← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 9508

التلويح على التوضيح لمتن التنقيح

السعد التفتازاني

Полный текст (833 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

كَإِطْلَاقِ اسْمِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبِّبِ نَحْوُ عَيْنَا الْغَيْثِ) أَيْ النَّبْتِ (أَوْ بِالْعَكْسِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ [غافر: ١٣] ، وَهَذَا يَحْتَمِلُ الْعَكْسَ أَيْضًا) أَيْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ [غافر: ١٣] يَحْتَمِلُ إطْلَاقَ اسْمِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبِّبِ (لِأَنَّ الرِّزْقَ سَبَبٌ غَائِيٌّ لِلْمَطَرِ وَإِمَّا بِالشَّرْطِيَّةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] أَيْ صَلَاتَكُمْ) هَذَا نَظِيرُ إطْلَاقِ اسْمِ الشُّرُوطِ عَلَى الْمُشْرَطِ. (وَكَالْعِلْمِ عَلَى الْمَعْلُومِ) هَذَا نَظِيرُ إطْلَاقِ اسْمِ الْمَشْرُوطِ عَلَى الشَّرْطِ وَيَكُونُ صِفَتَهُ، وَهُوَ الِاسْتِعَارَةُ، وَشَرْطُهَا أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ بَيِّنًا كَالْأَسَدِ يُرَادُ بِهِ لَازِمُهُ، وَهُوَ الشُّجَاعُ فَيُطْلَقُ عَلَى زَيْدٍ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ شُجَاعٌ، وَإِذَا عَرَفْت أَنَّ مَبْنَى الْمَجَازِ عَلَى إطْلَاقِ اسْمِ الْمَلْزُومِ عَلَى اللَّازِمِ، وَالْمَلْزُومُ أَصْلٌ، وَاللَّازِمُ فَرْعٌ فَإِذَا كَانَتْ الْأَصْلِيَّةُ، وَالْفَرْعِيَّةُ مِنْ الطَّرَفَيْنِ يَجْرِي الْمَجَازُ مِنْ الطَّرَفَيْنِ كَالْعِلَّةِ مَعَ الْمَعْلُولِ الَّذِي هُوَ عِلَّةٌ غَائِيَّةٌ لَهَا، (وَكَالْجُزْءِ مَعَ الْكُلِّ فَإِنَّ الْجُزْءَ تَبَعُ لِلْكُلِّ) أَيْ بِالنِّسْبَةِ إلَى اللَّفْظِ الْمَوْضُوعِ لِلْكُلِّ فَإِنَّ الْجُزْءَ يُفْهَمُ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ بِتَبَعِيَّةِ الْكُلِّ فَيَصِحُّ أَنْ يُطْلَقَ هَذَا اللَّفْظُ، وَيُرَادُ بِهِ جُزْءُ الْمَوْضُوعِ لَهُ. (وَالْكُلُّ مُحْتَاجٌ إلَى الْجُزْءِ) فَيَكُونُ الْجُزْءُ أَصْلًا فَيَصِحُّ أَنْ يُرَادَ الْكُلُّ بِاللَّفْظِ الْمَوْضُوعِ لِلْجُزْءِ فَإِطْلَاقُ اسْمِ الْكُلِّ عَلَى الْجُزْءِ مُطَّرِدٌ وَعَكْسُهُ غَيْرُ مُطَّرِدٍ بَلْ يَجُوزُ فِي صُورَةٍ يَسْتَلْزِمُ الْجُزْءُ الْكُلَّ كَالرَّقَبَةِ، وَالرَّأْسِ مَثَلًا فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُوجَدُ بِدُونِ الرَّأْسِ، وَالرَّقَبَةِ، وَأَمَّا إطْلَاقُ الْيَدِ، وَإِرَادَةُ الْإِنْسَانِ فَلَا يَجُوزُ. (وَكَالْمَحَلِّ فَإِنَّهُ أَصْلٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحَالِّ) لِاحْتِيَاجِ الْحَالِّ إلَى الْمَحَلِّ. (وَأَيْضًا عَلَى الْعَكْسِ إذَا كَانَ الْمَقْصُودُ هُوَ الْحَالَّ) ــ [التلويح] أَوْ خَارِجًا عَنْهُ) مَعْنَاهُ أَوْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَارِجًا عَنْ الْآخَرِ إذْ لَوْ حُمِلَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا خَارِجًا عَنْ الْآخَرِ لَمْ يُنَافِ كَوْنَ أَحَدِهِمَا جُزْءًا لِلْآخَرِ، وَلَمْ يُقَابِلْهُ ضَرُورَةَ أَنَّهُ إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا جُزْءًا لِلْآخَرِ كَانَ أَحَدُهُمَا، وَهُوَ الْكُلُّ خَارِجًا عَنْ الْآخَرِ، وَهُوَ الْجُزْءُ. (قَوْلُهُ: أَوْ يَكُونَ صِفَتَهُ) أَيْ اللَّازِمِ صِفَةَ الْمَلْزُومِ، وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ إمَّا أَنْ لَا يَكُونَ اللَّازِمُ صِفَةً لِلْمَلْزُومِ، وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ الْمَجَازِ يُسَمَّى اسْتِعَارَةً فَإِنْ قُلْت قَدْ جَعَلَ أَنْوَاعَ الْعَلَاقَاتِ مُتَقَابِلَةً مُتَبَايِنَةً حَتَّى اشْتَرَطَ فِي الِاسْتِعَارَةِ مَثَلًا أَنْ لَا يَكُونَ أَحَدُ الْمَعْنَيَيْنِ جُزْءًا لِلْآخَرِ، وَفِي الْمَجَازِ بِاعْتِبَارِ السَّبَبِيَّةِ، وَنَحْوِهَا أَنْ لَا يَكُونَ وَصْفًا لَهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُشْعِرُ بِهِ التَّقْسِيمُ، وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّهُ لَا امْتِنَاعَ فِي اجْتِمَاعِ الْعَلَاقَاتِ بَعْضِهَا مَعَ بَعْضٍ مَثَلًا إطْلَاقُ الْمُشَفَّرِ عَلَى شَفَةِ الْإِنْسَانِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْتِعَارَةً عَلَى قَصْدِ التَّشْبِيهِ فِي الْغِلَظِ، وَأَنْ يَكُونَ مَجَازًا مُرْسَلًا مِنْ إطْلَاقِ الْكُلِّ عَلَى الْجُزْءِ أَعْنِي الْمُقَيَّدَ عَلَى الْمُطْلَقِ، وَهُوَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى قُلْت كَأَنَّهُ قَصَدَ تَمَايُزَ الْأَقْسَامِ بِحَسَبِ الِاعْتِبَارِ، وَأَرَادَ أَنَّهُ إمَّا أَنْ يُعْتَبَرَ كَوْنُ أَحَدِهِمَا جُزْءًا لِلْآخَرِ أَوْ وَصْفًا لَهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَإِنْ قُلْت فَالِاسْتِعَارَةُ تَكُونُ بِاعْتِبَارِ جَامِعٍ دَاخِلٍ فِي الطَّرَفَيْنِ أَوْ شَكْلٍ لَهُمَا فَكَيْفَ حُصِرَ الْجَامِعُ فِي الْوَصْفِيَّةِ قُلْت أَرَادَ أَنَّ اللَّازِمَ، وَهُوَ مَا حَصَلَ لَهُ الْجَامِعُ

стр. 142

كَالْمَاءِ، وَالْكُوزِ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْكُوزِ الْمَاءُ، وَالْمُرَادَ بِالْحُلُولِ الْحُصُولُ فِيهِ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ ــ [التلويح] وَصْفٌ لِلْمَلْزُومِ أَعْنِي الْمَعْنَى الْحَقِيقِيَّ، وَهَذَا لَا يُنَافِي كَوْنَ الْجَامِعِ جُزْءًا مِنْ الطَّرَفَيْنِ أَوْ شَكْلًا لَهُمَا فَإِنْ قِيلَ فَاللَّازِمُ أَعْنِي الْمَعْنَى الْمَجَازِيَّ الَّذِي أُطْلِقَ عَلَيْهِ اللَّفْظُ فِي مِثْلِ رَأَيْت فِي الْحَمَّامِ أَسَدًا هُوَ زَيْدٌ الشُّجَاعُ مَثَلًا، وَهُوَ لَيْسَ بِوَصْفِ الْمَلْزُومِ أَعْنِي الْأَسَدَ الْحَقِيقِيَّ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَسَدِ لَازِمُهُ الَّذِي هُوَ الشُّجَاعُ، وَهُوَ وَصْفٌ لَهُ، وَإِنَّمَا وَقَعَ الْإِطْلَاقُ عَلَى زَيْدٍ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مِنْ أَفْرَادِ الشُّجَاعِ كَمَا إذَا قُلْت رَأَيْت شُجَاعًا، وَهَاهُنَا بُحِثَ، وَهُوَ أَنَّ اللَّازِمَ اُسْتُعْمِلَ فِيهِ لَفْظُ الْأَسَدِ مَجَازًا إنْ كَانَ هُوَ الْإِنْسَانَ الشُّجَاعَ فَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَيْسَ بِوَصْفٍ لِلْمَلْزُومِ أَعْنِي الْأَسَدَ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الشُّجَاعَ مُطْلَقًا أَعَمَّ مِنْ الْإِنْسَانِ، وَالْأَسَدِ، وَغَيْرِهِمَا فَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُشَبَّهٍ بِالْأَسَدِ، وَإِنَّمَا الْمُشَبَّهُ هُوَ الْإِنْسَانُ الشُّجَاعُ خَاصَّةً فَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ الْمَجَازُ بِاعْتِبَارِ إطْلَاقِ اسْمِ الْمُشَبَّهِ بِهِ، وَأَيْضًا لَا يَصِحُّ أَنَّ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيَّ لَا يَحْصُلُ لِلْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ أَصْلًا ضَرُورَةَ أَنَّ مَعْنَى الْأَسَدِ حَاصِلٌ لِذَاتٍ لَهَا الشَّجَاعَةُ فِي الْجُمْلَةِ، وَتَحْقِيقُ هَذِهِ الْمَبَاحِثِ يُطْلَبُ مِنْ شَرْحِنَا لِلتَّلْخِيصِ. (قَوْلُهُ: وَإِذَا عَرَفْت) يُرِيدُ أَنَّ بَعْضَ أَنْوَاعِ الْعَلَاقَةِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ مِمَّا يُصَحِّحُ الْمَجَازَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَبَعْضَهَا مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَبْنَى الْمَجَازِ عَلَى الِانْتِقَالِ مِنْ الْمَلْزُومِ إلَى اللَّازِمِ، وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ مَعْنَى اللُّزُومِ هَاهُنَا الِانْتِقَالُ فِي الْجُمْلَةِ لَا امْتِنَاعُ الِانْفِكَاكِ فَالْمَلْزُومُ أَصْلٌ، وَمَتْبُوعٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ مِنْهُ الِانْتِقَالَ، وَاللَّازِمُ فَرْعٌ، وَتَابِعٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ إلَيْهِ الِانْتِقَالَ فَإِنْ كَانَ اتِّصَالُ الشَّيْئَيْنِ بِحَيْثُ يَكُونُ كُلٌّ مِنْهُمَا أَصْلًا مِنْ وَجْهٍ فَرْعًا مِنْ وَجْهٍ جَازَ اسْتِعْمَالُ اسْمِ كُلٍّ مِنْهُمَا فِي الْآخَرِ مَجَازًا وَإِلَّا جَازَ اسْتِعْمَالُ اسْمِ الْأَصْلِ فِي الْفَرْعِ دُونَ الْعَكْسِ فَالْعِلَّةُ أَصْلٌ مِنْ جِهَةِ احْتِيَاجِ الْمَعْلُولِ إلَيْهِ، وَابْتِنَائِهِ عَلَيْهِ، وَالْمَعْلُولُ الْمَقْصُودُ أَصْلٌ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ بِمَنْزِلَةِ الْعِلَّةِ الْغَائِيَّةِ. وَالْغَايَةُ وَإِنْ كَانَتْ مَعْلُولَةً لِلْفَاعِلِ مُتَأَخِّرَةً عَنْهُ فِي الْخَارِجِ إلَّا أَنَّهَا فِي الذِّهْنِ عِلَّةٌ لِفَاعِلِيَّتِهِ مُتَقَدِّمَةٌ عَلَيْهَا، وَلِهَذَا قَالُوا الْأَحْكَامُ عِلَلٌ مَآلِيَّةٌ، وَالْأَسْبَابُ عِلَلٌ آلِيَّةٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّ احْتِيَاجَ النَّاسِ بِالذَّاتِ إنَّمَا هُوَ إلَى الْأَحْكَامِ دُونَ الْأَسْبَابِ، وَإِنَّمَا قَالَ كَالْعِلَّةِ مَعَ الْمَعْلُولِ دُونَ السَّبَبِ مَعَ الْمُسَبِّبِ كَمَا فِي بَيَانِ أَنْوَاعِ الْعَلَاقَةِ لِأَنَّ مِنْ السَّبَبِ مَا هُوَ سَبَبٌ مَحْضٌ لَيْسَ فِي مَعْنَى الْعِلَّةِ، وَالْمُسَبِّبُ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ مَجَازًا كَمَا سَيَجِيءُ، وَالْكُلُّ أَصْلٌ يُبْتَنَى عَلَيْهِ الْجُزْءُ فِي الْحُصُولِ مِنْ اللَّفْظِ بِمَعْنَى أَنَّهُ إنَّمَا يُفْهَمُ مِنْ اسْمِ الْكُلِّ بِوَاسِطَةِ أَنَّ فَهْمَ الْكُلِّ مَوْقُوفٌ عَلَى فَهْمِهِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ التَّضَمُّنُ تَابِعٌ لِلْمُطَابَقَةِ، وَالتَّبَعِيَّةُ بِهَذَا الْمَعْنَى لَا تُنَافِي كَوْنَ فَهْمِ الْجُزْءِ سَابِقًا عَلَى فَهْمِ الْكُلِّ، وَالْجُزْءُ أَصْلٌ بِاعْتِبَارِ احْتِيَاجِ الْكُلِّ إلَيْهِ فِي الْوُجُودِ، وَالتَّعَقُّلِ، وَفِي هَذَا تَسْلِيمُ مَا مَنَعَهُ فِي صَدْرِ الْكِتَابِ مِنْ اطِّرَادِ تَعْرِيفِ الْأَصْلِ بِالْمُحْتَاجِ إلَيْهِ فَإِنْ قُلْت لَمَّا كَانَ فَهْمُ

стр. 143

حُلُولِ الْعَرْضِ فِي الْجَوْهَرِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الِاتِّصَالَاتِ الْمَذْكُورَةَ إذَا وُجِدَتْ مِنْ حَيْثُ الشَّرْعُ تَصْلُحُ عَلَاقَةً لِلْمَجَازِ أَيْضًا (كَالِاتِّصَالِ فِي الْمَعْنَى الْمَشْرُوعِ كَيْفَ شُرِعَ يَصْلُحُ عَلَاقَةً لِلِاسْتِعَارَةِ) ــ [التلويح] الْجُزْءِ سَابِقًا عَلَى فَهْمِ الْكُلِّ لَمْ يَكُنْ الِانْتِقَالُ مِنْ الْكُلِّ إلَى الْجُزْءِ بَلْ بِالْعَكْسِ فَلَا يَكُونُ الْكُلُّ مَلْزُومًا، وَالْجُزْءُ لَازِمًا عَلَى مَا مَرَّ مِنْ التَّفْسِيرِ قُلْت لَيْسَ مَعْنَى الِانْتِقَالِ مِنْ الْمَلْزُومِ إلَى اللَّازِمِ أَنْ يَكُونَ تَصَوُّرُ اللَّازِمِ مُتَأَخِّرًا عَنْهُ فِي الْوُجُودِ أَلْبَتَّةَ بَلْ أَنْ يَكُونَ اللَّازِمُ بِحَيْثُ يَحْصُلُ عِنْدَ حُصُولِ الْمَلْزُومِ فِي الذِّهْنِ فِي الْجُمْلَةِ، وَهَذَا الْمَعْنَى فِي الْجُزْءِ مُتَحَقِّقٌ بِصِفَةِ الدَّوَامِ، وَالْوُجُوبِ فَإِنْ قِيلَ احْتِيَاجُ الْكُلِّ إلَى الْجُزْءِ ضَرُورِيٌّ مُطَّرِدٌ، وَالْمَجْمُوعُ الَّذِي يَكُونُ الْيَدُ أَوْ الرِّجْلُ جُزْءًا مِنْهُ لَا يَتَحَقَّقُ بِدُونِهِمَا ضَرُورَةَ انْتِفَاءِ الْكُلِّ بِانْتِفَاءِ الْجُزْءِ فَمَا مَعْنَى اشْتِرَاطِ جَوَازِ إطْلَاقِ الْجُزْءِ عَلَى الْكُلِّ بِأَنْ يَسْتَلْزِمَ الْجُزْءَ لِلْكُلِّ كَالرَّقَبَةِ، وَالرَّأْسِ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُوجَدُ بِدُونِهِمَا بِخِلَافِ الْيَدِ، وَالرِّجْلِ قُلْنَا هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْعُرْفِ حَيْثُ يُقَالُ لِلشَّخْصِ الَّذِي قُطِعَتْ يَدُهُ أَوْ رِجْلُهُ، وَذَلِكَ الشَّخْصُ بِعَيْنِهِ لَا غَيْرُهُ فَاعْتُبِرَ الْجُزْءُ الَّذِي لَا يَبْقَى الْإِنْسَانُ مَوْجُودًا بِدُونِهِ. وَأَمَّا إطْلَاقُ الْعَيْنِ عَلَى الرَّقِيبِ فَإِنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْإِنْسَانَ بِوَصْفِ كَوْنِهِ رَقِيبًا لَا يُوجَدُ بِدُونِهِ كَإِطْلَاقِ اللِّسَانِ عَلَى التُّرْجُمَانِ فَإِنْ قِيلَ مَعْنَى اسْتِلْزَامِ الْجُزْءِ الْكُلَّ يَقْتَضِي كَوْنَ الْجُزْءِ مَلْزُومًا، وَالْكُلِّ لَازِمًا، وَعَدَمُ وُجْدَانِ الْإِنْسَانِ بِدُونِ الرَّأْسِ أَوْ الرَّقَبَةِ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجُزْءَ لَازِمٌ، وَالْكُلَّ مَلْزُومٌ إذْ الْمُلْزَمُ هُوَ الَّذِي لَا يُوجَدُ بِدُونِ اللَّازِمِ قُلْنَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ أَنَّا لَا نُرِيدُ بِالْمُسْتَلْزِمِ، وَاللَّازِمِ مُصْطَلَحَ أَهْلِ الْجَدَلِ بَلْ مُصْطَلَحُ أَهْلِ الْحِكْمَةِ، وَالْبَيَانِ، وَهُمْ يَعْنُونَ بِالْمُسْتَلْزِمِ الْمُسْتَتْبَعِ، وَاللَّازِمُ مَا يَتْبَعُهُ فَالْحُكَمَاءُ يَجْعَلُونَ خَوَاصَّ الْمَاهِيَّةِ لَوَازِمَهَا لَا مَلْزُومَاتِهَا مَعَ أَنَّهَا لَا تُوجَدُ بِدُونِ الْمَاهِيَّةِ، وَالْمَاهِيَّةُ قَدْ تُوجَدُ بِدُونِهَا، وَعُلَمَاءُ الْبَيَانِ يَجْعَلُونَ مَبْنَى الْمَجَازِ عَلَى الِانْتِقَالِ مِنْ الْمَلْزُومِ إلَى اللَّازِمِ، وَمَبْنَى الْكِنَايَةِ عَلَى الِانْتِقَالِ مِنْ اللَّازِمِ إلَى الْمَلْزُومِ، وَيَعْنُونَ بِاللَّازِمِ مَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ التَّابِعِ، وَالرَّدِيفِ فَكُلٌّ مِنْ الرَّقَبَةِ، وَالرَّأْسِ مَلْزُومٌ، وَأَصْلٌ يَفْتَقِرُ إلَيْهِ الْإِنْسَانُ، وَيَتْبَعُهُ فِي الْوُجُودِ. وَفِي كَوْنِ مَا ذُكِرَ مُصْطَلَحَ أَهْلِ الْحِكْمَةِ نَظَرٌ فَإِنَّهُمْ يَقْسِمُونَ الْخَاصَّةَ إلَى لَازِمَةٍ، وَغَيْرِ لَازِمَةٍ، وَإِنَّمَا يُطْلِقُونَ اللَّوَازِمَ عَلَى مَا يَكُونُ مُقْتَضَى الْمَاهِيَّةِ، وَيَمْتَنِعُ انْفِكَاكُهُ عَنْهَا لَا يُقَالُ كُلُّ مَلْزُومٍ فَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى لَازِمِهِ فَيَكُونُ اللَّازِمُ أَصْلًا لَهُ، وَمَلْزُومًا بِمَعْنَى كَوْنِهِ مُحْتَاجًا إلَيْهِ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ جَرَيَانُ الْأَصَالَةِ، وَالتَّبَعِيَّةِ فِي جَمِيعِ أَقْسَامِ الْمَجَازِ ضَرُورَةَ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الِانْتِقَالِ مِنْ الْمَلْزُومِ إلَى اللَّازِمِ لِأَنَّا نَقُولُ إنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ لَوْ أُرِيدَ بِاللَّازِمِ مَا يَمْتَنِعُ انْفِكَاكُهُ عَنْ الشَّيْءِ حَتَّى يَحْتَاجَ الشَّيْءُ إلَيْهِ، وَقَدْ عَرَفْت أَنَّهُ لَيْسَ بِمُرَادٍ. (قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ بِالْحُلُولِ) الْمُتَعَارَفُ عِنْدَ الْحُكَمَاءِ فِي حُلُولِ

стр. 144

أَيْ يَنْظُرُ فِي التَّصَرُّفَاتِ الْمَشْرُوعَةِ كَالْبَيْعِ، وَالْإِجَارَةِ، وَالْوَصِيَّةِ، وَغَيْرِهَا أَنَّ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ عَلَى وَجْهٍ شُرِعَتْ فَالْبَيْعُ عَقْدٌ شُرِعَ لِتَمْلِيكِ الْمَالِ بِالْمَالِ وَالْإِجَارَةُ شُرِعَتْ لِتَمْلِيكِ الْمَنْفَعَةِ بِالْمَالِ فَإِذَا حَصَلَ اشْتِرَاكُ التَّصَرُّفَيْنِ فِي هَذَا الْمَعْنَى تَصِحُّ اسْتِعَارَةُ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ. (كَالْوَصِيَّةِ، وَالْإِرْثِ) فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا اسْتِخْلَافٌ بَعْدَ الْمَوْتِ إذَا حَصَلَ الْفَرَاغُ مِنْ حَوَائِجِ الْمَيِّتِ كَالتَّجْهِيزِ، وَالدَّيْنِ فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ كَمَا يُشْتَرَطُ لِلِاسْتِعَارَةِ فِي غَيْرِ الشَّرْعِيَّاتِ اللَّازِمُ الْبَيِّنُ فَكَذَلِكَ فِي الشَّرْعِيَّاتِ، وَاللَّازِمُ الْبَيِّنُ لِلتَّصَرُّفَاتِ الشَّرْعِيَّةِ هُوَ الْمَعْنَى الْخَارِجُ عَنْ مَفْهُومِهَا الصَّادِقِ عَلَيْهَا الَّذِي يَلْزَمُ مِنْ تَصَوُّرِهَا تَصَوُّرُهُ. (وَكَالسَّبَبِيَّةِ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ كَالِاتِّصَالِ فِي الْمَعْنَى الْمَشْرُوعِ كَنِكَاحِهِ ﵇ انْعَقَدَ بِلَفْظِ الْهِبَةِ فَإِنَّ الْهِبَةَ وُضِعَتْ لِمِلْكِ الرَّقَبَةِ، وَالنِّكَاحُ لِمِلْكِ الْمُتْعَةِ، وَذَلِكَ أَيْ مِلْكُ الرَّقَبَةِ (سَبَبٌ لِهَذَا) أَيْ لِمِلْكِ الْمُتْعَةِ فَأُطْلِقَ اللَّفْظُ الَّذِي وُضِعَ لِمِلْكِ الرَّقَبَةِ، وَأُرِيدَ بِهِ مِلْكُ الْمُتْعَةِ (وَكَذَا نِكَاحُ غَيْرِهِ عِنْدَنَا) أَيْ نِكَاحُ غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ عِنْدَنَا إذَا كَانَتْ الْمَنْكُوحَةُ حُرَّةً حَتَّى لَوْ كَانَتْ أَمَةً تَثْبُتُ الْهِبَةُ عِنْدَنَا. (وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ــ [التلويح] الشَّيْءِ فِي الشَّيْءِ اخْتِصَاصُهُ بِحَيْثُ يَصِيرُ الْأَوَّلُ نَاعِتًا، وَالثَّانِي مَنْعُوتًا كَحُلُولِ الْعَرَضِ فِي الْجَوْهَرِ، وَالصُّورَةِ فِي الْمَادَّةِ فَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّا لَا نَعْنِي بِالْحَالِّ، وَالْمَحَلِّ هَذَا الْمَعْنَى بَلْ مَعْنَى الْحُلُولِ حُصُولُ الشَّيْءِ فِي الشَّيْءِ سَوَاءٌ كَانَ حُصُولُ الْعَرَضِ فِي الْجَوْهَرِ أَوْ الصُّورَةِ فِي الْمَادَّةِ أَوْ الْجِسْمِ فِي الْمَكَانِ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ كَحُصُولِ الرَّحْمَةِ فِي الْجَنَّةِ. (قَوْلُهُ: وَاعْلَمْ أَنَّ الِاتِّصَالَاتِ) يَعْنِي كَمَا يَجُوزُ الْمَجَازُ فِي الْأَسْمَاءِ اللُّغَوِيَّةِ إذَا وُجِدَتْ الْعَلَاقَاتُ الْمَذْكُورَةُ بَيْنَ مَعَانِيهَا فَكَذَلِكَ يَجُوزُ فِي الْأَسْمَاءِ الشَّرْعِيَّةِ إذَا وُجِدَ بَيْنَ مَعَانِيهَا نَوْعٌ مِنْ الْعَلَاقَاتِ الْمَذْكُورَةِ بِحَسَبِ الشَّرْعِ بِأَنْ يَكُونَ تَصَرُّفَانِ شَرْعِيَّانِ يَشْتَرِكَانِ فِي وَصْفٍ لَازِمٍ بَيِّنٍ أَوْ يَكُونَ مَعْنَى أَحَدِهِمَا سَبَبًا لِمَعْنَى الْآخَرِ، وَذَلِكَ لِمَا سَيَجِيءُ مِنْ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْمَجَازِ وُجُودُ الْعَلَاقَةِ، وَلَا يُشْتَرَطُ السَّمَاعُ فِي أَفْرَادِ الْمَجَازَاتِ فَيَجُوزُ الْمَجَازُ سَوَاءٌ كَانَ وُجُودُ الْعَلَاقَةِ بِحَسَبِ اللُّغَةِ أَوْ الشَّرْعِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْكَلَامُ خَبَرًا أَوْ إنْشَاءً فِي التَّمْثِيلِ بِالِاتِّصَالِ فِي الْمَعْنَى الْمَشْرُوعِ، وَبِالسَّبَبِيَّةِ إشَارَةً إلَى مَا ذَكَرَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَغَيْرُهُ مِنْ ضَبْطِ أَنْوَاعِ الْعَلَاقَاتِ بِأَنَّهَا اتِّصَالٌ صُورَةً كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ، وَالْمَطَرِ أَوْ مَعْنًى كَمَا بَيْنَ الْأَسَدِ، وَالرَّجُلِ الشُّجَاعِ فَإِنَّهُمَا لَا يَتَّصِلَانِ مِنْ جِهَةِ الذَّاتِ، وَالصُّورَةِ بَلْ مِنْ جِهَةِ الِاشْتِرَاكِ فِي مَعْنَى الشَّجَاعَةِ، وَعَبَّرَ عَنْ عَلَاقَةِ الْمُشَابَهَةِ بِالِاتِّصَالِ فِي مَعْنَى الْمَشْرُوعِ كَيْفَ شَرَعَ لِأَنَّ الْمُشَابَهَةَ اتِّفَاقٌ فِي الْكَيْفِيَّةِ، وَالصِّفَةِ. ١ - (قَوْلُهُ: فَإِنَّ الْهِبَةَ وُضِعَتْ لِمِلْكِ الرَّقَبَةِ) يَعْنِي أَنَّهَا عَقْدٌ مَوْضُوعٌ فِي الشَّرْعِ لِأَجْلِ حُصُولِ مِلْكِ الرَّقَبَةِ. (قَوْلُهُ: حَتَّى لَوْ كَانَتْ أَمَةً تَثْبُتُ الْهِبَةُ) فَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهَا أَحْكَامُ الْهِبَةِ لَا أَحْكَامُ النِّكَاحِ، وَيُشْتَرَطُ فِي انْعِقَادِ النِّكَاحِ بِلَفْظِ الْهِبَةِ أَنْ يَطْلُبَ الزَّوْجُ مِنْهَا الْهِبَةَ إذْ لَوْ طَلَبَ مِنْهَا التَّمْكِينَ مِنْ الْوَطْءِ فَقَالَتْ: وَهَبْت نَفْسِي مِنْك، وَقَبِلَ الزَّوْجُ لَا يَكُونُ نِكَاحًا. وَأَمَّا النِّيَّةُ فَلَا حَاجَةَ إلَيْهَا لِأَنَّ الْمَحَلَّ مُتَعَيِّنٌ لِهَذَا الْمَجَازِ لِنُبُوِّهِ عَنْ قَبُولِ الْحَقِيقَةِ

стр. 145

- ﵀ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِلَفْظِ النِّكَاحِ، وَالتَّزْوِيجِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ شُرِعَ لِمَصَالِحَ لَا تُحْصَى) كَالنَّسَبِ، وَعَدَمِ انْقِطَاعِ النَّسْلِ، وَالِاجْتِنَابِ عَنْ السِّفَاحِ، وَتَحْصِيلِ الْإِحْصَانِ، وَالِائْتِلَافِ بَيْنَهُمَا، وَاسْتِمْدَادِ كُلٍّ مِنْهُمَا فِي الْمَعِيشَةِ بِالْآخَرِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَطُولُ تَعْدَادُهُ، وَغَيْرُ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ أَيْ غَيْرُ لَفْظِ النِّكَاحِ، وَالتَّزْوِيجِ قَاصِرٌ فِي الدَّلَالَةِ عَلَيْهَا أَيْ عَلَى الْمَصَالِحِ الْمَذْكُورَةِ قُلْنَا الْخُلُوصُ فِي الْحُكْمِ، وَهُوَ عَدَمُ وُجُوبِ الْمَهْرِ أَيْ صِحَّةُ النِّكَاحِ بِلَفْظِ الْهِبَةِ مَعَ عَدَمِ وُجُوبِ الْمَهْرِ مَخْصُوصَةً لَك أَمَّا فِي غَيْرِ النَّبِيِّ ﵇ فَالْمَهْرُ وَاجِبٌ، وَأَيْضًا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّا حَلَّلْنَا لَك أَزْوَاجَك حَالَ كَوْنهَا خَالِصَةً لَك أَيْ لَا تَحِلُّ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﵇ لِأَحَدٍ غَيْرِهِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] (لَا فِي اللَّفْظِ فَإِنَّ الْمَجَازَ لَا يَخْتَصُّ بِحَضْرَةِ الرِّسَالَةِ، وَأَيْضًا تِلْكَ الْأُمُورُ) أَيْ الْمَصَالِحُ الْمَذْكُورَةُ (ثَمَرَاتٌ، وَفُرُوعٌ، وَمَبْنَى النِّكَاحِ لِلْمِلْكِ لَهُ عَلَيْهَا) أَيْ لِلزَّوْجِ عَنْ الزَّوْجَةِ (حَتَّى لَزِمَ الْمَهْرُ عَلَيْهِ عِوَضًا عَنْ مِلْكِ النِّكَاحِ، وَالطَّلَاقِ بِيَدِهِ إذْ هُوَ الْمَالِكُ) أَيْ لَوْ كَانَ وَضْعُهُ لِتِلْكَ الْمَصَالِحِ، وَهِيَ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمَا لَمَّا كَانَ الْمَهْرُ وَاجِبًا لِلزَّوْجَةِ عَلَى الزَّوْجِ، أَوْ مَا كَانَ الطَّلَاقُ بِيَدِ الزَّوْجِ خَاصَّةً فَإِذَا ــ [التلويح] بِخِلَافِ الطَّلَاقِ بِأَلْفَاظِ الْعِتْقِ فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ لِصَلَاحِيَّةِ الْمَحَلِّ لِلْوَصْفِ بِالْحَقِيقَةِ. (قَوْلُهُ: إلَى غَيْرِ ذَلِكَ) أَيْ مُنْضَمًّا إلَى مَصَالِحَ أُخَرَ غَيْرِ مَا ذُكِرَ مِثْلُ وُجُوبِ النَّفَقَةِ، وَالْمَهْرِ، وَحُرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ، وَجَرَيَانِ التَّوَارُثِ، وَتَحْصِينِ الدَّيْنِ، وَلَفْظُ النِّكَاحِ، وَالتَّزْوِيجِ وَافٍ بِالدَّلَالَةِ عَلَى هَذِهِ الْمَصَالِحِ لِكَوْنِهِ مُنْبِئًا عَنْ الضَّمِّ، وَالِاتِّحَادِ بَيْنَهُمَا فِي الْقِيَامِ بِمَصَالِحِ الْمَعِيشَةِ، وَعَنْ الِازْدِوَاجِ، وَالتَّلْفِيقِ عَلَى وَجْهِ الِاتِّحَادِ كَزَوْجَيْ الْخُفِّ، وَمِصْرَاعَيْ الْبَابِ. (قَوْلُهُ: وَلَا يَجِبُ) أَيْ لَا يَجِبُ فِي الْأَعْلَامِ رِعَايَةُ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ حَتَّى يَلْزَمَ فِي لَفْظِ النِّكَاحِ، وَالتَّزْوِيجِ رِعَايَةُ الْخُلُوِّ عَنْ مَعْنَى الْمِلْكِ فَيَمْتَنِعُ جَعْلُهُمَا عَلَمَيْنِ لِلْعَقْدِ الْمَوْضُوعِ فِي الشَّرْعِ لِمِلْكِ الْمُتْعَةِ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ خُلُوُّ مَعْنَاهُمَا عَنْ مَعْنَى الْمِلْكِ هُوَ أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِيهِمَا عَلَى الْمِلْكِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُمَا يَدُلَّانِ عَلَى عَدَمِ الْمِلْكِ فَعَلَى تَقْدِيرِ وُجُوبِ رِعَايَةِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ لَا يَلْزَمُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الِازْدِوَاجِ، وَالتَّلْفِيقِ مُعْتَبَرًا فِي هَذَا الْعَقْدِ، وَهَذَا لَا يُنَافِي اعْتِبَارَ الْمَعْنَى فِي الْوَضْعِ الثَّانِي، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ مَعْنَاهُمَا التَّلْفِيقُ، وَالِازْدِوَاجُ سَوَاءٌ كَانَ مَعَ الْمِلْكِ أَوْ بِدُونِهِ، وَهَذَا الْمَعْنَى مِمَّا لَمْ يُعْتَبَرُ فِي الْعَقْدِ الْمَخْصُوصِ بَلْ اُعْتُبِرَ الْمِلْكُ قَطْعًا، وَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ الْجَوَابُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِي الْأَعْلَامِ رِعَايَةُ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ بِحَيْثُ يَكُونُ هُوَ بِعَيْنِهِ الْمَعْنَى الْعِلْمِيُّ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يُعْتَبَرَ فِيهِ زِيَادَةُ خُصُوصٍ لَا تُوجَدُ فِي الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. (قَوْلُهُ: وَكَذَا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْبَيْعِ) لِأَنَّهُ مِثْلُ الْهِبَةِ فِي إثْبَاتِ مِلْكِ الرَّقَبَةِ، وَيَزِيدُ عَلَيْهَا بِلُزُومِ الْعِوَضِ فَيَكُونُ أَنْسَبَ بِالنِّكَاحِ، وَلَا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ لِأَنَّهَا لِتَمْلِيكِ الْمَنْفَعَةِ، وَهِيَ لَا تَكُونُ سَبَبًا لِمِلْكِ الْمُتْعَةِ بِحَالٍ، وَكَذَا الْإِبَاحَةُ، وَالْإِحْلَالُ، وَالتَّمَتُّعُ لِأَنَّهَا لَا تُوجِبُ الْمِلْكَ حَتَّى

стр. 146

كَانَ الْمَهْرُ عَلَيْهِ، وَالطَّلَاقُ بِيَدِهِ عُلِمَ أَنَّ وَضْعَ النِّكَاحِ لِلْمِلْكِ لَهُ عَلَيْهَا. (وَإِذَا صَحَّ بِلَفْظَيْنِ لَا يَدُلَّانِ عَلَى الْمِلْكِ لُغَةً فَأَوْلَى) أَنْ يَصِحَّ بِلَفْظٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يَصِحُّ بِهِمَا أَيْ بِلَفْظِ النِّكَاحِ، وَالتَّزْوِيجِ (لِأَنَّهُمَا صَارَا عِلْمَيْنِ لِهَذَا الْعَقْدِ) جَوَابُ إشْكَالٍ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ لَمَّا قُلْت إنَّ النِّكَاحَ، وَالتَّزْوِيجَ لَا يَدُلَّانِ عَلَى الْمِلْكِ لُغَةً يَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِحَّ النِّكَاحُ بِهِمَا فَأَجَابَ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَصِحُّ بِهِمَا لِأَنَّهُمَا صَارَا عَلَمَيْنِ لِهَذَا الْعَقْدِ أَيْ بِمَنْزِلَةِ الْعِلْمِ فِي كَوْنِهِمَا لَفْظَيْنِ مَوْضُوعَيْنِ لِهَذَا الْعَقْدِ وَلَا يَجِبُ فِي الْإِعْلَامِ رِعَايَةُ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. (وَكَذَا يَنْعَقِدُ) أَيْ النِّكَاحُ (بِلَفْظِ الْبَيْعِ لَمَّا قُلْنَا) مِنْ طَرِيقِ الْمَجَازِ فَإِنَّ الْبَيْعَ وُضِعَ لِمِلْكِ الرَّقَبَةِ فَيُرَادُ بِهِ الْمُسَبَّبُ، وَهُوَ مِلْكُ الْمُتْعَةِ، وَالْجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ، (وَكَذَا نِكَاحُ غَيْرِهِ عِنْدَنَا) فَإِنْ قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ يَثْبُتَ الْعَكْسُ أَيْضًا بِطَرِيقِ إطْلَاقِ اسْمِ الْمُسَبِّبِ عَلَى السَّبَبِ أَيْ يَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ إطْلَاقُ اسْمِ النِّكَاحِ إرَادَةُ الْبَيْعِ أَوْ الْهِبَةِ بِطَرِيقِ اسْمِ الْمُسَبِّبِ عَلَى السَّبَبِ فَإِنَّ النِّكَاحَ وُضِعَ لِمِلْكِ الْمُتْعَةِ فَيُذْكَرُ، وَيُرَادُ بِهِ مِلْكُ الرَّقَبَةِ. (قُلْنَا إنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ) أَيْ إنَّمَا يَصِحُّ إطْلَاقُ الْمُسَبِّبِ عَلَى السَّبَبِ (إذَا كَانَ) أَيْ السَّبَبُ (عِلَّةً شُرِعَتْ لِلْحُكْمِ) أَيْ لِذَلِكَ الْمُسَبِّبِ أَيْ يَكُونُ الْمَقْصُودُ مِنْ شَرْعِيَّةِ السَّبَبِ ذَلِكَ الْمُسَبِّبَ. (كَالْبَيْعِ لِلْمِلْكِ مَثَلًا فَإِنَّ الْمِلْكَ يَصِيرُ كَالْعِلَّةِ الْغَائِبَةِ فَإِنْ قَالَ إنْ مَلَكْت عَبْدًا فَهُوَ حُرٌّ أَوْ قَالَ إنْ اشْتَرَيْت فَشَرَاهُ مُتَفَرِّقًا يُعْتَقُ فِي الثَّانِي لَا فِي الْأَوَّلِ) رَجُلٌ قَالَ: إنْ مَلَكْت عَبْدًا فَهُوَ حُرٌّ فَاشْتَرَى نِصْفَ عَبْدٍ ثُمَّ بَاعَهُ ثُمَّ اشْتَرَى النِّصْفَ الْآخَرَ لَا يُعْتَقُ هَذَا النِّصْفُ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الشَّرْطِ، وَهُوَ مِلْكُ ــ [التلويح] أَنَّ مَنْ أَبَاحَ طَعَامًا لِغَيْرِهِ فَهُوَ إنَّمَا يَبْتَلِعُهُ عَلَى مِلْكِ الْمُبِيحِ، وَكَذَا الْوَصِيَّةُ لِأَنَّهَا لَا تُوجِبُ الْمِلْكَ بِنَفْسِهَا بَلْ تُوجِبُ الْخِلَافَةَ مُضَافَةً إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْهِبَةُ تُوجِبُ إضَافَةَ الْمِلْكِ لَكِنْ لِضَعْفِ السَّبَبِ بِاعْتِبَارِ تَعَرِّيهِ عَنْ الْعِوَضِ يَتَأَخَّرُ الْمِلْكُ إلَى أَنْ يَتَقَوَّى بِالْقَبْضِ، وَلَا يَبْقَى ذَلِكَ الضَّعْفُ إذَا اُسْتُعْمِلَتْ فِي النِّكَاحِ لِأَنَّ الْعِوَضَ يَجِبُ بِنَفْسِهِ فَيَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ الْهِبَةِ عَيْنٌ فِي يَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ فَتُوجِبُ الْمِلْكَ بِنَفْسِهَا، وَاعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ الِاتِّصَالِ بَيْنَ حُكْمَيْ الْهِبَةِ، وَالنِّكَاحِ يَكُونُ أَحَدُهُمَا سَبَبًا لِلْآخَرِ كَافٍ فِي الْمَجَازِ، وَلَا حَاجَةَ إلَى مَا اعْتَبَرَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ الِاتِّصَالِ بَيْنَ السَّبَبَيْنِ أَيْضًا أَعْنِي أَلْفَاظَ التَّمْلِيكِ، وَأَلْفَاظَ النِّكَاحِ بِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُوجِبُ مِلْكَ الْمُتْعَةِ لَكِنَّ أَحَدَهُمَا بِوَاسِطَةٍ، وَالْآخَرَ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ. (قَوْلُهُ: فَإِنْ قَالَ) تَفْرِيعٌ وَتَمْثِيلٌ لِصِحَّةِ إطْلَاقِ الْمُسَبِّبِ عَلَى السَّبَبِ إذَا كَانَ السَّبَبُ عِلَّةً مَشْرُوعَةً لِلْحُكْمِ، وَالْمُسَبِّبُ حُكْمًا مَقْصُودًا مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ الْغَائِيَّةِ، وَإِنَّمَا وَضَعَ الْمَسْأَلَةَ فِي عَبْدٍ مُنْكَرٍ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: إنْ مَلَكْت هَذَا الْعَبْدَ أَوْ اشْتَرَيْته يُعْتَقُ النِّصْفُ الْآخَرُ فِي فَصْلِ الْمِلْكِ أَيْضًا لِأَنَّ الِاجْتِمَاعَ صِفَةٌ مَرْغُوبَةٌ فَيُعْتَبَرُ فِي غَيْرِ الْمُعَيَّنِ، وَيَلْغُو فِي الْمُعَيَّنِ لِأَنَّهُ يُعْرَفُ بِالْإِشَارَةِ إلَيْهِ. (قَوْلُهُ: وَهَذَا بِنَاءٌ) يَعْنِي أَنَّ قَوْلَهُ إنْ مَلَكْت أَوْ اشْتَرَيْت عَبْدًا فِي مَعْنَى أَنْ

стр. 147

الْعَبْدِ فَإِنَّهُ بَعْدَ اشْتِرَاءِ النِّصْفِ الْآخَرِ لَا يُوصَفُ بِمِلْكِ الْعَبْدِ، وَإِنْ قَالَ إنْ اشْتَرَيْت عَبْدًا فَهُوَ حُرٌّ فَشَرَى نِصْفَ عَبْدٍ ثُمَّ بَاعَهُ ثُمَّ اشْتَرَى النِّصْفَ الْآخَرَ يُعْتَقُ هَذَا النِّصْفُ لِأَنَّهُ بَعْدَ اشْتِرَاءِ النِّصْفِ الْآخَرِ يُوصَفُ بِشِرَاءِ الْعَبْدِ، وَيُقَالُ عُرْفًا إنَّهُ مُشْتَرِي الْعَبْدِ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ إطْلَاقَ اسْمِ الصِّفَاتِ الْمُشْتَقَّةِ كَاسْمِ الْفَاعِلِ، وَاسْمِ الْمَفْعُولِ، وَالصِّفَةِ الْمُشَبَّهَةِ عَلَى الْمَوْصُوفِ فِي حَالِ قِيَامِ الْمُشْتَقِّ مِنْهُ بِذَلِكَ الْمَوْصُوفِ إنَّمَا هُوَ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ أَمَّا بَعْدَ زَوَالِ الْمُشْتَقِّ مِنْهُ فَمَجَازٌ لُغَوِيٌّ لَكِنْ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ صَارَ هَذَا الْمَجَازُ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً وَلَفْظُ الْمُشْتَرِي مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ أَنَّهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الشِّرَاءِ يُسَمَّى مُشْتَرِيًا عُرْفًا فَصَارَ مَنْقُولًا عُرْفِيًّا أَمَّا لَفْظُ الْمَالِكِ فَلَا يُطْلَقُ بَعْدَ زَوَالِ الْمِلْكِ عُرْفًا فَفِي قَوْلِهِ إنْ مَلَكْت يُرَادُ الْحَقِيقَةُ اللُّغَوِيَّةُ وَفِي قَوْلِهِ: إنْ اشْتَرَيْت يُرَادُ الْحَقِيقَةُ الْعُرْفِيَّةُ، وَالْمَسْأَلَةُ الْمَذْكُورَةُ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بَلْ الْمَقْصُودُ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي تَأْتِي، وَهُوَ قَوْلُهُ. (فَإِنْ قَالَ عَنَيْت بِأَحَدِهِمَا الْآخَرَ صُدِّقَ دِيَانَةً لَا قَضَاءً فِيمَا فِيهِ تَخْفِيفٌ) يَعْنِي فِي صُورَةِ إنْ مَلَكْت عَبْدًا فَهُوَ حُرٌّ إنْ قَالَ عَنَيْت بِالْمِلْكِ الشِّرَاءَ بِطَرِيقِ إطْلَاقِ اسْمِ الْمُسَبِّبِ عَلَى السَّبَبِ صُدِّقَ دِيَانَةً، وَقَضَاءً لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يُعْتَقُ فِي قَوْلِهِ إنْ مَلَكْت، وَيُعْتَقُ فِي قَوْلِهِ إنْ اشْتَرَيْت فَقَدْ عَنَى مَا هُوَ أَغْلَظُ عَلَيْهِ، وَفِي قَوْلِهِ اشْتَرَيْت إنْ قَالَ عَنَيْت بِالشِّرَاءِ الْمِلْكَ بِطَرِيقِ إطْلَاقِ اسْمِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبِّبِ صُدِّقَ دِيَانَةً لَا قَضَاءً لِأَنَّهُ أَرَادَ تَخْفِيفًا. (أَمَّا إذَا كَانَ سَبَبًا مَحْضًا) هَذَا الْكَلَامُ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ إنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ إذَا كَانَ عِلَّةً (فَلَا يَنْعَكِسُ) أَيْ لَا يَصِحُّ إطْلَاقُ اسْمِ الْمُسَبِّبِ عَلَى السَّبَبِ (عَلَى مَا قُلْنَا) ، وَهُوَ قَوْلُهُ إذَا كَانَتْ الْأَصْلِيَّةُ، وَالْفَرْعِيَّةُ مِنْ الطَّرَفَيْنِ يَجْرِي الْمَجَازُ مِنْ الطَّرَفَيْنِ إلَخْ فَإِنَّهُ قَدْ فُهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ تَكُنْ الْأَصْلِيَّةُ، وَالْفَرْعِيَّةُ مِنْ الطَّرَفَيْنِ لَا يَجْرِي الْمَجَازُ مِنْ الطَّرَفَيْنِ ــ [التلويح] اتَّصَفَ بَكَوْنِي مَالِكًا أَوْ مُشْتَرِيًا لِمَجْمُوعِ عَبْدٍ، وَاسْمُ الْفَاعِلِ، وَنَحْوُهُ مِنْ الصِّفَاتِ الْمُشْتَقَّةِ حَقِيقَةً حَالَ قِيَامِ مَعْنَى الْمُشْتَقِّ مِنْهُ بِالْمَوْصُوفِ كَالضَّارِبِ لِمَنْ هُوَ فِي صَدَدِ الضَّرْبِ مَجَازٌ بَعْدَ انْقِضَائِهِ، وَزَوَالِهِ عَنْ الْمَوْصُوفِ كَالضَّارِبِ لِمَنْ صَدَرَ عَنْهُ الضَّرْبُ، وَانْقَضَى، وَقِيلَ بَلْ حَقِيقَةٌ وَقِيلَ إنْ كَانَ الْفِعْلُ مِمَّا لَا يُمْكِنُ بَقَاؤُهُ كَالْمُتَحَرِّكِ، وَالْمُتَكَلِّمِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ فَحَقِيقَةٌ، وَإِلَّا فَمَجَازٌ. وَأَمَّا قَبْلَ قِيَامِ الْمَعْنَى بِهِ كَالضَّارِبِ لِمَنْ لَمْ يَضْرِبْ، وَلَا يَضْرِبُ فِي الْحَالِ لَكِنَّهُ سَيَضْرِبُ فَمُجَاوِزٌ اتِّفَاقًا فَإِذَا زَالَ مِلْكُهُ لِلنِّصْفِ الْأَوَّلِ عِنْدَ قِيَامِ مِلْكِ النِّصْفِ الثَّانِي لَمْ يَكُنْ مَالِكًا لِلْعَبْدِ الَّذِي هُوَ اسْمٌ لِلْمَجْمُوعِ، وَكَذَا لَمْ يَكُنْ مُشْتَرِيًا لُغَةً عَلَى الْأَصَحِّ إلَّا أَنَّهُ غَلَبَ فِي الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ أَعْنِي مَنْ قَامَ بِهِ الشِّرَاءُ حَالًا أَوْ مَاضِيًا فَصَارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً. (قَوْلُهُ: صُدِّقَ دِيَانَةً) أَيْ لَوْ اسْتَفْتَى الْمُفْتِي يُجِيبُهُ عَلَى وَفْقِ مَا نَوَى لَا قَضَاءً أَيْ لَوْ رَفَعَ إلَى الْقَاضِي يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِمُوجِبِ كَلَامِهِ، وَلَا يَلْتَفِتُ إلَى مَا نَوَى لِمَكَانِ التُّهْمَةِ لَا لِعَدَمِ جَوَازِ الْمَجَازِ. (قَوْلُهُ: بِنَاءً عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ) ، وَهُوَ

стр. 148

وَالْمُرَادُ بِالسَّبَبِ الْمَحْضِ مَا يُفْضِي إلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ، وَلَا يَكُونُ شَرْعِيَّتُهُ لِأَجْلِهِ كَمِلْكِ الرَّقَبَةِ إذْ لَيْسَ شَرْعِيَّتُهُ لِأَجْلِ حُصُولِ مِلْكِ الْمُتْعَةِ لِأَنَّ مِلْكَ الرَّقَبَةِ مَشْرُوعٌ مَعَ امْتِنَاعِ مِلْكِ الْمُتْعَةِ كَمَا فِي الْعَبْدِ، وَالْأُخْتِ مِنْ الرَّضَاعَةِ، وَنَحْوِهِمَا (فَيَقَعُ الطَّلَاقُ بِلَفْظِ الْعِتْقِ) أَيْ بِنَاءً عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ. (فَإِنَّ الْعِتْقَ وُضِعَ لِإِزَالَةِ مِلْكِ الرَّقَبَةِ، وَالطَّلَاقِ، لِإِزَالَةِ مِلْكِ الْمُتْعَةِ، وَتِلْكَ الْإِزَالَةُ سَبَبٌ لِهَذِهِ) أَيْ إزَالَةُ مِلْكِ الرَّقَبَةِ سَبَبٌ لِإِزَالَةِ مِلْكِ الْمُتْعَةِ إذْ هِيَ تُفْضِي إلَيْهَا، (وَلَيْسَتْ هَذِهِ) أَيْ إزَالَةُ مِلْكِ الْمُتْعَةِ. (مَقْصُودَةً مِنْهَا) أَيْ مِنْ إزَالَةِ مِلْكِ الرَّقَبَةِ (فَلَا يَثْبُتُ الْعِتْقُ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) لِمَا قُلْنَا إنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ الْمُسَبِّبُ مَقْصُودًا مِنْ السَّبَبِ لَا يَصِحُّ إطْلَاقُ اسْمِ الْمُسَبِّبِ عَلَى السَّبَبِ. (وَلَا يَثْبُتُ الْعِتْقُ أَيْضًا بِطَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ) جَوَابُ إشْكَالٍ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ الْعِتْقُ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ بِطَرِيقِ إطْلَاقِ اسْمِ الْمُسَبِّبِ عَلَى السَّبَبِ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَثْبُتَ بِطَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ، وَلَا بُدَّ فِي الِاسْتِعَارَةِ مِنْ وَصْفٍ مُشْتَرَكٍ فَبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ (إذْ كُلٌّ مِنْهُمَا إسْقَاطٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السِّرَايَةِ، وَاللُّزُومِ) اعْلَمْ أَنَّ التَّصَرُّفَاتِ إمَّا إثْبَاتَاتٌ كَالْبَيْعِ، وَالْإِجَارَةِ، وَالْهِبَةِ، وَنَحْوِهَا وَإِمَّا إسْقَاطَاتٌ كَالطَّلَاقِ، وَالْعَتَاقِ، وَالْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ، وَنَحْوِهَا فَإِنَّ فِيهَا إسْقَاطَ الْحَقِّ، وَالْمُرَادُ بِالسِّرَايَةِ ثُبُوتُ الْحُكْمِ فِي الْكُلِّ بِسَبَبِ ثُبُوتِهِ فِي الْبَعْضِ، وَبِاللُّزُومِ عَدَمُ قَبُولِ الْفَسْخِ، وَإِنَّمَا لَا يَثْبُتُ بِطَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ أَيْضًا لِمَا قُلْنَا. (لِأَنَّهَا لَا تَصِحُّ بِكُلِّ، وَصْفٍ بَلْ بِمَعْنَى الْمَشْرُوعِ كَيْفَ شَرَعَ، وَلَا اتِّصَالَ بَيْنَهُمَا فِيهِ) أَيْ بَيْنَ الِاعْتِقَادِ، وَالطَّلَاقِ فِي مَعْنَى الْمَشْرُوعِ كَيْفَ شُرِعَ (لِأَنَّ الطَّلَاقَ رَفْعُ قَيْدِ النِّكَاحِ، وَالْإِعْتَاقَ إثْبَاتُ الْقُوَّةِ الشَّرْعِيَّةِ) فَإِنَّ فِي الْمَنْقُولَاتِ اُعْتُبِرَتْ الْمَعَانِي اللُّغَوِيَّةُ، وَمَعْنَى الْعِتْقِ لُغَةً الْقُوَّةُ يُقَالُ عَتَقَ الطَّائِرُ إذَا قَوِيَ، وَطَارَ عَنْ وَكْرِهِ، وَمِنْهُ عَتَاقُ الطَّيْرِ، وَيُقَالُ عَتَقَتْ الْبِكْرُ إذَا أَدْرَكَتْ، وَقَوِيَتْ فَنَقَلَهُ الشَّرْعُ إلَى الْقُوَّةِ الْمَخْصُوصَةِ. (فَإِنْ ــ [التلويح] أَنَّ السَّبَبَ إذَا كَانَ سَبَبًا مَحْضًا يَصِحُّ إطْلَاقُهُ عَلَى الْمُسَبِّبِ، وَلَا يَصِحُّ إطْلَاقُ الْمُسَبِّبِ عَلَيْهِ. (قَوْلُهُ: فَإِنَّ الْعِتْقَ) أَيْ هَذَا التَّصَرُّفُ الَّذِي هُوَ الْإِعْتَاقُ مَوْضُوعٌ فِي الشَّرْعِ لِغَرَضِ إزَالَةِ مِلْكِ الرَّقَبَةِ فَلَا يَكُونُ هَذَا مُنَافِيًا لِمَا سَيَجِيءُ مِنْ أَنَّ الْإِعْتَاقَ إثْبَاتُ الْقُوَّةِ لَا إزَالَةُ الْمِلْكِ فَإِنْ قِيلَ فَالْمُعْتَبَرُ فِي الْمَجَازِ هُوَ السَّبَبِيَّةُ، والمسببية بَيْنَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ، وَالْمَجَازِيِّ لِيَكُونَ إطْلَاقًا لِاسْمِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبِّبِ مَثَلًا، وَهَاهُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ قُلْنَا قَدْ يُقَامُ الْغَرَضُ مِنْ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ مَقَامَهُ، وَيَجْعَلُهُ كَأَنَّهُ نَفْسُ الْمَوْضُوعِ لَهُ فَيُسْتَعْمَلُ اللَّفْظُ الْمَوْضُوعُ لِأَجْلِ هَذَا الْغَرَضِ فِي مُسَبِّبِهِ مَجَازًا كَالْبَيْعِ، وَالْهِبَةِ الْمَوْضُوعِينَ لِغَرَضِ إثْبَاتِ مِلْكِ الرَّقَبَةِ فِي إثْبَاتِ مِلْكِ الْمُتْعَةِ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا) أَيْ الِاسْتِعَارَةَ لَا تَصِحُّ بِكُلِّ وَصْفٍ لِلْقَطْعِ بِامْتِنَاعِ اسْتِعَارَةِ السَّمَاءِ لِلْأَرْضِ مَعَ اشْتِرَاكِهِمَا فِي الْوُجُودِ، وَالْحُدُوثِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ وَصْفٍ مَشْهُورٍ لَهُ زِيَادَةُ اخْتِصَاصٍ بِالْمُسْتَعَارِ

стр. 149

قِيلَ الْإِعْتَاقُ إزَالَةُ الْمِلْكِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَسْأَلَةٍ تَجْزِي الْإِعْتَاقَ. (وَالطَّلَاقُ إثْبَاتُ الْقَيْدِ فَوُجِدَتْ الْمُنَاسَبَةُ) الْمُجَوِّزَةُ لِلِاسْتِعَارَةِ بَيْنَهُمَا. (قُلْنَا نَعَمْ) يَعْنِي أَنَّ الْإِعْتَاقَ إزَالَةُ الْمِلْكِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي مَسْأَلَةٍ تَجْزِي الْإِعْتَاقَ (لَكِنْ بِمَعْنَى أَنَّ التَّصَرُّفَ الصَّادِرَ مِنْ الْمَالِكِ هِيَ أَيْ إزَالَةُ الْمِلْكِ) لَا بِمَعْنَى أَنَّ الشَّارِعَ وَضَعَ الْإِعْتَاقَ لِإِزَالَةِ الْمِلْكِ فَالْمُرَادُ بِالْإِعْتَاقِ إثْبَاتُ الْقُوَّةِ الْمَخْصُوصَةِ أَيْ يُرَادُ بِالْإِعْتَاقِ إثْبَاتُ الْقُوَّةِ الْمَخْصُوصَةِ لِأَنَّ الشَّارِعَ، وَضَعَهُ لَهُ فَيُرَدُّ عَلَى هَذَا أَنَّ الْإِعْتَاقَ فِي الشَّرْعِ إذَا كَانَ مَوْضُوعًا لِإِثْبَاتِ الْقُوَّةِ الْمَخْصُوصَةِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُسْنَدَ إلَى الْمَالِكِ فَإِنَّهُ مَا أَثْبَتَ قُوَّةً فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ (فَيُسْنَدُ إلَى الْمَالِكِ مَجَازًا لِأَنَّهُ صَدَرَ مِنْهُ سَبَبُهُ، وَهُوَ إزَالَةُ الْمِلْكِ) فَيَكُونُ الْمَجَازُ فِي الْإِسْنَادِ كَمَا فِي أَنْبَتَ الرَّبِيعُ الْبَقْلَ (أَوْ يُطْلَقُ) أَيْ الْإِعْتَاقُ (عَلَيْهَا) أَيْ إزَالَةِ الْمِلْكِ (مَجَازًا) بِقَوْلِهِ أَعْتَقَ فُلَانٌ عَبْدَهُ مَعْنَاهُ أَزَالَ مِلْكَهُ بِطَرِيقِ إطْلَاقِ اسْمِ الْمُسَبِّبِ عَلَى السَّبَبِ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْمَجَازُ فِي الْمُفْرَدِ فَقَوْلُهُ أَوْ يُطْلَقُ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ فَيُسْنَدُ. (فَإِنْ قِيلَ لَيْسَ مَجَازًا) هَذَا إشْكَالٌ عَلَى قَوْلِهِ أَوْ يُطْلَقُ عَلَيْهَا مَجَازًا أَيْ لَيْسَ إطْلَاقُ الْإِعْتَاقِ عَلَى إزَالَةِ الْمِلْكِ بِطَرِيقِ ــ [التلويح] مِنْهُ، وَهَذَا غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ بَيْنَ الطَّلَاقِ، وَالْعَتَاقِ لِأَنَّهُمَا لَفْظَانِ مَنْقُولَانِ عَنْ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ الْوَاجِبِ رِعَايَتُهُ عِنْدَ اسْتِعَارَةِ الْأَلْفَاظِ الْمَنْقُولَةِ، وَالْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ لِلطَّلَاقِ مُنْبِئٌ عَنْ إزَالَةِ الْحَبْسِ، وَرَفْعِ الْقَيْدِ يُقَالُ أَطْلَقْت الْمَسْجُونَ خَلَّيْتُهُ، وَأَطْلَقْت الْبَعِيرَ عَنْ عِقَالِهِ، وَالْأَسِيرَ عَنْ إسَارِهِ فَنُقِلَ إلَى رَفْعِ قَيْدِ النِّكَاحِ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ بِهِ قَدْ صَارَتْ مَحْبُوسَةً بِحَقِّ الزَّوْجِ مُقَيَّدَةً شَرْعًا لَا يَحِلُّ لَهَا الْخُرُوجُ، وَالْبُرُوزُ بِلَا إذْنِهِ، وَالْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ لِلْعَتَاقِ مُنْبِئٌ عَنْ الْقُوَّةِ، وَالْغَلَبَةِ يُقَالُ عَتَقَ الْفَرْخُ إذَا قَوِيَ، وَطَارَ عَنْ، وَكْرِهِ، وَعَتَاقُ الطَّيْرِ كَوَاسِبُهَا جَمْعُ عَتِيقٍ لِزِيَادَةِ قُوَّةٍ فِيهَا فَنُقِلَ فِي الشَّرْعِ إلَى إثْبَاتِ الْقُوَّةِ الْمَخْصُوصَةِ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ، وَالْوِلَايَةِ، وَالشَّهَادَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَا تَشَابُهَ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ فِي الْوَجْهِ الَّذِي شُرِعَا عَلَيْهِ فَإِنْ قِيلَ لَوْ كَانَ مَعْنَى الْإِعْتَاقِ إثْبَاتُ الْقُوَّةِ الْمَخْصُوصَةِ لَمَا صَحَّ إسْنَادُهُ إلَى الْمَالِكِ فِي مِثْلِ أَعْتَقَ فُلَانٌ عَبْدَهُ إذْ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ إثْبَاتُ تِلْكَ الْقُوَّةِ بَلْ مُجَرَّدُ إزَالَةِ الْمِلْكِ فَجَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ مَجَازٌ فِي الْإِسْنَادِ حَيْثُ أُسْنِدَ الْفِعْلُ إلَى السَّبَبِ الْبَعِيدِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا﴾ [الأعراف: ٢٧] فَإِنَّ الْمِلْكَ سَبَبٌ فَاعِلِيٌّ لِإِزَالَةِ الْمِلْكِ، وَهِيَ سَبَبٌ لِإِثْبَاتِ الْقُوَّةِ لَا يُقَالُ لَمْ يَصْدُرْ مِنْ الْمَالِكِ سَبَبٌ غَيْرُ هَذَا اللَّفْظِ الْمَوْضُوعِ فِي الشَّرْعِ لِإِنْشَاءِ الْعِتْقِ لِأَنَّا نَقُولُ هُوَ ثَابِتٌ بِطَرِيقِ الِاقْتِضَاءِ لِأَنَّ الْإِنْشَاءَاتِ الشَّرْعِيَّةَ غَيْرُ مَعْزُولَةٍ بِالْكُلِّيَّةِ عَنْ الْمَعَانِي الْإِخْبَارِيَّةِ فَلَا بُدَّ مِنْ صُدُورِ إزَالَةِ الْمِلْكِ عَنْ الْمُتَكَلِّمِ قَبْلَ التَّكَلُّمِ تَصْحِيحًا لِكَلَامِهِ عَلَى مَا سَيَجِيءُ فِي فَصْلِ الِاقْتِضَاءِ، وَالثَّانِي أَنَّهُ مَجَازٌ فِي الْمُسْنَدِ حَيْثُ أُطْلِقَ الْإِعْتَاقُ الْمَوْضُوعُ لِإِثْبَاتِ الْقُوَّةِ عَلَى سَبَبِهِ الَّذِي هُوَ إزَالَةُ الْمِلْكِ، وَكِلَا الْوَجْهَيْنِ ضَعِيفٌ إذْ لَا يُفْهَمُ مِنْ الْإِعْتَاقِ لُغَةً، وَعُرْفًا، وَشَرْعًا إلَّا إزَالَةُ الْمِلْكِ، وَالتَّخْلِيصُ

стр. 150

الْمَجَازِ (بَلْ هُوَ اسْمٌ مَنْقُولٌ) أَيْ مَنْقُولٌ شَرْعِيٌّ، وَالْمَنْقُولُ الشَّرْعِيُّ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ. (قُلْنَا مَنْقُولٌ فِي إثْبَاتِ الْقُوَّةِ الْمَخْصُوصَةِ) لَا فِي إزَالَةِ الْمِلْكِ (ثُمَّ يُطْلَقُ مَجَازًا عَلَى سَبَبِهِ، وَهُوَ إزَالَةُ الْمِلْكِ، يَرِدُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى مَا سَبَقَ أَنَّ الطَّلَاقَ رَفْعُ الْقَيْدِ، وَالْإِعْتَاقَ إثْبَاتُ الْقُوَّةِ الشَّرْعِيَّةِ. (أَنَّا نَسْتَعِيرُ الطَّلَاقَ، وَهُوَ إزَالَةُ الْقَيْدِ لِإِزَالَةِ الْمِلْكِ لَا لِلَفْظِ الْإِعْتَاقِ حَتَّى يَقُولُوا الْإِعْتَاقُ مَا هُوَ فَالِاتِّصَالُ الْمُجَوِّزُ لِلِاسْتِعَارَةِ مَوْجُودٌ بَيْنَ إزَالَةِ الْمِلْكِ، وَإِزَالَةِ الْقَيْدِ) . وَلَا يَتَعَلَّقُ بِبَحْثِنَا أَنَّ (الْإِعْتَاقَ مَا هُوَ بِالْجَوَابِ) اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْجَوَابَ لَيْسَ لِإِبْطَالِ هَذَا الْإِيرَادِ فَإِنَّ هَذَا الْإِيرَادَ حَقٌّ بَلْ يُبْطِلُ الِاسْتِعَارَةَ بِوَجْهٍ آخَرَ، وَهُوَ (أَنَّ إزَالَةَ الْمِلْكِ أَقْوَى ــ [التلويح] عَنْ الرِّقِّ، وَلَا يَصِحُّ إسْنَادُهُ حَقِيقَةً إلَّا إلَى الْمَالِكِ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ مَعْنَى إثْبَاتِ الْقُوَّةِ إنَّمَا يَعْرِفُهُ الْأَفْرَادُ مِنْ الْفُقَهَاءِ فَكَوْنُ اللَّفْظِ مَنْقُولًا إلَيْهِ لَا إلَى إزَالَةِ الْمِلْكِ مَمْنُوعٌ لَا بُدَّ مِنْ إثْبَاتِهِ بِنَقْلٍ أَوْ سَمَاعٍ لِأَنَّهُ الْعُمْدَةُ فِي إثْبَاتِ وَضْعِ الْأَلْفَاظِ، وَكَوْنُ إثْبَاتِ الْقُوَّةِ أَنْسَبَ بِمَأْخَذِ الِاشْتِقَاقِ لَا يَصْلُحُ دَلِيلًا عَلَى ذَلِكَ الْجَوَازِ أَنْ يُنْقَلَ اللَّفْظُ إلَى مَعْنَى غَيْرِهِ أَنْسَبَ بِالْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ مِنْهُ عَلَى أَنَّا نُسَلِّمُ أَنَّ الْإِعْتَاقَ مَنْقُولٌ بَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ لَمْ يَطْرَأْ عَلَيْهِمَا نَقْلٌ شَرْعِيٌّ. (قَوْلُهُ: يُرَدُّ عَلَيْهِ) قَدْ يُجَابُ عَنْ هَذَا الْإِيرَادِ بِأَنَّ الْعِتْقَ تَصَرُّفٌ شَرْعِيٌّ مَعْنَاهُ إثْبَاتُ الْقُوَّةِ الْمَخْصُوصَةِ عَلَى مَا مَرَّ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا لِيَحْصُلَ الْعِتْقُ شَرْعًا، وَاسْتِعَارَةُ الطَّلَاقِ لِإِزَالَةِ الْمِلْكِ لَيْسَتْ اسْتِعَارَةً لِهَذَا الْمَعْنَى فَلَا يُوجِبُ ثُبُوتَهُ شَرْعًا بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ أَزَلْت عَنْك الْمِلْكَ أَوْ رَفَعْت عَنْك قَيْدَ الرِّقِّ فَإِنَّهُ مَجَازٌ عَنْ إثْبَاتِ الْقُوَّةِ بِطَرِيقِ إطْلَاقِ اسْمِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبِّبِ كَمَا كَانَ الْإِعْتَاقُ فِي مِثْلِ أَعْتَقَ فُلَانٌ عَبْدَهُ مَجَازًا عَنْ إزَالَةِ الْمِلْكِ بِطَرِيقِ إطْلَاقِ اسْمِ الْمُسَبِّبِ عَلَى السَّبَبِ، وَلَا مَسَاغَ لِذَلِكَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ لِأَنَّهُ إذَا جَعَلَ الطَّلَاقَ مُسْتَعَارًا لِإِزَالَةِ الْمِلْكِ فَلَيْسَ هُنَاكَ لَفْظٌ يُجْعَلُ مَجَازًا عَنْ إثْبَاتِ الْعِتْقِ فَلْيُتَأَمَّلْ، وَيُمْكِنُ دَفْعُهُ بِأَنَّ الْعِتْقَ يَثْبُتُ بِدَلَالَةِ الِالْتِزَامِ لِكَوْنِهِ لَازِمًا لِلْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ الَّذِي هُوَ إزَالَةُ الْمِلْكِ. (قَوْلُهُ: لَا لِلَفْظِ الْإِعْتَاقِ) عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ أَيْ لَا لِمَفْهُومِ لَفْظِ الْإِعْتَاقِ فَلْيُتَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: فَالْجَوَابُ) يَعْنِي لَا يَجُوزُ اسْتِعَارَةُ إزَالَةِ الْقَيْدِ لِإِزَالَةِ الْمِلْكِ لِأَنَّهُ يَجِبُ فِي الِاسْتِعَارَةِ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَعَارُ مِنْهُ أَقْوَى فِي وَجْهِ الشَّبَهِ كَالْأَسَدِ فِي الشَّجَاعَةِ، وَأَنْ يَكُونَ الْمُسْتَعَارُ لَهُ لَازِمًا لَهُ كَالشُّجَاعِ لِلْأَسَدِ، وَكِلَا الشَّرْطَيْنِ مُنْتَفٍ هَاهُنَا، وَلِلْخَصْمِ أَنْ يَمْنَعَ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ فِي إزَالَةِ الْمِلْكِ يَبْقَى نَوْعُ تَعَلُّقٍ هُوَ حَقُّ الْوَلَاءِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِاللُّزُومِ هَاهُنَا الِانْتِقَالُ فِي الْجُمْلَةِ لَا امْتِنَاعُ الِانْفِكَاكِ ثُمَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَوْ سَلَّمَ الِامْتِنَاعُ إطْلَاقَ الطَّلَاقِ عَلَى إزَالَةِ الْمِلْكِ بِطَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ أَوْ بِطَرِيقِ إطْلَاقِ اسْمِ الْمُسَبِّبِ عَلَى السَّبَبِ لَكِنْ لِمَ لَا يَجُوزُ إطْلَاقُهُ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ إطْلَاقِ الْمُقَيَّدِ، وَهُوَ إزَالَةُ قَيْدٍ مَخْصُوصٍ عَلَى الْمُطْلَقِ، وَهُوَ إزَالَةُ مُطْلَقِ الْقَيْدِ، وَالْمِلْكِ كَإِطْلَاقِ الْمِشْفَرِ عَلَى شَفَةِ الْإِنْسَانِ، وَالذَّوْقِ عَلَى

стр. 151

مِنْ إزَالَةِ الْقَيْدِ، وَلَيْسَتْ) أَيْ إزَالَةُ الْمِلْكِ (لَازِمَةً لَهَا) أَيْ لِإِزَالَةِ الْقَيْدِ. (فَلَا تَصِحُّ اسْتِعَارَةُ هَذِهِ) أَيْ إزَالَةِ الْقَيْدِ (لِتِلْكَ) أَيْ لِإِزَالَةِ الْمِلْكِ. (بَلْ عَلَى الْعَكْسِ فَإِنَّ الِاسْتِعَارَةَ لَا تَجْرِي إلَّا مِنْ طَرَفٍ وَاحِدٍ) كَالْأَسَدِ الشُّجَاعِ. (وَكَذَا إجَارَةُ الْحُرِّ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ فَيَقَعُ الطَّلَاقُ بِلَفْظِ الْعِتْقِ. وَإِنَّمَا قُيِّدَ بِالْحُرِّ حَتَّى لَوْ كَانَ عَبْدًا يَثْبُتُ الْبَيْعُ (تَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْبَيْعِ دُونَ الْعَكْسِ لِأَنَّ مِلْكَ الرَّقَبَةِ سَبَبٌ لِمِلْكِ الْمَنْفَعَةِ) ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ أَيْضًا عَلَى الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ أَنَّ الشَّيْءَ إذَا كَانَ سَبَبًا مَحْضًا يَصِحُّ إطْلَاقُهُ عَلَى الْمُسَبِّبِ دُونَ الْعَكْسِ. (وَلَا يَلْزَمُ عَدَمُ الصِّحَّةِ فِيمَا أَضَافَهُ إلَى الْمَنْفَعَةِ) جَوَابُ إشْكَالٍ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ إذَا ــ [التلويح] الْإِدْرَاكِ بِاللَّمْسِ، وَنَحْوِهِ. (قَوْلُهُ فَإِنَّ الِاسْتِعَارَةَ لَا تَجْرِي إلَّا مِنْ طَرَفٍ وَاحِدٍ) لِامْتِنَاعِ كَوْنِ كُلٍّ مِنْ الطَّرَفَيْنِ أَقْوَى مِنْ الْآخَرِ فِي وَجْهِ الشَّبَهِ، وَفَوَاتِ الْمُبَالَغَةِ فِي التَّشْبِيهِ عِنْدَ تَسَاوِي الطَّرَفَيْنِ، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ قَدْ تَكُونُ الِاسْتِعَارَةُ مَبْنِيَّةً عَلَى التَّشَابُهِ كَاسْتِعَارَةِ الصُّبْحِ بِغُرَّةِ الْفَرَسِ، وَبِالْعَكْسِ، وَتَحْصُلُ الْمُبَالَغَةُ بِإِطْلَاقِ اسْمِ أَحَدِ الْمُتَشَابِهَيْنِ عَلَى الْآخَرِ، وَجَعْلُهُ هُوَ هُوَ، وَكَوْنُ الْمُشَبَّهِ بِهِ أَقْوَى فِي وَجْهِ الشَّبَهِ إنَّمَا يُشْتَرَطُ فِي بَعْضِ أَقْسَامِ التَّشْبِيهِ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْبَيَانِ. (قَوْلُهُ: وَكَذَا إجَارَةُ الْحُرِّ) يَعْنِي لَوْ قَالَ بِعْت نَفْسِي مِنْك شَهْرًا بِدِرْهَمٍ لِعَمَلِ كَذَا يَنْعَقِدُ إجَارَةً، وَلَوْ تَرَكَ وَاحِدًا مِنْ الْقُيُودِ يَفْسُدُ الْعَقْدُ، وَلَوْ قَالَ بِعْت عَبْدِي أَوْ دَارِي مِنْك بِكَذَا فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ الْمُدَّةَ يَنْعَقِدُ بَيْعًا لِإِمْكَانِ الْعَمَلِ بِالْحَقِيقَةِ مَعَ تَعَذُّرِ شَرْطِ الْمَجَازِ، وَهُوَ بَيَانُ الْمُدَّةِ، وَإِنْ ذَكَرَ الْمُدَّةَ فَإِنْ لَمْ يُسَمِّ جِنْسَ الْعَمَلِ فَلَا رِوَايَةَ فِيهِ، وَإِنْ سَمَّاهُ مِثْلُ بِعْت عَبْدِي مِنْك شَهْرًا بِعَشْرَةٍ لِعَمَلِ كَذَا انْعَقَدَ إجَارَةً لِأَنَّ إطْلَاقَ الْبَيْعِ عَلَى الْإِجَارَةِ مُتَعَارَفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَيَجُوزُ عِنْدَ غَيْرِهِمْ إذَا اتَّفَقَ الْمُتَعَاقِدَانِ عَلَيْهِ كَذَا فِي الْأَسْرَارِ، وَقِيلَ يَنْعَقِدُ صَحِيحًا بِحَمْلِ الْمُدَّةِ عَلَى تَأْجِيلِ الثَّمَنِ أَوْ بَيْعًا فَاسِدًا عَمَلًا بِالْحَقِيقَةِ الْقَاصِرَةِ. (قَوْلُهُ: وَلَا يَلْزَمُ) أَيْ لَا يُرَدُّ عَلَيْنَا عَدَمُ صِحَّةِ الْإِجَارَةِ بِلَفْظِ الْبَيْعِ الْمُضَافِ إلَى الْمَنْفَعَةِ مِثْلُ بِعْت مِنْك مَنَافِعَ هَذَا الْعَبْدِ شَهْرًا بِكَذَا لِعَمَلِ كَذَا، وَلَا يَلْزَمُنَا هَذَا إشْكَالًا، (وَإِلَّا فَعَدَمُ الصِّحَّةِ لَازِمٌ قَطْعًا) . قَوْلُهُ (ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ فِي الْأَمْثِلَةِ الْمَذْكُورَةِ) يُرِيدُ أَنَّ مَا ذَكَرُوا مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبِّبِ إنَّمَا يَصِحُّ فِي الْبَيْعِ، وَالْمِلْكِ لِأَنَّ الْمِلْكَ مُسَبَّبٌ عَنْهُ ثَابِتٌ بِهِ، وَلَا يَصِحُّ فِي غَيْرِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ الْبَيْعُ، وَالْهِبَةُ سَبَبَيْنِ لِمَلْكِ الْمُتْعَةِ الثَّابِتِ بِالنِّكَاحِ لِاخْتِصَاصِهِ بِثُبُوتِ مِلْكِ الطَّلَاقِ، وَالْإِيلَاءِ، وَالظِّهَارِ لَا الْإِعْتَاقِ سَبَبًا لِإِزَالَةِ الْمِلْكِ الثَّابِتِ بِالطَّلَاقِ لِاخْتِصَاصِهَا بِقَبُولِ الرَّجْعَةِ أَوْ بِبَيْنُونَةٍ لَا تَحْمِلُ الْمِلْكَ بِالنِّكَاحِ إلَّا بَعْدَ التَّحْلِيلِ، وَلَا الْبَيْعِ سَبَبًا لِمِلْكِ الْمَنْفَعَةِ الثَّابِتِ بِالْإِجَارَةِ لِاخْتِصَاصِهِ بِالْخُلُودِ عَنْ مِلْكِ الرَّقَبَةِ، وَاسْمُ السَّبَبِ إنَّمَا يُطْلَقُ مَجَازًا عَلَى مَا هُوَ مُسَبَّبٌ عَنْهُ فَالْحَقُّ أَنَّ هَذِهِ الْإِطْلَاقَاتِ مِنْ قَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ

стр. 152

صَحَّ اسْتِعَارَةُ الْبَيْعِ لِلْإِجَارَةِ يَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ عَقْدُ الْإِجَارَةِ بِقَوْلِهِ بِعْت مَنَافِعَ هَذِهِ الدَّارِ فِي هَذَا الشَّهْرِ بِكَذَا لَكِنَّهُ لَا يَصِحُّ بِهَذَا اللَّفْظِ. فَقَوْلُهُ (لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لِفَسَادِ الْمَجَازِ) دَلِيلٌ عَلَى قَوْلِهِ، وَلَا يَلْزَمُ، وَقَوْلُهُ ذَلِكَ إشَارَةٌ إلَى عَدَمِ الصِّحَّةِ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُورِ (بَلْ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ الْمَعْدُومَةَ لَا تَصْلُحُ مَحَلًّا لِلْإِضَافَةِ حَتَّى لَوْ أَضَافَ الْإِجَارَةَ إلَيْهَا لَا تَصِحُّ فَكَذَا الْمَجَازُ عَنْهَا) فَالْإِجَارَةُ إنَّمَا تَصِحُّ إذَا أُضِيفَ الْعَقْدُ إلَى الْعَيْنِ فَإِنَّ الْعَيْنَ تَقُومُ مَقَامَ الْمَنْفَعَةِ فِي إضَافَةِ الْعَقْدِ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ فِي الْأَمْثِلَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَهِيَ النِّكَاحُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ، وَالْبَيْعُ، وَالطَّلَاقُ بِلَفْظِ الْعِتْقِ، وَالْإِجَارَةُ بِلَفْظِ الْبَيْعِ الْحَقُّ أَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ لَا بِطَرِيقِ إطْلَاقِ اسْمِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبِّبِ لِأَنَّ الْهِبَةَ لَيْسَتْ سَبَبًا لِمِلْكِ الْمُتْعَةِ الَّذِي ثَبَتَ بِالنِّكَاحِ بَلْ إطْلَاقُ اللَّفْظِ عَلَى مُبَايِنِ مَعْنَاهُ لِلِاشْتِرَاكِ بَيْنَهُمَا فِي اللَّازِمِ، وَهُوَ ــ [التلويح] وَهِيَ إطْلَاقُ اسْمِ أَحَدِ الْمُتَبَايِنَيْنِ عَلَى الْآخَرِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي لَازِمٍ مَشْهُورٍ هُوَ فِي أَحَدِهِمَا أَقْوَى، وَأَعْرَفُ كَإِطْلَاقِ اسْمِ الْأَسَدِ عَلَى الرَّجُلِ الشُّجَاعِ فَهَاهُنَا مَعْنَى النِّكَاحِ مُبَايِنٌ لِمَعْنَى الْهِبَةِ، وَالْبَيْعِ لَكِنَّهُمَا يَشْتَرِكَانِ فِي إثْبَاتِ الْمِلْكِ، وَهُوَ فِي الْبَيْعِ أَقْوَى، وَكَذَا الطَّلَاقُ، وَالْعَتَاقُ أَمْرَانِ مُتَبَايِنَانِ يَشْتَرِكَانِ فِي إزَالَةِ الْمِلْكِ، وَهِيَ فِي الْعِتْقِ أَقْوَى، وَكَذَا الْإِجَارَةُ، وَالْبَيْعُ عَقْدَانِ مَخْصُوصَانِ مُتَبَايِنَانِ يَشْتَرِكَانِ فِي إثْبَاتِ مِلْكِ الْمَنْفَعَةِ، وَإِبَاحَتِهَا، وَهُوَ فِي الْبَيْعِ أَقْوَى فَاسْتُعِيرَ اسْمُ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ، وَلَمْ يَجُزْ الْعَكْسُ لِمَا عَرَفْت مِنْ أَنَّ الِاسْتِعَارَةَ إنَّمَا تَجْرِي مِنْ طَرَفٍ وَاحِدٍ لِئَلَّا تَفُوتَ الْمُبَالَغَةُ الْمَطْلُوبَةُ مِنْ الِاسْتِعَارَةِ فَإِنْ قِيلَ قَدْ سَبَقَ أَنَّ الِاسْتِعَارَةَ هِيَ إطْلَاقُ اللَّفْظِ عَلَى اللَّازِمِ الْخَارِجِيِّ الَّذِي هُوَ صِفَةٌ لِلْمَلْزُومِ فَكَيْفَ يَكُونُ مُبَايِنًا قُلْنَا لَيْسَ الِاسْتِعَارَةُ فِي الْإِطْلَاقِ عَلَى اللَّازِمِ بَلْ عَلَى الْمُبَايِنِ لِإِرَادَةِ اللَّازِمِ كَإِطْلَاقِ الْأَسَدِ عَلَى الْإِنْسَانِ لِكَوْنِهِ شُجَاعًا، وَإِطْلَاقِ الْهِبَةِ عَلَى النِّكَاحِ لِكَوْنِهِ مُثْبِتًا لِلْمِلْكِ، وَالْمُثْبِتُ لِلْمِلْكِ لَازِمٌ خَارِجِيٌّ صِفَةً لِلْهِبَةِ كَذَا نُقِلَ عَنْ الْمُصَنِّفِ، وَقَدْ يُجَابُ عَنْ أَصْلِ اعْتِرَاضٍ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يَجِبُ فِي الْمَجَازِ بِاعْتِبَارِ السَّبَبِيَّةِ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ سَبَبًا لِلْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ بِعَيْنِهِ بَلْ بِجِنْسِهِ حَتَّى يُرَادَ بِالْغَيْثِ جِنْسُ النَّبَاتِ سَوَاءٌ حَصَلَ بِالْمَطَرِ أَوْ غَيْرِهِ فَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ إنْ اشْتَرَيْت عَبْدًا فَهُوَ حُرٌّ، وَأَرَادَ الْمِلْكَ فَمَلَكَهُ هِبَةً أَوْ إرْثًا يُعْتَقُ، وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ لَا يُعْتَقُ، وَهَذَا الِاعْتِرَاضُ مِمَّا أَوْرَدَ صَاحِبُ الْكَشْفِ، وَأَجَابَ بِأَنَّ مِلْكَ الْمُتْعَةِ عِبَارَةٌ عَنْ مِلْكِ الِانْتِفَاعِ، وَالْوَطْءِ، وَهُوَ لَا يَخْتَلِفُ فِي مِلْكِ النِّكَاحِ، وَالْيَمِينِ لَكِنَّ تَغَايُرَ الْأَحْكَامِ لِتَغَايُرِهِمَا صِفَةً لَا ذَاتًا فَإِنَّهُ يَثْبُتُ فِي بَابِ النِّكَاحِ مَقْصُودًا وَفِي مِلْكِ الْيَمِينِ تَبَعًا، وَنَحْنُ إنَّمَا اعْتَبَرْنَا اللَّفْظَ لِإِثْبَاتِ مِلْكِ الْمُتْعَةِ فِي الْمَحَلِّ فَيَثْبُتُ عَلَى حَسَبِ مَا يَحْتَمِلُهُ الْمَحَلُّ فَإِذَا جَعَلْنَا لَفْظَ الْهِبَةِ مَجَازًا أَثْبَتْنَا بِهِ مِلْكَ الْمُتْعَةِ قَصْدًا لَا تَبَعًا فَتَثْبُتُ فِيهِ أَحْكَامُ النِّكَاحِ لَا أَحْكَامُ مِلْكِ الْيَمِينِ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ إذَا وُجِدَ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ نَوْعَانِ مِنْ الْعَلَاقَةِ فَلَكَ أَنْ تَعْتَبِرَ أَيَّهُمَا شِئْت

стр. 153

الِاسْتِعَارَةُ ثُمَّ إنَّمَا لَا يَثْبُتُ الْعَكْسُ لِمَا ذَكَرْت أَنَّ الِاسْتِعَارَةَ لَا تَجْرِي إلَّا مِنْ طَرَفٍ وَاحِدٍ، (وَأَمَّا مِثَالُ الْبَيْعِ، وَالْمِلْكِ فَصَحِيحٌ) ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ السَّمَاعُ فِي أَنْوَاعِ الْعَلَاقَاتِ لَا فِي أَفْرَادِهَا فَإِنَّ إبْدَاعَ الِاسْتِعَارَاتِ اللَّطِيفَةِ مِنْ فُنُونِ الْبَلَاغَةِ، وَعِنْدَ الْبَعْضِ لَا بُدَّ مِنْ السَّمَاعِ فَإِنَّ النَّخْلَةَ تُطْلَقُ عَلَى الْإِنْسَانِ الطَّوِيلِ دُونَ غَيْرِهِ قُلْنَا لِاشْتِرَاطِ الْمُشَابَهَةِ فِي أَخَصِّ الصِّفَاتِ. (مَسْأَلَةٌ الْمَجَازُ خَلَفٌ عَنْ الْحَقِيقَةِ فِي حَقِّ التَّكَلُّمِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَعِنْدَهُمَا فِي حَقِّ الْحُكْمِ فَعِنْدَهُ التَّكَلُّمُ بِهَذَا ابْنِي لِلْأَكْبَرِ سِنًّا مِنْهُ فِي إثْبَاتِ الْحُرِّيَّةِ خَلَفٌ عَنْ التَّكَلُّمِ بِهِ فِي إثْبَاتِ الْبُنُوَّةِ، وَالتَّكَلُّمُ بِالْأَصْلِ صَحِيحٌ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ وَعِنْدَهُمَا ثُبُوتُ الْحُرِّيَّةِ بِهَذَا اللَّفْظِ خَلَفٌ عَنْ ثُبُوتِ الْبُنُوَّةِ بِهِ وَالْأَصْلُ مُمْتَنِعٌ وَمِنْ شَرْطِ الْخَلَفِ إمْكَانُ الْأَصْلِ وَعَدَمُ ثُبُوتِهِ لِعَارِضٍ فَيُعْتَقُ عِنْدَهُ لَا عِنْدَهُمَا) اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ فِي أَنَّ الْمَجَازَ خَلَفٌ عَنْ الْحَقِيقَةِ أَيْ فَرْعٌ لَهَا ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْخَلَفِيَّةَ فِي حَقِّ التَّكَلُّمِ أَوْ فِي حَقِّ الْحُكْمِ فَعِنْدَهُمَا فِي حَقِّ الْحُكْمِ أَيْ الْحُكْمِ الَّذِي ثَبَتَ بِهَذَا اللَّفْظِ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ كَثُبُوتِ الْحُرِّيَّةِ مَثَلًا بِلَفْظِ هَذَا ابْنِي خَلَفٌ عَنْ ــ [التلويح] وَيَتَنَوَّعُ الْمَجَازُ بِحَسَبِ ذَلِكَ مَثَلًا إطْلَاقُ الْمُشَفَّرِ عَلَى شَفَةِ الْإِنْسَانِ إنْ كَانَ بِاعْتِبَارٍ تَشْبِيهًا بِهِ فِي الْغِلَظِ فَاسْتِعَارَةٌ، وَإِنْ كَانَ بِاعْتِبَارِ اسْتِعْمَالِ الْمُقَيَّدِ فِي الْمُطْلَقِ فَمَجَازٌ مُرْسَلٌ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَاهِرِ ﵀. (قَوْلُهُ: وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ يُعْتَبَرُ) يَعْنِي أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْمَجَازِ وُجُودُ الْعَلَاقَةِ الْمَعْلُومُ اعْتِبَارُ نَوْعِهَا فِي اسْتِعْمَالَاتِ الْعَرَبِ، وَلَا يُشْتَرَطُ اعْتِبَارُهَا بِشَخْصِهَا حَتَّى يَلْزَمَ فِي آحَادِ الْمَجَازَاتِ أَنْ تُنْقَلَ بِأَعْيَانِهَا عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَذَلِكَ لِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ اخْتِرَاعَ الِاسْتِعَارَاتِ الْغَرِيبَةِ الْبَدِيعَةِ الَّتِي لَمْ تُسْمَعْ بِأَعْيَانِهَا مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ هُوَ مِنْ طُرُقِ الْبَلَاغَةِ، وَشُعَبِهَا الَّتِي بِهَا تَرْتَفِعُ طَبَقَةُ الْكَلَامِ فَلَوْ لَمْ يَصِحَّ لَمَا كَانَ كَذَلِكَ، وَلِهَذَا لَمْ يُدَوِّنُوا الْمَجَازَاتِ تَدْوِينَهُمْ الْحَقَائِقَ، وَتَمَسَّكَ الْمُخَالِفُ بِأَنَّهُ لَوْ جَازَ التَّجَوُّزُ بِمُجَرَّدِ وُجُودِ الْعَلَاقَةِ لَجَازَ إطْلَاقُ نَخْلَةٍ لِطَوِيلٍ غَيْرِ إنْسَانٍ لِلْمُشَابَهَةِ، وَشَبَكَةٍ لِلصَّيْدِ لِلْمُجَاوَرَةِ، وَالْأَبِ لِلِابْنِ لِلسَّبَبِيَّةِ، وَالِابْنِ لِلْأَبِ لِلْمُسَبِّبِيَّةِ، وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ اتِّفَاقًا، وَأُجِيبَ بِمَنْعِ الْمُلَازَمَةِ فَإِنَّ الْعَلَاقَةَ مُقْتَضِيَةٌ لِلصِّحَّةِ، وَالتَّخَلُّفُ عَنْ الْمُقْتَضَى لَيْسَ بِقَادِحٍ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لِمَانِعٍ مَخْصُوصٍ فَإِنَّ عَدَمَ الْمَانِعِ لَيْسَ جُزْءًا مِنْ الْمُقْتَضَى، وَذَهَبَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّهُ لَمْ تَجُزْ اسْتِعَارَةُ نَخْلَةٍ لِطُولِ غَيْرِ إنْسَانٍ لِانْتِفَاءِ شَرْطِ الِاسْتِعَارَةِ، وَهُوَ الْمُشَابَهَةُ فِي أَخَصِّ الْأَوْصَافِ أَيْ فِيمَا لَهُ مَزِيدُ اخْتِصَاصٍ بِالْمُشَبَّهِ بِهِ كَالشَّجَاعَةِ لِلْأَسَدِ فَإِنْ قِيلَ الطُّولُ لِلنَّخْلَةِ كَذَلِكَ، وَإِلَّا لَمَا جَازَ اسْتِعَارَتُهَا لِإِنْسَانٍ طَوِيلٍ قُلْنَا لَعَلَّ الْجَامِعَ لَيْسَ مُجَرَّدَ الطُّولِ بَلْ مَعَ فُرُوعٍ، وَأَغْصَانٍ فِي أَعَالِيهَا، وَطَرَاوَةٍ، وَتَمَايُلٍ فِيهَا. [مَسْأَلَةٌ الْمَجَازُ خَلَفٌ عَنْ الْحَقِيقَةِ] (قَوْلُهُ مَسْأَلَةٌ) لَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْمَجَازَ خَلَفٌ عَنْ الْحَقِيقَةِ أَيْ فَرْعٌ لَهَا بِمَعْنَى أَنَّ الْحَقِيقَةَ هِيَ الْأَصْلُ الرَّاجِحُ الْمُقَدَّرُ فِي الِاعْتِبَارِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي جِهَةِ

стр. 154

الْحُكْمِ الَّذِي يَثْبُتُ بِهَذَا اللَّفْظِ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ كَثُبُوتِ الْبُنُوَّةِ مَثَلًا وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي حَقِّ التَّكَلُّمِ فَبَعْضُ الشَّارِحِينَ فَسَّرُوهُ بِأَنَّ لَفْظَ هَذَا ابْنِي إذَا أُرِيدَ بِهِ الْحُرِّيَّةُ خَلَفٌ عَنْ لَفْظِ هَذَا حُرٌّ فَيَكُونُ التَّكَلُّمُ بِاللَّفْظِ الَّذِي يُفِيدُ عَيْنَ ذَلِكَ الْمَعْنَى بِطَرِيقِ الْمَجَازِ خَلَفًا عَنْ التَّكَلُّمِ بِاللَّفْظِ الَّذِي يُفِيدُ عَيْنَ ذَلِكَ الْمَعْنَى بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ وَبَعْضُهُمْ فَسَّرُوهُ بِأَنَّ لَفْظَ هَذَا ابْنِي إذَا أُرِيدَ بِهِ الْحُرِّيَّةُ خَلَفَ عَنْ لَفْظِ هَذَا ابْنِي إذَا أُرِيدَ بِهِ الْبُنُوَّةُ وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ صَحِيحٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى مُفِيدٌ لِلْغَرَضِ فَإِنَّ لَفْظَ هَذَا ابْنِي خَلَفٌ عَنْ لَفْظِ هَذَا حُرٌّ أَيْ قَائِمٌ مَقَامَهُ، وَالْأَصْلُ وَهُوَ هَذَا حُرٌّ صَحِيحٌ لَفْظًا وَحُكْمًا فَيَصِحُّ الْخَلَفُ لَكِنَّ الْوَجْهَ الثَّانِيَ أَلْيَقُ بِهَذَا الْمَقَامِ لِأَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمَجَازَ خَلَفٌ عَنْ الْحَقِيقَةِ بِالِاتِّفَاقِ وَلَمْ يَذْكُرُوا الْخِلَافَ إلَّا فِي جِهَةِ الْخَلَفِيَّةِ فَقَطْ فَيَجِبُ أَنْ لَا يَكُونَ الْخِلَافُ فِيمَا هُوَ الْأَصْلُ وَفِيمَا هُوَ الْخَلَفُ بَلْ الْخِلَافُ يَكُونُ فِي جِهَةِ الْخَلَفِيَّةِ فَقَطْ فَعِنْدَهُمَا هَذَا ابْنِي إذَا كَانَ مَجَازًا خَلَفَ عَنْ هَذَا ــ [التلويح] الْخَلَفِيَّةِ فَعِنْدَهُمَا هِيَ الْحُكْمُ حَتَّى يُشْتَرَطَ فِي الْمَجَازِ إمْكَانُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ لِهَذَا اللَّفْظِ، وَعِنْدَهُ التَّكَلُّمُ حَتَّى يَكْفِيَ صِحَّةُ اللَّفْظِ مِنْ حَيْثُ الْعَرَبِيَّةُ سَوَاءٌ صَحَّ مَعْنَاهُ أَوْ لَا فَقَوْلُ الْقَائِلِ هَذَا ابْنِي لِعَبْدٍ مَعْرُوفِ النَّسَبِ مَجَازٌ اتِّفَاقًا إنْ كَانَ أَصْغَرَ مِنْهُ سِنًّا، وَإِنْ كَانَ أَكْبَرَ مِنْهُ فَعِنْدَهُ مَجَازٌ يَثْبُتُ بِهِ الْعِتْقُ لِصِحَّةِ اللَّفْظِ وَعِنْدَهُمَا لَغْوٌ لِاسْتِحَالَةِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْأَكْبَرُ مَخْلُوقًا مِنْ نُطْفَةِ الْأَصْغَرِ. (قَوْلُهُ فَالْخِلَافُ) يَعْنِي عِنْدَهُمَا الْأَصْلُ هَذَا ابْنِي لِإِثْبَاتِ الْبُنُوَّةِ، وَالْخَلَفُ هَذَا ابْنِي لِإِثْبَاتِ الْحُرِّيَّةِ، وَكَذَا عَلَى التَّفْسِيرِ الثَّانِي لِكَلَامِ الْإِمَامِ فَلَا يَقَعُ الْخِلَافُ إلَّا فِي جِهَةِ الْخَلَفِيَّةِ، وَأَمَّا عَلَى التَّفْصِيلِ الْأَوَّلِ فَالْأَصْلُ عِنْدَهُ هَذَا حُرٌّ فَيَقَعُ الْخِلَافُ فِي تَعْيِينِ الْحَقِيقَةِ الَّتِي هِيَ الْأَصْلُ أَيْضًا، وَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى الْخَلَفِيَّةِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ فَالْخِلَافُ يَكُونُ فِي الْأَصْلِ، وَالْخُلْفُ أَيْ فِي تَعْيِينِ مَجْمُوعِهِمَا لَا فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إذْ الْمَجَازُ الَّذِي هُوَ الْخَلَفُ إنَّمَا هُوَ هَذَا ابْنِي لِإِثْبَاتِ الْحُرِّيَّةِ بِلَا خِلَافٍ عَلَى كِلَا التَّفْسِيرَيْنِ لَا يُقَالُ قَدْ سَبَقَ أَنَّ مَعْنَى الْخَلَفِيَّةِ فِي الْحُكْمِ أَنَّ الْحُكْمَ الْمَجَازِيَّ خَلَفٌ عَنْ الْحُكْمِ الْحَقِيقِيِّ فَعِنْدَهُمَا الْأَصْلُ ثُبُوتُ الْبُنُوَّةِ، وَالْخَلَفُ ثُبُوتُ الْحُرِّيَّةِ وَعِنْدَهُ الْأَصْلُ هَذَا حُرٌّ، وَالْخَلَفُ هَذَا ابْنِي مَجَازًا فَيَقَعُ الْخِلَافُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ لِأَنَّا نَقُولُ هَذَا لَازِمٌ عَلَى التَّفْسِيرِ الثَّانِي أَيْضًا لِأَنَّ الْأَصْلَ عِنْدَهُ لَيْسَ هَذَا ابْنِي حَقِيقَةً بَلْ التَّكَلُّمُ بِهِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِثُبُوتِ الْبُنُوَّةِ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْأَصْلَ وَالْخَلَفَ هُمَا اللَّفْظَانِ أَعْنِي الْحَقِيقَةَ وَالْمَجَازَ، وَالنِّزَاعُ فِي أَنَّ هَذَا خَلَفٌ عَنْ ذَاكَ فِي حُكْمِهِ، أَوْ فِي التَّكَلُّمِ بِهِ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَنَّ حُكْمَ هَذَا خَلَفٌ عَنْ حُكْمِ ذَاكَ أَخْذٌ بِالْحَاصِلِ، وَتَوْضِيحٌ لِلْمَقْصُودِ فَعَلَى التَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ تَكُونُ الْحَقِيقَةُ الَّتِي هِيَ الْأَصْلُ عِنْدَهُ مُغَايِرَةً لِمَا هِيَ الْأَصْلُ عِنْدَهُمَا بِخِلَافِ

стр. 155

ابْنِي إذَا كَانَ حَقِيقَةً فِي حَقِّ الْحُكْمِ أَيْ حُكْمِهِ الْمَجَازِيِّ خَلَفَ عَنْ حُكْمِهِ الْحَقِيقِيِّ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هَذَا اللَّفْظُ خَلَفَ عَنْ عَيْنِ هَذَا اللَّفْظِ لَكِنْ بِالْجِهَتَيْنِ فَعَلَى كِلَا الْمَذْهَبَيْنِ الْأَصْلُ هَذَا ابْنِي وَالْخِلَافُ فِي الْجِهَةِ فَقَطْ عِنْدَهُمَا مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ وَعِنْدَهُ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّ هَذَا ابْنِي خَلَفَ عَنْ هَذَا حُرٌّ فَالْخِلَافُ يَكُونُ فِي الْأَصْلِ وَالْخَلَفُ لَا فِي جِهَةِ الْخَلَفِيَّةِ فَقَطْ وَالْأَمْرُ الثَّانِي أَنَّ فَخْرَ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ إنَّهُ يُشْتَرَطُ صِحَّةُ الْأَصْلِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ مَوْضُوعٌ لِلْإِيجَابِ بِصِيغَتِهِ وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ فَإِذَا وُجِدَ وَتَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِحَقِيقَتِهِ أَيْ بِالْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ، فَصِحَّةُ الْأَصْلِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ وَتَعَذُّرُ الْعَمَلِ بِالْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ مَخْصُوصَانِ بِهَذَا ابْنِي فَأَمَّا هَذَا حُرٌّ فَإِنَّهُ صَحِيحٌ مُطْلَقًا وَالْعَمَلُ بِحَقِيقَتِهِ غَيْرُ مُتَعَذَّرٍ فَعُلِمَ أَنَّ الْأَصْلَ هَذَا ابْنِي مُرَادًا بِهِ الْبُنُوَّةَ فَحَاصِلُ الْخِلَافِ أَنَّهُ إذَا اُسْتُعْمِلَ لَفْظٌ وَأُرِيدَ بِهِ الْمَعْنَى الْمَجَازِيُّ هَلْ يُشْتَرَطُ إمْكَانُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ بِهَذَا اللَّفْظِ أَمْ لَا فَعِنْدَهُمَا يُشْتَرَطُ فَحَيْثُ يُمْنَعُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ لَا يَصِحُّ الْمَجَازُ وَعِنْدَهُ لَا بَلْ يَكْفِي صِحَّةُ اللَّفْظِ مِنْ حَيْثُ الْعَرَبِيَّةُ (لَهُمَا أَنَّ فِي الْمَجَازِ يَنْتَقِلُ الذِّهْنُ مِنْ الْمَوْضُوعِ لَهُ إلَى لَازِمِهِ فَالثَّانِي) أَيْ اللَّازِمُ ــ [التلويح] التَّفْسِيرِ الثَّانِي فَإِنَّهُ لَفْظٌ وَاحِدٌ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا كَالْخَلَفِ عَلَى التَّفْسِيرَيْنِ. (قَوْلُهُ فَصِحَّةُ الْأَصْلِ) مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَلَمْ يَنْقُلْ جَوَابَ الشَّرْطِ الْوَاقِعِ فِي كَلَامِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَهُوَ قَوْلُهُ وَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى خَلَفِهِ احْتِرَازًا عَنْ إلْغَاءِ الْكَلَامِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِدُونِهِ، وَهُوَ أَنَّهُ جَعَلَ الْأَصْلَ مَا صَحَّ تَكَلُّمًا، وَتَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِحَقِيقَتِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنَّمَا يَصْدُقُ عَلَى هَذَا ابْنِي لَا عَلَى هَذَا حُرٌّ. (قَوْلُهُ لَهُمَا) الْمَشْهُورُ فِي اسْتِدْلَالِهِمَا أَنَّ الْحُكْمَ هُوَ الْمَقْصُودُ لَا نَفْسُ اللَّفْظِ فَاعْتِبَارُ الْأَصَالَةِ وَالْخَلَفِيَّةِ فِي الْمَقْصُودِ أَوْلَى وَفِي اسْتِدْلَالِهِ أَنَّ الْحَقِيقَةَ وَالْمَجَازَ مِنْ أَوْصَافِ اللَّفْظِ فَاعْتِبَارُ الْأَصَالَةِ وَالْخَلْفِيَّةِ فِي التَّكَلُّمِ الَّذِي هُوَ اسْتِخْرَاجُ اللَّفْظِ مِنْ الْعَدَمِ إلَى الْوُجُودِ أَوْلَى، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي اسْتِدْلَالِهِمَا مَا يُلَائِمُ كَلَامَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ مِنْ أَنَّ مَبْنَى الْمَجَازِ عَلَى الِانْتِقَالِ مِنْ الْمَلْزُومِ إلَى اللَّازِمِ فَلَا بُدَّ مِنْ إمْكَانِ الْمَلْزُومِ لِيَتَحَقَّقَ الِانْتِقَالُ مِنْهُ، وَأَجَابَ بِأَنَّ الِانْتِقَالَ مِنْهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى فَهْمِهِ لَا عَلَى إرَادَتِهِ، وَالْفَهْمُ إنَّمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى صِحَّةِ اللَّفْظِ، وَكَوْنُهُ بِحَيْثُ يَدُلُّ عَلَى الْمَعْنَى لَا عَلَى إمْكَانِ مَعْنَاهُ وَصِحَّتِهِ فِي نَفْسِهِ ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ الْمَجَازَ الَّذِي لَا يُمْكِنُ صِحَّةُ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ فِي كَلَامِ الْبُلَغَاءِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى بَلْ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى أَيْضًا. (قَوْلُهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ، وَهُوَ الْبِرُّ غَيْرُ مُمْكِنٍ) فَإِنْ قِيلَ هَذَا ظَاهِرٌ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْكُوزِ مَاءٌ، وَأَمَّا إذَا كَانَ فِيهِ مَاءٌ فَأُرِيقَ فَإِعَادَةُ الْمَاءِ فِي الْكُوزِ مُمْكِنٌ فَيَنْبَغِي أَنْ تَبْقَى الْيَمِينُ مُنْعَقِدَةً كَمَا إذَا حَلَفَ لَيَقْتُلَنَّ فُلَانًا، وَهُوَ مَيِّتٌ وَقْتَ الْحَلِفِ لِإِمْكَانِ إعَادَةِ حَيَاتِهِ، وَكَمَا إذَا حَلَفَ لَيَقْلِبَنَّ هَذَا الْحَجَرَ ذَهَبًا قُلْنَا ابْتِدَاءُ الْيَمِينِ فِي الْكُوزِ انْعَقَدَتْ عَلَى الْمُمْكِنِ فِي الظَّاهِرِ، وَعِنْدَ الْإِرَاقَةِ مَا بَقِيَ ذَلِكَ الْمُمْكِنُ

стр. 156

(مَوْقُوفٌ عَلَى الْأَوَّلِ) أَيْ الْمَوْضُوعِ لَهُ فَيَكُونُ اللَّازِمُ خَلَفًا وَفَرْعًا لِلْمَوْضُوعِ لَهُ وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِالْخَلَفِيَّةِ فِي حَقِّ الْحُكْمِ (فَلَا بُدَّ مِنْ إمْكَانِهِ) أَيْ إمْكَانِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْمَعْنَى الْمَوْضُوعُ لَهُ لِتَوَقُّفِ الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ عَلَيْهِ وَأَيْضًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ أَنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الْخَلَفِ إمْكَانُ الْأَصْلِ (كَمَا فِي مَسْأَلَةِ مَسِّ السَّمَاءِ) فَإِنَّ إمْكَانَ الْأَصْلِ فِيهَا شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْخَلَفِ وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَحْلِفَ بِقَوْلِهِ وَاَللَّهِ لَأَمَسُّ السَّمَاءَ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ خَلَفٌ عَنْ الْبِرِّ فَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ يُمْكِنُ الْبِرُّ يَنْعَقِدُ الْيَمِينُ وَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ لَا يُمْكِنُ الْبِرُّ لَا يَنْعَقِدُ الْيَمِينُ وَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ فَفِي مَسْأَلَةِ مَسِّ السَّمَاءِ الْبِرُّ وَهُوَ مَسُّ السَّمَاءِ مُمْكِنٌ فِي حَقِّ الْبَشَرِ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﵇ وَإِنْ حَلَفَ لَأَشْرَبَنَّ الْمَاءَ الَّذِي فِي هَذَا الْكُوزِ وَلَا مَاءَ فِيهِ لَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ لِأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الْبِرُّ غَيْرُ مُمْكِنٍ فَالْمُسْتَشْهَدُ هَاتَانِ الْمَسْأَلَتَانِ وَالْفَرْقُ الَّذِي ــ [التلويح] مُمْكِنًا فَلَا يَبْقَى الْيَمِينُ عَلَى خِلَافِ مَا انْعَقَدَتْ أَمَّا فِي مَسْأَلَةِ قَتْلِ الْمَيِّتِ، وَقَلْبِ الْحَجَرِ فَالْيَمِينُ قَدْ انْعَقَدَتْ ابْتِدَاءً عَلَى الْقُدْرَةِ فِي الْجُمْلَةِ لَا عَلَى الْإِمْكَانِ فِي الظَّاهِرِ، وَلَمْ تَنْعَقِدْ الْيَمِينُ عَلَى مَاءٍ يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْكُوزِ كَمَا انْعَقَدَتْ عَلَى حَيَاةٍ يُحْدِثُهَا اللَّهُ فِي الشَّخْصِ بَعْدَمَا حَلَفَ مَعَ الْعِلْمِ بِمَوْتِهِ لِأَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ الْخَلْقِ لَا يَكُونُ الْمَاءُ الَّذِي فِي الْكُوزِ وَقْتَ الْيَمِينِ، وَلَا يُقَدِّرُ لَأَشْرَبَنَّ الْمَاءَ الَّذِي فِي الْكُوزِ إنْ خَلَقَهُ اللَّهُ فِيهِ كَمَا يُقَدِّرُ لَأَقْتُلَنَّ الشَّخْصَ إنْ أَحْيَاهُ اللَّهُ تَعَالَى لِأَنَّ الْمَاءَ الَّذِي فِي الْكُوزِ إشَارَةٌ إلَى مَوْجُودٍ لِكَوْنِهِ مُشَارًا إلَيْهِ، وَتَقْدِيرُ الشَّرْطِ يَقْتَضِي عَدَمَهُ فَيَلْزَمُ اتِّصَافُ الشَّيْءِ بِالْوُجُودِ وَالْعَدَمِ، وَهُوَ مُحَالٌ. (قَوْلُهُ فَإِذَا فُهِمَ الْأَوَّلُ) أَيْ كَوْنُ الْمُشَارِ إلَيْهِ ابْنًا لَهُ، وَامْتَنَعَ إرَادَتُهُ لِلْقَرِينَةِ الْمَانِعَةِ عَنْ ذَلِكَ، وَهِيَ كَوْنُهُ مَعْرُوفَ النَّسَبِ أَوْ أَكْبَرَ سِنًّا مِنْ الْقَائِلِ عُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ لَازِمُهُ أَيْ لَازِمُ كَوْنِهِ ابْنًا لَهُ، وَهُوَ الْعِتْقُ مِنْ حِينِ الْمِلْكِ عَلَى أَنَّهُ اسْتِعَارَةٌ حَيْثُ أَطْلَقَ الِابْنَ عَلَى مَنْ لَيْسَ بِابْنٍ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي لَازِمٍ مَشْهُورٍ، وَهُوَ الْعِتْقُ مِنْ حِينِ الْمِلْكِ، وَهُوَ فِي الِابْنِ أَقْوَى وَأَشْهَرُ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ مِنْ إطْلَاقِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ لِأَنَّ الْبُنُوَّةَ مِنْ أَسْبَابِ الْعِتْقِ، وَهِيَ هَاهُنَا مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ الْمِلْكِ لِأَنَّ الْمِلْكَ كَانَ ثَابِتًا، وَلَا نَسَبَ ثَمَّ ادَّعَاهُ فَثَبَتَتْ الْبُنُوَّةُ فَيُعْتَقُ، وَالْحُكْمُ فِي عِلَّةٍ ذَاتِ وَصْفَيْنِ يُضَافُ إلَى آخِرِهِمَا وُجُودًا لَا أَنَّ الْمُصَنِّفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ لِأَنَّ الْعِتْقَ هَاهُنَا لَا سِيَّمَا فِي الْأَكْبَرِ سِنًّا لَمْ يَثْبُتْ بِالْبُنُوَّةِ فَلَا يَكُونُ مُسَبَّبًا عَنْهَا، وَالسَّبَبُ إنَّمَا يُطْلَقُ عَلَى مُسَبِّبِهِ كَمَا مَرَّ. (قَوْلُهُ فَيُجْعَلُ إقْرَارًا) جَوَابٌ لِسُؤَالٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ أَنَّهُ لَا وَجْهَ لِتَصْحِيحِ هَذَا الْكَلَامِ فِي هَذَا الْمَعْنَى لِأَنَّهُ إنْ جُعِلَ مَجَازًا لِإِنْشَاءِ الْحُرِّيَّةِ فَالْمَعْنَى الْمَذْكُورُ، وَهُوَ أَنَّهُ عَتَقَ عَلَيَّ مِنْ حِينِ مَلَكْتُهُ إقْرَارٌ لَا إنْشَاءٌ، وَلِهَذَا يَبْطُلُ بِالْكُرْهِ وَالْهَزْلِ، وَلَا يُقْبَلُ التَّعْلِيقُ بِالشَّرْطِ، وَإِنْ جُعِلَ مَجَازًا لِلْإِقْرَارِ فَهُوَ كَذِبٌ مَحْضٌ بِيَقِينٍ لِأَنَّ

стр. 157

بَيْنَهُمَا وَإِنَّمَا لَمْ نَذْكُرْ فِي الْمَتْنِ مَسْأَلَةَ الْكُوزِ لِأَنَّ الْمُعْتَادَ فِي كُتُبِنَا ذِكْرُهُمَا مَعًا فَكُلٌّ مِنْهُمَا يُنْبِئُ عَنْ الْآخَرِ (قُلْنَا مَوْقُوفٌ عَلَى فَهْمِ الْأَوَّلِ لَا عَلَى إرَادَتِهِ إذْ لَا جَمْعَ بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ وَالْمُرَادُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ وَالْمَجَازِيُّ فِيهَا أَيْ فِي الْإِرَادَةِ فَإِذَا لَمْ يَتَوَقَّفْ عَلَى إرَادَةِ الْأَوَّلِ لَا يَجِبُ إمْكَانُ الْأَوَّلِ وَحَيْثُ تَوَقَّفَ عَلَى فَهْمِ الْأَوَّلِ وَفَهْمُ الْأَوَّلِ مَبْنِيٌّ عَلَى صِحَّةِ اللَّفْظِ مِنْ حَيْثُ الْعَرَبِيَّةُ يَكْفِي صِحَّةُ اللَّفْظِ مِنْ حَيْثُ الْعَرَبِيَّةُ (فَإِذَا فُهِمَ الْأَوَّلُ وَامْتَنَعَ إرَادَتُهُ عُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ لَازِمُهُ وَهُوَ عِتْقُهُ مِنْ حِينِ مِلْكِهِ) فَإِنَّ هَذَا الْمَعْنَى لَازِمٌ لِلْبُنُوَّةِ (فَيُجْعَلُ إقْرَارًا فَيُعْتَقُ قَضَاءً مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ لِأَنَّهُ مُتَعَيِّنٌ وَلَا يُعْتَقُ بِقَوْلِهِ يَا بُنَيَّ لِأَنَّهُ لِاسْتِحْضَارِ الْمُنَادَى بِصُورَةِ الِاسْمِ بِلَا قَصْدِ الْمَعْنَى فَلَا تَجْرِي الِاسْتِعَارَةُ لِتَصْحِيحِ الْمَعْنَى فَإِنَّ الِاسْتِعَارَةَ تَقَعُ أَوَّلًا فِي الْمَعْنَى وَبِوَاسِطَتِهِ فِي اللَّفْظِ) فَيُسْتَعَارُ أَوَّلًا ــ [التلويح] عِتْقَهُ بِالْبُنُوَّةِ أَمْرٌ مُسْتَحِيلٌ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْ جِهَةِ السَّيِّدِ إعْتَاقٌ، وَالْإِقْرَارُ يَبْطُلُ إذَا اتَّصَلَ بِهِ دَلِيلُ الْكَذِبِ فَكَيْفَ إذَا كَانَ كَذِبًا بِيَقِينٍ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ مَجَازٌ لِلْإِقْرَارِ، وَالْمُسْتَحِيلُ إنَّمَا هُوَ الْبُنُوَّةُ لَا الْحُرِّيَّةُ مِنْ حِينِ الْمِلْكِ حَتَّى لَوْ قَالَ أُعْتِقَ عَلَيَّ مِنْ حِينِ مَلَكْته كَانَ صَحِيحًا فَإِنْ قِيلَ الْإِعْتَاقُ لَمْ يُوجَدْ فَكَيْفَ يَصِحُّ هَذَا الْإِقْرَارُ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ إنْ كَانَ صَادِقًا بِأَنْ سَبَقَ مِنْهُ إعْتَاقٌ فَقَدْ عَتَقَ الْعَبْدُ قَضَاءً وَدِيَانَةً، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا يَعْتِقُ قَضَاءً مُؤَاخَذَةً لَهُ بِإِقْرَارِهِ، وَلَا يَعْتِقُ دِيَانَةً فَالْعِتْقُ قَضَاءٌ لَازِمٌ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ. فَإِنْ قِيلَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَجَازًا عَنْ الشَّفَقَةِ وَنَحْوِهَا فَلَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ كَمَا إذَا قَالَ هَذَا أَخِي يَحْتَمِلُ الْأُخُوَّةَ فِي الدِّينِ، وَالِاتِّحَادَ فِي الْقَبِيلَةِ وَالْأُخُوَّةَ فِي النَّسَبِ فَلَا يَعْتِقُ مَا لَمْ يُبَيِّنْ أَنَّهُ أَرَادَ الْأُخُوَّةَ أَبًا وَأُمًّا قُلْنَا احْتِمَالٌ بَعِيدٌ غَيْرُ نَاشِئٍ عَنْ دَلِيلٍ لِأَنَّ السَّابِقَ إلَى الْفَهْمِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ هُوَ الْعِتْقُ لَا غَيْرُ فَيَكُونُ مَجَازًا مُتَعَيَّنًا فَلَا يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ بِخِلَافِ هَذَا أَخِي، وَفِيهِ نَظَرٌ. فَإِنْ قِيلَ فَيَجِبُ ثُبُوتُ الْحُرْمَةِ فِيمَا إذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ، وَهِيَ أَصْغَرُ مِنْهُ سِنًّا هَذِهِ بِنْتِي قُلْنَا لَمْ يُعْتَبَرْ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ عَلَى الْغَيْرِ لِأَنَّ حُكْمَ النَّسَبِ لَيْسَ إزَالَةَ الْمِلْكِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ بَلْ انْتِفَاءُ حِلِّ الْمَحَلِّيَّةِ مِنْ الْأَصْلِ، وَذَلِكَ حَقُّهَا لَا حَقُّهُ فَلَا يُصَدَّقُ فِي إبْطَالِ حَقِّ الْغَيْرِ بِخِلَافِ هَذَا ابْنِي فَإِنَّهُ إقْرَارٌ عَلَى نَفْسِهِ لِأَنَّ مِنْ حُكْمِ الْبُنُوَّةِ بُطْلَانُ الْمِلْكِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ فَإِنَّهُ يَمْلِكُ ابْنَهُ بِالشِّرَاءِ ثُمَّ يَبْطُلُ ذَلِكَ بِالْعِتْقِ. فَإِنْ قِيلَ إذَا قَالَ لِعَبْدٍ يَا ابْنِي يَجِبُ أَنْ يَعْتِقَ لِتَعَذُّرِ الْعَمَلِ بِالْحَقِيقَةِ، وَتَعَيُّنِ الْمَجَازِ قُلْنَا وُضِعَ النِّدَاءُ لِاسْتِحْضَارِ الْمُنَادَى وَطَلَبِ إقْبَالِهِ بِصُورَةِ الِاسْمِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إلَى مَعْنَاهُ فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى تَصْحِيحِ الْكَلَامِ بِإِثْبَاتِ مُوجَبِهِ الْحَقِيقِيِّ أَوْ الْمَجَازِيِّ بِخِلَافِ الْخَبَرِ فَإِنَّهُ لِتَحْقِيقِ الْمُخْبَرِ بِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَصْحِيحِهِ بِمَا أَمْكَنَ. فَإِنْ قِيلَ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَعْتِقَ بِمِثْلِ يَا حُرُّ قُلْنَا لَفْظُ الْحُرِّ مَوْضُوعٌ لِلْمُعْتَقِ، وَعَلَمٌ لِإِسْقَاطِ الرِّقِّ فَيَقُومُ عَيْنُهُ مَقَامَ مَعْنَاهُ حَتَّى لَوْ قَصَدَ التَّسْبِيحَ فَجَرَى عَلَى لِسَانِهِ عَبْدِي حُرٌّ يَعْتِقُ. (قَوْلُهُ فَإِنَّ الِاسْتِعَارَةَ تَقَعُ أَوَّلًا، فِي الْمَعْنَى)

стр. 158

الْهَيْكَلُ الْمَخْصُوصُ لِلشُّجَاعِ ثُمَّ بِتَوَسُّطِ هَذِهِ الِاسْتِعَارَةِ يُسْتَعَارُ لَفْظُ الْأَسَدِ لِلشُّجَاعِ وَلِأَجْلِ أَنَّ الِاسْتِعَارَةَ تَقَعُ أَوَّلًا فِي الْمَعْنَى لَا تَجْرِي الِاسْتِعَارَةُ فِي الْأَعْلَامِ إلَّا فِي أَعْلَامٍ تَدُلُّ عَلَى الْمَعْنَى كَحَاتِمٍ وَنَحْوِهِ وَيُعْتَقُ بِقَوْلِهِ يَا حُرُّ لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لَهُ فَإِنْ قِيلَ قَدْ ذَكَرَهُ فِي عِلْمِ الْبَيَانِ أَنَّ زَيْدًا أَسَدٌ لَيْسَ بِاسْتِعَارَةٍ بَلْ هُوَ تَشْبِيهٌ بِغَيْرِ آلَةٍ لِأَنَّهُ دَعْوَى أَمْرٍ مُسْتَحِيلٍ قَصْدًا لِأَنَّ التَّصْدِيقَ وَالتَّكْذِيبَ يَتَوَجَّهَانِ إلَى الْخَبَرِ وَإِنَّمَا يَكُونُ اسْتِعَارَةً إذَا حُذِفَ الْمُشَبَّهُ نَحْوَ رَأَيْت أَسَدًا يَرْمِي وَإِنْ كَانَ هَذَا مُسْتَحِيلًا أَيْضًا بِوَاسِطَةِ ــ [التلويح] مَيْلٌ إلَى الْمَذْهَبِ الْمَرْجُوحِ فِي تَحْقِيقِ الِاسْتِعَارَةِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَجَازٍ لُغَوِيٍّ بَلْ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ بِمَعْنَى أَنَّ التَّصَرُّفَ فِي أَمْرٍ عَقْلِيٍّ حَيْثُ جَعَلَ مَا لَيْسَ بِأَسَدٍ أَسَدًا أَيْ اُسْتُعِيرَ الْهَيْكَلُ الْمَخْصُوصُ لِلرَّجُلِ الشُّجَاعِ ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ فِيهِ لَفْظُ الْأَسَدِ عَلَى أَنَّهُ اسْتِعْمَالٌ فِيمَا وُضِعَ لَهُ، وَالْمَذْهَبُ الْمَنْصُورُ أَنَّهُ مَجَازٌ لُغَوِيٌّ مُسْتَعْمَلٌ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ، وَأَنَّ جَعْلَ الرَّجُلِ الشُّجَاعِ أَسَدًا لَيْسَ مَعْنَاهُ اسْتِعَارَةَ الْهَيْكَلِ الْمَخْصُوصِ لَهُ بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ جَعَلَ أَفْرَادَ الْأَسَدِ قِسْمَيْنِ: مُتَعَارَفًا، وَهُوَ مَا لَهُ تِلْكَ الشَّجَاعَةِ فِي ذَلِكَ الْهَيْكَلِ وَتِلْكَ الصُّورَةِ الْمَخْصُوصَةِ، وَغَيْرَ مُتَعَارَفٍ، وَهُوَ مَا لَهُ تِلْكَ الشَّجَاعَةُ لَكِنْ لَا فِي ذَلِكَ الْهَيْكَلِ وَتِلْكَ الصُّورَةِ، وَالرَّجُلُ الشُّجَاعُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ إلَّا أَنَّ لَفْظَ الْأَسَدِ لَمْ يُوضَعْ بِالتَّحْقِيقِ إلَّا لِلْقِسْمِ الْأَوَّلِ فَيَكُونُ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي اسْتِعْمَالًا فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ، وَأَمَّا عَدَمُ جَرَيَانِ الِاسْتِعَارَةِ فِي الْأَعْلَامِ فَمَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ فِي الِاسْتِعَارَةِ إدْخَالُ الْمُشَبَّهِ فِي جِنْسِ الْمُشَبَّهِ بِهِ بِجَعْلِ أَفْرَادَهُ قِسْمَيْنِ مُتَعَارَفًا، وَغَيْرَ مُتَعَارَفٍ، وَالْعَلَمِيَّةُ تُنَافِي الْجِنْسِيَّةَ، وَاعْتِبَارَ الْأَفْرَادِ إلَّا إذَا تَضَمَّنَ نَوْعَ وَصْفِيَّةٍ اُشْتُهِرَ بِهَا كَحَاتِمٍ فِي الْجُودِ فَيُجْعَلُ قِسْمَيْنِ مُتَعَارَفًا، وَهُوَ مَا لَهُ غَايَةُ الْجُودِ فِي ذَلِكَ الشَّخْصِ الْمَعْهُودِ، وَغَيْرَ مُتَعَارَفٍ، وَهُوَ مَا لَهُ غَايَةُ الْجُودِ فِي ذَلِكَ الشَّخْصِ فَيُجْعَلُ زَيْدٌ مِنْ قَبِيلِ الثَّانِي، وَيُسْتَعَارُ لَهُ لَفْظُ حَاتِمٍ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّهَا لَا تَجْرِي فِي الْأَعْلَامِ لِأَنَّ الْعَلَمَ لَا يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى لِيُسْتَعَارَ أَوَّلًا مَعْنَاهُ ثُمَّ لَفْظُهُ فَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْعَلَمَ دَالٌّ عَلَى مَعْنَاهُ الْعَلَمِيِّ بِالضَّرُورَةِ فَلِمَ لَا يَجُوزُ اسْتِعَارَتُهُ لِشَخْصٍ آخَرَ ادِّعَاءً وَتَخْيِيلًا كَمَا جَازَ اسْتِعَارَةُ الْهَيْكَلِ الْمَخْصُوصِ بِالْأَسَدِ لِلْإِنْسَانِ الشُّجَاعِ؟ لَا يُقَالُ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُشَبَّهِ لِأَنَّا نَقُولُ الْمَعْنَى الَّذِي يُسْتَعَارُ أَوَّلًا لِلْمُشَبَّهِ هُوَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ لِلْمُشَبَّهِ بِهِ كَالْهَيْكَلِ الْمَخْصُوصِ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ لَا الْوَصْفُ الْمُشْتَرَكُ كَالشُّجَاعِ مَثَلًا فَإِنَّهُ ثَابِتٌ لِلْمُشَبَّهِ حَقِيقَةً، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الِاسْتِعَارَةَ تَقْتَضِي وُجُودَ لَازِمٍ مَشْهُورٍ لَهُ نَوْعُ اخْتِصَاصٍ بِالشَّبَهِ بِهِ فَإِنْ وُجِدَ ذَلِكَ فِي مَدْلُولِ الِاسْمِ سَوَاءٌ كَانَ عَلَمًا أَوْ غَيْرَ عَلَمٍ جَازَ اسْتِعَارَتُهُ، وَإِلَّا فَلَا. (قَوْلُهُ فَإِنْ قِيلَ) حَاصِلُ السُّؤَالِ أَنَّ هَذَا ابْنِي مِنْ قَبِيلِ زَيْدٌ أَسَدٌ، وَهُوَ لَيْسَ بِاسْتِعَارَةٍ عِنْدَ

стр. 159

الْقَرِينَةِ لَكِنْ غَيْرَ مَقْصُودٍ فَإِنَّ الْقَصْدَ إلَى الرُّؤْيَةِ هَاهُنَا فَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ هَذَا ابْنِي اسْتِعَارَةً اعْلَمْ أَنَّ الِاسْتِعَارَةَ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْبَيَانِ ادِّعَاءُ مَعْنَى الْحَقِيقَةِ فِي الشَّيْءِ لِأَجْلِ الْمُبَالَغَةِ فِي التَّشْبِيهِ مَعَ حَذْفِ التَّشْبِيهِ لَفْظًا وَمَعْنًى فَالِاسْتِعَارَةُ لَا تَجْرِي فِي خَبَرِ الْمُبْتَدَأِ عِنْدَهُمْ فَقَوْلُهُمْ زَيْدٌ أَسَدٌ لَيْسَ بِاسْتِعَارَةٍ بَلْ تَشْبِيهٌ بِغَيْرِ آلَةٍ بِنَاءً عَلَى الدَّلِيلِ الَّذِي ذُكِرَ فِي الْمَتْنِ فَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ هَذَا ابْنِي اسْتِعَارَةً بَلْ يَكُونُ تَشْبِيهًا وَفِي التَّشْبِيهِ لَا يُعْتَقُ فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّهُمْ لَا يُجَوِّزُونَ الِاسْتِعَارَةَ إذَا كَانَتْ مُسْتَلْزِمَةً لِدَعْوَى أَمْرٍ مُسْتَحِيلٍ قَصْدًا فَهَذَا عَيْنُ مَذْهَبِهِمَا لِأَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ الْمَجَازِ إمْكَانُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ (قُلْنَا هَذَا فِي الِاسْتِعَارَةِ فِي أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ وَتُسَمَّى اسْتِعَارَةً أَصْلِيَّةً لِأَنَّهُ يَلْزَمُ حِينَئِذٍ قَلْبُ الْحَقَائِقِ لَا فِي الِاسْتِعَارَةِ فِي الْمُشْتَقَّاتِ وَتُسَمَّى اسْتِعَارَةً تَبَعِيَّةً نَحْوَ نَطَقَتْ الْحَالُ أَوْ الْحَالُ نَاطِقَةٌ فَإِنَّ هَذَا اسْتِعَارَةٌ بِالِاتِّفَاقِ وَلَا يَلْزَمُ هُنَا قَلْبُ الْحَقَائِقِ وَهَذَا ابْنِي مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ) هَذَا الَّذِي ذُكِرَ وَهُوَ أَنَّ زَيْدًا أَسَدٌ لَيْسَ بِاسْتِعَارَةٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الِاسْتِعَارَةَ لَا تَقَعُ فِي خَبَرِ الْمُبْتَدَأِ إنَّمَا هُوَ مَخْصُوصٌ بِالِاسْتِعَارَةِ فِي أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ أَمَّا الِاسْتِعَارَةُ فِي الْمُشْتَقَّاتِ فَإِنَّهَا تَجْرِي فِي خَبَرِ الْمُبْتَدَأِ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْبَيَانِ كَمَا يُقَالُ الْحَالُ نَاطِقَةٌ أَيْ دَلَالَةٌ اُسْتُعِيرَ النَّاطِقَةُ لِلدَّلَالَةِ وَهَذِهِ الِاسْتِعَارَةُ فِي خَبَرِ الْمُبْتَدَأِ لَكِنْ لَيْسَتْ فِي أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ بَلْ فِي الِاسْمِ الْمُشْتَقِّ فَيُجَوِّزُونَ هَذَا فِي خَبَرِ الْمُبْتَدَأِ، وَفَرْقُهُمْ أَنَّ الِاسْتِعَارَةَ فِي خَبَرِ الْمُبْتَدَأِ تَسْتَلْزِمُ قَلْبَ الْحَقَائِقِ إذَا كَانَ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ اسْمَ جِنْسٍ أَمَّا إذَا كَانَ اسْمًا مُشْتَقًّا ــ [التلويح] الْمُحَقِّقِينَ بَلْ تَشْبِيهٌ بِحَذْفِ الْأَدَاةِ أَيْ زَيْدٌ مِثْلُ الْأَسَدِ، وَهَذَا مِثْلُ ابْنِي، وَهُوَ لَا يُوجِبُ الْعِتْقَ بِالِاتِّفَاقِ، وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ زَيْدٌ أَسَدٌ بَلْ مِنْ قَبِيلِ الْحَالُ نَاطِقَةٌ، وَهُوَ اسْتِعَارَةٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ ابْنِي مَعْنَاهُ مَوْلُودٌ مِنِّي، وَمَخْلُوقٌ مِنْ مَائِي فَيَكُونُ مُشْتَقًّا مِثْلَ نَاطِقَةٌ ثُمَّ أَدْرَجَ فِيهِ سُؤَالًا آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ اتِّفَاقَ الْمُحَقِّقِينَ عَلَى أَنَّ مِثْلَ زَيْدٌ أَسَدٌ لَيْسَ بِاسْتِعَارَةٍ لِمَا فِيهِ مِنْ دَعْوَى أَمْرٍ مُسْتَحِيلٍ إجْمَاعٌ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي اسْتِعَارَةٍ إمْكَانُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ، وَلَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الِاسْتِعَارَةِ وَالْمَجَازِ الْمُرْسَلِ فَيَكُونُ الْمَجَازُ خَلَفًا فِي الْحُكْمِ لَا فِي التَّكَلُّمِ، وَأَشَارَ إلَى الْجَوَابِ بِأَنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ مِثْلَ الْحَالُ نَاطِقَةٌ اسْتِعَارَةٌ مَعَ اسْتِحَالَةِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ، وَهُوَ ثُبُوتُ النُّطْقِ لِلْحَالِ فَعُلِمَ أَنَّ إمْكَانَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الْمَجَازِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَهَذَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ مُعَارَضَةً، وَأَنْ يُجْعَل مَنْعًا مَعَ السَّنَدِ. (قَوْلُهُ اعْلَمْ أَنَّ الِاسْتِعَارَةَ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْبَيَانِ ادِّعَاءُ مَعْنَى الْحَقِيقَةِ فِي الشَّيْءِ) مَيْلٌ إلَى الْمَذْهَبِ الْمَرْجُوحِ كَمَا بَيَّنَّا وَالْمُحَقِّقُونَ عَلَى أَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنْ ذِكْرِ الْمُشَبَّهِ بِهِ، وَإِرَادَةُ الْمُشَبَّهِ مُدَّعِيًا دُخُولَ الْمُشَبَّهِ فِي جِنْسِ الْمُشَبَّهِ بِهِ يَجْعَلُ أَفْرَادَهُ قِسْمَيْنِ مُتَعَارَفًا، وَغَيْرَ مُتَعَارَفٍ مَعَ

стр. 160

فَلَا تَسْتَلْزِمُ قَلْبَ الْحَقَائِقِ نَحْوَ الْحَالُ نَاطِقَةٌ فَلَا تَجُوزُ فِي أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ وَتَجُوزُ فِي الْمُشْتَقَّاتِ وَهُنَا خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ وَهُوَ ابْنِي اسْمٌ مُشْتَقٌّ لِأَنَّ مَعْنَاهُ مَوْلُودٌ مِنِّي فَتَجُوزُ فِيهِ الِاسْتِعَارَةُ فَإِنَّهُ مِنْ قَبِيلِ قَوْلِنَا الْحَالُ نَاطِقَةٌ وَاعْلَمْ أَنَّهُمْ يُسَمُّونَ الِاسْتِعَارَةَ فِي أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ اسْتِعَارَةٌ أَصْلِيَّةً وَالِاسْتِعَارَةَ فِي الْأَفْعَالِ وَالْأَسْمَاءِ الْمُشْتَقَّةِ اسْتِعَارَةٌ تَبَعِيَّةً لِأَنَّ الِاسْتِعَارَةَ إنَّمَا تَقَعُ فِيهَا بِتَبَعِيَّةِ وُقُوعِهَا فِي الْمُشْتَقِّ مِنْهُ وَسَيَأْتِي قَرِيبًا وَيَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الْجَوَابَ الَّذِي أَوْرَدْتُهُ فِي الْمَتْنِ إنَّمَا هُوَ عَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ زَعْمِ عُلَمَاءِ الْبَيَانِ وَتَرْكِ الْمُنَاقَشَةِ عَلَى دَلَائِلِهِمْ الْوَاهِيَةِ وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُمْ زَيْدٌ أَسَدٌ لَيْسَ بِاسْتِعَارَةٍ مَعَ أَنَّ قَوْلَهُمْ رَأَيْت أَسَدًا يَرْمِي اسْتِعَارَةً لَيْسَ بِقَوِيٍّ وَالْفَرْقُ الَّذِي ذَكَرْته فِي الْمَتْنِ أَنَّ زَيْدًا أَسَدٌ دَعْوَى أَمْرٍ مُسْتَحِيلٍ قَصْدًا بِخِلَافِ رَأَيْت أَسَدًا يَرْمِي لَا شَكَّ أَنَّهُ فَرْقٌ وَاهٍ وَمَا ذُكِرَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ فِي أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ ــ [التلويح] نَصْبِ قَرِينَةٍ مَانِعَةٍ عَنْ إرَادَةِ الْمُتَعَارَفِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ ادِّعَاءَ مَعْنَى الْحَقِيقَةِ مَعَ نَصْبِ الْقَرِينَةِ الْمَانِعَةِ عَنْ إرَادَةِ مَعْنَى الْحَقِيقَةِ أَمْرَانِ مُتَدَافِعَانِ. (قَوْلُهُ فَهَذَا عَيْنُ مَذْهَبِهِمَا) فِيهِ بَحْثٌ لِأَنَّ الشَّرْطَ عَلَى هَذَا عَدَمُ الْقَصْدِ إلَى دَعْوَى أَمْرٍ مُسْتَحِيلٍ وَعِنْدَهُمَا عَدَمُ الِاسْتِحَالَةِ فَأَيَّدَ أَحَدَهُمَا عَنْ الْآخَرِ. (قَوْلُهُ وَيَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الْجَوَابَ الَّذِي أَوْرَدْته فِي الْمَتْنِ إنَّمَا هُوَ عَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ زَعْمِ عُلَمَاءِ الْبَيَانِ) قَدْ تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْبَيَانِ نَحْوُ رَأَيْت أَسَدًا يَرْمِي مِنْ بَابِ الِاسْتِعَارَةِ بِخِلَافِ زَيْدٌ أَسَدٌ فَإِنَّ الْمُحَقِّقِينَ عَلَى أَنَّهُ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ لَا اسْتِعَارَةٌ، وَأَنَّ نَحْوَ الْحَالُ نَاطِقَةٌ بِكَذَا مِنْ بَابِ الِاسْتِعَارَةِ بِالِاتِّفَاقِ فَفَهِمَ الْمُصَنِّفُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الِاسْتِعَارَةَ لَا تَجْرِي فِي خَبَرِ الْمُبْتَدَأِ إلَّا إذَا كَانَ مُشْتَقًّا، وَبَيَّنَ الْفَرْقَ بَيْنَ نَحْوِ زَيْدٌ أَسَدٌ، وَنَحْوِ رَأَيْت أَسَدًا يَرْمِي بِأَنَّ الْأَوَّلَ يَشْتَمِلُ عَلَى دَعْوَى أَمْرٍ مُسْتَحِيلٍ قَصْدًا إذْ التَّصْدِيقُ وَالتَّكْذِيبُ إنَّمَا يَتَوَجَّهَانِ إلَى الْخَبَرِ الَّذِي قَصَدَ الْمُتَكَلِّمُ إثْبَاتَهُ أَوْ نَفْيَهُ لِأَنَّ التَّصْدِيقَ هُوَ الْحُكْمُ بِمُطَابَقَةِ الْخَبَرِ لِلْوَاقِعِ وَالتَّكْذِيبَ بِخِلَافِهِ فَيَتَّصِفُ الْخَبَرُ بِكَوْنِهِ مُحَالًا أَوْ مُسْتَقِيمًا فَيَفْتَقِرُ نَحْوُ زَيْدٌ أَسَدٌ إلَى تَقْدِيرِ أَدَاةِ التَّشْبِيهِ لِيَخْرُجَ عَنْ الِاسْتِحَالَةِ إلَى الِاسْتِقَامَةِ بِخِلَافِ نَحْوِ رَأَيْت أَسَدًا يَرْمِي فَإِنَّهُ، وَإِنْ اشْتَمَلَ عَلَى إثْبَاتِ الْأَسَدِيَّةِ لِزَيْدٍ لَكِنَّهُ لَمْ يَقَعْ قَصْدًا بَلْ الْقَصْدُ إنَّمَا هُوَ إلَى إثْبَاتِ الرُّؤْيَةِ فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى تَقْدِيرِ أَدَاةِ التَّشْبِيهِ لِلتَّصْحِيحِ بَيْنَ الْفَرْقِ وَبَيْنَ مَا إذَا كَانَ الْخَبَرُ جَامِدًا وَبَيْنَ مَا إذَا كَانَ مُشْتَقًّا بِأَنَّ الْأَوَّلَ يَشْتَمِلُ عَلَى قَلْبِ الْحَقَائِقِ، وَهُوَ جَعْلُ حَقِيقَةِ الْإِنْسَانِ حَقِيقَةَ الْأَسَدِ بِخِلَافِ الثَّانِي فَإِنَّهُ لَا يَشْتَمِلُ إلَّا عَلَى إثْبَاتِ وَصْفٍ لِلْحَقِيقَةِ الَّتِي لَيْسَ بِثَابِتٍ لَهَا ثُمَّ اُعْتُرِضَ بِأَنَّ الْفَرْقَ الْأَوَّلَ ضَعِيفٌ لِأَنَّ الْكَلَامَ الْمُشْتَمِلَ عَلَى الْمُحَالِ بَاطِلٌ سَوَاءٌ قَصَدَ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّأْوِيلِ، وَلِأَنَّ الِاسْتِعَارَةَ رُبَّمَا تَشْتَمِلُ عَلَى دَعْوَى أَمْرٍ مُسْتَحِيلٍ قَصْدًا مِثْلَ رَمَى أَسَدٌ، وَتَكَلَّمَ بَدْرٌ، وَلِأَنَّ

стр. 161

لَا تَجْرِي الِاسْتِعَارَةُ فِي خَبَرِ الْمُبْتَدَأِ وَتَجْرِي فِي الْأَسْمَاءِ الْمُشْتَقَّةِ أَضْعَفَ مِنْ الْأَوَّلِ وَفَرْقُهُمْ أَنَّ الْأَوَّلَ يَقْضِي إلَى قَلْبِ الْحَقَائِقِ دُونَ الثَّانِي أَوْهَنُ مِنْ نَسْجِ الْعَنْكَبُوتِ لِأَنَّ قَوْلَهُمْ الْحَالُ نَاطِقَةٌ لَيْسَ فِي الِاسْتِحَالَةِ أَدْنَى مِنْ قَوْلِهِمْ زَيْدٌ أَسَدٌ فَمَا الَّذِي أَوْجَبَ أَنَّ أَحَدَهُمَا اسْتِعَارَةٌ وَالْآخَرَ لَيْسَ بِاسْتِعَارَةٍ، وَإِنَّمَا لَمْ أَذْكُرْ هَذِهِ الِاعْتِرَاضَاتِ فِي الْمَتْنِ لِعَدَمِ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهَا فَإِنَّ قَوْلَهُمْ الْحَالُ نَاطِقَةٌ لَمَّا كَانَتْ اسْتِعَارَةً بِالِاتِّفَاقِ عُلِمَ أَنَّ إمْكَانَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ لَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْمَجَازِ وَعَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُشْتَقَّاتِ وَأَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ قَوْلُهُمْ هَذَا ابْنِي مِنْ قَبِيلِ الْمُشْتَقَّاتِ فَتَصِحُّ فِيهِ الِاسْتِعَارَةُ بِلَا اشْتِرَاطِ إمْكَانِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ. (مَسْأَلَةٌ: قَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ لَا عُمُومَ لِلْمَجَازِ لِأَنَّهُ ضَرُورِيٌّ يُصَارُ إلَيْهِ تَوْسِعَةً فَيُقَدَّرُ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ قُلْنَا لَا ضَرُورَةَ فِي اسْتِعْمَالِهِ) لِأَنَّهُ إنَّمَا يُسْتَعْمَلُ لِأَجْلِ الدَّاعِي الَّذِي يَأْتِي مِنْ بَعْدُ وَإِذَا لَمْ تَكُنْ ــ [التلويح] الْمُحَالَ رُبَّمَا يَجُوزُ ادِّعَاؤُهُ لِأَغْرَاضٍ وَاعْتِبَارَاتٍ لَطِيفَةٍ مَعَ نَصْبِ الْقَرِينَةِ الْمَانِعَةِ عَلَى عَدَمِ إرَادَةِ ثُبُوتِهِ فِي الْوَاقِعِ، وَبِأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْجَامِدِ وَالْمُشْتَقِّ أَضْعَفُ مِنْ الْفَرْقِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مَا يَثْبُتُ ضِمْنًا وَبَيْنَ مَا يَثْبُتُ قَصْدًا لَكِنَّ إثْبَاتَ الْمُحَالِ بَاطِلٌ قَطْعًا مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ الْجَامِدِ وَالْمُشْتَقِّ، وَمَا ذُكِرَ مِنْ لُزُومِ قَلْبِ الْحَقَائِقِ فِي الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي فِي غَايَةِ الضَّعْفِ لِظُهُورِ أَنَّ اسْتِحَالَةَ نُطْقِ الْحَالِ لَيْسَتْ أَدْنَى مِنْ اسْتِحَالَةِ أَسَدِيَّةِ الْإِنْسَانِ سَوَاءٌ سَمَّى قَلْبَ الْحَقَائِقِ أَوْ لَمْ يُسَمِّ عَلَى أَنَّ انْقِلَابَ الْحَقَائِقِ مَعْنَاهُ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ انْقِلَابٌ وَاحِدٌ مِنْ الْوَاجِبِ وَالْمُمْكِنِ وَالْمُمْتَنِعِ إلَى الْآخَرِ وَلَا شَكَّ أَنَّ نُطْقَ الْحَالِ مُمْتَنِعٌ فَإِثْبَاتُهُ يَكُونُ جَعْلَ الْمُمْتَنِعِ مُمْكِنًا هَذَا تَقْرِيرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَأَنَا أُطْلِعُك عَلَى حَقِيقَةِ الْحَالِ بِأَنْ أَحْكِيَ لَك كَلَامَ عُلَمَاءِ الْبَيَانِ فِي هَذَا الْمَقَامِ اعْلَمْ أَنَّ الِاسْتِعَارَةَ عِنْدَهُمْ إنَّمَا تُطْلَقُ حَيْثُ يُسْتَعْمَلُ الْمُشَبَّهُ بِهِ فِي الْمُشَبَّهِ بِهِ، وَيُجْعَلُ الْكَلَامُ خِلْوًا عَنْ الْمُشَبَّهِ صَالِحًا لَأَنْ يُرَادَ بِهِ الْمُشَبَّهُ بِهِ لَوْلَا الْقَرِينَةُ حَتَّى لَوْ كَانَ الْمُشَبَّهُ مَذْكُورًا لَفْظًا كَمَا فِي زَيْدٌ أَسَدٌ، وَلَقِيَنِي مِنْهُ أَسَدٌ، وَلَقِيت بِهِ أَسَدًا. أَوْ تَقْدِيرًا مِثْلَ أَسَدٌ فِي مَقَامِ الْإِخْبَارِ عَنْ زَيْدٍ لَمْ يُسَمِّ اسْتِعَارَةً، وَلَا اعْتِبَارَ بِكَوْنِهِ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ حَتَّى ذَهَبُوا إلَى أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] بِوَاسِطَةِ قَوْلِهِ مِنْ الْفَجْرِ خَرَجَ مِنْ بَابِ الِاسْتِعَارَةِ إلَى بَابِ التَّشْبِيهِ فَفِي مِثْلِ " زَيْدٌ أَسَدٌ " يَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى حَذْفِ أَدَاةِ التَّشْبِيهِ لِامْتِنَاعِ حَمْلِ الْأَسَدِ عَلَى زَيْدٍ، وَأَمَّا نَحْوُ قَوْلِهِمْ الْحَالُ نَاطِقَةٌ، وَنَطَقَتْ الْحَالُ بِكَذَا فَاسْتِعَارَةٌ قَطْعًا لِأَنَّ الْمُشَبَّهَ مَتْرُوكٌ بِالْكُلِّيَّةِ، وَهُوَ الدَّلَالَةُ الَّتِي شُبِّهَتْ بِنُطْقِ النَّاطِقِ فَلَا تَعَلُّقَ لَهُ بِمِثْلِ " زَيْدٌ أَسَدٌ " ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا ابْنِي مِنْ قَبِيلِ زَيْدٌ أَسَدٌ لَا مِنْ قَبِيلِ الْحَالُ نَاطِقَةٌ لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى تَأْوِيلِ الِابْنِ بِالْمُشْتَقِّ، وَلِأَنَّ مَبْنَاهُ عَلَى تَشْبِيهِ الْعَبْدِ بِالِابْنِ فِي ثُبُوتِ الْعِتْقِ لَهُ لَا عَلَى تَشْبِيهِ الْعِتْقِ بِالْبُنُوَّةِ

стр. 162

الضَّرُورَةُ التَّرْدِيدَ فِي اسْتِعْمَالِهِ بَلْ يَكُونُ مَعْنَى الضَّرُورَةِ أَنَّهُ إذَا اُسْتُعْمِلَ اللَّفْظُ يَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ فَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ فَعَلَى الْمَجَازِيِّ فَهَذِهِ الضَّرُورَةُ لَا تُنَافِي الْعُمُومَ بَلْ الْعُمُومُ إنَّمَا يَثْبُتُ إنْ اسْتَعْمَلَهُ الْمُتَكَلِّمُ وَأَرَادَ بِهِ الْمَعْنَى الْعَامَّ وَلَا مَانِعَ لِهَذَا لِأَنَّهُ مَا وُجِدَ فِي الِاسْتِعْمَالِ ضَرُورَةٌ (وَهُوَ أَحَدُ نَوْعَيْ الْكَلَامِ بَلْ فِيهِ مِنْ الْبَلَاغَةِ مَا لَيْسَ فِي الْحَقِيقَةِ وَهُوَ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى كَثِيرٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ [الكهف: ٧٧] وقَوْله تَعَالَى ﴿لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ [الحاقة: ١١] وَاَللَّهُ مُتَعَالٍ عَنْ الْعَجْزِ وَالضَّرُورَاتِ نَظِيرُهُ قَوْلُهُ ﵇ «لَا تَبِيعُوا الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ وَلَا الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ» وَقَدْ أُرِيدَ بِهِ الطَّعَامُ إجْمَاعًا فَلَا يَشْمَلُ غَيْرَهُ عِنْدَهُ) ذَكَرَ الصَّاعَ وَأَرَادَ بِهِ مَا فِيهِ مِنْ الطَّعَامِ بِطَرِيقِ إطْلَاقِ اسْمِ الْمَحَلِّ عَلَى الْحَالِّ. ــ [التلويح] لِتَكُونَ اسْتِعَارَةً تَبَعِيَّةً إلَّا أَنَّ عُلَمَاءَ الْأُصُولِ يُسَمُّونَ مِثْلَهُ مَجَازًا كَمَا هُوَ مُصْطَلَحُ بَعْضِ أَهْلِ الْبَيَانِ، وَنَحْنُ نَقُولُ هُوَ اسْتِعَارَةٌ بِتَفْسِيرِ الْجُمْهُورِ أَيْضًا لِكَوْنِهِ مُسْتَعْمَلًا فِي الْمُشَبَّهِ الْمَتْرُوكِ، وَهُوَ الرَّجُلُ الشُّجَاعُ لَا فِي مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ لِيَفْتَقِرَ إلَى تَقْدِيرِ أَدَاةِ التَّشْبِيهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ زَيْدٌ أَسَدٌ عَلَى أَيِّ مُجْتَرِئٍ صَائِلٍ، وَالطَّيْرُ أَغْرِبَةٌ عَلَيْهِ أَيْ بَاكِيَةٌ، وَنَحْنُ قَدْ لَخَّصْنَا ذَلِكَ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ فَهَذَا ابْنِي مَعْنَاهُ هُوَ مُعْتَقٌ مِنْ حِينِ مَلَكْته كَالِابْنِ فَتَرَكَ الْمُشَبَّهَ، وَأَطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمَ الْمُشَبَّهِ بِهِ [مَسْأَلَةٌ لَا عُمُومَ لِلْمَجَازِ عَنْدَ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ] (قَوْلُهُ مَسْأَلَةٌ) الْمَجَازُ الْمُقْتَرِنُ بِشَيْءٍ مِنْ أَدِلَّةِ الْعُمُومِ كَالْمُعَرَّفِ بِاللَّامِ وَنَحْوِهِ لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا يَعُمُّ جَمِيعَ مَا يَصْلُحُ لَهُ اللَّفْظُ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَجَازِ كَالْحُلُولِ وَالسَّبَبِيَّةِ وَالْجُزْئِيَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ أَمَّا إذَا اُسْتُعْمِلَ بِاعْتِبَارِ أَحَدِ الْأَنْوَاعِ كَلَفْظِ الصَّاعِ الْمُسْتَعْمَلِ فِيمَا يَحِلُّهُ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَعُمُّ جَمِيعَ أَفْرَادِ ذَلِكَ الْمَعْنَى لِمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ هَذِهِ الصِّيَغَ لِعُمُومِهِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِقَةٍ بَيْنَ كَوْنِهَا مُسْتَعْمَلَةً فِي الْمَعَانِي الْحَقِيقِيَّةِ أَوْ الْمَجَازِيَّةِ، وَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِأَنَّ عُمُومَ اللَّفْظِ إنَّمَا هُوَ لِمَا يَلْحَقُ بِهِ مِنْ الدَّلَائِلِ لَا لِكَوْنِهِ حَقِيقَةً، وَإِلَّا لَكَانَ كُلُّ حَقِيقَةٍ عَامًّا، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَثِّرُ هُوَ الْمَجْمُوعُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ تَأْثِيرِ الْحَقِيقَةِ وَحْدَهَا أَنْ لَا يَكُونَ لَهَا دَخْلٌ فِي التَّأْثِيرِ، وَلَوْ سَلِمَ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْقَابِلُ هُوَ الْحَقِيقَةُ دُونَ الْمَجَازِ أَوْ يَكُونَ الْمَجَازُ مَانِعًا، وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَعُمُّ حَتَّى إذَا أُرِيدَ الْمَطْعُومُ اتِّفَاقًا لَا يَثْبُتُ غَيْرُهُ مِنْ الْمَكِيلَاتِ لِأَنَّ الْمَجَازَ ضَرُورِيٌّ، وَالضَّرُورَةُ تَنْدَفِعُ بِإِرَادَةِ بَعْضِ الْأَفْرَادِ فَلَا يَثْبُتُ الْكُلُّ كَالْمُقْتَضِي، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ الضَّرُورَةُ مِنْ جِهَةِ الْمُتَكَلِّمِ فِي الِاسْتِعْمَالِ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ طَرِيقًا لِتَأْدِيَةِ الْمَعْنَى سِوَاهُ فَمَمْنُوعٌ لِجَوَازِ أَنْ يَعْدِلَ الْمَجَازَ لِأَغْرَاضٍ سَيَذْكُرُهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَلِأَنَّ لِلْمُتَكَلِّمِ فِي أَدَاءِ الْمَعْنَى طَرِيقَيْنِ أَحَدُهُمَا حَقِيقَةٌ، وَالْآخَرُ مَجَازٌ يَخْتَارُ أَيَّهُمَا شَاءَ بَلْ فِي طَرِيقِ الْمَجَازِ مِنْ لَطَائِفِ الِاعْتِبَارَاتِ وَمَحَاسِنِ الِاسْتِعَارَاتِ الْمُوجِبَةِ لِزِيَادَةِ الْبَلَاغَةِ فِي الْكَلَامِ أَيْ عُلُوِّ دَرَجَتِهِ وَارْتِفَاعِ طَبَقَتِهِ مَا لَيْسَ فِي الْحَقِيقَةِ، وَلِأَنَّ الْمَجَازَ وَاقِعٌ فِي كَلَامِ مَنْ يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ

стр. 163

مَسْأَلَةٌ لَا يُرَادُ مِنْ اللَّفْظِ الْوَاحِدِ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيُّ وَالْمَجَازِيُّ مَعًا لِرُجْحَانِ الْمَتْبُوعِ عَلَى التَّابِعِ فَلَا يَسْتَحِقُّ مُعْتِقُ الْمُعْتَقِ مَعَ وُجُودِ الْمُعْتَقِ إذَا أَوْصَى لِمَوَالِيهِ وَلَا يُرَادُ غَيْرُ الْخَمْرِ بِقَوْلِهِ ــ [التلويح] الْعَجْزُ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْحَقِيقَةِ وَالِاضْطِرَارِ إلَى اسْتِعْمَالِ الْمَجَازِ وَإِنْ أُرِيدَ الضَّرُورَةُ مِنْ جِهَةِ الْكَلَامِ وَالسَّامِعِ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِالْحَقِيقَةِ وَجَبَ الْحَمْلُ عَلَى الْمَجَازِ ضَرُورَةً لِئَلَّا يَلْزَمَ إلْغَاءُ الْكَلَامِ وَإِخْلَاءُ اللَّفْظِ عَنْ الْمَرَامِ، فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الضَّرُورَةَ بِهَذَا الْمَعْنَى تُنَافِي الْعُمُومَ فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِدَلَالَةِ اللَّفْظِ وَإِرَادَةِ الْمُتَكَلِّمِ فَعِنْدَ الضَّرُورَةِ إلَى حَمْلِ اللَّفْظِ عَلَى مَعْنَاهُ الْمَجَازِيِّ يَجِبُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا قَصَدَهُ الْمُتَكَلِّمُ وَاحْتَمَلَهُ اللَّفْظُ بِحَسَبِ الْقَرِينَةِ إنْ عَامًّا فَعَامٌّ، وَإِنْ خَاصًّا فَخَاصٌّ. بِخِلَافِ الْمُقْتَضَى فَإِنَّهُ لَازِمٌ عَقْلِيٌّ غَيْرُ مَلْفُوظٍ فَيُقْتَصَرُ مِنْهُ عَلَى مَا يَحْصُلُ بِهِ صِحَّةُ الْكَلَامِ مِنْ غَيْرِ إثْبَاتٍ لِلْعُمُومِ الَّذِي هُوَ مِنْ صِفَاتِ اللَّفْظِ خَاصَّةً. فَإِنْ قِيلَ قَدْ سَبَقَ أَنَّ الْعُمُومَ إنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ الْوَضْعِ دُونَ الِاسْتِعْمَالِ وَالْمَجَازُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ لَيْسَ بِمَوْضُوعٍ قُلْنَا الْمُرَادُ بِالْوَضْعِ أَعَمُّ مِنْ الشَّخْصِيِّ وَالنَّوْعِيِّ بِدَلِيلِ عُمُومِ النَّكِرَةِ الْمَنْفِيَّةِ وَنَحْوِهَا، وَالْمَجَازُ مَوْضُوعٌ بِالنَّوْعِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَوْلَ بِعَدَمِ عُمُومِ الْمَجَازِ مِمَّا لَمْ نَجِدْهُ فِي كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ مِنْ أَحَدٍ نِزَاعٌ فِي صِحَّةِ قَوْلِنَا جَاءَنِي الْأُسُودُ الرُّمَاةُ إلَّا زَيْدًا أَوْ تَخْصِيصُهُمْ الصَّاعَ بِالْمَطْعُومِ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا ثَبَتَ عِنْدَهُمْ مِنْ عِلِّيَّةِ الطَّعْمِ فِي بَابِ الرِّبَا لَا عَلَى عَدَمِ عُمُومِ الْمَجَازِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَالتَّعْلِيلُ بِكَوْنِهِ ضَرُورِيًّا مِنْ جِهَةِ الْمُتَكَلِّمِ عَلَى مَا هُوَ مَسْطُورٌ فِي كُتُبِ الْقَوْمِ مِمَّا لَا يُعْقَلُ أَصْلًا لِجَوَازِ أَنْ لَا يَجِدَ الْمُتَكَلِّمُ لَفْظًا يَدُلُّ عَلَى جَمِيعِ أَفْرَادِ مُرَادِهِ بِالْحَقِيقَةِ فَيَضْطَرُّ إلَى الْمَجَازِ فَكَمَا يُتَصَوَّرُ الِاضْطِرَارُ إلَى الْمَجَازِ لِأَجْلِ الْمَعْنَى الْخَاصِّ فَكَذَا لِأَجْلِ الْمَعْنَى الْعَامِّ، وَإِنَّمَا يُلَائِمُهُ بَعْضَ الْمُلَاءَمَةِ الضَّرُورَةُ مِنْ جَانِبِ السَّامِعِ لِتَصْحِيحِ الْكَلَامِ عَلَى مَا مَرَّ [مَسْأَلَةٌ لَا يُرَادُ مِنْ اللَّفْظِ الْوَاحِدِ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيُّ وَالْمَجَازِيُّ مَعًا] (قَوْلُهُ مَسْأَلَةٌ) لَا نِزَاعَ فِي جَوَازِ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي مَعْنًى مَجَازِيٍّ يَكُونُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ مِنْ أَفْرَادِهِ كَاسْتِعْمَالِ الدَّابَّةِ عُرْفًا فِيمَا يَدُبُّ عَلَى الْأَرْضِ، وَوَضْعِ الْقَدَمِ فِي الدُّخُولِ، وَلَا فِي امْتِنَاعِ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ بِحَيْثُ يَكُونُ اللَّفْظُ بِحَسَبِ هَذَا الِاسْتِعْمَالِ حَقِيقَةً وَمَجَازًا، أَمَّا إذَا اشْتَرَطَ فِي الْمَجَازِ قَرِينَةً مَانِعَةً مِنْ إرَادَةِ الْمَوْضُوعِ لَهُ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ فَلِأَنَّ اللَّفْظَ مَوْضُوعٌ لِلْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَحْدَهُ فَاسْتِعْمَالُهُ فِي الْمَعْنَيَيْنِ اسْتِعْمَالٌ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ، فَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ هَذَا الِاسْتِعْمَالِ فَهُوَ مَجَازٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي أَنْ يُسْتَعْمَلَ اللَّفْظُ، وَيُرَادُ فِي إطْلَاقٍ وَاحِدٍ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيُّ وَالْمَجَازِيُّ مَعًا بِأَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا مُتَعَلِّقُ الْحُكْمِ مِثْلَ أَنْ تَقُولَ لَا تَقْتُلْ الْأَسَدَ أَوْ الْأَسَدَيْنِ أَوْ الْأُسُودَ، وَتُرِيدَ السَّبُعَ وَالرَّجُلَ الشُّجَاعَ أَحَدَهُمَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ نَفْسُ الْمَوْضُوعِ لَهُ، وَالْآخَرَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ بِنَوْعِ عَلَاقَةٍ، وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ بِالنَّظَرِ إلَى هَذَا الِاسْتِعْمَالِ مَجَازًا أَوْ التَّحْقِيقُ أَنَّهُ فَرْعُ اسْتِعْمَالِ

стр. 164

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التلويح] الْمُشْتَرَكِ فِي مَعْنَيَيْهِ، فَإِنَّ اللَّفْظَ مَوْضُوعٌ لِلْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ بِالنَّوْعِ فَهُوَ بِالنَّظَرِ إلَى الْوَضْعَيْنِ بِمَنْزِلَةِ الْمُشْتَرَكِ فَمَنْ جَوَّزَ ذَاكَ جَوَّزَ هَذَا، وَمَنْ لَا فَلَا. وَأَمَّا إرَادَةُ الْمَعْنَيَيْنِ فِي الْكِتَابَةِ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمِفْتَاحِ فَلَيْسَتْ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ لِمَا عَرَفْت أَنَّ مَنَاطَ الْحُكْمِ إنَّمَا هُوَ الْمَعْنَى الثَّانِي لَا يُقَالُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ جُزْءٌ مِنْ مَجْمُوعِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ فَيَكُونُ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ فِي اعْتِبَارِ إطْلَاقِ اسْمِ الْبَعْضِ عَلَى الْكُلِّ لِأَنَّا نَقُولُ هُوَ مَشْرُوطٌ بِأَنْ يَكُونَ الْكُلُّ مَوْجُودًا مُتَحَقِّقًا لَهُ اسْمٌ وَاحِدٌ لَازِمًا لِلْجُزْءِ بِمَعْنَى انْتِقَالِ الذِّهْنَ مِنْ الْجُزْءِ إلَيْهِ كَالْإِنْسَانِ الْمُرَكَّبِ مِنْ الرَّقَبَةِ وَغَيْرِهَا، وَالْمَجْمُوعِ الْمُرَكَّبِ مِنْ الْإِنْسَانِ، وَالْأَسَدُ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ بِاعْتِبَارٍ مَحْضٍ، وَبِالْجُمْلَةِ لَمْ يَثْبُتْ فِي اللُّغَةِ إطْلَاقُ لَفْظِ الْأَرْضِ عَلَى مَجْمُوعِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَلَفْظِ الْإِنْسَانِ عَلَى الْآدَمِيِّ وَالسَّبُعِ ثُمَّ الْحَقُّ أَنَّ امْتِنَاعَ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ، إنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ إذْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ، وَالْقَوْمُ يَسْتَدِلُّونَ عَلَى امْتِنَاعِهِ عَقْلًا مِنْ وُجُوهٍ الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيَّ مَتْبُوعٌ وَالْمَجَازِيَّ تَابِعٌ عَلَى مَا مَرَّ، وَالتَّابِعُ مَرْجُوحٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَتْبُوعِ فَلَا يُعْتَدُّ بِهِ، وَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْإِرَادَةِ مَعَ وُجُودِ الرَّاجِحِ، الثَّانِي: أَنَّ الْمَعْنَى الْمَوْضُوعَ لَهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَحَلِّ لِلَّفْظِ، وَالشَّيْءُ الْوَاحِدُ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ لَا يَكُونُ مُسْتَقِرًّا فِي مَحَلٍّ، وَمُتَجَاوِزٍ إيَّاهُ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ يَلْزَمُ إرَادَةُ الْمَوْضُوعِ لَهُ لِمَكَانِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ، وَعَدَمِ إرَادَتِهِ لِلْعُدُولِ عَنْهُ إلَى الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ، وَهُوَ مُحَالٌ، وَالرَّابِعُ: أَنَّ الْحَقِيقَةَ تُوجِبُ الِاسْتِغْنَاءَ عَنْ الْقَرِينَةِ وَالْمَجَازَ يُوجِبُ الِاحْتِيَاجَ إلَيْهَا، وَتَنَافِي اللَّوَازِمِ يَدُلُّ عَلَى تَنَافِي الْمَلْزُومَاتِ. الْخَامِسُ: أَنَّ اللَّفْظَ لِلْمَعْنَى بِمَنْزِلَةِ اللِّبَاسِ لِلشَّخْصِ فَيَمْتَنِعُ اسْتِعْمَالُهُ لِمَعْنَيَيْنِ هُوَ حَقِيقَةٌ لِأَحَدِهِمَا مَجَازٌ لِلْآخَرِ كَمَا يَمْتَنِعُ اسْتِعْمَالُ الثَّوْبِ الْوَاحِدِ بِطَرِيقَيْ الْمِلْكِ وَالْعَارِيَّةِ بَلْ كَمَا يَمْتَنِعُ اكْتِسَاءُ شَخْصَيْنِ ثَوْبًا وَاحِدًا فِي آنٍ وَاحِدٍ يَلْبَسُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِتَمَامِهِ عَلَى أَنَّهُ مِلْكٌ لِأَحَدِهِمَا، وَعَارِيَّةٌ لِلْآخَرِ، وَالْكُلُّ ضَعِيفٌ؛ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ لَا نِزَاعَ فِي رُجْحَانِ الْمَتْبُوعِ إذَا دَارَ اللَّفْظُ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِيمَا إذَا قَامَتْ الْقَرِينَةُ عَلَى إرَادَةِ التَّابِعِ أَيْضًا مِثْلَ رَأَيْت أَسَدَيْنِ يَرْمِي أَحَدُهُمَا، وَيَفْتَرِسُ الْآخَرُ، وَلَا خَفَاءَ فِي جَوَازِ إرَادَةِ التَّابِعِ فَقَطْ بِمَعُونَةِ الْقَرِينَةِ فَضْلًا عَنْ إرَادَتِهِ مَعَ إرَادَةِ الْمَتْبُوعِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِاسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي الْمَعْنَى إلَّا إرَادَتُهُ عِنْدَ إطْلَاقِ اللَّفْظِ مِنْ غَيْرِ تَصَوُّرِ اسْتِقْرَارِهِ وَحُلُولِهِ فِي الْمَعْنَى، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَلِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ إرَادَةَ غَيْرِ الْمَوْضُوعِ لَهُ تُوجِبُ الْعُدُولَ عَنْ إرَادَةِ الْمَوْضُوعِ لَهُ، لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ الْمَجْمُوعُ أَوْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا دَاخِلًا تَحْتَ الْمُرَادِ؟ وَأَمَّا الرَّابِعُ فَلِأَنَّ اسْتِغْنَاءَ الْحَقِيقَةِ عَنْ الْقَرِينَةِ مَعْنَاهُ أَنَّ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيَّ يُفْهَمُ بِلَا قَرِينَةٍ، وَهُوَ لَا يُنَافِي نَصْبَ الْقَرِينَةِ عَلَى إرَادَةِ الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ أَيْضًا، وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّ الْمَجَازَ يَفْتَقِرُ إلَى قَرِينَةٍ مَانِعَةٍ عَنْ إرَادَةِ الْمَوْضُوعِ لَهُ فَيُنَافِي الْحَقِيقَةَ فَقَدْ عَرَفْت أَنَّ مَحَلَّ النِّزَاعِ إنَّمَا هُوَ إرَادَةُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ لَا كَوْنُ اللَّفْظِ حَقِيقَةً وَمَجَازًا مَعًا، وَالْمَشْرُوطُ

стр. 165

- ﵇ «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ» لِأَنَّهُ أُرِيدَ بِهَا مَا وُضِعَتْ لَهُ وَلَا الْمَسُّ بِالْيَدِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] لِأَنَّ الْوَطْءَ وَهُوَ الْمَجَازُ مُرَادٌ بِالْإِجْمَاعِ اعْلَمْ أَنَّ لَفْظَ الْمَوْلَى حَقِيقَةٌ فِي الْمَوْلَى الْأَسْفَلِ وَهُوَ الْمُعْتَقُ مَجَازٌ فِي مُعْتَقِ الْمُعْتَقِ فَإِذَا أَوْصَى لِمَوَالِيهِ لَا يَسْتَحِقُّ مُعْتَقُ الْمُعْتَقِ مَعَ وُجُودِ الْمُعْتَقِ وَكَذَا إذَا أَوْصَى لِأَوْلَادِ فُلَانٍ أَوْ لِأَبْنَائِهِ وَلَهُ بَنُونَ وَبَنُو بَنِينَ فَالْوَصِيَّةُ لِأَبْنَائِهِ دُونَ بَنِي بَنِيهِ أَمَّا دُخُولُ بَنِي الْبَنِينَ فِي الْأَمَانِ فِي قَوْلِهِ آمِنُونَا عَلَى أَوْلَادِنَا فَلِأَنَّ الْأَمَانَ لِحَقْنِ الدَّمِ فَيَبْتَنِي عَلَى الشُّبُهَاتِ وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ (وَلَا جَمْعَ بَيْنَهُمَا بِالْحِنْثِ إذَا دَخَلَ حَافِيًا أَوْ مُتَنَعِّلًا أَوْ رَاكِبًا فِي لَا يَضَعُ قَدَمَهُ فِي دَارِ فُلَانٍ لِأَنَّهُ مَجَازٌ عَنْ لَا يَدْخُلُ فَيَحْنَثُ كَيْفَ دَخَلَ فَلِهَذَا مِنْ بَابِ عُمُومِ الْمَجَازِ) اعْلَمْ أَنَّهُ تُذْكَرُ هُنَا مَسَائِلُ تَتَرَاءَى أَنَّا جَمَعْنَا فِيمَا بَيْنَ الْحَقِيقَةِ ــ [التلويح] بِالْقَرِينَةِ الْمَانِعَةِ عَنْ إرَادَةِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ هُوَ كَوْنُ اللَّفْظِ مَجَازًا لَا إرَادَةَ الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ أَيْ الَّذِي يَتَّصِلُ بِالْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ بِنَوْعِ عَلَاقَةٍ فَإِنَّ ذَلِكَ عَيْنُ النِّزَاعِ فَإِنْ قِيلَ فَاللَّفْظُ فِي الْمَجْمُوعِ مَجَازٌ، وَالْمَجَازُ مَشْرُوطٌ بِالْقَرِينَةِ الْمَانِعَةِ عَنْ إرَادَةِ الْمَوْضُوعِ لَهُ فَيَكُونُ الْمَوْضُوعُ لَهُ مُرَادًا، وَهَذَا مُحَالٌ قُلْنَا الْمَوْضُوعُ لَهُ هُوَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ وَحْدَهُ فَيَجِبُ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّهُ وَحْدَهُ لَيْسَ بِمُرَادٍ، وَهِيَ لَا تُنَافِي كَوْنَهُ دَاخِلًا تَحْتَ الْمُرَادِ، وَأَمَّا الْخَامِسُ فَلِأَنَّهُ إنْ كَانَ إثْبَاتًا لِلْحُكْمِ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ فَبَاطِلٌ لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ فِي الْمَقِيسِ عَلَيْهِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ اسْتِعْمَالَ الثَّوْبِ الْوَاحِدِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ بِطَرِيقِ الْمِلْكِ وَالْعَارِيَّةِ مُحَالٌ شَرْعًا، وَحُصُولُ الشَّخْصَيْنِ فِي مَكَان وَاحِدٍ يَشْغَلُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِتَمَامِهِ مُحَالٌ عَقْلًا فَمِنْ أَيْنَ يَلْزَمُ مِنْهُ اسْتِحَالَةُ إطْلَاقِ اللَّفْظِ وَإِرَادَةُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ مَعًا؟ ، وَإِنْ كَانَ تَوْضِيحًا وَتَمْثِيلًا لِلْمَعْقُولِ بِالْمَحْسُوسِ فَلَا بُدَّ مِنْ الدَّلِيلِ عَلَى اسْتِحَالَةِ إرَادَةِ الْمَعْنَيَيْنِ فَإِنَّهَا مَمْنُوعَةٌ، وَدَعْوَى الضَّرُورَةِ فِيهَا غَيْرُ مَسْمُوعَةٍ عَلَى أَنَّا لَا نَجْعَلُ اللَّفْظَ عِنْدَ إرَادَةِ الْمَعْنَيَيْنِ حَقِيقَةً وَمَجَازًا لِيَكُونَ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِمَا بِمَنْزِلَةِ اسْتِعْمَالِ الثَّوْبِ بِطَرِيقِ الْمِلْكِ وَالْعَارِيَّةِ بَلْ نَجْعَلُهُ مَجَازًا قَطْعًا لِكَوْنِهِ مُسْتَعْمَلًا فِي الْمَجْمُوعِ الَّذِي هُوَ غَيْرُ الْمَوْضُوعِ لَهُ. (قَوْلُهُ فَلَا يَسْتَحِقُّ) أَوْرَدَ فِي الْمَتْنِ مِنْ فُرُوعِ الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ ثَلَاثَةً لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَتَحَقَّقَ إرَادَةُ الْمَجَازِ فَيَمْتَنِعُ إرَادَةُ الْحَقِيقَةِ كَالْمُلَامَسَةِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] أُرِيدَ بِهَا الْوَطْءُ مَجَازًا بِالْإِجْمَاعِ حَتَّى حَلَّ لِلْجُنُبِ التَّيَمُّمُ فَلَا يُرَادُ الْمَسُّ بِالْيَدِ. فَإِنْ قِيلَ لَا إجْمَاعَ مَعَ مُخَالَفَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَعِنْدَهُ الْمُرَادُ بِهَا الْمَسُّ بِالْيَدِ، وَلَا صِحَّةَ لِتَيَمُّمِ الْجُنُبِ قُلْنَا أَرَادَ إجْمَاعَ مَنْ بَعْدَ الصَّحَابَةِ بَلْ إجْمَاعَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَفِيهِ بَحْثٌ لِأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهَا عَلَى الْمَسِّ بِالْيَدِ، وَجَوَّزَ تَيَمُّمَ الْجُنُبِ بِدَلِيلٍ آخَرَ لَا يُقَالُ هُوَ مُخَالِفٌ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْوَطْءُ، وَيَحِلُّ تَيَمُّمُ الْجُنُبِ أَوْ لَمْسٌ بِالْيَدِ، وَلَا يَحِلُّ ذَلِكَ لِأَنَّا نَقُولُ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ لَوْ رَفَعَ أَمْرًا مُتَّفَقًا عَلَيْهِ، وَعَدَمُ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمُرَادَ الْمَسُّ بِالْيَدِ مَعَ جَوَازِ التَّيَمُّمِ لَيْسَ قَوْلًا بِالْعَدَمِ حَتَّى يَمْتَنِعَ مُخَالَفَتُهُ، وَإِمَّا أَنْ يَتَحَقَّقَ إرَادَةُ الْحَقِيقَةِ فَلَا يُرَادُ الْمَجَازُ، وَذَلِكَ إمَّا فِي مُفْرَدٍ كَالْخَمْرِ إذَا

стр. 166

وَالْمَجَازِ أَوَّلُهَا إذَا حَلَفَ لَا يَضَعُ قَدَمَهُ فِي دَارِ فُلَانٍ يَحْنَثُ إذَا دَخَلَ حَافِيًا أَوْ مُتَنَعِّلًا أَوْ رَاكِبًا وَالدُّخُولُ حَافِيًا مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيُّ وَالْبَاقِي بِطَرِيقِ الْمَجَازِ فَقَوْلُهُ فِي لَا يَضَعُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ لَا جَمْعَ بَيْنَهُمَا وَإِنَّمَا حَمَلْنَاهُ عَلَى مَعْنَى الْمَجَازِ لِأَنَّ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيَّ مَهْجُورٌ إذْ لَيْسَ الْمُرَادُ أَنْ يَنَامَ وَيَضَعَ الْقَدَمَيْنِ فِي الدَّارِ وَبَاقِي الْجَسَدِ يَكُونُ خَارِجَ الدَّارِ وَفِي الْعُرْفِ صَارَ عِبَارَةً عَنْ لَا يَدْخُلُ (وَكَذَا) أَيْ مِنْ بَابِ عُمُومِ الْمَجَازِ قَوْلُهُ (لَا يَدْخُلُ فِي دَارِ فُلَانٍ يُرَادُ بِهِ نِسْبَةُ السُّكْنَى) أَيْ يُرَادُ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ بِقَوْلِهِ دَارُ فُلَانٍ كَوْنُ الدَّارِ مَنْسُوبَةً إلَى فُلَانٍ نِسْبَةَ السُّكْنَى إمَّا حَقِيقَةً وَإِمَّا دَلَالَةً حَتَّى لَوْ كَانَتْ مِلْكَ فُلَانٍ وَلَا يَكُونُ فُلَانٌ سَاكِنًا فِيهَا يَحْنَثُ بِالدُّخُولِ فِيهَا (وَهِيَ تَعُمُّ الْمِلْكَ وَالْإِجَارَةَ وَالْعَارِيَّةَ لَا نِسْبَةَ الْمِلْكِ حَقِيقَةً وَغَيْرَهَا مَجَازًا) أَيْ لَا يُرَادُ نِسْبَةُ الْمِلْكِ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ وَغَيْرِهَا أَيْ الْإِجَارَةِ وَالْعَارِيَّةِ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ (حَتَّى يَلْزَمَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا) أَيْ ــ [التلويح] أُرِيدَ بِهَا حَقِيقَتُهَا فَلَا يُرَادُ غَيْرُهَا مِنْ الْمُسْكِرَاتِ بِعَلَاقَةِ الْمُشَابَهَةِ فِي مُخَامَرَةِ الْعَقْلِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ الْحَدُّ فِي السُّكْرِ مِنْهَا بِدَلِيلٍ آخَرَ مِنْ إجْمَاعٍ أَوْ سُنَّةٍ. فَإِنْ قِيلَ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْمُلَامَسَةِ مُطْلَقُ اللَّمْسِ الشَّامِلِ لِلْوَطْءِ وَغَيْرِهِ، وَبِالْخَمْرِ مُطْلَقُ مَا يُخَامِرُ الْعَقْلَ فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ فِي الْجَمْعِ بِطَرِيقِ عُمُومِ الْمَجَازِ قُلْنَا لِأَنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَرِينَةِ الصَّارِفَةِ عَنْ إرَادَةِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَحْدَهُ، وَلَا قَرِينَةَ، وَلَوْ سَلِمَ فَخَارِجٌ عَنْ الْمَبْحَثِ، وَأَمَّا فِي نِسْبَةٍ كَمَا إذَا أَوْصَى لِمَوَالِيهِ بِشَيْءٍ، وَلَهُ مُعْتَقٌ، وَمُعْتَقُ مُعْتَقٍ يَسْتَحِقُّ الْأَوَّلُ لِأَنَّ مَوْلَى زَيْدٍ مَثَلًا حَقِيقَةٌ فِي مُعْتَقِهِ لِأَنَّ إضَافَةَ الْمُشْتَقِّ تُفِيدُ اخْتِصَاصَ مَعْنَاهُ بِالْمُضَافِ إلَيْهِ بِاعْتِبَارِ مَفْهُومِهِ مَثَلًا مَكْتُوبُ زَيْدٍ مَا يَخْتَصُّ بِهِ بِاعْتِبَارِ مَكْتُوبِيَّتِهِ لَهُ مَجَازٌ فِي مُعْتَقِ مُعْتَقِهِ لِوُجُودِ الْمُلَابَسَةِ، وَهِيَ كَوْنُ زَيْدٍ سَبَبًا لِعِتْقِهِ فِي الْجُمْلَةِ، وَأَمَّا لَفْظُ الْمَوْلَى فَحَقِيقَةٌ فِي الْعِتْقِ سَوَاءٌ أَعْتَقَهُ حُرُّ الْأَصْلِ أَوْ غَيْرُهُ فَهُوَ لَيْسَ بِمَجَازٍ فِي مُعْتَقِ الْمُعْتَقِ عَلَى مَا يُتَوَهَّمُ مِنْ ظَاهِرِ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْعِتْقُ الْأَوَّلُ أَسْفَلَ لِأَنَّهُ أَصْلٌ، وَالْفُرُوعُ أَعَالِي لِلْأُصُولِ كَأَغْصَانِ الشَّجَرَةِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يُسَمَّى أَسْفَلَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُعْتِقِ اسْمُ فَاعِلٍ حَيْثُ سَمَّى الْمَوْلَى الْأَعْلَى. (قَوْلُهُ وَكَذَا إذَا أَوْصَى) يُرِيدُ أَنَّ لَفْظَ الِابْنِ أَوْ الْوَلَدِ الْمُضَافَيْنِ شَخْصٌ حَقِيقَةٌ فِي أَبْنَائِهِ وَأَوْلَادِهِ الصُّلْبِيَّةِ مَجَازٌ فِي ابْنِ الِابْنِ فَلَوْ أَوْصَى لِأَبْنَائِهِ، وَلَهُ ذُكُورٌ وَإِنَاثٌ يَسْتَحِقُّ الذُّكُورُ خَاصَّةً عِنْدَهُ، وَالذُّكُورُ وَالْإِنَاثُ عِنْدَهُمَا، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ إنَاثٌ خَاصَّةً فَلَا شَيْءَ لَهُنَّ، وَإِنْ كَانَ لَهُ أَبْنَاءٌ وَبَنُو أَبْنَاءٍ يَسْتَحِقُّ الْأَبْنَاءُ خَاصَّةً عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَمَلًا بِالْحَقِيقَةِ وَعِنْدَهُمَا الْجَمِيعُ عَمَلًا بِعُمُومِ الْمَجَازِ حَيْثُ يُطْلَقُ الْأَبْنَاءُ عُرْفًا عَلَى الْفَرِيقَيْنِ، وَإِنْ أَوْصَى لِأَوْلَادِهِ فَلِلذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ الصُّلْبِيَّةِ مُخْتَلِطَةً أَوْ مُنْفَرِدَةً، وَإِنْ كَانَ لَهُ أَوْلَادٌ وَأَوْلَادُ ابْنٍ فَعِنْدَهُ يَسْتَحِقُّ الصُّلْبِيَّةُ خَاصَّةً وَعِنْدَهُمَا الْجَمِيعُ، وَقِيلَ الصُّلْبِيَّاتُ خَاصَّةٌ بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّ الْأَوْلَادَ لَا يُطْلَقُ عُرْفًا عَلَى أَوْلَادِ الِابْنِ بِخِلَافِ الْأَبْنَاءِ. فَإِنْ قِيلَ لَوْ قَالَ الْكُفَّارُ آمِنُونَا

стр. 167

بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ (وَلَا بِالْحِنْثِ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ بِالْحِنْثِ فِي قَوْلِهِ وَلَا جَمْعَ بَيْنَهُمَا بِالْحِنْثِ (إذَا قَدِمَ نَهَارًا أَوْ لَيْلًا فِي قَوْلِهِ امْرَأَتُهُ كَذَا يَوْمَ يَقْدَمُ زَيْدٌ لِأَنَّهُ يُذْكَرُ لِلنَّهَارِ وَلِلْوَقْتِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: ١٦] صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتَ طَالِقٌ يَوْمَ يَقْدَمُ زَيْدٌ يَحْنَثُ إنْ قَدِمَ نَهَارًا أَوْ لَيْلًا فَالْيَوْمُ حَقِيقَةٌ فِي النَّهَارِ مَجَازٌ فِي اللَّيْلِ فَيَلْزَمُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فَقَوْلُهُ لِأَنَّهُ يُذْكَرُ دَلِيلٌ عَلَى قَوْلِهِ وَلَا بِالْحِنْثِ وَالْهَاءُ فِي لِأَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى الْيَوْمِ وَالْمُرَادُ ــ [التلويح] عَلَى أَوْلَادِنَا فَآمَنُوهُمْ، وَلَهُمْ أَبْنَاءٌ، وَبَنُو أَبْنَاءٍ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَشْمَلَ الْأَمَانُ بَنِي الْأَبْنَاءِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كَمَا هُوَ رِوَايَةُ الْقِيَاسِ لَكِنَّهُ يَشْمَلُهُمْ عِنْدَهُ فِي رِوَايَةِ الِاسْتِحْسَانِ، فَالْجَوَابُ أَنَّ شُمُولَ الْأَمَانِ إيَّاهُمْ لَيْسَ مِنْ جِهَةِ تَنَاوُلِ اللَّفْظِ بَلْ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْأَمَانَ لِحَقْنِ الدَّمِ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّوَسُّعِ إذْ الْإِنْسَانُ بُنْيَانُ الرَّبِّ فَنَبْتَنِي عَلَى الشُّبُهَاتِ، وَاسْمُ الْأَبْنَاءِ قَدْ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الْفُرُوعِ مِثْلَ بَنِي آدَمَ وَبَنِي هَاشِمٍ فَجَعَلَ مُجَرَّدَ صُورَةِ الِاسْمِ شُبْهَةً أَثْبَتَ بِهَا الْأَمَانَ لَكِنْ فِيمَا هُوَ تَابِعٌ فِي الْخِلْقَةِ، وَفِي إطْلَاقِ الِاسْمِ بِخِلَافِ مَا إذَا آمَنُوهُمْ عَلَى الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ فَإِنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ الْأَجْدَادَ وَالْجَدَّاتِ لِأَنَّهُمْ وَإِنْ كَانَ تَبَعًا فِي تَنَاوُلِ الِاسْمِ لَكِنَّهُمْ أُصُولُ خِلْقَةٍ فَلَا يَدْخُلُونَ بِالدَّلِيلِ الضَّعِيفِ الَّذِي هُوَ ظَاهِرُ الِاسْمِ لِأَنَّ الْأَصَالَةَ الْخِلْقِيَّةَ تُعَارِضُهُ، وَعَلَى هَذَا تَكُونُ حُرْمَةُ نِكَاحِ الْجَدَّاتِ بِالْإِجْمَاعِ لَا بِأَنَّ لَفْظَ الْأُمَّهَاتِ يَتَنَاوَلُهَا (قَوْلُهُ: وَالدُّخُولُ حَافِيًا مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيُّ) لِأَنَّ وَضْعَ الشَّيْءِ فِي الشَّيْءِ أَنْ يُجْعَلَ الثَّانِي ظَرْفًا لَهُ بِلَا وَاسِطَةٍ كَوَضْعِ الدِّرْهَمِ فِي الْكِيسِ، وَالْكِيسِ فِي الْبَيْتِ، وَالْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ هَاهُنَا مَهْجُورٌ إذْ لَوْ اضْطَجَعَ، وَوَضَعَ الْقَدَمَيْنِ فِي الدَّارِ بِحَيْثُ يَكُونُ بَاقِي جَسَدِهِ خَارِجَ الدَّارِ لَا يُقَالُ عُرْفًا أَنَّهُ وَضَعَ الْقَدَمَ فِي الدَّارِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ إذْ لَيْسَ الْمُرَادُ أَنْ يَنَامَ وَيَضَعَ الْقَدَمَيْنِ فِي الدَّارِ، وَبَاقِي الْجَسَدِ يَكُونُ خَارِجَ الدَّارِ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ خُرُوجَ بَاقِي الْجَسَدِ شَرْطٌ فِي حَقِيقَةِ وَضْعِ الْقَدَمِ، وَلَفْظُ يَنَامُ لَيْسَ عَلَى حَقِيقَتِهِ كَمَا لَا يَخْفَى، فَإِنْ قُلْت فَالدُّخُولُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي حَقِيقَةِ وَضْعِ الْقَدَمِ فَكَيْفَ يَصِحُّ قَوْلُهُ، وَالدُّخُولُ حَافِيًا مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيُّ؟ قُلْت أَرَادَ أَنَّهُ مِنْ أَفْرَادِ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ بِمَعْنَى أَنَّهُ إذَا دَخَلَ حَافِيًا صَحَّ أَنْ يُقَالَ حَقِيقَةُ أَنَّهُ وَضَعَ الْقَدَمَ فِي الدَّارِ بِخِلَافِ مَا إذَا دَخَلَ مُتَنَعِّلًا أَوْ رَاكِبًا فَإِنْ قُلْت قَدْ صَرَّحَ فِي الْمَبْسُوطِ، وَالْمُحِيطِ بِأَنَّ الدُّخُولَ مَاشِيًا حَقِيقَةٌ غَيْرُ مَهْجُورَةٍ حَتَّى لَوْ نَوَاهُ لَمْ يَحْنَثْ بِالدُّخُولِ رَاكِبًا قُلْت كَأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ صَارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً فِي الدُّخُولِ مَاشِيًا، وَهِيَ غَيْرُ مَهْجُورَةٍ بِخِلَافِ الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ أَعْنِي وَضْعَ الْقَدَمِ سَوَاءٌ كَانَ مَعَ الدُّخُولِ أَوْ بِدُونِهِ حَتَّى لَوْ وَضَعَ الْقَدَمَ بِلَا دُخُولٍ لَمْ يَحْنَثْ ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ لَكِنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ وَفِي الْعُرْفِ صَارَ عِبَارَةً عَنْ لَا يَدْخُلُ مُشْعِرٌ بِأَنَّ وَضْعَ الْقَدَمِ حَقِيقَةٌ عُرْفِيَّةٌ فِي مُطْلَقِ الدُّخُولِ. (قَوْلُهُ يُرَادُ بِهِ) أَيْ بِكَوْنِ الدَّارِ

стр. 168

بِالْيَوْمِ فِي الْآيَةِ الْوَقْتُ فَالْيَوْمُ حَقِيقَةٌ فِي النَّهَارِ وَكَثِيرًا مَا يُرَادُ بِهِ الْوَقْتُ مَجَازًا فَاحْتَجْنَا إلَى ضَابِطٍ يُعْرَفُ بِهِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْيَوْمِ النَّهَارُ أَوْ مُطْلَقُ الْوَقْتِ وَالضَّابِطُ هُوَ قَوْلُهُ (فَإِذْ تَعَلَّقَ بِفِعْلٍ مُمْتَدٍّ فَلِلنَّهَارِ وَبِغَيْرِ مُمْتَدٍّ فَلِلْوَقْتِ لِأَنَّ الْفِعْلَ إذَا نُسِبَ إلَى ظَرْفِ الزَّمَانِ بِغَيْرِ فِي يَقْتَضِي كَوْنَهُ) أَيْ كَوْنَ ظَرْفِ الزَّمَانِ (مِعْيَارًا لَهُ) أَيْ لِلْفِعْلِ وَالْمُرَادُ بِالْمِعْيَارِ ظَرْفٌ لَا يَفْضُلُ عَنْ الْمَظْرُوفِ كَالْيَوْمِ لِلصَّوْمِ وَهَذَا الْبَحْثُ كُلُّهُ يَأْتِي فِي كَلِمَةٍ فِي فَصْلِ حُرُوفِ الْمَعَانِي (فَإِنْ امْتَدَّ الْفِعْلُ امْتَدَّ الْمِعْيَارُ فَيُرَادُ بِالْيَوْمِ النَّهَارُ) لِأَنَّ النَّهَارَ أَوْلَى (وَإِنْ لَمْ يَمْتَدَّ) أَيْ لِلْفِعْلِ (كَوُقُوعِ الطَّلَاقِ هُنَا) ــ [التلويح] مُضَافَةً إلَى فُلَانٍ نِسْبَةُ السُّكْنَى بِدَلَالَةِ الْعَادَةِ، وَهُوَ أَنَّ الدَّارَ لَا تُعَادَى، وَلَا تُهْجَرُ لِذَاتِهَا بَلْ لِبَعْضِ سَاكِنِهَا إلَّا أَنَّ السُّكْنَى قَدْ تَكُونُ حَقِيقَةً، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَقَدْ تَكُونُ دَلَالَةً بِأَنْ تَكُونَ الدَّارُ مِلْكًا لَهُ فَيَتَمَكَّنَ مِنْ السُّكْنَى فِيهَا فَيَحْنَثَ بِالدُّخُولِ فِي دَارِ تَكُونُ مِلْكًا لِفُلَانٍ، وَلَا يَكُونُ هُوَ سَاكِنًا فِيهَا سَوَاءٌ كَانَ غَيْرُهُ سَاكِنًا فِيهَا أَوْ لَا لِقِيَامِ دَلِيلِ السُّكْنَى التَّقْدِيرِيِّ، وَهُوَ الْمِلْكُ. صَرَّحَ بِهِ فِي الْخَانِيَّةِ، وَالظَّهِيرِيَّةِ لَكِنْ ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ غَيْرُهُ سَاكِنًا فِيهَا لَا يَحْنَثُ لِانْقِطَاعِ النِّسْبَةِ بِفِعْلِ غَيْرِهِ ١ - (قَوْلُهُ فَإِذَا تَعَلَّقَ بِفِعْلٍ مُمْتَدٍّ) هُوَ مَا يَصِحُّ تَقْدِيرُهُ بِمُدَّةٍ مِثْلَ لَبِسْتُ الثَّوْبَ يَوْمَيْنِ، وَرَكِبْتُ الْفَرَسَ يَوْمًا بِخِلَافِ قَدِمْت يَوْمَيْنِ، وَدَخَلْت ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الِامْتِدَادِ وَعَدَمِهِ هُوَ الْفِعْلُ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الْيَوْمُ لَا الْفِعْلُ الَّذِي أُضِيفَ إلَيْهِ الْيَوْمُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْيَوْمَ حَقِيقَةٌ فِي النَّهَارِ فَلَا يُعْدَلُ عَنْهُ إلَّا عِنْدَ تَعَذُّرِهِ، وَذَلِكَ فِيمَا إذَا كَانَ الْفِعْلُ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الْيَوْمُ غَيْرَ مُمْتَدٍّ لِأَنَّ الْفِعْلَ الْمَنْسُوبَ إلَى ظَرْفِ الزَّمَانِ بِوَاسِطَةِ تَقْدِيرِ فِي دُونَ ذِكْرِهِ يَقْتَضِي كَوْنَ الظَّرْفِ مِعْيَارًا لَهُ غَيْرَ زَائِدٍ عَلَيْهِ مِثْلَ صُمْتُ الشَّهْرَ يَدُلُّ عَلَى صَوْمِ جَمِيعِ أَيَّامِهِ بِخِلَافِ صُمْت فِي الشَّهْرِ فَإِذَا امْتَدَّ الْفِعْلُ امْتَدَّ الظَّرْفُ لِيَكُونَ مِعْيَارًا لَهُ فَيَصِحُّ حَمْلُ الْيَوْمِ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَهُوَ مَا امْتَدَّ مِنْ الطُّلُوعِ إلَى الْغُرُوبِ، وَإِذَا لَمْ يَمْتَدَّ الْفِعْلُ لَمْ يَمْتَدَّ الظَّرْفُ لِأَنَّ الْمُمْتَدَّ لَا يَكُونُ مِعْيَارًا لِغَيْرِ الْمُمْتَدِّ فَحِينَئِذٍ لَا يَصِحُّ حَمْلُ الْيَوْمِ عَلَى النَّهَارِ الْمُمْتَدِّ بَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَجَازًا عَنْ جُزْءٍ مِنْ الزَّمَانِ لَا يُعْتَبَرُ فِي الْعُرْفِ مُمْتَدًّا، وَهُوَ الْآنَ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ النَّهَارِ أَوْ مِنْ اللَّيْلِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: ١٦] فَإِنَّ التَّوَلِّيَ عَنْ الزَّحْفِ حَرَامٌ لَيْلًا كَانَ أَوْ نَهَارًا، أَوْ لِأَنَّ مُطْلَقَ الْآنَ جُزْءٌ مِنْ الْآنَ الْيَوْمِيِّ، وَهُوَ جُزْءٌ مِنْ الْيَوْمِ فَيَكُونُ مُطْلَقُ الْآنَ جُزْءًا مِنْ الْيَوْمِ فَنُحَقِّقُ الْعَلَاقَةَ، وَكَلَامُ الْمُحِيطِ مُشْعِرٌ بِأَنَّ الْيَوْمَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ مُطْلَقِ الْوَقْتِ وَبَيْنَ بَيَاضِ النَّهَارِ إلَّا أَنَّ الْمُتَعَارَفَ اسْتِعْمَالُهُ فِي مُطْلَقِ الْوَقْتِ إذَا قُرِنَ بِفِعْلٍ لَا يَمْتَدُّ، وَفِي بَيَاضِ النَّهَارِ إذَا قُرِنَ بِفِعْلٍ مُمْتَدٍّ، وَاسْتِعْمَالُ النَّاسِ حُجَّةٌ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهَا، فَإِنْ قُلْت قَدْ وَقَعَ فِي كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْمَشَايِخِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ هُوَ الْمُضَافُ إلَيْهِ حَيْثُ قَالُوا فِي مِثْلِ

стр. 169

أَيْ فِي قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ يَوْمَ يَقْدَمُ زَيْدٌ (لَا يَمْتَدُّ الْمِعْيَارُ فَيُرَادُ بِهِ الْآنَ) إذْ لَا يُمْكِنُ إرَادَةُ النَّهَارِ بِالْيَوْمِ فَيُرَادُ بِهِ مُطْلَقُ الْآنَ وَلَا يُعْتَبَرُ كَوْنُ ذَلِكَ الْآنَ جُزْءًا مِنْ النَّهَارِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: ١٦] وَلِأَنَّ الْعَلَاقَةَ مَوْجُودَةٌ بَيْنَ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ وَمُطْلَقِ الْآنَ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْآنَ جُزْءًا مِنْ النَّهَارِ أَوْ مِنْ اللَّيْلِ (وَلَا بِالْحِنْثِ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ بِالْحِنْثِ الَّذِي سَبَقَ (بِأَكْلِ الْحِنْطَةِ وَمَا يُتَّخَذُ مِنْهَا عِنْدَهُمَا فِي لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ الْحِنْطَةِ لِأَنَّهُ يُرَادُ بَاطِنُهَا عَادَةً فَيَحْنَثُ بِعُمُومِ الْمَجَازِ) (وَلَا يَرِدُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ) رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى أَيْ عَلَى مَسْأَلَةِ امْتِنَاعِ الْجَمْعِ ــ [التلويح] أَنْتِ طَالِقٌ يَوْمَ أَتَزَوَّجُك أَوْ أُكَلِّمُك إنَّ التَّزَوُّجَ أَوْ التَّكَلُّمَ لَا يَمْتَدُّ، وَكَذَا وَقَعَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَإِيمَانِ الْهِدَايَةِ قُلْت هُوَ مِنْ تَسَامُحَاتِهِمْ حَيْثُ لَمْ يَخْتَلِفْ الْجَوَابُ لِتَوَافُقِ الْمُتَعَلِّقِ بِهِ وَالْمُضَافِ إلَيْهِ فِي الِامْتِدَادِ، وَعَدَمِهِ، وَأَمَّا إذَا اخْتَلَفْنَا فِي مِثْلِ أَمْرُك بِيَدِك يَوْمَ يَقْدَمُ زَيْدٌ فَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ هُوَ مَا تَعَلَّقَ بِهِ الظَّرْفُ، لَا مَا أُضِيفَ إلَيْهِ حَتَّى لَوْ قَدِمَ لَيْلًا لَا يَكُونُ الْأَمْرُ بِيَدِهَا لِأَنَّ كَوْنَ الْأَمْرِ بِيَدِهَا مِمَّا يَمْتَدُّ فَإِنْ قُلْت التَّكَلُّمُ مِمَّا يَقْبَلُ التَّقْدِيرَ بِالْمُدَّةِ فَكَيْفَ جَعَلُوهُ غَيْرَ مُمْتَدٍّ قُلْت امْتِدَادُ الْأَعْرَاضِ إنَّمَا هُوَ بِتَجَدُّدِ الْأَمْثَالِ كَالضَّرْبِ وَالْجُلُوسِ وَالرُّكُوبِ فَمَا يَكُونُ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ مِثْلُهَا فِي الْأُولَى مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَجُعِلَ كَالْعَيْنِ الْمُمْتَدِّ بِخِلَافِ الْكَلَامِ فَإِنَّ الْمُتَحَقِّقَ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ لَا يَكُونُ مِثْلَهُ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى فَلَا يَتَحَقَّقُ تَجَدُّدُ الْأَمْثَالِ فَإِنْ قُلْت كَمَا أَنَّ الْيَوْمَ ظَرْفٌ لِلْفِعْلِ الْمُتَعَلِّقِ بِهِ كَذَلِكَ هُوَ ظَرْفٌ لِلْفِعْلِ الْمُضَافِ إلَيْهِ فَيَجِبُ امْتِدَادُهُ بِامْتِدَادِهِ، وَعَدَمُهُ بِعَدَمِ امْتِدَادِهِ فَيُحْمَلُ عَلَى الْآنَ عِنْدَ عَدَمِ امْتِدَادِ الْمُضَافِ إلَيْهِ فَإِنْ قُلْت هُوَ ظَرْفٌ لَهُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ بِتَقْدِيرِ فِي كَمَا فِي صُمْت الشَّهْرَ حَتَّى يَلْزَمَ كَوْنُ الظَّرْفِ مِعْيَارًا لَهُ فَيَوْمَ يَقْدَمُ زَيْدٌ بِمَنْزِلَةِ الْيَوْمِ الَّذِي يَقْدَمُ فِيهِ زَيْدٌ، وَيَوْمَ يَرْكَبُ زَيْدٌ بِمَنْزِلَةِ الْيَوْمِ الَّذِي يَرْكَبُ فِيهِ، وَيَكْفِي فِي ذَلِكَ وُقُوعُ الْفِعْلِ فِي جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْيَوْمِ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ ظَرْفِيَّتَهُ لِلْعَامِلِ قَصْدِيَّةٌ لَا ضِمْنِيَّةٌ، وَحَاصِلَةٌ لَفْظًا وَمَعْنًى لَا مُقْتَصِرَةٌ عَلَى الْمَعْنَى بِخِلَافِ الْمُضَافِ إلَيْهِ فَاعْتِبَارُ الْعَامِلِ أَوْلَى عِنْدَ اخْتِلَافِهِمَا بِالِامْتِدَادِ وَعَدَمِهِ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ الدَّلِيلِ يَتَضَمَّنُ الْجَوَابَ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ وَعَمَّا قِيلَ سَلَّمْنَا أَنَّ امْتِدَادَ الْفِعْلِ يَقْتَضِي امْتِدَادَ الظَّرْفِ وَعَدَمَهُ يَقْتَضِي عَدَمَهُ لَكِنْ مِنْ أَيْنَ يَلْزَمُ فِي الْأَوَّلِ حَمْلُهُ عَلَى بَيَاضِ النَّهَارِ، وَفِي الثَّانِي عَلَى مُطْلَقِ الْوَقْتِ؟ فَإِنْ قُلْت كَثِيرًا مَا يَمْتَدُّ الْفِعْلُ مَعَ كَوْنِ الْيَوْمِ لِمُطْلَقِ الْوَقْتِ مِثْلَ ارْكَبُوا يَوْمَ يَأْتِيكُمْ الْعَدُوُّ، وَأَحْسِنُوا الظَّنَّ بِاَللَّهِ يَوْمَ يَأْتِيكُمْ الْمَوْتُ، وَبِالْعَكْسِ مِثْلَ أَنْتِ طَالِقٌ يَوْمَ نَصُومُ، وَأَنْتَ حُرٌّ يَوْمَ تَنْكَسِفُ الشَّمْسُ قُلْت الْحُكْمُ الْمَذْكُورُ إنَّمَا هُوَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَالْخُلُوِّ عِنْدَ الْمَوَانِعِ، وَلَا يَمْتَنِعُ مُخَالَفَتُهُ بِمَعُونَةِ الْقَرَائِنِ كَمَا فِي الْأَمْثِلَةِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا امْتِنَاعَ فِي حَمْلِ الْيَوْمِ

стр. 170

بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ (فِيمَنْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ رَجَبٍ وَنَوَى بِهِ الْيَمِينَ أَنَّهُ نَذْرٌ وَيَمِينٌ) هَذَا مَقُولُ الْقَوْلِ (حَتَّى لَوْ لَمْ يَصُمْ يَجِبُ الْقَضَاءُ) لِكَوْنِهِ نَذْرًا (وَالْكَفَّارَةُ) لِكَوْنِهِ يَمِينًا فَهَذِهِ ثَمَرَةُ الْخِلَافِ وَإِذَا كَانَ نَذْرًا وَيَمِينًا يَكُونُ جَمْعًا بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ حَقِيقَةٌ فِي النَّذْرِ مَجَازٌ فِي الْيَمِينِ (لِأَنَّهُ نَذْرٌ بِصِيغَتِهِ يَمِينٌ بِمُوجَبِهِ) هَذَا دَلِيلٌ عَلَى قَوْلِهِ وَلَا يَرِدُ ثُمَّ أَثْبَتَ أَنَّهُ يَمِينٌ بِمُوجَبِهِ بِقَوْلِهِ (لِأَنَّ إيجَابَ الْمُبَاحِ يُوجِبُ تَحْرِيمَ ضِدِّهِ وَتَحْرِيمَ الْحَلَالِ يَمِينٌ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] كَمَا أَنَّ شِرَاءَ الْقَرِيبِ شِرَاءٌ بِصِيغَتِهِ تَحْرِيرٌ بِمُوجَبِهِ (فَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ جَمْعًا بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ) بَلْ الصِّيغَةُ مَوْضُوعَةٌ لِلنَّذْرِ وَمُوجَبُ ــ [التلويح] فِي الْأَوَّلِ عَلَى بَيَاضِ النَّهَارِ، وَيُعْلَمُ الْحُكْمُ فِي غَيْرِهِ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ، وَفِي الثَّانِي عَلَى مُطْلَقِ الْوَقْتِ، وَيَحْصُلُ التَّقْيِيدُ بِالْيَوْمِ مِنْ الْإِضَافَةِ كَمَا إذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ حِينَ يَقُومُ أَوْ حِينَ تَنْكَسِفُ الشَّمْسُ فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ جَعَلَ التَّخْيِيرَ وَالتَّفْوِيضَ مِمَّا يَمْتَدُّ، وَالطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ مِمَّا لَا يَمْتَدُّ مَعَ أَنَّهُ إنْ أُرِيدَ إنْشَاءُ الْأَمْرِ، وَحُدُوثُهُ فَهُوَ غَيْرُ مُمْتَدٍّ فِي الْكُلِّ، وَإِنْ أُرِيدَ كَوْنُهَا مُخَيَّرَةً وَمُفَوَّضَةً، وَهُوَ مُمْتَدٌّ فَكَذَا كَوْنُهَا مُطَلَّقَةً وَكَوْنُ الْعَبْدِ مُعْتَقًا مُمْتَدٌّ قُلْنَا أُرِيدَ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وُقُوعُهُمَا لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي تَقْيِيدِ كَوْنِ الشَّخْصِ مُطَلِّقًا أَوْ مُعْتِقًا بِالزَّمَانِ لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ التَّوْقِيتَ بِالْمُدَّةِ، وَفِي التَّخْيِيرِ وَالتَّفْوِيضِ كَوْنُهَا مُخَيَّرَةً وَمُفَوَّضَةً لِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ ثُمَّ يَنْقَطِعُ فَيُفِيدُ تَوْقِيتَهُ بِالْمُدَّةِ فَإِنْ قُلْت ذَكَرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ أَمْرُك بِيَدِك الْيَوْمَ، وَغَدًا دَخَلَتْ اللَّيْلَةُ قُلْت لَيْسَ مَبْنِيًّا عَلَى أَنَّ الْيَوْمَ لِمُطْلَقِ الْوَقْتِ بَلْ عَلَى أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ أَمْرِك بِيَدِك يَوْمَيْنِ، وَفِي مِثْلِهِ يَسْتَتْبِعُ اسْمُ الْيَوْمِ اللَّيْلَةَ بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ أَمْرُك بِيَدِك الْيَوْمَ، وَبَعْدَ غَدٍ فَإِنَّ الْيَوْمَ الْمُنْفَرِدَ لَا يَسْتَتْبِعُ مَا بِإِزَائِهِ مِنْ اللَّيْلِ. (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ يُرَادُ بَاطِنُهَا) أَيْ مَا فِي الْحِنْطَةِ مِنْ الْأَجْزَاءِ يُقَالُ فُلَانٌ يَأْكُلُ الْحِنْطَةَ أَيْ طَعَامُهُ مِنْ أَجْزَاءِ الْحِنْطَةِ، وَأَكْلُ مَا فِي الْحِنْطَةِ يَعُمُّ أَكْلَ عَيْنِهَا، وَأَكْلُ مَا يُتَّخَذُ مِنْهَا مِنْ الْخُبْزِ وَنَحْوِهِ دُونَ السَّوِيقِ فَإِنَّهُ عِنْدَهُمَا جِنْسُ الدَّقِيقِ، وَقِيلَ يَحْنَثُ بِهِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَأَمَّا حَقِيقَةُ أَكْلِ الْحِنْطَةِ فَهُوَ أَنْ يَقَعَ الْأَكْلُ عَلَى نَفْسِ الْحِنْطَةِ بِأَنْ يَضَعَهَا فِي الْفَمِ فَيَمْضُغَهَا. (قَوْلُهُ لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ رَجَبٍ) وَقَعَ فِي عِبَارَةِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - غَيْرَ مُنَوَّنٍ لِلْعَلَمِيَّةِ وَالْعَدْلِ عَنْ الرَّجَبِ لِأَنَّ الْمُرَادَ رَجَبٌ بِعَيْنِهِ أَيْ الَّذِي يَأْتِي عَقِيبَ الْيَمِينِ، وَالْمَسْأَلَةُ عَلَى سِتَّةِ أَوْجُهٍ لِأَنَّ الْقَائِلَ إمَّا أَنْ لَا يَنْوِيَ شَيْئًا أَوْ يَنْوِيَ النَّذْرَ مَعَ نَفْيِ الْيَمِينِ أَوْ بِدُونِهِ أَوْ يَنْوِيَ الْيَمِينَ مَعَ نَفْيِ النَّذْرِ أَوْ بِدُونِهِ أَوْ يَنْوِيَ النَّذْرَ وَالْيَمِينَ جَمِيعًا. فَالثَّلَاثَةُ الْأُوَلُ نَذْرٌ بِاتِّفَاقٍ، وَالرَّابِعُ يَمِينٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَفِي الْأَخِيرَيْنِ خِلَافٌ، وَإِلَيْهِمَا الْإِشَارَةُ فِي أَوَّلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِ، وَنَوَى الْيَمِينَ أَيْ مَعَ نِيَّةِ النَّذْرِ أَوْ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لَهُ بِالنَّفْيِ

стр. 171

هَذَا الْكَلَامِ الْيَمِينُ وَالْمُرَادُ بِالْمُوجَبِ اللَّازِمُ الْمُتَأَخِّرُ، فَدَلَالَةُ اللَّفْظِ عَلَى لَازِمِهِ لَا تَكُونُ مَجَازًا كَمَا أَنَّ لَفْظَ الْأَسَدِ إذَا أُرِيدَ بِهِ الْهَيْكَلُ الْمَخْصُوصُ يَدُلُّ عَلَى الشَّجَاعَةِ الَّتِي هِيَ لَازِمَةٌ لِلْأَسَدِ بِطَرِيقِ الِالْتِزَامِ وَلَا يَكُونُ مَجَازًا وَإِنَّمَا الْمَجَازُ هُوَ اللَّفْظُ الَّذِي اُسْتُعْمِلَ وَيُرَادُ بِهِ لَازِمُ الْمَوْضُوعِ لَهُ مِنْ غَيْرِ إرَادَةِ الْمَوْضُوعِ لَهُ وَهُنَا وَقَعَ فِي خَاطِرِي إشْكَالٌ وَهُوَ قَوْلُهُ (يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ إنْ كَانَ هَذَا مُوجَبَهُ يَكُونُ يَمِينًا وَإِنْ لَمْ يَنْوِ) أَيْ الْيَمِينَ كَمَا إذَا اشْتَرَى الْقَرِيبَ يَعْتِقُ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُوجَبَهُ يَكُونُ جَمْعًا بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ) فِي جَوَابِ هَذَا الْإِشْكَالِ (لَا جَمْعَ بَيْنَهُمَا فِي الْإِرَادَةِ) لِأَنَّهُ نَوَى الْيَمِينَ وَلَمْ يَنْوِ النَّذْرَ (لَكِنَّهُ يَثْبُتُ النَّذْرُ بِصِيغَتِهِ وَالْيَمِينُ بِإِرَادَتِهِ) لِأَنَّ الْكَلَامَ مَوْضُوعٌ لِلنَّذْرِ وَهُوَ إنْشَاءٌ فَيَثْبُتُ الْمَوْضُوعُ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ ــ [التلويح] وَالْإِثْبَاتِ فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْخَامِسُ يَمِينٌ، وَالسَّادِسُ نَذْرٌ وَعِنْدَهُمَا كِلَاهُمَا نَذْرٌ وَيَمِينٌ، وَهُمَا مَعْنَيَانِ مُخْتَلِفَانِ فَمُوجَبُ الْأَوَّلِ الْوَفَاءُ بِالْمُلْتَزَمِ، وَالْقَضَاءُ عِنْدَ الْفَوْتِ لَا الْكَفَّارَةُ، وَمُوجَبُ الثَّانِي الْمُحَافَظَةُ عَلَى الْبِرِّ، وَالْكَفَّارَةُ عِنْدَ الْفَوْتِ لَا الْقَضَاءُ، وَاللَّفْظُ حَقِيقَةٌ فِي النَّذْرِ لِأَنَّهُ الْمَفْهُومُ عُرْفًا وَلُغَةً، وَلِهَذَا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى النِّيَّةِ بِخِلَافِ الْيَمِينِ فَإِرَادَتُهُمَا مَعًا جَمْعٌ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، وَتَقْرِيرُ الْجَوَابِ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ نَذْرٌ بِصِيغَتِهِ لِكَوْنِهَا مَوْضُوعَةً لِذَلِكَ يَمِينٌ بِمُوجَبِهِ أَيْ لَازِمُهُ الْمُتَأَخِّرُ يَمِينٌ لِأَنَّ النَّذْرَ إيجَابٌ لِلْمُبَاحِ الَّذِي هُوَ صَوْمُ رَجَبٍ مَثَلًا، وَإِيجَابُ الْمُبَاحِ يُوجِبُ تَحْرِيمَ ضِدِّهِ الَّذِي هُوَ مُبَاحٌ أَيْضًا كَتَرْكِ الصَّوْمِ مَثَلًا لِأَنَّ إيجَابَ الشَّيْءِ يُوجِبُ الْمَنْعَ عَنْ ضِدِّهِ، وَتَحْرِيمُ الْمُبَاحِ يَمِينٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] أَيْ شَرَعَ لَكُمْ تَحْلِيلَهَا بِالْكَفَّارَةِ سَمَّى تَحْرِيمَ النَّبِيِّ ﷺ مَارِيَةَ أَوْ الْعَسَلَ عَلَى نَفْسِهِ يَمِينًا فَعَلَى تَقْرِيرِ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْمُوجِبُ هُوَ نَفْسُ الْيَمِينِ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ يَمِينٌ بِوَاسِطَةِ مُوجَبِهِ أَيْ أَثَرِهِ الثَّابِتِ بِهِ لِأَنَّ مُوجَبَ النَّذْرِ لُزُومُ الْمُنْذَرِ الَّذِي هُوَ جَائِزُ التَّرْكِ فِي نَفْسِهِ إذْ لَا نَذْرَ فِي الْوَاجِبِ بِنَفْسِهِ فَصَارَ النَّذْرُ تَحْرِيمًا لِلْمُبَاحِ بِوَاسِطَةِ مُوجَبِهِ أَيْ حُكْمِهِ، وَدَلَالَةُ اللَّفْظِ عَلَى لَازِمِ مَعْنَاهُ لَا تَكُونُ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ مَا لَمْ تُسْتَعْمَلْ فِي اللَّازِمِ، وَلَمْ يُرِدْ بِهِ اللَّازِمَ مَعَ قَرِينَةٍ مَانِعَةٍ عَنْ إرَادَةِ الْمَوْضُوعِ لَهُ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ أَيْضًا تَدُلُّ عَلَى جُزْءِ الْمَعْنَى وَلَازِمِهِ بِطَرِيقِ التَّضَمُّنِ وَالِالْتِزَامِ، وَلَا يَصِيرُ بِذَلِكَ مَجَازًا فَفَهْمُ الْجُزْءِ أَوْ اللَّازِمِ قَدْ يَكُونُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ نَفْسُ الْمُرَادِ فَاللَّفْظُ حِينَئِذٍ مَجَازٌ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ جُزْءُ الْمُرَادِ أَوْ لَازِمُهُ فَاللَّفْظُ حَقِيقَةٌ كَمَا إذَا فُهِمَ الْجِدَارُ مِنْ لَفْظِ الْبَيْتِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي مَعْنَاهُ، وَفُهِمَ الشَّجَاعَةُ مِنْ لَفْظِ الْأَسَدِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي السَّبُعِ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الصِّيغَةَ حَقِيقَةٌ لَا تَجُوزُ فِيهَا، وَالْيَمِينُ لَازِمٌ لَهَا فَلَا جَمْعَ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا سَبَقَ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنْ أَنَّ مَعْنَى الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ هُوَ إرَادَةُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ مَعًا

стр. 172

وَحَقِيقَةُ هَذَا الْجَوَابِ أَنَّا نُسَلِّمُ أَنَّ الْيَمِينَ هُوَ الْمَعْنَى الْمَجَازِيُّ لَكِنْ فِي الْإِنْشَاءَاتِ يُمْكِنُ أَنْ يَثْبُتَ لِلْكَلَامِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ وَالْمَجَازِيُّ فَالْحَقِيقِيُّ لِمُجَرَّدِ الصِّيغَةِ سَوَاءٌ أَرَادَ أَوْ لَمْ يُرِدْ وَالْمَجَازِيُّ إنْ أَرَادَ، فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَنْقَسِمُ أَقْسَامًا فَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا أَوْ نَوَى النَّذْرَ فَقَطْ أَوْ نَوَى النَّذْرَ مَعَ نَفْيِ الْيَمِينِ كَانَ نَذْرًا فَقَطْ عَمَلًا بِالصِّيغَةِ وَإِنْ نَوَاهُمَا أَوْ نَوَى الْيَمِينَ فَقَطْ فَنَذْرٌ وَيَمِينٌ، أَمَّا النَّذْرُ فَبِالصِّيغَةِ وَلَا تَأْثِيرَ لِلْإِرَادَةِ فِيمَا نَوَاهُمَا وَأَمَّا الْيَمِينُ فَبِالْإِرَادَةِ، وَإِنْ نَوَى الْيَمِينَ مَعَ نَفْيِ النَّذْرِ فَيَمِينٌ فَقَطْ وَهَذَا الَّذِي أَوْرَدْته إشْكَالًا وَهُوَ قَوْلُهُ (فَإِنْ قِيلَ يَلْزَمُ أَنْ يَثْبُتَ النَّذْرُ أَيْضًا إذَا نَوَى أَنَّهُ يَمِينٌ وَلَيْسَ بِنَذْرٍ) لِأَنَّ النَّذْرَ يَثْبُتُ بِالصِّيغَةِ فَيَجِبُ أَنْ يَثْبُتَ مَعَ أَنَّهُ نَوَى أَنَّهُ لَيْسَ بِنَذْرٍ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ (قُلْنَا لَمَّا نَوَى مَجَازَهُ وَنَفَى حَقِيقَتَهُ يُصَدَّقُ دِيَانَةً) لِأَنَّ هَذَا حُكْمٌ ثَابِتٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَإِذَا نَفَى النَّذْرَ يُصَدَّقُ دِيَانَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا مَدْخَلَ لِلْقَضَاءِ فِيهِ حَتَّى يُوجِبَهُ الْقَاضِي وَلَا يُصَدِّقُهُ فِي نَفْيِهِ بِخِلَافِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ فَإِنَّهُ إذَا قَالَ أَرَدْتُ الْمَعْنَى الْمَجَازِيَّ وَنَفَيْتُ الْحَقِيقِيَّ لَا يُصَدَّقُ فِي الْقَضَاءِ لِأَنَّ هَذَا حُكْمٌ فِيمَا بَيْنَ الْعِبَادِ فَقَضَاءُ الْقَاضِي أَصْلٌ فِيهِ. ــ [التلويح] لَا كَوْنُ اللَّفْظِ حَقِيقَةً وَمَجَازًا، وَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ، وَالْمَجَازُ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ إرَادَةِ الْمَوْضُوعِ لَهُ، وَلِهَذَا عَدَلَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي تَحْرِيرِ الْمَبْحَثِ عَنْ عِبَارَةِ الْقَوْمِ إلَى قَوْلِهِ لَا يُرَادُ مِنْ اللَّفْظِ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيُّ وَالْمَجَازِيُّ مَعًا فَإِذَا أُرِيدَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ لِلصِّيغَةِ وَلَازِمُهُ الْمُتَأَخِّرُ كَانَ جَمْعًا بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ سَوَاءٌ سُمِّيَتْ الصِّيغَةُ مَجَازًا أَوْ لَا. (قَوْلُهُ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي جَوَابِ هَذَا الْإِشْكَالِ) يَعْنِي أَصْلَ الْإِشْكَالِ الْمُتَوَهَّمِ عَلَى مَسْأَلَةِ امْتِنَاعِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ لَا الْإِشْكَالَ الْوَارِدَ عَلَى جَوَابِ الْقَوْمِ فَإِنَّهُ لَا يَنْدَفِعُ بِهَذَا الْمَقَالِ لَكِنَّ هَذَا الْجَوَابَ إنَّمَا يَصِحُّ فِيمَا إذَا نَوَى الْيَمِينَ فَقَطْ وَأَمَّا إذَا نَوَاهُمَا جَمِيعًا فَقَدْ تَحَقَّقَ إرَادَةُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ مَعًا، وَلَا مَعْنَى لِلْجَمْعِ إلَّا هَذَا فَإِنْ قُلْت لَا عِبْرَةَ بِإِرَادَةِ النَّذْرِ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ بِنَفْسِ الصِّيغَةِ مِنْ غَيْرِ تَأْثِيرٍ لِلْإِرَادَةِ فَكَأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ إلَّا الْمَعْنَى الْمَجَازِيَّ قُلْت فَلَا يَمْتَنِعُ الْجَمْعُ فِي شَيْءٍ مِنْ الصُّوَرِ لِأَنَّ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيَّ يَثْبُتُ بِاللَّفْظِ فَلَا عِبْرَةَ بِإِرَادَتِهِ وَلَا تَأْثِيرَ لَهَا، وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِشْكَالَ الْمَذْكُورَ إنَّمَا وَقَعَ فِي خَاطِرِ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى سَبِيلِ التَّوَارُدِ، وَإِلَّا فَقَدْ نَقَلَهُ صَاحِبُ الْكَشْفِ عَنْ الْإِمَامِ السَّرَخْسِيِّ مَعَ الْجَوَابِ بِوَجْهَيْنِ الْأَوَّلُ أَنَّهُ لَمَّا اُسْتُعْمِلَتْ الصِّيغَةُ فِي مَحَلٍّ آخَرَ خَرَجَتْ الْيَمِينُ مِنْ أَنْ تَكُونَ مُرَادَةً فَصَارَتْ كَالْحَقِيقَةِ الْمَهْجُورَةِ فَلَا تَثْبُتُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ، وَالثَّانِي أَنَّ تَحْرِيمَ تَرْكِ الْمَنْذُورِ يَثْبُتُ بِمُوجَبِ النَّذْرِ، وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَصْدِ إلَّا أَنَّ كَوْنَهُ يَمِينًا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَصْدِ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَجْعَلْهُ يَمِينًا إلَّا عِنْدَ الْقَصْدِ بِخِلَافِ شِرَاءِ الْقَرِيبِ فَإِنَّ الشَّرْعَ جَعَلَهُ إعْتَاقًا قَصَدَ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ وَمِنْ بَدِيعِ الْكَلَامِ فِي هَذَا الْمَقَامِ مَا ذَكَرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ كَلِمَةَ اللَّهِ قَسَمٌ بِمَنْزِلَةِ بِاَللَّهِ كَمَا فِي قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - دَخَلَ آدَم الْجَنَّةَ فَاَللَّهِ مَا غَرَبَتْ

стр. 173

(مَسْأَلَةٌ لَا بُدَّ لِلْمَجَازِ مِنْ قَرِينَةٍ تَمْنَعُ إرَادَةَ الْحَقِيقَةِ عَقْلًا أَوْ حِسًّا أَوْ عَادَةً أَوْ شَرْعًا وَهِيَ إمَّا خَارِجَةٌ عَنْ الْمُتَكَلِّمِ وَالْكَلَامِ كَدَلَالَةِ الْحَالِ نَحْوَ يَمِينِ الْفَوْرِ أَوْ مَعْنًى مِنْ الْمُتَكَلِّمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ﴾ [الإسراء: ٦٤] فَإِنَّهُ تَعَالَى لَا يَأْمُرُ بِالْمَعْصِيَةِ، أَوْ لَفْظٍ خَارِجٍ عَنْ هَذَا الْكَلَامِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] فَإِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا﴾ [الكهف: ٢٩] يُخْرِجُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِلتَّخْيِيرِ وَنَحْوَ طَلِّقْ امْرَأَتِي إنْ كُنْت رَجُلًا لَا يَكُونُ تَوْكِيلًا ــ [التلويح] الشَّمْسُ حَتَّى خَرَجَ، وَكَلِمَةُ عَلَيَّ نَذْرٌ إلَّا أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ غَلَبَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ فِي مَعْنَى النَّذْرِ عَادَةً فَحُمِلَ عَلَيْهِ فَإِذَا نَوَاهُمَا فَقَدْ نَوَى بِكُلِّ لَفْظٍ مَا هُوَ مِنْ مُحْتَمَلَاتِهِ فَيُعْمَلُ بِنِيَّتِهِ، وَلَا يَكُونُ جَمْعًا بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ بَلْ فِي كَلِمَتَيْنِ [مَسْأَلَةٌ لَا بُدَّ لِلْمَجَازِ مِنْ قَرِينَةٍ تَمْنَعُ إرَادَةَ الْحَقِيقَةِ] (قَوْلُهُ مَسْأَلَةٌ لَا بُدَّ لِلْمَجَازِ مِنْ قَرِينَةٍ) مَانِعَةٍ عَنْ إرَادَةِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ سَوَاءٌ جُعِلَتْ دَاخِلَةً فِي مَفْهُومِ الْمَجَازِ كَمَا هُوَ رَأْيُ عُلَمَاءِ الْبَيَانِ أَوْ شَرْطًا لِصِحَّتِهِ وَاعْتِبَارِهِ كَمَا هُوَ رَأْيُ أَئِمَّةِ الْأُصُولِ. (قَوْلُهُ أَوْ عَادَةً) يَشْمَلُ الْعُرْفَ الْعَامَّ وَالْخَاصَّ، وَقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَهَا بِاسْتِعْمَالِ الْعَادَةِ فِي الْأَفْعَالِ وَالْعُرْفِ فِي الْأَقْوَالِ. (قَوْلُهُ نَحْوُ يَمِينِ الْفَوْرِ) هُوَ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرُ فَارَتْ الْقِدْرُ إذَا غَلَتْ اُسْتُعِيرَ لِلسُّرْعَةِ ثُمَّ سُمِّيَتْ بِهِ الْحَالَةُ الَّتِي لَا رَيْثَ فِيهَا وَلَا لُبْثَ فَقِيلَ رَجَعَ فُلَانٌ مِنْ فَوْرِهِ أَيْ مِنْ سَاعَتِهِ، وَمِنْ قَبْلِ أَنْ يَسْكُنَ. (قَوْلُهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاسْتَفْزِزْ﴾ [الإسراء: ٦٤] أَيْ اسْتَنْزِلْ أَوْ حَرِّكْ مَنْ اسْتَطَعْت مِنْهُمْ بِوَسْوَسَتِك وَدُعَائِك إلَى الشَّرِّ فَهَاهُنَا قَرِينَةٌ مَانِعَةٌ عَنْ إرَادَةِ حَقِيقَةِ الطَّلَبِ وَالْإِيجَابِ عَقْلًا، وَهِيَ كَوْنُ الْآمِرِ تَعَالَى وَتَقَدَّسَ حَكِيمًا لَا يَأْمُرُ إبْلِيسَ بِإِغْوَاءِ عِبَادِهِ فَهُوَ مَجَازٌ عَنْ تَمْكِينِهِ مِنْ ذَلِكَ وَإِقْدَارِهِ عَلَيْهِ لِعَلَاقَةِ أَنَّ الْإِيجَابَ يَقْتَضِي تَمَكُّنَ الْمَأْمُورِ مِنْ الْفِعْلِ وَقُدْرَتَهُ عَلَيْهِ لِسَلَامَةِ الْآلَاتِ وَالْأَسْبَابِ. (قَوْلُهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ﴾ [الكهف: ٢٩] مِثْلُ هَذَا الْكَلَامِ حَقِيقَةٌ فِي التَّخْيِيرِ وَالْإِذْنِ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَخْتَارَ أَيَّ الْأَمْرَيْنِ شَاءَ لَكِنَّ قَوْلَهُ " إنَّا أَعْتَدْنَا " قَرِينَةٌ مَانِعَةٌ عَلَى إرَادَةِ ذَلِكَ عَقْلًا إذْ لَا عَذَابَ عَلَى الْإِتْيَانِ بِمَا خُيِّرَ فِيهِ وَأُذِنَ، وَهَذِهِ الْقَرِينَةُ لَفْظٌ خَارِجٌ عَنْ هَذَا الْكَلَامِ الْمَوْضُوعِ لِلتَّخْيِيرِ، وَكَذَا كُلٌّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ مَجَازٌ لِلتَّوْبِيخِ وَالْإِنْكَارِ لَا حَقِيقَةٌ أَمَّا الْأَوَّلُ فَبِقَرِينَةِ مَنْ شَاءَ إذْ لَا يَخْتَصُّ الْإِيمَانُ شَرْعًا بِمَنْ شَاءَ، وَأَمَّا الثَّانِي فَبِدَلَالَةِ الْعَقْلِ، وَقَوْلُهُ ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا﴾ [الكهف: ٢٩] الْآيَةَ. فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَصِحُّ جَعْلُ الْقَرِينَةِ الَّتِي هِيَ لَفْظٌ خَارِجٌ عَنْ هَذَا الْكَلَامِ قَسِيمًا لِلْقَرِينَةِ الَّتِي هِيَ خَارِجَةٌ عَنْ الْمُتَكَلِّمِ وَالْكَلَامِ؟ قُلْنَا بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا لَفْظٌ فَتَكُونُ مِنْ جِنْسِ الْكَلَامِ فَلَا تَكُونُ خَارِجَةً عَنْ الْكَلَامِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْقَرِينَةَ إمَّا أَنْ تَكُونَ مَعْنًى مِنْ الْمُتَكَلِّمِ أَوْ لَا، وَالثَّانِي إمَّا أَنْ تَكُونَ لَفْظًا أَوْ لَا، وَاللَّفْظُ إمَّا أَنْ يَكُونَ خَارِجًا عَنْ الْكَلَامِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الْمَجَازُ أَوْ لَا، وَغَيْرُ الْخَارِجِ قِسْمَانِ: الْأَوَّلُ مَا يَكُونُ دَلَالَتُهُ عَلَى الْمَنْعِ عَنْ إرَادَةِ الْحَقِيقَةِ بِاعْتِبَارِ أَوْلَوِيَّةِ بَعْضِ

стр. 174

أَوْ غَيْرُ خَارِجٍ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الْأَفْرَادِ أَوْلَى كَمَا ذَكَرْنَا فِي التَّخْصِيصِ أَوْ لَمْ يَكُنْ نَحْوَ «الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» «وَرُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» لِأَنَّ عَيْنَ فِعْلِ الْجَوَارِحِ لَا يَكُونُ بِالنِّيَّةِ وَعَيْنَ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ غَيْرُ مَرْفُوعٍ بَلْ الْمُرَادُ الْحُكْمُ، وَهُوَ نَوْعَانِ الْأَوَّلُ الثَّوَابُ وَالْإِثْمُ وَالثَّانِي الْجَوَازُ وَالْفَسَادُ وَنَحْوُهُمَا وَالْأَوَّلُ بِنَاءً عَلَى صِدْقِ عَزِيمَتِهِ وَالثَّانِي بِنَاءً عَلَى رُكْنِهِ وَشَرْطِهِ فَإِنَّ مَنْ ــ [التلويح] أَفْرَادِ مَفْهُومِهِ بِالْإِرَادَةِ مِنْ اللَّفْظِ لِاخْتِصَاصِ الْبَعْضِ الْآخَرِ بِنُقْصَانٍ كَالْمُكَاتَبِ مِنْ أَفْرَادِ الْمَمْلُوكِ أَوْ بِزِيَادَةٍ كَالْعِنَبِ مِنْ أَفْرَادِ الْفَاكِهَةِ فَيَصِيرُ اللَّفْظُ مَجَازًا بِاعْتِبَارِ اخْتِصَاصِهِ بِالْبَعْضِ الْأَوْلَى، وَهَذَا الَّذِي يُسَمِّيهِ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - حَقِيقَةً قَاصِرَةً، وَذَهَبَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِيمَا سَبَقَ إلَى أَنَّهُ حَقِيقَةٌ مِنْ وَجْهٍ مَجَازٌ مِنْ وَجْهٍ، وَلَمْ يُبَيِّنْ هَاهُنَا أَنَّهُ مَانِعٌ عَنْ إرَادَةِ الْحَقِيقَةِ عَقْلًا أَوْ حِسًّا أَوْ عَادَةً أَوْ شَرْعًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَانِعٌ عَادَةً، وَقَدْ جَعَلَهُ فِيمَا سَبَقَ قَسِيمًا لِدَلَالَةِ الْعَادَةِ أَيْضًا لِأَنَّهُ أَرَادَ بِالْعَادَةِ ثَمَّةَ مَا يَخْتَصُّ بِالْأَفْعَالِ دُونَ الْأَقْوَالِ، وَالثَّانِي مَا لَا يَكُونُ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ أَوْلَوِيَّةِ بَعْضِ الْأَفْرَادِ، وَذَكَرَ لَهُ ثَمَانِيَةَ أَمْثِلَةٍ تَمْنَعُ الْقَرِينَةَ عَنْ إرَادَةِ الْحَقِيقَةِ فِي الْأَوَّلَيْنِ عَقْلًا، وَفِي الثَّالِثِ، وَالرَّابِعِ، وَالْخَامِسِ حِسًّا مَعَ الْعُرْفِ فِي الْخَامِسِ، وَفِي السَّادِسِ عُرْفًا وَفِي الثَّامِنِ شَرْعًا فَلِذَا أَعَادَ لَفْظَ نَحْوَ، وَفِي السَّابِعِ إمَّا عُرْفًا عَامًّا أَوْ خَاصًّا أَوْ شَرْعًا مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ فَلِذَا خَالَفَ بِهِ غَيْرَهُ، وَذَكَرَهُ بِلَفْظِ الْكَافِ. (قَوْلُهُ «الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» ) رُوِيَ مُصَدَّرًا بِإِنَّمَا، وَمُجَرَّدًا عَنْهَا، وَكِلَاهُمَا يُفِيدُ الْحَصْرَ، وَالْمُرَادُ بِالنِّيَّةِ قَصْدُ الطَّاعَةِ وَالتَّقَرُّبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي إيجَادِ الْفِعْلِ فَلَوْ سَقَطَ فِي الْمَاءِ فَاغْتَسَلَ أَوْ غَسَلَ أَعْضَاءَهُ لِلتَّبَرُّدِ لَمْ يَكُنْ نَاوِيًا، وَنَفْسُ هَذَا الْكَلَامِ يَدُلُّ عَقْلًا عَلَى عَدَمِ إرَادَةِ حَقِيقَتِهِ إذْ قَدْ يَحْصُلُ الْعَمَلُ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ بَلْ الْمُرَادُ بِالْأَعْمَالِ حُكْمُهَا بِاعْتِبَارِ إطْلَاقِ الشَّيْءِ عَلَى أَثَرِهِ وَمُوجَبِهِ، وَالْحُكْمُ نَوْعَانِ نَوْعٌ يَتَعَلَّقُ بِالْآخِرَةِ، وَهُوَ الثَّوَابُ فِي الْأَعْمَالِ الْمُفْتَقِرَةِ إلَى النِّيَّةِ، وَالْإِثْمُ فِي الْأَفْعَالِ الْمُحَرَّمَةِ، وَنَوْعٌ يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيَا، وَهُوَ الْجَوَازُ وَالْفَسَادُ، وَالْكَرَاهَةُ، وَالْإِسَاءَةُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَالنَّوْعَانِ مُخْتَلِفَانِ بِدَلِيلِ أَنَّ مَبْنَى الْأَوَّلِ عَلَى صِدْقِ الْعَزِيمَةِ، وَخُلُوصِ النِّيَّةِ فَإِنْ وُجِدَ وُجِدَ الثَّوَابُ، وَإِلَّا فَلَا، وَمَبْنَى الثَّانِي عَلَى وُجُودِ الْأَرْكَانِ وَالشَّرَائِطِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي الشَّرْعِ حَتَّى لَوْ وُجِدَتْ صَحَّ وَإِلَّا فَلَا، سَوَاءٌ اشْتَمَلَ عَلَى صِدْقِ الْعَزِيمَةِ أَوْ لَا إذَا صَارَ اللَّفْظُ مَجَازًا عَنْ النَّوْعَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا بِحَسَبِ الْوَضْعِ النَّوْعِيِّ فَلَا يَجُوزُ إرَادَتُهُمَا جَمِيعًا أَمَّا عِنْدَنَا فَلِأَنَّ الْمُشْتَرَكَ لَا عُمُومَ لَهُ، وَأَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَلِأَنَّ الْمَجَازَ لَا عُمُومَ لَهُ بَلْ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى أَحَدِ النَّوْعَيْنِ فَحَمَلَهُ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى النَّوْعِ الثَّانِي بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ الْأَهَمَّ مِنْ بَعْثَةِ النَّبِيِّ ﷺ بَيَانُ الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ وَالصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَهُوَ أَقْرَبُ إلَى الْفَهْمِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى أَنَّ صِحَّةَ الْأَعْمَالِ لَا تَكُونُ إلَّا بِالنِّيَّةِ

стр. 175

تَوَضَّأَ بِمَاءٍ نَجِسٍ جَاهِلًا وَصَلَّى لَمْ يَجُزْ فِي الْحُكْمِ لِفَقْدِ شَرْطِهِ وَيُثَابُ عَلَيْهِ لِصِدْقِ عَزِيمَتِهِ، وَلَمَّا اخْتَلَفَ الْحُكْمَانِ صَارَ الِاسْمُ بَعْدَ كَوْنِهِ مَجَازًا مُشْتَرَكًا فَلَا يَعُمُّ أَمَّا عِنْدَنَا فَلِأَنَّ الْمُشْتَرَكَ لَا عُمُومَ لَهُ وَأَمَّا عِنْدَهُ فَلِأَنَّ الْمَجَازَ لَا عُمُومَ لَهُ (فَإِذَا ثَبَتَ أَحَدُهُمَا) وَهُوَ النَّوْعُ الْأَوَّلُ مِنْ ــ [التلويح] فَلَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِدُونِ النِّيَّةِ، وَحَمَلَهُ أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ النَّوْعِ الْأَوَّلِ أَيْ ثَوَابِ الْأَعْمَالِ لَا يَكُونُ إلَّا بِالنِّيَّةِ، وَذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ الْأَوَّلُ أَنَّ الثَّوَابَ ثَابِتٌ اتِّفَاقًا إذْ لَا ثَوَابَ بِدُونِ النِّيَّةِ فَلَوْ أُرِيدَ الصِّحَّةُ أَيْضًا يَلْزَمُ عُمُومُ الْمُشْتَرَكِ أَوْ الْمَجَازِ، الثَّانِي أَنَّهُ لَوْ حُمِلَ عَلَى الثَّوَابِ لَكَانَ بَاقِيًا عَلَى عُمُومِهِ إذْ لَا ثَوَابَ بِدُونِ النِّيَّةِ أَصْلًا بِخِلَافِ الصِّحَّةِ فَإِنَّهَا قَدْ تَكُونُ بِدُونِ النِّيَّةِ كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ، ثُمَّ عَلَى تَقْدِيرِ حَمْلِهِ عَلَى الثَّوَابِ يَدُلُّ الْحَدِيثُ عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ الْعِبَادَاتِ بِدُونِ النِّيَّةِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا الثَّوَابُ فَعِنْدَ تَخَلُّفِ الثَّوَابِ لَا تَبْقَى الصِّحَّةُ فَالْوُضُوءُ فِي كَوْنِهِ عِبَادَةً يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ وَفِي كَوْنِهِ مِفْتَاحًا لِلصَّلَاةِ لَا يَفْتَقِرُ كَذَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ﵀، وَفِيهِ نَظَرٌ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الثَّوَابَ مُرَادٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَعَدَمُ الثَّوَابِ بِدُونِ النِّيَّةِ اتِّفَاقًا لَا يَقْتَضِي ذَلِكَ لِأَنَّ مُوَافَقَةَ الْحُكْمِ لِلدَّلِيلِ لَا تَقْتَضِي إرَادَتَهُ مِنْهُ وَثُبُوتَهُ بِهِ لِيَلْزَمَ عُمُومُ الْمُشْتَرَكِ بِمَعْنَى إرَادَةِ مَعْنَيَيْهِ مَثَلًا قَوْلُنَا الْعَيْنُ جِسْمٌ لَيْسَ مِنْ عُمُومِ الْمُشْتَرَكِ فِي شَيْءٍ، وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ بِالْجِسْمِيَّةِ ثَابِتًا لِمَعَانِيهِ، وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ الْقَوْلَ بِعَدَمِ عُمُومِ الْمَجَازِ مِمَّا لَمْ يَثْبُتْ مِنْ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى مَا سَبَقَ، وَلَوْ سَلِمَ فَلَهُ أَنْ يَقُولَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ قَبِيلِ الْمَحْذُوفِ لَا الْمَجَازِ أَيْ حُكْمِ الْأَعْمَالِ بِالنِّيَّةِ، وَأَمَّا ثَالِثًا فَلِأَنَّ عَدَمَ بَقَاءِ الْأَعْمَالِ عَلَى الْعُمُومِ مُشْتَرَكُ الْإِلْزَامِ إذْ لَا بُدَّ عِنْدَكُمْ مِنْ تَخْصِيصِهَا بِالْأَعْمَالِ الَّتِي هِيَ مَحَلُّ الثَّوَابِ فَيُخَصُّ عِنْدَهُ أَيْضًا بِغَيْرِ الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَفْتَقِرُ صِحَّتُهُ إلَى النِّيَّةِ بِإِجْمَاعٍ، وَأَمَّا رَابِعًا فَلِأَنَّ انْتِفَاءَ الثَّوَابِ إنَّمَا يَسْتَلْزِمُ انْتِفَاءَ الصِّحَّةِ لَوْ كَانَتْ الصِّحَّةُ عِبَارَةً عَنْ تَرَتُّبِ الْغَرَضِ، وَالْغَرَضُ هُوَ الثَّوَابُ أَمَّا لَوْ كَانَتْ الصِّحَّةُ عِبَارَةً عَنْ الْأَجْزَاءِ أَوْ دَفْعِ وُجُوبِ الْقَضَاءِ أَوْ كَانَ الْغَرَضُ هُوَ الِامْتِثَالُ مُوَافَقَةً لِلشَّرْعِ فَلَا، وَأَمَّا خَامِسًا فَلِوُرُودِ الْإِشْكَالِ الْمَشْهُورِ، وَهُوَ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْحُكْمَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ اشْتِرَاكًا لَفْظِيًّا بِأَنْ يُوضَعَ بِإِزَاءِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَضْعًا عَلَى حِدَةٍ بَلْ هُوَ مَوْضُوعٌ لِأَثَرِ الشَّيْءِ وَلَازِمِهِ فَيَعُمُّ الْجَوَازَ وَالْفَسَادَ وَالثَّوَابَ وَالْإِثْمَ وَغَيْرَ ذَلِكَ كَمَا يَعُمُّ الْحَيَوَانُ الْإِنْسَانَ، وَالْفَرَسَ، وَغَيْرَهُمَا، وَاللَّوْنُ السَّوَادَ وَالْبَيَاضَ وَنَحْوَهُمَا، فَإِرَادَةُ النَّوْعَيْنِ لَا تَكُونُ مِنْ عُمُومِ الْمُشْتَرَكِ فِي شَيْءٍ، وَأَجَابَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّا لَا نَعْنِي بِقَوْلِنَا الْأَعْمَالُ مَجَازٌ عَنْ الْحُكْمِ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ قَائِمٌ مَقَامَ قَوْلِنَا حُكْمُ الْأَعْمَالِ بِالنِّيَّاتِ لِأَنَّ كَوْنَ الْحُكْمِ بِمَعْنَى الْأَثَرِ الثَّابِتِ بِالشَّيْءِ إنَّمَا هُوَ مِنْ أَوْضَاعِ الْفُقَهَاءِ، وَاصْطِلَاحَاتِ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَلَمْ يَكُنْ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَلْ الْمُرَادُ أَنَّ الْعَمَلَ

стр. 176

الْحُكْمِ (وَهُوَ الثَّوَابُ اتِّفَاقًا لَمْ يَثْبُتْ الْآخَرُ) أَيْ النَّوْعُ الْآخَرُ وَهُوَ الْجَوَازُ (وَنَحْوُ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ النَّخْلَةِ وَلَا يَأْكُلُ مِنْ هَذَا الدَّقِيقِ وَلَا يَشْرَبُ مِنْ هَذَا الْبِئْرِ حَتَّى إذَا اسْتَفَّ أَوْ كَرَعَ لَا يَحْنَثُ وَنَحْوُ لَا يَضَعُ قَدَمَهُ فِي دَارِ فُلَانٍ وَكَالْأَسْمَاءِ الْمَنْقُولَةِ وَنَحْوُ التَّوْكِيلِ بِالْخُصُومَةِ فَإِنَّهُ يُصْرَفُ إلَى الْجَوَابِ لِأَنَّ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيَّ مَهْجُورٌ شَرْعًا وَهُوَ كَالْمَهْجُورِ عَادَةً فَيَتَنَاوَلُ الْإِقْرَارَ وَالْإِنْكَارَ) اعْلَمْ أَنَّ الْقَرِينَةَ إمَّا خَارِجَةٌ عَنْ الْمُتَكَلِّمِ وَالْكَلَامِ أَيْ لَا تَكُونُ مَعْنًى فِي الْمُتَكَلِّمِ أَيْ صِفَةً لَهُ وَلَا تَكُونُ مِنْ جِنْسِ الْكَلَامِ أَوْ تَكُونُ مَعْنًى فِي الْمُتَكَلِّمِ أَوْ تَكُونُ مِنْ جِنْسِ الْكَلَامِ ثُمَّ هَذِهِ الْقَرِينَةُ الَّتِي هِيَ مِنْ جِنْسِ الْكَلَامِ إمَّا لَفْظٌ خَارِجٌ عَنْ هَذَا الْكَلَامِ الَّذِي يَكُونُ الْمَجَازُ فِيهِ بَلْ يَكُونُ فِي كَلَامٍ آخَرَ أَيْ يَكُونُ ذَلِكَ اللَّفْظُ الْخَارِجُ دَالًّا عَلَى عَدَمِ إرَادَةِ الْحَقِيقَةِ أَوْ غَيْرَ خَارِجٍ عَنْ هَذَا الْكَلَامِ بَلْ عَيْنُ هَذَا الْكَلَامِ أَوْ شَيْءٌ مِنْهُ يَكُونُ دَالًّا عَلَى عَدَمِ إرَادَةِ الْحَقِيقَةِ، ثُمَّ هَذَا الْقِسْمُ عَلَى نَوْعَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الْأَفْرَادِ أَوْلَى كَمَا ذَكَرَ فِي التَّخْصِيصِ أَنَّ الْمُخَصِّصَ قَدْ يَكُونُ كَوْنَ بَعْضِ الْأَفْرَادِ نَاقِصًا أَوْ زَائِدًا فَيَكُونُ اللَّفْظُ أَوْلَى بِالْبَعْضِ الْآخَرِ فَإِذَا قَالَ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي حُرٌّ ــ [التلويح] مَجَازٌ عَمَّا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَثَرُ الْعَمَلِ وَلَازِمُهُ، وَذَلِكَ مَعَانٍ مُتَبَايِنَةٌ هِيَ الثَّوَابُ وَالْمَأْثَمُ وَالْجَوَازُ وَالْفَسَادُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَالْأَعْمَالُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا بِمَنْزِلَةِ الْمُشْتَرَكِ اللَّفْظِيِّ لِكَوْنِهَا مَوْضُوعَةً لِكُلٍّ مِنْهَا وَضْعًا نَوْعِيًّا عَلَى حِدَةٍ فَلَا يُرَادُ الْجَمِيعُ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ إنَّمَا يَلْزَمُ عِنْدَ تَعَدُّدِ أَنْوَاعِ الْمَجَازِ كَاللَّفْظِ بِالنِّسْبَةِ إلَى سَبَبِ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ، وَمُسَبَّبِهِ وَمَحَلِّهِ وَحَالِهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ لَا بِالنِّسْبَةِ إلَى أَفْرَادِ نَوْعٍ وَاحِدٍ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُلَابِسَ بِحَقِيقَةِ الْعَمَلِ لَيْسَ هُوَ الثَّوَابُ أَوْ الصِّحَّةُ مَثَلًا بِخُصُوصِهِ بَلْ أَثَرُهُ وَلَازِمُهُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَهَذَا يَشْمَلُ الصِّحَّةَ وَالثَّوَابَ مِنْ حَيْثُ إنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مِنْ أَفْرَادِ الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ فَالْمُرَادُ بِكَوْنِهِ مَجَازًا عَنْ الْحُكْمِ أَنَّهُ مَجَازٌ عَنْ الْمَعْنَى الَّذِي وُضِعَ الْحُكْمُ بِإِزَائِهِ سَوَاءٌ تَقَدَّمَ هَذَا الْوَضْعُ أَوْ تَأَخَّرَ أَوْ لَمْ يُوضَعْ قَطُّ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَفْظُ الْحُكْمِ مُتَحَقِّقًا فَإِنَّ اللَّفْظَ مَجَازٌ عَنْ الْمَعْنَى لَا عَنْ اللَّفْظِ (قَوْلُهُ وَنَحْوُ لَا يَأْكُلُ) حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَإِنْ نَوَى مَا يَحْتَمِلُهُ الْكَلَامُ فَعَلَى مَا نَوَى، وَإِلَّا فَإِنْ كَانَتْ الشَّجَرَةُ مِمَّا يَأْكُلُ كَالرِّيبَاسِ فَعَلَى الْحَقِيقَةِ، وَإِلَّا فَإِنْ كَانَتْ مُثْمِرَةً كَالنَّخْلَةِ فَعَلَى ثَمَرَتِهَا، وَإِلَّا فَعَلَى ثَمَنِهَا كَشَجَرَةِ الْخِلَافِ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنْ هَذِهِ الْبِئْرِ فَإِنْ كَانَتْ مَلْأَى فَعَلَى الِاغْتِرَافِ عِنْدَهُمَا، وَعَلَى الْكَرْعِ عِنْدَهُ، وَإِلَّا فَعَلَى الِاغْتِرَافِ حَتَّى لَا يَحْنَثَ بِالْكَرْعِ، وَهُوَ أَنْ يَتَنَاوَلَ الْمَاءَ بِفِيهِ مِنْ مَوْضِعِهِ يُقَالُ كَرَعَ فِي الْمَاءِ إذَا أَدْخَلَ فِيهِ أَكَارِعَهُ بِالْخُصُوصِ فِيهِ لِيَشْرَبَ، وَأَصْلُ ذَلِكَ فِي الدَّابَّةِ لِأَنَّهَا لَا تَكَادُ تَشْرَبُ الْمَاءَ إلَّا بِإِدْخَالِ أَكَارِعِهَا فِيهِ ثُمَّ قِيلَ لِلْإِنْسَانِ كَرَعَ فِي الْمَاءِ إذَا شَرِبَ

стр. 177

لَا يَقَعُ عَلَى الْمُكَاتَبِ مَعَ أَنَّ الْمُكَاتَبَ مَمْلُوكٌ حَقِيقَةً فَيَكُونُ هَذَا اللَّفْظُ مَجَازًا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَقْصُورٌ عَلَى بَعْضِ الْأَفْرَادِ وَهُوَ غَيْرُ الْمُكَاتَبِ أَوْ لَمْ يَكُنْ بَعْضُ الْأَفْرَادِ أَوْلَى فَانْحَصَرَتْ الْقَرِينَةُ فِي هَذِهِ الْأَقْسَامِ فَإِنْ قِيلَ قَدْ جَعَلَ فِي فَصْلِ التَّخْصِيصِ كَوْنَ بَعْضِ الْأَفْرَادِ أَوْلَى مِنْ قِسْمِ الْمُخَصِّصِ غَيْرِ الْكَلَامِيِّ وَهُنَا جُعِلَ مِنْ قِسْمِ الْقَرِينَةِ اللَّفْظِيَّةِ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا؟ قُلْنَا الْمُرَادُ بِالْمُخَصِّصِ الْكَلَامِيِّ أَنَّ الْكَلَامَ بِصَرِيحِهِ يُوجِبُ فِي بَعْضِ الْأَفْرَادِ حُكْمًا مُنَاقِضًا لِحُكْمٍ يُوجِبُهُ الْعَامُّ وَكُلُّ مُخَصِّصٍ لَيْسَ كَذَلِكَ لَا يَكُونُ كَلَامِيًّا فَيَكُونُ بَعْضُ الْأَفْرَادِ أَوْلَى بِكَوْنِهِ مُخَصَّصًا غَيْرَ كَلَامِيٍّ بِهَذَا التَّفْسِيرِ وَهَاهُنَا نَعْنِي بِالْقَرِينَةِ اللَّفْظِيَّةِ أَنْ يُفْهَمَ مِنْ اللَّفْظِ بِأَيِّ طَرِيقٍ كَانَ أَنَّ الْحَقِيقَةَ غَيْرُ مُرَادَةٍ وَفِي كُلِّ مَمْلُوكٍ لِي حُرٌّ يُفْهَمُ مِنْ اللَّفْظِ عَدَمُ تَنَاوُلِهِ الْمُكَاتَبَ فَتَكُونُ الْقَرِينَةُ لَفْظِيَّةً، جِئْنَا إلَى الْأَمْثِلَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْمَتْنِ فَكُلُّ قِسْمٍ مِنْ الْأَقْسَامِ فَنَظِيرُهُ مَذْكُورٌ عَقِيبَ ذَلِكَ الْقِسْمِ لَكِنْ لَمْ نَذْكُرْهُ فِي كُلِّ مِثَالٍ أَنَّ الْقَرِينَةَ الْمَانِعَةَ مِنْ إرَادَةِ الْحَقِيقَةِ مَانِعَةٌ عَقْلًا أَوْ حِسًّا أَوْ عَادَةً أَوْ شَرْعًا فَنُبَيِّنُ هُنَا هَذَا الْمَعْنَى فَفِي يَمِينِ الْفَوْرِ كَمَا إذَا أَرَادَتْ الْمَرْأَةُ الْخُرُوجَ فَقَالَ إنْ خَرَجْت فَأَنْتِ طَالِقٌ يُحْمَلُ عَلَى الْفَوْرِ فَالْقَرِينَةُ مَانِعَةٌ عَنْ إرَادَةِ الْحَقِيقَةِ عُرْفًا وَالْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ الْخُرُوجُ مُطْلَقًا وَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ﴾ [الإسراء: ٦٤] الْقَرِينَةُ تَمْنَعُ الْحَقِيقَةَ عَقْلًا وَكَذَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] لِأَنَّ التَّخْيِيرَ وَهُوَ الْإِبَاحَةُ مَعَ ــ [التلويح] الْمَاءَ بِفِيهِ أَوْ لَمْ يَخُصَّ (قَوْلُهُ وَكَالْأَسْمَاءِ الْمَنْقُولَةِ) فَإِنَّ نَفْسَ اللَّفْظِ قَرِينَةٌ مَانِعَةٌ عَنْ إرَادَةِ حَقِيقَتِهِ اللُّغَوِيَّةِ عُرْفًا عَامًّا كَالدَّابَّةِ أَوْ خَاصًّا كَالْفَاعِلِ أَوْ شَرْعًا كَالصَّلَاةِ (قَوْلُهُ وَنَحْوُ التَّوْكِيلِ بِالْخُصُومَةِ) فَإِنَّ نَفْسَ اللَّفْظِ قَرِينَةٌ مَانِعَةٌ شَرْعًا عَنْ إرَادَةِ حَقِيقَةِ الْخُصُومَةِ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الْخُصُومَةَ مَجَازٌ عَنْ مُطْلَقِ الْجَوَابِ إقْرَارًا كَانَ أَوْ إنْكَارًا بِطَرِيقِ اسْتِعْمَالِ الْمُقَيَّدِ فِي الْمُطْلَقِ أَوْ الْكُلِّ فِي الْجُزْءِ بِنَاءً عَلَى عُمُومِ الْجَوَابِ لِأَنَّ الْإِنْكَارَ الَّذِي يَنْشَأُ مِنْهُ الْخُصُومَةُ بَعْضُ الْجَوَابِ حَتَّى يَصِحَّ قَرَارُهُ عَلَى مُوَكِّلِهِ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي لِأَنَّ التَّوْكِيلَ إنَّمَا يَصِحُّ شَرْعًا بِمَا يَمْلِكُهُ الْمُوَكِّلُ بِنَفْسِهِ، وَهُوَ لَا يَمْلِكُ الْخُصُومَةَ وَالْإِنْكَارَ عِنْدَمَا يَعْرِفُ الْمُدَّعِيَ مُحِقًّا فَيَكُونُ مَهْجُورًا شَرْعًا، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَهْجُورِ عَادَةً فَلَا يُعْتَدُّ بِهِ كَمَا لَا يُعْتَدُّ بِالْحَقِيقَةِ فِي مَسَائِلِ أَكْلِ النَّخْلَةِ وَالدَّقِيقِ وَالشُّرْبِ مِنْ الْبِئْرِ لَا يُقَالُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَعَيَّنَ الْإِقْرَارُ وَلَا يَصِحُّ الْإِنْكَارُ أَصْلًا، لِأَنَّا نَقُولُ إنَّمَا صَحَّ مِنْ جِهَةِ دُخُولِهِ فِي عُمُومِ الْمَجَازِ، وَإِنَّمَا الْمَهْجُورُ، هُوَ الْإِنْكَارُ بِالتَّعْيِينِ مُحِقًّا كَانَ الْمُدَّعِي أَوْ غَيْرَ مُحِقٍّ لَا يُقَالُ الْوَاجِبُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْحَقِيقَةِ الْعُدُولُ إلَى أَقْرَبِ الْمَجَازَاتِ كَالْبَحْثِ وَالْمُدَافَعَةِ لَا إلَى أَبْعَدِهَا كَالْإِقْرَارِ لِأَنَّا نَقُولُ الْمُدَافَعَةُ هِيَ عَيْنُ الْخُصُومَةِ، وَكَذَا الْبَحْثُ إذَا أُرِيدَ بِهِ الْمُجَادَلَةُ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ التَّفَحُّصُ عَنْ حَقِيقَةِ الْحَالِ ثُمَّ الْعَمَلُ بِمُوجَبِهَا

стр. 178

الْعَذَابِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ قَوْلِهِ ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا﴾ [الكهف: ٢٩] مُمْتَنِعٌ عَقْلًا وَفِي قَوْلِهِ طَلِّقْ امْرَأَتِي إنْ كُنْتَ رَجُلًا الْحَقِيقَةُ مُمْتَنِعَةٌ عُرْفًا وَفِي قَوْلِهِ ﵇ «الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» الْحَقِيقَةُ غَيْرُ مُرَادَةٍ عَقْلًا وَفِي لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ النَّخْلَةِ أَوْ الدَّقِيقِ حِسًّا وَفِي لَا يَشْرَبُ مِنْ هَذِهِ الْبِئْرِ حِسًّا وَعُرْفًا وَفِي لَا يَضَعُ قَدَمَهُ عُرْفًا وَفِي الْأَسْمَاءِ الْمَنْقُولَةِ إمَّا عُرْفًا عَامًّا أَوْ خَاصًّا أَوْ شَرْعًا وَفِي التَّوْكِيلِ بِالْخُصُومَةِ شَرْعًا فَإِنْ قِيلَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيَّ مُمْتَنِعٌ فِي قَوْلِهِ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ النَّخْلَةِ حِسًّا لِأَنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ عَدَمُ أَكْلِهَا وَهُوَ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ حِسًّا بَلْ أَكْلُهَا كَذَلِكَ، قُلْنَا الْيَمِينُ إذَا دَخَلَتْ عَلَى النَّفْيِ كَانَتْ لِلْمَنْعِ فَوَجَبَ الْيَمِينُ أَنْ يَصِيرَ مَمْنُوعًا بِالْيَمِينِ وَمَا لَا يَكُونُ مَأْكُولًا حِسًّا أَوْ عَادَةً لَا يَكُونُ مَمْنُوعًا بِالْيَمِينِ ثُمَّ عُطِفَ أَوَّلُ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْمَجَازِ مِنْ قَرِينَةٍ قَوْلُهُ (فَأَمَّا إذَا كَانَتْ الْحَقِيقَةُ مُسْتَعْمَلَةً وَالْمَجَازُ مُتَعَارَفًا فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ أَوْلَى لِأَنَّ الْأَصْلَ لَا يُتْرَكُ إلَّا لِضَرُورَةٍ وَعِنْدَهُمَا الْمَعْنَى الْمَجَازِيُّ أَوْلَى وَنَظِيرُهُ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ الْحِنْطَةِ يُصْرَفُ إلَى الْقَضْمِ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا إلَى أَكْلِ مَا فِيهَا) (مَسْأَلَةٌ وَقَدْ يَتَعَذَّرُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ وَالْمَجَازِيُّ مَعًا كَقَوْلِهِ لِامْرَأَتِهِ وَهِيَ أَكْبَرُ مِنْهُ سِنًّا أَوْ مَعْرُوفَةُ النَّسَبِ هَذِهِ بِنْتِي أَمَّا الْحَقِيقَةُ) أَيْ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ (وَهُوَ النَّسَبُ فِي الْفَصْلِ ــ [التلويح] فَهُوَ عَيْنُ الْجَوَابِ، وَالْخُصُومَةُ لَمْ تُجْعَلْ مَجَازًا عَنْ الْإِقْرَارِ الَّذِي هُوَ ضِدُّهَا بَلْ عَمَّا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْقَرِينَةُ كَمَا هُوَ الْوَاجِبُ (قَوْلُهُ فَأَمَّا إذَا كَانَتْ) عَطْفُ هَذَا الْبَحْثِ عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ اشْتِرَاطِ الْقَرِينَةِ فِي الْمَجَازِ لِيَتَبَيَّنَ أَنَّ تَعَارُفَ الْمَجَازِ هَلْ يَكُونُ قَرِينَةً مَانِعَةً عَنْ إرَادَةِ حَقِيقَةٍ عِنْدَ إطْلَاقِ اللَّفْظِ أَمْ لَا فَتَقُولُ إنَّ الْحَقِيقَةَ إذَا كَانَتْ مَهْجُورَةً فَالْعَمَلُ بِالْمَجَازِ اتِّفَاقًا، وَإِلَّا فَإِنْ لَمْ يَصِرْ الْمَجَازُ مُتَعَارَفًا أَيْ غَالِبًا فِي التَّعَامُلِ عِنْدَ بَعْضِ الْمَشَايِخِ، وَفِي التَّفَاهُمِ عِنْدَ الْبَعْضِ فَالْعَمَلُ بِالْحَقِيقَةِ اتِّفَاقًا، وَإِنْ صَارَ مُتَعَارَفًا فَعِنْدَهُ الْعِبْرَةُ بِالْحَقِيقَةِ لِأَنَّ الْأَصْلَ لَا يُتْرَكُ إلَّا لِضَرُورَةٍ وَعِنْدَهُمَا الْعِبْرَةُ بِالْمَجَازِ لِأَنَّ الْمَرْجُوحَ فِي مُقَابَلَةِ الرَّاجِحِ سَاقِطٌ بِمَنْزِلَةِ الْمَهْجُورِ فَيُتْرَكُ ضَرُورَةً، وَجَوَابُهُ أَنَّ غَلَبَةَ اسْتِعْمَالِ الْمَجَازِ لَا تَجْعَلُ الْحَقِيقَةَ مَرْجُوحَةً لِأَنَّ الْعِلَّةَ لَا تَتَرَجَّحُ بِالزِّيَادَةِ مِنْ جِنْسِهَا فَيَكُونُ الِاسْتِعْمَالُ فِي حَدِّ التَّعَارُضِ، وَهَذَا مُشْعِرٌ بِتَرَجُّحِ الْمَجَازِ الْمُتَعَارَفِ عِنْدَهُمَا سَوَاءٌ كَانَ عَامًّا مُتَنَاوِلًا لِلْحَقِيقَةِ أَمْ لَا، وَفِي كَلَامِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَغَيْرِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا يَتَرَجَّحُ عِنْدَهُمَا إذَا تَنَاوَلَ الْحَقِيقَةَ بِعُمُومِهِ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ أَكْلِ الْحِنْطَةِ حَيْثُ قَالُوا إنَّ هَذَا الِاخْتِلَافَ مَبْنِيٌّ عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي جِهَةِ خَلْفِيَّةِ الْمَجَازِ فَعِنْدَهُمَا لَمَّا كَانَتْ الْخَلَفِيَّةُ فِي الْحُكْمِ كَانَ حُكْمُ الْمَجَازِ لِعُمُومِهِ حُكْمَ الْحَقِيقَةِ أَوْلَى وَعِنْدَهُ لَمَّا كَانَ فِي التَّكَلُّمِ كَانَ جَعْلُ الْكَلَامِ عَامِلًا فِي مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ أَوْلَى [مَسْأَلَةٌ قَدْ يَتَعَذَّرُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ وَالْمَجَازِيُّ مَعًا] (قَوْلُهُ أَوْ مَعْرُوفَةُ النَّسَبِ) قَيَّدَ الْأَصْغَرَ بِذَلِكَ لِأَنَّ تَعَذُّرَ الْحَقِيقَةِ فِيهَا أَظْهَرُ، وَإِلَّا فَفِي الْأَصْغَرِ الْمَجْهُولَةِ النَّسَبِ أَيْضًا لَا يَثْبُتُ لِلتَّحْرِيمِ إلَّا أَنَّهُ إذَا أَصَرَّ عَلَى ذَلِكَ

стр. 179

الْأَوَّلِ) أَيْ فِي الْأَكْبَرِ سِنًّا مِنْهُ (فَظَاهِرٌ وَفِي الثَّانِي فَلِأَنَّهَا) أَيْ الْحَقِيقَةَ وَالْمُرَادُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ (إمَّا أَنْ تَثْبُتَ مُطْلَقًا أَيْ فِي حَقِّهِ وَفِي حَقِّ مَنْ اشْتَهَرَ النَّسَبُ مِنْهُ) أَيْ تَكُونُ دَعْوَتُهُ مُعْتَبَرَةً فِي حَقِّهِمَا يَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْهُ وَيَنْتَفِي مِمَّنْ اُشْتُهِرَ مِنْهُ (وَلَا يُمْكِنُ هَذَا) أَيْ ثُبُوتُ النَّسَبِ مِنْ الْمُدَّعِي وَانْتِفَاؤُهُ مِمَّنْ اُشْتُهِرَ مِنْهُ (لِأَنَّهُ يَثْبُتُ مِمَّنْ اُشْتُهِرَ مِنْهُ أَوْ فِي حَقِّ نَفْسِهِ فَقَطْ) أَيْ يَثْبُتُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ وَهُوَ النَّسَبُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ فَقَطْ بِأَنْ يَثْبُتَ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْتَفِيَ مِمَّنْ اُشْتُهِرَ مِنْهُ (وَذَا مُتَعَذِّرٌ) أَيْ الثُّبُوتُ فِي حَقِّ (نَفْسِهِ فَقَطْ) لِأَنَّ الشَّرْعَ يُكَذِّبُهُ لِاشْتِهَارِهِ مِنْ الْغَيْرِ (فَلَا يَكُونُ) أَيْ تَكْذِيبُ الشَّرْعِ الْمُدَّعِيَ (أَقَلَّ مِنْ تَكْذِيبِهِ نَفْسَهُ وَالنَّسَبُ مِمَّا يَحْتَمِلُ التَّكْذِيبَ وَالرُّجُوعَ بِخِلَافِ الْعِتْقِ) فِي أَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ التَّكْذِيبَ وَالرُّجُوعَ (وَأَمَّا الْمَجَازُ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ أَمَّا الْحَقِيقَةُ وَالْمُرَادُ أَنَّ الْمَعْنَى الْمَجَازِيَّ مُتَعَذِّرٌ (وَهُوَ التَّحْرِيمُ فَلِأَنَّ التَّحْرِيمَ الَّذِي يَثْبُتُ بِهَذَا) أَيْ بِلَفْظِ هَذِهِ بِنْتِي (مُنَافٍ لِمِلْكِ النِّكَاحِ فَلَا يَكُونُ حَقًّا مِنْ حُقُوقِهِ) بَيَانُهُ أَنَّهُ إنْ ثَبَتَ التَّحْرِيمُ بِهَذَا اللَّفْظِ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَثْبُتَ التَّحْرِيمُ الَّذِي يَقْتَضِي صِحَّةَ النِّكَاحِ السَّابِقِ أَوْ التَّحْرِيمُ الَّذِي لَا يَقْتَضِيهَا وَالثَّانِي مُنْتَفٍ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ لِأَجْنَبِيَّةٍ مَعْرُوفَةِ النَّسَبِ هَذِهِ بِنْتِي يَكُونُ لَغْوًا فَعُلِمَ أَنَّهُ إنْ ثَبَتَ التَّحْرِيمُ يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ الَّذِي يَقْتَضِي صِحَّةَ النِّكَاحِ السَّابِقِ وَيَكُونُ حَقًّا مِنْ حُقُوقِ النِّكَاحِ كَالطَّلَاقِ، وَذَلِكَ أَيْضًا مُحَالٌ لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يَدُلُّ عَلَى التَّحْرِيمِ الَّذِي يَقْتَضِي بُطْلَانَ النِّكَاحِ السَّابِقِ فَكَيْفَ يَثْبُتُ بِهِ التَّحْرِيمُ الَّذِي هُوَ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ النِّكَاحِ وَاعْلَمْ أَنَّ تَقْرِيرَ فَخْرِ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى هَذَا ــ [التلويح] فَرَّقَ بَيْنَهُمَا كَذَا فِي الْأَسْرَارِ وَالْمَبْسُوطِ. (قَوْلُهُ بِخِلَافِ الْعِتْقِ) كَانَ الْأَنْسَبُ ذِكْرَهُ عَقِيبَ بَيَانِ تَعَذُّرِ الْمَجَازِ أَيْضًا، وَالْحَاصِلُ أَنَّ مُوجِبَ الْبُنُوَّةِ بَعْدَ الثُّبُوتِ عِتْقٌ قَاطِعٌ لِلْمِلْكِ كَإِنْشَاءِ الْعِتْقِ، وَلِهَذَا يَقَعُ عَنْ الْكَفَّارَةِ، وَيَثْبُتُ بِهِ الْوَلَاءُ لَا عِتْقٌ مُنَافٍ لِلْمِلْكِ، وَلِهَذَا يَصِحُّ شِرَاءُ أُمِّهِ وَبِنْتِهِ فَإِثْبَاتُ الْعِتْقِ الْقَاطِعِ لِلْمِلْكِ مُتَصَوَّرٌ مِنْهُ، وَثَابِتٌ فِي وُسْعِهِ فَيُجْعَلُ هَذَا ابْنِي لِلْأَكْبَرِ سِنًّا مِنْهُ مَجَازًا عَنْ ذَلِكَ، وَأَمَّا التَّحْرِيمُ الثَّابِتُ بِهَذِهِ بِنْتِي أَعْنِي التَّحْرِيمَ الَّذِي هُوَ مِنْ لَوَازِمِ الْبِنْتِيَّةِ فَهُوَ مُنَافٍ لِمِلْكِ النِّكَاحِ فَالزَّوْجُ لَا يَمْلِكُ إثْبَاتَهُ إذْ لَيْسَ لَهُ تَبْدِيلُ مَحَلِّ الْحِلِّ، وَإِنَّمَا يَمْلِكُ التَّحْرِيمَ الْقَاطِعَ لِلْحِلِّ الثَّابِتِ بِالنِّكَاحِ، وَهُوَ لَيْسَ مِنْ لَوَازِمِ هَذَا الْكَلَامِ بَلْ مِنْ مُنَافِيَاتِهِ فَلَا تَصِحُّ اسْتِعَارَتُهُ لَهُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّحْرِيمَ الَّذِي هُوَ فِي وُسْعِهِ لَا يَصْلُحُ اللَّفْظُ لَهُ، وَاَلَّذِي يَصْلُحُ اللَّفْظُ لَهُ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ إثْبَاتُ التَّحْرِيمِ بِهَذَا اللَّفْظِ. فَإِنْ قِيلَ فَاللَّازِمُ لِقَوْلِنَا رَأَيْت أَسَدًا هُوَ شَجَاعَةُ السَّبُعِ فَكَيْفَ صَحَّ جَعْلُهُ مَجَازًا عَنْ الرَّجُلِ الشُّجَاعِ قُلْنَا الشَّجَاعَةُ فِيهِمَا مَعْنًى وَاحِدٌ فَصَحَّ لِلْمُتَكَلِّمِ الْإِخْبَارُ بِهَذَا الْكَلَامِ عَنْ رُؤْيَةِ مَنْ اتَّصَفَ بِهِ بِخِلَافِ التَّحْرِيمِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ (قَوْلُهُ وَاعْلَمْ أَنَّ) الِاسْتِدْرَاكَ الْمَذْكُورَ، إنَّمَا هُوَ عَلَى مَا أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ تَقْرِيرِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا عَلَى عِبَارَتِهِ فِي كِتَابِهِ الْمَشْهُورِ لِأَنَّهُ قَالَ

стр. 180

الْوَجْهِ أَنَّ الْحَقِيقَةَ إمَّا أَنْ تَثْبُتَ فِي حَقِّهِ وَحَقِّ مَنْ اُشْتُهِرَ مِنْهُ وَذَا غَيْرُ مُمْكِنٍ أَوْ فِي حَقِّ نَفْسِهِ فَقَطْ ثُمَّ هَذَا إمَّا أَنْ يَثْبُتَ فِي حَقِّ النَّسَبِ وَذَا مُتَعَذِّرٌ لِأَنَّ الشَّرْعَ يُكَذِّبُهُ أَوْ فِي حَقِّ التَّحْرِيمِ وَذَا لَا يُمْكِنُ أَيْضًا لِأَنَّ التَّحْرِيمَ الَّذِي يَثْبُتُ بِهَذَا مُنَافٍ لِمِلْكِ النِّكَاحِ كَمَا ذَكَرْنَا وَأَمَّا الْمَجَازُ وَهُوَ التَّحْرِيمُ فَلِتِلْكَ الْمُنَافَاةِ أَيْضًا، وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّحْرِيمِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّحْرِيمِ الْأَوَّلِ مَا ثَبَتَ بِدَلَالَةِ الِالْتِزَامِ فَإِنَّ ثُبُوتَ النَّسَبِ مُوجِبٌ لِلتَّحْرِيمِ، وَالْمُرَادُ بِالتَّحْرِيمِ الثَّانِي مَا ثَبَتَ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ فَإِنَّ لَفْظَ السَّقْفِ إذَا أُرِيدَ بِهِ الْمَوْضُوعُ لَهُ دَالٌّ عَلَى الْجِدَارِ بِطَرِيقِ الِالْتِزَامِ وَلَا يَكُونُ هَذَا مَجَازًا بَلْ إنَّمَا يَكُونُ مَجَازًا إذَا أُطْلِقَ السَّقْفُ وَأُرِيدَ بِهِ الْجِدَارُ فَأَقُولُ لَا حَاجَةَ إلَى قَوْلِهِ إمَّا أَنْ يَثْبُتَ فِي حَقِّ النَّسَبِ أَوْ فِي حَقِّ التَّحْرِيمِ لِأَنَّ الْمَوْضُوعَ لَهُ ثُبُوتُ النَّسَبِ فَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ النَّسَبُ لَا يُمْكِنُ ثُبُوتُ التَّحْرِيمِ بِطَرِيقِ الِالْتِزَامِ لِعَدَمِ ثُبُوتِ الْأَصْلِ فَهَذَا التَّرْدِيدُ يَكُونُ قَبِيحًا فَالدَّلِيلُ النَّافِي لِهَذَا التَّحْرِيمِ الْمَدْلُولِ الْتِزَامًا لَيْسَ كَوْنَهُ مُنَافِيًا لِمِلْكِ النِّكَاحِ بَلْ الدَّلِيلُ النَّافِي هُوَ عَدَمُ ثُبُوتِ الْمَوْضُوعِ لَهُ فَعُلِمَ أَنَّ ثُبُوتَ ــ [التلويح] وَفِي الْأَصْغَرِ سِنًّا مِنْهُ تَعَذَّرَ إثْبَاتُ الْحَقِيقَةِ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ مُسْتَحَقٌّ مِمَّنْ اُشْتُهِرَ نَسَبُهَا مِنْهُ، وَفِي حَقِّ الْمُقِرِّ مُتَعَذِّرٌ أَيْضًا فِي حُكْمِ التَّحْرِيمِ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ الثَّابِتَ بِهَذَا الْكَلَامِ لَوْ صَحَّ مَعْنَاهُ مُنَافٍ لِلْمِلْكِ فَلَمْ يَصْلُحْ حَقًّا مِنْ حُقُوقِ الْمِلْكِ، وَكَذَلِكَ الْعَمَلُ بِالْمَجَازِ، وَهُوَ التَّحْرِيمُ فِي الْفَصْلَيْنِ مُتَعَذِّرٌ لِهَذَا الْعُذْرِ الَّذِي أَبْلَيْنَاهُ أَيْ بَيَّنَّاهُ يَعْنِي أَنَّ الْحَقِيقَةَ فِي الْمَعْرُوفَةِ النَّسَبِ إمَّا أَنْ تُجْعَلَ ثَابِتَةً مُطْلَقًا أَيْ بِالنِّسْبَةِ إلَى جَمِيعِ النَّاسِ لِيَثْبُتَ النَّسَبُ مِنْ الْمُقِرِّ، وَيَنْتَفِيَ مِنْ غَيْرِهِ، وَهُوَ بَاطِلٌ لِأَنَّ النَّسَبَ مُشْتَهَرٌ مِنْ الْغَيْرِ، وَلَا تَأْثِيرَ لِإِقْرَارِهِ فِي إبْطَالِ حَقِّ الْغَيْرِ، وَإِمَّا أَنْ تُجْعَلَ ثَابِتَةً بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُقِرِّ وَحْدَهُ لِيَظْهَرَ الْأَثَرُ فِي حَقِّ التَّحْرِيمِ لِكَوْنِهِ لَازِمًا لِلْمَدْلُولِ الْحَقِيقِيِّ، وَهُوَ بَاطِلٌ أَيْضًا لِأَنَّهُ لَا صِحَّةَ لِمَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ، وَلَا ثُبُوتَ لِمُوجَبِهِ بِنَاءً عَلَى اشْتِهَارِ النَّسَبِ فَلَا يَثْبُتُ مَدْلُولُهُ الْحَقِيقِيُّ لِيَثْبُتَ اللَّازِمُ بِتَبَعِيَّتِهِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ مَعْنَى الْكَلَامِ، وَثُبُوتِ مُوجَبِهِ فَالتَّحْرِيمُ اللَّازِمُ لَهُ مُنَافٍ لِمِلْكِ النِّكَاحِ فَيَتَعَذَّرُ إثْبَاتُهُ مِنْ الزَّوْجِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ الثَّابِتَ بِهَذَا الْكَلَامِ لَوْ صَحَّ مَعْنَاهُ مُنَافٍ لِلْمِلْكِ فَلَيْسَ فِي بَيَانِ تَعَذُّرِ الْحَقِيقَةِ فِي حَقِّ الْمُقِرِّ مَا أَوْرَدَهُ فَقَطْ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ التَّرْدِيدِ الْقَبِيحِ، وَأَيْضًا لَمْ يَجْعَلْ دَلِيلَ تَعَذُّرِ التَّحْرِيمِ بِطَرِيقِ الِالْتِزَامِ، وَهُوَ مُنَافَاتُهُ لِلْمِلْكِ ابْتِدَاءً بَلْ أَشَارَ إلَى أَنَّ دَلِيلَ تَعَذُّرِهِ عَدَمُ ثُبُوتِ الْمَدْلُولِ الْحَقِيقِيِّ، وَعَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ لَا يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ أَيْضًا لِلْمُنَافَاةِ فَبَيَّنَ تَعَذُّرَ التَّحْرِيمِ بِطَرِيقِ الِالْتِزَامِ عَلَى أَبْلَغِ وَجْهٍ، وَأَوْكَدِهِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ لِلْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ذَلِكَ لِأَنَّهُ ذَهِلَ عَنْ قَوْلِهِ لَوْ صَحَّ مَعْنَاهُ، وَخَرَجَ مِنْ قَوْلِهِ، وَفِي حَقِّ الْمُقِرِّ مُتَعَذِّرٌ أَيْضًا فِي حُكْمِ التَّحْرِيمِ قِسْمٌ آخَرُ مُقَابِلٌ لِحُكْمِ التَّحْرِيمِ، وَقَدْ سَكَتَ عَنْهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - احْتِرَازًا عَنْ
следующие страницы →