Полный текст (833 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
أَبِي حَنِيفَةَ ﵀.
(إلَّا أَنْ يَتَّحِدَ الْمَجْلِسُ) فَالْأَقْسَامُ الْعَقْلِيَّةُ أَرْبَعَةٌ فَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولا﴾ [المزمل: ١٥] ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٦] أُعِيدَتْ النَّكِرَةُ مَعْرِفَةً، وَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٦] أُعِيدَتْ النَّكِرَةُ نَكِرَةً، وَالْمَعْرِفَةُ مَعْرِفَةً، وَنَظِيرُ الْمَعْرِفَةِ الَّتِي تُعَادُ نَكِرَةً غَيْرُ مَذْكُورٍ
ــ
[التلويح]
فَأَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: وَالْأَصَحُّ أَنَّ هَذَا تَأْكِيدٌ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ أَقَرَّ بِأَلْفٍ) يَعْنِي لَوْ أَدَارَ صَكًّا عَلَى الشُّهُودِ فَأَقَرَّ عِنْدَهُمْ مَرَّتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ بِأَلْفٍ فِي ذَلِكَ الصَّكِّ فَالْوَاجِبُ أَلْفٌ وَاحِدٌ اتِّفَاقًا لِأَنَّ الثَّانِيَ هُوَ الْأَوَّلُ لِكَوْنِهِ مُعْتَرَفًا بِالْمَالِ الثَّابِتِ فِي الصَّكِّ فَإِنْ لَمْ يُقَيِّدْ بِالصَّكِّ بَلْ أَقَرَّ بِحَضْرَةِ شَاهِدَيْنِ بِأَلْفٍ ثُمَّ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ بِحَضْرَةِ شَاهِدَيْنِ بِأَلْفٍ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ لِلسَّبَبِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ يَلْزَمُهُ أَلْفَانِ بِشَرْطِ مُغَايَرَةِ الشَّاهِدَيْنِ الْآخَرَيْنِ لِلْأَوَّلَيْنِ فِي رِوَايَةٍ، وَبِشَرْطِ عَدَمِ مُغَايَرَتِهِمَا لَهُمَا فِي رِوَايَةٍ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الثَّانِيَ غَيْرُ الْأَوَّلِ كَمَا إذَا كُتِبَ لِكُلِّ أَلْفٍ صَكًّا، وَأَشْهَدَ عَلَى كُلِّ صَكٍّ شَاهِدَيْنِ، وَعِنْدَهُمَا لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا أَلْفٌ وَاحِدٌ لِدَلَالَةِ الْعُرْفِ عَلَى أَنَّ تَكْرَارَ الْإِقْرَارِ لِتَأْكِيدِ الْحَقِّ بِالزِّيَادَةِ فِي الشُّهُودِ، وَإِنْ اتَّحَدَ الْمَجْلِسُ فَاللَّازِمُ أَلْفٌ وَاحِدٌ اتِّفَاقًا عَلَى تَخْرِيجِ الْكَرْخِيِّ لِأَنَّ لِلْمَجْلِسِ تَأْثِيرًا فِي جَمْعِ الْكَلِمَاتِ الْمُتَفَرِّقَةِ، وَجَعْلِهَا فِي حُكْمِ كَلَامٍ وَاحِدٍ، وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا كُلًّا مِنْ الْإِقْرَارَيْنِ بِكَوْنِهِ عِنْدَ شَاهِدَيْنِ لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِأَلْفٍ عِنْدَ شَاهِدٍ، وَبِأَلْفٍ عِنْدَ شَاهِدٍ آخَرَ أَوْ بِأَلْفٍ عِنْدَ شَاهِدَيْنِ، وَأَلْفٍ عِنْدَ الْقَاضِي فَاللَّازِمُ أَلْفٌ، وَاحِدٌ اتِّفَاقًا كَذَا فِي الْمُحِيطِ بَقِيَ صُورَتَانِ إحْدَاهُمَا أَنْ يُقِرَّ عِنْدَ شَاهِدَيْنِ بِأَلْفٍ مُنَكَّرٍ ثُمَّ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ عِنْدَ شَاهِدَيْنِ بِأَلْفٍ مُقَيَّدٍ بِمَا فِي هَذَا الصَّكِّ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْوَاجِبُ أَلْفًا اتِّفَاقًا لِأَنَّ النَّكِرَةَ أُعِيدَتْ مَعْرِفَةً، وَالْأُخْرَى أَنْ يُقِرَّ بِأَلْفٍ مُقَيَّدٍ بِالصَّكِّ عِنْدَ شَاهِدَيْنِ ثُمَّ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ بِأَلْفٍ مُنَكَّرٍ عِنْدَ شَاهِدَيْنِ، وَتَخْرِيجُ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِيهَا أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ اللَّازِمُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَلْفَيْنِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا مَعْرِفَةٌ أُعِيدَتْ نَكِرَةً فَيَكُونُ الثَّانِي مُغَايِرًا لِلْأَوَّلِ
[مِنْ أَلْفَاظِ الْعَامِّ نَكِرَةٌ تَعُمُّ بِالصِّفَةِ]
(قَوْلُهُ: وَمِنْهَا أَيْ، وَهِيَ نَكِرَةٌ تَعُمُّ بِالصِّفَةِ) يُرِيدُ أَنَّهَا بِاعْتِبَارِ أَصْلِ الْوَضْعِ لِلْخُصُوصِ، وَالْقَصْدُ إلَى الْفَرْدِ كَسَائِرِ النَّكِرَاتِ، وَإِنَّمَا تَعُمُّ بِعُمُومِ الصِّفَةِ كَمَا سَبَقَ فِي لَا يُكَلِّمُ إلَّا رَجُلًا عَالِمًا، وَتَنْكِيرُهَا حَالَ الْإِضَافَةِ إلَى النَّكِرَةِ ظَاهِرٌ.
وَأَمَّا عِنْدَ الْإِضَافَةِ إلَى الْمَعْرِفَةِ فَمَعْنَاهُ أَنَّهَا لِوَاحِدٍ مُبْهَمٍ يَصْلُحُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْآحَادِ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ، وَإِنْ كَانَتْ مَعْرِفَةً بِحَسَبِ اللَّفْظِ، وَالْمُرَادُ بِوَصْفِهَا الْوَصْفُ الْمَعْنَوِيُّ لَا النَّعْتُ النَّحْوِيُّ لِأَنَّ الْجُمْلَةَ بَعْدَهَا قَدْ تَكُونُ خَبَرًا أَوْ صِلَةً أَوْ شَرْطًا، وَقَدْ صَرَّحُوا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا﴾ [هود: ٧] أَنَّهَا نَكِرَةٌ وُصِفَتْ بِحُسْنِ الْعَمَلِ، وَهُوَ عَامٌّ فَعَمَّتْ بِذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ لَا خَفَاءَ فِي أَنَّهَا مُبْتَدَأٌ، وَأَحْسَنُ عَمَلًا
стр. 107
وَهُوَ مَا إذَا أَقَرَّ بِأَلْفٍ مُقَيَّدٍ بِصَكٍّ ثُمَّ أَقَرَّ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ بِأَلْفٍ مُنَكَّرٍ لَا رِوَايَةَ لِهَذَا، وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ أَلْفَانِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
(وَمِنْهَا أَيْ، وَهِيَ نَكِرَةٌ تَعُمُّ بِالصِّفَةِ فَإِنْ قَالَ أَيُّ عَبِيدِي ضَرَبَك فَهُوَ حُرٌّ فَضَرَبُوهُ عَتَقُوا، وَإِنْ قَالَ أَيُّ عَبِيدِي ضَرَبْته لَا يَعْتِقُ إلَّا وَاحِدٌ قَالُوا لِأَنَّ فِي الْأَوَّلِ، وَصَفَهُ بِالضَّرْبِ فَصَارَ عَامًّا بِهِ، وَفِي الثَّانِي قَطَعَ الْوَصْفَ عَنْهُ، وَهَذَا الْفَرْقُ مُشْكِلٌ مِنْ جِهَةِ النَّحْوِ لِأَنَّ فِي الْأَوَّلِ، وَصَفَهُ بِالضَّارِبِيَّةِ، وَفِي الثَّانِي بِالضَّرُوبِيَّةِ، وَهُنَا فَرْقٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ أَيًّا لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا الْوَاحِدَ الْمُنَكَّرَ فَفِي الْأَوَّلِ) فِي قَوْلِهِ أَيُّ عَبِيدِي ضَرَبَك فَهُوَ حُرٌّ.
(لَمَا كَانَ عَتَقَهُ) أَيْ عَتَقَ الْوَاحِدَ الْمُنَكَّرَ.
(مُعَلَّقًا بِضَرْبِهِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ
ــ
[التلويح]
خَبَرُهُ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ عُمُومَهَا بِحَسَبِ الْوَضْعِ لِلْفَرْقِ الظَّاهِرِ بَيْنَ أَعْتِقُ عَبْدًا مِنْ عَبِيدِي دَخَلَ الدَّارَ، وَأَعْتِقُ عَبِيدِي دَخَلَ الدَّارَ، وَالِاسْتِدْلَالُ عَلَى خُصُوصِهَا بِعَوْدِ الضَّمِيرِ الْمُفْرَدِ إلَيْهِ مِثْلُ أَيُّ الرَّجُلِ أَتَاكَ وَبِصِحَّةِ الْجَوَابِ بِالْوَاحِدِ مِثْلُ زَيْدٍ أَوْ عُمَرَ وَضُعِّفَ لِجَرَيَانِ ذَلِكَ فِي كَثِيرٍ مِنْ كَلِمَاتِ الْعُمُومِ مِثْلُ مَنْ، وَمَا، وَغَيْرِهِمَا.
(قَوْلُهُ فَإِنْ قَالَ أَيُّ عَبِيدِي ضَرَبَك فَهُوَ حُرٌّ فَضَرَبُوهُ) جَمِيعًا مَعًا أَوْ عَلَى التَّرْتِيبِ عَتَقُوا جَمِيعًا، وَإِنْ قَالَ أَيُّ عَبِيدِي ضَرَبْته فَهُوَ حُرٌّ فَضَرَبَهُمْ جَمِيعًا لَا يُعْتَقُ إلَّا وَاحِدٌ مِنْهُمْ، وَهُوَ الْأَوَّلُ إنْ ضَرَبَهُمْ عَلَى التَّرْتِيبِ لِعَدَمِ الْمُزَاحِمِ، وَإِلَّا فَالْخِيَارُ إلَى الْمَوْلَى لِأَنَّ نُزُولَ الْعِتْقِ مِنْ جِهَتِهِ، وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّهُ وَصَفَ فِي الْأَوَّلِ بِالضَّرْبِ، وَهُوَ عَامٌّ، وَفِي الثَّانِي قَطْعٌ عَنْ الْوَصْفِ لِأَنَّ الضَّرْبَ إنَّمَا أُضِيفَ إلَى الْمُخَاطَبِ لَا إلَى النَّكِرَةِ الَّتِي تَنَاوَلَهَا أَيْ، وَإِنَّمَا لَمْ يُعْتَقُوا جَمِيعًا، وَلَا وَاحِدٌ مِنْهُمْ فِيمَا إذَا قَالَ أَيُّكُمْ حَمَلَ هَذِهِ الْخَشَبَةَ فَهُوَ حُرٌّ، وَالْخَشَبَةُ مِمَّا يُطِيقُ حَمْلَهَا وَاحِدٌ فَحَمَلُوهَا مَعًا لِأَنَّ الشَّرْطَ هُوَ حَمْلُ الْخَشَبَةِ بِكَمَالِهَا وَلَمْ يَحْمِلْهَا وَاحِدٌ مِنْهُمْ حَتَّى لَوْ حَمَلُوهَا عَلَى التَّعَاقُبِ يُعْتَقُ الْكُلُّ وَأَمَّا إذَا كَانَتْ الْخَشَبَةُ مِمَّا لَا يُطِيقُ حَمْلَهَا وَاحِدٌ فَحَمَلُوهَا مَعًا عَتَقُوا جَمِيعًا لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا صَيْرُورَةُ الْخَشَبَةِ مَحْمُولَةً إلَى مَوْضِعِ حَاجَتِهِ، وَهَذَا يَحْصُلُ بِمُطْلَقِ فِعْلِ الْحَمْلِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَقَدْ حَصَلَ بِخِلَافِ الصُّورَةِ الْأُولَى فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مَعْرِفَةُ جَلَادَتِهِمْ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَحْصُلُ بِحَمْلِ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ تَمَامَ الْخَشَبَةِ لَا بِمُطْلَقِ الْحَمْلِ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَقَ الْكُلُّ إذَا حَمَلُوهَا عَلَى التَّعَاقُبِ كَمَا فِي أَيُّ ضَرَبَك.
(قَوْلُهُ: وَهَذَا الْفَرْقُ مُشْكِلٌ مِنْ جِهَةِ النَّحْوِ) لِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالْوَصْفِ النَّعْتُ النَّحْوِيُّ فَلَا نَعْتَ فِي شَيْءٍ مِنْ الصُّورَتَيْنِ إذْ الْجُمْلَةُ صِلَةٌ أَوْ شَرْطٌ لِأَنَّ أَيًّا هُنَا مَوْصُولَةٌ، وَشَرْطِيَّةٌ بِاتِّفَاقِ النُّحَاةِ، وَإِنْ أُرِيدَ الْوَصْفُ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى فَهِيَ مَوْصُوفَةٌ فِي الصُّورَتَيْنِ لِأَنَّهَا كَمَا وُصِفَتْ فِي الْأُولَى بِالضَّارِبِيَّةِ لِلْمُخَاطِبِ وُصِفَتْ فِي الثَّانِيَةِ بالمضروبية لَهُ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْأَوَّلَ وَصْفٌ، وَالثَّانِيَ قَطْعٌ عَنْ الْوَصْفِ تَحَكُّمٌ أَلَا يُرَى أَنَّ يَوْمًا فِيمَا إذَا قَالَ، وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُكُمَا إلَّا يَوْمًا أَقْرَبُكُمَا فِيهِ عَامٌّ بِعُمُومِ الْوَصْفِ مَعَ أَنَّهُ مُسْنَدٌ إلَى ضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ، وَأَجَابَ صَاحِبُ الْكَشْفِ بِأَنَّ الضَّرْبَ قَائِمٌ بِالضَّارِبِ فَلَا يَكُونُ بِالْمَضْرُوبِ لِامْتِنَاعِ قِيَامِ الْوَصْفِ الْوَاحِدِ بِشَخْصَيْنِ بِخِلَافِ الزَّمَانِ فَإِنَّ الْفِعْلَ مُتَّصِلٌ بِهِ حَقِيقَةً، وَيَجُوزُ أَنْ يَصِيرَ الْيَوْمُ
стр. 108
عَنْ الْغَيْرِ) فَيُعْتَقُ كُلُّ وَاحِدٍ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ وَاحِدٌ مُفْرَدٌ فَحِينَئِذٍ لَا تَبْطُلُ الْوَحْدَةُ، وَلَوْ لَمْ يَثْبُتْ هَذَا أَيْ عِتْقُ كُلِّ وَاحِدٍ.
(وَلَيْسَ الْبَعْضُ أَوْلَى مِنْ الْبَعْضِ لَبَطَلَ) أَيْ الْكَلَامُ (بِالْكُلِّيَّةِ، وَفِي الثَّانِي، وَهُوَ قَوْلُهُ أَيْ عَبِيدِي ضَرَبْته يَثْبُتُ الْوَاحِدُ، وَيَتَخَيَّرُ فِيهِ الْفَاعِلُ) إذْ هُنَاكَ يُمْكِنُ التَّخْيِيرُ مِنْ الْفَاعِلِ الْمُخَاطَبِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ (نَحْوُ «أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» ) هَذَا نَظِيرُ الْأَوَّلِ فَإِنَّ طَهَارَتَهُ مُتَعَلِّقَةٌ بِدِبَاغَتِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُ فَاعِلٌ مُعَيَّنٌ يُمْكِنُ مِنْهُ التَّخْيِيرُ فَيَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ.
(وَنَحْوُ كُلِّ أَيُّ حِينَ تُرِيدُ) هَذَا نَظِيرُ الثَّانِي فَإِنَّ التَّخْيِيرَ مِنْ الْفَاعِلِ الْمُخَاطِبِ مُمْكِنٌ
ــ
[التلويح]
عَامًّا بِهِ، وَأَيْضًا الْمَفْعُولُ بِهِ فَضِلَةٌ يَثْبُتُ ضَرُورَةً فَيُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا فَلَا يَظْهَرُ أَثَرُهُ فِي التَّعْمِيمِ بِخِلَافِ الْمَفْعُولِ فِيهِ فَإِنَّهُ صُرِّحَ بِهِ، وَقَصَدَ وَصْفَهُ بِصِفَةٍ عَامَّةٍ مَعَ مَا بَيْنَ الْفِعْلِ وَالزَّمَانِ مِنْ التَّلَازُمِ، وَفِيهِ نَظَرٌ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ الضَّرْبَ صِفَةٌ إضَافِيَّةٌ لَهَا تَعَلُّقٌ بِالْفَاعِلِ، وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ هُوَ وَصْفٌ لَهُ، وَتَعَلُّقٌ بِالْمَفْعُولِ بِهِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ هُوَ وَوَصْفٌ لَهُ، وَلَا امْتِنَاعَ فِي قِيَامِ الْإِضَافِيَّاتِ الْمُضَافَيْنِ.
وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ الْفِعْلَ الْمُتَعَدِّيَ يَحْتَاجُ إلَى الْمَفْعُولِ بِهِ فِي التَّعَقُّلِ، وَالْوُجُودِ جَمِيعًا، وَإِلَى الْمَفْعُولِ فِيهِ فِي الْوُجُودِ فَقَطْ فَاتِّصَالُهُ الْأَوَّلُ أَشَدُّ، وَأَثَرُ الْمَفْعُولِ بِهِ هَاهُنَا إنَّمَا هُوَ فِي رَبْطِ الصِّفَةِ بِالْمَوْصُوفِ لَا فِي التَّعْمِيمِ، وَكَوْنُهُ ضَرُورِيًّا لَا يُنَافِي الرَّبْطَ، وَلَوْ سُلِّمَ فَالْفَاعِلُ أَيْضًا ضَرُورِيٌّ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَظْهَرَ أَثَرُهُ فِي التَّعْمِيمِ، وَكَوْنُهُ غَيْرَ فَضْلَةٍ لَا يُنَافِي الضَّرُورَةَ بَلْ يُؤَكِّدُهَا.
(قَوْلُهُ: وَهُنَا فَرْقٌ آخَرُ) تَفَرَّدَ بِهِ الْمُصَنِّفُ حَاصِلُهُ أَنَّ أَيًّا لِوَاحِدٍ مُنْكَرٍ فَفِي الصُّورَةِ الْأُولَى إنْ لَمْ يُعْتَقْ وَاحِدٌ يَلْزَمُ بُطْلَانُ الْكَلَامِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَإِنْ عَتَقَ وَاحِدٌ دُونَ وَاحِدٍ يَلْزَمُ التَّرْجِيحُ بِلَا مُرَجِّحٍ إذْ لَا أَوْلَوِيَّةَ لِلْبَعْضِ فَتَعَيَّنَ عِتْقُ الْكُلِّ، وَمَعْنَى الْوِحْدَةِ بَاقٍ مِنْ جِهَةِ أَنَّ عِتْقَ كُلِّ وَاحِدٍ مُعَلَّقٌ بِضَرْبِهِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْغَيْرِ فَهُوَ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ وَاحِدٌ مُنْفَرِدٌ عَنْ الْغَيْرِ، وَفِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ يَتَعَيَّنُ الْوَاحِدُ بِاخْتِيَارِ الْمُخَاطَبِ ضَرْبَهُ لِأَنَّ الْكَلَامَ لِتَخْيِيرِ الْمُخَاطَبِ فِي تَعْيِينِهِ فَتَحْصُلُ الْأَوْلَوِيَّةُ، وَيَثْبُتُ الْوَاحِدُ مِنْ غَيْرِ عُمُومٍ، وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِتَخْيِيرِ الْفَاعِلِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى لِأَنَّهُ إنَّمَا يَعْقِلُ فِي مُتَعَدِّدٍ، وَلَا تَعَدُّدَ فِي الْمَفْعُولِ، وَهَذَا الْفَرْقُ أَيْضًا مُشْكِلٌ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ الصُّورَةَ الثَّانِيَةَ قَدْ تَكُونُ بِحَيْثُ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهَا التَّخْيِيرُ مِثْلُ أَيُّ عَبِيدِي، وَطِئَتْهُ دَابَّتُك أَوْ عَضَّهُ كَلْبُك فَهُوَ حُرٌّ.
وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا إذَا لَمْ يَقَعْ مِنْ الْمُخَاطَبِ اخْتِيَارُ الْبَعْضِ بَلْ ضَرَبَ الْجَمِيعَ مَعًا أَوْ عَلَى التَّرْتِيبِ فَحِينَئِذٍ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُعْتَقَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ لِعَدَمِ وُقُوعِ الشَّرْطِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْبَعْضِ أَوْ يُعْتَقُ كُلُّ وَاحِدٍ كَمَا ذُكِرَ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى بِعَيْنِهِ لِجَوَازِ أَنْ يُعْتَبَرَ كُلُّ وَاحِدٍ مُنْفَرِدًا بالمضروبية كَمَا فِي الضَّارِبِيَّةِ وَأَمَّا ثَالِثًا فَلِأَنَّا نُسَلِّمُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى عَدَمَ أَوْلَوِيَّةِ الْبَعْضِ مُطْلَقًا بَلْ إذَا ضَرَبُوهُ مَعًا، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ أَوْلَوِيَّةِ الْبَعْضِ عِتْقُ كُلِّ وَاحِدٍ لِجَوَازِ أَنْ يُعْتَقَ وَاحِدٌ مُبْهَمٌ، وَيَكُونُ
стр. 109
هُنَا فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ أَكْلِ كُلِّ وَاحِدٍ بَلْ أَكْلُ وَاحِدٍ لَكِنْ يَتَخَيَّرُ فِيهِ الْمُخَاطَبُ، وَمِثْلُ هَذَا الْكَلَامِ لِلتَّخْيِيرِ فِي الْعُرْفِ.
(وَمِنْهَا مَنْ، وَهُوَ يَقَعُ خَاصًّا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٤٢] ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٤٣] فَإِنَّ الْمُرَادَ بَعْضُ مَخْصُوصٍ مِنْ الْمُنَافِقِينَ.
(وَيَقَعُ عَامًّا فِي الْعُقَلَاءِ إذَا كَانَ لِلشَّرْطِ نَحْوُ «مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ» فَإِنْ قَالَ مَنْ شَاءَ مِنْ عَبِيدِي عِتْقَهُ فَهُوَ حُرٌّ فَشَاءُوا عَتَقُوا، وَفِيمَنْ شِئْت مِنْ عَبِيدِي عِتْقَهُ فَاعْتِقْهُ فَشَاءَ الْكُلَّ يُعْتَقُ الْكُلُّ عِنْدَهُمَا عَمَلًا بِكَلِمَةِ الْعُمُومِ، وَمَنْ لِلْبَيَانِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ يَعْتِقُهُمْ إلَّا وَاحِدًا) لِأَنَّ مَنْ
ــ
[التلويح]
الْخِيَارُ إلَى الْمَوْلَى كَمَا فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ، وَكَمَا إذَا قَالَ أَعْتَقْت وَاحِدًا مِنْ عَبِيدِي فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ لَوْ لَمْ يَثْبُت عِتْقُ كُلِّ وَاحِدٍ، وَلَيْسَ الْبَعْضُ أَوْلَى مِنْ الْبَعْضِ يَلْزَمُ بُطْلَانُ الْكَلَامِ بِالْكُلِّيَّةِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ لِإِعْتَاقِ كُلِّ وَاحِدٍ، وَيَكُونَ خِيَارُ التَّعْيِينِ إلَى الْمَوْلَى فَإِنْ قُلْت كَوْنُ أَيٍّ لِلْوَاحِدِ إنَّمَا يَصِحُّ فِي الْمُضَافِ إلَى الْمَعْرِفَةِ مِثْلُ أَيُّ الرِّجَالِ، وَأَيُّ الرَّجُلَيْنِ.
وَأَمَّا إذَا أُضِيفَ إلَى النَّكِرَةِ فَقَدْ يَكُونُ لِلِاثْنَيْنِ مِثْلُ أَيُّ رَجُلَيْنِ ضَرَبَاك أَوْ الْجَمْعِ مِثْلُ أَيُّ رِجَالٍ ضَرَبُوك قُلْت مُرَادُهُ الْمُضَافُ إلَى الْمَعْرِفَةِ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي أَيِّ عَبِيدِي ضَرَبَك أَوْ ضَرَبْته
[مِنْ أَلْفَاظِ الْعَامِّ مَنْ وَهُوَ يَقَعُ خَاصًّا وَيَقَعُ عَامًّا فِي الْعُقَلَاءِ إذَا كَانَ لِلشَّرْطِ]
(قَوْلُهُ: وَمِنْهَا مَنْ) ، وَتَكُونُ شَرْطِيَّةٌ، وَاسْتِفْهَامِيَّة، وَمَوْصُولَةٌ، وَمَوْصُوفَةٌ، وَالْأُولَيَانِ تَعُمَّانِ ذَوِي الْعُقُولِ لِأَنَّ مَعْنَى مَنْ جَاءَنِي فَلَهُ دِرْهَمٌ إنْ جَاءَنِي زَيْدٌ، وَإِنْ جَاءَنِي عَمْرٌو، وَهَكَذَا إلَى الْأَفْرَادِ، وَمَعْنَى مَنْ فِي الدَّارِ أَزَيْدٌ فِي الدَّارِ أَمْ عَمْرٌو إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَعَدَلَ فِي الصُّورَتَيْنِ إلَى لَفْظِ مَنْ قَطْعًا لِلتَّطْوِيلِ الْمُتَعَسِّرِ، وَالتَّفْصِيلِ الْمُتَعَذِّرِ.
وَأَمَّا الْأُخْرَيَانِ فَقَدْ يَكُونَانِ لِلْعُمُومِ، وَشُمُولِ ذَوِي الْعُقُولِ، وَقَدْ يَكُونَانِ لِلْخُصُوصِ، وَإِرَادَةِ الْبَعْضِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٤٢] ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٤٣] بِجَمْعِ الضَّمِيرِ، وَإِفْرَادِهِ نَظَرًا إلَى الْمَعْنَى، وَاللَّفْظِ فَإِنَّهُ، وَإِنْ كَانَ خَاصًّا لِلْبَعْضِ إلَّا أَنَّ الْبَعْضَ مُتَعَدِّدٌ لَا مَحَالَةَ فَجَمْعُ الضَّمِيرِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ إلَّا عِنْدَ مَا يَكْتَفِي فِي الْعُمُومِ بِانْتِظَامِ جَمْعٍ مِنْ الْمُسَمَّيَاتِ.
(قَوْلُهُ: يُعْتِقُهُمْ إلَّا وَاحِدًا) هُوَ آخِرُهُمْ إنْ وَقَعَ الْإِعْتَاقُ عَلَى التَّرْتِيبِ، وَإِلَّا فَالْخِيَارُ إلَى الْمَوْلَى، وَذَلِكَ لِأَنَّ اسْتِعْمَالَ مَنْ فِي التَّبْعِيضِ هُوَ الشَّائِعُ الْكَثِيرُ حَيْثُ يَكُونُ مَجْرُورُهَا ذَا أَبْعَاضٍ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ مَا لَمْ تُوجَدْ قَرِينَةٌ تُؤَكِّدُ الْعُمُومَ، وَتُرَجِّحُ الْبَيَانَ كَمَا فِي مَنْ شَاءَ مِنْ عَبِيدِي عِتْقَهُ فَهُوَ حُرٌّ بِقَرِينَةِ إضَافَةِ الْمَشِيئَةِ إلَى مَا هُوَ مِنْ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ [النور: ٦٢] ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥١] بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٢] وقَوْله تَعَالَى ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥١] فَإِنَّهَا تُرَجِّحُ الْعُمُومَ، وَكَوْنُ مَنْ لِلْبَيَانِ فَصَارَ الْفَرْقُ بَيْنَ مَنْ شَاءَ مِنْ عَبِيدِي، وَمَنْ شِئْت مِنْ عَبِيدِي أَنَّ فِي الْأَوَّلِ قَرِينَةً دَالَّةً عَلَى أَنَّ مَنْ لِلْبَيَانِ دُونَ التَّبْعِيضِ بِخِلَافِ الثَّانِي، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ الْعُمُومَ هَاهُنَا الْعُمُومُ الصِّفَةُ، وَالْمَشِيئَةُ صِفَةُ الْفَاعِلِ دُونَ
стр. 110
لِلتَّبْعِيضِ إذَا دَخَلَ عَلَى ذِي أَبْعَاضٍ.
(كَمَا فِي كُلْ مِنْ هَذَا الْخُبْزِ، وَلِأَنَّهُ مُتَيَقَّنٌ) أَيْ الْبَعْضُ مُتَيَقَّنٌ لِأَنَّ مَنْ إذَا كَانَ لِلتَّبْعِيضِ فَظَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ لِلْبَيَانِ فَالْبَعْضُ مُرَادٌ فَإِرَادَةُ الْبَعْضِ مُتَيَقَّنَةٌ، وَإِرَادَةُ الْكُلِّ مُحْتَمَلَةٌ.
(فَوَجَبَ رِعَايَةُ الْعُمُومِ، وَالتَّبْعِيضِ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى هَذَا مُرَاعًى لِأَنَّ عِتْقَ كُلِّ مُعَلَّقٍ بِمَشِيئَتِهِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ غَيْرِهِ فَكُلُّ وَاحِدٍ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ بَعْضٌ) أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ غَيْرِهِ بَعْضٌ مِنْ الْمَجْمُوعِ فَيُعْتَقُ كُلُّ وَاحِدٍ مَعَ رِعَايَةِ التَّبْعِيضِ بِخِلَافِ مَنْ شِئْت فَإِنَّ الْمُخَاطِبَ إنْ شَاءَ الْكُلَّ فَمَشِيئَةُ الْكُلِّ مُجْتَمِعَةٌ فِيهِ فَيَبْطُلُ التَّبْعِيضُ، وَهَذَا الْفَرْقُ، وَالْفَرْقُ الْأَخِيرُ فِي أَيٍّ مِمَّا تَفَرَّدْت بِهِ.
(وَمِنْهَا مَا فِي غَيْرِ الْعُقَلَاءِ، وَقَدْ يُسْتَعَارُ لِمَنْ فَإِنْ قَالَ: إنْ كَانَ مَا فِي بَطْنِك غُلَامًا فَأَنْتِ حُرَّةٌ فَوَلَدَتْ غُلَامًا، وَجَارِيَةً لَمْ تُعْتَقْ لِأَنَّ الْمُرَادَ الْكُلُّ، وَإِنْ قَالَ طَلِّقِي نَفْسَك مِنْ ثَلَاثٍ مَا شِئْت تُطَلِّقُ مَا دُونَهَا وَعِنْدَهُمَا ثَلَاثًا، وَقَدْ مَرَّ وَجْهُهُمَا) .
ــ
[التلويح]
الْمَفْعُولِ، وَلَوْ سُلِّمَ فَالْمَفْعُولُ " عِتْقَهُ " لَا كَلِمَةُ " مَنْ " وَضْعُهُ ظَاهِرٌ، وَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ آخَرُ تَفَرَّدَ بِهِ الْمُصَنِّفُ تَقْرِيرُهُ أَنَّ مَنْ يَحْتَمِلُ التَّبْعِيضَ، وَالْبَيَانَ، وَالتَّبْعِيضُ مُتَيَقَّنٌ ثَابِتٌ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ ضَرُورَةَ وُجُودِ الْبَعْضِ فِي ضِمْنِ الْكُلِّ، وَإِرَادَةُ الْكُلِّ مُحْتَمَلَةٌ فَيُجْعَلُ مَنْ عَلَى التَّبْعِيضِ أَخْذًا بِالْمُتَيَقَّنِ الْمَقْطُوعِ، وَتَرْكًا لِلْمُحْتَمَلِ الْمَشْكُوكِ فَفِي مَنْ شَاءَ مِنْ عَبِيدِي أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِعُمُومِ مَنْ، وَتَبْعِيضُ مَنْ بِأَنْ يُعْتِقَ كُلَّ وَاحِدٍ لِأَنَّهُ لَمَّا عَلَّقَ عِتْقَ كُلٍّ لِمَشِيئَتِهِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْغَيْرِ كَانَ كُلُّ مَنْ شَاءَ الْعِتْقَ بَعْضًا مِنْ الْعَبِيدِ بِخِلَافِ مَنْ شِئْت مِنْ عَبِيدِي فَإِنَّ الْمُخَاطَبَ لَوْ شَاءَ عِتْقَ الْكُلِّ سَقَطَ مَعْنَى التَّبْعِيضِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ عَلَى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِ الْمَشِيئَةِ بِالْكُلِّ دُفْعَةً لِأَنَّ مَنْ شَاءَ الْمُخَاطَبُ عِتْقَهُ لَيْسَ بَعْضَ الْعَبِيدِ بَلْ كُلُّهُمْ، وَأَمَّا عَلَى تَقْدِيرِ التَّرْتِيبِ فَفِيهِ إشْكَالٌ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ أَنَّهُ شَاءَ الْمُخَاطَبُ عِتْقَهُ حَالَ كَوْنِهِ بَعْضًا مِنْ الْعَبِيدِ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ تَعَلُّقَ الْمَشِيئَةِ بِكُلٍّ عَلَى الِانْفِرَادِ أَمْرٌ بَاطِلٌ لَا اطِّلَاعَ عَلَيْهِ، وَالظَّاهِرُ مِنْ إعْتَاقِ الْكُلِّ تَعَلُّقُ الْمَشِيئَةِ بِالْكُلِّ فَلَا بُدَّ مِنْ إخْرَاجِ الْبَعْضِ لِيَتَحَقَّقَ التَّبْعِيضُ، وَهَاهُنَا نَظَرٌ، وَهُوَ أَنَّ الْبَعْضِيَّةَ الَّتِي تَدُلُّ عَلَيْهَا مَنْ هِيَ الْبَعْضِيَّةُ الْمُجَرَّدَةُ النَّافِيَةُ لِلْكُلِّيَّةِ لَا الْبَعْضِيَّةُ الَّتِي هِيَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ فِي ضِمْنِ الْكُلِّ أَوْ بِدُونِهِ، وَحِينَئِذٍ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ التَّبْعِيضَ مُتَيَقَّنٌ، وَهُوَ ظَاهِرٌ
[مِنْ أَلْفَاظِ الْعَامِّ مَا فِي غَيْرِ الْعُقَلَاءِ]
(قَوْلُهُ: وَمِنْهَا مَا فِي غَيْرِ الْعُقَلَاءِ) هَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ يَعُمُّ الْعُقَلَاءَ، وَغَيْرَهُمْ فَإِنْ قِيلَ فَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] يَجِبُ قِرَاءَةُ جَمِيعِ مَا تَيَسَّرَ عَمَلًا بِالْعُمُومِ كَمَا فِي قَوْلِهِمْ إنْ كَانَ مَا فِي بَطْنِك غُلَامًا فَأَنْتِ حُرَّةٌ قُلْنَا بِنَاءُ الْأَمْرِ عَلَى التَّيَسُّرِ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مَا تَيَسَّرَ بِصِفَةِ الِانْفِرَادِ دُونَ الِاجْتِمَاعِ لِأَنَّهُ عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ يَنْقَلِبُ مُتَعَسِّرًا.
(قَوْلُهُ: وَقَدْ مَرَّ، وَجْهُهُمَا) أَمَّا، وَجْهُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى فَهُوَ أَنَّ مَا عَامٌّ، وَمَنْ لِلْبَيَانِ وَالثَّلَاثُ جَمِيعُ عَدَدِ الطَّلَاقِ الْمَشْرُوعِ.
وَأَمَّا وَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَهُوَ أَنَّ مَنْ لِلتَّبْعِيضِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ
стр. 111
(، وَمِنْهَا كُلُّ، وَجَمِيعُ، وَهُمَا مُحْكَمَانِ فِي عُمُومِ مَا دَخَلَا عَلَيْهِ بِخِلَافِ سَائِرِ أَدَوَاتِ الْعُمُومِ فَإِنْ دَخَلَ الْكُلُّ عَلَى النَّكِرَةِ فَلِعُمُومِ الْأَفْرَادِ، وَإِنْ دَخَلَ عَلَى الْمَعْرِفَةِ فَلِمَجْمُوعٍ قَالُوا عُمُومُهُ عَلَى سَبِيلِ الِانْفِرَادِ أَيْ يُرَادُ كُلُّ وَاحِدٍ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ غَيْرِهِ) ، وَهَذَا إذَا دَخَلَ عَلَى النَّكِرَةِ.
(فَإِنْ قَالَ كُلُّ مَنْ دَخَلَ هَذَا الْحِصْنَ أَوَّلًا فَلَهُ كَذَا فَدَخَلَ عَشَرَةٌ مَعًا يَسْتَحِقُّ كُلُّ وَاحِدٍ إذْ فِي كُلِّ فَرْدٍ قُطِعَ النَّظَرُ عَنْ غَيْرِهِ فَكُلُّ وَاحِدٍ أَوَّلٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُتَخَلِّفِ بِخِلَافِ مَنْ دَخَلَ، وَهَاهُنَا فَرْقٌ آخَرُ هُوَ أَنَّ مَنْ دَخَلَ أَوَّلًا عَامٌّ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ فَإِذَا أَضَافَ الْكُلَّ إلَيْهِ اقْتَضَى عُمُومًا آخَرَ لِئَلَّا يَلْغُوَ فَيَقْتَضِي الْعُمُومَ فِي الْأَوَّلِ فَيَتَعَدَّدُ الْأَوَّلُ) ، وَهَذَا الْفَرْقُ قَدْ تَفَرَّدَ بِهِ أَيْضًا، وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الْأَوَّلَ عِبَارَةٌ عَنْ الْفَرْدِ السَّابِقِ بِالنِّسْبَةِ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِمَّنْ هُوَ غَيْرُهُ فَفِي قَوْلِهِ مَنْ دَخَلَ هَذَا الْحِصْنَ أَوَّلًا يُمْكِنُ حَمْلُ الْأَوَّلِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى، وَهُوَ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيُّ أَمَّا فِي قَوْلِهِ كُلُّ مَنْ دَخَلَ أَوَّلًا فَلَفْظُ كُلٍّ دَخَلَ عَلَى قَوْلِهِ مَنْ دَخَلَ أَوَّلًا فَاقْتَضَى التَّعَدُّدَ فِي الْمُضَافِ إلَيْهِ، وَهُوَ مَنْ دَخَلَ أَوَّلًا فَلَا يُمْكِنُ حَمْلُ الْأَوَّلِ عَلَى مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ لِأَنَّ الْأَوَّلَ الْحَقِيقِيَّ لَا يَكُونُ مُتَعَدِّدًا فَيُرَادُ
ــ
[التلويح]
مَا شَاءَتْ بَعْضُ الثَّلَاثِ
[مِنْ أَلْفَاظِ الْعَامِّ كُلُّ وَجَمِيعُ]
(قَوْلُهُ: وَهُمَا مُحْكَمَانِ) لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُمَا لَا يَقْبَلَانِ التَّخْصِيصَ أَصْلًا لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠١] ، وَقَوْلُهُ ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] مَخْصُوصٍ عَلَى مَا سَبَقَ بَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُمَا لَا يَقَعَانِ خَاصَّيْنِ بِأَنْ يُقَالَ كُلُّ رَجُلٍ أَوْ جَمِيعُ الرِّجَالِ، وَالْمُرَادُ وَاحِدٌ بِخِلَافِ سَائِرِ أَدَوَاتِ الْعُمُومِ عَلَى مَا سَبَقَ فِي الْمُعَرَّفِ بِاللَّامِ، وَمَنْ، وَمَا وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ أَنَّ كَلِمَةَ كُلٍّ تَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ نَحْوُ كَلِمَةِ مَنْ كَمَا إذَا قَالَ كُلُّ مَنْ دَخَلَ هَذَا الْحِصْنَ أَوَّلًا فَلَهُ كَذَا فَدَخَلُوا عَلَى التَّعَاقُبِ فَالنَّفَلُ لِلْأَوَّلِ خَاصَّةً لِاحْتِمَالِ الْخُصُوصِ فِي كَلِمَةِ كُلٍّ فَإِنَّ الْأَوَّلَ اسْمٌ لِفَرْدٍ سَابِقٍ، وَهَذَا الْوَصْفُ مُتَحَقِّقٌ فِيهِ دُونَ مَنْ دَخَلَ بَعْدَهُ، وَقَدْ جَعَلَ الْمُصَنِّفُ مِثْلَ ذَلِكَ مِنْ الْعُمُومِ الَّذِي يَكُونُ تَنَاوُلُهُ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ.
(قَوْلُهُ فَإِنْ دَخَلَ الْكُلُّ) يَعْنِي إذَا أُضِيفَ لَفْظُ كُلٍّ إلَى النَّكِرَةِ فَهُوَ لِعُمُومِ أَفْرَادِهَا، وَإِذَا أُضِيفَ إلَى الْمَعْرِفَةِ فَلِعُمُومِ أَجْزَائِهَا فَيَصِحُّ كُلُّ رَجُلٍ يُشْبِعُهُ هَذَا الرَّغِيفُ بِخِلَافِ كُلِّ الرِّجَالِ وَيَصِحُّ كُلُّ الرِّجَالِ يَحْمِلُ هَذَا الْحَجَرَ بِخِلَافِ كُلِّ رَجُلٍ.
(قَوْلُهُ: فَدَخَلَ عَشَرَةٌ مَعًا) إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ لَوْ دَخَلُوا مُتَعَاقِبِينَ فَالنَّفَلُ لِلْأَوَّلِ خَاصَّةً لِأَنَّ مَنْ دَخَلَ بَعْدَهُ لَيْسَ دَاخِلًا أَوَّلًا لِكَوْنِهِ مَسْبُوقًا بِالْغَيْرِ، وَمَعْنَى الْأَوَّلِ السَّابِقُ الْغَيْرُ الْمَسْبُوقِ.
(قَوْلُهُ: فَكُلٌّ) أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَشَرَةِ الدَّاخِلِينَ مَعًا أَوَّلٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُتَخَلِّفِ الَّذِي يَقْدِرُ دُخُولَهُ بَعْدَ فَتْحِ الْحِصْنِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الدَّاخِلَ أَوَّلًا يَجِبُ أَنْ تُعْتَبَرَ إضَافَتُهُ إلَى الدَّاخِلِ ثَانِيًا لَا إلَى مَنْ لَيْسَ بِدَاخِلٍ أَصْلًا.
(قَوْلُهُ بِخِلَافِ مَنْ دَخَلَ) أَيْ لَوْ قَالَ مَنْ دَخَلَ هَذَا الْحِصْنَ أَوَّلًا فَلَهُ أَلْفٌ فَدَخَلَهُ عَشَرَةٌ مَعًا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ، وَلَا لِوَاحِدٍ
стр. 112
مَعْنَاهُ الْمَجَازِيُّ، وَهُوَ السَّابِقُ بِالنِّسْبَةِ إلَّا الْمُتَخَلِّفَ.
(وَجَمِيعُ عُمُومِهِ عَلَى سَبِيلِ الِاجْتِمَاعِ فَإِنْ قَالَ جَمِيعُ مَنْ دَخَلَ هَذَا الْحِصْنَ أَوَّلًا فَلَهُ كَذَا فَدَخَلَ عَشَرَةٌ فَلَهُمْ نَفْلٌ وَاحِدٌ إنْ دَخَلُوا فُرَادَى يَسْتَحِقُّ الْأَوَّلُ فَيَصِيرُ جَمِيعُ مُسْتَعَارِ الْكُلِّ) كَذَا ذَكَرَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي أُصُولِهِ، وَيُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ، وَالْمَجَازِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنْ اتَّفَقَ الدُّخُولُ عَلَى سَبِيلِ الِاجْتِمَاعِ يُحْمَلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَإِنْ اتَّفَقَ فُرَادَى يُحْمَلُ عَلَى الْمَجَازِ لِأَنَّهُ فِي حَالِ التَّكَلُّمِ لَا بُدَّ أَنْ يُرَادَ أَحَدُهُمَا مُعَيَّنًا، وَإِرَادَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُعَيَّنًا تُنَافِي إرَادَةَ الْآخَرِ فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ، وَالْمَجَازِ فَأَقُولُ مَعْنَى قَوْلِهِ إنَّهُ مُسْتَعَارٌ لِكُلٍّ أَنَّ الْكُلَّ إلَّا فُرَادَى يَدُلُّ عَلَى أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا اسْتِحْقَاقُ الْأَوَّلِ النَّفَلَ سَوَاءٌ كَانَ الْأَوَّلُ وَاحِدًا أَوْ جَمْعًا، وَالثَّانِي أَنَّهُ إذَا كَانَ الْأَوَّلُ جَمْعًا يَسْتَحِقُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نَفْلًا تَامًّا فَهَاهُنَا يُرَادُ الْأَمْرُ الْأَوَّلُ حَتَّى يَسْتَحِقَّ الْأَوَّلُ النَّفَلَ سَوَاءٌ كَانَ وَاحِدًا أَوْ أَكْثَرَ، وَلَا يُرَادُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ، وَلَا الْأَمْرُ الثَّانِي حَتَّى لَوْ دَخَلَ
ــ
[التلويح]
مِنْهُمْ شَيْءٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ عُمُومٌ مِنْ عَلَى سَبِيلِ الِانْفِرَادِ بَلْ عُمُومُ الْجِنْسِ، وَهُنَا لَمْ يَتَحَقَّقْ أَحَدٌ دَخَلَ أَوَّلًا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ مَنْ اسْتِعَارَةً عَنْ الْكُلِّ أَوْ الْجَمِيعِ لِيَكُونَ لِكُلٍّ مِنْهُمْ أَوْ لِمَجْمُوعِهِمْ نَفْلٌ وَاحِدٌ لِأَنَّ عُمُومَ الْكُلِّ عَلَى سَبِيلِ الِانْفِرَادِ، وَعُمُومَ الْجَمِيعِ عَلَى سَبِيلِ الِاجْتِمَاعِ قَصْدُ، أَوْ عُمُومُ مَنْ إنَّمَا يَثْبُتُ ضَرُورَةَ إبْهَامِهِ كَالنَّكِرَةِ فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ فَلَا مُشَارَكَةَ تُصَحِّحُ الِاسْتِعَارَةَ.
(قَوْلُهُ: وَهَاهُنَا فَرْقٌ آخَرُ) حَاصِلُهُ أَنَّ الْأَوَّلَ هُوَ السَّابِقُ عَلَى جَمِيعِ مَا عَدَاهُ، وَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنَى لَا يَتَعَدَّدُ فَعِنْدَ إضَافَةِ الْكُلِّ إلَيْهِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَجَازًا لِلسَّابِقِ عَلَى الْغَيْرِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ جَمِيعُ مَا عَدَاهُ أَوْ بَعْضُهُ كَالْمُتَخَلِّفِ لِيَجْرِيَ فِيهِ التَّعَدُّدُ فَتَصِحُّ إضَافَةُ الْكُلِّ الْإِفْرَادِيِّ إلَيْهِ فَعَلَى هَذَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَنْ نَكِرَةً مَوْصُوفَةً إذْ لَوْ كَانَتْ مَوْصُولَةً، وَهِيَ مَعْرِفَةٌ لَكَانَ كُلٌّ لِشُمُولِ الْأَجْزَاءِ بِمَعْنَى كُلِّ الرِّجَالِ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ هَذَا الْحِصْنَ أَوَّلًا فَلَهُمْ كَذَا فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ لِلْمَجْمُوعِ نَفْلٌ وَاحِدٌ، وَفِي هَذَا الْفَرْقِ نَظَرٌ، وَهُوَ أَنَّهُ يَقْتَضِي فِي صُورَةِ الدُّخُولِ فُرَادَى أَنْ يَسْتَحِقَّ النَّفَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ غَيْرَ الْأَخِيرِ لِدُخُولِهِ تَحْتَ عُمُومِ هَذَا الْمَجَازِ أَعْنِي السَّابِقَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُتَخَلِّفِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِتَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّ النَّفَلَ لِلْأَوَّلِ خَاصَّةً، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ قَيْدَ عَدِّهِ الْمَسْبُوقِيَّةَ بِالْغَيْرِ مُرَادٌ فَلَا يَصْدُقُ إلَّا عَلَى الْأَوَّلِ خَاصَّةً، وَمِمَّا يَجِبُ التَّنَبُّهُ لَهُ أَنَّ أَوَّلًا هَاهُنَا ظَرْفٌ بِمَعْنَى قَبْلَ، وَلَيْسَ مِنْ أَوْصَافِ الدَّاخِلِينَ فَكَانَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِمْ الْأَوَّلُ اسْمٌ لِلْفَرْدِ السَّابِقِ أَنَّ الدَّاخِلَ أَوَّلًا مَثَلًا اسْمٌ لِذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ قَالَ جَمِيعُ مَنْ دَخَلَ هَذَا الْحِصْنَ أَوَّلًا) اعْلَمْ أَنَّ الْمَشْرُوطَ لَهُ النَّفَلُ فِي مَسَائِلِ تَقْيِيدِ دُخُولِ الْحِصْنِ بِقَيْدِ الْأَوَّلِيَّةِ إمَّا أَنْ يَكُونَ مَذْكُورًا بِمُجَرَّدِ لَفْظِ مَنْ أَوْ مَعَ إضَافَةِ الْكُلِّ أَوْ الْجَمِيعِ إلَيْهِ، وَعَلَى التَّقَادِيرِ الثَّلَاثِ إمَّا
стр. 113
جَمَاعَةٌ يَسْتَحِقُّ الْجَمِيعُ نَفْلًا وَاحِدًا أَوْ ذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لِلتَّحْرِيضِ، وَالْحَثِّ عَلَى دُخُولِ الْحِصْنِ أَوَّلًا فَيَجِبُ أَنْ يَسْتَحِقَّ السَّابِقُ النَّفَلَ سَوَاءٌ كَانَ مُنْفَرِدًا أَوْ مُجْتَمِعًا، وَلَا يُشْتَرَطُ الِاجْتِمَاعُ لِأَنَّهُ إذَا أَقْدَمَ الْأَوَّلُ عَلَى الدُّخُولِ فَتَخَلَّفَ غَيْرُهُ مِنْ الْمُسَابِقَةِ لَا يُوجِبُ حِرْمَانَ الْأَوَّلِ عَنْ اسْتِحْقَاقِ النَّفْلِ فَالْقَرِينَةُ دَالَّةٌ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ الِاجْتِمَاعِ فَلَا يُرَادُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ، وَأَيْضًا لَا دَلِيلَ عَلَى أَنَّهُ إذَا دَخَلَ جَمَاعَةٌ يَسْتَحِقُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْجَمَاعَةِ نَفْلًا تَامًّا بَلْ الْكَلَامُ دَالٌّ عَلَى أَنَّ لِلْمَجْمُوعِ نَفْلًا وَاحِدًا فَصَارَ الْكَلَامُ مَجَازًا عَنْ قَوْلِهِ إنَّ السَّابِقَ يَسْتَحِقُّ النَّفَلَ سَوَاءٌ كَانَ مُنْفَرِدًا أَوْ مُجْتَمِعًا فَإِنْ دَخَلَ مُنْفَرِدًا أَوْ مُجْتَمِعًا يَسْتَحِقُّ لِعُمُومِ الْمَجَازِ فَالِاسْتِحْقَاقُ
ــ
[التلويح]
أَنْ يَكُونَ الدَّاخِلُ أَوَّلًا وَاحِدًا أَوْ مُتَعَدِّدًا مَعًا أَوْ عَلَى سَبِيلِ التَّعَاقُبِ يَصِيرُ تِسْعَةً فَإِنْ كَانَ الدَّاخِلُ وَاحِدًا فَقَطْ فَلَهُ كَمَالُ النَّفْلِ فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثِ أَمَّا فِي مَنْ دَخَلَ، وَكُلُّ مَنْ دَخَلَ فَظَاهِرٌ.
وَأَمَّا فِي جَمِيعِ مَنْ دَخَلَ فَلِأَنَّ هَذَا التَّنْفِيلَ لِلتَّشْجِيعِ، وَإِظْهَارِ الْجَلَادَةِ فَلَمَّا اسْتَحَقَّهُ الْجَمَاعَةُ بِالدُّخُولِ أَوَّلًا قَالُوا حَدٌّ أَوْلَى لِأَنَّ الْجَلَادَةَ فِي ذَلِكَ أَقْوَى، وَإِنْ كَانَ الدَّاخِلُ مُتَعَدِّدًا فَإِنْ دَخَلُوا مَعًا فَلَا شَيْءَ لَهُمْ فِي صُورَةِ مَنْ دَخَلَ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ نَفْلٌ تَامٌّ فِي صُورَةِ كُلِّ مَنْ دَخَلَ، وَلِلْمَجْمُوعِ نَفْلٌ وَاحِدٌ فِي صُورَةِ جَمِيعِ مَنْ دَخَلَ لِأَنَّ لَفْظَ جَمِيعٍ لِلْإِحَاطَةِ عَلَى صِفَةِ الِاجْتِمَاعِ فَالْعَشَرَةُ كَشَخْصٍ وَاحِدٍ سَابِقٍ بِالدُّخُولِ عَلَى سَائِرِ النَّاسِ بِخِلَافِ كُلٍّ فَإِنَّ عُمُومَهُ عَلَى سَبِيلِ الِانْفِرَادِ كَمَا مَرَّ، وَإِنْ دَخَلُوا عَلَى سَبِيلِ التَّعَاقُبِ فَالنَّفَلُ لِلْأَوَّلِ مِنْهُمْ فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثِ أَمَّا فِي مَنْ، وَكُلٍّ فَظَاهِرٌ.
وَأَمَّا فِي الْجَمِيعِ فَلِأَنَّهُ يَجْعَلُ مُسْتَعَارَ الْكُلِّ لِقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى اسْتِحْقَاقِ الْوَاحِدِ، وَهُوَ أَنَّ الْجَلَادَةَ فِي دُخُولِهِ، وَحْدَهُ أَقْوَى فَهُوَ بِالنَّفْلِ أَحْرَى كَذَا ذَكَرَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ، وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ فِي ذَلِكَ جَمْعًا بَيْنَ الْحَقِيقَةِ، وَالْمَجَازِ لِأَنَّهُمْ لَوْ دَخَلُوا مَعًا اسْتَحَقُّوا النَّفَلَ عَمَلًا بِعُمُومِ الْجَمِيعِ، وَلَوْ دَخَلُوا فُرَادَى اسْتَحَقَّهُ الْأَوَّلُ مِنْهُمْ عَمَلًا بِمَجَازِهِ كَمَا إذَا لَمْ يَدْخُلْ إلَّا وَاحِدٌ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُمْ إنْ دَخَلُوا مَعًا يُحْمَلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَإِنْ دَخَلُوا فُرَادَى أَوْ دَخَلَ وَاحِدٌ فَقَطْ يُحْمَلُ عَلَى الْمَجَازِ، وَرَدَّهُ صَاحِبُ الْكَشْفِ وَالْمُصَنِّفُ بِأَنَّ امْتِنَاعَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ، وَالْمَجَازِ، إنَّمَا هُوَ بِالنَّظَرِ إلَى الْإِرَادَةِ دُونَ الْوُقُوعِ، وَهَاهُنَا قَدْ تَحَقَّقَ الْجَمْعُ فِي الْإِرَادَةِ لِيَصِحَّ الْحَمْلُ تَارَةً عَلَى حَقِيقَةِ الْجَمْعِ، وَأُخْرَى عَلَى مَجَازِهِ كَمَا يُقَالُ اُقْتُلْ أَسَدًا، وَيُرَادُ بِهِ سَبُعٌ أَوْ رَجُلٌ شُجَاعٌ حَتَّى يُعَدَّ مُمْتَثِلًا بِأَيِّهِمَا كَانَ إذْ لَوْ أُرِيدَ حَقِيقَةُ الْجَمْعِ لَمْ يَسْتَحِقَّ الْفَرْدُ، وَلَوْ أُرِيدَ مَجَازٌ، لَمْ يَسْتَحِقَّ الْجَمْعُ نَفْلًا وَاحِدًا بَلْ يَسْتَحِقُّ كُلُّ وَاحِدٍ نَفْلًا تَامًّا كَمَا إذَا صَرَّحَ بِلَفْظِ كُلٍّ فَلِدَفْعِ هَذَا الْإِشْكَالِ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ كَلَامًا حَاصِلُهُ أَنَّ الْجَمِيعَ هَاهُنَا لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ حَتَّى يَتَوَقَّفَ اسْتِحْقَاقُ النَّفْلِ عَلَى صِفَةِ الِاجْتِمَاعِ لِلْقَرِينَةِ
стр. 114
مُجْتَمِعًا لَيْسَ لِأَنَّهُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ بَلْ لِدُخُولِهِ تَحْتَ عُمُومِ الْمَجَازِ، وَهَذَا بَحْثٌ فِي غَايَةِ التَّدْقِيقِ.
(مَسْأَلَةٌ: حِكَايَةُ الْفِعْلِ) لَا تَعُمُّ لِأَنَّ الْفِعْلَ الْمَحْكِيَّ عَنْهُ، وَاقِعٌ عَلَى صِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ نَحْوُ «صَلَّى النَّبِيُّ ﵇ فِي الْكَعْبَةِ» فَيَكُونُ هَذَا فِي مَعْنَى الْمُشْتَرَكِ فَيُتَأَمَّلُ فَإِنْ تَرَجَّحَ بَعْضُ الْمَعْنَى بِالرَّأْيِ فَذَاكَ، وَإِنْ ثَبَتَ التَّسَاوِي فَالْحُكْمُ فِي الْبَعْضِ يَثْبُتُ بِفِعْلِهِ ﵇، وَفِي الْبَعْضِ الْآخَرِ بِالْقِيَاسِ قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَجُوزُ الْفَرْضُ فِي الْكَعْبَةِ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ اسْتِدْبَارُ بَعْضِ أَجْزَاءِ الْكَعْبَةِ، وَيُحْمَلُ فِعْلُهُ ﵇ عَلَى النَّفْلِ، وَنَحْنُ نَقُولُ لَمَّا ثَبَتَ جَوَازُ الْبَعْضِ بِفِعْلِهِ ﵇، وَالتَّسَاوِي بَيْنَ الْفَرْضِ، وَالنَّفَلِ فِي أَمْرِ الِاسْتِقْبَالِ حَالَةَ الِاخْتِيَارِ ثَابِتٌ فَيَثْبُتُ الْجَوَازُ فِي الْبَعْضِ الْآخَرِ قِيَاسًا.
(وَأَمَّا نَحْوُ «قَضَى بِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ» فَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، وَهُوَ عَامٌّ لِأَنَّهُ نَقَلَ الْحَدِيثَ بِالْمَعْنَى، وَلِأَنَّ الْجَارَ عَامٌّ) جَوَابُ إشْكَالٍ هُوَ أَنْ يُقَالَ حِكَايَةُ الْفِعْلِ لِمَا لَمْ تَعُمَّ فَمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵇ قَضَى بِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الشُّفْعَةِ لِلْجَارِ الَّذِي لَا يَكُونُ شَرِيكًا فَأَجَابَ بِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ بَابِ حِكَايَةِ الْفِعْلِ بَلْ هُوَ نَقْلُ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى فَهُوَ حِكَايَةٌ عَنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﵇ الشُّفْعَةُ ثَابِتَةٌ لِلْجَارِ، وَلَئِنْ سَلَّمْنَا
ــ
[التلويح]
الْمَانِعَةِ عَنْ ذَلِكَ، وَهِيَ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لِلتَّشْجِيعِ، وَالتَّحْرِيضِ عَلَى الدُّخُولِ أَوَّلًا عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَلَيْسَ أَيْضًا مُسْتَعَارُ الْمَعْنَى كُلُّ مَنْ دَخَلَ أَوَّلًا حَتَّى يَسْتَحِقَّ كُلُّ وَاحِدٍ كَمَالَ النَّفْلِ عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ لِعَدَمِ الْقَرِينَةِ عَلَى ذَلِكَ بَلْ هُوَ مَجَازٌ عَنْ السَّابِقِ فِي الدُّخُولِ وَاحِدًا كَانَ أَوْ جَمَاعَةً فَيَكُونُ لِلْجَمَاعَةِ نَفْلٌ وَاحِدٌ كَمَا لِلْوَاحِدِ عَمَلًا بِعُمُومِ الْمَجَازِ، وَهَذَا الْمَعْنَى بَعْضُ مَعْنَى كُلِّ مَنْ دَخَلَ أَوَّلًا لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ السَّابِقَ يَسْتَحِقُّ النَّفَلَ، وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ جَمَاعَةً لَكَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ آحَادِهَا كَمَالُ النَّفْلِ فَصَارَ جَمِيعُ مَنْ دَخَلَ أَوَّلًا مُسْتَعَارَ الْبَعْضِ مَعْنَى كُلِّ مَنْ دَخَلَ أَوَّلًا فَإِنَّ قَوْلَهُ الْكُلُّ الْإِفْرَادِيُّ يَدُلُّ عَلَى أَمْرَيْنِ مَعْنَاهُ أَنَّ مَدْلُولَهُ مَجْمُوعُ الْأَمْرَيْنِ إذَا لَيْسَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَدْلُولًا عَلَى حِدَةٍ حَتَّى يَكُونَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا فَإِنْ قُلْت فَالْأَمْرُ الْأَوَّلُ هُوَ اسْتِحْقَاقُ السَّابِقِ النَّفَلَ وَاحِدًا كَانَ أَوْ جَمَاعَةً مِنْ غَيْرِ قَيْدِ عَدَمِ اسْتِحْقَاقِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْجَمَاعَةِ تَمَامَ النَّفْلِ، وَهَاهُنَا قَدْ اُعْتُبِرَ ذَلِكَ مَعَ هَذَا الْقَيْدِ فَلَا يَكُونُ الْمُرَادُ هُوَ الْأَمْرَ الْأَوَّلَ قُلْت عَدَمُ اسْتِحْقَاقِ كُلِّ وَاحِدٍ تَمَامَ النَّفْلِ لَيْسَ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ مُعْتَبَرٌ فِي الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ بَلْ هُوَ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَى الِاسْتِحْقَاقِ، وَالْحُكْمُ لَا يَثْبُتُ بِدُونِ الدَّلِيلِ فَقَوْلُهُ لَا يُرَادُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ أَيْ اعْتِبَارُ وَصْفِ الِاجْتِمَاعِ، وَلِهَذَا لَا يَسْتَحِقُّ الْوَاحِدُ وَلَا الْأَمْرُ الثَّانِي أَيْ اسْتِحْقَاقُ كُلِّ وَاحِدٍ تَمَامَ النَّفْلِ عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ، وَلِهَذَا كَانَ لِمَجْمُوعِ الدَّاخِلِينَ مَعًا نَفْلٌ وَاحِدٌ، وَقَوْلُهُ حَتَّى لَوْ دَخَلَ جَمَاعَةٌ تَفْرِيعٌ عَلَى عَدَمِ إرَادَةِ الْمَعْنَى الثَّانِي، وَاعْلَمْ أَنَّهُمْ لَوْ حَمَلُوا الْكَلَامَ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَجَعَلُوا اسْتِحْقَاقَ الْمُفْرَدِ كَمَالَ النَّفْلِ ثَابِتًا بِدَلَالَةِ النَّصِّ لَكَفَى
[مَسْأَلَةٌ حِكَايَةُ الْفِعْلِ لَا تَعُمُّ]
(قَوْلُهُ: مَسْأَلَةٌ) تَحْرِيرُ النِّزَاعِ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ فِي أُصُولِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ إذَا حَكَى الصَّحَابِيُّ فِعْلًا مِنْ أَفْعَالِ النَّبِيِّ ﵇ -
стр. 115
أَنَّهُ حِكَايَةُ الْفِعْلِ لَكِنَّ الْجَارَ عَامٌّ لِأَنَّ اللَّامَ لِاسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ لِعَدَمِ الْمَعْهُودِ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ قَضَى ﵇ بِالشُّفْعَةِ لِكُلِّ جَارٍ.
(مَسْأَلَةُ اللَّفْظِ الَّذِي وَرَدَ بَعْدَ سُؤَالٍ أَوْ حَادِثَةٍ) إمَّا أَنْ لَا يَكُونُ مُسْتَقِلًّا أَوْ يَكُونَ فَحِينَئِذٍ إمَّا أَنْ يَخْرُجَ مَخْرَجَ الْجَوَابِ قَطْعًا أَوْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ جَوَابٌ مَعَ احْتِمَالِ الِابْتِدَاءِ أَوْ بِالْعَكْسِ (أَيْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ ابْتِدَاءُ الْكَلَامِ) مَعَ احْتِمَالِ الْجَوَابِ (نَحْوُ أَلَيْسَ لِي عَلَيْك كَذَا فِيهِ فَيَقُولُ بَلَى أَوْ كَانَ لِي عَلَيْك كَذَا فَيَقُولُ نَعَمْ) هَذَا نَظِيرُ غَيْرِ الْمُسْتَقِلِّ.
(وَنَحْوُ «سَهَا فَسَجَدَ» ، وَزَنَى مَاعِزٌ فَرُجِمَ) هَذَا نَظِيرُ الْمُسْتَقِلِّ الَّذِي هُوَ
ــ
[التلويح]
بِلَفْظٍ ظَاهِرُهُ الْعُمُومُ مِثْلُ «نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ» «وَقَضَى بِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ» هَلْ يَكُونُ عَامًّا أَمْ لَا فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى عُمُومِهِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ الصَّحَابِيِّ الْعَدْلِ الْعَارِفِ بِاللُّغَةِ أَنَّهُ لَا يَنْقُلُ الْعُمُومَ إلَّا بَعْدَ عِلْمِهِ بِتَحَقُّقِهِ، وَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إلَى أَنَّهُ لَا يَعُمُّ لِأَنَّ الِاحْتِجَاجَ إنَّمَا هُوَ بِالْمَحْكِيِّ لَا الْحِكَايَةِ، وَالْعُمُومُ إنَّمَا هُوَ فِي الْحِكَايَةِ لَا الْمَحْكِيِّ ضَرُورَةَ أَنَّ الْوَاقِعَ لَا يَكُونُ إلَّا بِصِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ وَالْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَثَّلَ لِذَلِكَ بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ «صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ دَاخِلَ الْكَعْبَةِ» ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ مِنْ مَحَلِّ النِّزَاعِ إلَّا عَلَى تَقْدِيرِ عُمُومِ الْفِعْلِ الْمُثْبَتِ فِي الْجِهَاتِ وَالْأَزْمَانِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا عُمُومَ لَهُ لِأَنَّ الْوَاقِعَ إنَّمَا يَكُونُ بِصِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ، وَفِي زَمَانٍ مُعَيَّنٍ، وَغَيْرُهُ إنَّمَا يَلْحَقُ بِهِ بِدَلِيلٍ مِنْ دَلَالَةِ نَصٍّ أَوْ قِيَاسٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ ثُمَّ رَدَّ تَمْثِيلَهُمْ لِذَلِكَ بِمِثْلِ «قَضَى بِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ» بِأَنَّهُ لَيْسَ حِكَايَةَ الْفِعْلِ بَلْ نَقْلُ الْحَدِيثِ بِمَعْنَاهُ، وَلَوْ سُلِّمَ فَلَفْظُ الْجَارِ عَامٌّ، وَفِيهِ نَظَرٌ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ مَدْلُولَ الْكَلَامِ لَيْسَ إلَّا الْإِخْبَارَ عَنْ النَّبِيِّ ﵇ بِأَنَّهُ حَكَمَ بِالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ، وَلَا مَعْنَى لِحِكَايَةِ الْفِعْلِ إلَّا هَذَا.
وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ عُمُومَ لَفْظِ الْجَارِ لَا يَضُرُّ بِالْمَقْصُودِ إذْ لَيْسَ النِّزَاعُ إلَّا فِيمَا يَكُونُ حِكَايَةَ الصَّحَابِيِّ بِلَفْظٍ عَامٍّ.
وَأَمَّا ثَالِثًا فَلِأَنَّ جَعْلَهُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ قَضَى النَّبِيُّ ﵇ بِالشُّفْعَةِ لِكُلِّ جَارٍ غَيْرُ صَحِيحٍ بَعْدَ تَسْلِيمِ كَوْنِهِ حِكَايَةً لِلْفِعْلِ ضَرُورَةَ أَنَّ الْفِعْلَ أَعْنِي قَضَاءَهُ بِالشُّفْعَةِ إنَّمَا، وَقَعَ فِي بَعْضِ الْجِيرَانِ بَلْ فِي جَارٍ مُعَيَّنٍ فَإِنْ قِيلَ يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ حُكْمُهُ بِصِيغَةِ الْعُمُومِ بِأَنْ يَقُولَ مَثَلًا الشُّفْعَةُ ثَابِتَةٌ لِلْجَارِ قُلْنَا فَحِينَئِذٍ يَكُونُ نَقْلُ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى لَا حِكَايَةُ الْفِعْلِ، وَالتَّقْدِيرُ بِخِلَافِهِ
[مَسْأَلَةُ اللَّفْظِ الَّذِي وَرَدَ بَعْدَ سُؤَالٍ أَوْ حَادِثَةٍ]
(قَوْلُ اللَّفْظِ الَّذِي وَرَدَ بَعْدَ سُؤَالٍ أَوْ حَادِثَةٍ) يَعْنِي يَكُونُ لَهُ تَعَلُّقٌ بِذَلِكَ السُّؤَالِ أَوْ الْحَادِثَةِ، وَحِينَئِذٍ يَنْحَصِرُ الْأَقْسَامُ الْأَرْبَعَةُ الْمَذْكُورَةُ لِامْتِنَاعِ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ قَطْعًا فِي الِابْتِدَاءِ لَا يَحْتَمِلُ الْجَوَابَ، وَنَعْنِي بِغَيْرِ الْمُسْتَقِلِّ مَا لَا يَكُونُ مُفِيدًا بِدُونِ اعْتِبَارِ السُّؤَالِ أَوْ الْحَادِثَةِ مِثْلُ نَعَمْ فَإِنَّهَا مُقَرِّرَةٌ لِمَا سَبَقَ مِنْ كَلَامٍ مُوجِبٍ أَوْ مَنْفِيٍّ اسْتِفْهَامًا أَوْ خَبَرًا، وَبَلَى فَإِنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِإِيجَابِ النَّفْيِ السَّابِقِ اسْتِفْهَامًا أَوْ خَبَرًا فَعَلَى هَذَا لَا يَصِحُّ بَلَى فِي جَوَابِ أَكَانَ لِي عَلَيْك كَذَا، وَلَا يَكُونُ نَعَمْ فِي
стр. 116
جَوَابٌ قَطْعًا (وَنَحْوُ تَعَالَ تَغَدَّ مَعِي فَقَالَ إنْ تَغَدَّيْت فَكَذَا مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ) هَذَا نَظِيرُ الْمُسْتَقِلِّ الَّذِي الظَّاهِرُ أَنَّهُ جَوَابٌ (وَنَحْوُ إنْ تَغَدَّيْت الْيَوْمَ مَعَ زِيَادَةٍ عَلَى قَدْرِ الْجَوَابِ) هَذَا نَظِيرُ الْمُسْتَقِلِّ الَّذِي الظَّاهِرُ أَنَّهُ ابْتِدَاءٌ مَعَ احْتِمَالِ الْجَوَابِ فَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ ذَكَرَ لَفْظَ نَحْوِ فَهُوَ نَظِيرُ قِسْمٍ وَاحِدٍ.
(فَفِي الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ يُحْمَلُ عَلَى الْجَوَابِ، وَفِي الرَّابِعِ يُحْمَلُ عَلَى الِابْتِدَاءِ عِنْدَنَا حَمْلًا لِلزِّيَادَةِ عَلَى الْإِفَادَةِ، وَلَوْ قَالَ عَنَيْت الْجَوَابَ صُدِّقَ دِيَانَةً، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُحْمَلُ عَلَى الْجَوَابِ) ، وَهَذَا مَا قِيلَ إنَّ الْعِبْرَةَ لِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا لِخُصُوصِ السَّبَبِ عِنْدَنَا فَإِنَّ الصَّحَابَةَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ تَمَسَّكُوا بِالْعُمُومَاتِ الْوَارِدَةِ فِي حَوَادِثَ خَاصَّةٍ.
(فَصْلٌ حُكْمُ الْمُطْلَقِ أَنْ يَجْرِيَ عَلَى إطْلَاقِهِ كَمَا أَنَّ الْمُقَيَّدَ عَلَى تَقْيِيدِهِ فَإِذَا، وَرَدَا) أَيْ الْمُطْلَقُ، وَالْمُقَيَّدُ.
(فَإِنْ اخْتَلَفَ الْحُكْمُ لَمْ يُحْمَلْ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ إلَّا فِي مِثْلِ قَوْلِنَا أَعْتِقْ عَنِّي رَقَبَةً، وَلَا تُمَلِّكْنِي رَقَبَةً كَافِرَةً فَالْإِعْتَاقُ يَتَقَيَّدُ بِالْمُؤْمِنَةِ) أَيْ إلَّا فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَكُونُ الْحُكْمَانِ الْمَذْكُورَانِ مُخْتَلِفَيْنِ لَكِنْ
ــ
[التلويح]
جَوَابِ أَلَيْسَ لِي عَلَيْك كَذَا إقْرَارًا إلَّا أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ هُوَ الْعُرْفُ حَتَّى يُقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَقَامَ الْآخَرِ فَيَكُونَ إقْرَارًا فِي جَوَابِ الْإِيجَابِ، وَالنَّفْيِ اسْتِفْهَامًا أَوْ خَبَرًا.
(قَوْلُهُ: حَمْلًا لِلزِّيَادَةِ عَلَى الْإِفَادَةِ) يَعْنِي لَوْ قَالَ إنْ تَغَدَّيْت الْيَوْمَ فَكَذَا فِي جَوَابِ تَعَالَ تَغَدَّ مَعِي يُجْعَلُ كَلَامُهُ مُبْتَدَأً حَتَّى يَحْنَثَ بِالتَّغَدِّي فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ ذَلِكَ الْغَدَاءَ الْمَدْعُوَّ إلَيْهِ أَوْ غَيْرَهُ مَعَهُ أَوْ بِدُونِهِ لِأَنَّ فِي حَمْلِهِ عَلَى الِابْتِدَاءِ اعْتِبَارَ الزِّيَادَةِ الْمَلْفُوظَةِ الظَّاهِرَةِ، وَإِلْغَاءَ الْحَالِ الْمُبَطَّنَةِ، وَفِي حَمْلِهِ عَلَى الْجَوَابِ الْأَمْرُ بِالْعَكْسِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْعَمَلَ بِالْحَالِ دُونَ الْعَمَلِ بِالْمَقَالِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ.
(قَوْلُهُ: صُدِّقَ دِيَانَةً) لِأَنَّهُ نَوَى مَا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ لَا قَضَاءً لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ مَعَ أَنَّ فِيهِ تَخْفِيفًا عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: إنَّ الْعِبْرَةَ لِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا لِخُصُوصِ السَّبَبِ) لِأَنَّ التَّمَسُّكَ إنَّمَا هُوَ بِاللَّفْظِ، وَهُوَ عَامٌّ، وَخُصُوصُ السَّبَبِ لَا يُنَافِي عُمُومَ اللَّفْظِ، وَلَا يَقْتَضِي اقْتِصَارَهُ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ قَدْ اُشْتُهِرَ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ التَّمَسُّكُ بِالْعُمُومَاتِ الْوَارِدَةِ فِي حَوَادِثَ، وَأَسْبَابٍ خَاصَّةٍ مِنْ غَيْرِ قَصْرٍ لَهَا عَلَى تِلْكَ الْأَسْبَابِ فَيَكُونُ إجْمَاعًا عَلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ لِعُمُومِ اللَّفْظِ، وَذَلِكَ كَآيَةِ الظُّهُورِ نَزَلَتْ فِي خَوْلَةَ امْرَأَةِ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ وَآيَةِ اللِّعَانِ فِي هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ وَآيَةِ السَّرِقَةِ فِي سَرِقَةِ رِدَاءِ صَفْوَانَ أَوْ فِي سَرِقَةِ الْمِجَنِّ، وَكَقَوْلِهِ ﵇ «أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» ، وَرَدَ فِي شَاةِ مَيْمُونَةَ، وَقَوْلُهُ ﵇ «خُلِقَ الْمَاءُ طَهُورًا لَا يُنَجِّسُهُ إلَّا مَا غَيَّرَ لَوْنَهُ أَوْ طَعْمَهُ أَوْ رِيحَهُ» ، وَرَدَ جَوَابًا لِلسُّؤَالِ عَنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ فَإِنْ قِيلَ لَوْ كَانَ عَامًّا لِلسَّبَبِ، وَغَيْرِهِ لَجَازَ تَخْصِيصُ السَّبَبِ عَنْهُ بِالِاجْتِهَادِ لِأَنَّ نِسْبَةَ الْعَامِّ إلَى جَمِيعِ الْأَفْرَادِ عَلَى السَّوِيَّةِ، وَلَمَّا كَانَ لِنَقْلِ السَّبَبِ فَائِدَةٌ، وَلَمَّا طَابَقَ الْجَوَابُ السُّؤَالَ لِأَنَّهُ عَامٌّ، وَالسُّؤَالُ خَاصٌّ أُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ
стр. 117
يَسْتَلْزِمُ أَحَدُهُمَا حُكْمًا غَيْرَ مَذْكُورٍ يُوجِبُ تَقْيِيدَ الْآخَرِ كَالْمِثَالِ الْمَذْكُورِ فَإِنَّ أَحَدَ الْحُكْمَيْنِ إيجَابُ الْإِعْتَاقِ، وَالثَّانِي نَفْيُ تَمْلِيكِ الْكَافِرَةِ، وَهُمَا حُكْمَانِ مُخْتَلِفَانِ لَكِنَّ نَفْيَ تَمْلِيكِ الْكَافِرَةِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ إعْتَاقِهَا ضَرُورَةَ أَنَّ إيجَابَ الْإِعْتَاقِ يَسْتَلْزِمُ إيجَابَ التَّمْلِيكِ، وَنَفْيُ اللَّازِمِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْمَلْزُومِ فَصَارَ كَقَوْلِهِ لَا تُعْتِقْ عَنِّي رَقَبَةً كَافِرَةً ثُمَّ هَذَا أَوْجَبَ تَقْيِيدَ الْأَوَّلِ أَيْ إيجَابِ الْإِعْتَاقِ بِالْمُؤْمِنَةِ.
(وَإِنْ اتَّحَدَ) أَيْ الْحُكْمُ (فَإِنْ اخْتَلَفَتْ الْحَادِثَةُ كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَكَفَّارَةِ الْقَتْلِ لَا يُحْمَلُ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُحْمَلُ) سَوَاءٌ اقْتَضَى الْقِيَاسَ أَوْ لَا (وَبَعْضُهُمْ زَادُوا إنْ اقْتَضَى الْقِيَاسَ) أَيْ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ زَادُوا أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَيْهِ إنْ اقْتَضَى الْقِيَاسَ حَمَلَهُ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ اتَّحَدَتْ) أَيْ الْحَادِثَةُ كَصَدَقَةِ الْفِطْرِ مَثَلًا فَإِنْ دَخَلَا عَلَى السَّبَبِ نَحْوُ «أَدُّوا عَنْ كُلِّ حُرٍّ، وَعَبْدٍ أَدُّوا عَنْ كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ» ) أَيْ دَخَلَ النَّصُّ الْمُطْلَقُ، وَالْمُقَيَّدُ عَلَى السَّبَبِ فَإِنَّ الرَّأْسَ سَبَبٌ لِوُجُودِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ، وَقَدْ، وَرَدَ نَصَّانِ يَدُلُّ أَحَدُهُمَا عَلَى أَنَّ الرَّأْسَ الْمُطْلَقَ سَبَبٌ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇ «أَدُّوا عَنْ كُلِّ حُرٍّ، وَعَبْدٍ» ، وَيَدُلُّ الْآخَرُ أَنَّ رَأْسَ الْمُسْلِمِ سَبَبٌ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇ «أَدُّوا عَنْ كُلِّ حُرٍّ، وَعَبْدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ» (لَمْ يُحْمَلْ عِنْدَنَا بَلْ يَجِبُ الْعَمَلُ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا إذْ لَا تَنَافِيَ فِي الْأَسْبَابِ) بَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُطْلَقُ سَبَبًا، وَالْمُقَيَّدُ سَبَبًا.
(خِلَافًا لَهُ) أَيْ لِلشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ لَمْ يُحْمَلْ عِنْدَنَا.
(وَإِنْ دَخَلَا) أَيْ الْمُطْلَقُ، وَالْمُقَيَّدُ (عَلَى الْحُكْمِ) فِي صُورَةِ اتِّحَادِ الْحَادِثَةِ (نَحْوُ ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] مَعَ قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ) فَإِنَّ
ــ
[التلويح]
أَفْرَادِ الْعَامِّ يُعْلَمُ دُخُولُهُ تَحْتَ الْإِرَادَةِ قَطْعًا بِحَيْثُ لَا يَحْتَمِلُ التَّخْصِيصَ لِدَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ فَائِدَةَ نَقْلِ السَّبَبِ لَا تَنْحَصِرُ فِي خُصُوصِ الْحُكْمِ بِهِ بَلْ قَدْ يَكُونُ نَفْسُ مَعْرِفَةِ أَسْبَابِ نُزُولِ الْآيَاتِ، وَوُرُودِ الْأَحَادِيثِ، وَوُجُوهِ الْقَصَصِ فَائِدَةً، وَعَنْ الثَّالِثِ بِأَنَّ مَعْنَى الْمُطَابَقَةِ هُوَ الْكَشْفُ عَنْ السُّؤَالِ، وَبَيَانُ حُكْمِهِ، وَقَدْ حَصَلَ مَعَ الزِّيَادَةِ، وَلَا نُسَلِّمُ وُجُوبَ الْمُطَابَقَةِ بِمَعْنَى الْمُسَاوَاةِ فِي الْعُمُومِ، وَالْخُصُوصِ
[فَصْلٌ حُكْمُ الْمُطْلَقِ]
(قَوْلُهُ: فَصْلٌ) ذِكْرُ الْمُطْلَقِ، وَالْمُقَيَّدِ عَقِيبَ الْعَامِّ، وَالْخَاصِّ لِمُنَاسَبَتِهِمَا إيَّاهُمَا مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمُطْلَقَ هُوَ الشَّائِعُ فِي جِنْسِهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ حِصَّةٌ مِنْ الْحَقِيقَةِ مُحْتَمِلَةُ الْحِصَصِ كَثِيرَةٌ مِنْ غَيْرِ شُمُولٍ، وَلَا تَعْيِينٍ، وَالْمُقَيَّدُ مَا أُخْرِجَ عَنْ الشُّيُوعِ بِوَجْهٍ مَا كَرَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ أُخْرِجَتْ عَنْ شُيُوعِ الْمُؤْمِنَةِ، وَغَيْرِهَا، وَإِنْ كَانَتْ شَائِعَةً فِي الرَّقَبَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ، وَضَبْطُ الْفَصْلِ أَنَّهُ إذَا أَوْرَدَ الْمُطْلَقَ، وَالْمُقَيَّدَ لِبَيَانِ الْحُكْمِ فَإِمَّا أَنْ يَخْتَلِفَ الْحُكْمُ أَوْ يَتَّحِدَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدُ الْحُكْمَيْنِ مُوجِبًا لِتَقْيِيدِ الْآخَرِ أَجْرَى الْمُطْلَقَ عَلَى إطْلَاقِهِ، وَالْمُقَيَّدَ عَلَى تَقْيِيدِهِ مِثْلُ أَطْعِمْ رَجُلًا، وَاكْسُ رَجُلًا عَارِيًّا، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُوجِبًا لِتَقْيِيدِ الْآخَرِ بِالذَّاتِ مِثْلُ
стр. 118
الْحُكْمَ وُجُوبُ صَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِالتَّتَابُعِ، وَفِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ الْحُكْمُ وُجُوبُ صَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ (يُحْمَلُ بِالِاتِّفَاقِ لِامْتِنَاعِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا) فَإِنَّ الْمُطْلَقَ يُوجِبُ أَجْزَاءَ غَيْرِ الْمُتَتَابِعِ، وَالْمُقَيَّدَ يُوجِبُ عَدَمَ أَجْزَائِهِ.
(هَذَا إذَا كَانَ الْحُكْمُ مُثْبَتًا فَإِنْ كَانَ مَنْفِيًّا نَحْوُ لَا تَعْتِقْ رَقَبَةً، وَلَا تَعْتِقْ رَقَبَةً كَافِرَةً لَا يُحْمَلُ اتِّفَاقًا فَلَا تُعْتَقُ أَصْلًا لَهُ أَنَّ الْمُطْلَقَ سَاكِتٌ، وَالْمُقَيِّدَ نَاطِقٌ فَكَانَ أَوْلَى لِأَنَّ السُّكُوتَ عَدَمٌ) فَنَقُولُ فِي جَوَابِهِ نَعَمْ إنَّ الْمُقَيَّدَ أَوْلَى لَكِنْ إذَا تَعَارَضَا، وَلَا تَعَارُضَ إلَّا فِي اتِّحَادِ الْحَادِثَةِ، وَالْحُكْمِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي صَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ.
(وَلِأَنَّ الْقَيْدَ زِيَادَةُ وَصْفٍ يَجْرِي مَجْرَى الشَّرْطِ فَيُوجِبُ النَّفْيَ) أَيْ نَفْيَ الْحُكْمِ عِنْدَ عَدَمِ الْوَصْفِ
ــ
[التلويح]
أَعْتِقْ رَقَبَةً وَلَا تَعْتِقْ رَقَبَةً كَافِرَةً أَوْ بِالْوَاسِطَةِ مِثْلُ أَعْتِقْ عَنِّي رَقَبَةً، وَلَا تُمَلِّكْنِي رَقَبَةً كَافِرَةً فَإِنَّ نَفْيَ تَمْلِيكِ الْكَافِرَةِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ إعْتَاقِهَا عَنْهُ، وَهَذَا يُوجِبُ تَقْيِيدَ إيجَابِ الْإِعْتَاقِ عَنْهُ بِالْمُؤْمِنَةِ. حَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ فَإِنْ قُلْت مَعْنَى حَمْلِ الْمُطْلَقَ عَلَى الْمُقَيَّدِ تَقْيِيدُهُ بِذَلِكَ الْقَيْدِ، وَهَذَا لَا يَسْتَقِيمُ فِيمَا ذَكَرْتُمْ مِنْ الْمِثَالِ لِأَنَّ الْمُقَيَّدَ إنَّمَا قُيِّدَ بِالْكَافِرَةِ وَالْمُطْلَقَ إنَّمَا قُيِّدَ بِالْمُؤْمِنَةِ قُلْت نَعَمْ مَعْنَاهُ تَقَيُّدُ الْمُطْلَقِ بِذَلِكَ الْقَيْدِ لَكِنْ إنْ كَانَ الْقَيْدُ مُوجِبًا فَبِإِيجَابِهِ، وَإِنْ كَانَ مَنْفِيًّا فَبِنَفْيِهِ، وَهَاهُنَا قَيْدُ الْكَافِرَةِ مَنْفِيٌّ فَقَيْدُ إيجَابِ الْإِعْتَاقِ بِنَفْيِ الْكَافِرَةِ، وَهُوَ الْمُؤْمِنَةُ، وَنُقِلَ عَنْ الْمُصَنِّفِ أَنَّ مَعْنَى حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ تَقْيِيدُهُ بِقَيْدٍ مَا سَوَاءٌ كَانَ هُوَ الْمَذْكُورَ فِي الْمُقَيَّدِ أَوْ غَيْرُهُ لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ إجْرَاءِ الْمُطْلَقِ عَلَى إطْلَاقِهِ، وَمَعْنَاهُ عَدَمُ تَقْيِيدِهِ بِقَيْدٍ مَا بِدَلِيلِ أَنَّهُمْ أَوْرَدُوا عَلَيْنَا الْإِشْكَالَ بِتَقْيِيدِ الرَّقَبَةِ بِالسَّلَامَةِ مَعَ أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْمُقَيَّدِ هُوَ الْمُؤْمِنَةُ لَا السَّلِيمَةُ، وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ لَا يَخْفَى أَنَّ الْحَمْلَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى بَعِيدٌ، وَسَيَجِيءُ أَنَّ إيرَادَ الْإِشْكَالِ الْمَذْكُورِ لَيْسَ بِاعْتِبَارِ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ هَذَا إذَا اخْتَلَفَ الْحُكْمُ، وَإِنْ اتَّحَدَ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَنْفِيًّا أَوْ مُثْبَتًا فَإِنْ كَانَ مَنْفِيًّا فَلَا حَمْلَ مِثْلُ لَا تَعْتِقْ رَقَبَةً، وَلَا تَعْتِقْ رَقَبَةً كَافِرَةً لِإِمْكَانِ الْجَمْعِ بِأَنْ لَا يَعْتِقَ أَصْلًا، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا مِنْ الْعَامِّ مَعَ الْخَاصِّ لَا الْمُطْلَقِ مَعَ الْمُقَيَّدِ، وَإِنْ كَانَ مُثْبَتًا فَإِمَّا أَنْ تَخْتَلِفَ الْحَادِثَةُ أَوْ تَتَّحِدَ فَإِنْ اخْتَلَفَتْ كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَالْقَتْلِ فَلَا حَمْلَ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، وَإِنْ اتَّحَدَتْ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْإِطْلَاقُ، وَالتَّقْيِيدُ فِي السَّبَبِ، وَنَحْوِهِ أَوْ لَا فَإِنْ كَانَ فَلَا حَمْلَ كَوُجُوبِ نِصْفِ الصَّاعِ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ بِسَبَبِ الرَّأْسِ مُطْلَقًا فِي أَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ، وَمُقَيَّدًا بِالْإِسْلَامِ فِي الْآخَرِ، وَإِلَّا يُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ بِالِاتِّفَاقِ كَقِرَاءَةِ الْعَامَّةِ ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] ، وَقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ لِامْتِنَاعِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا ضَرُورَةَ أَنَّ الْمُطْلَقَ يُوجِبُ إجْزَاءَ غَيْرِ الْمُتَتَابِعِ لِمُوَافَقَةِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَالْمُقَيَّدُ يُوجِبُ عَدَمَ إجْزَائِهِ لِمُخَالَفَةِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَفِي هَذَا الْمِثَالِ أَشَارَ إلَى الْجَوَابِ
стр. 119
(فِي الْمَنْصُوصِ، وَفِي نَظِيرِهِ كَالْكَفَّارَاتِ مَثَلًا فَإِنَّهَا جِنْسٌ وَاحِدٌ) هَذَا دَلِيلٌ عَلَى الْمَذْهَبِ الْآخَرِ، وَهُوَ أَنْ يُحْمَلَ إنْ اقْتَضَى الْقِيَاسُ حَمْلَهُ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ التَّقْيِيدَ بِالْوَصْفِ كَالتَّخْصِيصِ بِالشَّرْطِ وَالتَّخْصِيصَ بِالشَّرْطِ يُوجِبُ نَفْيَ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ عِنْدَهُ، وَذَلِكَ النَّفْيُ لَمَّا كَانَ مَدْلُولُ النَّصِّ الْمُقَيَّدِ كَانَ حُكْمًا شَرْعِيًّا فَيَثْبُتُ النَّفْيُ بِالنَّصِّ فِي الْمَنْصُوصِ، وَفِي نَظِيرِهِ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ.
(وَلَنَا قَوْله تَعَالَى ﴿لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] فَهَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُطْلَقَ يَجْرِي عَلَى إطْلَاقِهِ، وَلَا يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ لِأَنَّ التَّقْيِيدَ يُوجِبُ التَّغْلِيظَ، وَالْمُسَاءِ كَمَا فِي بَقَرَةِ بَنِي إسْرَائِيلَ (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ أَبْهِمُوا مَا أَبْهَمَ اللَّهُ، وَاتَّبِعُوا مَا بَيَّنَ اللَّهُ) أَيْ اُتْرُكُوهُ عَلَى إبْهَامِهِ، وَالْمُطْلَقُ مُبْهَمٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُقَيَّدِ الْمُعَيَّنِ فَلَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ.
(وَعَامَّةُ الصَّحَابَةِ مَا قَيَّدُوا أُمَّهَاتِ النِّسَاءِ بِالدُّخُولِ الْوَارِدِ فِي الرَّبَائِبِ
ــ
[التلويح]
عَمَّا يُقَالُ إنَّكُمْ حَمَلْتُمْ الْمُطْلَقَ، وَهُوَ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَارِدٌ فِي حَادِثَةٍ أُخْرَى، وَهِيَ كَفَّارَةُ الْقَتْلِ، وَالظِّهَارِ حَيْثُ شَرَطْتُمْ التَّتَابُعَ فِي الصَّوْمِ يَعْنِي إنَّمَا حَمَلْنَاهُ عَلَى مُقَيَّدٍ، وَارِدٍ فِي هَذِهِ الْحَادِثَةِ، وَهُوَ قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ فَإِنَّهَا مَشْهُورَةٌ بِمِثْلِهَا يُزَادُ عَلَى الْكِتَابِ بِخِلَافِ قِرَاءَةِ أُبَيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ مُتَتَابِعَاتٍ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ فَإِنَّهَا شَاذَّةٌ لَا يُزَادُ بِمِثْلِهَا عَلَى النَّصِّ وَالشَّافِعِيُّ إنَّمَا لَمْ يَشْتَرِطْ التَّتَابُعَ لِأَنَّهُ لَا عَمَلَ عِنْدَهُ بِالْقِرَاءَةِ الْغَيْرِ الْمُتَوَاتِرَةِ مَشْهُورَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَ مَشْهُورَةٍ فَالْمِثَالُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﵇ فِي حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ «صُمْ شَهْرَيْنِ» وَرُوِيَ «شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ» .
(قَوْلُهُ: إنَّ الْمُطْلَقَ سَاكِتٌ) احْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ إلَى حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَلَوْ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْحَادِثَةِ أَوْ جَرَيَانِ الْإِطْلَاقِ، وَالتَّقْيِيدِ فِي السَّبَبِ بِأَنَّ الْمُطْلَقَ سَاكِتٌ عَنْ ذِكْرِ الْقَيْدِ، وَالْمُقَيَّدُ نَاطِقٌ بِهِ فَيَكُونُ أَوْلَى لِأَنَّ السُّكُوتَ عَدَمٌ، وَجَوَابُهُ الْقَوْلُ بِالْمُوجِبِ أَيْ نَعَمْ يَكُونُ أَوْلَى عِنْدَ التَّعَارُضِ كَمَا إذَا دَخَلَا فِي الْحُكْمِ، وَاتَّحَدَتْ الْحَادِثَةُ، وَهَاهُنَا لَا تَعَارُضَ لِإِمْكَانِ الْعَمَلِ بِهِمَا لِلْقَطْعِ بِأَنَّ الشَّارِعَ لَوْ قَالَ أَوْجَبْت فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ إعْتَاقَ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، وَفِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ إعْتَاقَ رَقَبَةٍ كَيْفَ كَانَتْ لَمْ يَكُنْ الْكَلَامَانِ مُتَعَارِضَيْنِ.
(قَوْلُهُ لِأَنَّ التَّقْيِيدَ) فَإِنْ قُلْت الْآيَةُ إنَّمَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ السُّؤَالَ، وَالْبَحْثَ عَنْ الْقُيُودِ وَالْأَوْصَافِ الْغَيْرِ الْمَذْكُورَةِ يُوجِبُ التَّغْلِيظَ وَالْمُسَاءَةَ لَا عَلَى أَنَّ تَقْيِيدَ الْمُطْلَقِ يُوجِبُ ذَلِكَ قُلْتُ إذَا كَانَ الْبَحْثُ عَنْ الْقَيْدِ، وَالِاشْتِغَالُ بِهِ يُوجِبُ ذَلِكَ فَالتَّقْيِيدُ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى عَلَى أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ الْآيَةِ أَنَّ مُوجِبَ الْمُسَاءَةِ هُوَ تِلْكَ الْقُيُودِ، وَالْأَشْيَاءُ الْمَسْئُولُ عَنْهَا، وَقَدْ يُقَالُ فِي وَجْهِ الِاسْتِدْلَالِ: إنَّ الْوَصْفَ فِي الْمُطْلَقِ مَسْكُوتٌ عَنْهُ، وَالسُّؤَالُ عَنْ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ مَنْهِيٌّ بِهَذَا النَّصِّ، وَلَا يَخْفَى ضَعْفُهُ بَلْ الِاسْتِدْلَال بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي هَذَا الْمَطْلُوبِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] .
(قَوْلُهُ: وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁ هَذَا لَا يَقُومُ حُجَّةً عَلَى الْخَصْمِ) لِأَنَّهُ لَا يُجْعَلُ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ حُجَّةً فِي الْفُرُوعِ فَضْلًا عَنْ الْأُصُولِ.
(قَوْلُهُ: وَعَامَّةُ الصَّحَابَةِ قَالَ عُمَرُ ﵁ أُمُّ الْمَرْأَةِ مُبْهَمَةٌ
стр. 120
وَلِأَنَّ إعْمَالَ الدَّلِيلَيْنِ، وَاجِبٌ مَا أَمْكَنَ) فَيُعْمَلُ بِكُلِّ وَاحِدٍ فِي مَوْرِدِهِ إلَّا أَنْ لَا يُمْكِنَ، وَهُوَ عِنْدَ اتِّحَادِ الْحَادِثَةِ، وَالْحُكْمِ فَهَذِهِ الدَّلَائِلُ لِنَفْيِ الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ الْحَمْلُ مُطْلَقًا فَالْآنَ شَرَعَ فِي نَفْيِ الْمَذْهَبِ الثَّانِي، وَهُوَ الْحَمْلُ إنْ اقْتَضَى الْقِيَاسَ بِقَوْلِهِ (وَالنَّفْيُ فِي الْمَقِيسِ عَلَيْهِ بِنَاءً عَلَى الْعَدَمِ الْأَصْلِيِّ فَكَيْفَ يُعْدَى) جَوَابٌ عَمَّا قَالُوا إنَّهُ يُحْمَلُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا أَنَّ النَّفْيَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، وَنَحْنُ نَقُولُ هُوَ عَدَمٌ أَصْلِيٌّ فَإِنَّ قَوْله تَعَالَى فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] يَدُلُّ عَلَى إيجَابِ الْمُؤْمِنَةِ، وَلَيْسَ لَهُ دَلَالَةٌ عَلَى الْكَافِرَةِ أَصْلًا، وَالْأَصْلُ عَدَمُ إجْزَاءِ تَحْرِيرِ رَقَبَةٍ عَنْ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ، وَقَدْ ثَبَتَ إجْزَاءُ الْمُؤْمِنَةِ بِالنَّصِّ فَبَقِيَ عَدَمُ إجْزَاءِ الْكَافِرَةِ عَلَى الْعَدَمِ الْأَصْلِيِّ فَلَا يَكُونُ حُكْمًا شَرْعِيًّا، وَلَا بُدَّ فِي الْقِيَاسِ مِنْ كَوْنِ الْمُعَدَّى حُكْمًا شَرْعِيًّا، وَتَوْضِيحُهُ أَنَّ الْإِعْدَامَ عَلَى قِسْمَيْنِ: الْأَوَّلُ: عَدَمُ إجْزَاءِ مَا لَا يَكُونُ تَحْرِيرَ رَقَبَةٍ كَعَدَمِ إجْزَاءِ الصَّلَاةِ، وَالصَّوْمِ، وَغَيْرِهِمَا، وَالثَّانِي عَدَمُ إجْزَاءِ مَا يَكُونُ تَحْرِيرَ رَقَبَةٍ غَيْرِ مُؤْمِنَةٍ فَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ إعْدَامٌ أَصْلِيٌّ بِلَا خِلَافٍ، وَالْقِسْمُ الثَّانِي مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، وَعِنْدَنَا عَدَمٌ أَصْلِيٌّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّخْصِيصَ بِالْوَصْفِ دَالٌّ عِنْدَهُ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَنْ الْمَوْصُوفِ بِدُونِ ذَلِكَ
ــ
[التلويح]
فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَأَبْهِمُوهَا) أَيْ خَالٍ تَحْرِيمُهَا عَنْ قَيْدِ الدُّخُولِ الثَّابِتِ فِي الرَّبَائِبِ فَأَطْلِقُوهَا، وَعَلَيْهِ انْعَقَدَ إجْمَاعُ مَنْ بَعْدَهُمْ كَذَا فِي التَّقْوِيمِ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي صُورَةٍ لَا يَكُونُ إجْمَاعًا عَلَى الْأَصْلِ الْكُلِّيِّ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الدَّلِيلُ لَاحَ لَهُمْ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ.
(قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ إعْمَالَ الدَّلِيلَيْنِ، وَاجِبٌ مَا أَمْكَنَ) ، وَذَلِكَ فِي إجْزَاءِ الْمُطْلَقِ عَلَى إطْلَاقِهِ، وَالْمُقَيَّدِ عَلَى تَقْيِيدِهِ عِنْدَ الْإِمْكَانِ إذْ لَوْ حُمِلَ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ يَلْزَمُ إبْطَالُ الْمُطْلَقِ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى إجْزَاءِ الْمُقَيَّدِ، وَغَيْرِ الْمُقَيَّدِ وَفِي الْحَمْلِ عَلَى الْمُقَيَّدِ إبْطَالٌ لِلْأَمْرِ الثَّانِي، وَبِهَذَا ظَهَرَ فَسَادُ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ مِنْ أَنَّ فِي حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ إذْ الْعَمَلُ بِالْمُقَيَّدِ يَسْتَلْزِمُ الْعَمَلَ بِالْمُطْلَقِ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ لِحُصُولِ الْمُطْلَقِ فِي ضِمْنِ ذَلِكَ الْمُقَيَّدِ فَإِنْ قِيلَ حُكْمُ الْمُقَيَّدِ يُفْهَمُ مِنْ الْمُطْلَقِ فَلَوْ لَمْ يُحْمَلْ عَلَيْهِ يَلْزَمُ إلْغَاءُ الْمُقَيَّدِ أُجِيبَ بِأَنَّهُ يُفِيدُ اسْتِحْبَابَ الْمُقَيَّدِ، وَفَضْلِهِ، وَأَنَّهُ عَزِيمَةٌ، وَالْمُطْلَقُ رُخْصَةٌ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَبِالْجُمْلَةِ هُوَ أَوْلَى مِنْ إبْطَالِ حُكْمِ الْإِطْلَاقِ.
(قَوْلُهُ: وَالنَّفْيُ فِي الْمَقِيسِ عَلَيْهِ) يَعْنِي أَنَّ حَمْلَ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ بِالْقِيَاسِ فَاسِدٌ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ هَذَا الْقِيَاسَ لَيْسَ تَعْدِيَةً لِلْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ بَلْ لِلْعَدَمِ الْأَصْلِيِّ، وَهُوَ عَدَمُ إجْزَاءِ غَيْرِ الْمُقَيَّدِ فِي صُورَةِ التَّقْيِيدِ لِمَا سَيَجِيءُ فِي فَصْلِ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ.
وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ فِيهِ إبْطَالًا لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ ثَابِتٍ بِالنَّصِّ الْمُطْلَقِ، وَهُوَ إجْزَاءُ غَيْرِ الْمُقَيَّدَ كَالْكَافِرَةِ مَثَلًا.
وَأَمَّا ثَالِثًا فَلِأَنَّ شَرْطَ الْقِيَاسِ عَدَمُ النَّصِّ عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي الْمَقِيسِ أَوْ انْتِفَائِهِ، وَهَاهُنَا الْمُطْلَقُ نَصٌّ دَالٌّ عَلَى إجْزَاءِ الْمُقَيَّدِ
стр. 121
الْوَصْفِ فَإِنَّهُ لَمَّا قَالَ ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] فَلَوْ لَمْ يَقُلْ مُؤْمِنَةٍ لَجَازَ تَحْرِيرُ الْكَافِرَةِ فَلَمَّا قَالَ ﴿مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] لَزِمَ مِنْهُ نَفْيُ تَحْرِيرِ الْكَافِرَةِ فَيَكُونُ النَّفْيُ مَدْلُولَ النَّصِّ فَكَانَ حُكْمًا شَرْعِيًّا، وَنَحْنُ نَقُولُ أَوْجَبَ تَحْرِيرَ الْمُؤْمِنَةِ ابْتِدَاءً، وَهُوَ سَاكِتٌ عَنْ الْكَافِرَةِ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ فِي آخِرِ الْكَلَامِ مَا يُغَيِّرُ أَوَّلَهُ فَصَدْرُ الْكَلَامِ مَوْقُوفٌ عَلَى الْآخِرِ، وَيَثْبُتُ حُكْمُ الصَّدْرِ بَعْدَ التَّكَلُّمِ بِالْمُغَيِّرِ لِئَلَّا يَلْزَمَ التَّنَاقُضُ فَلَا يَكُونُ إيجَابُ الرَّقَبَةِ ثُمَّ نَفْيُ الرَّقَبَةِ الْكَافِرَةِ بِالنَّصِّ الْمُقَيَّدِ بَلْ النَّصُّ لِإِيجَابِ الرَّقَبَةِ الْمُؤْمِنَةِ ابْتِدَاءً فَتَكُونُ الْكَافِرَةُ بَاقِيَةً عَلَى الْعَدَمِ الْأَصْلِيِّ كَمَا فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ مِنْ الْإِعْدَامِ، وَشَرْطُ الْقِيَاسِ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ الْمُعَدَّى حُكْمًا شَرْعِيًّا لَا عَدَمًا أَصْلِيًّا.
(وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُعَدَّى الْقَيْدُ فَيُثْبِتَ الْعَدَمُ ضِمْنًا جَوَابَ إشْكَالٍ مُقَدَّرٍ) ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ نَحْنُ نُعَدِّي الْقَيْدَ، وَهُوَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ فَيَثْبُتُ عَدَمُ إجْزَاءِ الْكَافِرَةِ ضِمْنًا لَا أَنَّا نُعَدِّي هَذَا الْعَدَمَ قَصْدًا، وَمِثْلُ هَذَا يَجُوزُ فِي الْقِيَاسِ فَنُجِيبُ بِقَوْلِنَا (لِأَنَّ الْقَيْدَ) ، وَهُوَ قَيْدُ الْإِيمَانِ مَثَلًا (يَدُلُّ عَلَى الْإِثْبَاتِ فِي الْمُقَيَّدِ) أَيْ يَدُلُّ عَلَى إثْبَاتِ الْحُكْمِ فِي الْمُقَيَّدِ، وَهُوَ الْإِجْزَاءُ فِي تَحْرِيرِ رَقَبَةٍ يُوجَدُ فِيهِ قَيْدُ الْإِيمَانِ (وَالنَّفْيُ فِي غَيْرِهِ) أَيْ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ، وَهُوَ نَفْيُ الْإِجْزَاءِ
ــ
[التلويح]
وَغَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ وُجُوبِ أَحَدِهِمَا عَلَى التَّعْيِينِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ بِالْقِيَاسِ إجْزَاءُ الْمُقَيَّدِ، وَلَا عَدَمُ إجْزَاءِ غَيْرِ الْمُقَيَّدِ لَا يُقَالُ الْمُطْلَقُ سَاكِتٌ عَنْ الْقَيْدِ غَيْرُ مُتَعَرِّضٍ لَهُ لَا بِالنَّفْيِ، وَلَا بِالْإِثْبَاتِ فَيَكُونُ الْمَحَلُّ فِي حَقِّ الْوَصْفِ خَالِيًا عَنْ النَّصِّ لِأَنَّا نَقُولُ مَمْنُوعٌ بَلْ هُوَ نَاطِقٌ بِالْحُكْمِ فِي الْمَحَلِّ سَوَاءٌ وُجِدَ الْقَيْدُ أَوْ لَمْ يُوجَدْ، وَمَعْنَى قَوْلِهِمْ أَنَّ الْمُطْلَقَ غَيْرُ مُتَعَرِّضٍ لِلصِّفَاتِ لَا بِالنَّفْيِ، وَلَا بِالْإِثْبَاتِ أَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى أَحَدِهِمَا بِالتَّعْيِينِ هَذَا، وَلَكِنْ لِلْخَصْمِ أَنْ يَقُولَ إنَّ الْمُعَدَّى هُوَ وُجُوبُ الْقَيْدِ لَا إجْزَاءُ الْمُقَيَّدِ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ النَّصَّ الْمُطْلَقَ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْقَيْدِ بَلْ عَلَى وُجُوبِ الْمُطْلَقِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي ضِمْنِ الْمُقَيَّدِ أَوْ غَيْرِهِ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا يُقَالُ إنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ هَذِهِ التَّعَدِّيَةِ لَا يَلْزَمُ عَدَمُ إجْزَاءِ غَيْرِ الْمُقَيَّدَةِ كَالْكَافِرَةِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ لِأَنَّ غَايَةَ الْأَمْرِ أَنْ يُجْمَعَ فِيهِ نَصَّانِ مُطْلَقٌ، وَمُقَيَّدٌ تَقْدِيرًا، وَلَا دَلَالَةَ لِلْمُقَيَّدِ عَلَى عَدَمِ الْحُكْمِ عِنْدَ عَدَمِ الْقَيْدِ فَيَجُوزُ الْكَافِرَةُ بِالنَّصِّ الْمُطْلَقِ، وَالْمُؤْمِنَةُ بِهِ، وَبِالنَّصِّ الْمُقَيَّدِ أَيْضًا، وَلَا امْتِنَاعَ فِي اجْتِمَاعِ النَّصِّ، وَالْقِيَاسِ فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ عَلَى أَنَّا نَقُولُ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ الْمُطْلَقُ، وَالْمُقَيَّدُ فِي حَادِثَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الْحُكْمِ فَالْحَمْلُ، وَاجِبٌ اتِّفَاقًا كَمَا مَرَّ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْقَيْدَ يَدُلُّ عَلَى الْإِثْبَاتِ فِي الْمُقَيَّدِ، وَالنَّفْيِ فِي غَيْرِهِ) فَإِنْ قُلْت هَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ النَّفْيَ أَيْضًا مَدْلُولُ النَّصِّ كَالْإِثْبَاتِ فَيَكُونُ حُكْمًا شَرْعِيًّا ضَرُورَةً فَيُنَاقِضُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِي الْمُقَيَّدِ عَلَى نَفْيِ الْكَافِرَةِ أَصْلًا، وَأَنَّهُ عَدَمٌ أَصْلِيٌّ لَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ مُجَارَاةِ الْخَصْمِ بِتَسْلِيمِ بَعْضِ مُقَدِّمَاتِهِ
стр. 122
فِي الرَّقَبَةِ الْكَافِرَةِ فَثَبَتَ أَنَّ الْقَيْدَ يَدُلُّ عَلَى هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ.
(وَالْأَوَّلُ) ، وَهُوَ إجْزَاءُ الْمُؤْمِنَةِ (حَاصِلٌ فِي الْمَقِيسِ) ، وَهُوَ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ (بِالنَّصِّ الْمُطْلَقِ) ، وَهُوَ قَوْلُهُ أَوْ تَحْرِيرَ رَقَبَةٍ (فَلَا يُفِيدُ تَعْدِيَتُهُ فَهِيَ) أَيْ التَّعْدِيَةُ (فِي الْمَثَانِي فَقَطْ فَتَعْدِيَةُ الْقَيْدِ تَعْدِيَةُ الْعَدَمِ بِعَيْنِهَا) أَيْ بِعَيْنِ تَعْدِيَةِ الْعَدَمِ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَهَا فَهِيَ مَقْصُودَةٌ مِنْهَا أَيْ، وَإِنْ كَانَتْ تَعْدِيَةُ الْقَيْدِ غَيْرَ تَعْدِيَةِ الْعَدَمِ فَتَعْدِيَةُ الْعَدَمِ مَقْصُودَةٌ مِنْ تَعْدِيَةِ الْقَيْدِ، وَحَاصِلُ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ تَعْدِيَةَ الْقَيْدِ هِيَ عَيْنُ تَعْدِيَةِ الْعَدَمِ، وَإِنْ سَلِمَ أَنَّ مَفْهُومَ تَعْدِيَةِ الْقَيْدِ غَيْرُ مَفْهُومِ تَعْدِيَةِ الْعَدَمِ فَتَعْدِيَةُ الْعَدَمِ مَقْصُودَةٌ مِنْ تَعْدِيَةِ الْقَيْدِ فَبَطَلَ قَوْلُهُ نَحْنُ نُعَدِّي الْقَيْدَ فَثَبَتَ الْعَدَمُ ضِمْنًا بَلْ الْعَدَمُ يَثْبُتُ قَصْدًا، وَهُوَ لَيْسَ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ فَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ (فَتَكُونُ) أَنَّ تَعْدِيَةَ الْقَيْدِ (لِإِثْبَاتِ مَا لَيْسَ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ) ، وَهُوَ عَدَمُ إجْزَاءِ الْكَافِرَةِ فَإِنَّهُ عَدَمٌ أَصْلِيٌّ.
(وَإِبْطَالُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ) ، وَهُوَ إجْزَاءُ الرَّقَبَةِ الْكَافِرَةِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ (الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْمُطْلَقُ) ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩] .
(وَكَيْفَ يُقَاسُ مَعَ وُرُودِ النَّصِّ) فَإِنَّ شَرْطَ الْقِيَاسِ أَنْ لَا يَكُونَ فِي الْمَقِيسِ نَصٌّ دَالٌّ عَلَى الْحُكْمِ الْمُعَدَّى أَوْ عَلَى عَدَمِهِ.
(وَلَيْسَ حَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ كَتَخْصِيصِ الْعَامِّ كَمَا زَعَمُوا لِيَجُوزَ بِالْقِيَاسِ) جَوَابٌ عَنْ الدَّلِيلِ الَّذِي ذُكِرَ فِي الْمَحْصُولِ عَلَى جَوَازِ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ إنْ اقْتَضَى الْقِيَاسُ حَمْلَهُ، وَهُوَ أَنَّ دَلَالَةَ الْعَامِّ عَلَى الْأَفْرَادِ فَوْقَ دَلَالَةِ الْمُطْلَقِ عَلَيْهَا لِأَنَّ دَلَالَةَ الْعَامِّ عَلَى الْأَفْرَادِ قَصْدِيَّةٌ، وَدَلَالَةَ الْمُطْلَقِ عَلَيْهَا ضِمْنِيَّةٌ، وَالْعَامُّ يُخَصُّ بِالْقِيَاسِ اتِّفَاقًا بَيْنَنَا، وَبَيْنَكُمْ فَيَجِبُ أَنْ يُقَيَّدَ الْمُطْلَقُ بِالْقِيَاسِ عِنْدَكُمْ أَيْضًا فَأَجَابَ بِمَنْعِ جَوَازِ التَّخْصِيصِ بِالْقِيَاسِ مُطْلَقًا بِقَوْلِهِ (لِأَنَّ التَّخْصِيصَ بِالْقِيَاسِ إنَّمَا يَجُوزُ عِنْدَنَا إذَا كَانَ الْعَامُّ
ــ
[التلويح]
كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى النَّاظِرِ فِي السِّيَاقِ، وَالسِّيَاقُ قُلْت تَسَامُحٌ فِي الْعِبَارَةِ، وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ الْقَيْدَ فُهِمَ أَنَّ عَدَمَ إجْزَاءِ الْكَافِرَةِ بَاقٍ عَلَى الْعَدَمِ الْأَصْلِيِّ.
(قَوْلُهُ:، وَدَلَالَةُ الْمُطْلَقِ عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى الْأَفْرَادِ ضِمْنِيَّةٌ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْهُ إلَى نَفْسِ الْحَقِيقَةِ أَوْ إلَى حِصَّةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ مُحْتَمِلَةٍ لِحِصَصٍ كَثِيرَةٍ، وَالْمُرَادُ دَلَالَتُهُ عَلَى الْأَفْرَادِ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ دُونَ الشُّمُولِ لِظُهُورِ أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ إعْتَاقِ رَقَبَةٍ مَا.
(قَوْلُهُ: لَا يُقَالُ أَنْتُمْ قَيَّدْتُمْ الرَّقَبَةَ بِالسَّلَامَةِ) مَوْرِدُ الْإِشْكَالِ لَيْسَ حَمْلَ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ بَلْ إبْطَالُ حُكْمِ الْإِطْلَاقِ بِالْقِيَاسِ، وَإِنَّمَا أَوْرَدَهُ فِي الْمَحْصُولِ جَوَابًا عَمَّا قِيلَ إنَّ قَوْلَهُ: أَعْتِقْ رَقَبَةً يَقْتَضِي تَمَكُّنَ الْمُكَلَّفِ مِنْ إعْتَاقِ أَيِّ رَقَبَةٍ شَاءَ مِنْ رِقَابِ الدُّنْيَا فَلَوْ دَلَّ الْقِيَاسُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُجْزِيهِ إلَّا الْمُؤْمِنَةُ لَكَانَ الْقِيَاسُ دَلِيلًا عَلَى زَوَالِ الْمُكْنَةِ الثَّابِتَةِ بِالنَّصِّ فَيَكُونُ الْقِيَاسُ نَاسِخًا، وَأَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ
[فَصْلٌ حُكْمُ الْمُشْتَرَكِ]
(قَوْلُهُ: فَصْلُ حُكْمِ الْمُشْتَرَكِ التَّأَمُّلُ) فِي نَفْسِ الصِّيغَةِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الْأَدِلَّةِ، وَالْأَمَارَاتِ لِيَتَرَجَّحَ أَحَدُ مَعْنَيَيْهِ أَوْ مَعَانِيهِ، وَلَمَّا
стр. 123
مُخَصَّصًا بِقَطْعِيٍّ، وَهُنَا يَثْبُتُ الْقَيْدُ ابْتِدَاءً بِالْقِيَاسِ لَا أَنَّهُ قُيِّدَ أَوَّلًا بِالنَّصِّ ثُمَّ بِالْقِيَاسِ فَيَصِيرُ الْقِيَاسُ هُنَا مُبْطِلًا لِلنَّصِّ) فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْعَامَّ لَا يُخَصُّ بِالْقِيَاسِ عِنْدَنَا مُطْلَقًا بَلْ إنَّمَا يُخَصُّ إذَا خُصَّ أَوَّلًا بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ، وَفِي مَسْأَلَةِ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ لَمْ يُقَيَّدْ الْمُطْلَقُ بِنَصٍّ أَوَّلًا حَتَّى يُقَيَّدَ ثَانِيًا بِالْقِيَاسِ بَلْ الْخِلَافُ فِي تَقْيِيدِهِ ابْتِدَاءً بِالْقِيَاسِ فَلَا يَكُونُ كَتَخْصِيصِ الْعَامِّ.
(وَقَدْ قَامَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْكَفَّارَاتِ فَإِنَّ الْقَتْلَ مِنْ أَعْظَمِ الْكَبَائِرِ) لِمَا ذَكَرَ الْحُكْمَ الْكُلِّيَّ، وَهُوَ أَنَّ تَقْيِيدَ الْمُطْلَقِ بِالْقِيَاسِ لَا يَجُوزُ تَنَزُّلُهُ إلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْجُزْئِيَّةِ، وَذَكَرَ فِيهَا مَانِعًا آخَرَ يَمْنَعُ الْقِيَاسَ، وَهُوَ أَنَّ الْقَتْلَ مِنْ أَعْظَمِ الْكَبَائِرِ فَيَجُوزُ أَنْ يُشْتَرَطَ فِي كَفَّارَتِهِ الْإِيمَانُ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِيمَا دُونَهُ فَإِنَّ تَغْلِيظَ الْكَفَّارَةِ بِقَدْرِ غِلَظِ الْجِنَايَةِ.
(لَا يُقَالُ أَنْتُمْ قَيَّدْتُمْ الرَّقَبَةَ بِالسَّلَامَةِ) هَذَا إشْكَالٌ أَوْرَدَهُ عَلَيْنَا فِي الْمَحْصُولِ، وَهُوَ أَنَّكُمْ قَيَّدْتُمْ الْمُطْلَقَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ (لِأَنَّ الْمُطْلَقَ لَا يَتَنَاوَلُ مَا كَانَ نَاقِصًا فِي كَوْنِهِ رَقَبَةً، وَهُوَ فَائِتُ جِنْسِ الْمَنْفَعَةِ، وَهَذَا مَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا أَنَّ الْمُطْلَقَ يَنْصَرِفُ إلَى الْكَامِلِ) أَيْ الْكَامِلِ فِيمَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ هَذَا الِاسْمُ كَالْمَاءِ الْمُطْلَقِ لَا يَنْصَرِفُ إلَى مَاءِ الْوَرْدِ فَلَا يَكُونُ حَمْلُهُ عَلَى الْكَامِلِ تَقْيِيدًا.
(وَلَا يُقَالُ أَنْتُمَا قَيَّدْتُمْ قَوْلَهُ ﵊ «فِي خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ زَكَاةٌ» بِقَوْلِهِ «فِي خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ» مَعَ أَنَّهُمَا
ــ
[التلويح]
كَانَ هُنَا مَظِنَّةَ أَنْ يُقَالَ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ، وَتَأَمُّلٍ فِيمَا يَحْصُلُ بِهِ تَرْجِيحُ أَحَدِهِمَا أَوْرَدَ عَقِيبَ ذَلِكَ مَسْأَلَةَ امْتِنَاعِ اسْتِعْمَالِ الْمُشْتَرَكِ فِي مَعْنَيَيْهِ أَوْ مَعَانِيهِ، وَتَحْرِيرُ مَحَلِّ النِّزَاعِ أَنَّهُ هَلْ يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِالْمُشْتَرَكِ فِي اسْتِعْمَالٍ وَاحِدٍ كُلُّ وَاحِدٍ فَمِنْ مَعْنَيَيْهِ أَوْ مَعَانِيهِ بِأَنْ تَتَعَلَّقَ النِّسْبَةُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا لَا بِالْمَجْمُوعِ مِنْ حَيْثُ هُوَ الْمَجْمُوعُ بِأَنْ يُقَالَ رَأَيْت الْعَيْنَ، وَيُرَادُ بِهَا الْبَاصِرَةُ، وَالْجَارِيَةُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَفِي الدَّارِ الْجَوْنُ أَيْ الْأَسْوَدُ، وَالْأَبْيَضُ، وَأَقْرَأَتْ هِنْدٌ أَيْ حَاضَتْ، وَطَهُرَتْ فَقِيلَ يَجُوزُ، وَقِيلَ لَا يَجُوزُ، وَقِيلَ فِي النَّفْيِ دُونَ الْإِثْبَاتِ، وَإِلَيْهِ مَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ فِي بَابِ الْوَصِيَّةِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ مَا إذَا أَمْكَنَ الْجَمْعُ كَمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَمْثِلَةِ بِخِلَافِ صِيغَةِ أَفْعَلَ عَلَى قَصْدِ الْأَمْرِ، وَالتَّهْدِيدِ أَوْ الْوُجُوبِ، وَالْإِبَاحَةِ مَثَلًا ثُمَّ اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالْجَوَازِ فَقِيلَ حَقِيقَةٌ، وَقِيلَ مُجَازٌ، وَعَنْ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ ظَاهِرٌ فِي الْمَعْنَيَيْنِ يَجِبُ الْحَمْلُ عَلَيْهِمَا عِنْدَ التَّجَرُّدِ عَنْ الْقَرَائِنِ، وَلَا يُحْمَلُ عَلَى أَحَدِهِمَا خَاصَّةً إلَّا بِقَرِينَةٍ، وَهَذَا مَعْنَى عُمُومِ الْمُشْتَرَكِ فَالْعَامُّ عِنْدَهُ قِسْمَانِ قِسْمٌ مُتَّفِقُ الْحَقِيقَةِ، وَقِسْمٌ مُخْتَلِفُ الْحَقِيقَةِ، وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِعَدَمِ الْجَوَازِ فَقِيلَ لَا يُمْكِنُ لِلدَّلِيلِ الْقَائِمِ عَلَى امْتِنَاعِهِ، وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَقِيلَ يَصِحُّ لَكِنَّهُ لَيْسَ مِنْ اللُّغَةِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي الْجَمْعِ مِثْلُ الْعُيُونِ فَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إلَى أَنَّ الْخِلَافَ فِيهِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْمُفْرَدِ فَإِنْ جَازَ
стр. 124
دَخَلَا فِي السَّبَبِ) ، وَالْمَذْهَبُ عِنْدَكُمْ أَنَّ الْمُطْلَقَ لَا يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَإِنْ اتَّحَدَتْ الْحَادِثَةُ إذَا دَخَلَا عَلَى السَّبَبِ كَمَا فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ.
(وَقَيَّدْتُمْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] مَعَ أَنَّهُمَا فِي حَادِثَتَيْنِ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] فَأَجَابَ عَنْ الْإِشْكَالَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ بِقَوْلِهِ (لِأَنَّ قَيْدَ الْإِسَامَةِ إنَّمَا يَثْبُتُ بِقَوْلِهِ ﵇ «لَيْسَ فِي الْعَوَامِلِ، وَالْحَوَامِلِ، وَالْعَلُوفَةِ صَدَقَةٌ» ، وَالْعَدَالَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات: ٦] .
(فَصْلٌ حُكْمُ
ــ
[التلويح]
جَازَ، وَإِلَّا فَلَا، وَقِيلَ يَجُوزُ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَجُزْ فِي الْمُفْرَدِ، وَذَهَبَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي أَكْثَرَ مِنْ مَعْنًى وَاحِدٍ لَا حَقِيقَةً، وَلَا مَجَازًا أَمَّا حَقِيقَةٌ فَلِأَنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى كَوْنِ اللَّفْظِ مَوْضُوعًا لِمَجْمُوعِ الْمَعْنَيَيْنِ لِيَكُونَ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِ اسْتِعْمَالًا فِي نَفْسِ الْمَوْضُوعِ لَهُ فَيَكُونَ حَقِيقَةً، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَوْضُوعًا لِمَجْمُوعِ الْمَعْنَيَيْنِ لَمَا صَحَّ اسْتِعْمَالُهُ فِي أَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ عَلَى الِانْفِرَادِ حَقِيقَةً ضَرُورَةَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ نَفْسُ الْمَوْضُوعِ لَهُ بَلْ لَهُ جُزْءٌ، وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ فَإِنَّ مَنْعَ الْمُلَازَمَةِ مُسْتَنِدًا بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَوْضُوعًا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ كَمَا أَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلْمَجْمُوعِ فَجَوَابُهُ أَنَّ اسْتِعْمَالَهُ فِي الْمَجْمُوعِ حِينَئِذٍ يَكُونُ اسْتِعْمَالًا فِي أَحَدِ الْمَعَانِي، وَلَا نِزَاعَ فِي صِحَّتِهِ فَإِنْ قِيلَ لَا نَعْنِي بِاسْتِعْمَالِهِ فِي مَجْمُوعِ الْمَعْنَيَيْنِ حَقِيقَةَ أَنَّهُ يُرَادُ بِهِ الْمَجْمُوعُ مِنْ حَيْثُ هُوَ الْمَجْمُوعُ حَتَّى يَلْزَمَ كَوْنُهُ مَوْضُوعًا لِلْمَجْمُوعِ بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُرَادُ بِهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ عَلَى أَنَّهُ نَفْسُ الْمُرَادِ لَا جُزْءٌ مِنْ مَعْنًى ثَالِثٍ هُوَ الْمُرَادُ، وَحِينَئِذٍ لَا يَلْزَمُ إلَّا كَوْنُهُ مَوْضُوعًا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ، وَالْأَمْرُ كَذَلِكَ فَجَوَابُهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ مَوْضُوعًا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَوْضُوعًا لَهُ بِدُونِ الْآخَرِ أَيْ بِشَرْطِ انْفِرَادِهِ عَنْ الْآخَرِ أَوْ مُطْلَقًا أَيْ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ انْفِرَادِهِ عَنْ الْآخَرِ أَوْ اجْتِمَاعِهِ مَعَهُ إذْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَوْضُوعًا لِكُلِّ وَاحِدٍ بِشَرْطِ الْآخَرِ لِمَا مَرَّ فِي بَيَانِ انْتِفَاءِ وَضْعِهِ لِلْمَجْمُوعِ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ يَثْبُتُ الْمُدَّعِي إمَّا عَلَى الْأَوَّلِ فَظَاهِرٌ، وَإِمَّا عَلَى الثَّانِي فَلِأَنَّ وَضْعَ اللَّفْظِ عِبَارَةٌ عَنْ تَخْصِيصِهِ بِالْمَعْنَى أَيْ جَعْلُهُ بِحَيْثُ يَقْتَصِرُ عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى لَا يَتَجَاوَزُهُ، وَلَا يُرَادُ بِهِ غَيْرُهُ عِنْدَ الِاسْتِعْمَالِ فَدَائِمًا لَا يُمْكِنُ إلَّا اعْتِبَارُ وَضْعٍ وَاحِدٍ لِأَنَّ اعْتِبَارَ كُلٍّ مِنْ الْوَضْعَيْنِ يُنَافِي اعْتِبَارَ الْآخَرِ ضَرُورَةَ أَنَّ اعْتِبَارَ وَضْعِهِ لِهَذَا الْمَعْنَى يُوجِبُ إرَادَةَ هَذَا الْمَعْنَى خَاصَّةً، وَاعْتِبَارَ وَضْعِهِ لِلْمَعْنَى الْآخَرِ يُوجِبُ إرَادَتَهُ خَاصَّةً فَلَوْ اُعْتُبِرَ الْوَضْعَانِ فِي إطْلَاقٍ وَاحِدٍ لَزِمَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ صِفَةُ الِانْفِرَادِ عَنْ الْآخَرِ، وَالِاجْتِمَاعُ مَعَهُ بِحَسَبِ الْإِرَادَةِ بَلْ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا مُرَادًا وَغَيْرُ مُرَادٍ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهُوَ بَاطِلٌ بِالضَّرُورَةِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ (وَمَنْ عَرَفَ سَبَبَ وُقُوعِ الِاشْتِرَاكِ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ
стр. 125
الْمُشْتَرَكِ التَّأَمُّلُ حَتَّى يَتَرَجَّحَ أَحَدُ مَعَانِيهِ، وَلَا يُسْتَعْمَلُ فِي أَكْثَرَ مِنْ مَعْنًى وَاحِدٍ لَا حَقِيقَةً لِأَنَّهُ لَمْ يُوضَعْ لِلْمَجْمُوعِ) اعْلَمْ أَنَّ الْوَاضِعَ لَا يَخْلُو إمَّا إنْ وُضِعَ الْمُشْتَرَكُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ بِدُونِ الْآخَرِ أَوْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعَ الْآخَرِ أَيْ لِلْمَجْمُوعِ أَوْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُطْلَقًا، وَالثَّانِي غَيْرُ وَاقِعٍ لِأَنَّ الْوَاضِعَ لَمْ يَضَعْهُ لِلْمَجْمُوعِ، وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ اسْتِعْمَالُهُ فِي أَحَدِهِمَا بِدُونِ الْآخَرِ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ لَكِنَّ هَذَا صَحِيحٌ اتِّفَاقًا، وَأَيْضًا عَلَى تَقْدِيرِ الْوُقُوعِ يَكُونُ اسْتِعْمَالُهُ اسْتِعْمَالًا فِي أَحَدِ الْمَعْنَيَيْنِ، وَإِنْ وُجِدَ الْأَوَّلُ أَوْ الثَّالِثُ ثَبَتَ الْمُدَّعَى لِأَنَّ الْوَضْعَ تَخْصِيصُ اللَّفْظِ بِالْمَعْنَى فَكُلُّ وَضْعٍ يُوجِبُ أَنَّ الْإِيرَادَ بِاللَّفْظِ إلَى هَذَا الْمَعْنَى بِالْمَوْضُوعِ لَهُ، وَيُوجِبُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمَعْنَى تَمَامَ الْمُرَادِ بِاللَّفْظِ فَاعْتِبَارُ كُلٍّ مِنْ الْمَوْضُوعَيْنِ يُنَافِي اعْتِبَارَ الْآخَرِ، وَمَنْ عَرَفَ سَبَبَ وُقُوعِ الِاشْتِرَاكِ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ امْتِنَاعُ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي الْمَعْنَيَيْنِ فَقَوْلُهُ: لَا نَعْلَمُ بِوَضْعٍ
ــ
[التلويح]
امْتِنَاعُ اسْتِعْمَالِهِ) أَيْ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ فِي الْمَعْنَيَيْنِ حَقِيقَةً فِي إطْلَاقٍ وَاحِدٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّ سَبَبَهُ هُوَ الْوَضْعُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ إمَّا لِلِابْتِلَاءِ إنْ كَانَ الْوَاضِعُ هُوَ اللَّهَ تَعَالَى، وَإِمَّا لِقَصْدِ الْإِبْهَامِ أَوْ لِغَفْلَةٍ مِنْ الْوَضْعِ الْأَوَّلِ أَوْ لِاخْتِلَافِ الْوَاضِعِينَ إنْ كَانَ غَيْرَهُ، وَالْوَضْعُ هُوَ تَخْصِيصُ اللَّفْظِ بِالْمَعْنَى فَلَوْ اُسْتُعْمِلَ فِي الْمَعْنَيَيْنِ حَقِيقَةً لَكَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا نَفْسَ الْمَوْضُوعِ لَهُ أَيْ الْمَعْنَى الَّذِي خُصَّ بِهِ اللَّفْظُ، وَهُوَ بَاطِلٌ ضَرُورَةَ انْتِفَاءِ التَّخْصِيصِ عِنْدَ إرَادَةِ الْمَعْنَى الْآخَرِ، وَهَذِهِ مُغَالَطَةٌ مَنْشَؤُهَا اشْتِرَاكُ لَفْظِ تَخْصِيصِ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ بَيْنَ قَصْرِ الْمُخَصَّصِ عَلَى الْمُخَصَّصِ بِهِ كَمَا يُقَالُ فِي مَا زَيْدٌ إلَّا قَائِمٌ أَنَّهُ لِتَخْصِيصِ زَيْدٍ بِالْقِيَامِ، وَبَيْنَ جَعْلِ الْمُخَصَّصِ مُنْفَرِدًا مِنْ بَيْنِ الْأَشْيَاءِ بِالْحُصُولِ لِلْمُخَصَّصِ بِهِ كَمَا يُقَالُ فِي ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] مَعْنَاهُ نَخُصُّك بِالْعِبَادَةِ، وَفِي ضَمِيرِ الْفَصْلِ أَنَّهُ لِتَخْصِيصِ الْمُسْنَدِ إلَيْهِ بِالْمُسْنَدِ، وَخَصَصْت فُلَانًا بِالذِّكْرِ أَيْ ذَكَرْته، وَحْدَهُ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِتَخْصِيصِ اللَّفْظِ بِالْمَعْنَى أَيْ تَعْيِينُهُ لِذَلِكَ الْمَعْنَى، وَجَعْلُهُ مُنْفَرِدًا بِذَلِكَ مِنْ بَيْنِ الْأَلْفَاظِ وَهَذَا لَا يُوجِبُ أَنْ يُرَادَ بِاللَّفْظِ إلَّا هَذَا الْمَعْنَى فَلِلْخَصْمِ أَنْ يَخْتَارَ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ مُطْلَقًا أَيْ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ انْفِرَادٍ أَوْ اجْتِمَاعٍ فَيُسْتَعْمَلُ تَارَةً فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ لَهُ خَاصَّةً مِنْ غَيْرِ اسْتِعْمَالٍ فِي الْآخِرَةِ، وَتَارَةً مَعَ اسْتِعْمَالِهِ فِيهِ، وَالْمَعْنَى الْمُسْتَعْمَلُ فِيهِ فِي الْحَالَيْنِ نَفْسُ الْمَوْضُوعِ لَهُ فَيَكُونُ اللَّفْظُ حَقِيقَةً، وَأَمَّا إنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي أَكْثَرَ مِنْ مَعْنًى وَاحِدٍ مَجَازًا فَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ، وَالْمَجَازِ، وَهُوَ بَاطِلٌ لِمَا سَيَأْتِي بَيَانُ اللُّزُومِ عَلَى مَا نُقِلَ عَنْ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَوْ أُرِيدَ بِهِ الْمَجْمُوعُ، وَهُوَ غَيْرُ الْمَوْضُوعِ لَهُ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ مُرَادٌ، وَهُوَ نَفْسُ الْمَوْضُوعِ لَهُ يَلْزَمُ إرَادَةُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ، وَالْمَجَازِيِّ مِنْ اللَّفْظِ فِي إطْلَاقٍ وَاحِدٍ، وَهَذَا مَعْنَى الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ، وَالْمَجَازِ، وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ إذَا أُرِيدَ بِهِ الْمَجْمُوعُ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ دَاخِلًا فِي الْمُرَادِ لَا نَفْسِ الْمُرَادِ، وَمِثْلُ هَذَا
стр. 126
لِلْمَجْمُوعِ إشَارَةٌ إلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ الْمُشْتَرَكَ إنَّمَا يَصِحُّ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْمَعْنَيَيْنِ إذَا كَانَ مَوْضُوعًا لِلْمَجْمُوعِ، وَوَضْعُهُ لِلْمَجْمُوعِ مُنْتَفٍ أَمَّا عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ الْآخَرَيْنِ فَلَا يَصِحُّ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِمَا كَمَا ذَكَرْنَا.
(وَلَا مَجَازًا لِاسْتِلْزَامِهِ الْجَمْعَ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ، وَالْمَجَازِ) فَإِنَّ اللَّفْظَ إنْ اُسْتُعْمِلَ فِي أَكْثَرَ مِنْ مَعْنًى وَاحِدٍ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ الْوَاحِدُ مُسْتَعْمَلًا فِي الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ، وَالْمَجَازِيِّ مَعًا، وَهَذَا لَا يَجُوزُ.
(فَإِنْ قِيلَ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ الْآيَةَ وَالصَّلَاةُ مِنْ اللَّهِ رَحْمَةٌ، وَمِنْ الْمَلَائِكَةِ اسْتِغْفَارٌ قُلْنَا لَا اشْتِرَاكَ لِأَنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ لِإِيجَابِ الِاقْتِدَاءِ فَلَا بُدَّ مِنْ اتِّحَادِ مَعْنَى
ــ
[التلويح]
لَا يَكُونُ جَمْعًا بَيْنَ الْحَقِيقَةِ، وَالْمَجَازِ كَالْعَامِّ الْمَوْضُوعِ لِلْمَجْمُوعِ إذَا أُرِيدَ بِهِ الْمَجْمُوعُ، وَدَخَلَ تَحْتَهُ كُلُّ فَرْدٍ، وَهُوَ غَيْرُ الْمَوْضُوعِ لَهُ فَأَجَابَ بِأَنَّ إرَادَةَ الْمَجْمُوعِ فِي الْمُشْتَرَكِ لَيْسَتْ إلَّا إرَادَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ إذْ لَيْسَ هَاهُنَا مَجْمُوعٌ يُرَادُ بِاللَّفْظِ فَيَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ بِخِلَافِ الْعَامِّ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ هُنَا مَجْمُوعٌ يُرَادُ بِاللَّفْظِ، وَيُغَايِرُ كُلًّا مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ فَقَدْ تَمَّ الِاعْتِرَاضُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ الْمَعْنَى الْمَجَازِيُّ الْمُرَادُ فَلَمْ يَلْزَمْ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ، وَالْمَجَازِ إلَّا وَجْهُ أَنْ يُقَالَ مَحَلُّ النِّزَاعِ هُوَ اسْتِعْمَالُ الْمُشْتَرَكِ فِي الْمَعْنَيَيْنِ أَوْ الْمَعَانِي أَوْ أَكْثَرَ عَلَى أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا مُرَادًا بِاللَّفْظِ، وَمَنَاطًا لِلْحُكْمِ لَا دَاخِلًا تَحْتَ مَعْنًى ثَالِثٍ هُوَ الْمُرَادُ، وَالْمَنَاطُ، وَاسْتِعْمَالُهُ فِي الْمَعْنَيَيْنِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا بِأَنْ تَكُونَ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ عَلَاقَةٌ فَيُرَادُ أَحَدُهُمَا عَلَى أَنَّهُ نَفْسُ الْمَوْضُوعِ لَهُ، وَالْآخَرُ عَلَى أَنَّهُ يُنَاسِبُ الْمَوْضُوعَ لَهُ بِعَلَاقَةٍ فَهَذَا جَمْعٌ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ، وَالْمَجَازِ إذْ لَوْ أُرِيدَ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى أَنَّهُ نَفْسُ الْمَوْضُوعِ لَهُ كَانَ اللَّفْظُ حَقِيقَةً لَا مَجَازًا، وَالتَّقْدِيرُ بِخِلَافِهِ، وَلَوْ أُرِيدَ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى أَنَّهُ مُنَاسِبٌ لِلْمَوْضُوعِ لَهُ فَلِذَلِكَ إمَّا أَنْ يَكُونَ بِاسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي مَعْنًى مَجَازِيٍّ يَتَنَاوَلُهُمَا لِكَوْنِهِمَا مِنْ أَفْرَادِهِ، وَقَدْ عَرَفْت أَنَّهُ لَيْسَ مَحَلَّ النِّزَاعِ.
وَأَمَّا بِاسْتِعْمَالِهِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى أَنَّهُ مَعْنًى مَجَازِيٌّ بِالِاسْتِقْلَالِ، وَسَيَجِيءُ أَنَّ اسْتِعْمَالَ اللَّفْظِ فِي مَعْنَيَيْنِ مَجَازِيَّيْنِ بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ فَإِنْ قِيلَ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لُزُومُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ، وَالْمَجَازِ بِأَنْ يُسْتَعْمَلَ فِي الْمَجْمُوعِ بِاعْتِبَارِ إطْلَاقِ اسْمِ الْبَعْضِ عَلَى الْكُلِّ فَيَكُونُ حَقِيقَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مَجَازًا فِي الْمَجْمُوعِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ الْوَضْعِ الثَّالِثِ، وَالْعَلَاقَةِ قُلْنَا سَيَجِيءُ أَنَّ إطْلَاقَ اسْمِ الْبَعْضِ عَلَى الْكُلِّ مَشْرُوطٌ بِلُزُومٍ، وَاتِّصَالٍ بَيْنَهُمَا كَمَا بَيْنَ الرَّقَبَةِ، وَالشَّخْصِ بِخِلَافِ إطْلَاقِ الْوَاحِدِ عَلَى الِاثْنَيْنِ، وَإِطْلَاقِ الْأَرْضِ عَلَى مَجْمُوعِ السَّمَاءِ، وَالْأَرْضِ فَإِنَّهُ لَا قَائِلَ بِصِحَّتِهِ عَلَى أَنَّهُ حِينَئِذٍ يَعُودُ الِاعْتِرَاضُ السَّابِقُ عَلَى مَا نُقِلَ عَنْ الْمُصَنِّفِ.
(قَوْلُهُ: لَكَانَ هَذَا الْكَلَامُ فِي غَايَةِ الرَّكَاكَةِ) لِأَنَّ إيجَابَ الِاقْتِدَاءِ إنَّمَا هُوَ بِالْحَمْلِ، وَالتَّحْرِيضِ عَلَى مَا صَدَرَ عَنْ الْمُقْتَدَى بِهِ إذْ لَا إيجَابَ اقْتِدَاءٍ فِي مِثْلِ فُلَانٍ يُصَلِّي فَاقْرَءُوا الْقُرْآنَ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ رَكَاكَةَ
стр. 127
الصَّلَاةِ مِنْ الْجَمِيعِ لَكِنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَوْصُوفِ كَسَائِرِ الصِّفَاتِ لَا بِحَسَبِ الْوَضْعِ) اعْلَمْ أَنَّ الْمُجَوِّزِينَ تَمَسَّكُوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] فَإِنَّ الصَّلَاةَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى رَحْمَةٌ، وَمِنْ الْمَلَائِكَةِ اسْتِغْفَارٌ، وَقَدْ أَوْرَدُوا عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ قِبَلِنَا إشْكَالًا فَاسِدًا، وَهُوَ أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ فَإِنَّ الْفِعْلَ مُتَعَدِّدٌ بِتَعَدُّدِ الضَّمَائِرِ فَكَأَنَّهُ كَرَّرَ لَفْظَ يُصَلِّي، وَأَجَابُوا عَنْ هَذَا بِأَنَّ التَّعَدُّدَ بِحَسَبِ الْمَعْنَى لَا بِحَسَبِ اللَّفْظِ لِعَدَمِ الِاحْتِيَاجِ إلَى هَذَا، وَهَذَا الْإِشْكَالُ مِنْ قِبَلِنَا فَاسِدٌ لِأَنَّا لَا نُجَوِّزُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ أَيْ فِي صُورَةِ تَعَدُّدِ الضَّمَائِرِ أَيْضًا فَتَكُونُ الْآيَةُ مِنْ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ، وَالْجَوَابُ الصَّحِيحُ لَنَا أَنَّ فِي الْآيَةِ لَمْ يُوجَدْ اسْتِعْمَالُ الْمُشْتَرَكِ فِي أَكْثَرَ مِنْ مَعْنًى وَاحِدٍ لِأَنَّ سِيَاقَ الْآيَةِ لِإِيجَابِ اقْتِدَاءِ الْمُؤْمِنِينَ بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَمَلَائِكَتِهِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﵇ فَلَا بُدَّ مِنْ اتِّحَادِ مَعْنَى الصَّلَاةِ مِنْ الْجَمِيعِ لِأَنَّهُ لَوْ قِيلَ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَرْحَمُ النَّبِيَّ وَالْمَلَائِكَةُ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اُدْعُوا لَهُ لَكَانَ هَذَا الْكَلَامُ فِي غَايَةِ
ــ
[التلويح]
الْكَلَامِ، وَعَدَمَ إيجَابِ الِاقْتِدَاءِ عِنْدَ اخْتِلَافِ مَعَانِي الْأَفْعَالِ الْمَذْكُورَةِ إنَّمَا يَلْزَمُ إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا أَمْرٌ مُشْتَرَكٌ هُوَ الْمَقْصُودُ بِالْإِيجَابِ لِلْقَطْعِ بِأَنَّهُ لَا رَكَاكَةَ فِي مِثْلِ قَوْلِنَا إنَّ السُّلْطَانَ قَدْ أَطْلَقَ زَيْدًا أَوْ الْأَمِيرَ قَدْ خَلَعَ عَلَيْهِ فَاخْدِمُوهُ، وَعَظِّمُوهُ أَيُّهَا الرَّعَايَا فَكَذَا الْمُرَادُ هَاهُنَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَرْحَمُ النَّبِيَّ، وَيُوَصِّلُ إلَيْهِ مِنْ الْخَيْرِ مَا يَلِيقُ بِعَظَمَتِهِ، وَكِبْرِيَائِهِ، وَالْمَلَائِكَةُ يُعَظِّمُونَهُ بِمَا فِي وُسْعِهِمْ فَأْتُوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِمَا يَلِيقُ بِحَالِكُمْ مِنْ الدُّعَاءِ لَهُ، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ فَكَانَ كَلَامًا حَسَنًا.
(قَوْلُهُ: وَلَمَّا بَيَّنُوا) يَعْنِي أَنَّ ذِكْرَ اخْتِلَافِ الْمُسْنَدِ إلَيْهِ عِنْدَ بَيَانِ اخْتِلَافِ الْمَعْنَى حَيْثُ قَالُوا الصَّلَاةُ مِنْ اللَّهِ رَحْمَةٌ، وَمِنْ الْمَلَائِكَةِ اسْتِغْفَارٌ، وَمِنْ النَّاسِ دُعَاءٌ يُشْعِرُ بِأَنَّ مَعْنَى الصَّلَاةِ فِي نَفْسِهِ وَاحِدٌ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَوْصُوفِ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لِمَعَانٍ مُخْتَلِفَةٍ بِأَوْضَاعٍ مُتَعَدِّدَةٍ لِيَلْزَمَ الِاشْتِرَاكُ.
(قَوْلُهُ: هَذَا جَوَابٌ حَسَنٌ) نَعَمْ لَوْ لَمْ يَتَعَرَّضْ فِيهِ لِإِيجَابِ اتِّحَادِ مَعْنَى الصَّلَاةِ فِي الْآيَةِ بَلْ اكْتَفَى بِمَنْعِ اشْتِرَاكِ لَفْظِ الصَّلَاةِ بَيْنَ الْمَعَانِي الْمَذْكُورَةِ، وَتَجْوِيزِ أَنْ يُرَادَ بِهِ فِي الْكُلِّ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيُّ أَوْ الْمَجَازُ.
(قَوْلُهُ: إذْ يُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِالسُّجُودِ الِانْقِيَادُ فِي الْجَمِيعِ) فِيهِ بَحْثٌ لِأَنَّهُ أُرِيدَ بِالِانْقِيَادِ امْتِثَالُ أَوَامِرِ التَّكَالِيفِ، وَنَوَاهِيهَا عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِهِ فَهُوَ لَا يَصِحُّ فِي غَيْرِ الْمُكَلَّفِينَ، وَإِنْ أُرِيدَ امْتِثَالُ حُكْمِ التَّكْوِينِ، وَالتَّسْخِيرِ أَوْ مُطْلَقُ الْإِطَاعَةِ أَعَمُّ مِنْ هَذَا، وَذَاكَ فَشُمُولُهُ لِجَمِيعِ النَّاسِ ظَاهِرٌ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ بِمَعْنًى آخَرَ يَخُصُّهُمْ كَوَضْعِ الْجَبْهَةِ أَوْ امْتِثَالِ التَّكَالِيفِ فَالْأَظْهَرُ فِي الْجَوَابِ عَنْ الْآيَةِ مَا ذَكَرَهُ الْقَوْمُ مِنْ أَنَّهَا عَلَى حَذْفِ الْفِعْلِ أَيْ وَيَسْجُدُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالسُّجُودِ الْأَوَّلِ الِانْقِيَادُ، وَالْخُضُوعُ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى شُمُولِهِ جَمِيعَ النَّاسِ ذِكْرُ مَنْ فِي الْأَرْضِ، وَبِالثَّانِي سُجُودُ
стр. 128
الرَّكَاكَةِ فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اتِّحَادِ مَعْنَى الصَّلَاةِ سَوَاءٌ كَانَ مَعْنًى حَقِيقِيًّا أَوْ مَعْنًى مَجَازِيًّا أَمَّا الْحَقِيقِيُّ فَهُوَ الدُّعَاءُ فَالْمُرَادُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ تَعَالَى يَدْعُو ذَاتَه بِإِيصَالِ الْخَيْرِ إلَى النَّبِيِّ ﵇ ثُمَّ مِنْ لَوَازِمِ هَذَا الدُّعَاءِ الرَّحْمَةُ فَاَلَّذِي قَالَ: إنَّ الصَّلَاةَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى رَحْمَةٌ فَقَدْ أَرَادَ هَذَا الْمَعْنَى لَا أَنَّ الصَّلَاةَ وُضِعَتْ لِلرَّحْمَةِ كَمَا ذَكَرَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] أَنَّ الْمَحَبَّةَ مِنْ اللَّهِ إيصَالُ الثَّوَابِ، وَمِنْ الْعَبْدِ طَاعَةٌ لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ الْمَحَبَّةَ مُشْتَرَكَةٌ مِنْ حَيْثُ الْمَوْضُوعُ بَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالْمَحَبَّةِ لَازِمَهَا، وَاللَّازِمُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ذَلِكَ، وَمِنْ الْعَبْدِ هَذَا، وَأَمَّا الْمَجَازِيُّ فَكَإِرَادَةِ الْخَيْرِ، وَنَحْوِهَا مِمَّا يَلِيقُ بِهَذَا الْمَقَامِ ثُمَّ إنْ اخْتَلَفَ ذَلِكَ الْمَعْنَى لِأَجْلِ اخْتِلَافِ الْمَوْصُوفِ فَلَا بَأْسَ بِهِ فَلَا يَكُونُ هَذَا مِنْ بَابِ الِاشْتِرَاكِ بِحَسَبِ الْوَضْعِ وَلَمَّا بَيَّنُوا اخْتِلَافَ الْمَعْنَى بِاعْتِبَارِ اخْتِلَافِ الْمُسْنَدِ إلَيْهِ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ مَعْنَاهُ وَاحِدٌ لَكِنَّهُ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الْمَوْصُوفِ لَا أَنَّ مَعْنَاهُ مُخْتَلِفٌ وَضْعًا، وَهَذَا جَوَابٌ حَسَنٌ تَفَرَّدْت بِهِ، وَتَمَسَّكُوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الحج: ١٨] الْآيَةَ حَيْثُ نَسَبَ السُّجُودَ إلَى الْعُقَلَاءِ، وَغَيْرِهِمْ كَالشَّجَرِ، وَالدَّوَابِّ فَمَا نُسِبَ إلَى غَيْرِ الْعُقَلَاءِ يُرَادُ بِهِ الِانْقِيَادُ لَا وَضْعُ الْجَبْهَةِ عَلَى الْأَرْضِ وَمَا نُسِبَ إلَى الْعُقَلَاءِ يُرَادُ بِهِ وَضْعُ الْجَبْهَةِ عَلَى الْأَرْضِ فَإِنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ١٨] يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالسُّجُودِ الْمَنْسُوبِ إلَى الْإِنْسَانِ هُوَ وَضْعُ الْجَبْهَةِ عَلَى الْأَرْضِ إذْ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ الِانْقِيَادَ لَمَا قَالَ ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ١٨] لِأَنَّ الِانْقِيَادَ شَامِلٌ لِجَمِيعِ النَّاسِ أَقُولُ تَمَسُّكُهُمْ بِهَذِهِ
ــ
[التلويح]
الطَّاعَةِ، وَالْعِبَادَةِ، وَهُوَ غَيْرُ شَامِلٍ لِجَمِيعِ النَّاسِ.
(قَوْلُهُ: وَأَيْضًا لَا يَبْعُدُ) هَذَا أَيْضًا بَعِيدٌ لِأَنَّ حَقِيقَةَ السُّجُودِ وَضْعُ الْجَبْهَةِ لَا وَضْعُ الرَّأْسِ حَتَّى لَوْ وَضَعَ الرَّأْسَ مِنْ جَانِبِ الْقَفَا لَمْ يَكُنْ سَاجِدًا، وَلَوْ سَلَّمَ فَإِثْبَاتُ حَقِيقَةِ الرَّأْسِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَذْكُورَاتِ كَالسَّمَاوِيَّاتِ مَثَلًا مِنْ الشَّمْسِ، وَالْقَمَرِ، وَغَيْرِهِمَا مُشْكِلٌ، وَلَوْ سُلِّمَ فَفِي مِثْلِ هَذَا الْأَمْرِ الْخَفِيِّ لَا يُنَاسِبُ أَنْ يُقَالَ أَلَمْ تَرَ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَحْكُمُ بِاسْتِحَالَتِهِ) فِيهِ أَيْضًا نَظَرٌ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِاسْتِحَالَتِهِ مِنْ الْجَمَادَاتِ لَيْسَ بِاعْتِبَارِ أَنْ لَيْسَ ذَلِكَ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى بَلْ بِاعْتِبَارِ أَنْ لَيْسَ لَهَا وُجُوهٌ، وَلَا جِبَاهٌ كَمَا يُحْكَمُ عَلَيْهَا بِاسْتِحَالَةِ الْمَشْيِ بِالْأَرْجُلِ، وَالْبَطْشِ بِالْأَيْدِي، وَالنَّظَرِ بِالْأَعْيُنِ بِخِلَافِ التَّسْبِيحِ فَإِنَّهُ أَلْفَاظٌ، وَحُرُوفٌ لَا يَمْتَنِعُ صُدُورُهَا عَنْ الْجَمَادَاتِ بِإِيجَادِ الْقُدْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ كَمَا رُوِيَ عَنْ الْحَصَا، وَالْجِذْعِ، وَكَذَا شَهَادَةُ الْأَعْضَاءِ، وَالْجَوَارِحِ.
(قَوْلُهُ: مَعَ أَنَّ مُحْكَمَ التَّنْزِيلِ نَاطِقٌ بِهَذَا) يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ إشَارَةً إلَى شَهَادَةِ الْأَعْضَاءِ وَالْجَوَارِحِ، لَا إلَى حَقِيقَةِ التَّسْبِيحِ فَإِنَّ أَكْثَرَ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّهُ مُؤَوَّلٌ بِالدَّلَالَةِ عَلَى الْأُلُوهِيَّةِ وَالْوَحْدَانِيَّة، وَنَحْوِ ذَلِكَ فَكَيْفَ يَكُونُ مُحْكَمًا اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِالْمُحْكَمِ الْمُتَّضِحُ الْمَعْنَى، وَمَا ذَكَرَ مِنْ أَنَّ لَا تَفْقَهُونَ غَيْرُ مُنَاسِبٍ لِلْمَعْنَى الْمَذْكُورِ، وَإِنَّمَا يُنَاسِبُ حَقِيقَةَ التَّسْبِيحِ فَمَمْنُوعٌ لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَا يَفْقَهُونَ هَذِهِ الدَّلَالَةَ، وَلَا يَعْرِفُونَهَا لِإِخْلَالِهِمْ
стр. 129
الْآيَةِ لَا يَتِمُّ إذْ يُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِالسُّجُودِ الِانْقِيَادُ فِي الْجَمِيعِ، وَمَا ذَكَرَ أَنَّ الِانْقِيَادَ شَامِلٌ لِجَمِيعِ النَّاسِ بَاطِلٌ لِأَنَّ الْكُفَّارَ لَا سِيَّمَا الْمُتَكَبِّرِينَ مِنْهُمْ لَا يَمَسُّهُمْ الِانْقِيَادُ أَصْلًا، وَأَيْضًا لَا يَبْعُدُ أَنْ يُرَادَ بِالسُّجُودِ، وَضْعُ الرَّأْسِ عَلَى الْأَرْضِ فِي الْجَمِيعِ، وَلَا يَحْكُمُ بِاسْتِحَالَتِهِ مِنْ الْجَمَادَاتِ إلَّا مَنْ يَحْكُمُ بِاسْتِحَالَةِ التَّسْبِيحِ مِنْ الْجَمَادَاتِ، وَالشَّهَادَةِ مِنْ الْجَوَارِحِ، وَالْأَعْضَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ أَنَّ مُحْكَمَ الْكِتَابِ نَاطِقٌ بِهَذَا، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ سَمِعَ تَسْبِيحَ الْحَصَا وقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] يُحَقِّقُ أَنَّ الْمُرَادَ هُوَ حَقِيقَةُ التَّسْبِيحِ لَا الدَّلَالَةُ عَلَى، وَحْدَانِيِّتِهِ تَعَالَى فَإِنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿لا تَفْقَهُونَ﴾ [الإسراء: ٤٤] لَا يَلِيقُ بِهَذَا فَعُلِمَ بِهَذَا أَنَّ وَضْعَ الرَّأْسِ خُضُوعًا لِلَّهِ تَعَالَى غَيْرُ مُمْتَنِعٍ مِنْ الْجَمَادَاتِ بَلْ هُوَ كَائِنٌ لَا يُنْكِرُهُ إلَّا مُنْكِرٌ خَوَارِقَ الْعَادَاتِ.
(التَّقْسِيمُ الثَّانِي فِي اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي الْمَعْنَى فَإِنْ اُسْتُعْمِلَ فِيمَا وُضِعَ لَهُ) يَشْمَلُ الْوَضْعَ اللُّغَوِيَّ، وَالشَّرْعِيَّ، وَالْعُرْفِيَّ، وَالِاصْطِلَاحِيَّ.
(فَاللَّفْظُ حَقِيقَةٌ) أَيْ بِالْحَيْثِيَّةِ الَّتِي يَكُونُ الْوَضْعُ بِتِلْكَ الْحَيْثِيَّةِ فَالْمَنْقُولُ الشَّرْعِيُّ يَكُونُ حَقِيقَةً فِي الْمَعْنَى الْمَنْقُولِ إلَيْهِ مِنْ حَيْثُ الشَّرْعُ، وَفِي الْمَنْقُولِ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ، وَإِنَّمَا قَالَ فَاللَّفْظُ حَقِيقَةٌ لِأَنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ يُطْلِقُونَ الْحَقِيقَةَ، وَالْمَجَازَ عَلَى الْمَعْنَى إمَّا مَجَازًا، وَإِمَّا عَلَى أَنَّهُ مِنْ خَطَأِ الْعَوَامّ.
(وَإِنْ اُسْتُعْمِلَ فِي غَيْرِهِ لِعَلَاقَةٍ بَيْنَهُمَا فَمَجَازٌ) أَيْ وَإِنْ اُسْتُعْمِلَ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ بِحَيْثِيَّةٍ مَا سَوَاءٌ كَانَ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ أَوْ نَحْوُهَا فَمَجَازٌ بِالْحَيْثِيَّةِ الَّتِي يَكُونُ بِهَا غَيْرَ مَا وُضِعَ لَهُ فَالْمَنْقُولُ الشَّرْعِيُّ مَجَازٌ فِي الْمَعْنَى الْأَوَّلِ مِنْ حَيْثُ الشَّرْعُ، وَفِي الْمَعْنَى الثَّانِي مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ فَاللَّفْظُ الْوَاحِدُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً وَمَجَازًا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَعْنَى الْوَاحِدِ لَكِنْ مِنْ جِهَتَيْنِ.
(أَوَّلًا الْعَلَاقَةُ فَمُرْتَجَلٌ، وَهُوَ حَقِيقَةٌ أَيْضًا لِلْوَضْعِ الْجَدِيدِ) فَاسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ لَا لِعَلَاقَةٍ يَكُونُ، وَضْعًا جَدِيدًا فَالْمُرْتَجَلُ حَقِيقَةٌ فِي الْمَعْنَى الثَّانِي بِسَبَبِ
ــ
[التلويح]
بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ، وَالِاسْتِدْلَالِ الصَّادِقِ بَلْ الْأَنْسَبُ لِحَقِيقَةِ التَّسْبِيحِ لَا تَسْمَعُونَ
[التَّقْسِيمُ الثَّانِي فِي اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي الْمَعْنَى]
(قَوْلُهُ: التَّقْسِيمُ الثَّانِي) مِنْ التَّقْسِيمَاتِ الْأَرْبَعَةِ هُوَ تَقْسِيمُ اللَّفْظِ بِاعْتِبَارِ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْمَعْنَى فَاللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمَالًا صَحِيحًا جَارِيًا عَلَى الْقَانُونِ إمَّا حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا لِأَنَّهُ إنْ اُسْتُعْمِلَ فِيمَا وُضِعَ لَهُ فَحَقِيقَةٌ، وَإِنْ اُسْتُعْمِلَ فِي غَيْرِهِ فَإِنْ كَانَ لِعَلَاقَةٍ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ الْمَوْضُوعِ لَهُ فَمَجَازٌ، وَإِلَّا فَمُرْتَجَلٌ، وَهُوَ أَيْضًا مِنْ قِسْمِ الْحَقِيقَةِ لِأَنَّ الِاسْتِعْمَالَ الصَّحِيحَ فِي الْغَيْرِ بِلَا عَلَاقَةٍ وَضْعٌ جَدِيدٌ فَيَكُونُ اللَّفْظُ مُسْتَعْمَلًا فِيمَا وُضِعَ لَهُ فَيَكُونُ حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا جَعَلَهُ مِنْ قِسْمِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ نَظَرًا إلَى الْوَضْعِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ فَإِنْ قِيلَ فَالْمُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ فِي الْجُمْلَةِ لَا يَنْحَصِرُ فِي الْمَجَازِ، وَالْمُرْتَجَلِ بَلْ قَدْ يَكُونُ مَنْقُولًا قُلْنَا نَعَمْ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ حَقِيقَةً مِنْ جِهَةٍ مَجَازًا مِنْ جِهَةٍ لِوُجُودِ الْعَلَاقَةِ، وَكَانَ ذَلِكَ يَفْتَقِرُ إلَى زِيَادَةِ تَفْصِيلِ وَبَيَانِ آخِرِ حُكْمِهِ فَإِنْ قِيلَ الِاسْتِعْمَالُ
стр. 130
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التلويح]
لَا لِعِلَاقَةٍ لَا يُوجِبُ عَدَمَ الْعَلَاقَةِ فَالْمُرْتَجَلُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَجَازًا فِي الْمَعْنَى الثَّانِي مِنْ جِهَةِ الْوَضْعِ الْأَوَّلِ قُلْنَا لَمَّا تَعَسَّرَ الِاطِّلَاعُ عَلَى أَنَّ النَّاقِلَ هَلْ اعْتَبَرَ الْعَلَاقَةَ أَمْ لَا اعْتَبَرُوا الْأَمْرَ الظَّاهِرَ، وَهُوَ وُجُودُ الْعَلَاقَةِ، وَعَدَمُهَا فَجَعَلُوا الْأَوَّلَ مَنْقُولًا، وَالثَّانِيَ مُرْتَجَلًا فَلَزِمَ فِي الْمُرْتَجَلِ عَدَمُ الْعَلَاقَةِ، وَفِي الْمَنْقُولِ وُجُودَهَا لَكِنْ لَا لِصِحَّةِ الِاسْتِعْمَالِ بَلْ لِأَوْلَوِيَّةِ هَذَا الِاسْمِ بِالتَّعْيِينِ لِهَذَا الْمَعْنَى ثُمَّ قَيْدُ الِاسْتِعْمَالِ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي تَعْرِيفِ الْحَقِيقَةِ، وَالْمَجَازِ إذْ لَا يَتَّصِفُ اللَّفْظُ بِهِمَا قَبْلَ الِاسْتِعْمَالِ بِخِلَافِ الْمُرْتَجَلِ فَإِنَّهُ يَكْفِي فِيهِ مُجَرَّدُ النَّقْلِ، وَالتَّعْيِينِ، وَقَيَّدْنَا الِاسْتِعْمَالَ بِالصَّحِيحِ احْتِرَازًا عَلَى الْغَلَطِ مِثْلُ اسْتِعْمَالِ لَفْظِ الْأَرْضِ فِي السَّمَاءِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إلَى وَضْعٍ جَدِيدٍ، وَالْمُرَادُ بِوَضْعِ اللَّفْظِ تَعْيِينُهُ لِلْمَعْنَى بِحَيْثُ يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ أَيْ يَكُونُ الْعِلْمُ بِالتَّعْيِينِ كَافِيًا فِي ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ التَّعْيِينُ مِنْ جِهَةِ وَاضِعِ اللُّغَةِ فَوَضْعٌ لُغَوِيٌّ، وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ مِنْ الشَّارِعِ فَوَضْعٌ شَرْعِيٌّ، وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ مَخْصُوصٍ كَأَهْلِ الصِّنَاعَاتِ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَغَيْرِهِمْ فَوَضْعٌ عُرْفِيٌّ خَاصٌّ، وَيُسَمَّى اصْطِلَاحِيًّا، وَإِلَّا فَوَضْعٌ عُرْفِيٌّ عَامٌّ وَقَدْ غَلَبَ الْعُرْفُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ عَلَى الْعُرْفِ الْعَامِّ فَالْمُعْتَبَرُ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ الْوَضْعُ بِشَيْءٍ مِنْ الْأَوْضَاعِ الْمَذْكُورَةِ وَفِي الْمَجَازِ عَدَمُ الْوَضْعِ فِي الْجُمْلَةِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْحَقِيقَةِ أَنْ تَكُونَ مَوْضُوعَةً لِذَلِكَ الْمَعْنَى فِي جَمِيعِ الْأَوْضَاعِ وَلَا فِي الْمَجَازِ أَنْ لَا يَكُونَ مَوْضُوعًا لِمَعْنَاهُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَوْضَاعِ فَإِنْ اتَّفَقَ فِي الْحَقِيقَةِ لَنْ تَكُونَ مَوْضُوعَةً لِلْمَعْنَى بِجَمِيعِ الْأَوْضَاعِ الْأَرْبَعَةِ فَهِيَ حَقِيقَةٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَإِلَّا فَهِيَ حَقِيقَةٌ مُقَيَّدَةٌ بِالْجِهَةِ الَّتِي كَانَ بِهَا الْوَضْعُ، وَإِنْ كَانَ مَجَازًا بِجِهَةٍ أُخْرَى كَالصَّلَاةِ فِي الدُّعَاءِ حَقِيقَةٌ لُغَةً مَجَازٌ شَرْعًا، وَكَذَا الْمَجَازُ قَدْ يَكُونُ مُطْلَقًا بِأَنْ يَكُونَ مُسْتَعْمَلًا فِيمَا هُوَ غَيْرُ الْمَوْضُوعِ لَهُ بِجَمِيعِ الْأَوْضَاعِ، وَقَدْ يَكُونُ مُقَيَّدًا بِالْجِهَةِ الَّتِي بِهَا كَانَ غَيْرَ مَوْضُوعٍ لَهُ كَلَفْظِ الصَّلَاةِ فِي الْأَرْكَانِ الْمَخْصُوصَةِ مَجَازٌ لُغَةً حَقِيقَةٌ شَرْعًا فَاللَّفْظُ الْوَاحِدُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَعْنَى الْوَاحِدِ قَدْ يَكُونُ حَقِيقَةً، وَمَجَازًا لَكِنْ مِنْ جِهَتَيْنِ كَلَفْظِ الصَّلَاةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا بَلْ وَمِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ أَيْضًا لَكِنْ بِاعْتِبَارَيْنِ كَلَفْظِ الدَّابَّةِ فِي الْفَرَسِ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ عَلَى مَا سَيَجِيءُ ثُمَّ إطْلَاقُ الْحَقِيقَةِ، وَالْمَجَازِ عَلَى نَفْسِ الْمَعْنَى أَوْ عَلَى إطْلَاقِ اللَّفْظِ عَلَى الْمَعْنَى، وَاسْتِعْمَالُهُ فِيهِ شَائِعٌ فِي عِبَارَةِ الْعُلَمَاءِ مَعَ مَا بَيْنَ اللَّفْظِ، وَالْمَعْنَى مِنْ الْمُلَابَسَةِ الظَّاهِرَةِ فَيَكُونُ مَجَازًا لَا خَطَأً، وَحَمْلُهُ عَلَى خَطَأِ الْعَوَامّ مِنْ خَطَأِ الْخَوَاصِّ فَإِنْ قِيلَ لَا بُدَّ فِي التَّعْرِيفَيْنِ مِنْ تَقْيِيدِ الْوَضْعِ بِاصْطِلَاحٍ بِهِ التَّخَاطُبُ احْتِرَازًا عَنْ انْتِقَاضِهِمَا جَمْعًا وَمَنْعًا فَإِنَّ لَفْظَ الصَّلَاةِ فِي الشَّرْعِ مَجَازٌ فِي الدُّعَاءِ مَعَ أَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْمَوْضُوعِ لَهُ فِي الْجُمْلَةِ وَحَقِيقَةٌ فِي الْأَرْكَانِ الْمَخْصُوصَةِ مَعَ أَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فِي غَيْرِ الْمَوْضُوعِ لَهُ فِي الْجُمْلَةِ بَلْ لَفْظُ الدَّابَّةِ فِي الْفَرَسِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مِنْ أَفْرَادِ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ مَجَازٌ لُغَةً مَعَ كَوْنِهِ مُسْتَعْمَلًا فِيمَا هُوَ مِنْ أَفْرَادِ الْمَوْضُوعِ لَهُ، وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ مِنْ أَفْرَادِ مَا يَدِبُّ عَلَى الْأَرْضِ حَقِيقَةٌ لُغَةً مَعَ كَوْنِهِ مُسْتَعْمَلًا فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ فِي الْجُمْلَةِ أَعْنِي الْعُرْفَ الْعَامَّ قُلْنَا قَيْدُ
стр. 131
الْوَضْعِ الثَّانِي.
(وَأَمَّا الْمَنْقُولُ فَمِنْهُ مَا غُلِّبَ فِي مَعْنًى مَجَازِيٍّ لِلْمَوْضُوعِ الْأَوَّلِ حَتَّى هُجِرَ الْأَوَّلُ، وَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْأَوَّلِ مَجَازٌ فِي الثَّانِي حَيْثُ اللُّغَةُ، وَبِالْعَكْسِ) أَيْ حَقِيقَةٌ فِي الثَّانِي مَجَازٌ فِي الْأَوَّلِ.
(مِنْ حَيْثُ النَّاقِلُ، وَهُوَ إمَّا الشَّرْعُ أَوْ الْعُرْفُ أَوْ الِاصْطِلَاحِ وَمِنْهُ مَا غُلِّبَ فِي بَعْضِ
ــ
[التلويح]
الْحَيْثِيَّةِ مَأْخُوذٌ فِي تَعْرِيفِ الْأُمُورِ الَّتِي تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الِاعْتِبَارَاتِ إلَّا أَنَّهُ كَثِيرًا مَا يُحْذَفُ مِنْ اللَّفْظِ لِوُضُوحِهِ خُصُوصًا عِنْدَ تَعْلِيقِ الْحُكْمِ بِالْوَصْفِ الْمُشْعِرِ بِالْحَيْثِيَّةِ فَالْمُرَادُ أَنَّ الْحَقِيقَةَ لَفْظٌ مُسْتَعْمَلٌ فِيمَا وُضِعَ لَهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ الْمَوْضُوعُ لَهُ، وَالْمَجَازُ لَفْظٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ غَيْرُ الْمَوْضُوعِ لَهُ، وَحِينَئِذٍ لَا انْتِقَاضَ لِأَنَّ اسْتِعْمَالَ لَفْظِ الصَّلَاةِ فِي الدُّعَاءِ شَرْعًا لَا يَكُونُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَوْضُوعٌ لَهُ، وَلَا فِي الْأَرْكَانِ الْمَخْصُوصَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا غَيْرُ الْمَوْضُوعِ لَهُ، وَكَذَا اسْتِعْمَالُ لَفْظِ الدَّابَّةِ فِي الْفَرَسِ فِي اللُّغَةِ لَا يَكُونُ مَجَازًا إلَّا إذَا اُسْتُعْمِلَ فِيهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ خَاصَّةً، وَهُوَ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ غَيْرُ الْمَوْضُوعِ لَهُ ضَرُورَةَ أَنَّ اللَّفْظَ لَمْ يُوضَعْ فِي اللُّغَةِ لِذَوَاتِ الْأَرْبَعِ بِخُصُوصِهَا، وَلَا يَكُونُ حَقِيقَةً إلَّا إذَا اُسْتُعْمِلَ فِيهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مِنْ أَفْرَادِ مَا يَدِبُّ عَلَى الْأَرْضِ، وَهُوَ نَفْسُ الْمَوْضُوعِ لَهُ لُغَةً فَإِنْ قِيلَ تَعْرِيفُ الْمَجَازِ شَامِلٌ لِلْكِنَايَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ اشْتِرَاطِ قَرِينَةٍ مَانِعَةٍ عَنْ إرَادَةِ الْمَوْضُوعِ لَهُ احْتِرَازًا عَنْهَا قُلْنَا سَيَجِيءُ أَنَّ الْكِنَايَةَ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الْمَعْنَى الْمَوْضُوعِ لَهُ لَكِنْ لَا لِذَاتِهِ بَلْ لِيَنْتَقِلَ مِنْهُ إلَى مَلْزُومِهِ، وَإِنَّ الِاسْتِعْمَالَ فِي غَيْرِ الْمَوْضُوعِ لَهُ يُنَافِي إرَادَةَ الْمَوْضُوعِ لَهُ.
وَأَمَّا الْكِنَايَةُ بِاصْطِلَاحِ الْأُصُولِ فَإِنْ اُسْتُعْمِلَتْ فِي الْمَوْضُوعِ لَهُ فَحَقِيقَةٌ، وَإِلَّا فَمَجَازٌ فَلَا إشْكَالَ فَإِنْ قِيلَ الْمَجَازُ بِالزِّيَادَةِ أَوْ النُّقْصَانِ خَارِجٌ عَنْ الْحَدِّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] قُلْنَا لَفْظُ الْمُجَازَفَةِ يُقَالُ عَلَيْهِ وَعَلَى مَا نَحْنُ بِصَدَدِهِ بِطَرِيقِ الِاشْتِرَاكِ أَوْ التَّشَابُهِ عَلَى مَا ذَكَرَ فِي الْمِفْتَاحِ، وَالتَّعْرِيفُ الْمَذْكُورُ إنَّمَا هُوَ لِلْمَجَازِ الَّذِي هُوَ صِفَةُ اللَّفْظِ بِاعْتِبَارِ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْمَعْنَى لَا لِلْمَجَازِ بِالزِّيَادَةِ أَوْ النُّقْصَانِ الَّذِي هُوَ صِفَةُ الْإِعْرَابِ أَوْ صِفَةُ اللَّفْظِ بِاعْتِبَارِ تَغَيُّرِ حُكْمِ إعْرَابِهِ لَا يُقَالُ اللَّفْظُ الزَّائِدُ مُسْتَعْمَلٌ لَا لِمَعْنًى فَيَكُونُ مُسْتَعْمَلًا فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ ضَرُورَةَ أَنَّهُ إنَّمَا وُضِعَ لِلِاسْتِعْمَالِ فِي مَعْنًى لِأَنَّا نَقُولُ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ لَا لِمَعْنًى بَلْ غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ لِمَعْنًى، وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ الِاسْتِعْمَالَ لَا لِمَعْنًى لَا يَسْتَلْزِمُ الِاسْتِعْمَالَ فِي مَعْنًى غَيْرِ الْمَوْضُوعِ لَهُ بَلْ يُنَافِيهِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ مَعْنَى اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي الْمَوْضُوعِ لَهُ أَوْ فِي غَيْرِ طَلَبِ دَلَالَتِهِ عَلَيْهِ، وَإِرَادَتِهِ مِنْهُ فَمُجَرَّدُ الذِّكْرِ لَا يَكُونُ اسْتِعْمَالًا، وَلَوْ سُلِّمَ فَلَا يَصِحُّ هَاهُنَا لِاشْتِرَاطِ الْعَلَاقَةِ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ، وَلَا فِي عِبَارَةِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ لِاعْتِبَارِهِ إرَادَةَ مَعْنًى غَيْرِ الْمَوْضُوعِ فَكَيْفَ فِي عِبَارَةِ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ.
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا الْمَنْقُولُ) لَمَّا كَانَ التَّقْسِيمُ الْمَشْهُورُ، وَهُوَ
стр. 132
أَفْرَادِ الْمَوْضُوعِ لَهُ حَتَّى هُجِرَ الْبَاقِي كَالدَّابَّةِ مَثَلًا فَمِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ إطْلَاقُهَا عَلَى الْفَرَسِ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ لَكِنْ إذَا خُصَّتْ بِهِ) أَيْ إذَا خُصَّتْ الدَّابَّةُ بِالْفَرَسِ.
(مَعَ رِعَايَةِ الْمَعْنَى) أَيْ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ، وَهُوَ مَا يَدِبُّ عَلَى الْأَرْضِ.
(صَارَتْ مَجَازًا إذْ أُرِيدَ بِهَا غَيْرُ مَا وُضِعَتْ لَهُ، وَهُوَ مَا يَدِبُّ عَلَى الْأَرْضِ مَعَ خُصُوصِيَّةِ الْفَرَسِ، وَمِنْ حَيْثُ الْعُرْفُ صَارَتْ كَأَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لَهُ ابْتِدَاءً لِأَنَّهَا لَمَّا خُصَّتْ بِهِ) فَكَأَنَّهُ لَمْ يُرَاعِ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ فَصَارَتْ اسْمًا لَهُ (فَظَهَرَ أَنَّ اعْتِبَارَ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ فِيهِ) ، وَهُوَ مَا يَدِبُّ عَلَى الْأَرْضِ (لَيْسَ لِصِحَّةِ إطْلَاقِهِ) أَيْ الْمَنْقُولِ (عَلَيْهِ) الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ، وَيُرَادُ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ الْأَفْرَادُ الَّتِي يُوجَدُ فِيهَا الْمَعْنَى الْأَوَّلُ (كَمَا فِي الْحَقِيقَةِ) فَإِنَّ الْحَقِيقَةَ إنَّمَا يُعْتَبَرُ الْمَعْنَى الْأَوَّلُ لِيَصِحَّ إطْلَاقُ اللَّفْظِ عَلَى كُلِّ مَا يُوجَدُ فِيهِ ذَلِكَ الْمَعْنَى (وَلَا لِصِحَّةِ إطْلَاقِهِ) أَيْ الْمَنْقُولِ (عَلَى الْمَعْنَى الثَّانِي) ، وَهُوَ مَا يَدِبُّ مَعَ خُصُوصِيَّةِ الْفَرَسِ (كَمَا فِي الْمَجَازِ) فَإِنَّ فِي الْمَجَازِ إنَّمَا يُعْتَبَرُ الْمَعْنَى الْأَوَّلُ، وَهُوَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ لِيَصِحَّ إطْلَاقُ اللَّفْظِ عَلَى كُلِّ مَا يُوجَدُ فِيهِ لَازِمُ ذَلِكَ الْمَعْنَى، وَاللَّازِمُ هُوَ الْمَعْنَى الثَّانِي (بَلْ لِتَرْجِيحِ هَذَا الِاسْمِ عَلَى غَيْرِهِ) أَيْ اعْتِبَارُ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ فِي الِاسْمِ الْمَنْقُولِ إنَّمَا
ــ
[التلويح]
أَنَّ اللَّفْظَ إذَا تَعَدَّدَ مَفْهُومُهُ فَإِنْ لَمْ يَتَخَلَّلْ بَيْنَهُمَا نَقْلٌ فَهُوَ الْمُشْتَرَكُ، وَإِنْ تَخَلَّلَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ النَّقْلُ لِمُنَاسَبَةٍ فَمُرْتَجَلٌ، وَإِنْ كَانَ فَإِنْ هُجِرَ الْمَعْنَى الْأَوَّلُ فَمَنْقُولٌ، وَإِلَّا فَفِي الْأَوَّلِ حَقِيقَةٌ، وَفِي الثَّانِي مَجَازٌ مُوهِمًا أَنَّ كُلًّا مِنْ الْمَنْقُولِ، وَالْمُرْتَجَلِ قِسْمٌ مُقَابِلٌ لِلْحَقِيقَةِ، وَالْمَجَازُ دَفْعُ ذَلِكَ بِبَيَانِ أَنَّ الْمُرْتَجَلَ فِي الْمَعْنَى الثَّانِي حَقِيقَةٌ، وَالْمَنْقُولَ فِيهِ حَقِيقَةٌ مِنْ جِهَةٍ مَجَازٌ مِنْ جِهَةٍ، وَالتَّقْسِيمُ الْمَشْهُورُ مَبْنِيٌّ عَلَى تَمَايُزِ الْأَقْسَامِ بِالْحَيْثِيَّةِ، وَالِاعْتِبَارِ دُونَ الْحَقِيقَةِ، وَالذَّاتِ فَالْمَنْقُولُ مَا غَلَبَ فِي غَيْرِ الْمَوْضُوعِ لَهُ بِحَيْثُ يُفْهَمُ بِلَا قَرِينَةٍ مَعَ وُجُودِ الْعَلَاقَةِ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ الْمَوْضُوعِ لَهُ، وَيُنْسَبُ إلَى النَّاقِلِ لِأَنَّ وَصْفَ الْمَنْقُولِيَّةِ إنَّمَا حَصَلَ مِنْ جِهَتِهِ فَيُقَالُ مَنْقُولٌ شَرْعِيٌّ، وَعُرْفِيٌّ، وَاصْطِلَاحِيٌّ فَالْمَعْنَى الثَّانِي إنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَفْرَادِ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ فَاللَّفْظُ حَقِيقَةٌ فِي الْمَعْنَى الْأَوَّلِ مَجَازٌ فِي الْمَعْنَى الثَّانِي مِنْ جِهَةِ الْوَضْعِ الْأَوَّلِ، وَمَجَازٌ فِي الْمَعْنَى الْأَوَّلِ حَقِيقَةٌ فِي الْمَعْنَى الثَّانِي مِنْ جِهَةِ الْوَضْعِ الثَّانِي كَالصَّلَاةِ حَقِيقَةٌ فِي الدُّعَاءِ مَجَازٌ فِي الْأَرْكَانِ الْمَخْصُوصَةِ لُغَةً، وَبِالْعَكْسِ شَرْعًا، وَيُنْسَبُ حَقِيقَتُهُ، وَمَجَازُهُ إلَى مَا يَكُونُ الْمَعْنَى الْمُسْتَعْمَلُ فِيهِ مَوْضُوعًا لَهُ أَوْ غَيْرَ مَوْضُوعٍ لَهُ بِاعْتِبَارِهِ، وَبِاعْتِبَارِ انْقِسَامِ كُلٍّ مِنْ وَضْعَيْهِ إلَى لُغَوِيٍّ، وَشَرْعِيٍّ، وَعُرْفِيٍّ، وَاصْطِلَاحِيٍّ يَنْقَسِمُ سِتَّةَ عَشَرَ قِسْمًا حَاصِلَةً مِنْ ضَرْبِ الْأَرْبَعَةِ فِي الْأَرْبَعَةِ إلَّا أَنَّ بَعْضَ الْأَقْسَامِ مِمَّا لَا تَحَقُّقَ لَهُ فِي الْوُجُودِ كَالْمَنْقُولِ اللُّغَوِيِّ
стр. 133
هُوَ لِتَرْجِيحِ هَذَا الِاسْمِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْأَسْمَاءِ (فِي تَخْصِيصِهِ بِالْمَعْنَى الثَّانِي) أَيْ تَخْصِيصِ هَذَا الِاسْمِ بِالْمَعْنَى الثَّانِي، وَالْمُرَادُ بِالتَّرْجِيحِ الْأَوْلَوِيَّةُ فَعُلِمَ بِهَذَا أَنَّ الْوَاضِعَ قَدْ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْمُنَاسَبَةُ كَالْجِدَارِ، وَالْحَجَرِ، وَقَدْ يُعْتَبَرُ فِيهِ كَالْقَارُورَةِ، وَالْخَمْرِ (وَاعْتِبَارُ) الْمَعْنَى الْأَوَّلِ فِي الْوَضْعِ الثَّانِي لِبَيَانِ الْمُنَاسَبَةِ، وَالْأَوْلَوِيَّةِ لَا لِصِحَّةِ الْإِطْلَاقِ، وَإِلَّا يَلْزَمُ أَنْ يُسَمَّى الدَّنُّ قَارُورَةً فَلِهَذَا السِّرِّ لَا يَجْرِي الْقِيَاسُ فِي اللُّغَةِ فَلَا يُقَالُ: إنَّ سَائِرَ الْأَشْرِبَةِ خَمْرٌ لِمَعْنَى مُخَامَرَةِ الْعَقْلِ فَإِنَّ مَعْنَى الْمُخَامَرَةِ لَيْسَ مُرَاعًى فِي الْخَمْرِ لِصِحَّةِ إطْلَاقِ الْخَمْرِ عَلَى كُلِّ مَا يُوجَدُ فِيهِ الْمُخَامَرَةُ بَلْ لِأَجْلِ الْمُنَاسَبَةِ الْأَوْلَوِيَّةِ لِيَضَعَ الْوَاضِعُ لِهَذَا الْمَعْنَى لَفْظًا مُنَاسِبًا لَهُ فَاحْفَظْ هَذَا الْبَحْثَ فَإِنَّهُ بَحْثٌ شَرِيفٌ بَدِيعٌ لَمْ تَزُلْ أَقْدَامُ مَنْ سَوَّغَ الْقِيَاسَ فِي اللُّغَةِ إلَّا لِغَفْلَةٍ عَنْهُ (فَيُطْلَقُ الْأَسَدُ عَلَى كُلِّ مَنْ يُوجَدُ فِيهِ الشُّجَاعَةُ مَجَازًا بِخِلَافِ الدَّابَّةِ، وَالصَّلَاةِ) أَيْ لَمَّا عُلِمَ أَنَّ اعْتِبَارَ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ فِي الْمُجَازِ إنَّمَا هُوَ لِصِحَّةِ إطْلَاقِ اللَّفْظِ عَلَى كُلِّ مَا يُوجَدُ فِيهِ لَازِمُ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ، وَاعْتِبَارُ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ فِي الْمَنْقُولِ لَيْسَ لِصِحَّةِ الْإِطْلَاقِ فَيَصِحُّ إطْلَاقُ الْأَسَدِ عَلَى كُلِّ مَا يُوجَدُ فِيهِ الشُّجَاعَةُ
ــ
[التلويح]
مِنْ مَعْنًى عُرْفِيٍّ أَوْ اصْطِلَاحِيٍّ مَثَلًا، وَغَيْرُ ذَلِكَ بَلْ اللُّغَةُ أَصْلٌ، وَالنَّقْلُ طَارِئٌ عَلَيْهِ حَتَّى لَا يُقَالَ مَنْقُولٌ لُغَوِيٌّ، وَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى الثَّانِي مِنْ أَفْرَادِ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ كَالدَّابَّةِ لِذِي الْأَرْبَعِ خَاصَّةً، وَهِيَ فِي الْأَصْلِ لِمَا يَدِبُّ عَلَى الْأَرْضِ فَإِطْلَاقُ اللَّفْظِ مَا هُوَ مِنْ أَفْرَادِ الْمَعْنَى الثَّانِي أَعْنِي الْمُقَيَّدَ إنْ كَانَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مِنْ أَفْرَادِ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ أَعْنِي الْمُطْلَقَ فَاللَّفْظُ حَقِيقَةٌ مِنْ جِهَةِ الْوَضْعِ الْأَوَّلِ مَجَازٌ مِنْ جِهَةِ الْوَضْعِ الثَّانِي، وَإِنْ كَانَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مِنْ أَفْرَادِ الْمَعْنَى الثَّانِي فَحَقِيقَةٌ مِنْ جِهَةِ الْوَضْعِ الثَّانِي مَجَازٌ مِنْ جِهَةِ الْوَضْعِ الْأَوَّلِ مَثَلًا لَفْظُ الدَّابَّةِ فِي الْفَرَسِ إنْ كَانَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مِنْ أَفْرَادِ مَا يَدِبُّ عَلَى الْأَرْضِ فَحَقِيقَةٌ لُغَةً مَجَازٌ عُرْفًا، وَإِنْ كَانَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مِنْ أَفْرَادِ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ فَمَجَازٌ لُغَةً حَقِيقَةٌ عُرْفًا لِأَنَّ اللَّفْظَ لَمْ يُوضَعْ فِي اللُّغَةِ لِلْمُقَيَّدِ بِخُصُوصِهِ، وَلَا فِي الْعُرْفِ لِلْمُطْلَقِ بِإِطْلَاقِهِ فَلَفْظُ الدَّابَّةِ فِي الْفَرَسِ بِحَسَبِ اللُّغَةِ حَقِيقَةٌ بِاعْتِبَارٍ مَجَازٌ بِاعْتِبَارٍ، وَكَذَا بِحَسَبِ الْعُرْفِ، وَلَمَّا كَانَ هَاهُنَا مَظِنَّةُ سُؤَالٍ، وَهُوَ أَنَّ اعْتِبَارَ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ، وَمُلَاحَظَتَهُ فِي نَقْلِ اللَّفْظِ إلَى الْمَعْنَى الثَّانِي إنْ كَانَ لِصِحَّةِ إطْلَاقِ الْمَنْقُولِ عَلَى أَفْرَادِ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ أَعْنِي الْمَنْقُولَ عَنْهُ كَالْحَقِيقَةِ يُعْتَبَرُ مَفْهُومُهَا لِيَصِحَّ إطْلَاقُهَا عَلَى كُلِّ مَا يُوجَدُ فِيهِ ذَلِكَ الْمَفْهُومُ لَزِمَ صِحَّةُ إطْلَاقِ الْمَنْقُولِ عَلَى كُلِّ مَا يُوجَدُ فِيهِ الْمَعْنَى الْأَوَّلُ لِوُجُودِ الْمُصَحِّحِ، وَإِنْ كَانَ لِصِحَّةِ إطْلَاقِهِ عَلَى أَفْرَادِ الْمَعْنَى الثَّانِي أَعْنِي الْمَنْقُولَ إلَيْهِ كَالْمَجَازِ يُعْتَبَرُ مَعْنَاهُ الْأَوَّلُ أَعْنِي الْحَقِيقِيَّ لِتَعَرُّفِ الْعَلَاقَةِ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ الْمَعْنَى الثَّانِي أَعْنِي الْمَجَازِيَّ فَيَصِحُّ إطْلَاقُهُ عَلَى أَفْرَادِ الْمَعْنَى الثَّانِي هُوَ لَازِمُ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ أَيْ مُلَابِسٌ لَهُ بِنَوْعِ عَلَاقَةٍ لِأَنَّ صِحَّةَ إطْلَاقِ اللَّفْظِ عَلَى الْمَعْنَى إنَّمَا يَكُونُ لِوَضْعِهِ لَهُ
стр. 134
وَلَا يَصِحُّ إطْلَاقُ الدَّابَّةِ فِي الْعُرْفِ عَلَى كُلِّ مَا يُوجَدُ فِيهِ الدَّبِيبُ، وَلَا يَصِحُّ إطْلَاقُ اسْمِ الصَّلَاةِ شَرْعًا عَلَى كُلِّ مَا يُوجَدُ فِيهِ دُعَاءٌ (وَيَثْبُتُ أَيْضًا أَنَّ الْحَقِيقَةَ إذَا قَلَّ اسْتِعْمَالُهَا صَارَتْ مَجَازًا، وَالْمَجَازُ إذَا كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ صَارَ حَقِيقَةً ثُمَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْحَقِيقَةِ، وَالْمَجَازِ إنْ كَانَ فِي نَفْسِهِ بِحَيْثُ لَا يَسْتَتِرُ الْمُرَادُ فَصَرِيحٌ، وَإِلَّا فَكِنَايَةٌ فَالْحَقِيقَةُ الَّتِي لَمْ تُهْجَرْ صَرِيحٌ، وَاَلَّتِي هُجِرَتْ، وَغُلِّبَ مَعْنَاهَا الْمَجَازِيُّ كِنَايَةٌ، وَالْمَجَازُ الْغَالِبُ الِاسْتِعْمَالِ صَرِيحٌ، وَغَيْرُ الْغَالِبِ كِنَايَةٌ) اعْلَمْ أَنَّ الصَّرِيحَ، وَالْكِنَايَةَ اللَّذَيْنِ هُمَا قِسْمَا الْحَقِيقَةِ صَرِيحٌ، وَكِنَايَةٌ فِي الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ، وَاَللَّذَيْنِ هُمَا قِسْمَا الْمَجَازِ
ــ
[التلويح]
أَوْ لِمَا هُوَ مُلَابِسٌ لَهُ بِنَوْعِ عَلَاقَةٍ فَهُوَ مُسْتَغْنٍ عَنْهُ لِأَنَّهُ مُجَرَّدُ الْوَضْعِ، وَالتَّعْيِينُ لِلْمَعْنَى الثَّانِي كَافٍ فِي ذَلِكَ، وَأَيْضًا يَلْزَمُ صِحَّةُ إطْلَاقِ الْمَنْقُولِ عَلَى كُلِّ مَا يُوجَدُ فِيهِ الْمَعْنَى الْأَوَّلُ لِوُجُودِ الْمُصَحِّحِ كَمَا يَصِحُّ إطْلَاقُ الْمَجَازِ عَلَى كُلِّ مَا تُوجَدُ فِيهِ الْعَلَاقَةُ بَيْنَهُ، وَبَيْنَ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ أَجَابَ بِأَنَّهُ قَدْ ظَهَرَ مِمَّا سَبَقَ مِنْ أَنَّ الْمَنْقُولَ قَدْ هُجِرَ مَعْنَاهُ الْأَوَّلُ بِحَيْثُ لَا يُطْلَقُ عَلَى أَفْرَادِهِ مِنْ حَيْثُ هِيَ كَذَلِكَ، وَأَنَّهُ قَدْ صَارَ مَوْضُوعًا لِلْمَعْنَى الثَّانِي بِمَنْزِلَةِ الْمَوْضُوعَاتِ الْمُبْتَدَأَةِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا اعْتِبَارُ مَعْنًى سَابِقٍ. إنَّ اعْتِبَارَ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ فِيهِ لَيْسَ لِصِحَّةِ إطْلَاقِهِ عَلَى أَفْرَادِ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ، وَلَا لِصِحَّةِ إطْلَاقِهِ عَلَى أَفْرَادِ الْمَعْنَى الثَّانِي لِيَلْزَمَ مَا ذَكَرْتُمْ بَلْ لِأَوْلَوِيَّةِ هَذَا اللَّفْظِ مِنْ بَيْنِ الْأَلْفَاظِ بِالتَّعْيِينِ لِذَلِكَ الْمَعْنَى الثَّانِي فَإِنَّ وَضْعَ لَفْظِ الدَّابَّةِ لِذَوَاتِ الْأَرْبَعِ أَوْلَى، وَأَنْسَبُ مِنْ وَضْعِ الْجِدَارِ لَهَا لِوُجُودِ مَعْنَى الدَّبِيبِ فِيهَا فَالتَّنَاسُبُ مَرْعِيٌّ فِي وَضْعِ بَعْضِ الْأَلْفَاظِ، وَلَا يَلْزَمُ صِحَّةُ إطْلَاقِهِ حَقِيقَةً عَلَى كُلِّ مَا يُوجَدُ فِيهِ ذَلِكَ التَّنَاسُبُ، وَهَذَا مَعْنَى عَدَمِ جَرَيَانِ الْقِيَاسِ فِي اللُّغَةِ، وَهَذَا الْبَحْثُ مِمَّا أَوْرَدَهُ صَاحِبُ الْمِفْتَاحِ فِي وَجْهِ تَسْمِيَةِ الْحَقِيقَةِ، وَالْمَجَازِ.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْحَقِيقَةِ، وَالْمَجَازِ) يَعْنِي أَنَّ الصَّرِيحَ، وَالْكِنَايَةَ أَيْضًا مِنْ أَقْسَامِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، وَلَيْسَتْ الْأَرْبَعَةُ أَقْسَامًا مُتَبَايِنَةً أَمَّا عِنْدَ عُلَمَاءِ الْأُصُولِ فَلِأَنَّ الصَّرِيحَ مَا انْكَشَفَ الْمُرَادُ مِنْهُ فِي نَفْسِهِ أَيْ بِالنَّظَرِ إلَى كَوْنِهِ لَفْظًا مُسْتَعْمَلًا، وَالْكِنَايَةُ مَا اسْتَتَرَ الْمُرَادُ مِنْهُ فِي نَفْسِهِ سَوَاءٌ كَانَ الْمُرَادُ فِيهِمَا مَعْنًى حَقِيقَةً أَوْ مَعْنًى مَجَازِيًّا، وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ فِي نَفْسِهِ عَنْ اسْتِتَارِ الْمُرَادِ فِي الصَّرِيحِ بِوَاسِطَةِ غَرَابَةِ اللَّفْظِ أَوْ ذُهُولِ السَّامِعِ عَنْ الْوَضْعِ أَوْ عَنْ الْقَرِينَةِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَعَنْ انْكِشَافِ الْمُرَادِ فِي الْكِنَايَةِ بِوَاسِطَةِ التَّفْسِيرِ، وَالْبَيَانِ فَمِثْلُ الْمُفَسَّرِ، وَالْمُحْكَمِ دَاخِلٌ فِي الصَّرِيحِ، وَمِثْلُ الْمُشْكِلِ، وَالْمُجْمَلِ فِي الْكِنَايَةِ لِمَا عَرَفْت مِنْ أَنَّ هَذِهِ أَقْسَامٌ مُتَمَايِزَةٌ بِالْحَيْثِيَّاتِ، وَالِاعْتِبَارَاتِ دُونَ الْحَقِيقَةِ، وَالذَّاتِ، وَمَا يُقَالُ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ الِاسْتِتَارُ، وَالِانْكِشَافُ بِحَسَبِ الِاسْتِعْمَالِ بِأَنْ يَسْتَعْمِلُوهُ قَاصِدِينَ الِاسْتِتَارَ، وَإِنْ كَانَ وَاضِحًا فِي اللُّغَةِ. وَالِانْكِشَافُ، وَإِنْ كَانَ خَفِيًّا فِي اللُّغَةِ احْتِرَازًا عَنْ أَمْثَالِ ذَلِكَ فَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ التَّكَلُّفِ، وَأَمَّا عِنْدَ
стр. 135
صَرِيحٌ، وَكِنَايَةٌ فِي الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ.
(وَعِنْدَ عُلَمَاءِ الْبَيَانِ الْكِنَايَةُ لَفْظٌ يُقْصَدُ بِمَعْنَاهُ) أَيْ بِمَعْنَاهُ الْمَوْضُوعُ لَهُ (مَعْنًى ثَانٍ مَلْزُومٍ لَهُ، وَهِيَ لَا تُنَافِي إرَادَةَ الْمَوْضُوعِ لَهُ فَإِنَّهَا اُسْتُعْمِلَتْ فِيهِ لَكِنْ قُصِدَ بِمَعْنَاهُ مَعْنًى ثَانٍ كَمَا فِي طَوِيلِ النِّجَادِ) فَإِنَّهُ اُسْتُعْمِلَ فِي الْمَوْضُوعِ لَهُ لَكِنَّ الْمَقْصُودَ، وَالْغَرَضَ مِنْ طَوِيلِ النِّجَادِ طَوِيلُ الْقَامَةِ فَطُولُ الْقَامَةِ مَلْزُومٌ لِطُولِ النِّجَادِ.
(بِخِلَافِ الْمَجَازِ فَإِنَّهُ اُسْتُعْمِلَ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ فَيُنَافِي إرَادَةَ الْمَوْضُوعِ لَهُ ثُمَّ كُلٌّ مِنْ الْحَقِيقَةِ، وَالْمَجَازِ أَمَّا فِي الْمُفْرَدِ، وَقَدْ مَرَّ
ــ
[التلويح]
عُلَمَاءِ الْبَيَانِ فَلِأَنَّ الْكِنَايَةَ لَفْظٌ قُصِدَ بِمَعْنَاهُ مَعْنًى ثَانٍ مَلْزُومٌ لَهُ أَيْ لَفْظٌ اُسْتُعْمِلَ فِي مَعْنَاهُ الْمَوْضُوعِ لَهُ لَكِنْ لَا لِيَتَعَلَّقَ بِهِ الْإِثْبَاتُ، وَالنَّفْيُ، وَيَرْجِعَ إلَيْهِ الصِّدْقُ، وَالْكَذِبُ بَلْ لِيَنْتَقِلَ مِنْهُ إلَى مَلْزُومِهِ فَيَكُونَ هُوَ مَنَاطَ الْإِثْبَاتِ، وَالنَّفْيِ، وَمَرْجِعَ الصِّدْقِ، وَالْكَذِبِ كَمَا يُقَالُ فُلَانٌ طَوِيلُ النِّجَادِ قَصْدًا بِطُولِ النِّجَادِ إلَى طُولِ الْقَامَةِ فَيَصِحُّ الْكَلَامُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِجَادٌ قَطُّ بَلْ، وَإِنْ اسْتَحَالَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] وقَوْله تَعَالَى ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ فَإِنَّ هَذِهِ كُلَّهَا كِنَايَاتٌ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ غَيْرِ لُزُومِ كَذِبٍ لِأَنَّ اسْتِعْمَالَ اللَّفْظِ فِي مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ، وَطَلَبِ دَلَالَتِهِ عَلَيْهِ إنَّمَا هُوَ لِقَصْدِ الِانْتِقَالِ مِنْهُ إلَى مَلْزُومِهِ، وَحِينَئِذٍ لَا حَاجَةَ إلَى مَا قِيلَ: إنَّ الْكِنَايَةَ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الْمَعْنَى الثَّانِي لَكِنْ مَعَ جَوَازِ إرَادَةِ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ، وَلَوْ فِي مَحَلٍّ آخَرَ، وَبِاسْتِعْمَالٍ آخَرَ بِخِلَافِ الْمَجَازِ فَإِنَّهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَجَازٌ مَشْرُوطٌ بِقَرِينَةٍ مَانِعَةٍ عَنْ إرَادَةِ الْمَوْضُوعِ لَهُ، وَمَيْلُ صَاحِبِ الْكَشَّافِ إلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْكِنَايَةِ إمْكَانُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ لِأَنَّهُ ذُكِرَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ٧٧] أَنَّهُ مَجَازٌ عَنْ الْإِهَانَةِ، وَالسَّخَطِ وَإِنَّ النَّظَرَ إلَى فُلَانٍ بِمَعْنَى الِاعْتِدَاءِ بِهِ، وَالْإِحْسَانُ إلَيْهِ كِنَايَةٌ إذَا أُسْنِدَ إلَى مَنْ يَجُوزُ عَلَيْهِ النَّظَرُ، وَمَجَازٌ إذَا أُسْنِدَ إلَى مَنْ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ النَّظَرُ، وَبِالْجُمْلَةِ كَوْنُ الْكِنَايَةِ مِنْ قَبِيلِ الْحَقِيقَةِ صَرِيحٌ فِي الْمِفْتَاحِ، وَغَيْرِهِ فَإِنْ قِيلَ قَدْ ذَكَرَ فِي الْمِفْتَاحِ أَنَّ الْكَلِمَةَ الْمُسْتَعْمَلَةَ إمَّا أَنْ يُرَادَ مَعْنَاهَا وَحْدَهُ أَوْ غَيْرَ مَعْنَاهَا وَحْدَهُ أَوْ مَعْنَاهَا، وَغَيْرَ مَعْنَاهَا وَالْأَوَّلُ الْحَقِيقَةُ فِي الْمُفْرَدِ، وَالثَّانِي الْمَجَازُ فِي الْمُفْرَدِ، وَالثَّالِثُ الْكِنَايَةُ، وَهَذَا مُشْعِرٌ بِكَوْنِ الْكِنَايَةِ قَسِيمًا لِلْحَقِيقَةِ، وَالْمَجَازِ مُبَايِنًا لَهُمَا قُلْنَا أَرَادَ بِالْحَقِيقَةِ هَاهُنَا الصَّرِيحَ مِنْهَا بِقَرِينَةٍ جَعَلَهَا فِي مُقَابَلَةِ الْكِنَايَةِ، وَتَصْرِيحُهُ عَقِيبَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْحَقِيقَةَ، وَالْكِنَايَةَ يَشْتَرِكَانِ فِي كَوْنِهِمَا حَقِيقَتَيْنِ، وَيَفْتَرِقَانِ بِالتَّصْرِيحِ وَعَدَمِهِ لَا يُقَالُ فَإِذَا أُرِيدَ بِالْكَلِمَةِ مَعْنَاهَا وَغَيْرُ مَعْنَاهَا مَعًا يَلْزَمُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ، وَالْمَجَازِ إذْ لَا مَعْنَى لَهُ لَا إرَادَةُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ، وَالْمَجَازِيِّ مَعًا لِأَنَّا نَقُولُ الْمُمْتَنِعُ إنَّمَا هُوَ إرَادَتُهُمَا بِالذَّاتِ، وَفِي الْكِنَايَةِ إنَّمَا أُرِيدَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ لِلِانْتِقَالِ مِنْهُ إلَى الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْمَجَازِ فَإِنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ عَلَى أَنَّهُ مُرَادٌ بِهِ قَصْدًا وَبِالذَّاتِ إذْ لَا مَعْنَى لِاسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي غَيْرِ مَعْنَاهُ لِيَنْتَقِلَ مِنْهُ إلَى مَعْنَاهُ
стр. 136
تَعْرِيفُهُمَا، وَأَمَّا فِي الْجُمْلَةِ فَإِنْ نَسَبَ الْمُتَكَلِّمُ الْفِعْلَ إلَى مَا هُوَ فَاعِلٌ عِنْدَهُ فَالنِّسْبَةُ حَقِيقَةٌ فِيهِ وَإِنْ نَسَبَ إلَى غَيْرِهِ لِمُلَابَسَةٍ بَيْنَ الْفِعْلِ، وَالْمَنْسُوبِ إلَيْهِ فَالنِّسْبَةُ مَجَازِيَّةٌ نَحْوُ أَنْبَتَ الرَّبِيعُ الْبَقْلَ) فَقَوْلُهُ عِنْدَهُ أَيْ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِ اعْلَمْ أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ قَالُوا إلَى مَا هُوَ فَاعِلٌ فِي الْعَقْلِ لَكِنَّ صَاحِبَ الْمِفْتَاحِ قَالَ إلَى مَا هُوَ فَاعِلٌ عِنْدَهُ حَتَّى لَوْ قَالَ الْمُوَحِّدُ أَنْبَتَ الرَّبِيعُ الْبَقْلَ يَكُونُ الْإِسْنَادُ
ــ
[التلويح]
فَيُنَافِي إرَادَةَ الْمَوْضُوعِ لَهُ لِأَنَّ إرَادَتَهُ حِينَئِذٍ لَا تَكُونُ لِلِانْتِقَالِ إلَى الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ الدَّاخِلِ تَحْتَ الْإِرَادَةِ قَصْدًا مِنْ غَيْرِ تَبَعِيَّةٍ لِكَوْنِهِ مَقْصُودًا بِالذَّاتِ فَيَلْزَمُ إرَادَةُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ، وَالْمَجَازِيِّ مَعًا بِالذَّاتِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا يُقَالُ لَوْ كَانَ الِاسْتِعْمَالُ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ مُنَافِيًا لِإِرَادَةِ الْمَوْضُوعِ لَهُ لِامْتِنَاعِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ، وَالْمَجَازِ لَكَانَ اسْتِعْمَالُهُ فِيمَا وُضِعَ لَهُ أَيْضًا مُنَافِيًا لِإِرَادَةِ غَيْرِ الْمَوْضُوعِ لَهُ لِذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ كُلٌّ مِنْ الْحَقِيقَةِ، وَالْمَجَازِ) يُرِيدُ أَنَّ لَفْظَ الْحَقِيقَةِ، وَالْمَجَازِ مُقَوَّلٌ عَلَى النَّوْعَيْنِ بِالِاشْتِرَاكِ، وَرُبَّمَا يُقَيَّدَانِ فِي الْمُفْرَدِ بِاللُّغَوِيِّينَ وَفِي الْجُمْلَةِ بِالْعَقْلِيِّينَ أَوْ الْحُكْمِيِّينَ، وَمَيْلُ الْمُصَنِّفِ إلَى أَنَّهُمَا مِنْ صِفَاتِ الْكَلَامِ كَمَا هُوَ اصْطِلَاحُ الْأَكْثَرِينَ دُونَ الْإِسْنَادِ، وَلِذَا وَصَفَ النِّسْبَةَ بِالْحَقِيقَةِ، وَالْمَجَازِيَّةِ دُونَ الْحَقِيقَةِ، وَالْمَجَازِ إلَّا أَنَّ اتِّصَافَ الْكَلَامِ بِهِمَا إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ الْإِسْنَادِ فَلِهَذَا اُعْتُبِرَ فِي التَّقْسِيمِ النِّسْبَةُ فَصَارَ الْحَاصِلُ أَنَّ الْحَقِيقَةَ الْعَقْلِيَّةَ جُمْلَةٌ أُسْنِدَ فِيهَا الْفِعْلُ إلَى مَا هُوَ فَاعِلٌ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِ كَقَوْلٍ لِمُؤْمِنٍ أَنْبَتَ اللَّهُ الْبَقْلَ، وَالْمَجَازُ الْعَقْلِيُّ جُمْلَةٌ أُسْنِدَ فِيهَا الْفِعْلُ إلَى غَيْرِ مَا هُوَ فَاعِلٌ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِ لِمُلَابَسَةٍ بَيْنَ الْفِعْلِ، وَذَلِكَ الْغَيْرِ نَحْوُ أَنْبَتَ الرَّبِيعُ الْبَقْلَ لِمَا بَيْنَ الْإِنْبَاتِ، وَالرَّبِيعِ مِنْ الْمُلَابَسَةِ لِكَوْنِهِ زَمَانًا لَهُ، وَأَرَادَ بِالْفِعْلِ الْمُصْطَلَحَ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ الْمَصَادِرِ، وَالصِّفَاتِ، وَبِالْفَاعِلِ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِ مَا يُرِيدُ إفْهَامَ الْمُخَاطَبِ أَنَّهُ فَاعِلٌ عِنْدَهُ بِمَعْنَى أَنَّ الْفِعْلَ حَاصِلٌ لَهُ، وَهُوَ مَوْصُوفٌ بِهِ سَوَاءٌ قَامَ بِهِ فِي الْخَارِجِ كَضَرْبٍ أَوْ لَاكِمَاتٍ، وَسَوَاءٌ صَدَرَ عَنْهُ بِاخْتِيَارِهِ أَوْ لَا سَوَاءٌ كَانَ فَاعِلًا عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ أَوْ لَا فَيَدْخُلُ فِي تَعْرِيفِ الْحَقِيقَةِ مَا يُطَابِقُ الْوَاقِعَ، وَالِاعْتِقَادَ جَمِيعًا أَوْ لَا يُطَابِقُ شَيْئًا مِنْهُمَا أَوْ يُطَابِقُ أَحَدَهُمَا فَقَطْ فَلَوْ قَالَ الْفَاعِلُ عِنْدَ الْعَقْلِ لَخَرَجَ مَا يُطَابِقُ الِاعْتِقَادَ فَقَطْ مِثْلُ قَوْلِ الدَّهْرِيِّ أَنْبَتَ الرَّبِيعُ الْبَقْلَ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ عَقْلُ الْمُتَكَلِّمِ أَوْ السَّامِعِ، وَقَدْ اُحْتُرِزَ بِهِ عَنْ الْفَاعِلِ فِي اللَّفْظِ فَإِنَّ الْمَنْسُوبَ إلَيْهِ فِي الْمَجَازِ الْعَقْلِيِّ أَيْضًا فَاعِلٌ فِي اللَّفْظِ، وَلَوْ أَرَادَ بِالْفَاعِلِ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِ مَا يَكُونُ الْفِعْلُ حَاصِلًا لَهُ فِي اعْتِقَادِ الْمُتَكَلِّمِ بِحَسَبِ التَّحْقِيقِ لِخُرُوجِ الْأَقْوَالِ الْكَاذِبَةِ الَّتِي لَا تُطَابِقُ الْوَاقِعَ، وَلَا الِاعْتِقَادَ مِثْلُ قَوْلِ الْقَائِلِ جَاءَ زَيْدٌ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ لَمْ يَجِئْ لِأَنَّهُ لَمْ يُوصَفْ بِالْمَجِيءِ لَا فِي الْوَاقِعِ، وَلَا عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِ بِحَسَبِ التَّحْقِيقِ لَكِنْ بِحَسَبِ مَا يُفْهَمُ مِنْ ظَاهِرِ كَلَامِهِ فَصَارَ الْحَاصِلُ أَنَّ الْفَاعِلَ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِ عِبَارَةٌ عَمَّا يَكُونُ الْفِعْلُ حَاصِلًا لَهُ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِ فِي الظَّاهِرِ فَيَشْمَلُ نَحْوَ ضُرِبَ عَمْرٌو عَلَى لَفْظِ الْمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ لِأَنَّ الْمَضْرُوبِيَّةَ صِفَةُ عَمْرٍو فَهُوَ فَاعِلٌ ثُمَّ
стр. 137
مَجَازِيًّا لِأَنَّ الْفَاعِلَ عِنْدَهُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَإِنْ قَالَ الدَّهْرِيُّ أَنْبَتَ الرَّبِيعُ الْبَقْلَ فَقَدْ أَسْنَدَ الْفِعْلَ إلَى مَا هُوَ فَاعِلٌ عِنْدَهُ فَالْإِسْنَادُ حَقِيقِيٌّ مَعَ أَنَّ الرَّبِيعَ لَيْسَ بِفَاعِلٍ فِي الْعَقْلِ، وَهُوَ كَاذِبٌ فِي هَذَا الْكَلَامِ كَمَا إذَا قَالَ رَجُلٌ جَاءَنِي زَيْدٌ نَفْسُهُ مُرِيدًا مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيَّ، وَالْحَالُ أَنَّهُ لَمْ يَجِئْ فَكَلَامُهُ حَقِيقِيَّةٌ مَعَ أَنَّهُ كَاذِبٌ فَالْمُرَادُ مِنْ الْفَاعِلِ عِنْدَهُ مَا يُرِيدُ إفْهَامَ الْمُخَاطَبِ أَنَّهُ فَاعِلٌ عِنْدَهُ حَتَّى يَشْمَلَ الْخَبَرَ الصَّادِقَ، وَالْكَاذِبَ.
(فَصْلٌ)
هَذَا الْفَصْلُ فِي أَنْوَاعِ عَلَاقَاتِ الْمَجَازِ، وَهِيَ مَذْكُورَةٌ فِي الْكُتُبِ غَيْرُ مَضْبُوطَةٍ لَكِنِّي
ــ
[التلويح]
الضَّمِيرُ فِي غَيْرِهِ رَاجِعٌ إلَى الْفَاعِلِ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ فَيَدْخُلُ فِي تَعْرِيفِ الْمَجَازِ مِثْلُ أُفْعِمَ السَّيْلُ عَلَى لَفْظِ الْمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ لِأَنَّ فَاعِلَهُ الْوَادِي لَا السَّيْلُ، وَمِثْلُ هُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ لِأَنَّ الْفَاعِلَ إنَّمَا هُوَ صَاحِبُ الْعِيشَةِ، وَيَخْرُجُ مِثْلُ قَوْلِ الدَّهْرِيِّ، وَالْأَقْوَالُ الْكَاذِبَةُ لِأَنَّ الْفِعْلَ فِيهَا مَنْسُوبٌ إلَى نَفْسِ الْفَاعِلِ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِ فِي الظَّاهِرِ لَا إلَى غَيْرِهِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى قَيْدِ التَّأْوِيلِ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ الْمُلَابَسَةُ احْتِرَازًا عَنْ مِثْلِ أَنْبَتَ الْخَرِيفُ الْبَقْلَ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِحَقِيقَةٍ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَلَا مَجَازٍ لِأَنَّ الْغَيْرَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مِنْ مُلَابَسَاتِ الْفِعْلِ
[فَصْلٌ أَنْوَاعِ عَلَاقَاتِ الْمَجَازِ]
(قَوْلُهُ: فَصْلٌ) قَدْ سَبَقَ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْمَجَازِ مِنْ الْعَلَاقَةِ، وَهُوَ اتِّصَالُ الْمَعْنَى الْمُسْتَعْمَلِ فِيهِ بِالْمَعْنَى الْمَوْضُوعِ لَهُ، وَالْعُمْدَةُ فِيهَا الِاسْتِقْرَاءُ، وَيَرْتَقِي مَا ذَكَرَهُ الْقَوْمُ إلَى خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ وَضَبَطَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي خَمْسَةٍ الشَّكْلُ، وَالْوَصْفُ، وَالْكَوْنُ عَلَيْهِ، وَالْأَوَّلُ إلَيْهِ، وَالْمُجَاوَرَةُ، وَأَرَادَ بِالْمُجَاوَرَةِ مَا يَعُمُّ كَوْنَ أَحَدِهِمَا فِي الْآخَرِ بِالْجُزْئِيَّةِ أَوْ الْحُلُولِ، وَكَوْنِهِمَا فِي مَحَلٍّ، وَكَوْنِهِمَا مُتَلَازِمَيْنِ فِي الْوُجُودِ أَوْ الْعَقْلِ أَوْ الْخَيَالِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ وَالْمُصَنِّفُ فِي تِسْعَةٍ الْكَوْنُ، وَالْأَوَّلُ، وَالِاسْتِعْدَادُ، وَالْمُقَابَلَةُ، وَالْجُزْئِيَّةُ، وَالْحُلُولُ، وَالسَّبَبِيَّةُ، وَالشَّرْطِيَّةُ، وَالْوَصْفِيَّةُ لِأَنَّ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيَّ إمَّا أَنْ يَكُونَ حَاصِلًا بِالْفِعْلِ لِلْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ فِي بَعْضِ الْأَزْمَانِ خَاصَّةً أَوْ لَا فَعَلَى الْأَوَّلِ إنْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ الزَّمَانُ عَلَى زَمَانِ تَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِالْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ فَهُوَ لِلْكَوْنِ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَأَخَّرَ فَهُوَ الْأَوَّلُ إلَيْهِ إذْ لَوْ كَانَ حَاصِلًا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ أَوْ فِي جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ لَمْ يَكُنْ مَجَازًا بَلْ حَقِيقَةً، وَعَلَى الثَّانِي إنْ كَانَ حَاصِلًا لَهُ بِالْقُوَّةِ فَهُوَ الِاسْتِعْدَادُ، وَإِلَّا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا لُزُومٌ، وَاتِّصَالٌ فِي الْعَقْلِ بِوَجْهٍ مَا فَلَا عَلَاقَةَ، وَإِنْ كَانَ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لُزُومًا فِي مُجَرَّدِ الذِّهْنِ، وَهُوَ الْمُقَابَلَةُ أَوْ مُنْضَمًّا إلَى الْخَارِجِ، وَحِينَئِذٍ إنْ كَانَ أَحَدُهُمَا جُزْءًا لِلْآخَرِ فَهُوَ الْجُزْئِيَّةُ، وَالْكُلِّيَّةُ، وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ اللَّازِمُ صِفَةً لِلْمَلْزُومِ فَهُوَ الْوَصْفِيَّةُ أَعْنِي الْمُشَابَهَةَ، وَإِلَّا فَاللُّزُومُ إمَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا حَاصِلًا فِي الْآخَرِ، وَهُوَ الْحَالِيَّةُ، وَالْمَحَلِّيَّةُ أَوْ سَبَبًا لَهُ، وَهُوَ السَّبَبِيَّةُ، والمسببية أَوْ شَرْطًا لَهُ، وَهُوَ الشَّرْطِيَّةُ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا أَيْضًا ضَبْطٌ، وَتَقْسِيمٌ عُرْفِيٌّ لَا حَصْرٌ، وَتَقْسِيمٌ عَقْلِيٌّ، وَلَوْ جَعَلْنَاهُ دَائِرًا بَيْنَ النَّفْيِ، وَالْإِثْبَاتِ بِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ اللَّازِمُ صِفَةً لِلْمَلْزُومِ فَإِنْ
стр. 138
أَوْرَدْتهَا عَلَى سَبِيلِ الْحَصْرِ، وَالتَّقْسِيمِ الْعَقْلِيِّ.
(إذَا أُطْلِقَتْ لَفْظًا عَلَى مُسَمًّى) هَذَا يَشْمَلُ إطْلَاقَ اللَّفْظِ عَلَى الْمَعْنَى سَوَاءٌ كَانَ الْمَعْنَى حَقِيقِيًّا أَوْ غَيْرَ حَقِيقِيٍّ، وَإِطْلَاقُ اللَّفْظِ عَلَى أَفْرَادِ مَا يَصْدُقُ عَلَيْهَا الْمَعْنَى، وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ فَإِنْ أَرَدْت عَيْنَ الْمَوْضُوعِ لَهُ فَحَقِيقَةٌ لَكِنْ لَمْ يَذْكُرْ هَذَا الْقِسْمَ، وَذَكَرَ مَا هُوَ بِصَدَدِهِ، وَهُوَ أَنْوَاعُ الْمَجَازَاتِ فَقَالَ (وَأَرَدْت غَيْرَ الْمَوْضُوعِ لَهُ فَالْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ إنْ حَصَلَ لَهُ) أَيْ لِذَلِكَ الْمُسَمَّى (بِالْفِعْلِ فِي بَعْضِ الْأَزْمَانِ فَمَجَازٌ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ أَوْ بِاعْتِبَارِ مَا يَئُولُ) الْمُرَادُ بِبَعْضِ الْأَزْمَانِ الزَّمَانُ الْمُغَايِرُ لِلزَّمَانِ الَّذِي وُضِعَ اللَّفْظُ لِلْحُصُولِ
ــ
[التلويح]
كَانَ أَحَدُهُمَا حَاصِلًا فِي الْآخَرِ فَهُوَ الْحُلُولُ، وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ سَبَبًا لَهُ فَهُوَ السَّبَبِيَّةُ، وَإِلَّا فَهُوَ الشَّرْطِيَّةُ، وَرُدَّ الْمَنْعُ عَلَى الْأَخِيرِ، وَسَتَسْمَعُ فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ مَا عَلَى التَّقْسِيمِ مِنْ الْأَبْحَاثِ.
(قَوْلُهُ: إذَا أَطْلَقْت لَفْظًا عَلَى الْمُسَمَّى) مَدْلُولُ اللَّفْظِ مِنْ حَيْثُ يُقْصَدُ بِاللَّفْظِ يُسَمَّى مَعْنًى، وَمِنْ حَيْثُ يَحْصُلُ مِنْهُ مَفْهُومًا، وَمِنْ حَيْثُ وُضِعَ لَهُ اسْمٌ مُسَمًّى إلَّا أَنَّ الْمَعْنَى قَدْ يُخَصُّ بِنَفْسِ الْمَفْهُومِ دُونَ الْأَفْرَادِ، وَالْمُسَمَّى يَعُمُّهُمَا فَيُقَالُ لِكُلٍّ مِنْ زَيْدٍ، وَعَمْرٍو، وَبَكْرٍ مُسَمَّى الرَّجُلِ، وَلَا يُقَالُ إنَّهُ مَعْنَاهُ فَلِذَا قَالَ عَلَى مُسَمًّى، وَلَمْ يَقُلْ عَلَى مَعْنًى، وَأَوْرَدَهُ بِلَفْظِ التَّنْكِيرِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ الْمُرَادَ مُسَمَّى ذَلِكَ اللَّفْظِ فَلَا يَتَنَاوَلُ الْمَجَازَ مَعَ أَنَّهُ الْمَقْصُودُ بِالنَّظَرِ.
(قَوْلُهُ: فِي بَعْضِ الْأَزْمَانِ) اعْلَمْ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْمَجَازِ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ حُصُولُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ لِلْمُسَمَّى الْمَجَازِيِّ فِي الزَّمَانِ السَّابِقِ عَلَى حَالِ اعْتِبَارِ الْحُكْمِ أَيْ زَمَانِ وُقُوعِ النِّسْبَةِ، وَفِي الْمَجَازِ بِاعْتِبَارِ مَا يَئُولُ إلَيْهِ حُصُولُهُ لَهُ فِي الزَّمَانِ اللَّاحِقِ، وَيُمْنَعُ فِيهِمَا حُصُولُهُ لَهُ فِي زَمَانِ اعْتِبَارِ الْحُكْمِ، وَإِلَّا لَكَانَ الْمُسَمَّى مِنْ أَفْرَادِ الْمَوْضُوعِ لَهُ فَيَكُونُ اللَّفْظُ فِيهِ حَقِيقَةً لَا مَجَازًا، وَالتَّقْدِيرُ بِخِلَافِهِ، وَيَلْزَمُ مِنْ هَذَا امْتِنَاعُ حُصُولِهِ لَهُ فِي جَمِيعِ الْأَزْمَانِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَلَا يَمْتَنِعُ حُصُولُهُ لَهُ فِي حَالِ الْحُكْمِ أَيْ زَمَانِ إيقَاعِ النِّسْبَةِ، وَالتَّكَلُّمِ بِالْجُمْلَةِ لِلْقَطْعِ بِأَنَّ الِاسْمَ فِي مِثْلِ قَتَلْت قَتِيلًا، وَعَصَرْت خَمْرًا مَجَازًا، وَإِنْ صَارَ الْمُسَمَّى فِي زَمَانِ الْأَخْبَارِ قَتِيلًا، وَخَمْرًا حَقِيقَةً، وَكَذَا فِي مِثْلِ ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٢] ، وَقْتَ الْبُلُوغِ هُوَ مَجَازٌ، وَإِنْ كَانُوا يَتَامَى حَقِيقَةً حَالَ التَّكَلُّمِ بِالْأَمْرِ بِخِلَافِ قَوْلِنَا لَا تَشْرَبْ الْعَصِيرَ إذَا صَارَ خَمْرًا، وَأَكْرِمْ الرَّجُلَ الَّذِي خَلْفَهُ أَبُوهُ يَتِيمًا فَإِنَّهُ حَقِيقَةٌ لِكَوْنِهِ خَمْرًا عِنْدَ الْمَصِيرِ، وَيَتِيمًا عِنْدَ التَّخْلِيفِ فَلِذَا قُيِّدَ حُصُولُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ لِلْمُسَمَّى بِبَعْضِ الْأَزْمَانِ يَعْنِي الْبَعْضَ خَاصَّةً ثُمَّ قُيِّدَ ذَلِكَ الْبَعْضُ فِي الشَّرْحِ بِكَوْنِهِ مُغَايِرًا لِلزَّمَانِ الَّذِي وُضِعَ اللَّفْظُ لِلْحُصُولِ فِيهِ أَيْ كَانَ بِنَاءُ الْكَلَامِ وَوَضْعُهُ عَلَى حُصُولِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ لِلْمُسَمَّى فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَشَرْحُ هَذَا الْكَلَامِ عَلَى مَا نُقِلَ عَنْ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْمَجَازَ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ أَوْ مَا يُؤَوَّلُ إلَيْهِ إنْ كَانَ فِي الِاسْمِ فَالْمُرَادُ بِاللَّفْظِ نَفْسُ الْجُمْلَةِ، وَبِالزَّمَانِ زَمَانُ وُقُوعِ النِّسْبَةِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ وَضْعَ الْجُمْلَةِ
стр. 139
فِيهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُقَيِّدْ فِي الْمَتْنِ بَعْضَ الْأَزْمَانِ بِهَذَا الْقَيْدِ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ تَقْدِيرُ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي غَيْرِ الْمَوْضُوعِ لَهُ مَعَ أَنَّ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيَّ حَاصِلٌ لِذَلِكَ الْمُسَمَّى فَإِنْ كَانَ زَمَانُ الْحُصُولِ عَيْنَ زَمَانٍ وُضِعَ اللَّفْظُ لِلْحُصُولِ فِيهِ كَانَ اللَّفْظُ مُسْتَعْمَلًا فِيمَا وُضِعَ لَهُ، وَالْمُقَدَّرُ خِلَافُهُ فَهَذَا الْقَيْدُ مَفْرُوغٌ عَنْهُ (أَوْ بِالْقُوَّةِ فَمَجَازٌ بِالْقُوَّةِ كَالْمُسْكِرِ لِخَمْرٍ أُرِيقَتْ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ أَصْلًا) أَيْ لَا بِالْفِعْلِ، وَلَا بِالْقُوَّةِ.
(فَلَا بُدَّ وَأَنْ تُرِيدَ مَعْنًى لَازِمًا لِمَعْنَاهُ الْوَضْعِيِّ ذِهْنًا) أَيْ يَنْتَقِلُ الذِّهْنُ مِنْ الْوَضْعِيِّ، وَالْمُرَادُ الِانْتِقَالُ فِي الْجُمْلَةِ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَلْزَمَ مِنْ تَصَوُّرِهِ تَصَوُّرُهُ كَالْبَصِيرِ إذَا أُطْلِقَ عَلَى الْأَعْمَى، وَكَالْغَائِطِ إذَا أُطْلِقَ
ــ
[التلويح]
وَدَلَالَتَهَا عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ حَاصِلًا لِلْمُسَمَّى فِي حَالَةِ تَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِهِ فَفِي مِثْلِ ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٢] وَ ﴿أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦] وُضِعَ الْكَلَامُ عَلَى أَنْ تَكُونَ حَقِيقَةُ الْيَتِيمِ خَالِصَةً لَهُمْ، وَقْتَ إيتَاءِ الْأَمْوَالِ إيَّاهُمْ، وَحَقِيقَةُ الْخَمْرِ حَاصِلَةٌ لَهُ حَالَ الْعَصْرِ فَلَوْ حَصَلَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى وَضْعِ الْكَلَامِ، وَلَمْ يَكُنْ اللَّفْظُ مَجَازًا بَلْ حَقِيقَةً فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْحُصُولُ فِي زَمَانٍ سَابِقٍ لِيَكُونَ مَجَازًا بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ أَوْ لَاحِقٌ لِيَكُونَ مَجَازًا بِاعْتِبَارِ مَا يَئُولُ، وَإِنْ كَانَ فِي الْفِعْلِ فَالْمُرَادُ بِاللَّفْظِ نَفْسُ الْفِعْلِ، وَبِالزَّمَانِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْفِعْلُ بِهَيْئَتِهِ فَإِذَا قُلْنَا يَكْتُبُ زَيْدٌ مَجَازًا عَنْ كَتَبَ زَيْدٌ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ فَمَعْنَى حُصُولِ مَعْنَى الْحَقِيقِيِّ لِلْمُسَمَّى أَنَّ مَعْنَى جَوْهَرِ الْحُرُوفِ، وَهُوَ الْحَدَثُ حَاصِلٌ لِلْمُسَمَّى فِي زَمَانٍ سَابِقٍ عَلَى الزَّمَانِ الَّذِي هُوَ مَدْلُولُ الْفِعْلِ أَعْنِي الْحَالَ أَوْ الِاسْتِقْبَالَ إذْ لَوْ كَانَ حَاصِلًا لَهُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ لَكَانَ الْفِعْلُ حَقِيقَةً لَا مَجَازًا، وَإِذَا قُلْنَا كَتَبَ زَيْدٌ مَجَازًا عَنْ يَكْتُبُ بِاعْتِبَارِ مَا يَئُولُ فَمَعْنَى حُصُولِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ لِلْمُسَمَّى أَنَّ الْحَدَثَ حَاصِلٌ لَهُ فِي زَمَانٍ لَاحِقٍ مُتَأَخِّرٍ عَنْ الزَّمَانِ الْمَاضِي الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الْفِعْلُ بِهَيْئَتِهِ إذْ لَوْ كَانَ حَاصِلًا لَهُ فِي الزَّمَانِ الْمَاضِي لَكَانَ الْفِعْلُ حَقِيقَةً لَا مَجَازًا فَالزَّمَانُ الَّذِي يَحْصُلُ فِيهِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ، وَلِلْمُسَمَّى فِي الصُّورَتَيْنِ مُغَايِرٌ لِلزَّمَانِ الَّذِي وُضِعَ لَفْظُ الْفِعْلِ لِحُصُولِ الْحَدَثِ فِيهِ هَذَا خُلَاصَةُ كَلَامِهِ، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ فَإِنَّهُ أَرَادَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيَّ فِي الِاسْمِ نَفْسَ الْمَوْضُوعِ لَهُ، وَفِي الْفِعْلِ جَزَّأَهُ أَعْنِي الْحَدَثَ، وَبِالْمُسَمَّى الِاسْمُ مَا أُطْلِقَ عَلَيْهِ اللَّفْظُ مِنْ الْمَدْلُولِ الْمَجَازِيِّ، وَفِي الْفِعْلِ الْفَاعِلُ إذْ هُوَ الَّذِي يَحْصُلُ لَهُ الْحَدَثُ فِي زَمَانٍ سَابِقٍ أَوْ لَاحِقٍ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُسَمَّى الَّذِي أُطْلِقَ عَلَيْهِ الْمَجَازُ الَّذِي هُوَ لَفْظُ الْفِعْلِ، وَإِنَّمَا الْمَدْلُولُ الْمَجَازِيُّ هُوَ الْحَدَثُ الْمُقَارَنُ بِزَمَانٍ سَابِقٍ أَوْ لَاحِقٍ، وَلَا مَعْنَى لِحُصُولِ الْحَدَثِ لَهُ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ، وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ التَّعْبِيرُ عَلَى الْمَاضِي بِالْمُضَارِعِ، وَعَكْسِهِ مِنْ بَابِ الِاسْتِعَارَةِ عَلَى تَشْبِيهِ غَيْرِ الْحَاصِلِ فِي تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ، وَتَشْبِيهِ الْمَاضِي
стр. 140
عَلَى الْحَدَثِ (وَهُوَ) أَيْ اللَّازِمُ الذِّهْنِيُّ (إمَّا ذِهْنِيٌّ مَحْضٌ) إنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا لُزُومٌ فِي الْخَارِجِ (كَتَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ مُقَابِلِهِ) كَمَا يُطْلَقُ الْبَصِيرُ عَنْ الْأَعْمَى (أَوْ مُنْضَمٌّ إلَى الْعُرْفِيِّ) إنْ كَانَ بَيْنَهُمَا لُزُومٌ فِي الْخَارِجِ أَيْضًا لَكِنْ بِحَسَبِ عَادَاتِ النَّاسِ كَالْغَائِطِ فَإِنَّهُ لَمَّا وَقَعَ فِي الْعُرْفِ قَضَاءُ الْحَاجَةِ فِي الْمَكَانِ الْمُطْمَئِنِّ حَصَلَ بَيْنَهُمَا مُلَازَمَةٌ عُرْفِيَّةٌ فَبِنَاءً عَلَى هَذَا الْعُرْفِ يَنْتَقِلُ الذِّهْنُ مِنْ الْمَحَلِّ إلَى الْحَالِ فَيَكُونُ ذِهْنِيًّا مُنْضَمًّا إلَى الْعُرْفِيِّ (أَوْ الْخَارِجِيِّ) أَيْ يَكُونُ الذِّهْنِيُّ مُنْضَمًّا إلَى الْخَارِجِيِّ إنْ كَانَ بَيْنَهُمَا لُزُومٌ فِي الْخَارِجِ لَا بِحَسَبِ عَادَاتِ النَّاسِ بَلْ بِحَسَبِ الْخِلْقَةِ فَصَارَ اللُّزُومُ الْخَارِجِيُّ قِسْمَيْنِ عُرْفِيًّا، وَخُلُقِيًّا فَسَمَّى الْأَوَّلَ عُرْفِيًّا، وَالثَّانِيَ خَارِجِيًّا.
(وَحِينَئِذٍ) أَيْ إذَا كَانَ اللُّزُومُ الذِّهْنِيُّ مُنْضَمًّا إلَى الْعُرْفِيِّ أَوْ الْخَارِجِيِّ.
(أَمَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا جُزْءًا لِلْآخَرِ كَإِطْلَاقِ اسْمِ الْكُلِّ عَلَى الْجُزْءِ، وَبِالْعَكْسِ كَالْجَمْعِ لِلْوَاحِدِ) ، وَهُوَ نَظِيرُ إطْلَاقِ اسْمِ الْكُلِّ عَلَى الْجُزْءِ.
(وَالرَّقَبَةُ لِلْعَبْدِ) ، وَهُوَ نَظِيرُ إطْلَاقِ اسْمِ الْجُزْءِ عَلَى الْكُلِّ (أَوْ خَارِجًا عَنْهُ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ جُزْءًا لِلْآخَرِ.
(وَحِينَئِذٍ إمَّا أَنْ لَا يَكُونَ اللَّازِمُ صِفَةً لِلْمَلْزُومِ وَهُوَ) أَيْ اللُّزُومُ (إمَّا بِحُصُولِ أَحَدِهِمَا فِي الْآخَرِ كَإِطْلَاقِ اسْمِ الْمَحَلِّ عَلَى الْحَالِ أَوْ بِالْعَكْسِ وَإِمَّا بِالسَّبَبِيَّةِ
ــ
[التلويح]
بِالْحَاضِرِ فِي كَوْنِهِ نُصْبَ الْعَيْنِ، وَاجِبَ الْمُشَاهَدَةِ ثُمَّ اسْتِعَارَةُ لَفْظِ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ ثُمَّ فِي كَلَامِهِ نَظَرٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ حُصُولَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ لِلْمُسَمَّى فِي زَمَانِ اعْتِبَارِ الْحُكْمِ بَلْ فِي جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ لَا يُوجِبُ كَوْنَهُ حَقِيقَةً لِجَوَازِ أَنْ لَا يَكُونَ إطْلَاقُ اللَّفْظِ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ مِنْ أَفْرَادِ الْمَوْضُوعِ لَهُ كَمَا فِي إطْلَاقِ الدَّابَّةِ عَلَى الْفَرَسِ مَجَازًا مَعَ دَوَامِ كَوْنِهِ مِمَّا يَدِبُّ عَلَى الْأَرْضِ الثَّانِي أَنَّ الْحُصُولَ بِالْفِعْلِ لَيْسَ بِلَازِمٍ فِي الْمَجَازِ بِاعْتِبَارِ مَا يَئُولُ بَلْ يَكْفِي تَوَهُّمُ الْحُصُولِ كَمَا فِي عَصَرْت خَمْرًا فَأُرِيقَتْ فِي الْحَالِ فَإِنَّهُ مَجَازٌ بِاعْتِبَارِ مَا يَئُولُ مَعَ عَدَمِ حُصُولِ حَقِيقَةِ الْخَمْرِ لِلْمُسَمَّى بِالْفِعْلِ أَصْلًا.
(قَوْلُهُ: فَلَا بُدَّ، وَأَنْ تُرِيدَ مَعْنًى لَازِمًا) لِأَنَّ مَبْنَى الْمَجَازِ عَلَى الِانْتِقَالِ مِنْ الْمَلْزُومِ إلَى اللَّازِمِ، وَالْمُرَادُ كَوْنُ الْمَعْنَى الْوَضْعِيِّ بِحَيْثُ يَنْتَقِلُ مِنْهُ الذِّهْنُ إلَى الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ فِي الْجُمْلَةِ، وَلَا يُشْتَرَطُ اللُّزُومُ بِمَعْنَى امْتِنَاعِ الِانْفِكَاكِ فِي التَّصَوُّرِ كَالْبَصِيرِ يُطْلَقُ عَلَى الْأَعْمَى مَعَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَصَوُّرِ الْبَصِيرِ تَصَوُّرُ الْأَعْمَى بَلْ بِالْعَكْسِ لَكِنْ قَدْ يَنْتَقِلُ الذِّهْنُ مِنْهُ إلَى الْأَعْمَى بِاعْتِبَارِ الْمُقَابَلَةِ، وَكَذَا عَنْ الْغَائِطِ إلَى الْفَضَلَاتِ بِاعْتِبَارِ الْمُجَاوَرَةِ فَفِي الْأَوَّلِ لُزُومٌ ذِهْنِيٌّ مَحْضٌ، وَفِي الثَّانِي مَعَ الْخَارِجِيِّ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْعَلَاقَةَ فِي إطْلَاقِ اسْمِ أَحَدِ الْمُتَقَابِلَيْنِ عَلَى الْآخَرِ لَيْسَ هُوَ اللُّزُومَ الذِّهْنِيَّ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى امْتِنَاعِ إطْلَاقِ الْأَبِ عَلَى الِابْنِ بَلْ هُوَ مِنْ قَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ بِتَنْزِيلِ التَّقَابُلِ مَنْزِلَةَ التَّنَاسُبِ بِوَاسِطَةِ تَلْمِيحٍ أَوْ تَهَكُّمٍ كَمَا فِي إطْلَاقِ الشُّجَاعِ عَلَى الْجَبَانِ أَوْ تَفَاؤُلٍ كَمَا فِي إطْلَاقِ الْبَصِيرِ عَلَى الْأَعْمَى أَوْ مُشَاكَلَةٍ كَمَا فِي إطْلَاقِ السَّيِّئَةِ عَلَى جَزَاءِ السَّيِّئَةِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ:
стр. 141
كَإِطْلَاقِ اسْمِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبِّبِ نَحْوُ عَيْنَا الْغَيْثِ) أَيْ النَّبْتِ (أَوْ بِالْعَكْسِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ [غافر: ١٣] ، وَهَذَا يَحْتَمِلُ الْعَكْسَ أَيْضًا) أَيْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ [غافر: ١٣] يَحْتَمِلُ إطْلَاقَ اسْمِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبِّبِ (لِأَنَّ الرِّزْقَ سَبَبٌ غَائِيٌّ لِلْمَطَرِ وَإِمَّا بِالشَّرْطِيَّةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] أَيْ صَلَاتَكُمْ) هَذَا نَظِيرُ إطْلَاقِ اسْمِ الشُّرُوطِ عَلَى الْمُشْرَطِ.
(وَكَالْعِلْمِ عَلَى الْمَعْلُومِ) هَذَا نَظِيرُ إطْلَاقِ اسْمِ الْمَشْرُوطِ عَلَى الشَّرْطِ وَيَكُونُ صِفَتَهُ، وَهُوَ الِاسْتِعَارَةُ، وَشَرْطُهَا أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ بَيِّنًا كَالْأَسَدِ يُرَادُ بِهِ لَازِمُهُ، وَهُوَ الشُّجَاعُ فَيُطْلَقُ عَلَى زَيْدٍ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ شُجَاعٌ، وَإِذَا عَرَفْت أَنَّ مَبْنَى الْمَجَازِ عَلَى إطْلَاقِ اسْمِ الْمَلْزُومِ عَلَى اللَّازِمِ، وَالْمَلْزُومُ أَصْلٌ، وَاللَّازِمُ فَرْعٌ فَإِذَا كَانَتْ الْأَصْلِيَّةُ، وَالْفَرْعِيَّةُ مِنْ الطَّرَفَيْنِ يَجْرِي الْمَجَازُ مِنْ الطَّرَفَيْنِ كَالْعِلَّةِ مَعَ الْمَعْلُولِ الَّذِي هُوَ عِلَّةٌ غَائِيَّةٌ لَهَا، (وَكَالْجُزْءِ مَعَ الْكُلِّ فَإِنَّ الْجُزْءَ تَبَعُ لِلْكُلِّ) أَيْ بِالنِّسْبَةِ إلَى اللَّفْظِ الْمَوْضُوعِ لِلْكُلِّ فَإِنَّ الْجُزْءَ يُفْهَمُ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ بِتَبَعِيَّةِ الْكُلِّ فَيَصِحُّ أَنْ يُطْلَقَ هَذَا اللَّفْظُ، وَيُرَادُ بِهِ جُزْءُ الْمَوْضُوعِ لَهُ.
(وَالْكُلُّ مُحْتَاجٌ إلَى الْجُزْءِ) فَيَكُونُ الْجُزْءُ أَصْلًا فَيَصِحُّ أَنْ يُرَادَ الْكُلُّ بِاللَّفْظِ الْمَوْضُوعِ لِلْجُزْءِ فَإِطْلَاقُ اسْمِ الْكُلِّ عَلَى الْجُزْءِ مُطَّرِدٌ وَعَكْسُهُ غَيْرُ مُطَّرِدٍ بَلْ يَجُوزُ فِي صُورَةٍ يَسْتَلْزِمُ الْجُزْءُ الْكُلَّ كَالرَّقَبَةِ، وَالرَّأْسِ مَثَلًا فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُوجَدُ بِدُونِ الرَّأْسِ، وَالرَّقَبَةِ، وَأَمَّا إطْلَاقُ الْيَدِ، وَإِرَادَةُ الْإِنْسَانِ فَلَا يَجُوزُ.
(وَكَالْمَحَلِّ فَإِنَّهُ أَصْلٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحَالِّ) لِاحْتِيَاجِ الْحَالِّ إلَى الْمَحَلِّ.
(وَأَيْضًا عَلَى الْعَكْسِ إذَا كَانَ الْمَقْصُودُ هُوَ الْحَالَّ)
ــ
[التلويح]
أَوْ خَارِجًا عَنْهُ) مَعْنَاهُ أَوْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَارِجًا عَنْ الْآخَرِ إذْ لَوْ حُمِلَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا خَارِجًا عَنْ الْآخَرِ لَمْ يُنَافِ كَوْنَ أَحَدِهِمَا جُزْءًا لِلْآخَرِ، وَلَمْ يُقَابِلْهُ ضَرُورَةَ أَنَّهُ إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا جُزْءًا لِلْآخَرِ كَانَ أَحَدُهُمَا، وَهُوَ الْكُلُّ خَارِجًا عَنْ الْآخَرِ، وَهُوَ الْجُزْءُ.
(قَوْلُهُ: أَوْ يَكُونَ صِفَتَهُ) أَيْ اللَّازِمِ صِفَةَ الْمَلْزُومِ، وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ إمَّا أَنْ لَا يَكُونَ اللَّازِمُ صِفَةً لِلْمَلْزُومِ، وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ الْمَجَازِ يُسَمَّى اسْتِعَارَةً فَإِنْ قُلْت قَدْ جَعَلَ أَنْوَاعَ الْعَلَاقَاتِ مُتَقَابِلَةً مُتَبَايِنَةً حَتَّى اشْتَرَطَ فِي الِاسْتِعَارَةِ مَثَلًا أَنْ لَا يَكُونَ أَحَدُ الْمَعْنَيَيْنِ جُزْءًا لِلْآخَرِ، وَفِي الْمَجَازِ بِاعْتِبَارِ السَّبَبِيَّةِ، وَنَحْوِهَا أَنْ لَا يَكُونَ وَصْفًا لَهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُشْعِرُ بِهِ التَّقْسِيمُ، وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّهُ لَا امْتِنَاعَ فِي اجْتِمَاعِ الْعَلَاقَاتِ بَعْضِهَا مَعَ بَعْضٍ مَثَلًا إطْلَاقُ الْمُشَفَّرِ عَلَى شَفَةِ الْإِنْسَانِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْتِعَارَةً عَلَى قَصْدِ التَّشْبِيهِ فِي الْغِلَظِ، وَأَنْ يَكُونَ مَجَازًا مُرْسَلًا مِنْ إطْلَاقِ الْكُلِّ عَلَى الْجُزْءِ أَعْنِي الْمُقَيَّدَ عَلَى الْمُطْلَقِ، وَهُوَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى قُلْت كَأَنَّهُ قَصَدَ تَمَايُزَ الْأَقْسَامِ بِحَسَبِ الِاعْتِبَارِ، وَأَرَادَ أَنَّهُ إمَّا أَنْ يُعْتَبَرَ كَوْنُ أَحَدِهِمَا جُزْءًا لِلْآخَرِ أَوْ وَصْفًا لَهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَإِنْ قُلْت فَالِاسْتِعَارَةُ تَكُونُ بِاعْتِبَارِ جَامِعٍ دَاخِلٍ فِي الطَّرَفَيْنِ أَوْ شَكْلٍ لَهُمَا فَكَيْفَ حُصِرَ الْجَامِعُ فِي الْوَصْفِيَّةِ قُلْت أَرَادَ أَنَّ اللَّازِمَ، وَهُوَ مَا حَصَلَ لَهُ الْجَامِعُ
стр. 142
كَالْمَاءِ، وَالْكُوزِ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْكُوزِ الْمَاءُ، وَالْمُرَادَ بِالْحُلُولِ الْحُصُولُ فِيهِ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ
ــ
[التلويح]
وَصْفٌ لِلْمَلْزُومِ أَعْنِي الْمَعْنَى الْحَقِيقِيَّ، وَهَذَا لَا يُنَافِي كَوْنَ الْجَامِعِ جُزْءًا مِنْ الطَّرَفَيْنِ أَوْ شَكْلًا لَهُمَا فَإِنْ قِيلَ فَاللَّازِمُ أَعْنِي الْمَعْنَى الْمَجَازِيَّ الَّذِي أُطْلِقَ عَلَيْهِ اللَّفْظُ فِي مِثْلِ رَأَيْت فِي الْحَمَّامِ أَسَدًا هُوَ زَيْدٌ الشُّجَاعُ مَثَلًا، وَهُوَ لَيْسَ بِوَصْفِ الْمَلْزُومِ أَعْنِي الْأَسَدَ الْحَقِيقِيَّ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَسَدِ لَازِمُهُ الَّذِي هُوَ الشُّجَاعُ، وَهُوَ وَصْفٌ لَهُ، وَإِنَّمَا وَقَعَ الْإِطْلَاقُ عَلَى زَيْدٍ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مِنْ أَفْرَادِ الشُّجَاعِ كَمَا إذَا قُلْت رَأَيْت شُجَاعًا، وَهَاهُنَا بُحِثَ، وَهُوَ أَنَّ اللَّازِمَ اُسْتُعْمِلَ فِيهِ لَفْظُ الْأَسَدِ مَجَازًا إنْ كَانَ هُوَ الْإِنْسَانَ الشُّجَاعَ فَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَيْسَ بِوَصْفٍ لِلْمَلْزُومِ أَعْنِي الْأَسَدَ، وَإِنْ كَانَ هُوَ الشُّجَاعَ مُطْلَقًا أَعَمَّ مِنْ الْإِنْسَانِ، وَالْأَسَدِ، وَغَيْرِهِمَا فَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُشَبَّهٍ بِالْأَسَدِ، وَإِنَّمَا الْمُشَبَّهُ هُوَ الْإِنْسَانُ الشُّجَاعُ خَاصَّةً فَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ الْمَجَازُ بِاعْتِبَارِ إطْلَاقِ اسْمِ الْمُشَبَّهِ بِهِ، وَأَيْضًا لَا يَصِحُّ أَنَّ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيَّ لَا يَحْصُلُ لِلْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ أَصْلًا ضَرُورَةَ أَنَّ مَعْنَى الْأَسَدِ حَاصِلٌ لِذَاتٍ لَهَا الشَّجَاعَةُ فِي الْجُمْلَةِ، وَتَحْقِيقُ هَذِهِ الْمَبَاحِثِ يُطْلَبُ مِنْ شَرْحِنَا لِلتَّلْخِيصِ.
(قَوْلُهُ: وَإِذَا عَرَفْت) يُرِيدُ أَنَّ بَعْضَ أَنْوَاعِ الْعَلَاقَةِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ مِمَّا يُصَحِّحُ الْمَجَازَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَبَعْضَهَا مِنْ جَانِبٍ وَاحِدٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَبْنَى الْمَجَازِ عَلَى الِانْتِقَالِ مِنْ الْمَلْزُومِ إلَى اللَّازِمِ، وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ مَعْنَى اللُّزُومِ هَاهُنَا الِانْتِقَالُ فِي الْجُمْلَةِ لَا امْتِنَاعُ الِانْفِكَاكِ فَالْمَلْزُومُ أَصْلٌ، وَمَتْبُوعٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ مِنْهُ الِانْتِقَالَ، وَاللَّازِمُ فَرْعٌ، وَتَابِعٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ إلَيْهِ الِانْتِقَالَ فَإِنْ كَانَ اتِّصَالُ الشَّيْئَيْنِ بِحَيْثُ يَكُونُ كُلٌّ مِنْهُمَا أَصْلًا مِنْ وَجْهٍ فَرْعًا مِنْ وَجْهٍ جَازَ اسْتِعْمَالُ اسْمِ كُلٍّ مِنْهُمَا فِي الْآخَرِ مَجَازًا وَإِلَّا جَازَ اسْتِعْمَالُ اسْمِ الْأَصْلِ فِي الْفَرْعِ دُونَ الْعَكْسِ فَالْعِلَّةُ أَصْلٌ مِنْ جِهَةِ احْتِيَاجِ الْمَعْلُولِ إلَيْهِ، وَابْتِنَائِهِ عَلَيْهِ، وَالْمَعْلُولُ الْمَقْصُودُ أَصْلٌ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ بِمَنْزِلَةِ الْعِلَّةِ الْغَائِيَّةِ. وَالْغَايَةُ وَإِنْ كَانَتْ مَعْلُولَةً لِلْفَاعِلِ مُتَأَخِّرَةً عَنْهُ فِي الْخَارِجِ إلَّا أَنَّهَا فِي الذِّهْنِ عِلَّةٌ لِفَاعِلِيَّتِهِ مُتَقَدِّمَةٌ عَلَيْهَا، وَلِهَذَا قَالُوا الْأَحْكَامُ عِلَلٌ مَآلِيَّةٌ، وَالْأَسْبَابُ عِلَلٌ آلِيَّةٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّ احْتِيَاجَ النَّاسِ بِالذَّاتِ إنَّمَا هُوَ إلَى الْأَحْكَامِ دُونَ الْأَسْبَابِ، وَإِنَّمَا قَالَ كَالْعِلَّةِ مَعَ الْمَعْلُولِ دُونَ السَّبَبِ مَعَ الْمُسَبِّبِ كَمَا فِي بَيَانِ أَنْوَاعِ الْعَلَاقَةِ لِأَنَّ مِنْ السَّبَبِ مَا هُوَ سَبَبٌ مَحْضٌ لَيْسَ فِي مَعْنَى الْعِلَّةِ، وَالْمُسَبِّبُ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ مَجَازًا كَمَا سَيَجِيءُ، وَالْكُلُّ أَصْلٌ يُبْتَنَى عَلَيْهِ الْجُزْءُ فِي الْحُصُولِ مِنْ اللَّفْظِ بِمَعْنَى أَنَّهُ إنَّمَا يُفْهَمُ مِنْ اسْمِ الْكُلِّ بِوَاسِطَةِ أَنَّ فَهْمَ الْكُلِّ مَوْقُوفٌ عَلَى فَهْمِهِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ التَّضَمُّنُ تَابِعٌ لِلْمُطَابَقَةِ، وَالتَّبَعِيَّةُ بِهَذَا الْمَعْنَى لَا تُنَافِي كَوْنَ فَهْمِ الْجُزْءِ سَابِقًا عَلَى فَهْمِ الْكُلِّ، وَالْجُزْءُ أَصْلٌ بِاعْتِبَارِ احْتِيَاجِ الْكُلِّ إلَيْهِ فِي الْوُجُودِ، وَالتَّعَقُّلِ، وَفِي هَذَا تَسْلِيمُ مَا مَنَعَهُ فِي صَدْرِ الْكِتَابِ مِنْ اطِّرَادِ تَعْرِيفِ الْأَصْلِ بِالْمُحْتَاجِ إلَيْهِ فَإِنْ قُلْت لَمَّا كَانَ فَهْمُ
стр. 143
حُلُولِ الْعَرْضِ فِي الْجَوْهَرِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الِاتِّصَالَاتِ الْمَذْكُورَةَ إذَا وُجِدَتْ مِنْ حَيْثُ الشَّرْعُ تَصْلُحُ عَلَاقَةً لِلْمَجَازِ أَيْضًا (كَالِاتِّصَالِ فِي الْمَعْنَى الْمَشْرُوعِ كَيْفَ شُرِعَ يَصْلُحُ عَلَاقَةً لِلِاسْتِعَارَةِ)
ــ
[التلويح]
الْجُزْءِ سَابِقًا عَلَى فَهْمِ الْكُلِّ لَمْ يَكُنْ الِانْتِقَالُ مِنْ الْكُلِّ إلَى الْجُزْءِ بَلْ بِالْعَكْسِ فَلَا يَكُونُ الْكُلُّ مَلْزُومًا، وَالْجُزْءُ لَازِمًا عَلَى مَا مَرَّ مِنْ التَّفْسِيرِ قُلْت لَيْسَ مَعْنَى الِانْتِقَالِ مِنْ الْمَلْزُومِ إلَى اللَّازِمِ أَنْ يَكُونَ تَصَوُّرُ اللَّازِمِ مُتَأَخِّرًا عَنْهُ فِي الْوُجُودِ أَلْبَتَّةَ بَلْ أَنْ يَكُونَ اللَّازِمُ بِحَيْثُ يَحْصُلُ عِنْدَ حُصُولِ الْمَلْزُومِ فِي الذِّهْنِ فِي الْجُمْلَةِ، وَهَذَا الْمَعْنَى فِي الْجُزْءِ مُتَحَقِّقٌ بِصِفَةِ الدَّوَامِ، وَالْوُجُوبِ فَإِنْ قِيلَ احْتِيَاجُ الْكُلِّ إلَى الْجُزْءِ ضَرُورِيٌّ مُطَّرِدٌ، وَالْمَجْمُوعُ الَّذِي يَكُونُ الْيَدُ أَوْ الرِّجْلُ جُزْءًا مِنْهُ لَا يَتَحَقَّقُ بِدُونِهِمَا ضَرُورَةَ انْتِفَاءِ الْكُلِّ بِانْتِفَاءِ الْجُزْءِ فَمَا مَعْنَى اشْتِرَاطِ جَوَازِ إطْلَاقِ الْجُزْءِ عَلَى الْكُلِّ بِأَنْ يَسْتَلْزِمَ الْجُزْءَ لِلْكُلِّ كَالرَّقَبَةِ، وَالرَّأْسِ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُوجَدُ بِدُونِهِمَا بِخِلَافِ الْيَدِ، وَالرِّجْلِ قُلْنَا هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْعُرْفِ حَيْثُ يُقَالُ لِلشَّخْصِ الَّذِي قُطِعَتْ يَدُهُ أَوْ رِجْلُهُ، وَذَلِكَ الشَّخْصُ بِعَيْنِهِ لَا غَيْرُهُ فَاعْتُبِرَ الْجُزْءُ الَّذِي لَا يَبْقَى الْإِنْسَانُ مَوْجُودًا بِدُونِهِ.
وَأَمَّا إطْلَاقُ الْعَيْنِ عَلَى الرَّقِيبِ فَإِنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْإِنْسَانَ بِوَصْفِ كَوْنِهِ رَقِيبًا لَا يُوجَدُ بِدُونِهِ كَإِطْلَاقِ اللِّسَانِ عَلَى التُّرْجُمَانِ فَإِنْ قِيلَ مَعْنَى اسْتِلْزَامِ الْجُزْءِ الْكُلَّ يَقْتَضِي كَوْنَ الْجُزْءِ مَلْزُومًا، وَالْكُلِّ لَازِمًا، وَعَدَمُ وُجْدَانِ الْإِنْسَانِ بِدُونِ الرَّأْسِ أَوْ الرَّقَبَةِ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجُزْءَ لَازِمٌ، وَالْكُلَّ مَلْزُومٌ إذْ الْمُلْزَمُ هُوَ الَّذِي لَا يُوجَدُ بِدُونِ اللَّازِمِ قُلْنَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ أَنَّا لَا نُرِيدُ بِالْمُسْتَلْزِمِ، وَاللَّازِمِ مُصْطَلَحَ أَهْلِ الْجَدَلِ بَلْ مُصْطَلَحُ أَهْلِ الْحِكْمَةِ، وَالْبَيَانِ، وَهُمْ يَعْنُونَ بِالْمُسْتَلْزِمِ الْمُسْتَتْبَعِ، وَاللَّازِمُ مَا يَتْبَعُهُ فَالْحُكَمَاءُ يَجْعَلُونَ خَوَاصَّ الْمَاهِيَّةِ لَوَازِمَهَا لَا مَلْزُومَاتِهَا مَعَ أَنَّهَا لَا تُوجَدُ بِدُونِ الْمَاهِيَّةِ، وَالْمَاهِيَّةُ قَدْ تُوجَدُ بِدُونِهَا، وَعُلَمَاءُ الْبَيَانِ يَجْعَلُونَ مَبْنَى الْمَجَازِ عَلَى الِانْتِقَالِ مِنْ الْمَلْزُومِ إلَى اللَّازِمِ، وَمَبْنَى الْكِنَايَةِ عَلَى الِانْتِقَالِ مِنْ اللَّازِمِ إلَى الْمَلْزُومِ، وَيَعْنُونَ بِاللَّازِمِ مَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ التَّابِعِ، وَالرَّدِيفِ فَكُلٌّ مِنْ الرَّقَبَةِ، وَالرَّأْسِ مَلْزُومٌ، وَأَصْلٌ يَفْتَقِرُ إلَيْهِ الْإِنْسَانُ، وَيَتْبَعُهُ فِي الْوُجُودِ. وَفِي كَوْنِ مَا ذُكِرَ مُصْطَلَحَ أَهْلِ الْحِكْمَةِ نَظَرٌ فَإِنَّهُمْ يَقْسِمُونَ الْخَاصَّةَ إلَى لَازِمَةٍ، وَغَيْرِ لَازِمَةٍ، وَإِنَّمَا يُطْلِقُونَ اللَّوَازِمَ عَلَى مَا يَكُونُ مُقْتَضَى الْمَاهِيَّةِ، وَيَمْتَنِعُ انْفِكَاكُهُ عَنْهَا لَا يُقَالُ كُلُّ مَلْزُومٍ فَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى لَازِمِهِ فَيَكُونُ اللَّازِمُ أَصْلًا لَهُ، وَمَلْزُومًا بِمَعْنَى كَوْنِهِ مُحْتَاجًا إلَيْهِ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ جَرَيَانُ الْأَصَالَةِ، وَالتَّبَعِيَّةِ فِي جَمِيعِ أَقْسَامِ الْمَجَازِ ضَرُورَةَ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الِانْتِقَالِ مِنْ الْمَلْزُومِ إلَى اللَّازِمِ لِأَنَّا نَقُولُ إنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ لَوْ أُرِيدَ بِاللَّازِمِ مَا يَمْتَنِعُ انْفِكَاكُهُ عَنْ الشَّيْءِ حَتَّى يَحْتَاجَ الشَّيْءُ إلَيْهِ، وَقَدْ عَرَفْت أَنَّهُ لَيْسَ بِمُرَادٍ.
(قَوْلُهُ: وَالْمُرَادُ بِالْحُلُولِ) الْمُتَعَارَفُ عِنْدَ الْحُكَمَاءِ فِي حُلُولِ
стр. 144
أَيْ يَنْظُرُ فِي التَّصَرُّفَاتِ الْمَشْرُوعَةِ كَالْبَيْعِ، وَالْإِجَارَةِ، وَالْوَصِيَّةِ، وَغَيْرِهَا أَنَّ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ عَلَى وَجْهٍ شُرِعَتْ فَالْبَيْعُ عَقْدٌ شُرِعَ لِتَمْلِيكِ الْمَالِ بِالْمَالِ وَالْإِجَارَةُ شُرِعَتْ لِتَمْلِيكِ الْمَنْفَعَةِ بِالْمَالِ فَإِذَا حَصَلَ اشْتِرَاكُ التَّصَرُّفَيْنِ فِي هَذَا الْمَعْنَى تَصِحُّ اسْتِعَارَةُ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ.
(كَالْوَصِيَّةِ، وَالْإِرْثِ) فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا اسْتِخْلَافٌ بَعْدَ الْمَوْتِ إذَا حَصَلَ الْفَرَاغُ مِنْ حَوَائِجِ الْمَيِّتِ كَالتَّجْهِيزِ، وَالدَّيْنِ فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ كَمَا يُشْتَرَطُ لِلِاسْتِعَارَةِ فِي غَيْرِ الشَّرْعِيَّاتِ اللَّازِمُ الْبَيِّنُ فَكَذَلِكَ فِي الشَّرْعِيَّاتِ، وَاللَّازِمُ الْبَيِّنُ لِلتَّصَرُّفَاتِ الشَّرْعِيَّةِ هُوَ الْمَعْنَى الْخَارِجُ عَنْ مَفْهُومِهَا الصَّادِقِ عَلَيْهَا الَّذِي يَلْزَمُ مِنْ تَصَوُّرِهَا تَصَوُّرُهُ.
(وَكَالسَّبَبِيَّةِ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ كَالِاتِّصَالِ فِي الْمَعْنَى الْمَشْرُوعِ كَنِكَاحِهِ ﵇ انْعَقَدَ بِلَفْظِ الْهِبَةِ فَإِنَّ الْهِبَةَ وُضِعَتْ لِمِلْكِ الرَّقَبَةِ، وَالنِّكَاحُ لِمِلْكِ الْمُتْعَةِ، وَذَلِكَ أَيْ مِلْكُ الرَّقَبَةِ (سَبَبٌ لِهَذَا) أَيْ لِمِلْكِ الْمُتْعَةِ فَأُطْلِقَ اللَّفْظُ الَّذِي وُضِعَ لِمِلْكِ الرَّقَبَةِ، وَأُرِيدَ بِهِ مِلْكُ الْمُتْعَةِ (وَكَذَا نِكَاحُ غَيْرِهِ عِنْدَنَا) أَيْ نِكَاحُ غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ عِنْدَنَا إذَا كَانَتْ الْمَنْكُوحَةُ حُرَّةً حَتَّى لَوْ كَانَتْ أَمَةً تَثْبُتُ الْهِبَةُ عِنْدَنَا.
(وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ
ــ
[التلويح]
الشَّيْءِ فِي الشَّيْءِ اخْتِصَاصُهُ بِحَيْثُ يَصِيرُ الْأَوَّلُ نَاعِتًا، وَالثَّانِي مَنْعُوتًا كَحُلُولِ الْعَرَضِ فِي الْجَوْهَرِ، وَالصُّورَةِ فِي الْمَادَّةِ فَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّا لَا نَعْنِي بِالْحَالِّ، وَالْمَحَلِّ هَذَا الْمَعْنَى بَلْ مَعْنَى الْحُلُولِ حُصُولُ الشَّيْءِ فِي الشَّيْءِ سَوَاءٌ كَانَ حُصُولُ الْعَرَضِ فِي الْجَوْهَرِ أَوْ الصُّورَةِ فِي الْمَادَّةِ أَوْ الْجِسْمِ فِي الْمَكَانِ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ كَحُصُولِ الرَّحْمَةِ فِي الْجَنَّةِ.
(قَوْلُهُ: وَاعْلَمْ أَنَّ الِاتِّصَالَاتِ) يَعْنِي كَمَا يَجُوزُ الْمَجَازُ فِي الْأَسْمَاءِ اللُّغَوِيَّةِ إذَا وُجِدَتْ الْعَلَاقَاتُ الْمَذْكُورَةُ بَيْنَ مَعَانِيهَا فَكَذَلِكَ يَجُوزُ فِي الْأَسْمَاءِ الشَّرْعِيَّةِ إذَا وُجِدَ بَيْنَ مَعَانِيهَا نَوْعٌ مِنْ الْعَلَاقَاتِ الْمَذْكُورَةِ بِحَسَبِ الشَّرْعِ بِأَنْ يَكُونَ تَصَرُّفَانِ شَرْعِيَّانِ يَشْتَرِكَانِ فِي وَصْفٍ لَازِمٍ بَيِّنٍ أَوْ يَكُونَ مَعْنَى أَحَدِهِمَا سَبَبًا لِمَعْنَى الْآخَرِ، وَذَلِكَ لِمَا سَيَجِيءُ مِنْ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْمَجَازِ وُجُودُ الْعَلَاقَةِ، وَلَا يُشْتَرَطُ السَّمَاعُ فِي أَفْرَادِ الْمَجَازَاتِ فَيَجُوزُ الْمَجَازُ سَوَاءٌ كَانَ وُجُودُ الْعَلَاقَةِ بِحَسَبِ اللُّغَةِ أَوْ الشَّرْعِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْكَلَامُ خَبَرًا أَوْ إنْشَاءً فِي التَّمْثِيلِ بِالِاتِّصَالِ فِي الْمَعْنَى الْمَشْرُوعِ، وَبِالسَّبَبِيَّةِ إشَارَةً إلَى مَا ذَكَرَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَغَيْرُهُ مِنْ ضَبْطِ أَنْوَاعِ الْعَلَاقَاتِ بِأَنَّهَا اتِّصَالٌ صُورَةً كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ، وَالْمَطَرِ أَوْ مَعْنًى كَمَا بَيْنَ الْأَسَدِ، وَالرَّجُلِ الشُّجَاعِ فَإِنَّهُمَا لَا يَتَّصِلَانِ مِنْ جِهَةِ الذَّاتِ، وَالصُّورَةِ بَلْ مِنْ جِهَةِ الِاشْتِرَاكِ فِي مَعْنَى الشَّجَاعَةِ، وَعَبَّرَ عَنْ عَلَاقَةِ الْمُشَابَهَةِ بِالِاتِّصَالِ فِي مَعْنَى الْمَشْرُوعِ كَيْفَ شَرَعَ لِأَنَّ الْمُشَابَهَةَ اتِّفَاقٌ فِي الْكَيْفِيَّةِ، وَالصِّفَةِ.
١ -
(قَوْلُهُ: فَإِنَّ الْهِبَةَ وُضِعَتْ لِمِلْكِ الرَّقَبَةِ) يَعْنِي أَنَّهَا عَقْدٌ مَوْضُوعٌ فِي الشَّرْعِ لِأَجْلِ حُصُولِ مِلْكِ الرَّقَبَةِ.
(قَوْلُهُ: حَتَّى لَوْ كَانَتْ أَمَةً تَثْبُتُ الْهِبَةُ) فَيَتَفَرَّعُ عَلَيْهَا أَحْكَامُ الْهِبَةِ لَا أَحْكَامُ النِّكَاحِ، وَيُشْتَرَطُ فِي انْعِقَادِ النِّكَاحِ بِلَفْظِ الْهِبَةِ أَنْ يَطْلُبَ الزَّوْجُ مِنْهَا الْهِبَةَ إذْ لَوْ طَلَبَ مِنْهَا التَّمْكِينَ مِنْ الْوَطْءِ فَقَالَتْ: وَهَبْت نَفْسِي مِنْك، وَقَبِلَ الزَّوْجُ لَا يَكُونُ نِكَاحًا.
وَأَمَّا النِّيَّةُ فَلَا حَاجَةَ إلَيْهَا لِأَنَّ الْمَحَلَّ مُتَعَيِّنٌ لِهَذَا الْمَجَازِ لِنُبُوِّهِ عَنْ قَبُولِ الْحَقِيقَةِ
стр. 145
- ﵀ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِلَفْظِ النِّكَاحِ، وَالتَّزْوِيجِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ شُرِعَ لِمَصَالِحَ لَا تُحْصَى) كَالنَّسَبِ، وَعَدَمِ انْقِطَاعِ النَّسْلِ، وَالِاجْتِنَابِ عَنْ السِّفَاحِ، وَتَحْصِيلِ الْإِحْصَانِ، وَالِائْتِلَافِ بَيْنَهُمَا، وَاسْتِمْدَادِ كُلٍّ مِنْهُمَا فِي الْمَعِيشَةِ بِالْآخَرِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَطُولُ تَعْدَادُهُ، وَغَيْرُ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ أَيْ غَيْرُ لَفْظِ النِّكَاحِ، وَالتَّزْوِيجِ قَاصِرٌ فِي الدَّلَالَةِ عَلَيْهَا أَيْ عَلَى الْمَصَالِحِ الْمَذْكُورَةِ قُلْنَا الْخُلُوصُ فِي الْحُكْمِ، وَهُوَ عَدَمُ وُجُوبِ الْمَهْرِ أَيْ صِحَّةُ النِّكَاحِ بِلَفْظِ الْهِبَةِ مَعَ عَدَمِ وُجُوبِ الْمَهْرِ مَخْصُوصَةً لَك أَمَّا فِي غَيْرِ النَّبِيِّ ﵇ فَالْمَهْرُ وَاجِبٌ، وَأَيْضًا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّا حَلَّلْنَا لَك أَزْوَاجَك حَالَ كَوْنهَا خَالِصَةً لَك أَيْ لَا تَحِلُّ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﵇ لِأَحَدٍ غَيْرِهِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦] (لَا فِي اللَّفْظِ فَإِنَّ الْمَجَازَ لَا يَخْتَصُّ بِحَضْرَةِ الرِّسَالَةِ، وَأَيْضًا تِلْكَ الْأُمُورُ) أَيْ الْمَصَالِحُ الْمَذْكُورَةُ (ثَمَرَاتٌ، وَفُرُوعٌ، وَمَبْنَى النِّكَاحِ لِلْمِلْكِ لَهُ عَلَيْهَا) أَيْ لِلزَّوْجِ عَنْ الزَّوْجَةِ (حَتَّى لَزِمَ الْمَهْرُ عَلَيْهِ عِوَضًا عَنْ مِلْكِ النِّكَاحِ، وَالطَّلَاقِ بِيَدِهِ إذْ هُوَ الْمَالِكُ) أَيْ لَوْ كَانَ وَضْعُهُ لِتِلْكَ الْمَصَالِحِ، وَهِيَ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمَا لَمَّا كَانَ الْمَهْرُ وَاجِبًا لِلزَّوْجَةِ عَلَى الزَّوْجِ، أَوْ مَا كَانَ الطَّلَاقُ بِيَدِ الزَّوْجِ خَاصَّةً فَإِذَا
ــ
[التلويح]
بِخِلَافِ الطَّلَاقِ بِأَلْفَاظِ الْعِتْقِ فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ لِصَلَاحِيَّةِ الْمَحَلِّ لِلْوَصْفِ بِالْحَقِيقَةِ.
(قَوْلُهُ: إلَى غَيْرِ ذَلِكَ) أَيْ مُنْضَمًّا إلَى مَصَالِحَ أُخَرَ غَيْرِ مَا ذُكِرَ مِثْلُ وُجُوبِ النَّفَقَةِ، وَالْمَهْرِ، وَحُرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ، وَجَرَيَانِ التَّوَارُثِ، وَتَحْصِينِ الدَّيْنِ، وَلَفْظُ النِّكَاحِ، وَالتَّزْوِيجِ وَافٍ بِالدَّلَالَةِ عَلَى هَذِهِ الْمَصَالِحِ لِكَوْنِهِ مُنْبِئًا عَنْ الضَّمِّ، وَالِاتِّحَادِ بَيْنَهُمَا فِي الْقِيَامِ بِمَصَالِحِ الْمَعِيشَةِ، وَعَنْ الِازْدِوَاجِ، وَالتَّلْفِيقِ عَلَى وَجْهِ الِاتِّحَادِ كَزَوْجَيْ الْخُفِّ، وَمِصْرَاعَيْ الْبَابِ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَجِبُ) أَيْ لَا يَجِبُ فِي الْأَعْلَامِ رِعَايَةُ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ حَتَّى يَلْزَمَ فِي لَفْظِ النِّكَاحِ، وَالتَّزْوِيجِ رِعَايَةُ الْخُلُوِّ عَنْ مَعْنَى الْمِلْكِ فَيَمْتَنِعُ جَعْلُهُمَا عَلَمَيْنِ لِلْعَقْدِ الْمَوْضُوعِ فِي الشَّرْعِ لِمِلْكِ الْمُتْعَةِ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ خُلُوُّ مَعْنَاهُمَا عَنْ مَعْنَى الْمِلْكِ هُوَ أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِيهِمَا عَلَى الْمِلْكِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُمَا يَدُلَّانِ عَلَى عَدَمِ الْمِلْكِ فَعَلَى تَقْدِيرِ وُجُوبِ رِعَايَةِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ لَا يَلْزَمُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الِازْدِوَاجِ، وَالتَّلْفِيقِ مُعْتَبَرًا فِي هَذَا الْعَقْدِ، وَهَذَا لَا يُنَافِي اعْتِبَارَ الْمَعْنَى فِي الْوَضْعِ الثَّانِي، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ مَعْنَاهُمَا التَّلْفِيقُ، وَالِازْدِوَاجُ سَوَاءٌ كَانَ مَعَ الْمِلْكِ أَوْ بِدُونِهِ، وَهَذَا الْمَعْنَى مِمَّا لَمْ يُعْتَبَرُ فِي الْعَقْدِ الْمَخْصُوصِ بَلْ اُعْتُبِرَ الْمِلْكُ قَطْعًا، وَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ الْجَوَابُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِي الْأَعْلَامِ رِعَايَةُ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ بِحَيْثُ يَكُونُ هُوَ بِعَيْنِهِ الْمَعْنَى الْعِلْمِيُّ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يُعْتَبَرَ فِيهِ زِيَادَةُ خُصُوصٍ لَا تُوجَدُ فِي الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
(قَوْلُهُ: وَكَذَا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْبَيْعِ) لِأَنَّهُ مِثْلُ الْهِبَةِ فِي إثْبَاتِ مِلْكِ الرَّقَبَةِ، وَيَزِيدُ عَلَيْهَا بِلُزُومِ الْعِوَضِ فَيَكُونُ أَنْسَبَ بِالنِّكَاحِ، وَلَا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ لِأَنَّهَا لِتَمْلِيكِ الْمَنْفَعَةِ، وَهِيَ لَا تَكُونُ سَبَبًا لِمِلْكِ الْمُتْعَةِ بِحَالٍ، وَكَذَا الْإِبَاحَةُ، وَالْإِحْلَالُ، وَالتَّمَتُّعُ لِأَنَّهَا لَا تُوجِبُ الْمِلْكَ حَتَّى
следующие страницы →