كتاب أسماء المغتالين من الأشراف في الجاهلية والإسلام، وأسماء من قتل من الشعراء لمحمد بن حبيب
стр. 2
مقدمة كتاب أسماء المغتالين من الأشراف في الجاهلية والإسلام
وكلمة «المغتالين»، إنما تعنى الذين اغتيلوا، أي لقوا مصارعهم بأيدي غيرهم على صور شتى، من الطعن، والضرب، والخلق، ودس السموم، وغير ذلك من
أسباب الغيلة.
وقد استرعى هذا الكتاب نظري في أول الشباب، واستنسخت منه نسخة كنت أعنى بالرجوع إليها بين الفينة والأخرى، لتحقيق الأخبار النادرة، والمشكلات التي كانت تعترض في أثناء الدرس، وكنت أجد منذ ذلك العهد القديم رغبة ملحة في أن أقوم بنشر هذا الكتاب، فلا أجد فرصة النشر سانحة، إلى أن هديت إلى هذه الفكرة: فكرة نشر النوادر الصغيرة، فجعلت هذا الكتاب في ثبت الكتب الملائمة.
اسم الكتاب:
هذه النسخة التي تأدت إلينا عبر الأجيال، أراها مجموعة من كتب محمد بن حبيب، وليست كتابا واحدا. وهذه صورة ما كتب على صدرها:
«كتاب أسماء المغتالين من الأشراف في الجاهلية والإسلام. وأسماء من قتل من الشعراء، ومن غلبت كنيته على اسمه. وكنى الشعراء وألقابهم».
ولكن النسخة في باطنها تحمل غير الشقين الأولين - أي بدل «من غلبت كنيته على اسمه، وكنى الشعراء وألقابهم» - كتاب «كنى الشعراء ومن غلبت كنيته على اسمه» وكتاب «ألقاب الشعراء ومن يعرف منهم بأمه».
стр. 3
وعلى هذا الضوء الأخير نستطيع أن نعرف أسماء كتب ثلاثة لابن حبيب.
١ - أما الأول فهو ذو شقين: أحدهما «أسماء المغتالين من الأشراف في الجاهلية والإسلام»، والآخر «أسماء من قتل من الشعراء».
٢ - والثاني «كنى الشعراء ومن غلبت كنيته على اسمه».
٣ - والثالث «كتاب ألقاب الشعراء».
الكتاب الأول:
أما الكتاب الأول فهو الذي عرف قديما باسم «مقاتل الفرسان» ذكره ابن النديم (١) المتوفى سنة ٣٨٥ أي بعد وفاة ابن حبيب بمائة وأربعين سنة. وتبعه ياقوت ناقلا عنه (٢). وبهذه التسمية أثبته صاحب كشف الظنون (٣)، وقال:
مقاتل الفرسان لأبى على إسماعيل بن قاسم القالى المتوفى سنة ٣٥٦، ولأبى عبيدة معمر بن المثنى البصري النحوي، وله مقاتل الأشراف وتوفى سنة ٢١١. ولأبى جعفر محمد بن حبيب البغدادي المتوفى سنة ٢٤٥».
أما ابن حبيب نفسه فكلامه يشعر أن كتابه ذو شقين، إذ يذكر عند الكلام على الشعراء ص ٨٢ من المصورة «عدى بن زيد العبادي»، ويقول:
«وقد مرّ حديثه في المغتالين (٤)».
وكذلك في ص ٨٨ «سويد بن صامت الأوسي»، قال: «وقد كتبناه في أشراف المغتالين».
_________
(١) الفهرست ص ١٥٥.
(٢) في معجم الأدباء ١٨: ١١٦.
(٣) كشف الظنون ٣: ٤٩١.
(٤) انظر ص ٢٦ من أرقام المصورة.
стр. 4
وفي ص ٩٠ «كعب بن الأشرف اليهودي» قال «وقد كتبناه في المغتالين (١)».
وكذلك «خالد بن جعفر بن كلاب» في ص ٩٤ من المصورة، يقول في شأنه: «وقد كتبت سبب قتله في المغتالين (٢)».
وكذلك «سالم بن دارة» ص ١١١ يقول فيه «وقد مرّ حديثه في المغتالين (٣)». وكلمة «مر» تدلّ على وحدة الشقين وعلى ذلك فأصدق تسمية له هي «أسماء المغتالين من الأشراف في الجاهلية والإسلام، وأسماء من قتل من الشعراء».
وأما صاحب الخزانة فيسميه تسمية إجمالية «كتاب المقتولين غيلة (٤)» ويسميه مرة أخرى «كتاب أسماء المغتالين من الأشراف في الجاهلية والإسلام (٥)» وثالثة «كتاب المغتالين من الأشراف في الجاهلية والإسلام (٦)» ورابعة «كتاب المغتالين (٧)».
وهذا يدل على أن صاحب الخزانة لا يعبر بدقة عن اسم الكتاب، شأن كثير من العلماء الذين يذكرون الكتب بأقرب شهرة لها.
والبغدادي مع ذلك يعرف الشق المانى من الكتاب ويسميه «كتاب من قتل من الشعراء» وينقل عنه نصوصا ثلاثة، وهي مقتل سحيم (٨)، وعبيد بن الأبرص (٩)، وبشر بن أبي خازم (١٠).
_________
(١) انظر ص ٢٨ من المصورة.
(٢) انظر ص ٢٠ من المصورة.
(٣) انظر ص ٣٧ من المصورة.
(٤) الخزانة ١: ١١ في ثبت الكتب التي استقى منها البغدادي، وكذلك في ٤: ٣٣١.
(٥) الخزانة ١: ٢٥/ ٤: ٥٠٩.
(٦) الخزانة ١: ٢٩٣.
(٧) الخزانة ١: ٣٤٨/ ٤: ٥١٠.
(٨) الخزانة ١: ٢٧٤. ولم نجد له ذكرا في النسختين.
(٩) الخزانة ١: ٣٢٤. وانظر ص ٧٩ من المصورة.
(١٠) الخزانة ٢: ٢٦٢. وانظر ص ٨٢ من المصورة وإقليد الخزانة للراجكوتى ص ٩٢.
стр. 5
الكتاب الثاني:
وأما الكتاب الثاني فهو كتاب «كنى الشعراء ومن غلبت كنيته على اسمه» والنسخة تسجل اسم هذا الكتاب بهذا التمام في ص ١٢٠ من صفحات المصورة.
ولا ريب أن هذا كتاب مستقل، ذكره ابن النديم (١) باسم «كنى الشعراء» وتبعه ياقوت (٢)، وتصحف في النسخة باسم «كنز الشعراء».
أما صاحب كشف الظنون (٣) فيسميه «أكنى الشعراء»، ويذكره في حرف الهمزة! وهذا زلة وسهو منه.
الكتاب الثالث:
والكتاب الثالث كتاب «ألقاب الشعراء ومن يعرف منهم بأمه».
ولم يذكره أحد من المترجمين بهذه التسمية، ولكن ذكروا «كتاب من سمى ببيت قاله» ذكره ابن النديم (٤) وتبعه ياقوت (٥). ويظهر أن هذه التسمية الأخيرة تسمية من تسميات العلماء مرادفة للأولى ولا تتعارض معها، إذ أن الذي سمى ببيت قاله هو عين الذي لقب ببيت قاله، فهو ضرب خاص من الألقاب داخل في نطاقها.
والمتتبع لهذا الكتاب يجده مطابقا لترجمته مضافا إليه في أواخره تعليلات لمن سمى ببيت قاله. وهذا لا يخرجه عن عنوانه «ألقاب الشعراء».
_________
(١) في الفهرست ١٥٥.
(٢) معجم الأدباء ١٨: ١١٦.
(٣) كشف الظنون ١: ١٣٥.
(٤) الفهرست ١٥٥.
(٥) في معجم الأدباء ١٨: ١٦٦.
стр. 6
إفراد الكتاب الأول:
بهذه الاعتبارات جميعا أفردت الكتاب الأول بالنشر، عازما بعون اللّه أن أنشر الكتابين الآخرين فيما أستقبل إن شاء اللّه.
مخطوطات الكتاب:
١ - الواقع أنها مخطوطة واحدة، لعلها الفريدة إذ لم نعثر بعد على شقيقة لها، وهي مخطوطة مكتبة عاشر بتركيا، المودعة فيها برقم ٨٧٢ ومنها صورة شمسية محفوظة بدار الكتب المصرية برقم ٢٦٠٦ تاريخ، جاء في خاتمتها:
«تم الكتاب بحمد الله وعونه بعد تعب شديد في كتبه، إذ كان أصله مكتوباً بالكوفى بخط محرف، على يد الفقير إلى رحمة الله تعالى يوسف بن محمد الشهير بابن الوكيل الملوى غفر الله له ولوالديه ولمشايخه ولأقاربه، ليلة الثلاثاء المسفر صباحها عن ثامن عشر جمادى الأولى من شهور سنة ١١١٤، ألف ومائة وأربعة عشر (وكذا) هجرية».
وعبارة «كان أصله مكتوبا بالكوفي» تدلنا على قدم النسخة التي اعتمد عليها الناسخ.
والنسخة في ١٤٠ صفحة متوسطة مكتوبة بخط النسخ المعتاد الخالي من الضبط، ومع ما بها من تحريف شديد حاول ناسخها أن يكون دقيقا مقاربا للأصل القديم الذي نقل منه.
وقد رمزت لهذه النسخة بالرمز (ا)، وأثبت (أرقام صفحاتها) على جوانب نشرتى هذه.
٢ - وقد استنسخ العلامة المشنقيطى (١) من هذا الأصل نسخة له تتفق معها
_________
(١) محمد محمود بن التلاميد التركزى الشنقيطي، صاحب خزانة الكتب النفيسة المودعة بدار الكتب المصرية، المتوفى سنة ١٣٢٢.
стр. 7
كما وكيفا، يدل على ذلك التوافق التام في مقدار متن الكتاب، وفي الإسقاط ومواضعها وهي في خزانته بدار الكتب المصرية برقم ٥٧ أدب ش، وجاء في خاتمتها:
«تم الكتاب بحمد اللّه وعونه على يدي الفقير إلى رحمة الله تعالى يوسف بن محمد غفر اللّه له ولوالديه ولجميع المؤمنين كافة عامة في يوم الاثنين جمادى الأولى سنة ١٢٩٦».
ويبدو أن الشنقيطي قد راجع نسخته على نسخة مكتبة عاشر، واستدرك بعض ما فات كاتب نسخته الذي وافق اسمه اسم كاتب نسخة مكتبة عاشر، فاسمه كذلك «يوسف بن محمد».
لذلك نستطيع أن نقول بعد الدراسة الطويلة: إن هذه النسخة ما هي إلا صورة أخرى من نسخة عاشر، امتازت بتلك التصحيحات التي صنعها الشنقيطي بقلمه، مستعملا المحو تارة والترميج مرة أخرى.
وليست تصحيحات الشنقيطي من الكثرة بمكان، إذ تكاد أن تحتل مقدار العشر من التصحيحات التي انفردت بها من دونه ولكن كثيرا منها بلغ الغاية في الدقة، لذلك حفظت له حقه في التنويه بفضل السبق إليها مع إمكان اهتدائى إليها في كثير من الأمر، فنسبت تصحيحاته إليه وزدتها تأييدا بأن وثّقتها من مختلف المراجع.
وقد رمزت لهذه النسخة بالرمز (ب).
وأما بعد فقد عنّانى هذا الكتاب في تحقيق متنه، إذ أن نصوصه من النوادر التي لا يعثر على معظمها في الكتب المعروفة.
ولكني مغتبط إذ تسنى لي أن أقيم كثيرا مما فيه من تحريف وتصحيف، وأن ألقى الضوء على كثير من غوامضه وإشاراته.
وللّه الحمد على ما أنعم، وهو ولى التوفيق.
стр. 8
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أسماء المغتالين من الأشراف، وأسماء من قتل من الشعراء، وأسماء من
غلبت كنيته على اسمه، وكنى الشعراء وألقابهم (١) من المغتالين:
جذيمة الأبرش
بن مالك بن فهم بن غنم (٢) بن دوس بن عدثان (٣) الأزدي. وكان أفضل ملوك العرب رأياً (٤)، وأبعدهم مغاراً، وأشدهم نكاية. وهو أول من استجمع له الملك بأرض العراق. وكانت منازله ما بين الأنبار وبقة وهيت وعين التمر وأطراف البر والقطقطانة وخفية (٥) والحيرة. وكان يغير على الأمم الخالية من العرب العاربة الأول. وكان ملك العرب بأرض الجزيرة ومشارف الشام (٦) عمرو بن الظرب بن حسان بن أذينة بن السميدع بن هوبر العاملي، من عاملة العماليق.
فجمع جذيمة جموعه من العرب وسار إليه، فالتقى هو وعمرو بن الظّرب فقتل
стр. 9
جذيمة عمراً وفض جموعه. فملك من بعد عمرو ابنته الزباء، وكانت تخاف أن يغزوها ملوك العرب، فبنت لنفسها حصنا على شاطئ الفرات، وسكرت الفرات على قلة (١) الماء، وبنت في بطنه أزجاً من الآجر (٢)، وأجرت عليه الماء، فكانت إذا خافت عدواً دخلت النفق، فخرجت إلى مدينة أختها الزبيبة (٣).
فلما اجتمع لها أمرها، واستحكم ملكها، جمعت لتغزو جذيمة ثائرة بأبيها، فقالت لها أختها زبيبة (٤)، وكانت ذات رأى وحزم: إنك إذا غزوت جذيمة فإنما هو يوم له ما بعده، وإن ظفرت أصبت ثأرك، وإن قتلت هلك ملكك، والحرب سجال، وعثراتها لا تستقال، ولم يزل كعبك سامياً على من ناواك، ولا تدرين لمن تكون العاقبة، وعلى من تكون الدائرة. والرأي أن تحتالي له وتخدعيه، وتمكري به!
فكتبت الزباء إلى جذيمة تدعوه إلى نفسها وملكها، وأن تصل بلاده ببلادها، وأنها لم تجد ملك النساء إلا إلى قبح في السماع، وضعف في السلطان، وقلة في بسط المملكة، وأنها لم تجد لها كفواً غيرك، فأقبل إلي واجمع ملكي بملكك، وصل بلادي ببلادك، وتقلد أمري مع أمرك.
فلما قدم عليه رسلها وكتابها استخفّه ذلك، ورغب فيما أطمعته فيه، فجمع أهل الحجا من ثقات أصحابه وهو بالبقة (٥)، فاستشارهم، فأجمعوا على أن يسير
стр. 10
إليها ويستولي على ملكها، وخالفهم قصير بن سعد بن عمرو بن جذيمة بن قيس ابن هليل بن دمى بن نمارة بن لخم (١)، فقال: هذا رأي فاتر، وغدر حاضر.
فإن كانت صادقة فلتقبل إليك، وإلا فلا تمكنها (٢) من نفسك فتقع في حبالها، وقد وترتها وقتلت أباها!
فلم يوافق جذيمة ما أشار به قصير وقال: أنت امرؤ رأيك في الكن لا في الضح. ومضى جذيمة في وجوه أصحابه فأخذ على شاطئ الفرات الغربي، فلما نزل الفرضة دعا قصيراً فقال: ما الرأي؟ فقال: «ببقة تركت الرأي». قال: فما ظنك بالزباء؟ قال: «القول رداف، والحزم عثراته لا تخاف». واستقبله رسلها بالهدايا والألطاف. فقال: يا قصير، كيف ترى؟ قال: «خطر (٣) يسير في خطب كبير»، وستلقاك الخيول، فإن سارت أمامك فالمرأة صادقة، وإن أخذت [جنبيك وأحاطت بك (٤)] فالقوم غادرون بك.
فلقيته الخيول فأحاطت به حتى دخل على الزباء، فلما رأته كشفت عن فرجها فإذا هي مضفورة الإسب (٥)، فقالت: يا جذيمة، أذات عروس ترى؟ قال (٦):
بلغ المدى، وجف الثرى، وأمر غدر أرى! فقالت: والله ما بنا من عدم مواس، ولا قلة أواس، ولكنها شيمة ما أناس (٧). ثم أجلسته على نطع،
стр. 11
وسقته الخمر، ثم أمرت بقطع رواهشه، فجعل دمه يسيل في طست من ذهب، فلما رأى دمه قال: «لا يحزنك دمٌ أهراقه أهله!».
ومنهم:
حسان بن تبع
وكان أعسر أحول، وإنه خرج من اليمن سائراً حتى وطئ أرض العجم، وقال: لأبلغن من البلاد ما لم يبلغه أحد من التبابعة! فأوغل بهم في أرض خراسان، ثم مضى إلى المغرب فبلغ رومة (١) وخلف عليها ابن عم له، وأقبل إلى العراق حتى إذا صار إلى فرضة نعم (٢) بشاطئ الفرات قالت وجوه حمير: ما نفنى أعمارنا إلا مع هذا، يطوف في الأرض كلها، نغيب عن أولادنا وعيالنا وبلادنا وأموالنا؛ وما ندري ما يخلف عليهم بعدنا. فكلموا أخاه عمرا وقالوا: كلّم أخاك في الرجوع إلى بلده وملكه. فقالوا: هو أعسر من ذاك وأنكد. فقالوا:
فاقتله وتملك علينا فأنت أحق بالملك من أخيك، وأنت أعقل وأحسن نظراً لقومك! فقال: أخاف ألا تفعلوا، وأكون قد قتلت أخي وخرج الملك عن يدي. فواثقوه حتى ثلج إلى قولهم (٣)، واجتمع الرؤساء كلهم معه على قتل أخيه إلّا ذا رعين. فإنه خالفهم وقال: ليس هذا برأي، يذهب الملك من حمير! فشجعه الباقون على قتل أخيه، فقال ذو رعين: إن قتلته باد (٤) ملكك. فلما رأى
стр. 12
ذو رعين ما اجتمع عليه القوم أتاه بصحيفة مختومة فقال: يا عمرو، إني مستودعك هذا الكتاب، فضعه عندك في مكان حريز. وكتب فيه:
ألا من يشتري سهراً بنومٍ … سعيدٌ من يبيت قريرَ عينِ
فإن تك حميرٌ غدرت وخانت … فمعذرة الإله لذي رعين (١)
وإن عمراً أتى حسان أخاه، وهو نائم على فراشه، فقتله واستولى على ملكه فلم يبارك له فيه (٢)، وسلط عليه السهر، وامتنع منه النوم، فسأل الكهان والعياف، فقال له كاهن منهم: إنه ما قتل رجل أخاه قط بغياناً (٣) عليه إلا امتنع نومه فقال: هذا عمل رؤساء حمير، هم حملوني على قتله ليرجعوا إلى بلادهم. لم ينظروا لي ولا لأخي. فجعل يقتل من أشار بقتله رجلاً رجلا، حتى خلص الأمر إلى ذي رعين، وأيقن بالشر، فقال له ذو رعين: أما تعلم أني أعلمتك ما في قتله، ونهيتك؟ قال: ما أذكر هذا، ولئن كان ليس عندك إلا ما تدعي لقد طل دمك! قال: إن عندك لي براءة وشاهدا. قال: وما هو؟ قال: الكتاب الذي استودعتك. فدعا بالكتاب فلم يجده، فقال ذو رعين: ذهب دمي على أخذى بالحزم فصرت كمن أشار بالخطأ (٤)، فقال الملك أن ينعم طلبه (٥)، فأتى به فقرأه، فإذا فيه البيتان اللذان كتبناهما، فلما قرأهما قال: لقد أخذت بالحزم.
قال: إني حسبت (٦) ما رأيتك صنعت بأصحابي.
стр. 13
وتشعّت أمر حمير حين قتل أشرافها، واختلفوا عليه، حتى وثب على عمرو لخنيعة ينوف (١)، ولم يكن من أهل المملكة، فقتله.
ومنهم:
عمليق ملك طسم
بن لاوذ (٢) بن إرم (٣) بن سام بن نوح. وكان منازلهم «عذرة» في موضع اليمامة.
وكان سبب قتله أنه تمادى في الظلم والغشم، والسيرة بغير الحق، وأن امرأة من جديس كان يقال لها هزيلة ولها زوج يقال له قديس (٤)، فطلقها وأراد أخذ ولدها منها، فخاصمته إلى عمليق، فقالت: أيها الملك، إني حملته تسعاً، ووضعته دفعاً، وأرضعته شفعاً (٥)، حتى إذا تمت أوصاله (٦) أراد أن يأخذه كرهاً، وأن يتركني بعده ورها (٧). فقال لزوجها: ما حجتك؟ قال: حجتي أيها الملك أنها قد أعطيت المهر كاملاً، ولم أصب منها طائلا، إلا وليدا خاملا (٨)، فافعل
стр. 14
ما كنت فاعلاً. فأمر بالغلام أن ينزع منهما جميعا ويجعل في غلمانه، وقال لهزيلة: أبغيه ولدا، ولا تنكحي أحداً، واجزيه صفدا (١). فقالت هزيلة:
أما النكاح فإنما يكون بمهر، وأما السّفاح فإنّما يكون بلا مهر (٢)، وما لي فيهما من أمر! فلما سمع عمليق ذلك منهما أمر أن تباع وزوجها، فيعطي زوجها خمسها (٣)، وتعطي هزيلة عشر ثمن زوجها، ويسترقا (٤). فأنشأت تقول:
أتينا أخا طسمٍ ليحكمَ بيننا … فأنفذَ حكماً في هزيلة ظالما
لعمري لقد حكِّمتَ لا متورِّعا … ولا كنتَ فيما تبرم الحكمَ عالما
ندمتُ ولم أندمْ وأبتُ بعبرتي … وأصبح بعلي في الحكومة نادما
فلما سمع عمليق قولها أمر ألا تزوج بكر من جديس فتهدى إلى زوجها إلا يؤتى بها عمليق فيفترعها هو قبل زوجها. فلقوا من ذلك جهداً وذلا ولم يزل يفعل ذلك أربعين سنة فيهم، حتى زوجت الشموس عفيرة بنت عفار الجديسية، أخت الأسود الذي وقع إلى جبلى طيّئ وسكنوا الجبلين بعده، فلما أرادوا أن يهدوها إلى زوجها وانطلقوا بها إلى عمليق لينالها قبله، ومعها الوليدات يتغنين ويقلن:
أبدي بعمليقٍ وقومي فاركبي … وبادري الصُّبح بأمرٍ معجبِ
فسوف تلقين الذي لم تطلبي … وما لبكرٍ عنده من مهربِ
فلما دخلت عليه افترعها، وخلى سبيلها، فخرجت إلى قومها في دمائها، شاقة درعها عن قبلها ودبرها، وهي تقول:
стр. 15
لا أحدٌ أذلَّ من جديس … أهكذا يفعل بالعروس
يرضى بهذا يا لقوم حرُّ … أهدى وقد أعطى وسيقَ المهر (١)
لأخذةُ الموتِ كذا من نفسهِ … خيرٌ منَ أنْ يفعلَ ذا بعرسه
ثم قالت تحرض قومها فيما أتى عليها (٢):
أيصلح ما يؤتى إلى فتياتكم … وانتمْ رجالٌ فيكم عدد النَّمل
وتصبح تمشى في الدماء صبيحةٌ (٣) … عشيّةَ زفَّت في النساء إلى بعل
فإنْ أنتم لم تغضبوا بعد هذه … فكونوا نساءً لا تغبُّ من الكحلِ (٤)
ودونكمُ طيبَ العروس فإنَّما … خلقتم لأثواب العروس وللغسلِ (٥)
فلو أنَّنا كنا رجالاً وانتمُ (٦) … نساءٌ لكنّا لا نقيم على الذلِّ
فبعداً وسحقاً للذي ليس دافعاً (٧) … ويختال يمشي بيننا مشيةَ الفحلِ
فموتوا كراماً أو أميتوا عدوَّكم … ودبُّوا لنار الحرب بالحطب الجزل
فلما سمع ذلك أخوها الأسود، وكان سيدا مطاعاً، قال لقومه: يا معشر جديس، إن هؤلاء القوم ليسوا بأعز منكم في داركم، إلا بما كان من ملك صاحبهم علينا وعليهم وانتم أذل من النيب (٨)، ولولا عجزنا لما كان له فضل علينا، ولو امتنعنا كان له منه النّصف (٩)، فأطيعونى فيما آمركم به؛ فإنه عز الدهر وذهاب ذل العمر، واقبلوا رأيي. وقد أحمس جديساً قولها، قالوا: نطيعك،
стр. 16
ولكن القوم أكثر منا عدداً وأقوى. قال: فإني أصنع للملك طعاماً، ثم أدعوهم إليه، فإذا جاءوا يرفلون في حللهم متفضلين (١) مشينا إليهم بالسيوف فقتلناهم، فأنفرد أنا بالعمليق، وينفرد كل واحد بجليسه. فاجتمع رأيهم على ذلك.
وإن الأسود اتخذ طعاماً كثيراً، وأمر القوم فاخترطوا سيوفهم، ودفنوها في الرمل تحتهم، ودعا القوم فجاءوا يرفلون في الحلل، حتى إذا أخذوا مجالسهم ومدوا أيديهم إلى الطعام أخذوا سيوفهم من تحت أقدامهم، فشد الأسود على عمليق وكل رجل على جليسه حتى أناموهم (٢)، فلما فرغوا من الأشراف شدوا على السفلة فأفنوهم، فلم يدعوا منهم شطراً، فقال الأسود:
ذوقي ببغيك يا طسمٌ مجلَّلةً … فقد أتيتِ لعمري أعجبَ العجبِ
إَّنا أتينا فلم ننفكَّ نقتلهم … والبغي هيَّجَ منَّا سورةَّ الغضب
فلن يعودَ علينا بغيهم أبداً … ولن يكونوا لدى أنفٍ ولا ذنب (٣)
ولو رعيتم لنا قربى مؤكَّدةً … كنَّا الأقاربَ في الأرحامِ والنَّسبِ
ومنهم أيضاً:
الأسود بن عفار
هذا، وكان هرب من حسان بن تبع، حين استغاثه الطسمي، فغزا جديساً فقتلها، وأخرب جوا (٤)، فمضى الأسود فأقام بجبلي طيئ قبل نزول طيئ إياهما.
стр. 17
وكان سبب قتله أن طيئاً كانوا يسكنون الجوف (١) من أرض اليمن، وهو اليوم محله مراد وهمدان، وكان مسكنهم وادياً يدعى ظريباً (٢)، وكان سيدهم يومئذ أسامة بن لؤي (٣) بن الغوث بن طيئ، وكان الوادي مسبعة (٤) وهم قليل عديدهم (٥)، وقد كان ينتابهم بعير في أزمان الخريف، فيضرب في إبلهم، فإذا انقطع الخريف لم يدر أين يذهب، ولم يروه إلى قابل. وكانت الأزد قد خرجت من اليمن أيام العرم (٦) فتفرقت، فاستوحشوا لذلك، وقالوا:
قد ظعن إخوتنا فصاروا إلى الأرياف. فلما هموا بالظعن قالوا: يا قوم، إن هذا البعير الذي يأتينا، من بلد ريف وخصب، وإنا لنصيب في بعره النوى، ولو أنا تعهدناه عند انصرافه فشخصنا معه لعلنا نصيب مكاناً خيراً من مكاننا هذا.
فأجمعوا أمرهم على ذلك. فلما كان الخريف جاء الجمل فضرب في إبلهم، فلما انصرف احتملوا فتبعوه، فجعلوا يسيرون بسيره، ويبيتون حيث يبيت، حتى هبط بهم على الجبلين، فقال أسامة بن لؤي:
اجعلْ ظريباً كحبيبٍ ينسى … لكلِّ قومٍ مصبحٌ وممسي
فهجمت طيئ على النخل في الشعاب، ومواش كثيرة وحشية كانت لقوم من جديس، وإذا هم برجل في شعب من تلك الشّعاب، وهو الأسود بن عفار،
стр. 18
فها لهم ما رأوا من عظم خلقته وتخوفوه، فنزلوا ناحية من الأرض، [وسبروها هل يرون بها أحداً غيره؟ فلم يروا، فقال (١)] أسامة بن لؤي لابن له يقال له الغوث: أي بني، إن قومك قد عرفوا فضلك عليهم في الجلد والبأس والرمي، فإن كفيتنا هذا الرجل سدت قومك آخر الدهر، وكنت أنت الذي أنزلتنا هذا البلد. فانطلق الغوث حتى أتى الرجل فكلمه وساءله، فعجب الأسود من صغر خلق الغوث (٢)، فقال له: من أين أقبلتم؟ قال: من اليمن. وأخبره خبر البعير، وأنا رهبنا ما رأينا من عظم خلقك. فشغلوه بالكلام، وختله الغوث فرماه بسهم فقتله، فأقامت طيئ بالجبلين.
ومنهم:
عامر الضحيان (٣)
بن سعد بن الخزرج بن تيم الله بن النمر بن قاسط، وكان صاحب مرباع ربيعة بن نزار، ومنزلها في نجعها، وحكمها في خصوماتها، وكانت ربيعة تغزو المغازي وهو في منزله، فتبعث له نصيبه ولنسائه حصة، إعظاماً له، فمكث بذلك حيناً، وفي ذلك قول بعضهم:
تعجبني أسدٌ ضارياتٌ … ويأكل مرباعهنَّ الضَّبع (٤)
تمارس عنَّا بصمِّ القنا … لشيخ (٥) أمامة أن يضطجع
وكان أعرج. وأنه شرب الخمر فاشتهى لحما، فذكرت له نعجة غربية (٦)
стр. 19
لكعب بن الحارث بن عامر بن عبد القيس، كانت امرأته مرضت فخلفها ظئراً لابنه، فبعث إليها الضحيان فذبحها وكعب غائب، فرجع كعب فرأى ابنه يضغو جوعاً، فسأل عن النعجة فأخبروه أن الضحيان أكلها، فخرج بحربته حتى انتهى إلى منزله ليلاً فصرخ به فقالت له امرأته: الذي يدعوك يريد قتلك، فلا تخرج إليه! فقال: لو دعي عامر لطعنة أجاب! وخرج فبدره كعب فأوجره الحربة (١) فقتله.
ومنهم:
عبدة بن مرارة
بن سوار بن الحارث بن سعد بن مالك بن ثعلبة بن. . . . . . . . (٢). وهلال بن أمية الخزاعي، فحبا الأسدي حباء كثيراً، ولم يحب هلالا شيئاً فأقفلا (٣) حتى إذا كانا بواد يقال له وادي طفيل مالا إليه، فنزلا، فغدا الخزاعي على عبدة بن مرارة وهو راقد فقتله، وأخذ ما حبي به. فلما قدم سئل عنه فقال: مات! فصدقوه، واشترى بما أخذ منه إبلاً وخيلا.
فتغنى يوماً الخزاعي وقد أخذ فيه الشراب:
أبلغْ بني أسدٍ بأنَّ أخاهم … بلوى طفيل عبدة بن مراره (٤)
стр. 20
يؤتى فقيرهم ويمنع ضيمهم … ويريح بعد المعتمين عشارة (١)
فلما سمعت بذلك بنو أسد نهضوا إلى بني كنانة فقالوا. حليفكم هذا قتل أخانا، فإن تدوه دية الملوك نقبل، وإن تأبوا نقتل! فودوه دية الملوك:
ألف بعير.
ومنهم:
زهير بن عبد شمس
من بني صيفي بن سبأ الأصغر، وقتلته بلقيس بنت [اليشرح بن ذي جدن بن يشرح بن الحارث بن قيس بن (٢)] صيفي.
وكان سبب ذلك أنه كان ملكاً، فعلا في مملكته وتكبر، وجعل يعتذر النساء قبل أزواجهن، كما كان يفعل عمليق، حتى أدركت بلقيس فقالت لأبيها: إن هذا الرجل قد فضح نساءكم فائته فقل له: إن لي بنتاً قد أعصرت (٣)، وليس في قومها شبيه لها حسناً وجمالاً. فإن قال لك: فابعث بها إلي، فقل: إن مثلي في شرفي ونسبي لا تعتذر ابنته إلا في بيته! فأتاه فذكر ذلك له، فلما قال له: ابعث بها قال له ما علمته ابنته، فقال له: كيف بنزلى
стр. 21
ونزل من معي من أصحابي (١)؟ فقال: ما أحملني لنزل الملك، وأشد سروري به، لأ [نّها (٢)] مكرمة لي، ويد وضعها الملك عندي. فأجابه إلى إتيانه، ولم يجب إلى ذلك غيره فأتي داره فزخرفها وزخرف أبياتاً ثلاثة بأحسن ما يكون من زينة ذلك الزمان، وحشد لنزله، ثم أتاه فأعلمه بالفراغ، فركب فأتاه وقد أدخلت بلقيس نفراً من أقاربها بأسلحتهم. ولما دخل البيت الأول أعجبه ما رأى من هيئته، ثم دخل البيت الثاني فكان أحسن، ثم دخل الثالث وفيه بلقيس في حليها وحللها مع جمالها، فلما استلقى على الفراش، وأخرج حرسه وأجناده (٣)، وأمر بالباب فأغلق دونه - وكان معه المقاول - قالت للنفر:
اخرجوا. فخرجوا فقتلوه. ثم أرسلت إلى رجل آخر من مقاولته وخواصّه، تدعوهم فيقتلونهم، ولا يظنّ من يرسل إليه إلّا أنّ الملك يدعوه، حتّى أتت على آخرهم. ثم أرسلت إلى أبيها وقومها فخرجت إليهم وقالت: هذا الخبيث قد فضح نساءكم وجعلكم شهرة في الناس قد أراحكم الله منه، فدونكم ملكوا من شئتم. فقالوا بأجمعهم: ما أحد أولى بهذا منك! فملكوها عليهم فملكتهم، حتى كان من أمر الهدهد وسليمان ﵇ ما كان.
стр. 22
ومنهم:
الحارث بن كعب
وقتله ضبة بن أد (١).
وسبب ذلك أن ضبة تفرقت إبله تحت الليل، وكان له ابنان: سعد وسعيد، فخرجا يطلبانها، فتفرقا في طلبها، فجاء بها سعد ولم يرجع سعيد، فأنى على ذلك ما شاء اللّه أن يأتي، لا يرى سعيداً ولا يعلم له خبراً.
ثم إن ضبة بعد ذلك بينا هو يسير والحارث بن كعب في الأشهر الحرم وهما يتحدّثان، إذ مرّا على سرحة (٢) بمكان، فقال له الحارث: أترى هذا المكان فإني لقيت به شاباً من هيئته كذا وكذا - فوصف له صفة سعيد - فقتلته وأخذت برداً كان عليه، من صفة البرد كذا وكذا! فوصف له صفة البرد وسيفاً كان عليه. فقال ضبة: فما صفة السيف؟ قال: ها هو ذا علي. قال ضبة:
فأرني السيف. فأراه إياه، فعرفه فضربه حتى قتله. ولام الناس ضبة فقالوا:
قتل رجلاً في الأشهر الحرم! فقال ضبة: «سبق السَّيف العذل (٣)»! فصارت مثلا.
стр. 23
ومنهم:
داود بن هبالة
بن عمرو بن [عوف بن ضجعم بن (١)] سعد بن سليح (٢) بن حلوان ابن عمران بن الحاف بن قضاعة. وكان أول ملك الروم بالشام على عهده.
وذلك أنه كان ملكاً فغلبه ملك الروم على ملكه، فصالحه داود على أن يقره في منازله ويدعه فيكون تحت يده، ففعل فكان يغير بمن معه، ثم تنصر وكره الدماء وبنى ديراً، فكان ينقل الطين على ظهره والماء، فسمي «اللثق»، فنسب الدير إليه، وأنزله الرهبان فلما تعبد اجترئ عليه فقال له ملك الروم: اغز بمن معك من العرب فلم يجد بداً من أن يفعل، فغزا فكان على خيله جعفر بن صبح التنوخي، وكان معه في جيشه زهير بن جناب (٣) ابن هبل الكلبي، فغزا عبد القيس، فقتل زهير بن جناب هدّاج بن مالك ابن عامر بن الحارث بن أنمار بن عمرو بن وديعة بن لكيز بن أفصى (٤) ابن عبد القيس، وأغار في وجهه على [بكر (٥)] بن وائل فقتل زهير أيضاً هداج بن مالك بن تيم الله بن ثعلبة بن عكابة (٦)، فقال حذار (٧) بن ظالم بن ذهل بن عجل العبدي:
стр. 24
لعمري لقد أردت سيوفُ ابن ضجعمٍ … غداةَ التقوا منَّا خطيباً وياسرا (١)
أهانَ الرِّجال بعده فكأنما … يرى بالرِّجال الصَّالحين الأباعرا
فلا تبعدن إمَّا لقيتَ ابنَ مالكِ … سبيلَ التي فيها لقيت المعاذرا
وقال زهير بن جناب:
فجَّعتُ عبدَ القيس أمسِ بجدِّها … وسقيتُ هدَّاجاً بكأسِ الأفرل (٢)
ثم أقبل داود حتى إذا كان بناحية الرقم تذاكر رجال من قضاعة ما دخلهم من الذل لصنعه الذي صنعه بنفسه، فتواعد رجلان من قضاعة على قتل داود، أحدهما ثعلبة القائل بن (٣) ........ زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب (٤)، والآخر معاوية بن حجيو بن حي بن وائل بن أمر مناة (٥) بن مشجعة بن التيم بن النمر بن وبرة، أخو كلب بن وبرة. فأقبل داود يسير ليلاً وأمامه شمعة وهو منصرف إلى الشام، حتى انتهى إلى موضع يقال له برقة حارب، فتقدما إلى الشمعة فأطفآها (٦) وشدا عليه فقتلاه، فقال عبد العاص بن ثعلبة التنوخي يرثيه:
لعمري لنعم المرءُ من آل ضجعمٍ … ثوى بين أحجار ببرقةِ حارب (٧)
أصابتك ذؤبان الحليفين عامرٍ … ومشجعةَ الأوباشِ رهطِ ابن قارب
فتىً لم تلده بنت عمِّ قريبة … فيضوى وقد يضوى وليدُ القرائب (٨)
فتى ليسَ بالراضي بأدنى معيشةٍ … وليس له ذو العجز يوماً بصاحب
стр. 25
وقال ثعلبة القاتل، قاتله:
نحن الأولى أردتْ ظباتُ سيوفنا … داودَ بين البرقتينِ فحاربِ
خطرتْ عليه رماحنا فتركنه … لمَّا شرعنَ له كأمسِ الذّاهب
وكذاك إنَّا لا تزالُ رماحنا … تنفي العدى وتفيد رغب الراغبِ
كانت لداود ابنتان يقال لهما أمرعة، وأشعرة، وكان حلّفهما بالشام، فقدم عبد العاص التنوخيّ الشام، فبعثت إليه أمرعة تسأله عن أبيها، فعرض لها فلم تفهم، فقال:
حدِّث حديثين أمرعةْ (١) … فإن أبتْ فأربعة
ثم أدعها يا فوزعه … إلى الحديث والدَّعه
ألا تراها مقنعة … وخيلها مسلَّعةْ
في كلِّ عامٍ شعشعه … من عامرٍ ومشجعة
ثم أرسلت إليه أشعرة فحكى لها فلم تفهم، فقال:
حدِّث حديثين أشعرة … فإن أبت فعشرة
يا ربِّ خيلٍ مضمرة (٢) … وغارةٍ محذفرة (٣)
وحلَّةٍ محبَّرة … بين لوى ...... (٤)
ففهمتا قوله فشقتا جيبيهما، وحلقتا رءوسهما، فهما أول من فعل ذلك من العرب.
فوزعة، الذي ذكر: فوزعة بن سلمة بن وثاق بن عمرو بن عوف
стр. 26
ابن ذهل بن حذيى بن الدها بن غشم بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، وكان رسولا لهما.
ومنهم:
همام بن مرة
بن ذهل بن شيبان، قتله ناشرة بن أغواث.
وكانت أم ناشرة هذا هند بنت معاوية بن الحارث بن بكر بن حبيب، وكانت جارة لهمام، فأرادت أن تلد، فاجتمع إليها النساء، فسمعهن همام يقبلنها (١) يقلن: قد جاء، قد جاء! يعنين الولد. فقالت أمّه: ادققن عنقه.
فقال لها همام: ويحك لا تفعلي. قالت: وما يعيشه؟ قال همام: أمة تعيشه، ولقحة، وجمل ذلول. قالت: بلى فأعطاها إياها.
فلما كان يوم واردات - وهو من أيام حرب البسوس - خرج همّام يسقى الناس الماء واللبن، فأبصره ناشرة فختله فطعنه فقتله، وهرب فلحق بقومه، فقالت أم ناشرة:
لقد عيّل الأيتام طعنة ناشره … أناشر لا زالت يمينك آشره (٢)
стр. 27
ومنهم:
جساس بن مرة
ابن ذهل بن شيبان، وهو قاتل كليب بن ربيعة. وكانت أخته تحت كليب، فقتل عنها وهي حامل، فرجعت إلى أهلها، ووقعت الحرب - حرب البسوس - فكان منها ما كان من القتل، ثم صاروا إلى الموادعة، بعد ما كادت تتفانى القبيلتان، فولدت أخت جساس غلاماً فسمته الهجرس، فرباه جساس فلم يعرف أباً غيره، وزوجه ابنته، فوقع بين الهجرس وبين رجل من بكر بن وائل كلام، فقال له البكري: ما أنت بمنته حتى نلحقك بأبيك.
فانصرف الهجرس حتى دخل على امرأته بنت جساس مهموماً، فسألته عما به، فخبرها الخبر. فلما أوى إلى فراشه ووضع انفه بين ثدييها وتنفس الصعداء تنفسة تنفط منها ما بين ثدييها، فقامت الجارية فزعة قد أقلتها رعدة حتى دخلت على أبيها فحدثته الحديث، وقصت عليه قصة الهجرس، فقال جساس: ثائر ورب الكعبة! وبات على مثل الرضف (١) حتى أصبح، فأرسل إلى الهجرس، فأتاه، فقال له: إنما أنت ولدي وختني، وبالمكان الذي قد علمت، وقد زوجتك ابنتي وأنت معي، وقد كانت الحرب في أبيك زماناً طويلا حتى كدنا نتفانى، وقد اصطلحنا وتحاجزنا، وقد رأيت أن تدخل فيما دخل فيه الناس من الصلح، وأن تنطلق معي حتى آخذ عليك مثل ما [أخذ (٢)] علينا وعلى قومك.
فقال الهجرس: أنا فاعل، ولكن مثلي لا يأتي قومه إلا بلامته وفرسه! فحمله جساس على فرس، وأعطاه لأمة ورمحاً، فخرجا حتى أتيا جماعة من قومهما،
стр. 28
فقصّ عليهم جساس ما كانوا فيه من البلاء، وما صاروا إليه من العافية، ثم قال: وهذا ابن أختي قد جاء ليدخل فيما دخلتم فيه، ويعقد ما عقدتم. فلما قربوا الدم وقاموا إلى العقد أخذ الهجرس بوسط رمحه ثم قال: «وفرسي وأذنيه، ورمحى ونصليه، وسيفي وغربيه، لا يترك الرجل قاتل أبيه وهو ينظر إليه!».
ثم طعن جساسا فقتله ولحق بقومه، فكان آخر قتيل في بكر بن وائل.
ومنهم:
عمرو وإخوته، بنو الزبان الذهلي
وكان سبب ذلك أن كثيف بن التغلبي انهزم في بعض أيام بكر وتغلب، فألظ به (١) مالك بن كومه (٢) الشيباني، وكان مالك رجلاً نحيفاً، وكان كثيف رجلاً أيداً، فلما لحقه ابن كومة اقتحم عن فرسه (٣) لينزل إليه مالك فيقهره بفضل قوته وبدنه، فأوجره مالك الرمح وقال: والله لتستأسرن أو لأنفذنك به! فاستأسر، ولحقه عمرو بن الزبان (٤) فقال: أسيري! وقال مالك: أسيري! فقالا لكثيف: لقد حكمناك (٥) في نفسك. فقال كثيف: لولا مالك لألفيت في أهلي! فغضب عمرو بن الزبان، فلطم خد كثيف، فقال مالك: تلطم خد أسيري يا كثيف؛ فإني قد جعلت فداءك لك بلطمة عمرو خدك. وأطلقه. فحرم كثيف النساء والخمر حتى يثأر من عمرو لطمته، فوضع عليه العيون، فأتاه رجل من غفيلة بن قاسط، فقال: ألا أدلك على بني الزبان، فقد نتجوا ناقة حواراً واشتووه وهم يأكلون، وكانت ندت لهم إبل فخرجوا في طلبها فردّوها. فقام كثيف
стр. 29
بضعف عدتهم، وقال: مروا بجانبهم فإذا دعيتم إلى الطعام فليكتنف كل (١) رجل منهم رجلان منا. فمروا بالقوم وهم على طعامهم فدعوهم إلى الطعام فأقبلوا، ففعلوا ما أمروا به، فلما حسر كثيف العمامة عن وجهه قال له عمرو: يا كثيف، هذا خدي فالطمه ففيه وفاء من خدك، وما في بكر بن وائل أكرم منه. قال:
لا، حتى أقتلك. قال: فدع هؤلاء الفتية الذين لم يتلبسوا من الحروب بشئ.
قال: فأبى، فقتلهم أجمعين، وبعث رؤوسهم في غرارة، وعلقها في عنق «الدهيم» ناقة عمرو بن الزبان.
ومنهم:
عمرو بن مسعود، وخالد بن نضلة، الأسديان
وكانا يفدان على المنذر الأكبر اللخمي في كل سنة، فيقيمان عنده وينادمانه.
وكانت أسد وغطفان حلفاء لا يدينون للملوك، ويغيرون عليهم، فوفدا سنة من السنين ومعهما سبرة بن عمير الشاعر الفقعسي، وحبيب بن خالد، فنادم المنذر عمرو وخالد بن نضلة، فقال المنذر يوماً لخالد، وهم على الشراب: يا خالد، من ربك؟
فقال خالد: عمرو بن مسعود ربّى وربّك. فأمسك عليهما (٢)، ثم قال لهما بعد:
ما يمنعكما من الدخول في طاعتي، وأن تذبوا عني كما ذبت تميم وربيعة (٣)؟
فقالا: أبيت اللعن، هذه البلاد لا تلائم مواشينا، ونحن مع هذا قريب منك، نحن بهذا الرمل، فإذا شئت أجبناك. فعلم أنهم لا يدينون له. وقد سمع من خالد الكلمة الأولى، فأومأ إلى الساقي فسقاهما سما، فانصرفا من عنده من
стр. 30
السّكر على خلاف ما كانا ينصرفان، فلما كانا في بعض الليل أحس حبيب ابن خالد بالأمر، لما رأى من شدة سكرهما، فنادى خالداً فلم يجبه، فقام إليه فحركه فسقط بعض جسده، وفعل بعمرو مثل ذلك، وكان حاله كحال خالد، فأصبح المنذر نادماً على قتلهما، فغدا عليه حبيب بن خالد فقال: أبيت اللعن، أسعدك الأهل، نديماك وخليلاك تتابعا (١) في ساعة واحدة. فقال له: يا حبيب أعلى الموت تستعدينى، وهل تراني إلا ميتاً (٢) وأخا ميت وأبا ميت؟ ثم أمر فحفر لهما قبران ودفنا فيهما، وبنى عليهما منارتين، وهما الغريان، وعقر على كل قبر خمسين فرساً وخمسين بعيراً، وغرّاهما بدمائهما، وجعل يوم نادمهما (٣) يوم نعيم، ويوم دفنهما يوم بؤس. وقال الشاعر (٤) فيهما:
ألا بكر النّاعى بخيريْ بني أسدْ … بعمرو بن مسعودٍ وبالسيِّد الصمدْ
يشقّ بصحراء الحبيل له الثَّرى … وما كنت أخشى أن يزار به بلدْ (٥)
ومنهم:
خالد بن جعفر بن كلاب
وكان وفد على الأسود بن المنذر الأكبر، ووفد الحارث بن ظالم المرى.
وقد كان خالد قتل زهير بن جذيمة بن رواحة العبسي، وكان سيد غطفان،
стр. 31
فقدم إليهما تمر (١) على نطع، فجعلا يأكلان، فقال خالد للملك: أبيت اللعن، من هذا؟ قال له (٢): هذا الحارث بن ظالم. فقال خالد للحارث: يا حارث، ما أحسبني إلا حسن البلاء عندك فكيف شكرك لي؟ فقال الحارث: وما بلاؤك عندي؟ قال: قتلت عمك فسدت قومك (٣). قال: سأجزيك به.
وجعل الحارث ينبث (٤) التمر بيده ولا يبصر، غضباً. فقال خالد: مالك تنبث التمر، أيتهن تريغ؟ فقال الحارث: على أيتهن تخافني؟ فأمر الملك برفع التمر، وقام الحارث فانصرف إلى رحله، فقال الأسود: لم تعرضت لهذا الكلب وأنت جاري؟ فقال خالد: أبيت اللعن، هذا أحد عبيدي. فلما كان الليل بعث الأسود بجارية له، معها عس ضخم مملواً (٥) خمراً إلى الحارث وقال له:
يقول لك الملك: عزمت عليك لما شربت هذا - يريد أن يسكره فينام - فأخذه الحارث كأنه يشربه، فسفحه بين ثوبيه وجسده. فلما مضى هني (٦) من الليل قام إلى قبة خالد وقد أشرجت عليه، فهتك شرجها ودخل عليه فقتله واغترز في رحله ومضى (٧).
стр. 32
ومنهم:
الفطيون
وهو عامر بن عامر بن ثعلبة بن حارثة (١)، وكان يهودياً، وكان عزيزاً بيثرب ممتنعاً، وكان يعتذر النساء قبل أزواجهن، وكانت يثرب قد دانت له؛ فلم تزل تلك حاله حتى زوجت أخت مالك بن العجلان بن زيد الخزرجي ثم القوقلي (٢)، وهو يومئذ شاب، فلما كان يوم جلائها وأجلست على منصتها قامت على المنصة، فخرجت على نادي قومها كاشفة عن ساقها. فلما رآها مالك وثب فقال: أي عدوة الله، تخرجين على قومك كاشفة عن ساقيك، سوأة لك! فقالت: سوأة لك! فالذي يراد بي أقبح مما صنعت. إنه يذهب بي إلى غير زوجي فيصيبني! فارتاع مالك وقال: صدقت والله فهل فيك خير؟
قالت: ينبغي أن يكون الخير عندك. فلما ذهب بها لبس مالك لبسة النساء واشتمل على سيف صارم، ودخل مع النساء فانكمى في داخل البيت، فلما خرج النساء وخلا الفطيون مع المرأة خرج عليه مالك فضربه بالسيف حتى برد، وأخذ بيد أخته فخرج بها مع نسائها، وتصايحت يهود، وطلبوا مالكاً، فامتنع بقومه، ثم خرج هارباً ومعه عدة من الأوس والخزرج حتى قدموا على أبي جبيلة ملك غسان، فأعلموه غلبة يهود عليهم وفعلهم، فقدم أبو جبيلة بيثرب واتخذ
стр. 33
طعاماً ودعا إليه أشراف يهود والأوس والخزرج، فلما طعموا جعل يدفع إلى الرجل سيفاً فيضطربان به، حتى قتل بهذا الفعل مائة من أشراف اليهود، فكان الرجل يقتل أخاه وابن عمه، ثم انصرف راجعاً إلى الشام، فقويت الأوس والخزرج عليهم.
ومنهم:
لخنيعة (١) ينوف ذو شناتر الحميري
وكان ملك اليمن، ولم يكن من أهل المملكة، وإنما كان ملكهم حين قتل موثبان أخاه، فاضطرب أمرهم حتى ملكهم لخنيعة، وكان فاسقاً يعمل عمل قوم لوط، وكان يبعث إلى أبناء الملوك فيلوط بهم، وكانت حمير إذا ليط بالغلام لم تملكه ولا ترتفع به (٢)، وكانت له مشربة فيها كوة تشرف على حرسه، فإذا أتاه الغلام ينكحه قطعت مشافر ناقته وذنبها، ثم يطلع لخنيعة من الكوة وفي فيه مسواكه فهي علامة نكاحه إياه، فإذا نزل الغلام صاحوا به: أرطب أم يباس (٣)؟ فمكث كذلك زماناً حتى نشأ زرعة وهو ذو نواس، وكانت له ذؤابة فبها سمي ذو نواس، وهو الذي تهود وتسمى يوسف، وهو صاحب الأخدود بنجران، وكانوا نصارى فحرقهم وحرق الإنجيل، وهدم الكنائس على أن يهودوا، فبسببه غزت الحبشة اليمن، وذلك لأن الحبشة نصارى، فلما علت الحبشة على اليمن (٤) اعترض البحر فأقحمه فرسه فغرق. فلما نشأ زرعة هذا
стр. 34
قيل له: كأنك بالملك قد دعاك فيلعب بك كما لعب بغيرك! فاتخذ سكيناً رقيقاً (١) فلما بعث إليه لخنيعة يدعوه عرف ما يريد، فجعل السكين بين أخمصه ونعله، وأتاه على ناقة له يقال لها سراب، فأناخها ثم صعد إليه، فلما صعد زرعة قام إليه كما كان يقوم لغيره، وذهب يعالجه، فانحنى زرعة وأخذ السكين فوجأ به بطنه (٢) بجرأتهم عليه، فأقبل الحيّان شاكر ونهم إلى زيد بن مرت فقالوا: أنت سيدنا وأنت نديم الملك وجليسه، وقد آلى بما تعلم، وو اللّه لا يصل إلى إخواننا ومنّا رجل حي، فسله فليصفح. فقال: إنه قد آلى، ولا يرجع عن أليّته. قالوا:
فإن أبى فاقتله ونحن نملّكك علينا. قال: لا تعجلوا وأمهلوا حتى أرى لذلك (٣) موضعاً. فأمسكوا. قال (٤): فبينا زيد جالس مع علقمة إذ جرى ذكر السيوف، فقال علقمة: عندي سيف كان لأجدادي إليه الميل. فقال له زيد: أبيت اللعن، ادع به لأنظر إليه. فدعا به، فنظر إليه علقمة ساعة ثم ناوله زيداً، فنظر إليه وإذا فيه مكتوب: «ضرس العير، سيف الجبر (٥)، باست امرئ وقع في يده لم
стр. 35
يغضب لقومه» فهزّه زيد ساعة ثم ضربه به فقتله، ووثبت همدان فألبسوه التاج وملكوه عليهم. وفي ذلك يقول شاعرهم:
فيمَّم ضرسَ العير مفرق رأسه … فخرَّ ولم يثبتْ لحقِّك باطله
فلم أرَ يوماً كان أكثر باكياً … غداة غدا ملْ بونِ تحدى رواحله
وغادره يكبو لحرِّ جبينه … وورِّث زيداً تاجه وحلائله
ومنهم:
الصمة الأكبر
وهو مالك بن بكر بن علفة بن جداعة، أخو بني جشم بن معاوية بن بكر ابن هوازن (١)، وكان غزا بني قيس بن حنظلة، من البراجم، فأسره الجعد بن الشماخ البرجمي وفض أصحابه، فمكث عنده عاماً لا يفدى، فلما طال ذلك عليه جعل يأتيه في كل رأس شهر بأفعى فيقول: والله لتفدين أو لأعضنها بك! فلما طال ذلك عليه قال: يا هذا إن قومي لا أراهم يفدونني، فجزّ ناصيتي على الثواب. ففعل وأطلقه.
ثم إن الجعد أتاه يستثيبه، فقدمه فضرب عنقه، فأتى على ذلك ما شاء الله.
ثم أن الصمة حضر الموسم، فاتفق الصمة وأبو مرحب ثعلبة بن حصبة بن أزنم بن ثعلبة بن يربوع، عند حرب بن أمية، فقدم إليهما سويقاً وتمراً، فجعل الصمة يأكل ويلقي النوى بين يدي ثعلبة، فقال: ويحك يا ثعلبة، أكلت التمر كله؛ أما ترى النوى بين يديك؟! فقال له ثعلبة: إني كنت ألقى النوى، وأنت تأكل التمر بنواه، فلذلك عظم بطنك. فقال الصمة: إنما عظم بطني
стр. 36
دماء قومك ابن (١) الجعد بن الشماخ. فقال أبو مرحب: ما فخرك برجل أسرك ومن عليك ثم أتاك مستثيبا فقتلته؟ إن لله على أن لا أراك في غير هذا الموضع إلا قتلتك أو مت دونك! فافترقا.
ثم إن الصمة غزا بني تميم فهزم أصحابه، وأسر هو وابنه معه وبعض أصحابه، أسره الحارث بن بيبة (٢) المجاشعي جدّ البعيث الشّاعر. فقال الصمّة للحارث بن بيبة: سربى في بلادك حتى أفتدي أصحابي. وكانت الحجرة لبنى رياح بن يربوع، إليها تجتمع بنو حنظلة في أمورها، فجاء الحارث مردما الصمة حتى إذا نزل رآه أبو مرحب، فدخل بيته واشتمل على السيف، ثم خرج والناس غافلون، فضرب به بطن الصمة فقتله، وصاح الحارث: يال دارم! قتل أسيري في يدي! فثارت يربوع ودارم، فكاد يقع القتال بينهم، فسفرت السفراء بينهم، وأرضي الحارث بن بيبة من الصمة فسكنوا.
ومنهم:
عدي بن زيد
بن أيوب بن حمار (٣) العبادي الشاعر، أحد بني امرئ القيس بن زيد مناة بن تميم، وكان كاتباً لكسرى على ما يجتبى من الغور، وكان هو سبب ملك النعمان بن المنذر اللخمي.
وكان لعدي بن زيد عدو من أهل الحيرة يقال له عدي بن مرينا. فلم يزل يلاطف النعمان حتى غلب على سمره ونزل منه أحسن منزلة، فجعل يبغي عدي بن زيد الغوائل، ويحمل النعمان عليه حتى وغر صدره، فكتب إلى
стр. 37
كسرى يستزيره متشوقاً إليه (١)، فأذن كسرى لعدي في زيارته، فلما بلغ النعمان خروج عدي إليه أجلس له قوماً فأخذوه قبل أن يصل إليه، فمضوا به إلى الصنين (٢) فحبسه هناك، فقال عدي بن زيد شعره (٣) كله أو أكثره في الحبس.
ثم إن أخاه كلّم كسرى، فوجّه كسرى رجلاً يخرجه من السجن. فلما أتاه الرجل بدأ بالسجن فدخله، ثم رجع إلى النعمان بكتاب كسرى في أمره، فوثب أعداؤه عليه فغمّوه حتى مات، وكتب إلى كسرى إنه مات قبل وصول كتاب الملك، وأوصى الرسول فستر أمر عدي، ووافق كتاب النعمان.
ومنهم:
عروة الرحال (٤) بن عتبة
بن جعفر بن كلاب. وسبب قتله أن النعمان بن المنذر كان يوجه في كل موسم بعير تحمل التجارات تباع له في الموسم، فكان بلعاء بن قيس يعرض لها، فكان يجيرها له بعض أشراف العرب الأعزاء، فحضر عروة الرحال النعمان، وقد جهز عيره وجلس في فنائه وعنده وفود العرب، وحضر البرّاض الكناني وكان خليعاً فاتكاً، فقال النعمان: من يجير هذه العير؟ فقال البراض: أنا أجيرها.
فقال له عروة: أنت تجيرها على أهل الشّيخ والقيصوم؟ إنما أنت كالكلب
стр. 38
الخليع - وكان البراض رث الهيئة ومعه سيف قد أكل غمده: أنت أضيق استاً من ذلك، ولكني أيها الملك أجيرها من الحيين. يريد قيساً وخندف.
فقال البراض: أنت تجير على أهل تهامة؟ فلم يلتفت النعمان إلى قوله وازدراه ودفعها إلى عروة؛ فخرج بالعير، وخرج البراض في أثره حتى إذا كان ببعض الطريق أدركه البراض، فتقدم أمام عيره وأخرج الأزلام يستقسم بها (١)، فمر به عروة فقال: ما تصنع؟ فقال: أستخير في قتلك. فضحك ولم يره شيئاً. ثم سار عروة حتى انتهى إلى أهله دوين الجريب (٢) على ماء يقال له أوارة، فأنزل اللطيمة وسرحوا الظهر (٣). وقد كان البراض يبتغي منه غرة فلم يقدر عليها حتى صادفه نصف النهار في ذلك اليوم، وهو نائم وحده في قبّة من أدم، فدخل عليه فقتله ومضى.
ومنهم:
كعب بن عبد الله النمري
وكان المنذر ذو القرنين بن ماء السماء (٤) دعا ذات يوم الناس فقال: من يهجو الحارث بن جبلة الغساني؟ فدعا حرملة بن عسلة الشيباني، فيمن دعا
стр. 39
- وأم حرملة من غسان - فقال: اهجه. فقال: لا ينطلق لساني بشتمه.
وأنشأ يقول:
ألم ترَ أنِّي بلغت المشيبا … وفي دار قوميَ عفّاً كسوبا
وإن الإله تنصّفته … بأن لا أعقّ وأن لا أحوبا
وأن لا أكافرَ ذا نعمةٍ … وأن لا أخيّبه مستثيبا (١)
стр. 40
[ومنهم:
كعب بن الأشرف (١)
] اللّه ﷺ بقريش يوم بدر خرج إلى مكة، فجعل يرى أهل القليب ويحرض قريشاً على الطلب بثأرهم من رسول الله ﷺ ويشبب بنساء المسلمين حتى آذاهم ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه سلم: من لي بابن الأشرف؟ فقال محمد بن مسلمة (٢)، أخو بني عبد الأشهل: أنا لك به يا رسول الله، أنا أقتله إن شاء الله تعالى. فقال له رسول الله ﷺ :
فافعل إن قدرت على ذلك. فمكث أياما لا يأكل من الطعام إلا ما يعلق به نفسه (٣). فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ ، فدعاه فقال: لم تركت الطعام والشراب؟ فقال: يا رسول الله، قلت لك قولاً لا أدري أفي به أم لا؟
فقال ﷺ : إنما عليك الجهد. قال: فإنه لا بدلنا أن نقول. فقال ﷺ : قولوا ما بدا لكم فأنتم في حل. فاجتمع على قتله محمد بن مسلمة، وسلكان بن سلامة بن وقش، وهو أبو نائلة، أحد بني عبد الأشهل، وكان أخاه من الرضاعة، وعباد بن بشر بن [وقش، والحارث بن أوس بن معاذ، وعبد الرحمن بن (٤)] جبر (٥) أخو بني حارثة، فاستأذنوا رسول الله صلى اللّه