهم فذكروا؟ فيا أيُّها المغترُّ بالدُّنيا، المغترُّ بغرورها، متى استلامت إليك الدُّنيا؟ بل متى غرَّتك؟ أبمضاجعِ آبائك مِنَ الثرى؟ أم بمصارع أُمَّهاتك منَ البلى؟ كم قد قلَّبت بكفيك، ومرَّضت بيديك تطلب له الشِّفاءَ، وتسأل له الأطباء، فلم تظفر بحاجتك، ولم تُسعَفْ بطلبَتِكَ، قد مثَّلت لك الدُّنيا بمصرعه مصرَعَك غداً، ولا يُغني عنك بكاؤك، ولا ينفعُك أحبَّاؤك. فبين أميرُ المؤمنين ﵁ أنَّ الدُّنيا لا تُذَمُّ مطلقاً، وأنَّها تُحمدُ بالنِّسبة إلى من تزوَّد منها الأعمال الصالحة، وأنَّ فيها مساجدَ الأنبياءِ، ومهبطَ الوحي، وهي دار التِّجارة للمؤمنين، اكتسبوا فيها الرَّحمة، وربحوا بها الجَنَّة، فهي نِعمَ الدَّارُ لمن كانت هذه صفَته. وأمَّا ما ذكر من أنَّها تَغُرُّ وتخدَعُ، فإنَّها تُنادي بمواعظها، وتنصحُ بعبرها، وتُبدي عيوبَها بما تُري أهلها من مصارع الهلكى، وتقلُّبِ الأحوال مِنَ الصِّحَّة إلى السَّقم، ومِنَ الشَّبيبة إلى الهرم، ومن الغنى إلى الفقر، ومن العِزِّ إلى الذُّلِّ، لكنَّ مُحِبَّها قد أصمَّه وأعماه حبُّها، فهو لا يسمع نداءها، كما قيل: قدْ نادَتِ الدُّنيا على نَفسِها … لَوْ كانَ في العَالَمِ مَنْ يَسمَعُ كَمْ وَاثِقٍ بالعُمْرِ أَفْنَيتُهُ … وجَامِعٍ بَدَّدَتُ ما يَجْمَعُ قال يحيى بنُ معاذ: لو يسمع الخلائقُ صوتَ النِّياحةِ على الدُّنيا في الغيبِ من ألسنةِ الفناءِ، لتساقطت القلوبُ منهم حُزناً (١). وقال بعضُ الحكماء: الدُّنيا أمثالٌ تضرِبُها الأيَّامُ للأنام، وعلمُ الزَّمان لا يحتاجُ إلى تَرجُمان، وبحبِّ الدُّنيا صُمَّتْ أسماعُ القلوب عنِ المواعظ، وما أحثَّ السائقَ لو شعرَ الخلائقُ. وأهل الزُّهد في فضول الدُّنيا أقسام: فمنهم من يحصلُ له، فيمسكه ويتقرَّبُ به إلى الله، كما كان كثيرٌ مِنَ الصَّحابة وغيرهم، قال أبو سليمان: كان عثمان وعبد الرحمان بن عوف خازنين من خزان الله في أرضه، يُنفقان في طاعته، وكانت معاملتُهما لله بقلوبِهما (٢).
следующие страницы →