← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 949

جامع العلوم والحكم - ت الفحل

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (928 стр.). Показаны 648–687 · переход к 653.

стр. 648

الدُّنيا وهو يحبُّه، كما تحمُونَ مريضَكم الطَّعام والشراب، تخافون عليه». وفي " صحيح مسلم " (١) عن عبد الله بن عمرو، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «الدُّنيا سجنُ المؤمن، وجنَّة الكافر». وأمَّا السَّابقُ بالخيرات بإذن الله، فهمُ الَّذينَ فهِمُوا المرادَ مِنَ الدُّنيا، وعَمِلُوا بمقتضى ذلك، فعلموا أنَّ الله إنَّما أسكنَ عبادَه في هذه الدَّارِ، ليبلوهم أيُّهم أحسنُ عملاً، كما قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ (٢)، وقال: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ (٣). قال بعض السَّلف: أيهم أزهد في الدُّنيا، وأرغبُ في الآخرة، وجعل ما في الدُّنيا مِنَ البهجة والنُّضرة مِحنَةً، لينظر من يقف منهم معه، ويَركَن إليه، ومن ليس كذلك، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ (٤) ثم بين انقطاعه ونفاده، فقال: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً﴾ (٥)، فلمَّا فهِموا أنَّ هذا هو المقصود مِنَ الدُّنيا، جعلوا همَّهم التزوُّدَ منها للآخرة التي هي دارُ القرار، واكتفوا مِنَ الدُّنيا بما يكتفي به المسافرُ في سفره، كما كان النَّبيُّ ﷺ يقول: «ما لي وللدُّنيا، إنَّما مثلي ومثل الدُّنيا كراكبٍ قالَ في ظلِّ شجرةٍ، ثم راح وتركها» (٦). ووصَّى ﷺ جماعةً من الصحابة أنْ يكون بلاغُ أحدِهم مِنَ الدُّنيا كزادِ الراكب، منهم: سلمان (٧)،

стр. 649

وأبو عبيدة بن الجراح، وأبو ذرٍّ، وعائشة (١)، ووصَّى ابنَ عمرَ أنْ يكونَ في الدُّنيا كأنَّه (٢) غريبٌ أو عابرُ سبيل، وأنْ يَعُدَّ نفسه من أهل القبور (٣). وأهل هذه الدرجة على قسمين: منهم من يقتصرُ من الدُّنيا على قدر ما يسدُّ الرَّمق فقط، وهو حالُ كثيرٍ من الزُّهَّادِ. ومنهم من يفسح لنفسه أحياناً في تناول بعض شهواتِها المباحةِ؛ لتقوى النَّفسُ بذلك، وتنشَط للعملِ، كما روي عنِ النَّبيِّ ﷺ : أنَّه قال: «حُبِّبَ إليَّ من دنياكمُ النِّساءُ والطِّيبُ، وجُعِلَتْ قُرَّةُ عيني في الصَّلاة» خرَّجه الإمام أحمد (٤) والنَّسائي (٥) من حديث أنس. وخرَّج الإمام أحمد (٦) من حديث عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يحبُّ من الدُّنيا النِّساء والطِّيب والطعام، فأصاب من النِّساءِ والطِّيبِ، ولم يُصب من الطَّعامِ. وقال وهب: مكتوبٌ في حكمة آل داود ﵇: ينبغي للعاقل أنْ لا يَغْفُل عن أربع ساعاتٍ: ساعةٍ يُحاسِبُ فيها نفسه، وساعةٍ يُناجي فيها ربَّه، وساعةٍ يلقى فيها إخوانه الذين يُخبرونه بعيُوبه، ويُصدقونه عن نفسه، وساعةٍ يُخلي بين نفسه وبين لذَّاتها فيما يحلُّ ويجمل، فإنَّ في هذه السَّاعة عوناً على تلك الساعات، وفضلَ بُلغة واستجماماً للقلوب، يعني: ترويحاً لها (٧).

стр. 650

ومتى نوى المؤمن بتناول شهواته المباحة التقوِّي على الطاعة كانت شهواتُه له طاعة يُثابُ عليها، كما قال معاذ بن جبل: إنِّي لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي (١)، يعني: أنَّه ينوي بنومه التَّقوِّي على القيام في آخر الليل، فيحتسِبُ ثوابَ نومهِ كما يحتسب ثواب قيامه. وكان بعضهم إذا تناول شيئاً من شهواته المباحة واسى منها إخوانَه، كما روي عن ابن المبارك أنَّه كان إذا اشتهى شيئاً لم يأكلْه حتّى يشتهيه بعضُ أصحابه، فيأكله معهم، وكان إذا اشتهى شيئاً، دعا ضيفاً له ليأكل معه. وكان يذكر عن الأوزاعي أنَّه قال: ثلاثة لا حسابَ عليهم في مطعمهم: المتسحِّر، والصائم حين يفطر، وطعام الضيف (٢). وقال الحسن: ليس مِن حبك للدُّنيا طلبك ما يصلحك فيها، ومن زهدك فيها ترك الحاجة يسدها عنك تركها، ومن أحبَّ الدُّنيا وسرَّته، ذهب خوفُ الآخرة من قلبه. وقال سعيد بن جبير: متاعُ الغرور ما يُلهيك عن طلب الآخرة، وما لم يُلهك فليس بمتاع الغرور، ولكنَّه متاعُ بلاغٍ إلى ما هو خيرٌ منه (٣). وقال يحيى بنُ معاذ الرازي: كيف لا أُحِبُّ دنيا قُدِّر لي فيها قوتٌ، أكتسب بها حياةً، أُدركُ بها طاعةً، أنالُ بها الآخرة. وسئل أبو صفوان الرّعيني - وكان من العارفين -: ما هي الدُّنيا التي ذمَّها الله في القرآن التي ينبغي للعاقل أنْ يجتنبها؟ فقال: كلُّ ما أصبت في الدُّنيا تريدُ به الدُّنيا، فهو مذمومٌ، وكلُّ ما أَصبتَ فيها تريدُ به الآخرة، فليس منها (٤). وقال الحسن: نعمت الدار كانت الدُّنيا للمؤمن، وذلك أنَّه عمل قليلاً، وأخذ زاده منها إلى الجنَّة، وبئست الدار كانت للكافر والمنافق، وذلك أنَّه ضيَّع لياليه،

стр. 651

وكان زادُه منها إلى النار (١). وقال أيفع بنُ عبدٍ الكَلاعيُّ: قال رسول الله ﷺ : «إذا دخل أهل الجنَّةِ الجنَّة وأهل النار النارَ، قال الله: يا أهل الجنة، كَمْ لَبِثْتُم في الأرضِ عَدَدَ سِنين؟ قالوا: لَبِثْنَا يَوماً أَوْ بَعْضَ يَومٍ، قال: نعم ما اتجرتم في يومٍ أو بعض يوم، رحمتي ورضواني وجنتي، امكثوا فيها خالدين مخلدين، ثم يقول لأهل النار: كم لبثتم في الأرض عددَ سنين؟ قالوا: لبثنا يوماً أو بعض يوم، فيقول: بئس ما اتَّجرتم في يومٍ أو بعض يومٍ، سخطي ومعصيتي وناري، امكثوا فيها خالدين مخلدينَ» (٢). وخرَّج الحاكم (٣) من حديث عبد الجبَّار بن وهب، أنبأنا سعدُ بن طارق، عن أبيه، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «نعمتِ الدَّارُ الدُّنيا لمن تزوَّد منها لآخرته حتّى يُرضِيَ ربَّهُ، وبئستِ الدَّارُ لمن صدَّته عن آخرته، وقصَّرت به عن رضا ربِّه، وإذا قال العبد: قبَّحَ الله الدُّنيا، قالت الدُّنيا: قبَّح الله أعصانا لربِّه» وقال (٤): صحيح الإسناد، وخرَّجه العقيلي (٥)، وقال: عبد الجبار بن وهب مجهول وحديثُه غير محفوظ، قال: وهذا الكلام يُروى عن عليٍّ من قوله. وقول عليٍّ خرَّجه ابنُ أبي الدُّنيا (٦) عنه بإسنادٍ فيه نظر: أنَّ علياً سمع رجلاً يسبُّ الدُّنيا، فقال: إنَّها لدارُ صدق لمن صدقها، ودارُ عافيةٍ لمن فهم عنها، ودارُ غنى لمن تزوَّد منها، مسجد أحبَّاءِ الله، ومهبِطُ وحيِهِ، ومُصَلّى ملائكتِهِ، ومتجَرُ أوليائه،

стр. 652

اكتسبوا فيها الرَّحمَةَ وربحُوا فيها الجَنَّة، فمن ذا يذمُّ الدُّنيا وقد آذنت بفراقها، ونادت بعيبها، ونعت نفسها وأهلَها، فمثَّلت ببلائها البلاءَ، وشوَّقت بسرُورها إلى السُّرور، فذمَّها قومٌ عندَ النَّدامة، وحمِدها آخرون، حدَّثتهم فصدقوا، وذكَّرتهم فذكروا؟ فيا أيُّها المغترُّ بالدُّنيا، المغترُّ بغرورها، متى استلامت إليك الدُّنيا؟ بل متى غرَّتك؟ أبمضاجعِ آبائك مِنَ الثرى؟ أم بمصارع أُمَّهاتك منَ البلى؟ كم قد قلَّبت بكفيك، ومرَّضت بيديك تطلب له الشِّفاءَ، وتسأل له الأطباء، فلم تظفر بحاجتك، ولم تُسعَفْ بطلبَتِكَ، قد مثَّلت لك الدُّنيا بمصرعه مصرَعَك غداً، ولا يُغني عنك بكاؤك، ولا ينفعُك أحبَّاؤك. فبين أميرُ المؤمنين ﵁ أنَّ الدُّنيا لا تُذَمُّ مطلقاً، وأنَّها تُحمدُ بالنِّسبة إلى من تزوَّد منها الأعمال الصالحة، وأنَّ فيها مساجدَ الأنبياءِ، ومهبطَ الوحي، وهي دار التِّجارة للمؤمنين، اكتسبوا فيها الرَّحمة، وربحوا بها الجَنَّة، فهي نِعمَ الدَّارُ لمن كانت هذه صفَته. وأمَّا ما ذكر من أنَّها تَغُرُّ وتخدَعُ، فإنَّها تُنادي بمواعظها، وتنصحُ بعبرها، وتُبدي عيوبَها بما تُري أهلها من مصارع الهلكى، وتقلُّبِ الأحوال مِنَ الصِّحَّة إلى السَّقم، ومِنَ الشَّبيبة إلى الهرم، ومن الغنى إلى الفقر، ومن العِزِّ إلى الذُّلِّ، لكنَّ مُحِبَّها قد أصمَّه وأعماه حبُّها، فهو لا يسمع نداءها، كما قيل: قدْ نادَتِ الدُّنيا على نَفسِها … لَوْ كانَ في العَالَمِ مَنْ يَسمَعُ كَمْ وَاثِقٍ بالعُمْرِ أَفْنَيتُهُ … وجَامِعٍ بَدَّدَتُ ما يَجْمَعُ قال يحيى بنُ معاذ: لو يسمع الخلائقُ صوتَ النِّياحةِ على الدُّنيا في الغيبِ من ألسنةِ الفناءِ، لتساقطت القلوبُ منهم حُزناً (١). وقال بعضُ الحكماء: الدُّنيا أمثالٌ تضرِبُها الأيَّامُ للأنام، وعلمُ الزَّمان لا يحتاجُ إلى تَرجُمان، وبحبِّ الدُّنيا صُمَّتْ أسماعُ القلوب عنِ المواعظ، وما أحثَّ السائقَ لو شعرَ الخلائقُ. وأهل الزُّهد في فضول الدُّنيا أقسام: فمنهم من يحصلُ له، فيمسكه ويتقرَّبُ به إلى الله، كما كان كثيرٌ مِنَ الصَّحابة وغيرهم، قال أبو سليمان: كان عثمان وعبد الرحمان بن عوف خازنين من خزان الله في أرضه، يُنفقان في طاعته، وكانت معاملتُهما لله بقلوبِهما (٢).

стр. 653

ومنهم من يُخرجه مِنْ يده، ولا يُمسكه، وهؤلاء نوعان: منهم من يُخرجه اختياراً وطواعية، ومنهم من يُخرجهُ ونفسه تأبى إخراجه، ولكن يُجاهدُها على ذلك. وقد اختُلف في أيِّهما أفضل، فقال ابنُ السَّماك والجنيد: الأوَّل أفضلُ، لتحقُّق نفسه بمقامِ السَّخاءِ والزُّهد، وقال ابن عطاء: الثَّاني أفضل؛ لأنَّ له عملاً ومجاهدة. وفي كلام الإمام أحمد ما يدلُّ عليه أيضاً. ومنهم من لم يحصُل له شيءٌ مِنَ الفُضولِ، وهو زاهدٌ في تحصيله، إمَّا مع قدرته، أو بدونها، والأوَّل أفضلُ مِنْ هذا، ولهذا قال كثيرٌ مِنَ السَّلفِ: إنَّ عمرَ ابن عبد العزيز كان أزهدَ مِنْ أويس ونحوه، كذا قال أبو سليمان (١) وغيرُه. وكان مالكُ بنُ دينار يقولُ: الناسُ يقولون: مالكٌ زاهدٌ، إنَّما الزَّاهدُ عمر ابن عبد العزيز (٢). وقد اختلف العلماء: أيُّما أفضلُ: من طلبَ الدُّنيا منَ الحلال، ليصل رحمَه، ويقدِّم منها لنفسه، أم من تركها فلم يطلبها بالكُليَّة؟ فرجَّحت طائفةٌ من تركها وجانبها، منهم: الحسن وغيره، ورجَّحت طائفةٌ من طلبها على ذلك الوجه، منهم: النخعي وغيره، وروي عن الحسن عنه نحوه. والزَّاهدون في الدُّنيا بقلوبهم لهم ملاحظُ ومشاهدُ يشهدونها، فمنهم من يشهدُ كثرةَ التَّعب بالسَّعي في تحصيلها، فهو يزهدُ فيها قصداً لراحةِ نفسه. قال الحسن: الزُّهد في الدُّنيا يُريح القلب والبدن. ومنهم من يخافُ أنْ ينقصَ حظُّه من الآخرة بأخذ فضولِ الدُّنيا. ومنهم من يخافُ من طُولِ الحساب عليها، قال بعضهم (٣): من سأل الله الدُّنيا، فإنَّما يسأل طولَ الوُقوفِ (٤) للحساب. ومنهم من يشهدُ كثرةَ عُيوبِ الدُّنيا، وسرعة تقلُّبها وفنائها، ومزاحمةَ الأراذِلِ في

стр. 654

طلبها، كما قيل لبعضهم: ما الذي زهَّدكَ في الدُّنيا؟ قالَ: قلَّةُ وفائها، وكثرةُ جفائها، وخسة شُركائها. ومنهم من كان ينظر إلى حقارةِ الدُّنيا عند الله، فيقذرها، كما قال الفضيلُ: لو أنَّ الدُّنيا بحذافيرها عرضت عليَّ حلالاً لا أحاسب بها في الآخرة، لكنت أتقذرها كما يتقذر الرَّجلُ الجيفةَ إذا مرَّ بها أنْ تصيبَ ثوبه (١). ومنهم من كان يخافُ أنْ تشغلَه عن الاستعدادِ للآخرة والتزوُّدِ لها. قال الحسن: إنْ كان أحدهم ليعيش عمره مجهوداً شديدَ الجهد، والمالُ الحلال إلى جنبه، يقال له: ألا تأتي هذا فتُصيب منه؟ فيقول: لا والله لا أفعل، إنِّي أخافُ أنْ آتيه، فأصيبَ منه، فيكون فسادَ قلبي وعملي (٢). وبُعِثَ إلى عمر بن المنكدر بمالٍ، فبكى، واشتدَّ بكاؤه، وقال: خشيت أنْ تغلب الدُّنيا على قلبي، فلا يكون للآخرة فيه نصيب، فذلك الذي أبكاني، ثم أمر به، فتُصُدِّقَ به على فقراء أهل المدينة. وخواص هؤلاء يخشى أنْ يشتغلَ بها عن اللهِ، كما قالت رابعة: ما أحبُّ أنَّ لي الدُّنيا كلَّها مِنْ أوَّلها إلى آخرها حلالاً، وأنا أنفقُها في سبيل الله، وأنَّها شغلتني عنِ الله طرفةَ عينٍ. وقال أبو سليمان: الزهد ترك ما يشغل عن الله (٣). وقال: كلُّ ما شغلك عن اللهِ مِنْ أهلٍ ومالٍ وولدٍ، فهو مشؤوم (٤). وقال: أهلُ الزُّهد في الدُّنيا على طبقتين (٥): منهم من يزهدُ في الدُّنيا، فلا يُفْتَحُ له فيها روح الآخرة، ومنهم من إذا زَهِدَ فيها، فُتحَ له فيها روحُ الآخرة (٦)، فليس شيءٌ أحبَّ إليه من البقاء ليطيع الله (٧). وقال: ليس الزاهد من ألقى همومَ الدُّنيا، واستراح منها، إنَّما الزَّاهد من زَهِدَ في الدُّنيا، وتعب فيها للآخرة (٨).

стр. 655

فالزُّهد في الدُّنيا يُرادُ به تفريغُ القلب منَ الاشتغال بها؛ ليتفرَّغ لِطلب الله، ومعرفته، والقرب منه، والأُنس به، والشَّوقِ إلى لقائه، وهذه الأمورُ ليست مِنَ الدُّنيا كما كان النَّبيُّ ﷺ يقول: «حُبِّبَ إلي من دُنياكم النِّساءُ والطِّيبُ، وجُعلت قرَّةُ عيني في الصَّلاة» (١)، ولم يجعل الصَّلاةَ ممَّا حُبِّبَ إليه مِنَ الدُّنيا، كذا في " المسند " (٢) و" النسائي " (٣)، وأظنُّه وقع في غيرهما: «حبِّبَ إليَّ من دنياكم ثلاث» (٤)، فأدخل الصلاة في الدُّنيا، ويشهدُ لذلك حديث: «الدُّنيا ملعونةٌ، ملعونٌ ما فيها، إلاَّ ذكر الله وما والاه، أو عالماً أو متعلماً» خرَّجه ابن ماجه (٥) والترمذي (٦)، وحسَّنه من حديث أبي هريرة مرفوعاً. وروي نحوه من غير وجه مرسلاً ومتصلاً. وخرَّج الطبراني (٧) من حديث أبي الدرداء مرفوعاً قال: «الدُّنيا ملعونةٌ، ملعونٌ ما فيها إلا ما ابتُغِيَ به وجه الله». وخرَّجه ابنُ أبي الدُّنيا (٨) موقوفاً، وخرَّجه أيضاً من رواية شهر بن حوشب (٩)، عن عبادة، أراه رفعه، قال : «يُؤتى بالدُّنيا يومَ القيامة، فيقال: مِيزوا منها ما كان لله ، وألقوا سائرها في النار».

стр. 656

فالدُّنيا وكلُّ ما فيها ملعونة، أي: مُبعدَةٌ عن الله؛ لأنَّها تَشغلُ عنه، إلاَّ العلمَ النَّافع الدَّالَّ على الله، وعلى معرفته، وطلب قُرْبِه ورضاه، وذكر الله وما والاه ممَّا يُقَرِّبُ مِنَ الله، فهذا هو المقصودُ مِنَ الدُّنيا، فإنَّ الله إنَّما أمرَ عبادَه بأنْ يتَّقوه ويُطيعوه، ولازِمُ ذلك دوامُ ذكره، كما قال ابن مسعود: تقوى الله حقّ تقواه أنْ يُذكَرَ فلا يُنسى (١). وإنَّما شرعَ الله أقام الصَّلاةِ لذكره، وكذلك الحج والطَّواف. وأفضلُ أهل العبادات أكثرُهم ذكراً لله فيها، فهذا كلُّه ليس مِنَ الدُّنيا المذمومة، وهو المقصودُ من إيجاد الدُّنيا وأهلها، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (٢). وقد ظنَّ طوائفُ مِنَ الفقهاء والصُّوفيَّة أنَّ ما يُوجدُ في الدُّنيا مِنْ هذه العبادات أفضلُ ممَّا يُوجد في الجنَّة مِنَ النَّعيم، قالوا: لأنَّ نعيمَ الجنَّةِ حقُّ (٣) العبد، والعباداتُ في الدُّنيا حقُّ الربِّ، وحقُّ الربِّ أفضلُ من حظِّ العبد، وهذا غلطٌ، ويقوِّي غلطَهم قولُ كثيرٍ من المفسِّرين في قوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ (٤) قالوا: الحسنةُ: لا إله إلا الله، وليس شيءٌ خيراً منها. ولكنَّ الكلامَ على التَّقديم والتَّأخير، والمراد: فله منها خيرٌ، أي: له خيرٌ بسببها ولأجلها. والصَّوابُ إطلاقُ ما جاءت به نصوصُ الكتاب والسُّنة أنَّ الآخرة خيرٌ مِنَ الأُولى مطلقاً. وفي " صحيح الحاكم " (٥) عن المستورد بن شدَّادٍ، قال: كنَّا عندَ النَّبيِّ ﷺ ، فتذاكروا الدُّنيا والآخرة، فقال بعضهم: إنَّما الدُّنيا بلاغٌ للآخرة، وفيها العمل، وفيها الصلاةُ، وفيها الزَّكاةُ. وقالت طائفة منهم: الآخرةُ فيها الجنَّةُ، وقالوا ما شاء الله، فقال رسول الله ﷺ : «ما الدُّنيا في الآخرة إلاَّ كما يَمشي أحدكم إلى اليمِّ، فأدخل إصبعه فيه، فما خرج منه، فهو الدُّنيا»، فهذا نصٌّ بتفضيل الآخرة على الدُّنيا، وما فيها من الأعمال.

стр. 657

ووجه ذلك: أنَّ كمالَ الدُّنيا إنَّما هو في العلم والعمل، والعلمُ مقصودُ الأعمالِ، يتضاعف في الآخرة بما لا نسبةَ لِمَا في الدُّنيا إليه، فإنَّ العلم أصلُه العلمُ بالله وأسمائه وصفاته، وفي الآخرة ينكشفُ الغِطاءُ، ويصيرُ الخبر عياناً، ويصيرُ علمُ اليقين عينَ اليقين، وتصيرُ المعرفةُ بالله رؤيةً له ومشاهدةً، فأين هذا مما في الدُّنيا؟ وأما الأعمال البدنية، فإنَّ لها في الدُّنيا مقصدين: أحدهما: اشتغالُ الجوارح بالطَّاعة، وكدُّها بالعبادة. والثاني: اتِّصالُ القلوب بالله وتنويرُها بذكره. فالأوَّلُ قد رُفعَ عن أهل الجنَّة، ولهذا رُوي أنَّهم إذا همُّوا بالسُّجودِ لله عند تجلِّيه لهم يقال لهم: ارفعوا رؤوسكم فإنَّكم لستم في دار مجاهدة. وأما المقصود الثاني، فحاصلٌ لأهل الجنَّة على أكمل الوُجُوهِ وأتمِّها، ولا نسبةَ لما حصل لقلوبهم في الدُّنيا من لطائف القُرْبِ والأنس والاتِّصال إلى ما يُشاهدونه في الآخرة عياناً، فتتنعَّمُ قلوبُهم وأبصارُهم وأسماعُهم بقرْبِ الله ورؤيته، وسماع كلامه، ولاسيما في أوقات الصَّلوات في الدُّنيا، كالجُمَع والأعياد، والمقرَّبون منهم يحصلُ ذلك لهم كلَّ يومٍ مرَّتين بكرةً وعشياً في وقت صلاة الصُّبح وصلاة العصر، ولهذا لمَّا ذكرَ النَّبيُّ ﷺ أنَّ أهل الجنَّةِ يرونَ ربَّهم (١) حضَّ عقيب ذلك على المحافظة على صلاةِ العصر وصلاة الفجر؛ لأنَّ وقت هاتين الصَّلاتين وقتٌ لرؤية خواصِّ أهلِ الجنَّةِ ربَّهم وزيارتهم لهُ، وكذلك نعيمُ الذِّكر وتلاوةُ القرآن لا ينقطعُ عنهم أبداً، فيُلهمون التَّسبيحَ كما يُلهمونَ النَّفسَ. قالَ ابنُ عيينة: لا إله إلا الله لأهلِ الجنَّة، كالماء البارد لأهل الدُّنيا، فأينَّ لذَّة الذِّكرِ للعارفين في الدُّنيا مِنْ لذَّتهم به في الجنَّة.

стр. 658

فتبيَّن بهذا أن قوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ (١) على ظاهره، فإنَّ ثواب كلمة التَّوحيد في الدُّنيا أنْ يصِلَ صاحبها إلى قولها في الجَنَّةِ على الوجه الذي يختصُّ به أهل الجنّةِ. وبكلِّ حال، فالذي يحصُلُ لأهلِ الجنَّةِ مِنْ تفاصيل العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله، ومن قُربه ومشاهدته ولذَّةِ ذكره، هو أمرٌ لا يمكنُ التَّعبيرُ عن كُنهه في الدُّنيا؛ لأنَّ أهلها لم يُدرِكوه على وجهه، بل هو ممَّا لا عينٌ رأت، ولا أُذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشرٍ، والله تعالى المسؤول أنْ لا يَحْرِمنا خيرَ ما عنده بشرِّ ما عندنا بمنِّه وكرمه ورحمته آمين. ولنرجع إلى شرح حديث: «ازهد في الدُّنيا يحبَّك الله» (٢)، فهذا الحديثُ يدلُّ على أنَّ الله يحبُّ الزاهدين في الدُّنيا، قال بعض السَّلف: قال الحواريون لعيسى ﵇: يا روحَ الله، علِّمنا عملاً واحداً يُحبُّنا الله عليهِ، قالَ: أبغِضُوا الدُّنيا يحبكُم الله . وقد ذمَّ الله تعالى من يحبُّ الدُّنيا ويؤثِرُها على الآخرة، كما قال: ﴿كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ (٣)، وقال: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾ (٤)، وقال: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ (٥)، والمراد حبُّ المال، فإذا ذمَّ من أحبَّ الدُّنيا دلَّ على مدحِ مَنْ لا يحبُّها، بل يرفُضها ويترُكُها. وفي " المسند " (٦) و" صحيح ابن حبان " (٧) عن أبي موسى، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «من أحبَّ دُنياه أضرَّ بآخرته، ومن أحبَّ آخرتَه، أضرَّ بدُنياه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى». وفي " المسند " (٨) و" سنن ابن ماجه " (٩) عن زيد بن ثابت، عن النَّبيِّ ﷺ ،

стр. 659

قال: «من كانت الدُّنيا همه، فرَّق الله عليه أمره، وجعل فقرَه بين عينيه، ولم يأته من الدُّنيا إلا ما كُتب له، ومن كانت الآخرة نيَّتَه، جمعَ الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدُّنيا وهي راغمةٌ». وخرَّجه الترمذي (١) من حديث أنس مرفوعاً بمعناه. ومن كلام جندب بن عبد الله الصَّحابي: حبُّ الدُّنيا رأسُ كلِّ خطيئةٍ (٢)، وروي مرفوعاً، ورُوي عن الحسن مرسلاً (٣). قال الحسن: من أحبَّ الدُّنيا وسرَّته، خرج حبُّ الآخرة من قلبه (٤). وقال عونُ بن عبد الله: الدُّنيا والآخرةُ في القلب ككفَّتي الميزان بِقَدْرِ ما ترجحُ إحداهُما تخِفُّ الأخرى (٥). وقال وهب: إنَّما الدُّنيا والآخرة كرجلٍ له امرأتانِ: إنْ أرضى إحداهما أسخط الأخرى (٦). وبكلِّ حالٍ، فالزُّهد في الدُّنيا شعارُ أنبياءِ الله وأوليائه وأحبَّائه، قال عمرو بن العاص: ما أبعدَ هديكُم مِنْ هدي نبيِّكم ﷺ ، إنّه كان أزهدَ النَّاس في الدُّنيا، وأنتم أرغبُ الناس فيها، خرَّجه الإمام أحمد (٧). وقال ابن مسعود لأصحابه: أنتم أكثرُ صوماً وصلاةً وجهاداً من أصحاب محمد ﷺ ، وهُمْ كانوا خيراً منكم، قالوا: وكيف ذلك؟ قال: كانوا أزهدَ منكم في الدُّنيا، وأرغب منكم في الآخرة (٨).

стр. 660

وقال أبو الدَّرداء: لَئِنْ حَلفتُمْ لِي على رجلٍ أنَّه أزهدُكم، لأحلفنَّ لكم أنَّه خيرُكم (١). ويروى عن الحسن، قال: قالوا: يا رسول الله، من خيرُنا؟ قال: «أزهدُكم في الدُّنيا، وأرغبُكم في الآخرة» (٢) والكلام في هذا الباب يطولُ جداً. وفيما أشرنا إليه كفاية إنْ شاء الله تعالى. الوصية الثانية: الزهدُ فيما في أيدي الناس، وأنَّه موجبٌ لمحبَّة الناس. وروي عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه وصَّى رجلاً، فقالَ: «ايأَسْ ممَّا في أيدي النَّاس تكُن غنياً» خرَّجه الطبراني (٣) وغيره. ويروى من حديث سهل بن سعد مرفوعاً: «شرف المؤمن قيامُه بالليل، وعزُّه استغناؤُه عن الناسِ» (٤). وقال الحسن: لا تزالُ كريماً على الناس، أو لا يزالُ الناسُ يكرمُونَك ما لم تَعاطَ ما في أيديهم، فإذا فعلتَ ذلك، استخفُّوا بكَ، وكرهوا حديثك، وأبغضوك (٥). وقال أيوب السَّختياني: لا يَنْبُلُ الرجلُ حتى تكونَ فيه خصلتان: العفَّةُ عمَّا في أيدي الناس، والتجاوزُ عمّا يكون منهم (٦). وكان عمر يقول في خطبته على المنبر: إنَّ الطمع فقر، وإنَّ اليأس غنى، وإنَّ الإنسانَ إذا أَيِسَ من الشيء استغنى عنه (٧). وروي أنَّ عبد الله بن سلام لقيَ كعب الأحبار عند عمر، فقال: يا كعب، مَنْ أربابُ العلم؟ قال: الذين يعملون به، قال: فما يذهب بالعلم من قلوب العلماء بعد إذ حفظوه وعقلوه؟ قال: يُذهبه الطمعُ، وشرَهُ النفس، وتطلبُ الحاجات إلى النَّاس، قال: صدقت (٨).

стр. 661

وقد تكاثرت الأحاديثُ عن النَّبيِّ ﷺ بالأمر بالاستعفاف عن مسألة الناس والاستغناء عنهم، فمن سألَ النّاس ما بأيديهم، كرهوه وأبغضوه؛ لأنَّ المال محبوبٌ لنفوس بني آدم، فمن طلب منهم ما يحبُّونه، كرهوه لذلك. وأما من كان يرى المِنَّة للسائل عليه، ويرى أنَّه لو خرج له عن مُلكِه كُلِّه، لم يفِ له ببذل سؤاله له وذِلَّته له، أو كان يقول لأهله: ثِيابُكم على غيركم أحسن منها عليكم، ودوابُّكم تحتَ غيركم أحسن منها تحتكم، فهذا نادرٌ جداً من طباع بني آدم، وقد انطوى بساطُ ذلك من أزمانٍ متطاولةٍ. وأما من زهد فيما في أيدي الناس، وعفَّ عنهم، فإنَّهم يحبُّونه ويُكرمونه لذلك ويسود به عليهم، كما قال أعرابيٌّ لأهل البصرة: من سيِّدُ أهل هذه القرية؟ قالوا: الحسن، قال: بما سادهم؟ قالوا: احتاجَ الناسُ إلى علمه، واستغنى هو عن دنياهم (١)، وما أحسن قول بعض السَّلف في وصف الدُّنيا وأهلها: وما هِيَ إلاَّ جِيفةٌ مستحيلةٌ … عليها كلابٌ هَمُّهُنَّ اجتذابُها فإنْ تَجْتَنبها كنتَ سِلْماً لأهلها … وإنْ تجتذبها نازعتك كِلابُها

стр. 662

الحديث الثاني والثلاثون عَنْ أبي سَعيدٍ الخُدريِّ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ ، قالَ: «لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ» حديثٌ حَسَنٌ، رَواهُ ابنُ ماجه والدَّارقطنيُّ وغيرهما مُسنداً، ورواهُ مالكٌ في " الموطإ " عَن عَمْرو بن يحيى، عَنْ أَبيهِ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ مُرسلاً، فأَسقط أبا سعِيدٍ، وله طُرُقٌ يَقْوى بَعضُها بِبَعْضٍ. حديث أبي سعيد لم يخرجه ابنُ ماجه، إنَّما أخرجه الدارقطني والحاكم والبيهقي من رواية عثمان بن محمد بن عثمان بن ربيعة، حدثنا الدراوردي، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري، عن النبيِّ ﷺ ، قال: «لا ضررَ ولا ضرار، من ضارَّ ضرَّه الله، ومن شاقَّ شقَّ الله عليه» (١) وقال الحاكم: صحيح الإسناد على شرط مسلم، وقال البيهقي: تفرَّد به عثمان عن الدراوردي، وخرَّجه مالك في " الموطإ " (٢) عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، مرسلاً. قال ابن عبد البر (٣): لم يختلف عن مالك في إرسال هذا الحديث، قال: ولا يُسند من وجهٍ صحيحٍ، ثم خرَّجه من رواية عبدِ الملك بن معاذ النصيبي، عن الدراوردي موصولاً، والدراوردي كان الإمام أحمد يُضعف ما حدَّث به من حفظه، ولا يعبأ به، ولا شكَّ في تقديم قول مالكٍ على قوله. وقال خالد بن سعدٍ الأندلسي الحافظ: لم يصحَّ حديث: «لا ضرر ولا ضرار» مسنداً.

стр. 663

وأما ابن ماجه، فخرَّجه من رواية فضيل بن سليمان، حدثنا موسى بن عقبة، حدثني إسحاق بن يحيى بن الوليد، عن عبادةَ بن الصامت: أنَّ رسول الله ﷺ قضى أنَّ لا ضَرر ولا ضِرار (١)، وهذا من جملة صحيفة تُروى بهذا الإسناد، وهي منقطعةٌ مأخوذة من كتابٍ، قاله ابنُ المديني وأبو زرعة وغيرهما، وإسحاق بن يحيى قيل: هو ابن طلحة، وهو ضعيف لم يسمع من عبادة، قاله أبو زرعة وابنُ أبي حاتم (٢) والدارقطني في موضع (٣)، وقيل: إنَّه إسحاق بن يحيى بن الوليد بن عبادة، ولم يسمع أيضاً من عبادة، قاله الدارقطني أيضاً (٤). وذكره ابن عدي في كتابه " الضعفاء "، وقال: عامة أحاديثه غير محفوظة (٥)، وقيل: إنَّ موسى بن عقبة لم يسمع منه، وإنَّما روى هذه الأحاديث عن أبي عياش الأسدي عنه، وأبو عياش لا يُعرف. وخرَّجه ابن ماجه (٦) أيضاً من وجه آخر من رواية جابر الجعفي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «لا ضَرر ولا ضِرار»، وجابر الجعفي ضعَّفه الأكثرون، وخرَّجه الدارقطني (٧) من رواية إبراهيم بن إسماعيل، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، وإبراهيم ضعفه جماعة، وروايات داود، عن عكرمة مناكير. وخرَّج الدَّارقطني (٨) من حديث الواقدي، حدثنا خارجة بن عبد الله بن سليمان بن زيد بن ثابت، عن أبي الرجال، عن عمرة، عن عائشة، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال:

стр. 664

«لا ضَرر ولا ضِرار» والواقدي متروك، وشيخه مختلف في تضعيفه. وخرَّجه الطبراني (١) من وجهين ضعيفين أيضاً عن القاسم، عن عائشة. وخرَّج الطبراني (٢) أيضاً من رواية محمد بن سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عمِّه واسع بن حبان، عن جابرٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «لا ضَررَ ولا ضِرَارَ في الإسلام» وهذا إسناد مقارب وهو غريبٌ، لكن خرَّجه أبو داود في " المراسيل " (٣) من رواية عبد الرحمان بن مَغراء، عن ابن إسحاق، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عمه واسع مرسلاً، وهو أصحُّ. وخرَّج الدارقطني (٤) من رواية أبي بكر بن عياش، قال: أراه عن ابن عطاء، عن أبيه، عن أبي هريرة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لا ضررَ ولا ضرورَة، ولا يمنعنّ أحدُكم جاره أن يضع خشبه على حائطه»، وهذا الإسناد فيه شكٌّ، وابن عطاء: هو يعقوب، وهو ضعيفٌ. وروى كثير بنُ عبد الله بن عمرو بن عوف المزني، عن أبيه، عن جدّه، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «لا ضرر ولا ضرار» قال ابنُ عبد البرِّ (٥): إسناده غير صحيح. قلت: كثير هذا يصحح حديثَه الترمذي ويقول البخاري في بعض حديثه: هو أصحُّ حديثٍ في الباب، وحسن حديثَه إبراهيمُ بن المنذر الحِزامي، وقال: هو خير مِنْ مراسيل ابن المسيب، وكذلك حسَّنه ابنُ أبي عاصم، وترك حديثه آخرون، منهم: الإمام أحمد وغيره، فهذا ما حضرنا مِن ذكر طُرُقِ أحاديث هذا الباب. وقد ذكر الشيخُ ﵀ أنَّ بعضَ طرقه تُقوَّى ببعضٍ، وهو كما قال، وقد قال البيهقي في بعض أحاديث كثير بن عبد الله المزني: إذا انضمت إلى غيرها من الأسانيد التي فيها ضعفٌ قويت (٦).

стр. 665

وقال الشافعي (١) في المرسل: إنَّه إذا أُسند من وجهٍ آخر، أو أرسله من يأخذ العلمَ عن غير من يأخذ عنه المرسلُ الأوَّل، فإنَّه يُقبل. وقال الجُوزجاني: إذا كان الحديثُ المسندُ من رجلٍ غير مقنع - يعني: لا يقنع برواياته - وشدَّ أركانه المراسيلُ بالطرق المقبولة عند ذوي الاختيار، استعمل، واكتُفي به، وهذا إذا لم يُعارض بالمسند الذي هو أقوى منه. وقد استدلَّ الإمام أحمد بهذا الحديث، وقال: قال النَّبيُّ ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار» (٢). وقال أبو عمرو بن الصلاح: هذا الحديثُ أسنده الدارقطنيُّ من وجوه، ومجموعها يُقوِّي الحديثَ ويُحسنه، وقد تقبَّله جماهيرُ أهلِ العلم، واحتجُّوا به، وقولُ أبي داود: إنَّه من الأحاديث التي يدورُ الفقه عليها يُشعِرُ بكونه غيرَ ضعيفٍ، والله أعلم. وفي المعنى أيضاً حديثُ أبي صِرْمَة عنِ النَّبيِّ ﷺ قال: «من ضارَّ ضارَّ الله به، ومن شاقَّ شقَّ الله عليه». خرَّجه أبو داود والترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن غريب (٣). وخرَّج الترمذي (٤) بإسناد فيه ضعف عن أبي بكرٍ الصديق، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «ملعونٌ من ضارَّ مؤمناً أو مكر به». وقوله ﷺ : «لا ضَررَ ولا ضرارَ». هذه الرواية الصحيحة، ضِرار بغير

стр. 666

همزة (١)، ورُوي «إضرار» بالهمزة (٢)، ووقع ذلك في بعض روايات ابن ماجه والدراقطني، بل وفي بعض نسخ " الموطأ "، وقد أثبت بعضُهم هذه الرواية وقال: يقال: ضَرَّ وأضر بمعنى، وأنكرها آخرون، وقالوا: لا صحَّة لها. واختلفوا: هل بين اللفظتين - أعني: الضَّرر والضرار - فرقٌ أم لا؟ فمنهم من قال: هما بمعنى واحد على وجه التأكيد، والمشهورُ أنَّ بينهما فرقاً، ثم قيل: إنَّ الضَّرر هو الاسم، والضِّرار: الفعل، فالمعنى أنَّ الضَّرر نفسَه منتفٍ في الشَّرع، وإدخال الضَّرر بغير حقٍّ كذلك. وقيل: الضَّرر: أنْ يُدخِلَ على غيرِه ضرراً بما ينتفع هو به، والضِّرار: أن يُدخل على غيره ضرراً بما لا منفعةَ له به (٣)، كمن منع ما لا يضرُّه ويتضرَّرُ به الممنوع، ورجَّح هذا القول طائفةٌ، منهم ابنُ عبد البرِّ، وابنُ الصلاح. وقيل: الضَّرر: أنْ يضرّ بمن لا يضره، والضِّرار: أن يضرَّ بمن قد أضرَّ به على وجهٍ غيرِ جائزٍ. وبكلِّ حال فالنَّبيُّ ﷺ إنَّما نفى الضرر والضِّرار بغير حق. فأما إدخالُ الضرر على أحدٍ بحق، إمَّا لكونه تعدَّى حدودَ الله، فيعاقَبُ بقدر جريمته، أو كونه ظلمَ غيره، فيطلب المظلومُ مقابلتَه بالعدلِ، فهذا غير مرادٍ قطعاً، وإنما المرادُ: إلحاقُ الضَّررِ بغيرِ حقٍّ، وهذا على نوعين: أحدهما: أنْ لا يكونَ في ذلك غرضٌ سوى الضَّررِ بذلك الغير، فهذا لا ريبَ في قُبحه وتحريمه (٤)، وقد ورد في القرآن النَّهيُ عن المضارَّة في مواضع: منها في الوصية، قال الله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَار﴾ (٥)، وفي حديث أبي هريرة المرفوع: «إنَّ العبدَ ليعملُ بطاعةِ اللهِ ستِّين سنةً، ثم يحضُرُه

стр. 667

الموتُ، فيضارّ في الوصيّة، فيدخل النار»، ثم تلا: ﴿تِلْكَ حُدُوْدُ اللهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا﴾ (١)، وقد خرَّجه الترمذي (٢) وغيره بمعناه. وقال ابنُ عباس: الإضرار في الوصية من الكبائر (٣)، ثم تلا هذه الآية. والإضرار في الوصيَّةِ تارةً يكون بأنْ يَخُصَّ بعضَ الورثةِ بزيادةٍ على فرضِهِ الذي فرضَهُ الله له، فيتضرَّرُ بقيَّةُ الورثة بتخصيصه، ولهذا قال النَّبيُّ ﷺ : «إنَّ الله قد أعطى كُلَّ ذي حقٍّ حقَّه، فلا وصيةَ لوارث» (٤). وتارة بأن يُوصي لأجنبيٍّ بزيادةٍ على الثُّلث، فتنقص حقوقُ الورثةِ، ولهذا قال النَّبيُّ ﷺ : «الثُّلث والثُّلث كثير» (٥). ومتى وصَّى لوارثٍ أو لأجنبيٍّ بزيادةٍ على الثُّلث، لم ينفذ ما وصَّى به إلاَّ بإجازة الورثةِ، وسواءٌ قصدَ المضارَّةَ أو لم يقصد، وأما إن قصدَ المضارَّة بالوصيّة لأجنبيٍّ بالثلث، فإنَّه يأثم بقصده المضارَّة، وهل تُردُّ وصيَّتُه إذا ثبتَ ذلك بإقراره أم لا؟ حكى ابنُ عطية روايةً عن مالكٍ أنَّها تُردُّ، وقيل: إنَّه قياسُ مذهب أحمد. ومنها: في الرجعة في النِّكاح، قال تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ (٦)، وقال:

стр. 668

﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحاً﴾ (١) فدلَّ ذلك على أنَّ من كان قصدُه بالرجعة المضارَّة، فإنَّه آثمٌ بذلك، وهذا كما كانوا في أوَّل الإسلام قبل حصر الطَّلاق في ثلاث يطلِّقُ الرَّجلُ امرأتَه، ثم يتركُها حتّى تقارب انقضاءَ عدَّتها، ثم يُراجعها، ثم يطلِّقُها، ويفعل ذلك أبداً بغير نهاية، فيدعُ المرأةَ لا مُطلَّقةً ولا ممسكةً، فأبطل الله ذلك، وحصر الطَّلاق في ثلاث مرات. وذهب مالكٌ إلى أنَّ من راجع امرأته قبل انقضاء عدَّتها، ثم طلَّقها من غير مسيسٍ أنّه إن قصدَ بذلك مضارَّتها بتطويل العدَّةِ، لم تستأنف العدّة، وبنت على ما مضى منها، وإن لم يقصد بذلك، استأنفت عدَّةً جديدةً، وقيل: تبني مطلقاً، وهو قول عطاء وقتادة، والشّافعي في القديم، وأحمد في رواية، وقيل: تستأنف مطلقاً، وهو قول الأكثرين، منهم أبو قلابة والزُّهري والثوري وأبو حنيفة والشافعي - في الجديد - وأحمد في رواية وإسحاق وأبو عُبيد وغيرهم. ومنها في الإيلاء، فإنَّ الله جعل مدَّة المؤلي أربعةَ أشهرٍ إذا حلف الرجل على امتناع وطءِ زوجته، فإنَّه يُضْرَبُ له مدَّة أربعة أشهر، فإن فاء ورجع إلى الوطءِ، كان ذلك توبته، وإن أصرَّ على الامتناع لم يُمكن من ذلك، وفيه قولان للسَّلف والخلف: أحدهما: أنَّها تَطلُقُ عليه بمضيِّ هذه المدة، والثاني: أنَّه يوقف، فإن فاء، وإلاَّ أُمِرَ بالطَّلاق، ولو ترك الوطءَ لقصدِ الإضرار بغيرِ يمينٍ مدَّة أربعة أشهر، فقال كثيرٌ من أصحابنا: حكمُه حكمُ المُؤلي في ذلك، وقالوا: هو ظاهرُ كلام أحمد. وكذا قال جماعةٌ منهم: إذا ترك الوطءَ أربعةَ أشهرٍ لغير عذرٍ، ثم طلبت الفُرقة، فُرِّق بينهما بناءً على أنَّ الوطءَ عندنا في هذه المدَّة واجبٌ، واختلفوا: هل يُعتَبر لذلك قصدُ الإضرار أم لا يعتبر؟ ومذهبُ مالك وأصحابه إذا ترك الوطءَ من غير عُذر، فإنّه يُفسَخُ نكاحُه، مع اختلافهم في تقدير المدَّة. ولو أطال السَّفَر مِن غيرِ عذرٍ، وطلبت امرأتُه قُدومَه، فأبي، فقال مالكٌ وأحمد وإسحاق: يفرِّقُ الحاكم بينهما، وقدَّره أحمد بستة أشهر، وإسحاق بمضيِّ سنتين. ومنها: في الرضاع، قال تعالى: ﴿لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ (٢)، قال مجاهد (٣)

стр. 669

في قوله: ﴿لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ قال: لا يَمنع أمه أن تُرضِعَه ليحزُنَها، وقال عطاء وقتادة والزُّهري وسفيان والسُّدِّي وغيرهم: إذا رضِيَتْ ما يرضى به غيرُها، فهي أحقُّ به، وهذا هو المنصوصُ عن أحمد، ولو كانت الأُمُّ في حبال الزَّوج. وقيل: إن كانت في حبال الزَّوج، فله منعُها مِنْ إرضاعه، إلاَّ أن لا يُمكن ارتضاعُه من غيرها، وهو قولُ الشَّافعيِّ، وبعض أصحابنا، لكن إنَّما يجوزُ ذلك إذا كان قصدُ الزَّوج به توفيرَ الزوجة للاستمتاع، لا مجرد إدخال الضَّرر عليها. وقوله: ﴿وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ (١)، يدخلُ فيه أنَّ المطلَّقة إذا طَلبت إرضاع ولدها بأجرة مثلها، لَزِم الأبَ إجابتها إلى ذلك، وسواءٌ وُجِدَ غيرُها أو لم يُوجَدْ. هذا منصوصُ الإمام أحمد، فإن طلبت زيادةً على أجرةِ مثلها زيادةً كثيرةً، ووجدَ الأب من يُرضعُه بأجرةِ المثل، لم يلزمِ الأبَ إجابتُها إلى ما طلبت، لأنَّها تقصد المضارَّة، وقد نصَّ عليه الإمام أحمد. ومنها في البيع قد ورد النهيُ عن بيع المضطرِّ، خرَّجه أبو داود (٢) من حديث عليِّ بن أبي طالب أنّه خطب الناسَ، فقال: سيأتي على الناس زمانٌ عَضُوضٌ (٣) يعضُّ الموسرُ على ما في يديه، ولم يؤمرْ بذلك، قال الله تعالى: ﴿ولا تَنْسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ (٤) ويُبايع المضطرُّون، وقد نهى رسولُ الله ﷺ عن بيع المضطرِّ. وخرَّجه الإسماعيلي، وزاد فيه: قال رسول الله ﷺ : «إن كان عندكَ خيرٌ تعودُ به على أخيك، وإلاَّ فلا تزيدنَّه هلاكاً إلى هلاكه» وخرَّجه أبو يعلي الموصلي (٥) بمعناه من حديث حُذيفة مرفوعاً أيضاً. وقال عبد الله بن معقِل: بيعُ الضَّرورة ربا.

стр. 670

وقال حرب: سئل أحمد عن بيع المضطر، فكرهه، فقيل له: كيف هُو؟ قال: يجيئك وهو محتاج، فتبيعه ما يُساوي عشرة بعشرين، وقال أبو طالب: قيل لأحمد: إنَّ ربح بالعشرة خمسة؟ فكره ذلك، وإنْ كان المشتري مسترسلاً لا يحسن أنْ يُماكس، فباعه بغبنٍ كثيرٍ، لم يجز أيضاً. قال أحمد: الخِلابة: الخداع، وهو أنْ يَغْبِنه فيما لا يتغابَن الناسُ في مثله؛ يبيعه ما يُساوي درهماً بخمسة، ومذهب مالكٍ وأحمد أنّه يثبت له خيارُ الفسخ بذلك. ولو كان محتاجاً إلى نقدٍ، فلم يجد من يُقرضه، فاشترى سلعةً بثمن إلى أجل في ذمَّته، ومقصودُه بيعُ تلك السلعة، ليأخذ ثمنها، فهذا فيه قولانِ للسَّلف، ورخص أحمدُ فيه في رواية، وقال في رواية: أخشى أنْ يكون مضطَرّاً؛ فإن باعَ السِّلعة مِن بائعها له، فأكثرُ السَّلف على تحريمِ ذلك، وهو مذهبُ مالكٍ وأبي حنيفة وأحمد وغيرهم. ومن أنواع الضرر في البيوع: التَّفريقُ بين الوالدةِ وولدها في البيع، فإنْ كان صغيراً، حَرُمَ بالاتفاق، وقد رُوي عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «من فرَّق بين والدةٍ وولدِها، فرَّق الله بينه وبين أحبَّته يوم القيامة» (١)، فإنْ رضيت الأُمُّ بذلك، ففي جوازه اختلافٌ، ومسائل الضرر في الأحكام كثيرة جداً، وإنَّما ذكرنا هذا على وجه المثال. والنوع الثاني: أنْ يكون له غرضٌ آخرُ صحيحٌ، مثل أنْ يتصرَّف في ملكه بما فيه مصلحةٌ له، فيتعدَّى ذلك إلى ضرر غيرِه، أو يمنع غيرَه من الانتفاع بملكه توفيراً له، فيتضرَّر الممنوعُ بذلك. فأما الأوَّل وهو التصرُّف في ملكه بما يتعدَّى ضررُه إلى غيره فإن كان على غير الوجه المعتادِ، مثل أنْ يؤجِّجَ في أرضه ناراً في يومٍ عاصفٍ، فيحترق ما يليه، فإنَّه

стр. 671

متعدٍّ بذلك، وعليه الضَّمان، وإنْ كان على الوجه المعتاد، ففيه للعلماء قولان مشهوران: أحدهما: لا يمنع من ذلك، وهو قولُ الشَّافعي وأبي حنيفة وغيرهما. والثاني: المنع، وهو قولُ أحمد، ووافقه مالكٌ في بعض الصُّور؛ فمن صُوَر ذَلِكَ: أن يفتح كُوَّةً في بنائه العالي مشرفةً على جاره، أو يبني بناءً عالياً يُشرف على جاره ولا يسترُه، فإنَّه يُلزم بستره، نصَّ عليهِ أحمد، ووافقه طائفةٌ من أصحاب الشافعي، قالَ الروياني منهم في كتاب " الحلية ": يجتهد الحاكم في ذلك، ويمنع إذا ظهر له التعنُّتُ، وقصد الفساد، قال: وكذلك القولُ في إطالة البناء ومنع الشمس والقمر. وقد خرَّج الخرائطي (١) وابنُ عدي (٢) بإسنادٍ ضعيف (٣) عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعاً حديثاً طويلاً في حقِّ الجار، وفيه: «ولا يستطيل عليهِ بالبناء فيحجبَ عنه الرِّيح إلاَّ بإذنه». ومنها أن يحفرَ بئراً بالقرب من بئر جاره، فيذهب ماؤها، فإنَّها تُطَمُّ في ظاهر مذهب مالك وأحمد، وخرّج أبو داود في " المراسيل " (٤) من حديث أبي قلابة، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تَضارُّوا في الحفر، وذلك أن يحفرَ الرَّجلُ إلى جنبِ الرَّجل ليذهبَ بمائِه». ومنها أنْ يحدث في ملكه ما يضرُّ بملك جاره من هزٍّ أو دقٍّ ونحوهما، فإنَّه يُمنع منه في ظاهر مذهب مالك وأحمد، وهو أحدُ الوجوه للشافعية. وكذا إذا كان يضرُّ بالسُّكَّان، كما له رائحةٌ خبيثة ونحو ذلك. ومنها أنْ يكونَ له ملكٌ في أرض غيره، ويتضرَّرُ صاحبُ الأرض بدخوله إلى

стр. 672

أرضه، فإنَّه يُجبرُ على إزالته ليندفعَ به ضررُ الدخول، وخرّج أبو داود في " سننه " (١) من حديث أبي جعفر محمد بن علي أنَّه حدَّث سَمُرة بن جندبٍ أنَّه كانت له عَضُدٌ من نخلٍ في حائطِ رجلٍ من الأنصار، ومع الرجل أهلُه، وكان سمرة يدخل إلى نخله، فيتأذَّى به ويشقُّ عليه، فطلب إليه أنْ يُناقله، فأبى، فأتى النَّبيَّ ﷺ ، فذكر ذلك له، فطلب إليه النَّبيُّ ﷺ أنْ يَبيعه، فأبى، فطلب إليه أنْ يُناقِلَه، فأبى، قال: «فهَبْه له ولك كذا وكذا» أمراً رغَّبه فيه، فأبى، فقال: «أنت مُضارٌّ»، فقال النَّبيُّ ﷺ للأنصاري: «اذهب فاقلع نخله»، وقد روي عن أبي جعفر مرسلاً. قال أحمد في رواية حنبل بعد أنْ ذُكِرَ له هذا الحديثُ: كلُّ ما كان على هذه الجهة، وفيه ضرر يمنع من ذلك، فإن أجاب وإلا أجبره السُّلطان، ولا يضرُّ بأخيه في ذلك، فيه مِرفَقٌ له. وخرَّج أبو بكر الخلاّل من رواية عبد الله بن محمد بن عقيل عن عبد الله بن سَلِيط بن قيس، عن أبيه: أنَّ رجلاً من الأنصار كانت له في حائطه نخلةٌ لرجلٍ آخر، فكان صاحبُ النَّخلة لا يَريمُها غدوةً وعشيةً، فشقَّ ذلك على صاحب الحائطِ، فأتى النَّبيَّ ﷺ ، فذكر ذلك له، فقال النَّبيُّ ﷺ لصاحب النخلة: «خذ منه نخلةً ممَّا يلي الحائطَ مكان نخلتك»، قال: لا والله، قال: «فخذ منِّي ثنتين» قال: لا والله، قال: «فهبها لي»، قال: لا والله، قال: فردد عليه رسول الله ﷺ فأبى، فأمر النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن يُعطيه نخلة مكان نخلته (٢). وخرّج أبو داود في "المراسيل" (٣) من رواية ابن إسحاق عن محمد بن يحيى بن حَبّان، عن عمِّه واسع بن حبّان، قال: كان لأبي لُبابَة عَذْقٌ في حائط رجلٍ، فكلَّمه،

стр. 673

فقال: إنَّك تطأُ حائطي إلى عَذْقِكَ، فأنا أُعطيكَ مثلَه في حائطك، وأخرجه عنِّي، فأبى عليه، فكلَّم النَّبيَّ ﷺ فيه، فقال: «يا أبا لُبابة، خذ مثل عَذقك، فحُزْها إلى مالك، واكفُفْ عن صاحبك ما يكره»، فقال: ما أنا بفاعل، فقال: «اذهب، فأخرج له مثلَ عَذْقِه إلى حائطه، ثم اضرب فوقَ ذلك بجدارٍ، فإنه لا ضررَ في الإسلام ولا ضِرار». ففي هذا الحديث والذي قبلَه إجبارُه على المعاوضة حيث كان على شريكه أو جاره ضررٌ في تركه، وهذا مثلُ إيجاب الشُّفعة لدفع ضررِ الشَّريك الطَّارئ. ويُستدلُّ بذلك أيضاً على وجوب العمارة على الشَّريك الممتنع مِنَ العمارة، وعلى إيجاب البيع إذا تعذَّرَت القسمة، وقد ورد من حديث محمد بن أبي بكر، عن أبيه مرفوعاً: «لا تَعْضِية في الميراث إلا ما احتمل القسم» (١) وأبو بكر: هو ابن عمرو بن حزم، قاله الإمام أحمد، فالحديث حينئذ مرسل، والتعضية: هي القسمة. ومتى تعذَّرَتِ القسمةُ، لكون المقسوم يتضرَّرُ بقسمته، وطلب أحدُ الشَّريكين البيعَ، أجبر الآخر، وقسم الثَّمنُ، نصَّ عليه أحمدُ وأبو عبيد وغيرهما مِنَ الأئمة. وأما الثاني - وهو منع الجار من الانتفاع بملكه، والارتفاق به - فإن كان ذلك يضرُّ بمن انتفعَ بملكه، فله المنعُ، كمن له جدارٌ واهٍ لا يحتمل أنْ يُطرَحَ عليه خشَبٌ، وأمَّا إنْ لم يضرَّ به، فهل يجب عليه التَّمكين، ويحرم عليه الامتناع أم لا؟ فمن قال في القسم الأول: لا يمنع المالك مِنَ التَّصرُّف في ملكه، وإن أضرَّ بجاره، قال هنا: للجار المنع منَ التصرُّف في ملكه بغير إذنه، ومن قال هناك بالمنع، فاختلفوا هاهنا على قولين: أحدهما: المنع هاهنا وهو قول مالك. والثاني: أنَّه لا يجوزُ المنع، وهو مذهبُ أحمد في طرح الخشب على جدار جاره، ووافقه الشافعيّ في القديم وإسحاق وأبو ثور، وداود، وابنُ المنذر، وعبدُ الملك بن حبيب المالكي، وحكاه مالكٌ عن بعض قُضاة المدينة.

стр. 674

وفي الصحيحين (١) عن أبي هُريرة، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «لا يمنعنَّ أحدُكُم جارَه أنْ يَغرِزَ خشبة (٢) على جِداره» قال أبو هريرة: مالي أراكم عنها مُعرِضين، والله لأَرمِينَّ بها بَيْنَ أكتافِكُم (٣). وقضى عمر بن الخطاب على محمد بن مسلمة أن يُجري ماء جاره في أرضه، وقال: لتمرنّ به ولو على بطنِكَ (٤). وفي الإجبار على ذلك روايتان عن الإمام أحمد، ومذهبُ أبي ثور الإجبار على إجراء الماء في أرض جارِه إذا أجراه في قناة في باطن أرضه، نقله عنه حربٌ الكرمانيُّ. ومما يُنهى عن منعه للضَّرر منعُ الماء والكلأ، وفي " الصحيحين " (٥) عن أبي هريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ : «لا تمنعوا فضلَ الماء لتمنعوا به الكلأ». وفي " سنن أبي داود " (٦) أنَّ رجلاً قال: يا نبيَّ الله، ما الشَّيء الذي لا يحلُّ منعه؟ قال: «الماء»، قال: يا نبيَّ الله، ما الشيء الذي لا يحلّ

стр. 675

منعه؟ قال: «الملح» قال: ما الشيء الذي لا يحلّ منعه، قال: «أن تفعل الخيرَ خيرٌ لك». وفيه أيضاً (١) أنَّ النَّبيَّ ﷺ ، قال: «النَّاس شركاء في ثلاث: الماء والنار والكلأ». وذهب أكثر العلماء إلى أنَّه لا يُمنَعُ فضلُ الماء الجاري والنَّابعِ مطلقاً، سواء قيل: إنَّ الماء ملك لمالك أرضه أم لا، وهذا قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عُبيد وغيرهم، والمنصوص عن أحمد وجوبُ بذلِه مجاناً بغيرِ عِوَضٍ للشُّربِ، وسقي البهائم، وسقي الزروع، ومذهب أبي حنيفة والشافعي: لا يجب بذلُه للزُّروع. واختلفوا: هل يجبُ بذلُه مطلقاً، أو إذا كان بقرب الكلأ، وكان منعه مُفضِياً إلى منع الكلأ؟ على قولين لأصحابنا وأصحاب الشافعي، وفي كلام أحمد ما يدلُّ على اختصاصِ المنع بالقُرب من الكلأ، وأما مالكٌ، فلا يجبُ عندَه بذلُ فضلِ الماء المملوك بملك منبعِه ومجراه إلا للمضطرّ كالمُحاز في الأوعية، وإنما يجب عندَه بذلُ فضل الماء الذي لا يملك. وعند الشافعي (٢): حكم الكلأ كذلك يجوزُ منعُ فضله إلاَّ في أرض الموات. ومذهب أبي حنيفة وأحمد وأبي عبيد أنّه لا يمنعُ فضل الكلأ مطلقاً، ومنهم من قال: لا يمنع أحدٌ الماء والكلأ إلاّ أهلَ الثغور خاصَّة، وهو قولُ الأوزاعي، لأنَّ أهلَ الثُّغور إذا ذهب ماؤهم وكلؤهم لم يقدِرُوا أن يتحوَّلوا من مكانهم من وراء بَيضَةِ الإسلام وأهله.

стр. 676

وأما النَّهي عن منع النار، فحملَه طائفةٌ من الفُقهاء على النَّهي عن الاقتباس منها دُونَ أعيانِ الجمر، ومنهم من حمله على منع الحجارة المُورِيَة للنَّارِ، وهو بعيدٌ، ولو حمل على منع الاستضاءة بالنَّار، وبذل ما فضل عن حاجة صاحبها لمن يستدفئ بها، أو يُنضجُ عليها طعاماً ونحوه، لم يبعد. وأما الملح، فلعلَّه يُحمل على منع أخذِهِ مِنَ المعادن المُباحَة، فإنَّ الملحَ منَ المعادن الظَّاهرة، لا يُملَكُ بالإحياء، ولا بالإقطاع، نصّ عليه أحمد، وفي " سنن أبي دواد " (١): أنَّ النَّبيَّ ﷺ أقطع رجلاً الملحَ، فقيل له: يا رسول الله إنّه بمنْزلة الماء العدِّ، فانتزعه منه. ومما يدخل في عمومِ قوله ﷺ : «لا ضرَرَ» أنّ الله لم يكلِّف عبادَه فعلَ ما يَضُرُّهم البتَّة، فإنَّ ما يأمرهم به هو عينُ صلاحِ دينهم ودنياهم، وما نهاهم عنه هو عينُ فساد دينهم ودنياهم، لكنَّه لم يأمر عبادَه بشيءٍ هو ضارٌّ لهم في أبدانهم أيضاً، ولهذا أسقط الطَّهارة بالماء عَنِ المريض، وقال: ﴿مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٢)، وأسقط الصيام عن المريض والمسافر، وقال: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٣)، وأسقط اجتناب محظورات الإحرام، كالحلق ونحوه عمن كان مريضاً، أو به أذى من رأسه، وأمرَ بالفدية. وفي " المسند " (٤) عن ابن عباس، قال: قيل لرسول الله ﷺ : أيُّ الأديان أحبُّ إلى الله؟ قال: «الحنيفيَّةُ السَّمحةُ». ومن حديث عائشة (٥)، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «إنِّي أرسلتُ بحنيفيَّةٍ سَمحَةٍ».

стр. 677

ومن هذا المعنى ما في " الصحيحين " (١) عن أنسٍ: أنَّ النَّبيّ ﷺ : رأى رجلاً يمشي، قيل: إنّه نذرَ أن يحجَّ ماشياً، فقال: «إنَّ الله لغنيٌّ عن مشيه، فليركب»، وفي رواية: «إن الله لغنيٌّ عن تعذيب هذا نفسَه». وفي " السنن " (٢) عن عُقبة بن عامر أنَّ أختَه نذرت أنْ تمشي إلى البيت، فقال النَّبيُّ ﷺ : «إنَّ الله لا يَصنَعُ بشقاءِ أختك شيئاً فلتَرْكَبْ». وقد اختلفَ العلماءُ في حكم من نذَر أن يحجَّ ماشياً، فمنهم من قال: لا يلزمُه المشيُ، وله الرُّكوبُ بكلِّ حالٍ، وهو رواية عن أحمد والأوزاعيِّ. وقال أحمد: يصومُ ثلاثة أيَّام، وقال الأوزاعي: عليه كفَّارةُ يمين، والمشهور أنَّه يلزمُه ذلك إن أطاقه، فإن عجز عنه، فقيل: يركبُ عند العجز، ولاشيءَ عليه، وهو أحدُ قولي الشَّافعيِّ (٣). وقيل: بل عليه - مع ذلك - كفارةُ يمين، وهو قول الثَّوري وأحمد في رواية. وقيل: بل عليه دمٌ، قاله طائفةٌ مِنَ السَّلف، منهم عطاءٌ ومُجاهدٌ والحسنُ واللَّيثُ وأحمدُ في رواية. وقيل: يتصدَّقُ بكراء ما ركبَ، وروي عن الأوزاعيِّ، وحكاه عن عطاء، وروي عن عطاء: يتصدَّقُ بقدر نفقته عند البيت. وقالت طائفة من الصَّحابة وغيرهم: لا يُجزئُه الرُّكوبُ، بل يَحُجُّ من قابِلٍ، فيمشي ما رَكِبَ، ويركبُ ما مشى، وزاد بعضُهم: وعليه هديٌ، وهو قول مالكٍ إذا كان ما ركبه كثيراً.

стр. 678

وممَّا يدخل في عمومه أيضاً أنَّ من عليه دينٌ لا يُطالَبُ به مع إعساره، بل يُنظَرُ إلى حال إيساره، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (١)، وعلى هذا جمهورُ العلماء خلافاً لشريح في قوله: إنَّ الآية مختصَّةٌ بديون الرِّبا في الجاهلية (٢)، والجمهورُ أخذُوا باللَّفظ العام، ولا يُكلَّفُ المدينُ أن يقضيَ مما عليه في خروجه من ملكه ضررٌ، كثيابه ومسكنه المحتاج إليه، وخادمه كذلك، ولا ما يحتاجُ إلى التجارة به لِنفقته ونفقة عياله هذا مذهب الإمام أحمد.

стр. 679

الحديث الثالث والثلاثون عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵄ أنَّ رَسولَ الله ﷺ قَالَ: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْواهُم، لادَّعى رِجالٌ أموالَ قَومٍ ودِماءهُم ولكن البَيِّنَةُ على المُدَّعي واليَمينُ على مَنْ أَنْكر». حديثٌ حسنٌ، رواهُ البَيهقيُّ وغيرُهُ هكذا، وبَعضُهُ في " الصحيحين ". أصلُ هذا الحديث خرَّجاه في " الصحيحين " (١) من حديث ابن جريج، عن ابن أبي مُليكة، عن ابن عباس، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «لو يُعطى النَّاسُ بدعواهم، لادَّعى ناسٌ دماءَ رجالٍ وأموالهم، ولكن اليمين على المدَّعى عليه». وخرَّجاه (٢) أيضاً من رواية نافع بنِ عمر الجمحي، عن ابن أبي مُليكة، عن ابن عباس: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قضى أنَّ اليمين على المدَّعى عليه. واللفظ الذي ساقه به الشيخ ساقه ابنُ الصَّلاح قبله في الأحاديث الكليات، وقال: رواه البيهقي (٣) بإسناد حسن. وخرَّجه الإسماعيلي في " صحيحه " (٤) من رواية الوليد بن مسلم، حدثنا ابنُ جريج، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس: أنَّ النَّبيَّ ﷺ ، قال: «لو يُعطى الناسُ بدعواهم، لادَّعى رجالٌ دماءَ رجالٍ وأموالهم، ولكنَّ البيِّنةَ على الطَّالب، واليمين على المطلوب».

стр. 680

وروى الشَّافعي (١): أخبرنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن ابن أبي مُليكة، عن ابن عباس: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «البينة على المُدَّعي» قال الشافعي (٢): وأحسبه - ولا أُثبته - أنَّه قال: «واليمين على المُدَّعى عليه». وروى محمد بن عمر بن لُبابة الفقيه الأندلسيُّ، عن عثمان بن أيوب الأندلسيِّ - ووصفه بالفضل -، عن غازي بن قيس، عن ابن أبي مُليكة، عن ابن عباس، عن النَّبيِّ ﷺ فذكر هذا الحديث، وقال: «لكن البينة على منِ ادَّعى، واليمين على من أنكر» وغازي بن قيس الأندلسي كبيرٌ صالح، سمع من مالكٍ وابن جريج وطبقتِهما، وسقط من هذا الإسناد ابنُ جريج، والله أعلم. وقد استدلَّ الإمام أحمد وأبو عبيد بأنّ النَّبيَّ ﷺ قال: «البيِّنة على المدعي واليمين على من أنكر»، وهذا يدلُّ على أنَّ اللفظ عندهما صحيحٌ محتجٌّ به، وفي المعنى أحاديث كثيرة، ففي " الصحيحين " (٣) عن الأشعث بن قيس، قال: كان بيني وبين رجلٍ خصومةٌ في بئرٍ، فاختصمنا إلى رسولِ الله ﷺ ، فقال رسولُ الله ﷺ : «شاهداك أو يمينه»، قلت: إذاً يحلِفُ ولا يُبالي، فقال رسولُ الله ﷺ : «من حلف على يمينٍ يستحقُّ بها مالاً هو فيها فاجرٌ، لَقِي الله وهو عليه غضبان»، فأنزل الله تصديقَ ذلك، ثم اقترأ هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ (٤) وفي رواية لمسلم بعد قوله: «إذاً يحلفُ» قال: «ليس لك إلاّ ذلك». وخرَّجه أيضاً مسلم (٥) بمعناه من حديث وائلِ بنِ حجر عن النَّبيِّ ﷺ . وخرَّج الترمذي (٦) من حديث العَرْزَمي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن

стр. 681

جَدِّهِ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ ، قال في خطبته: «البيِّنةُ على المدَّعي، واليمينُ على المُدَّعى عليه»، وقال: في إسناده مقال، والعَرْزَميُّ يضعف في الحديث من قبل حفظه. وخرَّج الدارقطني (١) من رواية مسلم بن خالد الزنجي - وفيه ضعف -، عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «البيِّنة على المدَّعي، واليمين على من أنكر، إلاَّ في القسامة». ورواه الحفاظ (٢) عن ابن جريج، عن عمرو مرسلاً. وخرَّجه أيضاً (٣) من رواية مجاهد عن ابن عمر، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال في خطبته يومَ الفتح: «المُدَّعى عليه أولى باليمين إلا أن تقومَ بيِّنة»، وخرَّجه الطبراني، وعنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وفي إسناده كلام. وخرَّج الدارقطني هذا المعنى من وجوه متعددة ضعيفة. وروى حجاج الصَّوَّافُ، عن حميد بن هلال، عن زيد بن ثابت، قال: قضى رسول الله ﷺ : «أيُّما رَجُلٍ طلبَ عندَ رجل طلبة، فإنَّ المطلوب هو أولى باليمين» (٤). خرَّجه أبو عبيد والبيهقي، وإسناده ثقات، إلا أنَّ حميدَ بنَ هلال ما أظنُّه لقيَ زيدَ بن ثابتٍ، وخرَّجه الدارقطني، وزاد فيه «بغير شهداء». وخرّج النسائي (٥) من حديث ابن عباس، قال: جاء خصمان إلى النَّبيِّ ﷺ ، فادّعى أحدُهما على الآخر حقاً، فقال النَّبيُّ ﷺ للمدَّعي: «أقم بيِّنَتَك»، فقال: يا رسول الله، ما لي بينة، فقال للآخر: «احلِف بالله الذي لا إله إلا هو: ما له عَلَيكَ أو عِندَكَ شيء».

стр. 682

وقد رُوي عن عمر أنَّه كتب إلى أبي موسى: أن البيِّنة على المدَّعي، واليمين على من أنكر (١). وقضى بذلك زيد بن ثابت على عمر لأبيِّ بنِ كعب ولم ينكراه (٢). وقال قتادة: فصلُ الخطاب الذي أوتيه داود ﵇: هو أنَّ البيِّنة على المدَّعي، واليمين على من أنكر (٣). قال ابنُ المنذر (٤): أجمع أهلُ العلم على أن البيِّنَةَ على المدعي، واليمين على المدعى عليه، قال: ومعنى قوله: «البيِّنة على المدَّعِي» يعني: يستحقُّ بها ما ادَّعى، لأنَّها واجبةٌ عليه يؤخذ بها، ومعنى قوله: «اليمين على المدَّعى عليه» أي: يبرأُ بها، لأنَّها واجبةٌ عليه، يؤخَذُ بها على كلِّ حالٍ. انتهى. وقد اختلف الفقهاءُ من أصحابنا والشَّافعية في تفسير المدَّعي والمدَّعى عليه. فمنهم من قال: المدَّعي: هو الذي يُخلَّى وسكوته من الخصمين، والمدَّعى عليه: من لا يُخلى وسكوته منهما. ومنهم من قال: المدَّعِي: من يطلبُ أمراً خفيّاً على خلاف الأصل أو الظاهر، والمدَّعى عليها بخلافه (٥). وبَنَوا على ذلك مسألةً، وهي: إذا أسلمَ الزَّوجانِ الكافران قبلَ الدُّخول، ثم اختلفا، فقال الزوج: أسلمنا معاً، فنكاحُنا باقٍ، وقالت الزوجةُ: بل سبَق أحدُنا إلى الإسلام، فالنِّكاح مُنفسخٌ، فإن قلنا: المدعي من يُخلى وسكوته، فالمرأةُ هي المدَّعي، فيكون القولُ قولَ الزوج، لأنه مدَّعى عليه؛ إذ لا يخلَّى وسكوته، وإن

стр. 683

قلنا: المدعي من يدعي أمراً خفياً، فالمدعي هنا هو الزوج، إذ التقارن في الإسلام خلاف الظاهر، فالقولُ قولُ المرأة؛ لأن الظَّاهر معها. وأما الأمينُ إذا ادعى التَّلف، كالمودَع إذا ادَّعى تلفَ الوديعة، فقد قيل: إنَّه مدَّعٍ؛ لأنَّ الأصلَ يُخالِفُ ما ادَّعاه، وإنَّما لم يحتج إلى بينةٍ، لأنَّ المودعَ ائتمنه، والائتمان يقتضي قَبُولَ قوله. وقيل: إنَّ المدعي الذي يحتاج إلى بيّنة هو المدعي، ليُعطى بدعواه مالَ قوم أو دماءهم، كما ذكر ذلك في الحديث، فأمَّا الأمينُ، فلا يدعي ليُعطى شيئاً، وقيل: بل هو مدَّعى عليه؛ لأنَّه إذا سكت، لم يترك، بل لابدَّ له من ردِّ الجواب، والمودع مدَّعٍ؛ لأنَّه إذا سكت ترك؛ ولو ادَّعى الأمينُ ردَّ الأمانة إلى من ائتمنه؛ فالأكثرون على أنَّ قوله مقبولٌ أيضاً كدعوى التَّلف. وقال الأوزاعي: لا يُقبل قوله، لأنَّه مدَّعٍ. وقال مالكٌ وأحمدُ في رواية: إنْ ثبت قبضُه للأمانة ببيِّنةٍ، لم يقبل قولُه في الرَّدِّ بدون البينة، ووَجَّهَ بعضُ أصحابنا ذلك بأنَّ الإشهادَ على دفع الحقوق الثابتة بالبيِّنةِ واجبٌ، فيكونُ تركُه تفريطاً، فيجب به الضَّمانُ، وكذلك قال طائفةٌ منهم في دفع مال اليتيم إليه: لابدَّ له من بيِّنةٍ؛ لأنَّ الله تعالى أمر بالإشهاد عليه فيكون واجباً. وقد اختلف الفقهاءُ في هذا الباب على قولين: أحدهما: أنَّ البيِّنَة على المدَّعِي أبداً. واليمين على المدَّعى عليه أبداً، وهو قولُ أبي حنيفة، ووافقه طائفةٌ مِنَ الفُقهاء والمحدِّثين كالبخاري، وطرَّدوا ذلك في كلِّ دعوى، حتى في القسامة، وقالوا: لا يحلِفُ إلاَّ المدَّعى عليه، ورأَوْا أنْ لا يُقضى بشاهد ويمين؛ لأنَّ اليمينَ لا تكونُ على المدَّعي، ورأوا أنَّ اليمينَ لا تُرد على المدعي؛ لأنَّها لا تكونُ إلاَّ في جانب المُنكِر المدعى عليه. واستدلُّوا في مسألة القسامةِ بما رَوى سعيدُ بن عبيد، حدثنا بُشيرُ بن يسارٍ الأنصاريُّ، عن سهل بن أبي حثمة: أنَّه أخبرَه أنَّ نفراً منهمُ انطلقوا إلى خيبر، فتفرَّقوا فيها، فوجدوا أحدَهم قتيلاً، فذكر الحديثَ، وفيه: فقال النَّبيُّ ﷺ : «تأتوني بالبيِّنةِ على من قتله»، قالوا: ما لنا بيِّنةٌ، قال: «فيحلفون»، قالوا: لا نرضى بأيمان اليهود، فكره النَّبيُّ ﷺ أنْ يُطَلَّ دمُهُ، فوداه مئةً من إبل الصدقة. خرَّجه البخاري (١)،

стр. 684

وخرَّجه مسلم (١) مختصراً ولم يتمَّه، ولكن هذه الرواية تُعارِض رواية يحيى بن سعيد الأنصاري، عن بشير بن يسار، عن سهل بن أبي حثمة فذكر قصة القتيلِ، وقال فيه: فذكروا لرسول الله ﷺ مقتل عبد الله بن سهل، فقال رسول الله ﷺ : «يُقسِمُ خمسون منكم على رجلٍ منهم، فيدفع برُمته»، وهذه هي الرواية المشهورة الثابتة المخرَّجة بلفظها بكمالها في " الصحيحين " (٢). وقد ذكر الأئمَّة الحُفَّاظُ أنّ رواية يحيى بن سعيدٍ أصحُّ من رواية سعيد بن عُبيدٍ الطَّائي، فإنَّه أجلُّ وأعلم وأحفظ، وهو من أهل المدينة، وهو أعلمُ بحديثهم من الكوفيِّين. وقد ذَكَر الإمام أحمد مخالفة سعيد بن عبيد ليحيي بن سعيد في هذا الحديث، فنفض يده، وقال: ذاك ليس بشيءٍ، رواه على ما يقول الكوفيون، وقال: أذْهَبُ إلى حديث المدنيين يحيى بن سعيد. وقال النَّسائيُّ: لا نعلم أحداً تابعَ سعيد بن عُبيدٍ على روايته عن بشير بن يسار، وقال مسلم في كتاب " التمييز " (٣): لم يحفظه سعيدُ بنُ عُبيدٍ على وجهه؛ لأنَّ جميع الأخبار فيها سؤال النَّبيِّ ﷺ إيَّاهم قسامة خمسين يميناً، وليس في شيء من أخبارهم أنَّ النَّبيَّ ﷺ سألهم البيِّنَةَ، وترك سعيد القسامة، وتواطُؤُ الأخبارِ بخلافه يقضي عليه بالغلط، وقد خالفه يحيى بن سعيد. وقال ابن عبد البرّ (٤) في رواية سعيد بن عبيد: هذه روايةُ أهل العراق عن بُشير بن يسار، وروايةُ أهل المدينة عنه أثبتُ، وهم به أقعدُ، ونقلُهم أصحُّ عند أهل العلم. قلت: وسعيد بن عُبيد اختصر قصَّة القسامة، وهي محفوظةٌ في الحديث، وقد خرَّج النَّسائيُّ (٥) من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - طلب

стр. 685

من ولي القتيل شاهِدين على من قتله، فقال: ومن أين أُصيبُ شاهدين؟ قال: «فتحلِفُ خمسين قسامةً»، قال: كيف أحلِفُ على ما لم أعلم؟ قال: «فتستحلفُ منهم خمسين قسامة» فهذا الحديث يَجمَعُ به بين روايتي سعيد بن عُبيد، ويحيى بن سعيد، ويكونُ كلٌّ منهما تركَ بعض القصَّة، فترك سعيدٌ ذِكرَ قسامة المدَّعين، وترك يحيى ذكر البيِّنة قبل طلب القسامة، والله أعلم. وأما مسألة الشَّاهد مع اليمين، فاستدلَّ من أنكر الحكم بالشَّاهد واليمين بحديث: «شَاهِداك أو يمينه» (١) وقوله ﷺ : «ليس لك إلاَّ ذلك» (٢)، وقد تكلم القاضي إسماعيل المالكي في هذه اللفظة، وقال: تفرَّد بها منصورٌ عن أبي وائل، وخالفه سائرُ الرُّواة، وقالوا: إنَّه سأله: «ألك بيِّنَةٌ أم لا؟» والبيِّنَةُ لا تقف على الشَّاهدين فقط. بل تعمُّ سائر ما يُبيِّنُ الحقَّ. وقال غيرُه: يحتمل أنْ يريدَ بشاهديه كلَّ نوعين يشهدان للمدَّعي بصحَّة دعواه يتبيَّن بهما الحقّ، فيدخُلُ في ذلك شهادةُ الرجلين، وشهادةُ الرَّجُل مع المرأتين، وشهادةُ الواحد مع اليمين، وقد أقام الله سبحانه أيمانَ المدَّعي مقامَ الشُّهود في اللعان. وقوله في تمام الحديث: «ليس لك إلاّ ذلك»: لم يُرِد به النَّفيَ العامَّ، بل النَّفي الخاصَّ، وهو الذي أراده المدَّعي، وهو أنْ يكونَ القولُ قولَه بغير بيِّنةٍ، فمنعه من ذلك، وأبى ذلك عليه، وكذلك قولُه في الحديث الآخر: «ولكن اليمين على المدَّعى عليه» إنَّما أريد بها اليمينُ المجردة عن الشهادة، وأوَّلُ الحديث يدلُّ على ذلك، وهو قوله: «لو يُعطى النَّاسُ بدعواهم لادَّعى رجالٌ دماءَ رجال وأموالهم» فدلَّ على أن قولَه: «اليمين على المُدَّعَى عليه» إنَّما هي اليمينُ القاطعة للمنازَعَةِ مع عدم البينة، وأما اليمينُ المثبتة للحقِّ، مع وجود الشهادة، فهذا نوعٌ آخر، وقد ثبت بسنَّةٍ أخرى.

стр. 686

وأمَّا ردُّ اليمين على المدَّعي، فالمشهورُ عن أحمد موافقةُ أبي حنيفة (١)، وأنَّها لا تُرَدُّ، واستدلَّ أحمدُ بحديثِ: «اليمين على المدَّعى عليه»، وقال في رواية أبي طالب عنه: ما هو ببعيدٍ أن يقال له: تحلف وتستحقُّ، واختار ذلك طائفةٌ مِنْ متأخِّري الأصحاب، وهو قولُ مالك والشافعي وأبي عُبيد، ورُوي عن طائفة مِنَ الصَّحابة، وقد ورد فيه حديثٌ مرفوعٌ خرَّجه الدارقطني (٢) وفي إسناده نظر (٣). قال أبو عبيد: ليس هذا إزالةً لليمين عن موضعها، فإنَّ الإزالة أنْ لا يقضي باليمين على المطلوب، فأمَّا إذا قُضِيَ بها عليه، فرضي بيمين صاحبه، كان هو الحاكم على نفسه بذلك، لأنَّه لو شاء، لحلف وبريء، وبطلَت عنه الدَّعوى. والقول الثاني في المسألة: أنَّه يُرجَّحُ جانبُ أقوى المتداعيين، وتجعل اليمينُ في جانبه، هذا مذهب مالكٍ، وكذا ذكر القاضي أبو يعلى في خلافه أنَّه مذهبُ أحمد، وعلى هذا تتوجَّهُ المسائلُ التي تقدَّم ذكرُها مِن الحكم بالقسامة والشَّاهِد واليمين، فإنَّ جانبَ المدعي في القسامة لمَّا قوي باللوث جُعِلَتْ اليمينُ في جانبه، وحُكِمَ له بها، وكذلك المدَّعي إذا أقام شاهداً، فإنه قوي جانبه، فحلف معه، وقُضي له. وهؤلاء لهم في الجواب عن قوله: «البينة على المدعي» طريقان: أحدهما: أنَّ هذا خُصَّ من هذا العموم بدليل. والثاني: أنَّ قوله: «البينة على المدعي» ليس بعامٍّ؛ لأنَّ المرادَ: على المدعي المعهود، وهو من لا حُجَّةَ له سوى الدَّعوى كما في قوله: «لو يُعطى الناسُ بدعواهم، لادَّعى رجالٌ دماءَ قومٍ وأموالهم»، فأمَّا المدَّعي الذي معه حجةٌ تقوِّي دعواه، فليس داخلاً في هذا الحديث.

стр. 687

وطريق ثالث وهو أنَّ البينة: كُلُّ ما بيَّن صحَّة دعوى المدَّعي، وشهِدَ بصدقِه، فاللوثُ مع القسامة بيِّنةٌ، والشَّاهد مع اليمين بيِّنةٌ. وطريق رابع سلكه بعضُهم، وهو الطَّعنُ في صحَّةِ هذه اللفظة، أعني قولَه: «البينة على المدَّعي»، وقالوا: إنَّما الثَّابتُ هو قوله: «اليمينُ على المدَّعى عليه». وقوله: «لو يُعطى الناسُ بدعواهم، لادَّعى قومٌ دماءَ قومٍ وأموالهم»، يدلُ على أنَّ مدَّعي الدَّمِ والمالِ لابدَّ له مِنْ بيِّنةٍ تدلُّ على ما ادَّعاه، ويدخل في عموم ذلك أنّ مَنِ ادَّعى على رجلٍ أنَّه قتل موروثَه، وليس معه إلاّ قولُ المقتولِ عند موته: جرحني فلان، أنَّه لا يُكتفى بذلك، ولا يكونُ بمجرَّده لوثاً، وهذا قولُ الجمهور، خلافاً للمالكيَّة، وأنَّهم جعلوه لوثاً يقسم معه الأولياءُ، ويستحقُّون الدَّم. ويدخل في عمومه أيضاً من قذف زوجته ولاعَنَها، فإنَّه لا يُباحُ دمُها بمجرَّدِ لعانها، وهو قولُ الأكثرين خلافاً للشافعي، واختار قولَه الجوزجانيُّ، لظاهر قوله : ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللهِ﴾ (١)، والأوَّلون منهم من حمل العذابَ على الحبس، وقالوا: إنْ لم تلاعِن، حُبِست حتى تُقرَّ أو تُلاعِن، وفيه نظر. ولو ادَّعت امرأةٌ على رجل أنَّه استكرهها على الزِّنى، فالجمهورُ أنَّه لا يثبتُ بدعواها عليه شيء. وقال أشهب من المالكية: لها الصداقُ بيمينها، وقال غيرُه منهم: لها الصَّداقُ بغيرِ يمين، هذا كلُّه إذا كانت ذاتَ قدر، وادَّعت ذلك على متَّهم تليقُ به الدَّعوى، وإنْ كان المرميُّ بذلك مِنَ أهل الصَّلاح، ففي حدِّها للقذف عن مالك روايتان. وقد كان شُريح وإياس بن معاوية يحكمان في الأموال المتنازع فيها بمجرَّد القرائن الدَّالَّةِ على صدق أحد المتداعيين، وقضى شُريحٌ في أولاد هرَّةٍ تداعاها امرأتان، كلٌّ منهما تقولُ هي ولد هِرَّتي، قال شريحُ: ألقِها مع هذه، فإن هي قرَّت ودرَّت واسبطرَّتْ فهي لها، وإن هي فرت وهرَّت وازبأرت، فليس لها (٢). قال ابن قتيبة:
следующие страницы →