دماء قومك ابن (١) الجعد بن الشماخ. فقال أبو مرحب: ما فخرك برجل أسرك ومن عليك ثم أتاك مستثيبا فقتلته؟ إن لله على أن لا أراك في غير هذا الموضع إلا قتلتك أو مت دونك! فافترقا.
ثم إن الصمة غزا بني تميم فهزم أصحابه، وأسر هو وابنه معه وبعض أصحابه، أسره الحارث بن بيبة (٢) المجاشعي جدّ البعيث الشّاعر. فقال الصمّة للحارث بن بيبة: سربى في بلادك حتى أفتدي أصحابي. وكانت الحجرة لبنى رياح بن يربوع، إليها تجتمع بنو حنظلة في أمورها، فجاء الحارث مردما الصمة حتى إذا نزل رآه أبو مرحب، فدخل بيته واشتمل على السيف، ثم خرج والناس غافلون، فضرب به بطن الصمة فقتله، وصاح الحارث: يال دارم! قتل أسيري في يدي! فثارت يربوع ودارم، فكاد يقع القتال بينهم، فسفرت السفراء بينهم، وأرضي الحارث بن بيبة من الصمة فسكنوا.
ومنهم:
عدي بن زيد
بن أيوب بن حمار (٣) العبادي الشاعر، أحد بني امرئ القيس بن زيد مناة بن تميم، وكان كاتباً لكسرى على ما يجتبى من الغور، وكان هو سبب ملك النعمان بن المنذر اللخمي.
وكان لعدي بن زيد عدو من أهل الحيرة يقال له عدي بن مرينا. فلم يزل يلاطف النعمان حتى غلب على سمره ونزل منه أحسن منزلة، فجعل يبغي عدي بن زيد الغوائل، ويحمل النعمان عليه حتى وغر صدره، فكتب إلى
стр. 37
كسرى يستزيره متشوقاً إليه (١)، فأذن كسرى لعدي في زيارته، فلما بلغ النعمان خروج عدي إليه أجلس له قوماً فأخذوه قبل أن يصل إليه، فمضوا به إلى الصنين (٢) فحبسه هناك، فقال عدي بن زيد شعره (٣) كله أو أكثره في الحبس.
ثم إن أخاه كلّم كسرى، فوجّه كسرى رجلاً يخرجه من السجن. فلما أتاه الرجل بدأ بالسجن فدخله، ثم رجع إلى النعمان بكتاب كسرى في أمره، فوثب أعداؤه عليه فغمّوه حتى مات، وكتب إلى كسرى إنه مات قبل وصول كتاب الملك، وأوصى الرسول فستر أمر عدي، ووافق كتاب النعمان.
ومنهم:
عروة الرحال (٤) بن عتبة
بن جعفر بن كلاب. وسبب قتله أن النعمان بن المنذر كان يوجه في كل موسم بعير تحمل التجارات تباع له في الموسم، فكان بلعاء بن قيس يعرض لها، فكان يجيرها له بعض أشراف العرب الأعزاء، فحضر عروة الرحال النعمان، وقد جهز عيره وجلس في فنائه وعنده وفود العرب، وحضر البرّاض الكناني وكان خليعاً فاتكاً، فقال النعمان: من يجير هذه العير؟ فقال البراض: أنا أجيرها.
فقال له عروة: أنت تجيرها على أهل الشّيخ والقيصوم؟ إنما أنت كالكلب
стр. 38
الخليع - وكان البراض رث الهيئة ومعه سيف قد أكل غمده: أنت أضيق استاً من ذلك، ولكني أيها الملك أجيرها من الحيين. يريد قيساً وخندف.
فقال البراض: أنت تجير على أهل تهامة؟ فلم يلتفت النعمان إلى قوله وازدراه ودفعها إلى عروة؛ فخرج بالعير، وخرج البراض في أثره حتى إذا كان ببعض الطريق أدركه البراض، فتقدم أمام عيره وأخرج الأزلام يستقسم بها (١)، فمر به عروة فقال: ما تصنع؟ فقال: أستخير في قتلك. فضحك ولم يره شيئاً. ثم سار عروة حتى انتهى إلى أهله دوين الجريب (٢) على ماء يقال له أوارة، فأنزل اللطيمة وسرحوا الظهر (٣). وقد كان البراض يبتغي منه غرة فلم يقدر عليها حتى صادفه نصف النهار في ذلك اليوم، وهو نائم وحده في قبّة من أدم، فدخل عليه فقتله ومضى.
ومنهم:
كعب بن عبد الله النمري
وكان المنذر ذو القرنين بن ماء السماء (٤) دعا ذات يوم الناس فقال: من يهجو الحارث بن جبلة الغساني؟ فدعا حرملة بن عسلة الشيباني، فيمن دعا
стр. 39
- وأم حرملة من غسان - فقال: اهجه. فقال: لا ينطلق لساني بشتمه.
وأنشأ يقول:
ألم ترَ أنِّي بلغت المشيبا … وفي دار قوميَ عفّاً كسوبا
وإن الإله تنصّفته … بأن لا أعقّ وأن لا أحوبا
وأن لا أكافرَ ذا نعمةٍ … وأن لا أخيّبه مستثيبا (١)
стр. 40
[ومنهم:
كعب بن الأشرف (١)
] اللّه ﷺ بقريش يوم بدر خرج إلى مكة، فجعل يرى أهل القليب ويحرض قريشاً على الطلب بثأرهم من رسول الله ﷺ ويشبب بنساء المسلمين حتى آذاهم ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه سلم: من لي بابن الأشرف؟ فقال محمد بن مسلمة (٢)، أخو بني عبد الأشهل: أنا لك به يا رسول الله، أنا أقتله إن شاء الله تعالى. فقال له رسول الله ﷺ :
فافعل إن قدرت على ذلك. فمكث أياما لا يأكل من الطعام إلا ما يعلق به نفسه (٣). فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ ، فدعاه فقال: لم تركت الطعام والشراب؟ فقال: يا رسول الله، قلت لك قولاً لا أدري أفي به أم لا؟
فقال ﷺ : إنما عليك الجهد. قال: فإنه لا بدلنا أن نقول. فقال ﷺ : قولوا ما بدا لكم فأنتم في حل. فاجتمع على قتله محمد بن مسلمة، وسلكان بن سلامة بن وقش، وهو أبو نائلة، أحد بني عبد الأشهل، وكان أخاه من الرضاعة، وعباد بن بشر بن [وقش، والحارث بن أوس بن معاذ، وعبد الرحمن بن (٤)] جبر (٥) أخو بني حارثة، فاستأذنوا رسول الله صلى اللّه
стр. 41
عليه وسلم فأذن لهم، فمضوا حتى انتهوا إلى أطمة (١) فتقدمهم أبو نائلة فهتف بكعب، وكان حديث عهد بعرس، فوثب في ملحفته، فأخذت امرأته بناحيتها وقالت: محارب (٢)، وإن صاحب الحرب لا ينزل في مثل هذه الساعة! فقال:
إنه أبو نائلة، لو وجدني نائماً ما أيقظني. فقالت: والله إني لأعرف في صوته الشر! فقال كعب: لو يدعى الفتى لطعنة أجاب!
فنزل فتحدث معه ساعة (٣) وقال له: هل لك يا ابن الأشرف في أن نتماشى إلى شعب العجوز (٤) فنتحدث به بقية ليلتنا؟ فمشى وهو ينشد كلمته:
ربَّ خالٍ ليَ لو أبصرته … سبط المشيةِ أبَّاءٍ أنفْ (٥)
وقد استخفى أصحابه بظل النخل، ثم قال له أبو نائلة: ويحك يا ابن الأشرف، إني جئتك لحاجة أذكرها لك، فاكتم علي. قال: أفعل. فقال: كان قدوم هذا الرجل علينا بلاء من البلاء، عادتنا العرب ورمونا عن قوس واحدة، وقطعت عنا السبل، حتى ذهب العيال، وجهدت الأنفس! فقال كعب: أما والله لقد كنت أخبرك يا ابن سلامة أن الأمر سيصير إلى ما كنت أقول لك! فقال سلكان: إني أردت أن تبيعنا طعاماً ونرهنك ونوثق لك ونحسن في ذلك.
فقال: ترهنوني أبناءكم؟ فقال له سلكان: لقد أردت أن تفضحنا، إن معي أصحاباً لي على مثل رأيي، وقد أردت أن آتيك بهم فتبيعهم وتحسن إليهم
стр. 42
في ذلك، ونرهنك من الحلقة (١) مالك فيه وفاء. فقال كعب: إن في الحلقة لوفاء.
ثم إن سلكان شام يده في فود رأسه ثم شم يده وقال: ما رأيت كالليلة طيب عطر قط! ثم مشى ساعة ثم عاد لمثلها حتى إذا اطمأن عاد لمثلها، فأخذ بفودى رأسه ثم قال: اضربوا عدوّ اللّه، فاختلفت عليه أسيافهم فلم تغن شيئاً.
فأخذ محمد بن مسلمة مغولاً (٢) كان معه فوضعه في ثنته وتحامل عليه حتى بلغ عانته.
ومنهم:
أبو رافع سلام بن أبي الحقيق
وهو ممن حزب الأحزاب على رسول الله ﷺ . فلما قتلت الأوس كعباً أرادت الخزرج أن تفعل مثل فعل الأوس، لأنهم كانوا يتبارون بأفعالهم في الجاهلية والإسلام (٣)، فاستأذن رسول الله ﷺ منهم خمسة نفر لقتل أبي رافع، فخرج عبد الله بن عتيك، ومسعود بن سنان، وعبد الله ابن أنيس، وأبو قتادة الحارث بن ربعي، وخزاعي بن أسود - حليف لهم من أسلم - فخرجوا وأمر النبي ﷺ عبد الله بن عتيك عليهم، ونهاهم أن يقتلوا وليداً أو امرأة. فخرجوا حتى أتوا دار أبي رافع ليلا، فلم يدعوا فيها
стр. 43
بيتاً إلا أغلقوه على أهله، وكان في علّيّة فصعدوا إليه حتى قاموا على بابه فاستأذنوا، فخرجت إليهم امرأته فقالت: من أنتم؟ قالوا: نفر من العرب نلتمس الميرة. قالت: ذاك صاحبكم فادخلوا عليه. فلما دخلوا أغلقوا الباب عليها وعليهم؛ تخوفاً من أن يكون دونه مجاولة (١) تحول بينهم وبينه، فصاحت امرأته فنوهت بهم، وابتدروه وهو على فراشه بأسيافهم، فما دلهم عليه (٢) في سواد البيت إلا بياضه، كأنه قبطية ملقاة (٣)، فضربوه بأسيافهم، وتحامل على عبد الله بن أنيس في بطنه بسيفه حتى أنفذه وهو يقول: قطني قطني! ثم رجعوا أدراجهم وقد قتلوه.
ومنهم:
سيد ولد آدم ﷺ ، وبشر بن البراء ابن معرور الأنصاري
وكانت زينب بنت الحارث اليهودية، امرأة سلّام بن مشكم، أهدت لرسول الله ﷺ يوم خيبر شاة مصلية (٤)، وقد سألت قبل ذلك:
أي عضو في الشاة أحب إلى محمد؟ فقيل لها: الذراع. فأكثرت فيه من السم، ثم سمت سائر الشاة، ثم جاءت بها حتى وضعتها بين يدي رسول الله ﷺ ، فتناول ﵊ الذراع فلاك منها مضغة فلم يسغها، ومعه بشر بن البراء، وقد أخذ منها كما أخذ رسول الله ﷺ ، فلفظها،
стр. 44
ثم قال: إن هذا العظم يخبرني أنه مسموم. ثم دعا بها فاعترفت، فقال: ما حملك على ذلك؟ فقالت: بلغت من قومي ما لم يخف عليك فقلت: إن كان ملكاً استرحت منه، وإن كان نبياً فسيخبر. فتجاوز عنها ﷺ ، ومات بشر من أكلته التي أكل.
وقد كان رسول الله ﷺ قال في مرضه الذي توفي فيه: «هذا أوان وجدت انقطاع أبهري من الأكلة التي أكلتها مع أخيك». يقول ذلك لأم بشر أخت بشر بن البراء، ودخلت عليه تعوده.
فإن كان المسلمون ليرون أن الله جمع لنبيه الشهادة، مع ما أكرمه به من النبوة، ﷺ .
ومنهم:
رفاعة بن قيس الجشمي (١)
وكان يجمع قيساً لحرب رسول الله ﷺ ، فوجه ﵇ إليه عبد الله بن أبي حدرد، ورجلين معه، فكمنوا له، ورماه ابن أبي حدرد فقتله وجاء برأسه إلى النبي ﷺ .
стр. 45
ومنهم:
أبو أزيهر بن أنيس بن الحبسي بن مالك بن سعد بن كعب ابن الحارث الأزدي
وكان أخواله من دوس فنسب إليهم، وكان حليفاً لأبي سفيان بن حرب (١) وكان يقعد هو وأبو سفيان في أيامهما فيصلحان بين من حضر ذلك المكان الذي هما به، وكانت ابنته تحت أبي سفيان، ثم تزوج ابنة له أخرى الوليد بن المغيرة ابن عبد الله بن عمر (٢) بن مخزوم، وأخذ أبو أزيهر من الوليد المهر، فبلغه بعد أنه غليظ على النساء، فأمسكها ولم يرد المهر. وقال بعض: إنها أهديت إليه فقال الوليد لها ليلة أن دخل عليها: أنا أشرف أو أبوك؟ فقالت له: إن أبي سيد قومه، وفي قومك من يساويك ويفوقك. فغضب ولطمها على خدها فهربت ورجعت إلى أبيها، فأمسكها ولم يردها عليه.
فلما حضرت الوليد الوفاة أوصى بنيه بأشياء قد كتبناه في «أخبار قريش (٣)»، منها دمه في خزاعة، وعقره (٤) عند أبي أزيهر. فلما مات الوليد وحضر الناس سوق ذي المجاز تغفل هشام بن الوليد أبا أزيهر فقتله (٥)، وبلغ ذلك أهل مكة فهاج المطيبون والأحلاف من قريش وكادوا يقتتلون. وبلغ ذلك أبا سفيان، وهو
стр. 46
بذي المجاز، وكان داهياً يحب قومه، فقعد على فرسه حتى أتى مكة والناس متواقفون للحرب، ولواء المطيبين (١) بيد يزيد بن أبي سفيان، فأخذ اللواء من يزيد فضرب به البيضة ضربة هده منها (٢)، وفرق الناس، وقال: إذا فرغنا من عدونا - يعني رسول الله ﷺ نظرنا في أمر أبي أزيهر ووديناه. فودوه مائتي ناقة.
ومنهم:
المجذر بن ذياد البلوي (٣)
حليف بني عوف بن الخزرج
وقيس بن زيد
أخو بني ضبيعة بن زيد (٤)، اغتالهما الحارث بن [سويد، أخو (٥)] الجلاس
стр. 47
الأنصاري، وكان منافقاً، وكان يوم أحد مع رسول الله ﷺ ، فرأى منهما في الحرب غرة فقتلهما، ولحق بمكة كافراً.
ومنهم:
الأسود الكذاب بن كعب العنسي
وهو ذو الحمار (١)، وكان استنكح بصنعاء امرأة من الأبناء - وهم أبناء الفرس الذين قدموا اليمن مع وهرز فقتلوا الحبشة - وأن الأسود توعد الأبناء بأن يجليهم من اليمن أو يتركهم له بها خولا. فتحرز له فيروز بن الديلمي، وقيس بن هبيرة بن المكشوح المرادي، ودادويه (٢) - رجل من الأبناء - وكان فيروز يخبر أنه أتاهم رسول من رسول الله ﷺ يقال له يحنس (٣) ابن وبرة الأزدي، فأسلموا معه. وكانت المرأة التي استنكح العنسي قد أسلمت.
قال فيروز: فجئتها فكلمتها في أمر الأسود وقلت لها: إنه قد أراد بقومك من الشر ما ترين: إما إجلاءهم عن بلادهم، وإما استعبادهم، فهل عندك إلى قتله حيلة أو سبيل؟ قالت: سأحتال له. فجاء الأسود، وفيروز عندها، فضربه ووجأ في عنقه وأخرجه. فبكت المرأة وقالت: أنتم يا معشر العرب تزعمون أنكم تحسنون إلى أصهاركم، وأنت تضرب أخي (٤) وتخرجه من بيتي. قال: وإنه لأخوك؟ قالت: نعم. قال: ما دريت، فابعثي له فليأتنا. فبعثت إليه: إنه قد
стр. 48
رضى، وإني سأحفر لكم في البستان سربا إلى البيت الذي يكون فيه. فحفرت سربا، وجاء فيروز ودادويه وقيس بن المكشوح، فلما قاموا إلى السرب (١) قال بعضهم: أيكم يدخل عليه؟ فقال دادويه: أنا شيخ كبير وأخاف أن أضربه فلا أغنى فيه شيئا، ولكن يا قيس ادخل أنت. فقال قيس: إني رجل تأخذنى رعدة عند الحرب، وأخاف إن ضربته أن لا تغنى ضربتي شيئا. فدخل فيروز - وكان أشبّ القوم - فإذا هو نائم على حشايا من ريش، والمرأة عند رأسه.
فأشار إليها: أين رأسه؟ فأشارت إليه. ولم يكن مع فيروز سيف فأراد الرجوع إلى أصحابه ليأخذ سيفا، فكأنما أتاه شيطان فأيقظه وإنّ عيناه تبصّان (٢). فعالجه فيروز فأخذ برأسه ولحيته فدقّ عنقه وخرج، واتبعته المرأة فقالت: أنشدكم باللّه كلّكم وعورتكم (٣)! فقال لها: لا بأس قد قتلته. وخرج فأخبر أصحابه، فدخل قيس فاحتزّ رأسه وألقاه إلى الناس، وخرج فأذّن بالصلاة. ثم إن قيسا خاف على نفسه عنسا فأراد أن يرضيهم بقتل فيروز ودادويه، فصنع لهما طعاما ثم أرسل إليهما فأتياه، فخرج فيروز يسقى (٤) فرسه، وتقدم دادويه إلى منزل قيس فاغتاله على الطعام وقتله، وخرجت امرأة فلقيت فيروز (٥) وهو مقبل إلى منزل قيس، وقد رأت قتل دادويه، فقالت: ويحك، قد واللّه قتل صاحبك! فركب فرسه وانطلق. فقال عمرو بن معديكرب يعنّف قيسا بقتله دادويه غدرا:
стр. 49
ما إن دادوى لكم بفخر … ولكن دادوى فضح الذّمارا (١)
ومنهم:
الحطم (٢)
وهو شريح [بن شرحبيل (٣)] بن ضبيعة بن عمرو بن مرثد، أخو بنى قيس بن ثعلبة.
وكانت بنو ربيعة بن نزار اجتمعت بالبحرين في الرّدّة فارتدّوا وملّكوا عليهم الغرور (٤)، وهو المنذر بن النعمان، فسار إليهم العلاء بن الحضرمىّ، وكان عامل رسول اللّه ﷺ على عمان، فخاض العلاء إليهم خليجا من البحر، وسارت ربيعة إليهم بجواثا حتّى كاد يهلك المسلمون جهدا، فلما اشتدّ ذلك عليهم قال عبد اللّه بن حذف العامرىّ، حليف بنى عامر بن لؤي، وكانت أمّه من بنى عجل:
[
ألا أبلغ أبا بكر رسولا … وفتيان المدينة أجمعينا
فهل لكم إلى قوم كرام … قعود في جواثا محصرينا
كأنّ دماءهم في كلّ فجّ … شعاع الشّمس يعشى الناظرينا
توكّلنا على الرحمن إنّا … وجدنا النّصر للمتوكلينا (٥)
]
стр. 50
وسمع المسلمون أصواتاً بالليل فهالتهم، فقال [العلاء: من يأتينا بخبر القوم؟
فقال عبد الله بن حذف (١)]: أنا (٢) آتيكم بالخبر. ونزل من الحصن فأخذوه فسألوه، فانتسب لهم وجعل ينادي يا أبجراه (٣)! وكان في القوم، فجاء أبجر فعرفه (٤) فقال:
ويلك، ما شأنك؟ أظنك بئس ابن أخت القوم الليلة لأخوالك! قال: فقد هلكت من الجوع. فأطعمه وسقاه وحمله على بعير (٥) وخلى سبيله، فرجع ابن حذف إلى أصحابه فأخبرهم أن القوم سكارى. فبيتهم العلاء فيمن معه من المسلمين من العرب والعجم، فقتلوهم قتلاً ذريعاً وانهزموا، وقام الحطم (٦) إلى فرسه ليركبه فلما وضع رجله في الركاب انقطع سير ركابه فقال: ألا أحد من قيس يعقلني؟
فمر به رجل من المسلمين وهو يستغيث فقال: أبو ضبيعة؟ قال: نعم. قال: أعطني رجلك أعقلك. فلما أعطاه رجله أخذها، ثم ضربه بالسيف حتى قتله.
وقال قيس بن عاصم السعدي (٧):
стр. 51
لا توعدنَّا بمفروق وأسرته … وإن تأتنا تلق منّا سنة (١) الحطم
ومنهم:
عمر بن الخطاب رضى اللّه تعالى عنه
كان عمر رأى كأن ديكاً نقره أسفل من سرته نقرتين، فسأل عن رؤياه أسماء بنت عميس، فقالت: هذا رجل عجمىّ يصيبك. فمضت أيام لذلك.
ثم أن أبا لؤلؤة، وهو فيروز عبد المغيرة بن شعبة، لقيه وهو يمشي فقال:
يا أمير المؤمنين، إن المغيرة قد جعل علي خراجاً كثيراً. قال عمر: وكم هو؟ قال:
در همين في اليوم. قال: وما تعمل؟ قال: أجوف الأرحاء. قال: ما ذاك بكثير، ما في بلادنا أحد يعملها غيرك (٢). فقال: المستعان اللّه! ثم ولي وهو يهمهم.
فقال عمر: ما يقول؟ قال (٣): يزعم أنه يعمل لك رحى يتحدث بها العرب والعجم.
قال عمر: ما يقول العبد، أتهدد، أم وعد (٤)، أم خوف؟ ثم مضى، فلم يلبث بعد ذلك إلا أياماَ حتى وثب على عمر وهو يسوي الصفوف لصلاة الفجر، وكان يتلفت يميناً وشمالا فإذا استوى الصف كبر، فطعنه بسكين له طرفان نصابه في في وسطه، فوق العانة ودون السرة، طعنتين أو ثلاثاً (٥). وكان على عمر ملاءة صفراء، فجمعها وجعلها على بطنه وقال: حس! (٦) وكان أمر الله قدراًُ مقدوراً.
وقدم عبد الرحمن بن عوف فصلّى بالناس الفجر.
стр. 52
وحكى عن عائشة ﵂، أنها قالت: إني لأسير بين مكة والمدينة في سحر ليلة مقمرة، إذ سمعت قائلا يقول:
ليبكِ على الإسلام من كان باكياً … فقد أوشكوا هلكاً وما قدم العهد
وقد ولَّت الدنيا وأدبر خيرها … وقد ملَّها من كان يؤمن بالوعد
وطلب الرجل فلم يوجد. فقلت: إني لخائفة أن يكون هذا لحدث! فلم يكن إلا أياماً حتى قتل عمر ﵁ (١).
ومنهم:
سالم بن دارة
أحد بني عبد الله بن غطفان، وكان هجا رجلاً من بني فزارة يقال له زميل بن وبير (٢)، وهو ابن أم دينار، فقال في قصيدة له طويلة:
آلي ابنُ دارةَ جهداً لا يصالحكم … حتى ينيكَ زميلٌ أمَّ دينارِ
ثم إن ابن دارة لقي بعد ذلك زميلاً بالداءة (٣) فقال: يا زميل، ألا تفعل بأمك حتى أصالح قومي؟! فقال له زميل: معذرة إلى الله ثم إليك، إنه ليس معي ولا في رحلي إلا مخيط أشد به على وكائي. ثم لقيه مرة أخرى بشراف (٤)، فقال له
стр. 53
أيضاً مثل قولته الأولى (١): حتى أصالح عشيرتي. فقال له: معذرة إلى الله ثم إليك، إنه ليس معي إلا سكين أصلح به حذائي.
ثم إن زميلاً قدم المدينة بعد ذلك بزمان فقضى حوائجه، حتى إذا صدر عن الشقرة (٢) سمع رجلاً يتغنى بقوله:
ملكتُ بها الإدلاجَ حتَّى بدا لها … مع الصُّبح من أشباع ركن يلملم (٣)
وقد أوغلت في السَّير حتَّى كأنما … يكسَّر قيض بينهنَّ وحنتم
فعرف زميل صوت سالم، فأقبل إليه فضربه ضربتين، ثم عقر بعيره، فحمل سالم إلى عثمان بن عفان، فدفعه إلى طبيب نصراني حتى إذا برأ ووعت كلومه (٤) دخل النصراني، وإذا سالم يشامع امرأته (٥)، فاحتفنها (٦) عليه، فقال له النصراني: إني لأرى عظماً ناتئا، فهل لك أن أن أجعل عليه دواء حتى يسقط؟ قال: نعم فافعل. فسمه فمات.
ويقال إن أم البنين بنت عيينة بن حصن الفزاري، وكانت عند عثمان بن عفان ﵁، جعلت للطبيب جعلاً حتى سمه فمات. فذلك قول الكميت بن ثعلبة:
فلا تكثروا فيها الضِّجاجَ فإنّه … محا السيفُ ما قال ابن دارة أجمعا
стр. 54
ومنهم:
الزبير بن العوام ﵁
وسبب ذلك أنه لما انصرف عن حرب الجمل عندما ذكره علي بن أبي طالب ﵁ (١)، استجار النعر بن الزمام المجاشعي (٢)، فأتى آت الأحنف بن قيس فقال: هذا الزّبير قد مر آنفاً! قال الأحنف: ما أصنع به، جمع فئتين من المسلمين فقتل بعضهم بعضاً. ثم لحق بقومه. فنهض عمرو بن جرموز، وفضالة بن حابس، ونفيع بن كعب بن عمير، فلحقوه بوادي السباع، فكر عليهم الزّبير حين رآهم، فانهزموا عنه، ولحق الزبير ابن جرموز فلما رهقه قال: الله الله أبا عبد الله! فرجع عنه، ومضى الزبير وانصرف عنه فضالة ونفيع، ولزمه عمرو بن حرموز، فسايره في ليلة مقمرة، فعطف عليه الزبير فقال: أنشدك الله يا أبا عبد الله! فكف عنه وسايره، وأغفى الزبير على فرسه فطعنه فأذراه عنه، فقال الزبير:
قاتله الله، يذكر بالله وينساه! ومات. فقالت عاتكة أخت (٣) سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل العدوي:
غدر ابنُ جرموزٍ بفارسِ بهمة … يوم اللقاء وكان غير معرد (٤)
يا عمرو لو نبهته لوجدته … لا طائشا رعش الجنان ولا اليدِ
هبلتكَ أمُّك إنْ قتلتَ لمسلما … حلّت عليك عقوبة المتعمّد (٥)
стр. 55
وجاء ابن جرموز بسيف الزبير إلى علي ﵁، وقال: أخبروه أني قاتل الزبير. فقال علي: بشر قاتل ابن صفية بالنار! وأخذ السيف منه وقال: سيف طالما فرج الغمامة عن وجه رسول الله ﷺ ،
قال: فكان ابن جرموز يدعو لأمر الدنيا، فقيل له: لو دعوت لأمر آخرتك. فقال: قد يئست من الجنة منذ قتلت الزبير!
ومنهم:
مالك بن الحارث الأشتر
وكان أتى علياً ﵁ لما ولّى عبد اللّه بن عباس البصرة، وعبيد الله اليمن، وقثم مكة، فقال له: وليت بني عمك فلم قتلنا الشيخ - يعني عثمان ﵁ إنما قتلناه حين آثر أهل بيته بالولاية!
فتقاولا فأغلظ كل واحد منهما لصاحبه، فدخل بينهما عبد الله بن جعفر، وكان علي له مكرما، فانصرف الأشتر مغاضبا، فترك إنيان علي ﵁ حتى قتل أهل مصر محمد بن أبي بكر ﵁، وكان عامل علي عليها، فلما بلغه قتله قال لعبد للّه بن جعفر: من ترى لمصر؟ فقال: الأشتر، هم قومه، وجهه، فإن هلك هلك، وإن ملك ملك. فبعث إلى الأشتر فولاه مصر، فأخذ على طريق الحجاز إليها، وبلغ ذلك معاوية، فكتب إلى الجانسار (١)، دهقان القلزم. يأمره باغتيال الأشتر ويضع عنه خراجه. فلما نزل به الأشتر أكرمه، وكان الأشتر يحب السمك فأمجده منه (٢)، وجعل الأشتر يأكل السمك أكل متق، وكان الغالب عليه البلغم. فقال له: أيها الرجل، لا تهب السمك؛ فإنّ
стр. 56
عندي دواءه. قال: وما هو؟ قال: العسل. فأكل ثم قال له: هات العسل.
فجدح له فيه سماً فقتله (١). فلما بلغ معاوية قتله قام خطيباً فقال: يا أهل الشام، إن علياً كانت له يدان، إحداهما عمار بن ياسر، والأخرى الأشتر، فقطعهما الله تعالى.
ومنهم:
علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه
كان سبب ذلك أن عبد الرحمن بن ملجم التجوبي وعداده في مراد، والبرك بن عبد الله التميمي (٢) وهو صاحب معاوية، وعمرو بن بكير التميمي (٣)، وهو صاحب عمرو بن العاص - اجتمعوا جميعاً بمكة فتذاكروا أهل النهروان فترحموا عليهم وقالوا: والله ما نعبأ بالبقاء في الدنيا شيئاً بعد إخواننا الذين كانوا لا يخافون في الله لومة لائم، وكانوا مصابيح الهدى. ثم ذكروا الناس فعابوا عليهم أفعالهم، وقالوا: [لو (٤)] أنّا شرينا أنفسنا للّه، والتمسنا غرة هؤلاء الأئمة الضلال فثأرنا بهم إخواننا، وأرحنا منهم العباد. فقال عبد الرحمن: أنا لكم لعلي، وقال البرك: أنا لكم لمعاوية، وقال عمرو بن بكير: أنا لكم لعمرو بن العاص.
فتعاهدوا على ذلك وتواثقوا لا ينكص رجل منهم عن صاحبه الذي سماه حتى يقتله أو يموت دونه. فاتعدوا في شهر رمضان ليلة سبع عشرة (٥) ثم افترقوا على
стр. 57
ذلك، وتوجه كل رجل منهم إلى المصر الذي فيه صاحبه، وكان علي ﵁ قد ضجر من أهل الكوفة، وكان كثيراً ما يدعو عليهم، وكان كثيراً ما ينشد إذا آذوه:
خلُّوا سبيل العير يأتِ أهله … سوفَ ترون فعلكم وفعله
وكان كثيراً ما يقول:
لا شيءَ إلاَّ الله فارفع ظنّكا … يكفيك ربّ الناس ما أهمّكا
وكان يقول أيضاً:
خلُّوا سبيل الجاهدِ المجاهدِ … أبيتُ أنْ أعبدَ غيرَ الوحد
وكان يقول:
فأيَّ يوميَّ من الموتِ أفرّْ (١) … أيومَ لم يقدرَ أم يومَ قدرْ
وكان يقول: ما يحبس أشقاها، أما والله لعهد إلى النبي الأمي ﷺ أن هذه تخضب من هذه - يعنى لحيته من هامته - وكان يقول:
اشدد حيازيمك للموت … فإنَّ الموت آتيكا (٢)
ولا تجزعْ من الموتِ … إذا حلَّ بواديكا
فلما كانت الليلة التي اتّعدوا لها، وكانت ليلة الجمعة، بات ابن ملجم في مسجد الجماعة بجنب الأشعث بن قيس الكندي، وكان علي ﵁ رأى في تلك الليلة رؤيا فخبر بها أبا عبد الرحمن السلمي وهو مجروح فذكر أبو عبد الرحمن وكان مؤدب الحسن والحسين ﵄، قال: دخلت عليه وهو مجروح فقال:
ادن مني يا أبا عبد الرحمن - والنساء يبكين - فدنوت منه فقال لي: بت الليلة أوقظ أهلي، فملكتني عيني وأنا جالس، فسنح لي رسول اللّه ﷺ
стр. 58
فقلت: يا رسول الله، ما لقيت من أمّتك من الأود واللّدد (١)؟! فقال: ادع عليهم. فقلت: اللهم أبدلني بهم من هو خير لي منهم، وأبدلهم بي من هو شر مني! ودخل ابن التياح (٢) المؤذن على ذلك، فقال: الصلاة. فأخذت بيده، فمشى ابن التياح بين يدي وأنا خلفه.
(ورجع الحديث). قال: فقال الأشعث لابن ملجم: فضحك الصبح! فانطلق ابن ملجم، وشبيب بن بجرة الأشجعي، وخرج علىّ من منزله وهو يقول أيها الناس الصلاة، أيها الناس الصلاة! فضربه ابن ملجم ضربة من جبهته إلى قرنه، وأصاب السيف الحائط فثلم فيه، ثم ألقى السّيف وأقبل الناس فجعل يقول:
أيها الناس، إياكم والسيف فإنه مسموم!! فذكروا أنه سمه شهراً.
فأدخل علي ﵁، وأدخل ابن ملجم عليه فقالت أم كلثوم بنت علي: أقتلت يا عدو الله أمير المؤمنين؟! قال: لم أقتل إلا أباك. فقالت: والله إني لأرجو أن لا يكون على أمير المؤمنين بأس. قال: فلم تبكين إذاً، والله لقد سمعته شهرا، فإن أخلفني فأبعده الله وأسحقه!
ثم إن علياً ﵀ قال: أطيبوا طعامه، وألينوا فراشه، فإن أعش فعفو أو قصاص، وإن أمت فألحقوه بي أخاصمه عند رب العالمين.
وذكروا أن ابن ملجم خطب امرأة من الرباب، يقال لها «قطام»، وكانت من أجمل الناس، وكانت خارجية، وكان علي قتل أهل بيتها بالنهروان، فقالت:
لا أتزوجك إلا على ثلاثة آلاف، وقتل علي بن أبي طالب بعد ذلك فتزوّجها وبني بها، فلما فرغ منها قالت: يا هذا، إنك قد فرغت فاقرع (٣)! فخرج فضرب عليا.
стр. 59
وقال بعض الشعراء (١):
فلم أر مهراً ساقهُ ذو سماحةٍ … كمهر قطامٍ من فصيحٍ وأعجمِ
ثلاثةُ آلافٍ وعبدٌ وقينةٌ … وضرب عليٍّ بالحسام المصمّم
فلا مهر أغلى من عليٍّ وإن غلا … ولا قتلَ إلا دون قتلِ ابن ملجم
وأما صاحب معاوية فطعن معاوية وقد خرج لصلاة الفجر في تلك الليلة في أليته، فلم يولد لمعاوية بعدها حتى مات.
وبذلك السبب جعلت المقصورة في المسجد الجامع.
ومنهم:
خارجة بن حذافة العدوي
وكان قاضي مصر، وكان له صلاح وصحبة، فخرج صاحب عمرو بن العاص (٢) فوجد خارجة في مجلس عمرو يعشي الناس، وقد كان عمرو شغل تلك الليلة، فدنا منه وهو يظنه عمراً، وهو على سرير عمرو جالساً، فضربه من ورائه بالسيف على عاتقه، فأخذ الرجل، وخرج عمرو، وحمل خارجة إلى منزله مثخناً، فأتاه عمرو فقال له خارجة: والله ما أراد غيرك. فقال عمرو بن العاص: «ولكنّ اللّه أراد خارجة (٣)!».
стр. 60
ومنهم:
خالد بن المعمر السدوسي
وكان معاوية دس إليه بالعراق أن يدعو ربيعة إلى الوثوب بعلي بن أبي طالب ﵁، وأن ينقض عليه أمره، فإن هو فعل ولاه خراسان.
ففعل ذلك خالد بن المعمر حتى آذت ربيعة علياً وشنعوا عليه.
وبلغ ذلك معاوية، فلما قتل علي ﵁ أحب معاوية الوفاء لخالد بن المعمر. وقال بعض شعراء بني سدوس:
معاويَ أكرمْ خالدَ بن المعمَّرِ … فإنَّك لولا خالدٌ لم تؤمَّرِ
فكتب إليه معاوية بعهده على خراسان، ودس إليه رجلاً فسقاه شربة بظهر الكوفة بقصر بني مقاتل، فقتلته وقد أجمع الناس على معاوية.
ومنهم:
الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما
ذكره يعقوب بن الدورقي (١). قال: أخبرنا أسعد بن إبراهيم، قال:
حدثنا ابن عون (٢)، عن عمير بن إسحاق (٣) قال:
دخلت على الحسن بن علي ﵄، أنا ورجل، فقال لصاحبي:
أي فلان، سلني. قال: ما أنا بسائلك شيئاَ. ثم قام من عندنا فدخل كنيفا له ثم خرج فقال: أي فلان، سلني قبل أن لا تسألني؛ فإني والله لقد لفظت طائفة
стр. 61
من كبدي، قلّبتها بعود كان معي، وإني قد سقيت السم مراراً فلم أسق مثل هذا قط، فسلني! قال: ما أنا بسائلك شيئاً، يعافيك الله إن شاء الله!
ثم خرجنا فأتيته الغد وهو يسوق (١)، وجاء الحسين فقعد عند رأسه فقال:
أي أخي، نبئني من سقاك؟ فقال: لم؟ لتقتله؟ قال: نعم. قال: ما أنا بمحدثك شيئاً. إن يكن صاحبي الذي أظن، فاللّه أشدّ نقمة، وإلا فو اللّه لا يقتل بي بريء (٢)!
ومنهم:
سعيد بن عثمان بن عفان
وكان بلغ معاوية أن أهل المدينة يقولون، إماؤهم وعبيدهم، مقالة قد شاعت على أفواههم:
والله لا ينالها يزيدُ … حتى يعضُّ هامهُ الحديدُ
إنّ الأمير بعدهُ سعيدُ
وكانت أم سعيد أم عبد الله (٣) بنت الوليد بن الوليد (٤) بن المغيرة، وكانت قاتلت عن عثمان يوم قتل، وأصابتها جراحة؛ وأعانتها نائلة بنت الفرافصة على المدافعة عنه، فجرحتا جميعاً. فلما بلغ معاوية هذا القول عن سرعان أهل المدينة (٥)، كتب إلى سعيد بن عثمان فقدم عليه، فلما دخل عليه قال: ما شيء بلغني أن أهل المدينة يقولون:
стр. 62
* والله لا ينالها يزيد …
وأنشده الأبيات الثلاثة (١) - فقال سعيد: وما تنكر هذا يا معاوية؟ واللّه إنّ أبى لخير من أبى يزيد، وأمّى خير من أم يزيد، ولأنا خير من يزيد. ومع هذا أنا وليناك فما عزلناك، ورفعناك فما وضعناك، ثم صارت هذه الأشياء في يدك فحلأتنا عن (٢) جميع ذلك.
قال معاوية: أما قولك يا ابن أخي: إن أبي خير من أبى يزيد، فقد صدقت رحم اللّه أمير المؤمنين عثمان، هو والله كان خيراً مني. وأما قولك: إن أمي خير من أم يزيد، فصدقت، لعمري لامرأة من قريش خير من امرأة من كلب، وبحسب امرأة أن تكون من صالحي نساء قومها. وأما قولك: إني خير من يزيد، فو اللّه يا ابن أخي ما يسرني أن حبلاً (٣) مد فيما بين العراق فنظم لي فيه أمثالك بيزيد! ولكن انطلق فقد وليتك خراسان.
وكتب له إلى زياد: أن وله ثغرها، وأقم معه على الخراج رجلاً حازماً يحصنه (٤) ويحفظه على أمير المؤمنين. فضرب زياد البعث على أهل السجون والشطار وكل من يلوذ (٥) به من أهل المصر من داعر (٦) وما أشبهه، فصاروا أربعة آلاف؛ وولي أسلم بن زرعة الكلابي على الخراج، ومضى سعيد حتى
стр. 63
نزل مرو، وفوز (١) منها يريد سمرقند، فلما انتهى إلى نهر بلخ دعا بالعامات (٢) ليعبر عليها. فلما تحملوا وجازوا كان أول ما سمعه من النداء نداء مناد من غلمان العسكر: يا ظفر! فتفاءل بالظفر. ثم نادى آخر: يا علوان! فقال: علا أمركم إن شاء الله. وبدر الناس رفيع أبو العالية الرياحي الفقيه، فصلى ركعتين، فكان أول من صلى ركعتين من وراء النهر.
ونفذ الناس حتى انتهى إلى بخارى - والملكة يومئذ ببخارى يقال لها «خنك خاتون» فصالحها صلحا معلوما على أن تخلى له الطريق إلى سمرقند، وأخذ منها رهناً على الوفاء ثلاثين غلاماً من أبناء الملوك مرداً كأن وجوههم السيوف، وسهلت له الطريق، والتقى هو وخاتون فقرفهما (٣) أهل خراسان، وغنوا عليهما أغنية بالخراسانية، وهي:
كور خمير آمذ خاتون دروغ كنده (٤)
فمضى إلى سمرقند فظفر وقتل وسبى ثلاثين ألف رأس، ثم رجع. فلما انتهى إلى بخارى قالت له الملكة «خنك خاتون»: أردد عليَّ الرهون فقد (٥) سلمك الله. فقال: إني أخاف غدرك حتى أقطع النهر. فلما قطع النهر. بعثت إليه أرددهم.
قال: حتى أنزل مرو. فمضى بهم ولم يرددهم عليها. ومضى قافلا إلى المدينة،
стр. 64
فجعل أولئك الرهن فلاحين في نخل له وحرث بالمدينة، فأتاهم يوما يتعهّد ما له فاغتالوه فقتلوه، ووجئوه (١) بخناجرهم.
وبلغ الخبر أهل المدينة فساروا إليهم فحصروهم في جبل هناك، ولم يقدموا على حربهم حتى ماتوا في ذلك الجبل عطشاً. فجعلت ابنة سعيد جارية لها يقال لها «مردانة» في رحالة (٢) فقالت: من يبكي أبي ببيتين شعرهما في نفسي فله هذه الجارية بما عليها. فقال في ذلك الشعراء فلم يصنعوا شيئاً، فقال خليد عينين (٣) العبدي:
يا عينُ أذري دمعةً … وأبكي الشَّهيدَ ابنَ الشَّهيد
فلقد قتلتَ بغرّةٍ … وجلبتَ حتفك من بعيدْ
فلما قالهما قالت: إن هذان (٤) اللذان كانا في نفسي. وأعطته الجارية برحالتها.
ومنهم:
عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بن المغيرة المخزومي
ذكر الكلبي عن خالد بن يزيد عن أبيه [أن (٥)] معاوية قال لأهل الشام لما أراد البيعة ليزيد: إن أمير المؤمنين قد كبرت سنه، ودنا من أجله، وقد أراد أن يولي الأمر رجلا من بعده فما ذا ترون؟ فقالوا: عليك بعبد الرحمن بن خالد بن الوليد - وكان فاضلاً - فسكت معاوية وأضمرها في نفسه. ثم إنّ
стр. 65
عبد الرحمن اشتكى، فدعا معاوية ابن أثال الطبيب، وكان من عظماء الروم، فقال: ائت عبد الرحمن فانعت له (١). فأتاه فسقاه شربة انحرف منها عبد الرحمن ومات. فقال معاوية حين بلغه موته: لا جد إلا ما أنفض عنك ما تكره.
ثم إن كعب بن جعيل (٢) التغلبي - وكان صديقاً لعبد الرحمن بن خالد - دخل على معاوية فقال له: قد كنت صديقاً لعبد الرحمن بن خالد فما الذي قلت فيه؟ قال: قلت:
ألا تبكي وما ظلمت قريشٌ … بإعوال البكاء على فتاها
ولو سئلتْ دمشقُ وأهلُ حمصٍ … وبصرى من أتاح لكم قراها (٣)
فسيفُ الله أدخلها المنايا … وهدَّم حصنها وحمى حماها
وأسكنها معاويةَ بن حربٍ … وكانت أرضه أرضاً سواها
ومنهم:
شيبان بن عبد شمس بن شهاب
أحد بني ربيعة بن كعب بن سعد (٤)، وكان صاحب شرطة عبيد الله بن زياد بن أبيه، وكان عبيد الله يكثر القتل في الخوارج (٥)، فأقبل شيبان منصرفا إلى منزله ومعه ثمانية بنين له، فعرض له ناس من الخوارج فقالوا: لنا حاجة.
فقال: أضع ثيابي وأخرج لكم. فدخل وألقى ثيابه وألقى بنوه سلاحهم، ثم خرج فناوله بعضهم كتاباً فجعل ينظر فيه، ووثبوا عليه فقتلوه، وخرج بنوه حسّرا
стр. 66
فقتلوهم، فخرج إليهم بشر بن عتبة أخو بني ربيعة بن كعب، فقتلهم جميعاً.
فقال الفرزدق:
لعمركَ ما ليثٌ بخفّانَ خادرٌ … بأشجعَ من بشر بن عتبة مقدما
أباء بشيبان الثّؤور وقد رأى … بنى فإنك هابوا الوشيجَ المقوَّما (١)
ومنهم:
عباد بن علقمة، المعروف بابن أخضر المازني (٢)
وهو الذي قتل أبا بلال مرداس بن أدية بالأهواز.
فأقبل عباد من الجمعة، يريد منزله، حتى إذا كان في بني كليب خرج عليه أحد عشر رجلاً من السكة التي تنحر مسجدهم (٣)، فقام تسعة منهم في السكة ودنا منه رجلان فقالا: قف أيها الشيخ نكلمك. فوقف لهما فدنوا منه فقال أحدهما: إن هذا أخي قد ظلمني حقي وغصبني مالي فليس يدفعه إلي. فقال عباد:
استعد عليه. فقال: إنه أوجه عند السلطان مني. فقال عباد: خذ حقك منه إن قدرت عليه. فقالا جميعاً: الله أكبر، قضيت على نفسك. ثم ابتدراه بسيفيهما، وخرج عليه التسعة الذين كانوا في السكة وأخذوا بلجامه فقتلوه وحكموا، وتنادى الناس، وبلغ الخبر بني مازن، فأقبل معبد أخوه، فلما انتهى إلى الخوارج وهم في السّكة وعليهم السلاح وعلى جميع من معه من بنى مازن قال للشّرطة: خلّوا عنا وعن ثأرنا. وقال لأصحابه: انزلوا إليهم فاقتلوهم رجالة في مثل حالهم. فنزلوا فاقتتلوا، فقتلوا الخوارج إلا رجلا أفلت في الزحام. فقال الفرزدق:
стр. 67
لقد طلبت بالذَّحل غير ذميمة … إذا ذمَّ طلّاب الذحول الأخاضرُ (١)
لقد جرَّدوا الأسيافَ يوم ابنِ أخضرٍ … فنالوا التي لا فوقها نالَ ثائرُ
أقادوا به أسداً لها في اقتحامها … على الغمرات في الحروب بصائرُ
ومنهم:
مسعود بن عمرو العتكي (٢) الذي يقال له «قمر العراق»
وكان سبب قتله أن عامل البصرة كان استشاره في نافع بن الأزرق، وعطية ابن الأسود، الخارجين، وكان بالبصرة، فأشار عليهما فحبسهما وكانا من رؤوس الأزارقة، فحقدت الأزارقة ذلك عليه فدسوا له من قتله، ولا يعرف قاتله.
ويقال: إنه لما مات يزيد بن معاوية، وفتن أهل البصرة، وهرب عبيد الله ابن زياد، رأست اليمن وربيعة عليها مسعودا، فأقبل مسعود وعليه قباء ديباج أصفر، مولع بسواد (٣) في الأزد وربيعة، ورأّست تميم عليها عبسا أخا كهمس السعدي، فأقبل مسعود قاصداً إلى المسجد الجامع، فصعد المنبر فجعل يأمر بالسنة وينهى عن الفتنة، وغفل الناس عن السجن وفيه الخوارج الذين حبسهم ابن زياد، فجاءهم أولياؤهم حتى أخرجوهم من السجن، وكان أكثرهم من بني تميم فدخلوا المسجد فاغتالوه وهو غافل، فقتلوه ومضوا من وجههم إلى الأهواز، فقال سوار بن حيّان المنقري (٤):
стр. 68
ألم يكنْ في قتلِ مسعودٍ غيرْ … جاءَ يزيد أمره فما أمر (١)
نحن ضربنا رأس مسعودٍ فخرّْ … ولم يوسَّدْ خدُّه حيث انقعرْ
فأصبح العبد المزونيُّ عثرْ … حتى رأى الموت قريباً قد حضر
فطمَّهم بحرُ تميم إذ زخرْ … وقيسِ عيلان ببحرٍ فانفجر
من حولهم فما دروا أين المفرّْ … حتى علا السيلُ عليهم فغمرْ
وقال نافع بن الأزرق:
فتكنا بمسعودٍ بن عمرو لقيلهِ … لبيبةَ لا تخرجْ من السجن نافعا
ولا تخرجنْ منه عطيَّة وابنه … فخضنا له شوباً من السّمِّ ناقعا
وكانت له في الأزدِ حالٌ عظيمة … وكان لما يهوى من الأمر مانعا
فقالت تميمٌ نحن أصحاب ثأره … ولن ينتهوا حتى يعضُّوا الأصابعا
ويصلوا بحرب الأزد والأزد جمرة … متى يصطلوها يصبح الأمر جاشعا (٢)
فقل لتميم ما أردتم بكذبة … تكون لها الأوطان منكم بلاقعا
ومنهم:
محمد بن عبد الله بن خازم السلمي (٣)
وكان عبد الله بن خازم ولي ابنه محمداً هراة، وجعل معه شماس بن زياد العطاردي على أمره وقفان حاله (٤) وقال لابنه: لا تقطع أمرا دون شمّاس.
стр. 69
وقد كان ابن عم لشماس قتل في الحرب التي كانت بين ابن خازم وبين بني تميم، فشرب يوماً شماس، فلما أخذت (١) فيه الشراب ذكر ابن عمه ذلك فقال:
لا أرى ابن السوداء قتل ابن عمي وهو حي يتنعم بيننا. فاغتال محمد بن عبد الله ابن خازم فقتله، ثم خرج بمن تابعه من بني تميم، حتى انتهى إلى مرو، وبها عبد الله بن خازم.
ومنهم:
عبد الله بن بشار بن أبي عقب الشاعر
وكان رضيع الحسين بن علي بن أبي طالب، وكان يجالس عبيد الله بن الحر الجعفي فيخبر بما خبره عن علي ﵁، وهو صاحب أشعار الملاحم.
وكان يقول: إن الحسين ﵁ قال لي: إنك تقتل، يقتلك عبيد الله ابن زياد بالجازر (٢).
وقال ابن الحر: إن ابن أبي عقب كان يخبرني عن الحسين ﵁ أشياء يكذبها عليه، ويزعم أن ابن زياد يقتله. فأتاه عبيد الله بن الحر ليلاً مشتملاً على السيف، فناداه فخرج إليه، فقال: ابلغ معي إلى حاجة لي. فخرج معه ابن أبي عقب، فلما برز إلى السّبخة (٣) ضربه بالسيف حتى مات.
стр. 70
ومنهم:
مروان بن الحكم بن أبي العاص
وكان خطب حيّة بنت أبي هاشم بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس - وهي أم خالد بن يزيد بن معاوية - فقال لها خالد: لا تزوجيه فإنه إنما يريد أن يضع منى. فأبت وتزوجته، فتكلم يوماً خالد ومروان حاضر، فقال له مروان:
اسكت يا ابن الرحيبة! فارتج عليه وخجل. وبلغ الخبر أم خالد، فلما انصرف إليها قالت: قد بلغني ما كلمك به الفاسق. قال خالد: قد قال لي شيئاً هو أعلم به مني. قالت: أما والله ليعلمن، فأحب أن لا يرى في وجهك غضبا. قال:
نعم. فلما انصرف مروان إليها سكتت عنه حتى إذا صار إلى فراشه قامت إلى مرفقة فألقتها على وجهه، ثم اضطجعت عليها، فلم تفارقه حتى لفظ عصبه (١).
ومنهم:
قبيصة بن القين الهلالي
وكان سببه أن المغيرة بن شعبة أتى برجلين من الخوارج فحبسهما، وكتب إلى معاوية في أمرهما، وكان المغيرة يتقي الدماء، وكان أحد الرجلين من بني تميم والآخر من محارب، فكتب معاوية إلى المغيرة: إن شهدا أني أمير المؤمنين فخل سبيلهما، وإن أبيا ذلك فاقتلهما. فجاء بنو تميم فشهدوا على صاحبهم بالجنون فخلى سبيله. ثم دعا بالمحاربي، وكان يقال له معين - وقبيصة بن القين جالس عند المغيرة - فقال لمعين: أتشهد أن معاوية أمير المؤمنين؟ قال: أشهد أن بني تميم أكثر من محارب! فقام قبيصة بن القين فقال: أصلح اللّه الأمير،
стр. 71
أسقني دمه. قال: اضرب عنقه. فضرب قبيصة عنق معين الخارجي.
فمضى المغيرة، وولي بعده زياد بن أبيه، وبعده عبيد الله بن زياد، ثم خالد ابن أسيد، ثم الضحاك بن قيس الفهري، ثم عبد الرحمن بن أم الحكم، ثم النعمان بن بشير - إلى أن ولي بشر بن مروان بن الحكم، فأكرم هذا الحي من قيس - وكانوا أخواله - ثم بني عامر خاصة، وأكرم قبيصة بن القين الهلالي، فتقدم رجل (١) من عمان يرى رأي الخوارج فدخل مسجد الكوفة، فأتى حلقة فيها قبيصة بن القين في صدر المجلس، فقال العماني ليفهم: من هذا؟
فقال: قبيصة بن القين خال الأمير. قال: ما أعرفه. فقال الرجل المسؤول: هذا قاتل معين الخارجي المحاربي! فأقبل على الذي يليه فسأله كما سأل الأول، فقال له مثل قول صاحبه، حتى سأل أربعة نفر، فاتفقوا على قول واحد، فلما اجتمعوا على منطق واحد انطلق إلى الصياقلة، وفي كمه نفيقة (٢) له، فطلب سيفاً صارماً، فأتى بسيف من البيض، فهزّه فإذا هو شديد المتن فاشتراه وكانت الأمراء تعشي عند العصر فلا تفرغ إلا عند احمرار الشمس. فخرج قبيصة بن القين من عند بشر، فعرض له العماني فقال: أصلحك الله، إني رجل غريب ظلمني عاملي ولا أحد لي، وقد أخبرت بمكانك من الأمير. فقال: هي! - وطولها وهو يسير رويداً، والعماني يتلفت يريد الخلوة من الطريق، وقبيصة يسير رويداً حتى انتهى إلى دار السمط بن مسلم (٣)، إلى زقاق يأخذ إلى بني دهن من بجيلة، فخلا له الطريق فطرح بته وقال: لا حكم إلا الله، يا ثارات معين (٤)! ثم ضربه
стр. 72
ضربة أطن منها فخذه، ثم ولي العماني وأقبل الناس إليه، فنادى قبيصة: إنه لا بأس علي، أدركوا الرجل. فلما سمع العماني قوله: «لا بأس علي» رجع على الناس فصاح بهم: أفرجوا. ففرجوا له وضربه حتى قتله، ومضى العماني فطلب فلم يوجد.
فذكروا أنه خرج بعد ذلك مع شبيب بن يزيد الشيباني، وكان بشر أخذ بالعماني يومئذ البريء والسقيم. فلما دخل شبيب الكوفة والحجاج أمير العراق جعل العمانىّ يصيح: يا أهل الكوفة، يا فسقة، تأخذون البريء بالسقيم، أنا قاتل قبيصة بن القين!
ومنهم:
بجير بن الورقاء السعدي (١)
وكان عبد الملك استعمل أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص على خراسان حيث اجتمع الناس عليه. فولى أمية بجيرا شرطه (٢)، وولى بكير ابن وشاح (٣) السعدي أيضاً ساقته، فغدر بكير بن وشاح (٣) بأمية بن عبد اللّه وقد عبر أميّة نهر بلخ يريد سمرقند، فعمد بكير فحرق المعابر ورجع إلى مرو فغلب عليها وجعل يجبيها، فرجع أمية فلم يجد ما يعبر عليه، فمضى إلى الترمذ (٤) ليعبر من هناك، وحاصر بكيراً، ثم أعطاه الأمان، ففتح له مدينة مرو.
стр. 73
وإن بجيرا وشى ببكير وقال له إنه على الوثوب بك. فقال له أمية: أنا أولّيك من أمره ما تولّيت فكن أنت قاتله. فقال له بكير: يا بجير، دع أمية يولّى قتلى غيرك، فإني أخاف إن فعلت أفسدت بين قومنا. فقدّمه بجير فضرب عنقه.
وبلغ بجيرا أنّ عشرة من بنى سعد يطلبونه بدم بكير، فكان لا يفارق الدّرع وإنّ رجلا من قومه أتى عامل سجستان فانتمى له إلى بنى حنيفة وسأله أن يكتب له كتابا إلى بجير بالوصاة. فكتب له وهو لا يظنّه إلا حنفيا. فلما قدم على بجير أدناه، فجعل الجشمي يطلب من بجير غرّة فلا يجدها، فلبث كذلك حتى عزل عبد الملك أمية وولى الحجاج العراق، فولّى الحجاج المهلّب بن أبي صفرة خراسان، فقال بجير عند رواق المهلب، وهم في عسكر وقد أتى بجير والناس يطلبون الإذن على المهلّب إذ جاءه العوفىّ من خلفه، الذي ذكر أنه حنفىّ، كأنه يسارّه، فأصغى إليه بجير فطعنه بخنجر كان معه فنحره به، ونادى الناس: الحرورىّ الحروري! فرمى بالخنجر ونادى: واللّه ما أنا بحرورى، ولكني اخز (١) يا لثارات بكير بن وشاح (٢)! وأخذ الرجل، وكان عيّره رجل بالبادية بأن قال له: إنك لنئوم عن طلب وترك في بكير بن وشاح (٢)! فجعل على نفسه أن لا يأكل لحما، ولا يدهن رأسه حتى يقتل قاتل بكير.
стр. 74
ومنهم:
يزيد بن الحصين بن نمير السّكسكى
وكان سبب ذلك أنّ الحجاج أخبر عن راهب بطريق الشام بعلم بارع فوفد الحجاج إلى عبد الملك فأتى الراهب فقال له: يا راهب، أنا الحجّاج، وإني لأعلم أنّى بين موت وعزل فمن ترى يلي مكاني؟ فنظر الراهب فقال: بلى مكانك يزيد. فسأل الحجاج سفيان منجّمه عما قال الراهب فقال له: صدقك. فقال الحجاج: أمّا يزيد بن أبي مسلم (١) فليس العبد هناك. وأما يزيد بن المهلب فخليق أن يكون، أو يزيد بن الحصين بن نمير، فإنه سيد الشام.
فلم يزل يحمل عبد الملك والوليد بعده على آل المهلب حتى أمكن فيهم فعذّبهم وأغرمهم ستّة آلاف، ودسّ سفيان منجّمه إلى يزيد بن الحصين فقال:
اكفنيه! فأتاه سفيان فلاطفه حتى أنس به واطمأن إليه واختلط به، ثم سقاه سمّا فقتله، فولّى العراق بعده الوليد بن عبد الملك يزيد بن أبي كبشة، ثم وليه لسليمان بن عبد الملك يزيد بن المهلب.
стр. 75
ومنهم:
نجدة بن عامر الحنفي
وكان رئيس الخوارج، فوجدوا عليه بأنه ظفر ببنت عمرو بن عثمان بن عفان فردها إلى قريش. وفي أنه أمر لمالك بن مسمع، وكان هرب إليه من مصعب، بمائة ناقة. وأعطى عبيد الله بن زياد بن ظبيان، أحد بني تيم الله بن ثعلبة بن عكابة وكان هرب إليه أيضاً - مثل ذلك. فرأسوا عليهم أبا فديك، وخلعوا نجدة، فجلس في منزله وخلاهم.
ثم إن أصحاب أبي فديك تذامروا بينهم قالوا: لا نأمن أصحاب نجدة أن يغاوروه (١) لقدر نجدة - كان - فيهم. فاغتالوه حتى قتلوه في منزله.
ومنهم:
أبو هاشم عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب (٢)
وكان من رجال قريش، وأنه وفد إلى سليمان بن عبد الملك، ومعه عدة من الشيعة، وكان من أشد أهل زمانه عارضة وأبينهم بياناً، فلما كلمه سليمان عجب منه وقال: ما كلمت قرشياً قط يشبه هذا، ما أظنه إلا الذي كنا نحدث عنه! وأحسن جائزته وجوائز من معه، وقضى حوائجه وحوائجهم، ثم شخص يريد فلسطين، فبعث سليمان قوماً إلى بلاد لخم وجذام، فضربوا أبنية، بين كل بناءين ميل وأكثر من ميل، ومعهم اللبن المسموم، فلما مر بهم أبو هاشم وهو على بغلة له قالوا: يا أبا عبد الله، هل لك في الشراب (٣)؟ فقال: جزيتم خيرا.