← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 9508

التلويح على التوضيح لمتن التنقيح

السعد التفتازاني

Полный текст (833 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

(الْمُقَدِّمَةُ الرَّابِعَةُ) الرُّجْحَانُ بِلَا مُرَجِّحٍ بَاطِلٌ، وَكَذَا التَّرْجِيحُ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ لَكِنَّ تَرْجِيحُ أَحَدِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ أَوْ الْمَرْجُوحُ، وَاقِعٌ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ لَا يَكُونَ تَرْجِيحٌ أَصْلًا أَوْ يَكُونَ لِلرَّاجِحِ فَقَطْ أَوْ الْمُتَسَاوِي أَوْ الْمَرْجُوحِ، وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْلَا التَّرْجِيحُ لَا يُوجَدُ مُمْكِنٌ أَصْلًا، وَكَذَا تَرْجِيحُ الرَّاجِحِ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الْمُمْكِنَ لَا يَكُونُ رَاجِحًا بِالذَّاتِ بَلْ بِالْغَيْرِ فَتَرْجِيحُ الرَّاجِحِ يُؤَدِّي إلَى إثْبَاتِ الثَّابِتِ أَوْ احْتِيَاجِ كُلِّ تَرْجِيحٍ إلَى تَرْجِيحٍ قَبْلَهُ إلَى غَيْرِ النِّهَايَةِ فَالتَّرْجِيحُ لَا يَكُونُ إلَّا لِلْمُتَسَاوِي، وَالْمَرْجُوحِ، وَلِأَنَّ كُلَّ مُمْكِنٍ مَعْدُومٌ فَعَدَمُهُ رَاجِحٌ عَلَى وُجُودِهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بِالنِّسْبَةِ إلَى عِلَّةِ الْعَدَمِ، وَمُسَاوٍ لَهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى ذَاتِ الْمُمْكِنِ فَإِيجَادُهُ تَرْجِيحُ الْمَرْجُوحِ أَوْ الْمُسَاوِي عَلَى أَنَّ الْإِرَادَةَ صِفَةٌ مِنْ شَأْنِهَا أَنْ يُرَجِّحَ الْفَاعِلُ بِهَا أَحَدَ الْمُتَسَاوِيَيْنِ أَوْ الْمَرْجُوحَ عَلَى الْآخَرِ فَعُلِمَ أَنَّ الْإِرَادَةَ لَا تُعَلَّلُ كَمَا أَنَّ الْإِيجَابَ بِالذَّاتِ لَا يُعَلَّلُ؛ لِأَنَّ ذَاتَ الْإِرَادَةِ تَقْتَضِي مَا ذَكَرْنَا، وَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ رُجْحَانُ الْمَرْجُوحِ أَوْ الْمُتَسَاوِي مَا دَامَا كَذَلِكَ فَإِذَا ــ [التلويح] بِكَوْنِ الْوَاجِبِ تَعَالَى مُوجِبًا بِالذَّاتِ، وَمُوجِبًا لِكَوْنِهِ فَاعِلًا بِالِاخْتِيَارِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْقَوْلَ بِكَوْنِهِ مُوجِبًا إنَّمَا يَلْزَمُ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَوْ فَعَلَ بِالِاخْتِيَارِ لَكَانَ فِعْلُهُ جَائِزَ التَّرْكِ فَيَلْزَمُ عَدَمُ الْمُمْكِنِ مَعَ وُجُودِ عِلَّتِهِ التَّامَّةِ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ الرُّجْحَانُ بِلَا مُرَجِّحٍ وَلَوْ مَنَعَ تَمَامِيَّةِ الْعِلَّةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الِاخْتِيَارَ أَيْضًا مِنْ جُمْلَةِ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْفِعْلُ لِنَقْلِ الْكَلَامِ إلَى الِاخْتِيَارِ بِأَنَّهُ إمَّا قَدِيمٌ فَيَلْزَمُ قِدَمُ الْحَادِثِ أَوْ حَادِثٌ فَيَتَسَلْسَلُ الِاخْتِيَارَاتُ فَيَلْزَمُ قِيَامُ الْحَوَادِثِ بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا مُخَلِّصَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ إثْبَاتِ الْأُمُورِ اللَّامَوْجُودَةِ، واللَّامَعْدُومةِ إلَّا بِالْتِزَامِ وُجُودِ الْمُمْكِنِ بِدُونِ وُجُوبِهِ حَتَّى إنَّ الْفِعْلَ يَصْدُرُ عَنْ الْوَاجِبِ، وَلَا يَجِبُ وُجُودُهُ مَا دَامَ ذَاتَ الْوَاجِبِ بَلْ يَجُوزُ عَدَمُهُ مَعَ وُجُودِ جَمِيعِ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ هَذَا مُسْتَلْزِمٌ لِلرُّجْحَانِ بِلَا مُرَجِّحٍ أَيْ وُجُودُ الْمُمْكِنِ بِلَا مُوجِدٍ، وَإِيجَادٍ، وَأَمَّا عَلَى تَقْدِيرِ إثْبَاتِ الْأُمُورِ اللَّامَوْجُودَةِ، واللَّامَعْدُومةِ فَلَا يَلْزَمُ الْقَوْلُ بِالْإِيجَابِ؛ لِأَنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ وُجُودُ الْمُمْكِنِ الْإِيقَاعُ، وَالِاخْتِيَارُ، وَالْإِيقَاعُ لَا يَجِبُ ثُبُوتُهُ عِنْدَ تَحَقُّقِ عِلَّتِهِ التَّامَّةِ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ وُجُوبِهِ الْمُحَالُ الْمَذْكُورُ أَعْنِي الرُّجْحَانَ بِلَا مُرَجِّحٍ بِمَعْنَى وُجُودِ الْمُمْكِنِ مِنْ غَيْرِ مُوجِدٍ إذْ لَا وُجُودَ لِلْإِيقَاعِ، وَلَا لِلِاخْتِيَارِ كَمَا لَا عَدَمَ لَهُمَا. وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ لَا يُمْكِنُ اسْتِنَادُهَا إلَى الْوَاجِبِ بِطَرِيقِ الْإِيجَابِ لِمَا يَلْزَمُ مِنْ قِدَمِ الْحَوَادِثِ أَوْ انْتِفَاءِ الْوَاجِبِ فَيَلْزَمُ اسْتِنَادُهَا إلَيْهِ بِطَرِيقِ الِاخْتِيَارِ فَيَكُونُ الْوَاجِبُ فَاعِلًا مُخْتَارًا، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. (قَوْلُهُ: الْمُقَدِّمَةُ الرَّابِعَةُ أَنَّ الرُّجْحَانَ بِلَا مُرَجِّحٍ) أَيْ وُجُودُ الْمُمْكِنِ بِلَا مُوجِدٍ بَاطِلٌ، وَكَذَا التَّرْجِيحُ بِلَا مُرَجِّحٍ أَيْ الْإِيجَادُ بِلَا مُوجِدٍ، وَبُطْلَانُ ذَلِكَ بَدِيهِيٌّ غَنِيٌّ عَنْ الْبَيَانِ، وَأَمَّا تَرْجِيحُ أَحَدِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ أَوْ تَرْجِيحُ الْمَرْجُوحِ فَجَائِزٌ وَاقِعٌ، وَاسْتُدِلَّ عَلَى ذَلِكَ بِوُجُوهٍ الْأَوَّلِ أَنَّهُ إمَّا

стр. 352

رَجَحَ الْفَاعِلُ لَمْ يَبْقَيَا كَذَلِكَ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُتَكَلِّمِينَ أَوْرَدُوا لِتَجْوِيزِ تَرْجِيحِ الْمُخْتَارِ أَحَدَ الْمُتَسَاوِيَيْنِ الْمِثَالَ الْمَشْهُورَ، وَهُوَ الْهَارِبُ مِنْ السَّبُعِ إذَا رَأَى طَرِيقَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ فَقَالَ الْحُكَمَاءُ الْقَضِيَّةُ الْبَدِيهِيَّةُ الَّتِي لَوْلَاهَا لَانْسَدَّ بَابُ الْعِلْمِ بِالصَّانِعِ هُوَ أَنَّ الرُّجْحَانَ بِلَا مُرَجِّحٍ بَاطِلٌ وَلَا تَبْطُلُ بِإِيرَادِ مِثَالٍ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْمُرَجِّحِ بَلْ غَايَتُهُ عَدَمُ الْعِلْمِ بِالْمُرَجِّحِ، فَأَقُولُ: الْقَضِيَّةُ الَّتِي تُسْتَعْمَلُ فِي إثْبَاتِ الْعِلْمِ بِالصَّانِعِ هِيَ أَنَّ رُجْحَانَ أَحَدِ طَرَفَيْ الْمُمْكِنِ بِلَا مُرَجِّحٍ مُحَالٌ بِمَعْنَى أَنَّ وُجُودَهُ بِلَا مُوجِدٍ مُحَالٌ مَعَ أَنَّهُ يُمْكِنُ إثْبَاتُ هَذَا الْمَطْلُوبِ مَعَ الْغُنْيَة عَنْ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ بِأَنْ نَقُولَ: الْمَوْجُودُ إمَّا أَنْ لَا يَحْتَاجَ فِي وُجُودِهِ إلَى غَيْرِهِ أَوْ يَحْتَاجُ، وَلَا بُدَّ مِنْ الْأَوَّلِ قَطْعًا ــ [التلويح] أَنْ لَا يَكُونَ تَرْجِيحٌ أَصْلًا أَوْ يَكُونَ لِلرَّاجِحِ أَوْ لِلْمُسَاوِي أَوْ لِلْمَرْجُوحِ، وَالْأَوَّلَانِ بَاطِلَانِ فَتَعَيَّنَ الْآخَرَانِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ لَوْلَا: التَّرْجِيحُ لَمَا وُجِدَ مُمْكِنٌ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ بِدُونِ الْإِيجَادِ، وَالْإِيجَادُ تَرْجِيحٌ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الْمُمْكِنَ لَا يَكُونُ رَاجِحًا إلَّا بِوَاسِطَةِ مُرَجِّحٍ خَارِجٍ عَنْ ذَاتِهِ لِاسْتِوَاءِ الطَّرَفَيْنِ بِالنَّظَرِ إلَى ذَاتِهِ فَلَوْ جَازَ تَرْجِيحُ الرَّاجِحِ أَيْ إثْبَاتُ الرُّجْحَانِ فَإِمَّا أَنْ يَثْبُتَ الرُّجْحَانُ الَّذِي هُوَ ثَابِتٌ فَيَلْزَمُ إثْبَاتُ الثَّابِتِ، وَتَحْصِيلُ الْحَاصِلِ، وَهُوَ مُحَالٌ وَإِمَّا أَنْ يَثْبُتَ رُجْحَانٌ زَائِدٌ عَلَى مَا لَهُ مِنْ الرُّجْحَانِ فَيَكُونُ كُلُّ تَرْجِيحٍ مَسْبُوقًا بِتَرْجِيحٍ آخَرَ وَهُوَ لَا مَحَالَةَ يَكُونُ بِمُرَجِّحٍ فَيَلْزَمُ تَسَلْسُلُ التَّرْجِيحَاتِ، وَالْمُرَجِّحَاتِ لَا إلَى نِهَايَةٍ فَيَفْتَقِرُ وُجُودُ كُلِّ حَادِثٍ إلَى أُمُورٍ غَيْرِ مُتَنَاهِيَةٍ فَإِنْ قِيلَ: إنْ كَانَ الْمُدَّعَى بُطْلَانَ تَرْجِيحِ الرَّاجِحِ فِي الْجُمْلَةِ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا شَيْءَ مِنْ التَّرْجِيحِ بِتَرْجِيحِ لِلرَّاجِحِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِهِ عَدَمُ تَنَاهِي التَّرْجِيحَاتِ لِجَوَازِ أَنْ يَنْتَهِيَ إلَى تَرْجِيحِ الْمُسَاوِي أَوْ الْمَرْجُوحِ أَيْ إلَى تَرْجِيحٍ لَا يَكُونُ قَبْلَهُ تَرْجِيحٌ وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى بُطْلَانَ انْحِصَارِ تَرْجِيحٍ فِي تَرْجِيحِ الرَّاجِحِ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ تَرْجِيحٍ تَرْجِيحًا لِلرَّاجِحِ فَلَا يَصِحُّ قَوْلُهُ فَالتَّرْجِيحُ لَا يَكُونُ إلَّا لِلْمُسَاوِي أَوْ الْمَرْجُوحِ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ بُطْلَانِ انْحِصَارِ التَّرْجِيحِ فِي تَرْجِيحِ الرَّاجِحِ ثُبُوتُ انْحِصَارِهِ فِي تَرْجِيحِ الْمُسَاوِي أَوْ الْمَرْجُوحِ. قُلْنَا مُرَادُهُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ التَّرْجِيحُ بِالْآخِرَةِ، إلَّا لِلْمُسَاوِي أَوْ الْمَرْجُوحِ، وَيَثْبُتُ بِهِ الْمَطْلُوبُ، وَهُوَ وُقُوعُ تَرْجِيحِ الْمُسَاوِي أَوْ الْمَرْجُوحِ الثَّانِي أَنَّ وُجُودَ الْمُمْكِنِ مُسَاوٍ لِعَدَمِهِ نَظَرًا إلَى ذَاتِ الْمُمْكِنِ، وَمَرْجُوحٌ نَظَرًا إلَى مَا هُوَ الْأَصْلُ السَّابِقُ أَعْنِي عَدَمَ عِلَّةِ الْوُجُودِ فَإِنَّهُ عِلَّةٌ لِلْعَدَمِ فَإِيجَادُ الْمُمْكِنِ يَكُونُ تَرْجِيحًا لِلْمُسَاوِي نَظَرًا إلَى الذَّاتِ، وَلِلْمَرْجُوحِ نَظَرًا إلَى الْعِلَّةِ. الثَّالِثُ: أَنَّ الْإِرَادَةَ صِفَةٌ مِنْ شَأْنِهَا أَنْ يُرَجِّحَ الْفَاعِلُ بِهَا أَحَدَ الْمُتَسَاوِيَيْنِ عَلَى الْآخَرِ أَوْ الْمَرْجُوحَ عَلَى الرَّاجِحِ فَالْإِيجَابُ بِالِاخْتِيَارِ قَدْ يَكُونُ تَرْجِيحًا لِذَلِكَ فَإِنْ قِيلَ: اخْتِيَارُ الْمُخْتَارِ أَحَدُ الْمُتَسَاوِيَيْنِ تَرْجِيحٌ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ، قُلْنَا: الْإِرَادَةُ، وَالِاخْتِيَارُ لَا يُعَلَّلُ بِأَنَّهُ لِمَ اخْتَارَ هَذَا دُونَ ذَاكَ؛ لِأَنَّ التَّرْجِيحَ صِفَةٌ ذَاتِيَّةٌ لَهَا كَمَا أَنَّ الْإِيجَابَ بِالذَّاتِ لَا يُعَلَّلُ بِأَنَّ الْمُوجِبَ لِمَ أَوْجَبَ هَذَا دُونَ ذَاكَ؛ فَإِنْ قِيلَ التَّرْجِيحُ يَسْتَلْزِمُ الرُّجْحَانَ ضَرُورَةً فَتَرْجِيحُ الْمُسَاوِي أَوْ الْمَرْجُوحِ يُوجِبُ رُجْحَانَهُ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ بِالضَّرُورَةِ. قُلْنَا الْمُمْتَنِعُ

стр. 353

لِلتَّسَلْسُلِ، ثُمَّ عَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ تِلْكَ الْقَضِيَّةِ، وَبَدَاهَتِهَا الْفَاعِلُ هُوَ الْمُرَجِّحُ فَلَا يَلْزَمُ وُجُودُ الْمُمْكِنِ بِلَا مُوجِدٍ وَأَيْضًا، إنَّمَا أَوْرَدُوا الْمِثَالَ سَنَدًا لِلْمَنْعِ فَعَلَيْكُمْ الْبُرْهَانُ عَلَى الرُّجْحَانِ فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ عَلَى أَنَّا نَقُولُ: إنْ وَجَبَ الْمَرْجُوحُ فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ فَإِمَّا أَنْ يَجِبَ بِحَسَبِ نَفْسِ الْأَمْرِ، وَهَذَا بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الِاعْتِقَادَ الَّذِي لَا يُطَابِقُ لِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ كَافٍ لِلْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ، وَإِمَّا أَنْ يَجِبَ بِحَسَبِ اعْتِقَادِ الْفَاعِلِ، وَذَا بَاطِلٌ أَيْضًا إذْ يَفْعَلُ أَفْعَالًا مَعَ عَدَمِ اعْتِقَادِ الرُّجْحَانِ كَمَا فِي الْهَارِبِ بَلْ مَعَ اعْتِقَادِ الْمَرْجُوحِيَّةِ، وَمَنْ أَنْكَرَ هَذَا فَقَدْ أَنْكَرَ الْوِجْدَانِيَّاتِ فَبَطَلَ ــ [التلويح] هُوَ رُجْحَانُ الْمُسَاوِي أَوْ الْمَرْجُوحِ مَا دَامَ الْمُسَاوِي مُسَاوِيًا، وَالْمَرْجُوحُ مَرْجُوحًا ضَرُورَةَ امْتِنَاعِ اجْتِمَاعِ النَّقِيضَيْنِ أَعْنِي الرُّجْحَانَ، وَعَدَمَهُ، وَعِنْدَ تَرْجِيحِ الْفَاعِلِ إيَّاهُمَا لَمْ يَبْقَيَا مُسَاوِيًا، وَمَرْجُوحًا؛ لِأَنَّ مَعْنَى التَّرْجِيحِ إثْبَاتُ الرُّجْحَانِ، وَجَعْلُ الشَّيْءِ رَاجِحًا، وَإِخْرَاجُهُ عَنْ حَدِّ التَّسَاوِي فَضْلًا عَنْ الْمَرْجُوحِيَّةِ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ) أَيْ الْقَضِيَّةُ الْبَدِيهِيَّةُ، وَتَذْكِيرُ الضَّمِيرِ بِاعْتِبَارِ الْخَبَرِ، وَهُوَ أَنَّ الرُّجْحَانَ بِلَا مُرَجِّحٍ بَاطِلٌ، وَالْعِلْمُ بِوُجُودِ الْوَاجِبِ مَبْنِيٌّ عَلَى هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ إذْ الْعُمْدَةُ فِيهِ أَنَّهُ لَا شَكَّ فِي وُجُودِ مَوْجُودٍ فَإِنْ كَانَ وَاجِبًا فَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَإِنْ كَانَ مُمْكِنًا فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُوجِدٍ ضَرُورَةَ امْتِنَاعِ تَرَجُّحِ أَحَدِ طَرَفَيْ الْمُمْكِنِ بِلَا مُرَجِّحٍ فَيُنْقَلُ الْكَلَامُ إلَى مُوجِدِهِ فَإِمَّا أَنْ يَتَسَلْسَلَ، وَهُوَ مُحَالٌ أَوْ يَنْتَهِيَ إلَى الْوَاجِبِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَبِهَذَا يَظْهَرُ صِحَّةُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ أَنَّ هَذَا الِاسْتِدْلَالَ إنَّمَا يُبْتَنَى عَلَى بُطْلَانِ وُجُودِ الْمُمْكِنِ بِلَا مُوجِدٍ لَا عَلَى بُطْلَانِ تَرْجِيحِ الْفَاعِلِ أَحَدَ الْمُتَسَاوِيَيْنِ بِاخْتِيَارِهِ فَإِنْ قِيلَ تَعَلُّقُ الْإِرَادَةِ بِوُجُودِ الْمُمْكِنِ أَمْرٌ مُمْكِنٌ فَيَفْتَقِرُ إلَى مُوجِدٍ، وَيَتَسَلْسَلُ أَوْ يَلْزَمُ وُجُودُهُ بِلَا مُوجِدٍ، قُلْنَا إرَادَةُ الْإِرَادَةِ عَيْنِهَا أَوْ الْإِرَادَةُ تُرَجَّحُ لِذَاتِهَا أَوْ تَعَلُّقُ الْإِرَادَةِ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ بَلْ حَالٌ فَلَا يَلْزَمُ وُجُودُ الْمُمْكِنِ بِلَا مُوجِدٍ. وَاعْلَمْ أَنَّ نِزَاعَ الْحُكَمَاءِ إنَّمَا هُوَ فِي تَرْجِيحِ أَحَدِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ لَا فِي تَرْجِيحِ الْمُخْتَارِ أَحَدَ الْمُتَسَاوِيَيْنِ وَجَعْلِهِ رَاجِحًا بِالْإِرَادَةِ. (قَوْلُهُ: مَعَ أَنَّهُ يُمْكِنُ) الِاسْتِدْلَال عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ بِوَجْهٍ لَا يَبْتَنِي عَلَى بُطْلَانِ الرُّجْحَانِ بِلَا مُرَجِّحٍ بِأَنْ يُقَالَ: لَا بُدَّ مِنْ مَوْجُودٍ لَا يُحْتَاجُ فِي وُجُودِهِ إلَى الْغَيْرِ قَطْعًا لِلتَّسَلْسُلِ إذْ لَوْ احْتَاجَ كُلُّ مَوْجُودٍ إلَى غَيْرِهِ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ إنْ ذَهَبَ إلَى لَا نِهَايَةٍ أَوْ الدَّوْرُ، وَإِنْ عَادَ إلَى الْأَوَّلِ، وَالدَّوْرُ نَوْعٌ مِنْ التَّسَلْسُلِ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ تَنَاهِي التَّوَقُّفَاتِ، وَالِاحْتِيَاجَاتِ فَلِذَا اكْتَفَى بِذِكْرِهِ، وَأَقُولُ: الْمَوْجُودُ الَّذِي لَا يَحْتَاجُ فِي وُجُودِهِ إلَى الْغَيْرِ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا إلَّا عَلَى تَقْدِيرِ امْتِنَاعِ الرُّجْحَانِ بِلَا مُرَجِّحٍ، وَإِلَّا لَجَازَ أَنْ يَكُونَ مُمْكِنًا، وَلَا يَكُونُ وُجُودُهُ مِنْ ذَاتِهِ، وَلَا مِنْ غَيْرِهِ بَلْ يَحْصُلُ بَعْدَ الْعَدَمِ بِلَا مُوجِدٍ فَلَا غُنْيَةَ عَنْ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ، وَإِنْ لَمْ

стр. 354

قَوْلُهُمْ إنَّ غَايَتَهُ عَدَمُ الْعِلْمِ بِالرُّجْحَانِ فَإِنَّ عَدَمَ عِلْمِ الْفَاعِلِ بِالرُّجْحَانِ كَافٍ فِي هَذَا الْغَرَضِ فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِنَا: إنَّ الرُّجْحَانَ بِلَا مُرَجِّحٍ بَاطِلٌ هُوَ أَنَّ وُجُودَ الْمُمْكِنِ بِلَا مُوجِدٍ مُحَالٌ سَوَاءٌ كَانَ الْمُوجِدُ مُوجِبًا أَوْ لَا فَالرُّجْحَانُ هُوَ الْوُجُودُ فَقَطْ لَا أَنَّهُ يَصِيرُ رَاجِحًا قَبْلَ الْوُجُودِ إذَا عَرَفْت هَذِهِ الْمُقَدِّمَاتِ فَقَوْلُهُ يَجِبُ وُجُودُ الْفِعْلِ عِنْدَ وُجُودِ الْمُرَجِّحِ إنْ أَرَادَ بِالْفِعْلِ الْحَالَةَ الَّتِي تَكُونُ لِلْمُتَحَرِّكِ فِي أَيِّ جُزْءٍ يُفْرَضُ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَسَافَةِ فَعَلَى تَقْدِيرِ الْقَوْلِ بِوُجُودِ ــ [التلويح] يَذْكُرْهَا فِي اللَّفْظِ. (قَوْلُهُ: وَأَيْضًا) يَعْنِي أَنَّ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي مَقَامِ الْمَنْعِ لِامْتِنَاعِ تَرْجِيحِ أَحَدِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ، وَإِنَّمَا يَذْكُرُونَ الْمِثَالَ سَنَدًا لِلْمَنْعِ أَيْ لِمَ لَا يَجُوزُ تَرْجِيحُ أَحَدِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ كَمَا فِي الْهَارِبِ مِنْ السَّبُعِ يَسْلُكُ أَحَدَ الطَّرِيقَيْنِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يُمْنَعُ نَفْسُ الْمُدَّعَى، قُلْنَا: بَلْ هُوَ جُزْءٌ مِنْ الدَّلِيلِ عَلَى كَوْنِ الْوَاجِبِ مُوجِبًا بِالذَّاتِ فَيَجِبُ عَلَى الْحُكَمَاءِ إقَامَةُ الدَّلِيلِ عَلَى هَذِهِ الْقَضِيَّةِ أَوْ عَلَى كَوْنِهَا بَدِيهِيَّةً، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ أَنَّهُ يَجِبُ إقَامَةُ الْبُرْهَانِ عَلَى وُجُودِ الْمُرَجِّحِ فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ فَخَارِجٌ عَنْ قَانُونِ التَّوْجِيهِ إذْ عَلَى الْمُسْتَدِلِّ الْبُرْهَانُ عَلَى الْمُقَدِّمَةِ الْمَمْنُوعَةِ لَا عَلَى بُطْلَانِ السَّنَدِ، وَإِنْ أَوْرَدَ الْمِثَالَ بِطَرِيقِ النَّقْضِ كَانَ عَلَى الْمُتَكَلِّمِ الدَّلِيلُ عَلَى تَخَلُّفِ الْحُكْمِ فِيهِ، وَإِثْبَاتُ عَدَمِ الرُّجْحَانِ، وَلَيْسَ لِلْحَكِيمِ إلَّا مَنْعُ التَّسَاوِي أَوْ عَدَمُ الْمُرَجِّحِ فِيهِ. (قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّا نَقُولُ) عَلَى سَبِيلِ التَّبَرُّعِ بِإِثْبَاتِ سَنَدِ الْمَنْعِ، وَبَعْدَ إثْبَاتِهِ يَكُونُ نَقْضًا لِدَعْوَى الْحُكَمَاءِ، وَتَقْرِيرُهُ ظَاهِرٌ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْقَوْلَ بِالِاحْتِيَاجِ إلَى مُرَجِّحٍ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بَاطِلٌ قَطْعًا إذْ كَثِيرًا مَا يَكُونُ الطَّرِيقُ الَّذِي يَخْتَارُهُ الْهَارِبُ مَرْجُوحًا مُؤَدِّيًا إلَى مَهَالِكٍ، وَسِبَاعٍ أَكْثَرَ فَبَقِيَ الِاحْتِيَاجُ إلَى مُرَجِّحٍ بِحَسَبِ عِلْمِ الْفَاعِلِ، وَاعْتِقَادِهِ فَإِذَا سَلَّمُوا فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ أَنَّهُ لَا عِلْمَ بِالرُّجْحَانِ فَقَدْ حَصَلَ الْغَرَضُ، وَهُوَ عَدَمُ الْمُرَجِّحِ فِي عِلْمِ الْهَارِبِ، وَاعْتِقَادُهُ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الْعِلْمِ بِالرُّجْحَانِ فِي اعْتِقَادِهِ لَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الرُّجْحَانِ فِي اعْتِقَادِهِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ رَاجِحًا فِي اعْتِقَادِهِ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ، وَلَا يُلَاحِظُهُ. فَإِنْ قُلْت قَدْ سَلَّمَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بُطْلَانَ التَّرْجِيحِ بِلَا مُرَجِّحٍ فَكَيْفَ صَحَّ مِنْهُ إثْبَاتُ عَدَمِ الْمُرَجِّحِ فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ؟ قُلْت: الْمُسَلَّمُ هُوَ بُطْلَانُ الْإِيجَادِ بِلَا مُوجِدٍ وَالْمُدَّعَى فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ عَدَمُ مُرَجِّحٍ غَيْرُ الْفَاعِلِ، وَاخْتِيَارُهُ الَّذِي بِهِ يَصِيرُ أَحَدُ الْمُتَسَاوِيَيْنِ رَاجِحًا لِيُؤْثِرَهُ الْفَاعِلُ. (قَوْلُهُ فَعُلِمَ) مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا امْتِنَاعَ فِي تَرْجِيحِ أَحَدِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ بَلْ هُوَ وَاقِعٌ، وَأَنَّهُ لَا امْتِنَاعَ فِي ثُبُوتِ الْإِيقَاعِ مِنْ الْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ تَارَةً، وَعَدَمِهِ أُخْرَى مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ، وَأَنَّ الْمُمْتَنِعَ إنَّمَا هُوَ وُجُودُ الْمُمْكِنِ بِلَا مُوجِدٍ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ هَذَا هُوَ الْمُرَادَ بِالْقَضِيَّةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا بَيْنَ الْعُقَلَاءِ، وَهُوَ امْتِنَاعُ الرُّجْحَانِ بِلَا مُرَجِّحٍ فَالرُّجْحَانُ هُوَ الْمَوْجُودُ، وَلَا حَالَةَ لِلْمُمْكِنِ قَبْلَ الْوُجُودِ بِهَا يَكُونُ أَقْرَبَ إلَى جَانِبِ

стр. 355

بَعْضِ الْأَشْيَاءِ بِلَا وُجُوبٍ نَمْنَعُ وُجُوبَ تِلْكَ الْحَالَةِ فَلَا يَلْزَمُ الْجَبْرُ عَلَى أَنَّا قَدْ أَبْطَلْنَا هَذَا التَّقْدِيرَ لَكِنَّ إثْبَاتَ الْمَطْلُوبِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ أَيْضًا أَقْرَبُ مِنْ الِاحْتِيَاطِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ امْتِنَاعِ وُجُودِ الْأَشْيَاءِ بِلَا وُجُوبِ الْجَبْرِ مُنْتَفٍ أَيْضًا إمَّا بِالْقَوْلِ بِأَنَّ اخْتِيَارَ الِاخْتِيَارِ عَيْنُ الِاخْتِيَارِ فَلَا يَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِ الْمُرَجِّحِ مِنْ الْعَبْدِ، وَإِمَّا بِأَنَّهُ يَلْزَمُ حِينَئِذٍ تَوَقُّفُ الْمَوْجُودِ ــ [التلويح] الْوُجُودِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مَعْدُومًا فَلَا يَكُونُ جَانِبُ الْوُجُودِ رَاجِحًا، وَإِنَّمَا يَتَرَجَّحُ عِنْدَ تَحَقُّقِ الْوُجُودِ، وَزَوَالِ الْعَدَمِ، وَهَذَا جَيِّدٌ إلَّا أَنَّ تَخْصِيصَ الرُّجْحَانِ بِالْوُجُودِ لَيْسَ كَمَا يَنْبَغِي بَلْ الْعَدَمُ أَيْضًا كَذَلِكَ فَإِنَّهُ يَتَرَجَّحُ بِعَدَمِ عِلَّةِ الْوُجُودِ فَكَمَا أَنَّ وُجُودَ الْمُمْكِنِ بِلَا عِلَّةِ الْوُجُودِ مُحَالٌ كَذَلِكَ عَدَمُهُ بِلَا عِلَّةِ الْعَدَمِ، وَهُوَ عَدَمُ عِلَّةٍ الْوُجُودِ مُحَالٌ. (قَوْلُهُ إذَا عَرَفْت) هَذِهِ الْمُقَدِّمَاتِ الْأَرْبَعَ فَنَقُولُ فِي الْجَوَابِ عَنْ الدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ عَلَى أَنَّ فِعْلَ الْعَبْدِ لَيْسَ بِاخْتِيَارِهِ: إنَّ الْمُرَادَ بِالْفِعْلِ فِي قَوْلِكُمْ أَنَّ تَوَقُّفَ فِعْلِ الْعَبْدِ عَلَى مُرَجِّحٍ يَجِبُ وُجُودُ الْفِعْلِ عِنْدَ وُجُودِ الْمُرَجِّحِ أَمَّا الْمَعْنَى الْحَاصِلُ بِالْمَصْدَرِ كَالْحَالَةِ الَّتِي تَكُونُ لِلْمُتَحَرِّكِ فِي أَيِّ جُزْءٍ يُفْرَضُ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَسَافَةِ وَأَمَّا نَفْسُ الْمَعْنَى الَّذِي وُضِعَ الْمَصْدَرُ بِإِزَائِهِ، وَهُوَ الْإِحْدَاثُ، وَالْإِيقَاعُ كَإِيقَاعِ تِلْكَ الْحَرَكَةِ فَإِنْ أُرِيدَ الْأَوَّلُ فَالْجَبْرُ أَيْ عَدَمُ اخْتِيَارِ الْعَبْدِ فِي فِعْلِهِ مُنْتَفٍ إمَّا عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ تَوَقُّفِ وُجُودِ الْمُمْكِنِ عَلَى وُجُوبِهِ فَظَاهِرٌ إذْ الْجَبْرُ إنَّمَا كَانَ يَلْزَمُ مِنْ الْوُجُوبِ، وَعَدَمِ بَقَاءِ الِاخْتِيَارِ، وَهَذَا التَّقْدِيرُ، وَإِنْ بَيَّنَ بُطْلَانَهُ فِي الْمُقَدِّمَةِ الثَّانِيَةِ إلَّا أَنَّ إثْبَاتَ الْمَطْلُوبِ أَعْنِي عَدَمَ الْجَبْرِ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ أَقْرَبُ إلَى الِاحْتِيَاطِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ ثُبُوتُ الْجَبْرِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ التَّقْدِيرَيْنِ وَإِمَّا عَلَى تَقْدِيرِ تَوَقُّفِ وُجُودِ كُلِّ مُمْكِنٍ عَلَى وُجُوبِهِ فَلِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَجِّحُ مِنْ الْفَاعِلِ، وَبِاخْتِيَارِهِ قَوْلُكُمْ نُقِلَ الْكَلَامُ إلَى الِاخْتِيَارِ أَنَّهُ بِاخْتِيَارِهِ فَيَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ أَوَّلًا بِاخْتِيَارِهِ فَيَلْزَمُ الِاضْطِرَارُ، قُلْنَا: هُوَ بِاخْتِيَارِهِ، وَلَا نُسَلِّمُ لُزُومَ التَّسَلْسُلِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ اخْتِيَارُ الِاخْتِيَارِ أَوْ نَقُولُ لَا يَجِبُ عِنْدَ وُجُودِ الْمُرَجِّحِ لِجَوَازِ تَوَقُّفِهِ عَلَى أَمْرٍ آخَرَ لَيْسَ بِمَوْجُودٍ، وَلَا مَعْدُومٍ، وَوُجُودُ الْمُرَجِّحِ التَّامِّ أَيْ وُجُودُ جُمْلَةِ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ لَا يُنَافِي التَّوَقُّفَ عَلَى تَحَقُّقِ مَا لَيْسَ بِمَوْجُودٍ، وَلَا مَعْدُومٍ كَالْإِيقَاعِ فَإِنْ قِيلَ: تَنْقُلُ الْكَلَامَ إلَى صُدُورِ الْإِيقَاعِ عَنْ الْفَاعِلِ، قُلْنَا: يَجِبُ بِطَرِيقِ التَّسَلْسُلِ فِي الْإِيقَاعَاتِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَوْجُودَاتٍ حَتَّى يَسْتَحِيلَ التَّسَلْسُلُ فِيهَا أَوْ بِطَرِيقِ عَدَمِ التَّسَلْسُلِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ إيقَاعَ الْإِيقَاعِ عَيْنُ الْإِيقَاعِ أَوْ لَا يَجِبُ أَصْلًا، وَهُوَ الظَّاهِرُ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ إسْنَادَ الْأُمُورِ اللَّامَوْجُودَةِ، واللَّامَعْدُومةِ كَالْإِيقَاعِ مَثَلًا لَيْسَ بِطَرِيقِ الْإِيجَابِ بَلْ بِطَرِيقِ الصِّحَّةِ، وَالِاخْتِيَارِ فَإِنَّ الْإِيقَاعَ، وَعَدَمَهُ مُتَسَاوِيَانِ بِالنَّظَرِ إلَى اخْتِيَارِ الْفَاعِلِ فَهُوَ يَخْتَارُ الْإِيقَاعَ أَيَّ وَقْتٍ شَاءَ تَرْجِيحًا لِأَحَدِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ بِاخْتِيَارِهِ، وَإِنْ

стр. 356

عَلَى مَا لَيْسَ بِمَوْجُودٍ، وَلَا مَعْدُومٍ فَالْحَالَةُ الْمَذْكُورَةُ تَتَوَقَّفُ عَلَى أَمْرٍ لَا مَوْجُودٍ وَلَا مَعْدُومٍ كَالْإِيقَاعِ مَثَلًا، ثُمَّ هُوَ إمَّا أَنْ يَجِبَ بِطَرِيقِ التَّسَلْسُلِ أَوْ بِأَنَّ إيقَاعَ الْإِيقَاعِ عَيْنُ الْأَوَّلِ. وَإِمَّا أَنْ لَا يَجِبَ لَكِنَّ الْفَاعِلَ يُرَجِّحُ أَحَدَ الْمُتَسَاوِيَيْنِ، وَإِنْ أَرَادَ بِالْفِعْلِ الْإِيقَاعَ فَيُعَيِّنُ مَا قُلْنَا فِي الْإِيقَاعِ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا هُوَ إبْطَالُ دَلِيلِ الْجَبْرِ فَالْآنَ جِئْنَا إلَى إثْبَاتِ مَا هُوَ الْحَقُّ، وَهُوَ التَّوَسُّطُ بَيْنَ الْجَبْرِ، وَالْقَدَرِ أَيْ مَا هُوَ حَاصِلٌ بِمَجْمُوعِ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَفِعْلِ الْعَبْدِ فَنَقُولُ: التَّفْرِقَةُ ضَرُورِيَّةٌ بَيْنَ الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ، وَالِاضْطِرَارِيَّة، وَلَيْسَتْ التَّفْرِقَةُ بِمُجَرَّدِ كَوْنِهَا مُوَافِقَةً لِإِرَادَتِنَا؛ لِأَنَّ الْإِرَادَةَ إنْ كَانَتْ صِفَةً بِهَا يُرَجِّحُ الْفَاعِلُ أَحَدَ الْمُتَسَاوِيَيْنِ، وَيُخَصِّصُ الْأَشْيَاءَ بِمَا هِيَ عَلَيْهِ مِنْ الْخُصُوصِيَّاتِ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الْإِرَادَةِ لَنَا ــ [التلويح] أُرِيدَ الثَّانِي أَيْ الْفِعْلُ بِمَعْنَى الْإِيقَاعِ فَلَا جَبْرَ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ يَصْدُرُ عَنْ فَاعِلِهِ لَا بِطَرِيقِ الْوُجُوبِ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ الرُّجْحَانُ بِلَا مُرَجِّحٍ بِمَعْنَى وُجُودِ الْمُمْكِنِ بِلَا مُوجِدٍ إذْ لَا وُجُودَ لِلْإِيقَاعِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُشِرْ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هَاهُنَا إلَى بُطْلَانِ طَرِيقٍ مُتَسَلْسِلٍ، وَرُجْحَانِ طَرِيقِ عَدَمِ الْوُجُوبِ اعْتِمَادًا عَلَى مَا سَبَقَ فِي الْمُقَدِّمَةِ الثَّالِثَةِ. (قَوْلُهُ: فَالْآنَ جِئْنَا إلَى إثْبَاتِ مَا هُوَ الْحَقُّ) قَدْ، وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْقَدَرِيَّةَ مَجُوسُ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَالْمَجُوسُ قَائِلُونَ بِإِلَهَيْنِ: أَحَدُهُمَا مَبْدَأُ الْخَيْرِ، وَالْآخَرُ مَبْدَأُ الشَّرِّ، وَهَذَا يُلَائِمُ الْقَوْلَ بِكَوْنِ خَالِقِ الشَّرِّ، وَالْقَبِيحِ غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَيْضًا قَائِلُونَ: بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَخْلُقُ شَيْئًا، ثُمَّ يَتَبَرَّأُ عَنْهُ كَخَلْقِ إبْلِيسَ، وَهَذَا يُلَائِمُ الْقَوْلَ بِكَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى خَالِقًا لِلشُّرُورِ، وَالْقَبَائِحِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَرْضَاهَا فَبِهَذَيْنِ الِاعْتِبَارَيْنِ يَنْسُبُ الْقَدَرَ كُلٌّ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ إلَى الْأُخْرَى، وَالْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى نَفْيِ الْجَبْرِ وَالْقَدَرِ، وَإِثْبَاتِ أَمْرٍ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، وَهُوَ أَنَّ الْمُؤَثِّرَ فِي فِعْلِ الْعَبْدِ مَجْمُوعُ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَاخْتِيَارُ الْعَبْدِ لَا الْأَوَّلُ فَقَطْ لِيَكُونَ جَبْرًا، وَلَا الثَّانِي فَقَطْ لِيَكُونَ قَدَرًا وَالْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَوْرَدَ عَلَى ذَلِكَ دَلِيلَيْنِ: الْأَوَّلُ حَاصِلُهُ أَنَّهُ ثَبَتَ بِالْوِجْدَانِ أَنَّ لِلْعَبْدِ قَصْدًا، وَاخْتِيَارًا فِي بَعْضِ الْأَفْعَالِ وَأَنَّ ذَلِكَ الْقَصْدَ، وَالِاخْتِيَارَ لَا يَكْفِي فِي وُجُودِ ذَلِكَ الْفِعْلِ إذْ قَدْ لَا يَقَعُ مَعَ تَحَقُّقِ جَمِيعِ أَسْبَابِهِ الَّتِي مِنْ الْعَبْدِ، وَقَدْ يَقَعُ مِنْ غَيْرِ تَحَقُّقِ الْأَسْبَابِ الَّتِي مِنْ عِنْدِهِ فَعُلِمَ أَنَّهُ حَاصِلٌ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى إيَّاهُ عَقِيبَ إرَادَةِ الْعَبْدِ، وَقَصْدِهِ الْجَازِمِ بِطَرِيقِ جَرْيِ الْعَادَةِ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَخْلُقُهُ عَقِيبَ قَصْدِ الْعَبْدِ، وَلَا يَخْلُقُهُ بِدُونِهِ، وَبَاقِي الْكَلَامِ تَنْبِيهٌ عَلَى تِلْكَ الْمُقَدِّمَاتِ، وَتَوْضِيحٌ لَهَا، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: خَوَارِقُ الْعَادَاتِ، وَعَدَمُ وُقُوعِ الْمُرَادَاتِ مَعَ تَوَفُّرِ الدَّوَاعِي، وَسَلَامَةِ الْآلَاتِ لَا يُنَافِي كَوْنَ الْعَبْدِ هُوَ الْمُوجِدُ لِفِعْلِهِ الِاخْتِيَارِيِّ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَثِّرُ قُدْرَتَهُ، وَاخْتِيَارُهُ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُرِيدَ اللَّهُ تَعَالَى عَدَمَ وُقُوعِ الْفِعْلِ حَتَّى لَوْ أَرَادَ الْعَبْدُ شَيْئًا، وَأَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى خِلَافَهُ يَقَعُ مُرَادُ اللَّهِ تَعَالَى أَلْبَتَّةَ لَا مُرَادُ الْعَبْدِ لِانْتِفَاءِ شَرْطِ تَأْثِيرِهِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ فِعْلُهُ

стр. 357

كَوْنُ التَّرْجِيحِ، وَالتَّخْصِيصِ صَادِرَيْنِ مِنَّا، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَإِنْ لَمْ يَكُونَا صَادِرَيْنِ مِنَّا لَا تَكُونُ الْإِرَادَةُ إلَّا مُجَرَّدَ شَوْقٍ فَيَجِبُ أَنْ لَا يَقَعَ فَرْقٌ بَيْنَ الِاخْتِيَارِيَّةِ، وَالِاضْطِرَارِيَّة الَّتِي تَشْتَاقُ إلَيْهَا كَحَرَكَةِ نَبْضِنَا عَلَى نَسَقٍ نَشْتَهِي أَنْ تَكُونَ عَلَيْهِ لَكِنَّا نُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا، وَنَعْلَمُ أَنَّ الْأُولَى بِفِعْلِنَا لَا الثَّانِيَةَ، وَأَيْضًا نُفَرِّقُ فِي الِاخْتِيَارِيَّات بَيْنَ مَا نَقْدِرُ عَلَى تَرْكِهِ، وَبَيْنَ مَا لَا نَقْدِرُ عَلَى تَرْكِهِ كَانْحِدَارٍ إلَى صَبَبٍ بِالْعَدْوِ الشَّدِيدِ الَّذِي لَا نَقْدِرُ عَلَى الْإِمْسَاكِ عَنْهُ، وَكَذَا نُفَرِّقُ فِي التَّرْكِ بَيْنَ مَا نَقْدِرُ عَلَى الْفِعْلِ، وَبَيْنَ مَا لَا نَقْدِرُ أَيْضًا قَدْ نَفْعَلُ بِدَاعِيَةٍ، وَقَدْ نَفْعَلُ بِلَا دَاعِيَةٍ فَعُلِمَ أَنَّ الْعِلْمَ الْوِجْدَانَيَّ قَاضٍ بِأَنَّا نَفْعَلُ مِنْ غَيْرِ اضْطِرَارٍ، وَلَا وُجُوبٍ، وَنُرَجِّحُ أَحَدَ الْمُتَسَاوِيَيْنِ أَوْ الْمَرْجُوحَ، وَهَذَا التَّرْجِيحُ هُوَ الِاخْتِيَارُ، وَالْقَصْدُ ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ نُشَاهِدُ خَوَارِقَ الْعَادَاتِ فِي ــ [التلويح] بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا هُوَ الْمُدَّعَى. (قَوْلُهُ: وَإِنْ لَمْ يَكُونَا صَادِرَيْنِ مِنَّا لَا تَكُونُ الْإِرَادَةُ إلَّا مُجَرَّدُ شَوْقٍ) هَذَا الْكَلَامُ غَيْرُ صَالِحٍ لِلْإِلْزَامِ فَإِنَّ الْمُحَقِّقِينَ عَلَى أَنَّ الْإِرَادَةَ فِي الْحَيَوَانِ شَوْقٌ إلَى حُصُولِ الْمُرَادِ، وَدَاعٍ يَدْعُو إلَى تَحْصِيلِهِ لِمَا يُعْقَلُ أَوْ يُتَخَيَّلُ مِنْ مُلَائِمَتِهِ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ لَا يَقَعَ فَرْقٌ بَيْنَ الِاخْتِيَارِيَّةِ، وَالِاضْطِرَارِيَّة الَّتِي يَشْتَاقُ إلَيْهَا لَيْسَ بِلَازِمٍ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ الِاخْتِيَارِيَّ مَا يَكُونُ مَعَ صِحَّةِ تَعَلُّقِ الْإِرَادَةِ بِهِ يَصِحُّ تَعَلُّقُ الْقُدْرَةِ بِهِ، وَسَتَعْرِفُ أَنَّ الْفِعْلَ قَدْ يَكُونُ مُتَعَلِّقَ الْإِرَادَةِ دُونَ الْقُدْرَةِ، وَبِالْعَكْسِ. (قَوْلُهُ: نُفَرِّقُ فِي الِاخْتِيَارِيَّات بَيْنَ مَا نَقْدِرُ عَلَى تَرْكِهِ، وَمَا لَا نَقْدِرُ) فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَسْتَقِيمُ هَذَا، وَالِاخْتِيَارِيُّ مَا يُتَمَكَّنُ فِيهِ مِنْ الْفِعْلِ، وَالتَّرْكِ قُلْنَا نَعَمْ، وَلَكِنْ قَدْ يَنْضَمُّ إلَيْهِ مَا يَمْنَعُ التَّمَكُّنَ مِنْ التَّرْكِ كَمِثْلِ الْأَثْقَالِ إلَى الْمُرَكَّزِ بِالطَّبْعِ فِي صُورَةِ الِانْحِدَارِ إلَى صَبَبٍ، وَهُوَ مَا انْحَدَرَ مِنْ الْأَرْضِ، وَكَذَا نُفَرِّقُ فِي التَّرْكِ بَيْنَ مَا نَقْدِرُ عَلَى فِعْلِهِ كَتَرْكِ الْحَرَكَةِ فِي الْأَرْضِ الْمُسْتَوِيَةِ، وَبَيْنَ مَا لَا نَقْدِرُ عَلَى فِعْلِهِ كَتَرْكِ الْحَرَكَةِ فِي الْبِنَاءِ الْعَالِي، وَأَيْضًا قَدْ نَجِدُ فِي الْفِعْلِ الِاخْتِيَارِيِّ بَاعِثًا عَلَيْهِ، وَدَاعِيًا إلَيْهِ مِنْ أَنْفُسِنَا كَالْمَشْيِ إلَى مَحْبُوبٍ بِخِلَافِ الْمَشْيِ إلَى مَكْرُوهٍ. (قَوْلُهُ كَقَطْعِ مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ) لَا نِزَاعَ فِي جَوَازِ ذَلِكَ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، وَقَدْ تَوَاتَرَ عَنْ الْأَوْلِيَاءِ أَيْضًا إلَّا أَنَّ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ يُنْكِرُونَهُ. (قَوْلُهُ: ثُمَّ الْقَصْدُ) جَوَابُ سُؤَالٍ تَقْدِيرُهُ: إنَّ قَصْدَ الْعَبْدِ اضْطِرَارِيٌّ لَا اخْتِيَارِيٌّ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَحْصُلُ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ لِلْعَبْدِ، وَإِلَّا لَتَسَلْسَلَتْ الِاخْتِيَارَاتُ فَأَجَابَ بِأَنَّ الْقَصْدَ مَخْلُوقُ اللَّهِ تَعَالَى بِمَعْنَى اسْتِنَادِهِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ إلَى الْمَخْلُوقَاتِ الْمَوْجُودَةِ كَالْقُدْرَةِ مَثَلًا لَكِنَّهُ مِنْ الْأُمُورِ اللَّامَوْجُودَةِ، واللَّامَعْدُومةِ فَلَا يَجِبُ عِنْدَ وُجُودِ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ إذْ لَوْ كَانَ الْقَصْدُ الَّذِي هُوَ صَرْفُ الْقُدْرَةِ إلَى الْفِعْلِ مَخْلُوقًا لِلَّهِ تَعَالَى قَصْدًا لَكَانَ الْفَاعِلُ مُضْطَرًّا إلَى الْفِعْلِ غَيْرَ مُتَمَكِّنٍ مِنْ التَّرْكِ، وَهَذَا يُنَافِي خَلْقَ الْقُدْرَةِ الَّتِي مِنْ

стр. 358

صُدُورِ الْأَفْعَالِ كَالْحَرَكَاتِ الْقَوِيَّةِ مِنْ الْقُوَى الضَّعِيفَةِ كَقَطْعِ مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ، وَأَمْثَالِهِ، وَكَذَا فِي عَدَمِ صُدُورِهَا كَمَا تَوَاتَرَ فِي أَخْبَارِ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَالصِّدِّيقِينَ أَنَّ الْكُفَّارَ قَصَدُوهُمْ بِأَنْوَاعِ الْأَذَى فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى ذَلِكَ مَعَ سَلَامَةِ الْآلَاتِ، وَتَوَافُرِ الدَّوَاعِي، وَالْإِرَادَاتِ مَعَ قُدْرَتِهِمْ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ عَلَى أُمُورٍ أَشَقُّ مِنْ ذَلِكَ فَعُلِمَ أَنَّ الْمُؤَثِّرَ فِي وُجُودِ الْحَرَكَةِ أَيْ الْحَالَةِ الْمَذْكُورَةِ لَيْسَ قُدْرَةُ الْعَبْدِ، وَإِرَادَتُهُ إذْ لَوْ كَانَ لَمْ يُخَالِفْ إرَادَتَهُ، وَلَوْ كَانَ مُؤَثِّرًا طَبْعًا فِيمَا جَرَى عَلَيْهِ الْعَادَةُ لَمْ يُوجَدْ خَوَارِقُ الْعَادَاتِ، وَأَيْضًا لَا تُمَكَّنُ الْحَرَكَاتُ إلَّا بِتَمْدِيدِ الْأَعْصَابِ، وَإِرْخَائِهَا، وَلَا شُعُورَ لَنَا بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا نَدْرِي أَيَّ عَصَبَةٍ يَجِبُ تَمْدِيدُهَا لِتَحْصِيلِ الْحَرَكَةِ الْمَخْصُوصَةِ، وَكَذَا لَا شُعُورَ لَنَا بِكَيْفِيَّةِ خُرُوجِ الْحُرُوفِ عَنْ مَخَارِجِهَا فَعُلِمَ مِنْ وِجْدَانِ مَا يَدُلُّ عَلَى الِاخْتِيَارِ، وَوُجْدَانِ اخْتِيَارِ الْعَبْدِ لَيْسَ مُؤَثِّرًا فِي وُجُودِ الْحَالَةِ الْمَذْكُورَةِ أَنَّهُ جَرَى عَادَتُهُ تَعَالَى أَنَّا مَتَى قَصَدْنَا الْحَرَكَةَ الِاخْتِيَارِيَّةَ قَصْدًا جَازِمًا مِنْ غَيْرِ اضْطِرَارٍ إلَى الْقَصْدِ يَخْلُقُ اللَّهُ تَعَالَى عَقِيبَهُ الْحَالَةَ الْمَذْكُورَةَ الِاخْتِيَارِيَّةَ، وَإِنْ لَمْ نَقْصِدْ لَمْ يَخْلُقْ، ثُمَّ الْقَصْدُ مَخْلُوقُ اللَّهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ تَعَالَى خَلَقَ قُدْرَةً يَصْرِفُهَا الْعَبْدُ إلَى كُلٍّ مِنْهُمَا عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ، ثُمَّ صَرَفَهَا إلَى وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ بِفِعْلِ الْعَبْدِ، وَهُوَ الْقَصْدُ، وَالِاخْتِيَارُ فَالْقَصْدُ مَخْلُوقُ اللَّهِ بِمَعْنَى اسْتِنَادِهِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ إلَى مَوْجُودَاتٍ هِيَ مَخْلُوقَةُ اللَّهِ تَعَالَى لَا أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ هَذَا الصَّرْفَ مَقْصُورًا؛ لِأَنَّ هَذَا يُنَافِي خَلْقَ الْقُدْرَةِ فَحَصَلَتْ الْحَالَةُ الْمَذْكُورَةُ بِمَجْمُوعِ خَلْقِ ــ [التلويح] شَأْنِهَا التَّمَكُّنُ مِنْ الْفِعْلِ، وَالتَّرْكِ، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَوْ كَانَ الِاسْتِنَادُ إلَى مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ تَعَالَى لَا عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ كَافِيًا فِي كَوْنِ الْفِعْلِ مَخْلُوقًا لِلَّهِ تَعَالَى فَلَا نِزَاعَ لِأَحَدٍ فِي كَوْنِ فِعْلِ الْعَبْدِ مَخْلُوقًا لِلَّهِ تَعَالَى بِهَذَا الْمَعْنَى ضَرُورَةَ اسْتِنَادِهِ إلَى الْعَبْدِ الَّذِي هُوَ مَخْلُوقٌ، وَهَذَا لَا يُنَافِي كَوْنَ الْعَبْدِ مُوجِدًا لَهُ، وَمُؤَثِّرًا فِيهِ، وَالْجَوَابُ أَنَّ الِاسْتِنَادَ لَا عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ إنَّمَا يُمْكِنُ فِي الْأُمُورِ اللَّامَوْجُودَةِ، واللَّامَعْدُومةِ كَالْقَصْدِ مَثَلًا لَا فِي الْمَوْجُودَةِ كَالْحَالَةِ الْحَاصِلَةِ مِنْ الْإِيقَاعِ، وَالْكَلَامُ فِيهَا كَمَا مَرَّ فِي الْمُقَدِّمَةِ الثَّالِثَةِ. (قَوْلُهُ بُرْهَانٌ آخَرُ) هَذَا هُوَ الدَّلِيلُ الثَّانِي، وَحَاصِلُهُ: أَنَّا نَعْلَمُ بِالْوِجْدَانِ أَنَّ لِلْعَبْدِ صُنْعًا مَا أَيْ فِعْلًا مَا بِالِاخْتِيَارِ، وَصُنْعُهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي أَمْرٍ لَا مَوْجُودٍ، وَلَا مَعْدُومٍ لَا فِي أَمْرٍ مَوْجُودٍ؛ لِأَنَّ صُنْعَهُ فِيهِ إمَّا أَنْ يَكُونَ بِلَا وَاسِطَةٍ أَوْ بِوَاسِطَةِ وُجُودِ شَيْءٍ أَوْ بِوَاسِطَةِ عَدَمِ شَيْءٍ، وَالْأَقْسَامُ بِأَسْرِهَا بَاطِلَةٌ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ وُجُودَ ذَلِكَ الشَّيْءِ يَجِبُ عِنْدَ تَمَامِ عِلَّتِهِ فَلَا يُتَصَوَّرُ صُنْعُ الْعَبْدِ فِيهِ أَيْ تَأْثِيرُهُ الِاخْتِيَارِيُّ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ وُجُودَ ذَلِكَ الْأَمْرِ الَّذِي يَكُونُ الصُّنْعُ بِوَاسِطَتِهِ يَجِبُ بِالْمَوْجُودَاتِ الْمُسْتَنِدَةِ إلَى الْوَاجِبِ فَيَخْرُجُ مِنْ صُنْعِ الْعَبْدِ ضَرُورَةَ كَوْنِهِ وَاجِبًا، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَلِأَنَّ ذَلِكَ الْعَدَمَ إنْ

стр. 359

اللَّهِ، وَاخْتِيَارِ الْعَبْدِ؛ فَلِهَذَا قَالَ (قُلْنَا تَوَقُّفُهُ عَلَى مُرَجِّحٍ لَا يُوجِبُ كَوْنَهُ اضْطِرَارِيًّا؛ لِأَنَّ لِاخْتِيَارِهِ تَأْثِيرًا فِي فِعْلِهِ أَيْضًا) . وَإِنَّمَا قَالَ أَيْضًا لِيُعْلِمَ أَنَّ الِاخْتِيَارَ لَيْسَ بِمُؤَثِّرٍ تَامٍّ بَلْ هُوَ جُزْءُ الْمُؤَثِّرِ بِبُرْهَانٍ آخَرَ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ شَيْءٌ إلَّا، وَأَنْ يَجِبَ وُجُودُهُ بِالْغَيْرِ فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ مُوجِبًا لِوُجُودٍ بِلَا وَاسِطَةِ أَمْرٍ فَلَا صُنْعَ لَهُ فِيهِ كَمَا لَا صُنْعَ لَهُ فِي وُجُودِهِ، وَفِي ذَاتِهِ، وَإِنْ كَانَ يُتَوَسَّطُ وُجُودَ أَمْرٍ فَذَلِكَ الْأَمْرُ يَجِبُ بِالْمَوْجُودَاتِ الْمُسْتَنِدَةِ إلَى الْوَاجِبِ فَيَخْرُجُ مِنْ صُنْعِ الْعَبْدِ، وَإِنْ كَانَ يَتَوَسَّطُ عَدَمَ أَمْرٍ لَا يَكُونُ ذَلِكَ الْعَدَمُ الْعَدَمَ السَّابِقَ عَلَى الْوُجُودِ إذْ لَا صُنْعَ لِلْعَبْدِ فِيهِ فَيَكُونُ الْعَدَمُ الَّذِي بَعْدَ الْوُجُودِ، وَهَذَا الْعَدَمُ لَا يُمْكِنُ إلَّا بِزَوَالِ الْعِلَّةِ التَّامَّةِ لِذَلِكَ الْأَمْرِ أَوْ لِبَقَائِهِ فَالْعِلَّةُ التَّامَّةُ إنْ كَانَتْ مَوْجُودَاتٍ مَحْضَةٍ تَكُونُ وَاجِبَةً بِالِاسْتِنَادِ إلَى الْوَاجِبِ تَعَالَى فَلَا يَقْدِرُ الْعَبْدُ عَلَى إعْدَامِهَا، وَإِنْ كَانَ لِلْعَدَمِ مَدْخَلٌ فِي تِلْكَ الْعِلَّةِ التَّامَّةِ فَزَوَالُ الْعَدَمِ هُوَ الْوُجُودُ فَيَكُونُ يَتَوَسَّطُ وُجُودَ أَمْرٍ، وَقَدْ مَرَّ امْتِنَاعُهُ، وَقَدْ ثَبَتَ بِالْوِجْدَانِ أَنَّ لِلْعَبْدِ صُنْعًا مَا فَلَا يَكُونُ إلَّا فِي أَمْرٍ لَا مَوْجُودٍ، وَلَا مَعْدُومٍ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ الْأَمْرُ، وَاجِبًا بِوَاسِطَةِ ــ [التلويح] كَانَ عَدَمًا سَابِقًا فَهُوَ قَدِيمٌ لَا صُنْعَ لَهُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ عَدَمًا لَاحِقًا تَوَقَّفَ عَلَى زَوَالِ جُزْءٍ مِنْ الْعِلَّةِ التَّامَّةِ لِلْوُجُودِ، وَذَلِكَ الْجُزْءُ إنْ كَانَ مَوْجُودًا كَانَ وَاجِبًا بِالِاسْتِنَادِ إلَى الْوَاجِبِ فَيَمْتَنِعُ الْعَبْدُ إزَالَتَهُ، وَإِنْ كَانَ لِزَوَالِ الْعَدَمِ مَدْخَلٌ فِي زَوَالِهِ عَادَ الْمَحْذُورُ؛ لِأَنَّ زَوَالَ الْعَدَمِ وُجُودٌ فَيَكُونُ بِوَاسِطَةِ وُجُودِ شَيْءٍ هُوَ وَاجِبٌ بِوَاسِطَةِ الْمَوْجُودَاتِ الْمُسْتَنِدَةِ إلَى الْوَاجِبِ فَيَخْرُجُ مِنْ صُنْعِ الْعَبْدِ فَتَعَيَّنَ أَنَّ صُنْعَ الْعَبْدِ لَا يَكُونُ إلَّا فِي أَمْرٍ لَا مَوْجُودٍ، وَلَا مَعْدُومٍ، وَذَلِكَ الْأَمْرُ لَا يَجِبُ بِوَاسِطَةِ الْمَوْجُودَاتِ الْمُسْتَنِدَةِ إلَى الْوَاجِبِ، وَإِلَّا لَخَرَجَ عَنْ صُنْعِ الْعَبْدِ فَلَمْ يَبْقَ لِصُنْعِ الْعَبْدِ أَثَرٌ فِي فِعْلِ أَمْرٍ مَا، وَيَلْزَمُ مِنْهُ بُطْلَانُ مَا ثَبَتَ بِالْوِجْدَانِ. ثُمَّ ذَلِكَ الْأَمْرُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْإِيقَاعُ، وَالْإِيجَادُ الَّذِي يَجِبُ عِنْدَهُ الْفِعْلُ أَلْبَتَّةَ حَتَّى يَكُونَ الْعَبْدُ مُوجِدًا لِذَلِكَ الشَّيْءِ الْمَوْجُودِ خَالِقًا لَهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ يَتَوَقَّفُ عَلَى أُمُورٍ لَا أَثَرَ لِلْعَبْدِ فِي وُجُودِهَا كَوُجُودِ الْعَبْدِ، وَقُدْرَتِهِ، وَسَلَامَةِ الْآلَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ فَتَعَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ الْأَمْرَ اللَّامَوْجُودَ، وَاللَّامَعْدُومَ الصَّادِرَ عَنْ الْعَبْدِ أَمْرٌ لَا يَجِبُ عِنْدَهُ وُجُودُ الْأَثَرِ، وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْكَسْبِ، وَالْفِعْلُ حَاصِلٌ بِهِ، وَيَخْلُقُ اللَّهُ تَعَالَى، وَكُلٌّ مِنْهُمَا مَقْدُورَهُ إلَّا أَنَّهُ فِي الْخَلْقِ يَصِحُّ انْفِرَادُ الْقَادِرِ بِالْإِيقَاعِ الْمَقْدُورِ، وَفِي الْكَسْبِ لَا يَصِحُّ، وَأَيْضًا فِي الْخَلْقِ يَقَعُ الْفِعْلُ الْمَقْدُورُ لَا فِي مَحَلِّ الْقُدْرَةِ فِي الْكَسْبِ يَقَعُ الْمَقْدُورُ فِي مَحَلِّ الْقُدْرَةِ مَثَلًا: حَرَكَةُ زَيْدٍ وَقَعَتْ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى فِي غَيْرِ مَنْ قَامَتْ بِهِ الْقُدْرَةُ، وَهُوَ زَيْدٌ، وَوَقَعَتْ بِكَسْبِ زَيْدٍ فِي الْمَحَلِّ الَّذِي قَامَتْ بِهِ قُدْرَةُ زَيْدٍ، وَهُوَ نَفْسُ زَيْدٍ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَثَرَ الْخَالِقِ إيجَادُ الْفِعْلِ فِي أَمْرٍ خَارِجٍ مِنْ ذَاتِهِ، وَأَثَرُ الْكَاسِبِ صُنْعُهُ فِي مَحَلٍّ قَائِمٍ بِهِ

стр. 360

الْمَوْجُودَاتِ الْمُسْتَنِدَةِ إلَى الْوَاجِبِ تَعَالَى إذْ حِينَئِذٍ يَخْرُجُ مِنْ صُنْعِ الْعَبْدِ، ثُمَّ ذَلِكَ الشَّيْءُ الْمَوْجُودُ لَا يَجِبُ عَلَى تَقْدِيرِ ذَلِكَ الْأَمْرِ لِتَوَقُّفِهِ عَلَى أُمُورٍ لَا صُنْعَ لِلْعَبْدِ فِيهَا أَصْلًا كَقُدْرَةِ الْعَبْدِ وَوُجُودِهِ، وَأَمْثَالِهِمَا فَالْأَمْرُ الْإِضَافِيُّ الَّذِي هُوَ الصَّادِرُ مِنْ الْعَبْدِ، وَهُوَ الَّذِي لَا يَجِبُ عِنْدَ وُجُودِ الْأَثَرِ يُسَمَّى كَسْبًا، وَقَدْ قَالَ مَشَايِخُنَا: إنَّ مَا يَقَعُ بِهِ الْمَقْدُورُ مَعَ صِحَّةِ انْفِرَادِ الْقَادِرِ بِهِ فَهُوَ خَلْقٌ، وَمَا يَقَعُ بِهِ الْمَقْدُورُ لَا مَعَ صِحَّةِ انْفِرَادِ الْقَادِرِ بِهِ فَهُوَ كَسْبٌ، ثُمَّ إنَّ مَقْدُورَاتِ اللَّهِ قِسْمَانِ: الْأَوَّلُ مَا يَصِحُّ انْفِرَادُ الْقَادِرِ بِهِ مَعَ تَحَقُّقِ الِانْفِرَادِ كَمَا فِي الْمَوْجُودَاتِ الَّتِي لَا صُنْعَ لِلْعَبْدِ فِيهَا، وَالثَّانِي مَا يَصِحُّ انْفِرَادُ الْقَادِرِ بِهِ لَكِنْ لَا يَكُونُ مُنْفَرِدًا بَلْ يَكُونُ لِقُدْرَةِ الْعَبْدِ مَدْخَلٌ مَا فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ كَالْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ لِلْعِبَادَةِ، وَقَدْ قِيلَ: مَا وَقَعَ لَا فِي مَحَلِّ قُدْرَتِهِ فَهُوَ خَلْقٌ، وَمَا وَقَعَ فِي مَحَلِّ قُدْرَتِهِ فَهُوَ كَسْبٌ، هَذَا وَإِنْ كَانَ تَفْسِيرًا آخَرَ لَكِنْ فِي الْحَقِيقَةِ: الْمَجْمُوعُ تَفْسِيرٌ وَاحِدٌ فَالْخَلْقُ أَمْرٌ إضَافِيٌّ يَجِبُ أَنْ يَقَعَ بِهِ الْمَقْدُورُ لَا فِي مَحَلِّ الْقُدْرَةِ، وَيَصِحُّ انْفِرَادُ الْقَادِرِ بِإِيقَاعِ الْمَقْدُورِ بِذَلِكَ الْأَمْرِ، وَالْكَسْبُ أَمْرٌ إضَافِيٌّ يَقَعُ بِهِ الْمَقْدُورُ فِي مَحَلِّ الْقُدْرَةِ ــ [التلويح] هَذَا، وَلَكِنْ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: وُجُوبُ الْفِعْلِ بِوَاسِطَةِ الْمَوْجُودَاتِ الْمُسْتَنِدَةِ إلَى الْوَاجِبِ لَا يُنَافِيَ كَوْنَهُ مَقْدُورًا لِلْعَبْدِ، وَمَخْلُوقًا لَهُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ اسْتِنَادُهُ بِوَاسِطَةِ قُدْرَةِ الْعَبْدِ، وَإِرَادَتِهِ الَّتِي مِنْ شَأْنِهَا التَّرْجِيحُ، وَالْإِيجَادُ وَأَيْضًا الْوُجُوبُ بِالْقُدْرَةِ، وَالدَّاعِي لَا يُنَافِي تَعَلُّقَ أَصْلِ الْقُدْرَةِ بِأَصْلِ الْفِعْلِ الْمُمْكِنِ، وَكَوْنَهُ مَخْلُوقًا لِلْقَادِرِ، وَالْقَائِلُونَ بِأَنَّ فِعْلَ الْعَبْدِ بِخَلْقِهِ، وَإِرَادَتِهِ لَا يُنَازِعُونَ فِي تَوَقُّفِهِ عَلَى أُمُورٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى كَإِيجَادِ الْعَبْدِ، وَإِقْدَارِهِ، وَتَمْكِينِهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَاعْلَمْ أَنَّ مُلَخَّصَ كَلَامِ بَعْضِ الْمُحَقِّقِينَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ بَعْضَ أَحْوَالِ الْحَيَوَانِ لَا شُعُورَ لَهُ بِهَا كَالنُّمُوِّ، وَهَضْمِ الْغِذَاءِ، وَبَعْضَهَا مَشْعُورٌ بِهِ لَكِنْ لَيْسَ بِإِرَادَتِهِ كَمَرَضِهِ، وَصِحَّتِهِ، وَنَوْمِهِ، وَيَقَظَتِهِ، وَبَعْضَهَا مِمَّا لَهُ قَصْدٌ إلَى صُدُورِهِ، وَصِحَّةُ الصُّدُورِ غَيْرُ الْقَصْدِ إذْ رُبَّمَا يَصِحُّ صُدُورُ فِعْلٍ لَا يَقْصِدُهُ، وَرُبَّمَا يَقْصِدُ مَا لَا يَصِحُّ صُدُورُهُ فَصِحَّةُ الصُّدُورِ، وَاللَّاصُدُورِ هِيَ الْمُسَمَّى بِالْقُدْرَةِ، وَهِيَ لَا تَكْفِي فِي الصُّدُورِ إلَّا بَعْدَ أَنْ يَرْجِعَ أَحَدُ الْجَانِبَيْنِ عَلَى الْآخَرِ، وَالتَّرْجِيحُ إنَّمَا هُوَ بِالْقَصْدِ الَّذِي هُوَ الْمُسَمَّى بِالْإِرَادَةِ أَوْ بِالدَّاعِي، وَعِنْدَ الْقُدْرَةِ، وَالدَّاعِي يَجِبُ الصُّدُورُ عِنْدَ فَقْدِ أَحَدِهِمَا يَمْتَنِعُ، وَالْقَوْلُ بِصُدُورِ الْفِعْلِ عَنْ الْقَادِرِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحِ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ تَمَسُّكًا بِالْأَمْثِلَةِ الْجُزْئِيَّةِ بَاطِلٌ فَإِنَّ التَّرْجِيحَ بِالْعِلْمِ غَيْرُ الْعِلْمِ بِالتَّرْجِيحِ، وَهُوَ إنَّمَا يَحْتَاجُ إلَى وُجُودِ الْمُرَجِّحِ لَا إلَى الْعِلْمِ بِهِ، وَكُلُّ فِعْلٍ يَصْدُرُ عَنْ فَاعِلِهِ بِسَبَبِ حُصُولِ قُدْرَتِهِ، وَإِرَادَتِهِ فَهُوَ بِاخْتِيَارِهِ، وَكُلُّ مَا لَا يَكُونُ كَذَلِكَ فَهُوَ لَيْسَ بِاخْتِيَارِهِ، وَسُؤَالُ السَّائِلِ أَنَّهُ بَعْدَ حُصُولِ الْقُدْرَةِ، وَالْإِرَادَةِ هَلْ يَقْدِرُ عَلَى التَّرْكِ كَقَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إنَّ الْمُمْكِنَ بَعْدَ وُجُودِهِ هَلْ يُمْكِنُ

стр. 361

وَلَا يَصِحُّ انْفِرَادُ الْقَادِرِ بِإِيقَاعِ الْمَقْدُورِ بِذَلِكَ الْأَمْرِ فَالْكَسْبُ لَا يُوجِبُ وُجُودَ الْمَقْدُورِ بَلْ يُوجِبُ مِنْ حَيْثُ هُوَ كَسْبٌ اتِّصَافَ الْفَاعِلِ بِذَلِكَ الْمَقْدُورِ ثُمَّ اخْتِلَافَ الْإِضَافَاتِ كَكَوْنِهِ طَاعَةً أَوْ مَعْصِيَةً حَسَنَةً أَوْ قَبِيحَةً مَبْنِيَّةً عَلَى الْكَسْبِ لَا عَلَى الْخَلْقِ إذْ خَلْقُ الْقَبِيحِ لَيْسَ بِقَبِيحٍ إذْ خَلْقُهُ لَا يُنَافِي الْمَصْلَحَةَ، وَالْعَاقِبَةَ الْحَمِيدَةَ بَلْ يَشْتَمِلُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْهُمَا، وَإِنَّمَا الِاتِّصَافُ بِهِ بِإِرَادَتِهِ، وَقَصْدِهِ قَبِيحٌ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الْكَسْبَ مِنْ حَيْثُ هُوَ هُوَ يُوجِبُ الِاتِّصَافَ بِهِ فَالْقَصْدُ إلَيْهِ قَبِيحٌ؛ لِأَنَّهُ مُوَصِّلٌ إلَى الْقَبِيحِ؛ لِأَنَّهُ يُعْلَمُ أَنَّهُ كُلَّمَا قَصَدَهُ يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَا جَبْرَ فِي الْقَصْدِ. فَالْحَاصِلُ أَنَّ مَشَايِخَنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى يَنْفُونَ عَنْ الْعَبْدَ قُدْرَةَ الْإِيجَادِ، وَالتَّكْوِينِ فَلَا خَالِقَ، وَلَا مُكَوِّنَ إلَّا اللَّهُ لَكِنْ يَقُولُونَ: إنَّ لِلْعَبْدِ قُدْرَةً مَا عَلَى وَجْهٍ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ وُجُودُ أَمْرٍ حَقِيقِيٍّ لَمْ يَكُنْ بَلْ إنَّمَا يَخْتَلِفُ بِقُدْرَتِهِ النَّسَبُ، وَالْإِضَافَاتُ فَقَطْ كَتَعْيِينِ أَحَدِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ، وَتَرْجِيحِهِ هَذَا مَا وَقَفْت عَلَيْهِ مِنْ مَسْأَلَةِ الْجَبْرِ، وَالْقُدْرَةِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ رَجَعْنَا إلَى مَا نَحْنُ بِصَدَدِهِ، وَهُوَ مَسْأَلَةُ الْحُسْنِ، وَالْقُبْحِ فَقَوْلُهُ: إنَّ الِاتِّفَاقِيَّ، وَالِاضْطِرَارِيَّ لَا يُوصَفَانِ بِالْحُسْنِ، وَالْقُبْحِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ؛ لِأَنَّ كَوْنَ الْفِعْلِ اتِّفَاقِيًّا أَوْ اضْطِرَارِيًّا لَا يُنَافِي كَوْنَهُ حَسَنًا لِذَاتِهِ أَوْ لِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ فَيُمْكِنُ أَنْ يُوجِبَ ذَاتُ الْفِعْلِ أَوْ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ لُحُوقَ الْمَدْحِ أَوْ الذَّمِّ بِكُلِّ مَنْ اتَّصَفَ بِهِ سَوَاءٌ كَانَ اتِّصَافُهُ بِهِ اخْتِيَارِيًّا أَوْ اضْطِرَارِيًّا أَوْ اتِّفَاقِيًّا أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحْمَدُ عَلَى صِفَاتِهِ الْعُلْيَا مَعَ أَنَّ اتِّصَافَهُ بِهَا لَيْسَ بِاخْتِيَارِهِ عَلَى أَنَّ الْأَشْعَرِيَّ يُسَلِّمُ الْقُبْحَ، وَالْحُسْنَ عَقْلًا بِمَعْنَى الْكَمَالِ، وَالنُّقْصَانِ ــ [التلويح] أَنْ يَكُونَ مَعْدُومًا حَالَ وُجُودِهِ ثُمَّ حُصُولُ قُدْرَتِهِ، وَإِرَادَتِهِ لَا بُدَّ أَنْ يَنْتَهِيَ إلَى أَسْبَابٍ لَا تَكُونُ بِقُدْرَتِهِ، وَإِرَادَتِهِ دَفْعًا لِلتَّسَلْسُلِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ عِنْدَ الْأَسْبَابِ يَجِبُ الْفِعْلُ، وَعِنْدَ فُقْدَانِهَا يَمْتَنِعُ فَاَلَّذِي يَنْظُرُ إلَى الْأَسْبَابِ الْأُولَى، وَيَعْلَمُ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِقُدْرَةِ الْعَبْدِ، وَلَا بِإِرَادَتِهِ يَحْكُمُ بِالْجَبْرِ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ السَّبَبَ الْقَرِيبَ لِلْفِعْلِ هُوَ قُدْرَةُ الْعَبْدِ، وَإِرَادَتِهِ، وَاَلَّذِي يَنْظُرُ إلَى السَّبَبِ الْقَرِيبِ يَحْكُمُ بِالِاخْتِيَارِ، وَهُوَ أَيْضًا لَيْسَ بِصَحِيحٍ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ لَمْ يَحْصُلْ، بِأَسْبَابٍ كُلِّهَا مَقْدُورَةٌ، وَمُرَادُهُ فَالْحَقُّ أَنْ لَا جَبْرَ، وَلَا تَفْوِيضَ، وَلَكِنْ أَمْرٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ. (قَوْلُهُ: ثُمَّ اخْتِلَافُ الْإِضَافَاتِ) لَمَّا جَعَلَ الْأَفْعَالَ كُلَّهَا مَخْلُوقَةً لِلَّهِ تَعَالَى، وَلَا شَكَّ أَنَّ مِنْهَا مَا هُوَ قَبِيحٌ، وَاَللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ الْقَبَائِحِ حَاوَلَ التَّقَصِّيَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْحُسْنَ، وَالْقُبْحَ، وَالطَّاعَةَ، وَالْمَعْصِيَةَ اعْتِبَارَاتٌ رَاجِعَةٌ إلَى الْكَسْبِ دُونَ الْخَلْقِ فَيَسْتَنِدُ إلَى الْعَبْدِ لَا إلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ خَلْقَ الْمَعْصِيَةِ لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ، وَخَلْقَ الْقَبِيحِ لَيْسَ بِقَبِيحٍ بَلْ رُبَّمَا يَتَضَمَّنُ مَصَالِحَ، وَإِنَّمَا الْقَبِيحُ كَسْبُ الْمَعْصِيَةِ، وَالْقَبِيحِ فَلَا يَقْبُحُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى خَلْقُهَا، وَيَقْبُحُ مِنْ الْعَبْدِ كَسْبُهَا. (قَوْلُهُ: فَقَوْلُهُ إنَّ الِاتِّفَاقِيَّ، وَالِاضْطِرَارِيَّ لَا يُوصَفَانِ بِالْحُسْنِ، وَالْقُبْحِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ) مَنْعٌ

стр. 362

فَلَا شَكَّ أَنَّ كُلَّ كَمَالٍ مَحْمُودٌ، وَكُلَّ نُقْصَانٍ مَذْمُومٌ، وَأَنَّ أَصْحَابَ الْكِمَالَاتِ مَحْمُودُونَ بِكِمَالَاتِهِمْ، وَأَصْحَابَ النَّقَائِصِ مَذْمُومُونَ بِنَقَائِصِهِمْ فَإِنْكَارُهُ الْحُسْنَ، وَالْقُبْحَ بِمَعْنَى أَنَّهُمَا صِفَتَانِ لِأَجْلِهِمَا يُحْمَدُ أَوْ يُذَمُّ الْمَوْصُوفُ بِهِمَا فِي غَايَةِ التَّنَاقُضِ، وَإِنْ أَنْكَرَهُمَا بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُوجَدُ فِي الْفِعْلِ شَيْءٌ يُثَابُ الْفَاعِلُ أَوْ يُعَاقَبُ لِأَجْلِهِ فَنَقُولُ إنَّهُ عَنَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى الْإِثَابَةُ، وَالْعِقَابُ لِأَجْلِهِ فَنَحْنُ نُسَاعِدُهُ فِي هَذَا الْفِعْلِ، وَإِنْ عُنِيَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ فِي مَعْرِضِ ذَلِكَ فَهَذَا بَعِيدٌ عَنْ الْحَقِّ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الثَّوَابَ، وَالْعِقَابَ آجِلًا، وَإِنْ كَانَ لَا يَسْتَقِلُّ الْعَقْلُ بِمَعْرِفَةِ كَيْفِيَّتِهِمَا لَكِنَّ كُلَّ مَنْ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَالِمٌ بِالْكُلِّيَّاتِ، وَالْجُزْئِيَّاتِ فَاعِلٌ بِالِاخْتِيَارِ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، وَعَلِمَ أَنَّهُ غَرِيقٌ فِي نِعَمِ اللَّهِ فِي كُلِّ لَمْحَةٍ، وَلَحْظَةٍ، ثُمَّ مَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ يَنْسُبُ مِنْ الصِّفَاتِ، وَالْأَفْعَالِ مَا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ فِي غَايَةِ الْقُبْحِ، وَالشَّنَاعَةِ إلَيْهِ، تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا فَلَمْ يَرَ بِعَقْلِهِ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ بِذَلِكَ مَذَمَّةً، وَلَمْ يَتَيَقَّنْ أَنَّهُ فِي مَعْرِضِ سَخَطٍ عَظِيمٍ، وَعَذَابٍ أَلِيمٍ فَقَدْ سَجَّلَ غِوَايَتَهُ عَلَى غَبَاوَتِهِ، وَلَجَاجَتِهِ، وَبَرْهَنَ عَلَى سَخَافَةِ عَقْلِهِ، وَاعْوِجَاجِهِ، وَاسْتَخَفَّ بِفِكْرِهِ، وَرَأْيِهِ حَيْثُ لَمْ يَعْلَمْ بِالشَّرِّ الَّذِي فِي وَرَائِهِ عَصَمَنَا اللَّهُ مِنْ الْغَبَاوَةِ، وَالْغَوَايَةِ، وَأَهْدَانَا هَدَايَا الْهِدَايَةِ. فَلَمَّا أَبْطَلْنَا دَلِيلَ الْأَشْعَرِيِّ رَجَعْنَا إلَى إقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى مَذْهَبِنَا، وَإِلَى الْخِلَافِ الَّذِي بَيْنَنَا، وَبَيْنَ ــ [التلويح] لِلْمُقَدِّمَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ دَلِيلِ الْخَصْمِ، وَهُوَ أَنَّ فِعْلَ الْعَبْدِ غَيْرُ اخْتِيَارِيٍّ، وَلَا شَيْءَ مِنْ غَيْرِ الِاخْتِيَارِيِّ بِحَسَنٍ أَوْ قَبِيحٍ، وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّهَا مُقَدِّمَةٌ إجْمَاعِيَّةٌ مُسَلَّمَةٌ عِنْدَ الْخَصْمِ فَلَا وَجْهَ لِمَنْعِهَا، وَلَا حَاجَةَ إلَيْهَا؛ لِأَنَّ جَمِيعَ الْمَبَاحِثِ السَّالِفَةِ إنَّمَا كَانَ لِتَحْقِيقِ مَنْعِ الْمُقَدِّمَةِ الْأُولَى، وَالتَّقَصِّي عَمَّا أَوْرَدَ مِنْ الدَّلِيلِ عَلَيْهَا، وَبَيَانِ أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ فِعْلُ الْعَبْدِ اخْتِيَارِيًّا، وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ تَوْضِيحُهُ سَنَدَ الْمَنْعِ بِصِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّهُ يُحْمَدُ عَلَيْهَا، وَبِكِمَالَاتِ الْإِنْسَانِ، وَنَقَائِصِهِ حَيْثُ يُحْمَدُ عَلَيْهَا، وَيُذَمُّ، وَادِّعَاؤُهُ التَّنَاقُضَ فِي كَلَامِ الْأَشْعَرِيِّ حَيْثُ جَعَلَ كُلَّ كَمَالٍ حَسَنًا، وَكُلَّ نُقْصَانٍ قَبِيحًا مَعَ أَنَّهُ قَرَّرَ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ أَنَّ النِّزَاعَ فِي الْحَسَنِ، وَالْقَبِيحِ بِمَعْنَى اسْتِحْقَاقِ الْمَدْحِ أَوْ الذَّمِّ فِي الدُّنْيَا، وَالثَّوَابِ أَوْ الْعِقَابِ فِي الْآخِرَةِ، وَلَا أَدْرِي كَيْفَ ذَهَبَ هَذَا عَلَى الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - حَتَّى ذَكَرَ فِي سَنَدِ الْمَنْعِ مَا ذُكِرَ، ثُمَّ أَوْرَدَ مَا هُوَ مَذْهَبَ الْأَشْعَرِيِّ عَلَى سَبِيلِ التَّرْدِيدِ، وَالِاحْتِمَالِ بِقَوْلِهِ، وَإِنْ عَنَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ فِي مَعْرِضِ ذَلِكَ، وَهُوَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْأَشْعَرِيُّ مِنْ أَنَّ الْفِعْلَ لَيْسَ لِذَاتِهِ أَوْ لِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ بِحَيْثُ يَحْكُمُ الْعَقْلُ بِأَنَّ فَاعِلَهُ يَسْتَحِقُّ فِي الدُّنْيَا الْمَدْحَ أَوْ الذَّمَّ، وَفِي الْآخِرَةِ الثَّوَابَ أَوْ الْعِقَابَ بَلْ كُلُّ مَا نَصَّ الشَّارِعُ بِهِ أَوْ بِدَلِيلِهِ عَلَى اسْتِحْقَاقِ الْمَدْحِ، وَالثَّوَابِ فَحَسَنٌ أَوْ الذَّمُّ، وَالْعِقَابُ فَقَبِيحٌ، وَلَيْسَ لِلْمُخَالِفِ دَلِيلٌ يُعْتَدُّ بِهِ، وَلَا مَنْعٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وَمَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ تَلْفِيقِ الْعِبَارَاتِ، وَتَنْمِيقِ الِاسْتِعَارَاتِ

стр. 363

الْمُعْتَزِلَةِ (وَعِنْدَ بَعْضِ أَصْحَابِنَا، وَالْمُعْتَزِلَةِ حُسْنُ بَعْضِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ، وَقُبْحِهَا يَكُونَانِ لِذَاتِ الْفِعْلِ أَوْ لِصِفَةٍ لَهُ، وَيُعْرَفَانِ عَقْلًا أَيْضًا) أَيْ يَكُونُ ذَاتَ الْفِعْلِ بِحَيْثُ يُحْمَدُ فَاعِلُهُ عَاجِلًا، وَيُثَابُ آجِلًا أَوْ يُذَمُّ فَاعِلُهُ عَاجِلًا، وَيُعَاقَبُ آجِلًا أَوْ يَكُونُ لِلْفِعْلِ صِفَةٌ يُحْمَدُ فَاعِلُ الْفِعْلِ، وَيُثَابُ لِأَجْلِهَا أَوْ يُذَمُّ، وَيُعَاقَبُ لِأَجْلِهَا، وَإِنَّمَا قَالَ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُمَا يُعْرَفَانِ شَرْعًا (لِأَنَّ وُجُوبَ تَصْدِيقِ النَّبِيِّ ﷺ إنْ تَوَقَّفَ عَلَى الشَّرْعِ يَلْزَمُ الدَّوْرُ) ، وَاعْلَمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إذَا ادَّعَى النُّبُوَّةَ، وَأَظْهَرَ الْمُعْجِزَةَ، وَعَلِمَ السَّامِعُ أَنَّهُ نَبِيٌّ فَأَخْبَرَ بِأُمُورٍ مِثْلِ أَنَّ الصَّلَاةَ وَاجِبَةٌ عَلَيْكُمْ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يَجِبْ عَلَى السَّامِعِ تَصْدِيقُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ تَبْطُلُ فَائِدَةُ النُّبُوَّةِ، وَإِنْ وَجَبَ فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ وُجُوبُ تَصْدِيقِ بَعْضِ إخْبَارَاتِهِ عَقْلِيًّا أَوْ لَا يَكُونُ بَلْ يَكُونُ وُجُوبُ تَصْدِيقِ كُلِّ إخْبَارَاتِهِ شَرْعِيًّا، وَالثَّانِي بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ وُجُوبُ تَصْدِيقِ الْكُلِّ شَرْعِيًّا لَكَانَ وُجُوبُهُ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﵇ فَأَوَّلُ الْإِخْبَارَاتِ الْوَاجِبَةِ التَّصْدِيقِ لَا بُدَّ أَنْ يَجِبَ تَصْدِيقُهُ بِقَوْلِهِ ﵇ إنَّ تَصْدِيقَ الْإِخْبَارِ الْأَوَّلِ وَاجِبٌ فَنَتَكَلَّمُ فِي هَذَا الْقَوْلِ فَإِنْ لَمْ يَجِبْ تَصْدِيقُهُ لَا يَجِبُ تَصْدِيقُ الْأَوَّلِ، وَإِنْ وَجَبَ فَإِمَّا أَنْ يَجِبَ بِالْإِخْبَارِ الْأَوَّلِ فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ أَوْ بِقَوْلٍ آخَرَ فَنَتَكَلَّمُ فِيهِ فَيَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ، وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ تَعَيَّنَ الْأَوَّلُ، وَهُوَ كَوْنُ وُجُوبِ تَصْدِيقِ شَيْءٍ مِنْ إخْبَارَاتِهِ عَقْلِيًّا فَقَوْلُهُ. (وَإِلَّا) أَيْ، وَإِنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ عَلَى الشَّرْعِ (كَانَ ــ [التلويح] وَتَعْدِيلِ الْأَسْجَاعِ، وَتَكْثِيرِ الْإِقْرَاعِ فَلَعَلَّهُ عِنْدَ الْأَشْعَرِيِّ كَصَرِيرِ بَابٍ أَوْ كَطَنِينِ ذُبَابٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ،. (قَوْلُهُ فِي وَرَائِهِ) الصَّوَابُ مِنْ وَرَائِهِ (قَوْلُهُ وَعِنْدَ بَعْضِ أَصْحَابِنَا) تَمَسُّكٌ عَلَى كَوْنِ حُسْنِ بَعْضِ الْأَفْعَالِ، وَقُبْحِهِ عَقْلِيَّيْنِ بِوَجْهَيْنِ حَاصِلُ الْأَوَّلِ أَنَّ تَصْدِيقَ أَوْ إخْبَارَاتِ مَنْ ثَبَتَتْ نُبُوَّتُهُ وَاجِبٌ عَقْلًا، وَكُلُّ وَاجِبٍ عَقْلًا فَهُوَ حَسَنٌ عَقْلًا أَمَّا الصُّغْرَى فَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ شَرْعًا لَتَوَقَّفَ عَلَى نَصٍّ آخَرَ يُوجِبُ تَصْدِيقَهُ فَالنَّصُّ الثَّانِي إنْ كَانَ وُجُوبُ تَصْدِيقِهِ بِنَفْسِهِ لَزِمَ تَوَقُّفُ الشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ بِالنَّصِّ الْأَوَّلِ لَزِمَ الدَّوْرُ، وَإِنْ كَانَ بِنَصٍّ ثَالِثٍ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، وَأَمَّا الْكُبْرَى فَلِأَنَّ الْوَاجِبَ عَقْلًا أَخَصُّ مِنْ الْحَسَنِ عَقْلًا عَلَى مَا سَبَقَ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ تَرْكُ التَّصْدِيقِ حَرَامًا عَقْلًا فَيَكُونُ قَبِيحًا عَقْلًا، وَحَاصِلُ الثَّانِي أَنَّ وُجُوبَ تَصْدِيقِ النَّبِيِّ مَوْقُوفٌ عَلَى حُرْمَةِ كَذِبِهِ إذْ لَوْ جَازَ كَذِبُهُ لَمَا وَجَبَ تَصْدِيقُهُ، وَحُرْمَةُ كَذِبِهِ عَقْلِيَّةٌ إذْ لَوْ كَانَتْ شَرْعِيَّةً لَتَوَقَّفَ عَلَى نَصٍّ آخَرَ، وَهُوَ أَيْضًا مَبْنِيٌّ عَلَى حُرْمَةِ كَذِبِهِ فَأَمَّا أَنْ يَثْبُتَ بِذَلِكَ النَّصِّ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ بِالْأَوَّلِ فَيَدُورُ أَوْ بِثَالِثٍ فَيَتَسَلْسَلُ، وَالْحُرْمَةُ الْعَقْلِيَّةُ تَسْتَلْزِمُ الْقُبْحَ الْعَقْلِيَّ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ صِدْقُهُ وَاجِبًا عَقْلًا. وَالْجَوَابُ

стр. 364

وَاجِبًا عَقْلًا فَيَكُونُ حَسَنًا عَقْلًا) ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ الْعَقْلِيَّ مَا يُحْمَدُ عَلَى فِعْلِهِ، وَيُذَمُّ عَلَى تَرْكِهِ عَقْلًا، وَالْحَسَنُ الْعَقْلِيُّ مَا يُحْمَدُ عَلَى فِعْلِهِ عَقْلًا فَالْوَاجِبُ الْعَقْلِيُّ أَخَصُّ مِنْ الْحَسَنِ الْعَقْلِيِّ (وَكَذَلِكَ) نَقُولُ فِي امْتِثَالِ أَوَامِرِهِ إنَّهُ إمَّا وَاجِبٌ عَقْلًا إلَخْ هَذَا الدَّلِيلُ لِإِثْبَاتِ الْعَقْلِيِّ صَرِيحًا، وَقَوْلُهُ (وَأَيْضًا وُجُوبُ تَصْدِيقِ النَّبِيِّ ﵇ مَوْقُوفٌ عَلَى حُرْمَةِ الْكَذِبِ فَهِيَ إنْ ثَبَتَتْ شَرْعًا يَلْزَمُ الدَّوْرِ وَإِنْ ثَبَتَتْ عَقْلًا يَلْزَمُ قُبْحُهَا عَقْلًا) هَذَا يَدُلُّ عَلَى الْقُبْحِ الْعَقْلِيِّ صَرِيحًا، وَكُلٌّ مِنْهُمَا يَدُلُّ عَلَى الْآخَرِ الْتِزَامًا؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الشَّيْءُ وَاجِبًا عَقْلًا يَكُونُ تَرْكُهُ قَبِيحًا عَقْلًا، وَإِنْ كَانَ الشَّيْءُ حَرَامًا عَقْلًا فَتَرْكُهُ يَكُونُ وَاجِبًا فَيَكُونُ حَسَنًا عَقْلًا (ثُمَّ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ: الْعَقْلُ حَاكِمٌ بِالْحُسْنِ، وَالْقُبْحُ مُوجِبٌ لِلْعِلْمِ بِهِمَا وَعِنْدَنَا: الْحَاكِمُ بِهِمَا هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَالْعَقْلُ آلَةٌ لِلْعِلْمِ بِهِمَا فَيَخْلُقُ اللَّهُ الْعِلْمَ عَقِيبَ نَظَرِ الْعَقْلِ نَظَرًا صَحِيحًا) لَمَّا أَثْبَتْنَا الْحُسْنَ، وَالْقُبْحَ الْعَقْلِيَّيْنِ، وَفِي هَذَا الْقَدْرِ لَا خِلَافَ بَيْنَنَا، وَبَيْنَ الْمُعْتَزِلَةِ أَرَدْنَا أَنْ نَذْكُرَ بَعْدَ ذَلِكَ الْخِلَافَ بَيْنَنَا، وَبَيْنَهُمْ، وَذَلِكَ فِي أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْعَقْلَ عَنْدَهُمْ حَاكِمٌ مُطْلَقٌ بِالْحُسْنِ، وَالْقُبْحِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَعَلَى الْعِبَادِ أَمَّا عَلَى اللَّهِ فَلِأَنَّ الْأَصْلَحَ لِلْعِبَادِ وَاجِبٌ عَلَى اللَّهِ بِالْعَقْلِ فَيَكُونُ تَرْكُهُ حَرَامًا عَلَى اللَّهِ ــ [التلويح] أَنَّ وُجُوبَ التَّصْدِيقِ، وَحُرْمَةَ الْكَذِبِ بِمَعْنَى جَزْمِ الْعَقْلِ بِأَنَّ صِدْقَهُ ثَابِتٌ قَطْعًا، وَكَذِبُهُ مُمْتَنِعٌ لِمَا قَامَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْأَدِلَّةِ الْقَطْعِيَّةِ مِمَّا لَا نِزَاعَ فِي كَوْنِهِ عَقْلِيًّا كَالتَّصْدِيقِ بِوُجُودِ الصَّانِعِ بِمَعْنَى اسْتِحْقَاقِ الثَّوَابِ أَوْ الْعِقَابِ فِي الْآجِلِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ثَابِتًا بِنَصِّ الشَّارِعِ عَلَى دَلِيلِهِ، وَهُوَ دَعْوَى النُّبُوَّةِ، وَإِظْهَارُ الْمُعْجِزَةِ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ نَصٍّ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ تَصْدِيقُ كُلِّ مَا أَخْبَرَ بِهِ، وَيَحْرُمُ كَذِبُهُ أَوْ بِحُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى الْقَدِيمِ بِوُجُوبِ طَاعَةِ الرَّسُولِ ﵇ غَايَةُ مَا فِي الْبَابِ أَنَّ ظُهُورَهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى تَكَلُّمِ النَّبِيِّ ﵊ بَعْدَ مَا ثَبَتَ صِدْقُهُ بِالدَّلِيلِ الْقَطْعِيِّ. (قَوْلُهُ: وَكَذَلِكَ) امْتِثَالُ أَوَامِرِ النَّبِيِّ ﵇ إنْ وَجَبَ عَقْلًا فَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَإِنْ وَجَبَ شَرْعًا تَوَقَّفَ عَلَى أَمْرِ الشَّارِعِ، وَوُجُوبُ امْتِثَالِ الْأَمْرِ بِالِامْتِثَالِ إنْ كَانَ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ دَارَ، وَإِلَّا تَسَلْسَلَ، وَالْجَوَابُ أَنَّ الْوُجُوبَ بِمَعْنَى اللُّزُومِ الْعَقْلِيِّ ثَابِتٌ بِالْأَدِلَّةِ الْقَطْعِيَّةِ، وَبِمَعْنَى اسْتِحْقَاقِ الثَّوَابِ عَلَى الْفِعْلِ، وَالْعِقَابِ عَلَى التَّرْكِ ثَابِتٌ بِنَصِّ الشَّارِعِ عَلَى دَلِيلِهِ كَمَا مَرَّ، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩] بَعْدَ مَا عُلِمَ وُجُوبُ الِامْتِثَالِ بِمَعْنَى اللُّزُومِ الْعَقْلِيِّ الَّذِي هُوَ غَيْرُ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ كَمَا عُلِمَ لُزُومُ تَصْدِيقِ مَا قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ الْقَطْعِيَّةُ مِنْ الْمَسْأَلَةِ الْهَنْدَسِيَّةِ، ثُمَّ اسْتِحْقَاقُ الثَّوَابِ، وَالْعِقَابِ أَمْرٌ آخَرُ يَثْبُتُ بِحُكْمِ الشَّارِعِ فِي الشَّرْعِيَّاتِ، وَلَا يَثْبُتُ فِي الْهَنْدَسِيَّاتِ. (قَوْلُهُ فَلِأَنَّ الْأَصْلَحَ وَاجِبٌ) لَا خَفَاءَ فِي أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلْوُجُوبِ عَلَيْهِ بِمَعْنَى الثَّوَابِ عَلَى الْفِعْلِ، وَالْعِقَابِ عَلَى التَّرْكِ فَلَا يُتَصَوَّرُ الْحُسْنُ، وَالْقُبْحُ بِالْمَعْنَى الْمُتَنَازَعِ فِيهِ فَإِنْ

стр. 365

وَالْحُكْمُ بِالْوُجُوبِ، وَالْحُرْمَةِ يَكُونُ حُكْمًا بِالْحُسْنِ، وَالْقُبْحِ ضَرُورَةً، وَأَمَّا عَلَى الْعِبَادِ فَلِأَنَّ الْعَقْلَ عِنْدَهُمْ يُوجِبُ الْأَفْعَالَ عَلَيْهِمْ، وَيُبِيحُهَا، وَيُحَرِّمُهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْكُمَ اللَّهُ فِيهَا بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَعِنْدَنَا الْحَاكِمُ بِالْحُسْنِ، وَالْقُبْحِ هُوَ اللَّهُ، وَهُوَ مُتَعَالٍ عَنْ أَنْ يَحْكُمَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَعَنْ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَهُوَ خَالِقُ أَفْعَالٍ الْعِبَادِ عَلَى مَا مَرَّ جَاعِلٌ بَعْضَهَا حَسَنًا، وَبَعْضَهَا قَبِيحًا، وَلَهُ فِي كُلِّ قَضِيَّةٍ كُلِّيَّةٍ أَوْ جُزْئِيَّةٍ حُكْمٌ مُعَيَّنٌ، وَقَضَاءٌ مُبِينٌ، وَإِحَاطَةٌ بِظَوَاهِرِهَا، وَبَوَاطِنهَا، وَقَدْ وَضَعَ فِيهَا مَا وَضَعَ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، وَمِنْ نَفْعٍ أَوْ ضُرٍّ، وَمِنْ حُسْنٍ أَوْ قُبْحٍ، وَثَانِيهِمَا أَنَّ الْعَقْلَ عِنْدَهُمْ مُوجِبٌ لِلْعِلْمِ بِالْحَسَنِ، وَالْقَبِيحِ بِطَرِيقِ التَّوْلِيدِ بِأَنْ يُوَلِّدَ الْعَقْلُ الْعِلْمَ بِالنَّتِيجَةِ عَقِيبَ النَّظَرِ الصَّحِيحِ، وَعِنْدَنَا الْعَقْلُ آلَةٌ لِمَعْرِفَةِ بَعْضٍ مِنْ ذَلِكَ إذْ كَثِيرٌ مِمَّا يَحْكُمُ اللَّهُ بِحُسْنِهِ أَوْ قُبْحِهِ لَمْ يَطَّلِعْ الْعَقْلُ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ بَلْ مَعْرِفَتُهُ مَوْقُوفَةٌ عَلَى تَبْلِيغِ الرُّسُلِ لَكِنَّ الْبَعْضَ مِنْهُ قَدْ أَوْقَفَ اللَّهُ الْعَقْلَ عَلَيْهِ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُوَلِّدٍ لِلْعِلْمِ بَلْ أَجَرَى عَادَتَهُ أَنَّهُ خَلَقَ بَعْضَهُ مِنْ غَيْرِ كَسْبٍ، وَبَعْضَهُ بَعْدَ الْكَسْبِ أَيْ تَرْتِيبُ الْعَقْلِ الْمُقَدِّمَاتِ الْمَعْلُومَةِ تَرْتِيبًا صَحِيحًا عَلَى مَا مَرَّ أَنَّهُ لَيْسَ لَنَا قُدْرَةُ إيجَادِ الْمَوْجُودَاتِ، وَتَرْتِيبُ الْمَوْجُودَاتِ لَيْسَ بِإِيجَادٍ (وَالْمَأْمُورُ بِهِ فِي صِفَةِ الْحُسْنِ نَوْعَانِ ــ [التلويح] قُلْت: فَمَا مَعْنَى الْخِلَافِ فِي أَنَّهُ هَلْ يَجِبُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى شَيْءٌ أَمْ لَا؟ . قُلْت: مَعْنَاهُ أَنَّهُ هَلْ يَكُونُ بَعْضُ الْأَفْعَالِ الْمُمْكِنَةِ فِي نَفْسِهَا بِحَيْثُ يَحْكُمُ الْعَقْلُ بِامْتِنَاعِ صُدُورِهِ أَوْ لَا صُدُورِهِ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى كَرِعَايَةِ مَا هُوَ أَصْلَحُ لِعِبَادِهِ، وَكَقَبُولِ الشَّفَاعَةِ، وَإِخْرَاجِ الْفَاسِقِ عَنْ النَّارِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. (قَوْلُهُ: وَعِنْدَنَا الْحَاكِمُ بِالْحُسْنِ، وَالْقُبْحِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى) لَا يُقَالُ: هَذَا مَذْهَبُ الْأَشَاعِرَةِ بِعَيْنِهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْفَرْقُ هُوَ أَنَّ الْحُسْنَ، وَالْقُبْحَ عِنْدَ الْأَشَاعِرَةِ، لَا يُعْرَفَانِ إلَّا بَعْدَ كِتَابٍ، وَنَبِيٍّ، وَعَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ قَدْ يَعْرِفُهُمَا الْعَقْلُ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى عِلْمًا ضَرُورِيًّا فَبِهِمَا إمَّا بِلَا كَسْبٍ كَحُسْنِ تَصْدِيقِ النَّبِيِّ ﵊، وَقُبْحِ الْكَذِبِ الضَّارِّ، وَإِمَّا مَعَ كَسْبٍ كَالْحُسْنِ، وَالْقُبْحِ الْمُسْتَفَادَيْنِ مِنْ النَّظَرِ فِي الْأَدِلَّةِ، وَتَرْتِيبِ الْمُقَدِّمَاتِ، وَقَدْ لَا يُعْرَفَانِ إلَّا بِالنَّبِيِّ، وَالْكِتَابِ كَأَكْثَرِ أَحْكَامِ الشَّرْعِ. (قَوْلُهُ بِطَرِيقِ التَّوْلِيدِ) هُوَ أَنْ يَحْصُلَ الْفِعْلُ عَنْ فَاعِلِهِ بِتَوَسُّطِ فِعْلٍ آخَرَ كَحَرَكَةِ الْمِفْتَاحِ، وَالْمُبَاشَرَةُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِدُونِ تَوَسُّطِ فِعْلٍ آخَرَ كَحَرَكَةِ الْيَدِ، وَلَا تَوْلِيدَ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ لِاسْتِنَادِ الْأَفْعَالِ كُلِّهَا إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِلَا وَاسِطَةٍ بِمَعْنَى خَالِقِهَا، وَمُوجِدِهَا فَحُصُولُ الْعِلْمِ عَقِيبَ النَّظَرِ الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ يَكُونُ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى عَادَةً بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ لَا يَحْصُلَ، وَالْعَادَةُ هُوَ تَكَرُّرُ الْفِعْلِ أَوْ وُقُوعُهُ دَائِمِيًّا أَوْ أَكْثَرِيًّا، وَعِنْدَ الْحُكَمَاءِ بِطَرِيقِ الْوُجُوبِ بِمَعْنَى أَنَّ النَّظَرَ الصَّحِيحَ بَعْدَ الذِّهْنِ لِفَيَضَانِ النَّتِيجَةِ عَلَيْهِ فَيَجِبُ حُصُولُهَا ضَرُورَةَ تَمَامِ الْقَابِلِ، وَالْفَاعِلِ، وَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ بِطَرِيقِ التَّوْلِيدِ بِمَعْنَى أَنَّ الْعَقْلَ يُوَلِّدُ الْعِلْمَ

стр. 366

حُسْنٌ لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ، وَحُسْنٌ لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ) لَمَّا ثَبَتَ أَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ يُعْرَفَانِ عَقْلًا عُلِمَ أَنَّهُمَا لَيْسَا بِمُجَرَّدِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ بَلْ إنَّمَا يَحْسُنُ الْفِعْلُ أَوْ يَقْبُحُ إمَّا لِعَيْنِهِ أَوْ لِشَيْءٍ آخَرَ، ثُمَّ ذَلِكَ الشَّيْءُ حَسَنٌ لِعَيْنِهِ أَوْ قَبِيحٌ لِعَيْنِهِ قَطْعًا لِلتَّسَلْسُلِ، وَهُوَ إمَّا أَنْ يَكُونَ جُزْءَ ذَلِكَ الْفِعْلِ أَوْ خَارِجًا عَنْهُ، وَالْجُزْءُ إمَّا صَادِقٌ عَلَى الْكُلِّ كَالْعِبَادَةِ تَصْدُقُ عَلَى الصَّلَاةِ، وَالصَّلَاةُ عِبَادَةٌ مَعَ خُصُوصِيَّةٍ، فَالْعَادَةُ جُزْؤُهَا أَوْ لَمْ تَصْدُقْ كَالْأَجْزَاءِ الْخَارِجِيَّةِ كَالسُّجُودِ لَا يَصْدُقُ عَلَى الصَّلَاةِ، وَ الْحَسَنُ لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ يَعُمُّ الْحَسَنَ لِعَيْنِهِ وَالْحَسَنَ لِجُزْئِهِ، وَيَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الْحَسَنَ بِاعْتِبَارِ الْجُزْءِ إنَّمَا يَكُونُ حَسَنًا إذَا كَانَ جَمِيعُ أَجْزَائِهِ حَسَنًا بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ جُزْءٌ وَاحِدٌ مِنْهُ قَبِيحًا لِعَيْنِهِ، إذْ لَوْ كَانَ لَا يَكُونُ الْمَجْمُوعُ حَسَنًا، ثُمَّ الْخَارِجُ إمَّا أَنْ يَكُونَ صَادِقًا عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ نَحْوُ: الْجِهَادُ إعْلَاءُ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَالْجِهَادُ حَسَنٌ لِكَوْنِهِ إعْلَاءً، وَالْإِعْلَاءُ خَارِجٌ عَنْ مَفْهُومِ الْجِهَادِ، وَإِمَّا أَنْ لَا يَكُونَ صَادِقًا كَالْوُضُوءِ حَسَنٌ لِلصَّلَاةِ، وَالصَّلَاةُ لَا تَصْدُقُ عَلَى الْوُضُوءِ فَثَبَتَ أَنَّ الْحَسَنَ يَنْقَسِمُ إلَى هَذِهِ الْأَقْسَامِ، وَكَذَا الْقَبِيحُ لَكِنَّ أَمْثِلَةَ هَذَا سَتَأْتِي فِي فَصْلِ النَّهْيِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَإِنَّمَا أُطْلِقَ الْحَسَنُ لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ عَلَى الْحَسَنِ لِعَيْنِهِ إمَّا اصْطِلَاحًا وَلَا مُشَاحَّةَ فِي الِاصْطِلَاحَاتِ أَوْ؛ لِأَنَّ الْحَسَنَ لِعَيْنِهِ هُوَ الْفِعْلُ الْمُطْلَقُ كَالْعِبَادَةِ ــ [التلويح] وَيُوجِبُهُ بِوَاسِطَةِ تَرْتِيبِ الْمُقَدِّمَاتِ عَلَى مَا تَقَرَّرَ عِنْدَهُمْ مِنْ اسْتِنَادِ بَعْضِ الْحَوَادِثِ إلَى غَيْرِ الْبَارِي تَعَالَى، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ النَّظَرَ الصَّحِيحَ هُوَ الَّذِي يُوَلِّدُ النَّتِيجَةَ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ أَقْرَبُ، وَأَنْسَبُ بِتَفْسِيرِهِمْ التَّوْلِيدَ بِإِيجَادِ الْفَاعِلِ فِعْلًا بِتَوَسُّطِ فِعْلٍ آخَرَ. (قَوْلُهُ: ثُمَّ ذَلِكَ الشَّيْءُ) لَفْظُهُ ثُمَّ أَشَارَ أَنَّ الشَّيْءَ الَّذِي لِأَجْلِهِ يَحْسُنُ الْفِعْلُ أَوْ يَقْبُحُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِالْآخِرَةِ حَسَنًا لِعَيْنِهِ أَوْ قَبِيحًا لِعَيْنِهِ إذْ لَوْ تَوَقَّفَ حُسْنُ كُلِّ شَيْءٍ عَلَى حُسْنِ شَيْءٍ آخَرَ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ بِمَعْنَى وُجُودِ أَشْيَاءَ غَيْرِ مُتَنَاهِيَةٍ نَظَرًا إلَى غَيْرِ الْأَشْيَاءِ، وَبِمَعْنَى تَرْتِيبِ أُمُورٍ غَيْرِ مُتَنَاهِيَةٍ نَظَرًا إلَى وَصْفِ الْحُسْنِ [الْمَأْمُورُ بِهِ فِي صِفَةِ الْحُسْنِ نَوْعَانِ] [الْحُسْنُ لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ] (قَوْلُهُ: وَيَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ) الْمُرَكَّبُ الْمُشْتَمِلُ عَلَى حُسْنٍ أَوْ قُبْحٍ إمَّا أَنْ يَكُونَ حَسَنًا بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ أَوْ بِبَعْضِهَا مَعَ قُبْحِ الْبَعْضِ الْآخَرِ أَوْ بِدُونِهِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَبِيحًا بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ أَوْ بِبَعْضِهَا مَعَ حُسْنِ الْبَعْضِ الْآخَرِ أَوْ بِدُونِهِ فَالْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - خَصَّ الْحَسَنَ بِاعْتِبَارِ جُزْئِهِ بِالْقِسْمِ الْأَوَّلِ أَعْنِي مَا يَكُونُ حَسَنًا بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ ثُمَّ فَسَّرَهُ بِمَا يَشْمَلُ الْقِسْمَ الثَّالِثَ أَيْضًا أَعْنِي مَا يَكُونُ بَعْضُ أَجْزَائِهِ حَسَنًا وَبَعْضُهَا لَا حَسَنًا وَلَا قَبِيحًا فَصَارَ الْحَاصِلُ أَنَّ الْحَسَنَ بِاعْتِبَارِ جُزْئِهِ مَا لَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنْ أَجْزَائِهِ قَبِيحًا لِعَيْنِهِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِجَانِبِ الْقُبْحِ، وَالظَّاهِرُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ أَجْزَائِهِ حَسَنًا وَبَعْضُهَا قَبِيحًا يُجْعَلُ مِنْ قِسْمِ الْقَبِيحِ تَغَلُّبًا لِجَانِبِ الْقُبْحِ وَالْحُرْمَةِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ إذَا كَانَ الشَّيْءُ حَسَنًا بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ كَانَ حَسَنًا لِعَيْنِهِ، وَجَعْلُهُ

стр. 367

مَثَلًا، وَهُوَ لَا يُوجَدُ فِي ضِمْنِ جُزْئِيَّاتِهِ إلَّا الْمَوْجُودَةِ، وَبَحْثُنَا فِي تِلْكَ الْجُزْئِيَّاتِ الْمَعْلُومِ وُجُودُهَا حِسًّا، وَهِيَ لَا تَكُونُ إلَّا حَسَنَةً لِمَعْنًى فِي نَفْسِهَا أَوْ حَسَنَةً لِغَيْرِهَا، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْجُزْءِ الصَّادِقِ وَبَيْنَ الْخَارِجِ الصَّادِقِ أَنَّ مَا يَكُونُ مَفْهُومُ الْفِعْلِ مُتَوَقِّفًا عَلَيْهِ فَهُوَ الْجُزْءُ، وَمَا لَيْسَ كَذَلِكَ فَهُوَ الْخَارِجُ كَالصَّلَاةِ مَثَلًا، فَإِنَّ مَفْهُومَهَا الشَّرْعِيَّ إنَّمَا هُوَ عِبَادَةٌ مَخْصُوصَةٌ بِالْخُصُوصِيَّاتِ الْمَعْلُومَةِ فَمَفْهُومُهَا مُتَوَقِّفٌ عَلَى الْعِبَادَةِ، وَأَمَّا الْجِهَادُ فَمَفْهُومُهُ الْقَتْلُ، وَالضَّرْبُ، وَالنَّهْبُ مَعَ الْكُفَّارِ، وَلَيْسَ إعْلَاءُ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى دَاخِلًا فِي هَذَا الْمَفْهُومِ بَلْ يَلْزَمُ ذَلِكَ فِي الْخَارِجِ فَيَكُونُ لَازِمًا لَا جُزْءًا، وَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ الْمَشْهُورُ بَيْنَ الذَّاتِيِّ وَالْعَرَضِيِّ، إذَا عَرَفْت هَذَا عَلِمْت بُطْلَانَ قَوْلِ مَنْ أَنْكَرَ كَوْنَ الْفِعْلِ حَسَنًا أَوْ قَبِيحًا لِذَاتِهِ بِأَنْ قَالَ: قَدْ يَخْتَلِفُ حُسْنُ الْفِعْلِ وَقُبْحُهُ بِاعْتِبَارِ الْإِضَافَةِ فَلَا يَكُونُ حَسَنًا لِذَاتِهِ أَوْ قَبِيحًا لِذَاتِهِ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ بِالْإِضَافَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى مَا ذُكِرَ؛ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ دَاخِلَةٌ فِي ذَاتِ ذَلِكَ الْفِعْلِ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ مِنْ الْأَعْرَاضِ النِّسْبِيَّةِ، وَالْأَعْرَاضُ النِّسْبِيَّةُ تَتَقَوَّمُ بِالنِّسَبِ، وَالْإِضَافَاتِ، فَالْإِضَافَاتُ الْمُخْتَلِفَةُ فُصُولٌ مُقَوِّمَةٌ لَهَا فَقَوْلُنَا شُكْرُ الْمُنْعِمِ حَسَنٌ لِذَاتِهِ مَعْنَاهُ أَنَّ ــ [التلويح] حَسَنًا بِاعْتِبَارِ الْجُزْءِ إنَّمَا هُوَ مُجَرَّدُ اصْطِلَاحٍ. (قَوْلُهُ: وَكَذَا الْقَبِيحُ) يَنْقَسِمُ خَمْسَةَ أَقْسَامٍ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ قَبِيحًا لِذَاتِهِ أَوْ لَا، وَالثَّانِي إمَّا أَنْ يَكُونَ قَبِيحًا لِجُزْئِهِ أَوْ لِأَمْرٍ خَارِجٍ عَنْهُ وَكُلٌّ مِنْ الْجُزْءِ وَالْخَارِجِ إمَّا مَحْمُولٌ أَوْ غَيْرُ مَحْمُولٍ، وَمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ الْحُسْنَ أَوْ الْقُبْحَ يَكُونُ لِذَاتِهِ أَوْ لِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي بَعْضِ الْأَفْعَالِ فَلَا يُنَافِي ثُبُوتَهُ فِي بَعْضِ الْأَفْعَالِ بِاعْتِبَارِ أَمْرٍ خَارِجٍ غَيْرِ مَحْمُولٍ كَالصَّلَاةِ لِلْوُضُوءِ. (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا أُطْلِقَ) لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ الْحَسَنَ بِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ يَعُمُّ الْحَسَنَ لِعَيْنِهِ وَالْحَسَنَ لِجُزْئِهِ وَرَدَّ عَلَيْهِ أَنَّ هَذَا إنَّمَا يَصِحُّ فِي الْحَسَنِ لِجُزْئِهِ ضَرُورَةً، أَيْ: جُزْءُ الشَّيْءِ مَعْنًى كَائِنٌ فِيهِ، وَلَا يَصِحُّ فِي الْحَسَنِ لِعَيْنِهِ إذَا لَيْسَ ذَاتُ الشَّيْءِ مَعْنًى فِيهِ، فَأَجَابَ أَوَّلًا بِأَنَّهُ مُجَرَّدُ اصْطِلَاحٍ، وَكَأَنَّهُ تَغَلَّبَ بِاعْتِبَارِ أَنَّ عَامَّةَ الْأَشْيَاءِ يَكُونُ حُسْنُهَا بِاعْتِبَارِ الْأَجْزَاءِ، وَثَانِيًا بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْأَفْعَالِ الْمَوْجُودَةِ الصَّادِرَةِ عَنْ فَاعِلِهَا، وَهِيَ لَا مَحَالَةَ تَكُونُ جُزْئِيَّاتٍ مُشَخِّصَةً مُرَكَّبَةً مِنْ التَّشَخُّصِ، وَمِنْ الْمَعْنَى الْكُلِّيِّ الْحَسَنِ لِذَاتِهِ كَالْعِبَادَةِ مَثَلًا، فَبِالنَّظَرِ إلَى هَذَا الْمُرَكَّبِ الِاعْتِبَارِيِّ يَكُونُ الْحُسْنُ رَاجِعًا إلَى جُزْئِهِ الَّذِي هُوَ الْمَعْنَى الْكُلِّيُّ، وَالْمَذْكُورُ فِي كُتُبِ الْقَوْمِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَسَنِ لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ يَتَّصِفُ بِالْحُسْنِ بِاعْتِبَارِ حُسْنٍ ثَبَتَ فِي ذَاتِهِ سَوَاءٌ كَانَ لِعَيْنِهِ أَوْ لِجُزْئِهِ بِخِلَافِ الْحَسَنِ لِغَيْرِهِ فَإِنَّهُ يَتَّصِفُ بِحُسْنٍ ثَبَتَ فِي غَيْرِهِ، وَهَذَا قَرِيبٌ مِمَّا يُقَالُ إنَّ الدَّارَ حَسَنَةٌ فِي نَفْسِهَا أَيْ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْأُمُورِ الْخَارِجَةِ عَنْهَا. (قَوْلُهُ: وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْجُزْءِ) قَدْ اسْتَدَلَّ نُفَاةُ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ الْعَقْلِيَّيْنِ بِأَنَّهُ لَوْ حَسُنَ الْفِعْلُ أَوْ قَبُحَ لِذَاتِهِ لَمَا اخْتَلَفَ بِأَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ حَسَنًا تَارَةً وَقَبِيحًا أُخْرَى لِأَنَّ مَا بِالذَّاتِ يَدُومُ بِدَوَامِ الذَّاتِ

стр. 368

الشُّكْرَ الْمُضَافَ إلَى الْمُنْعِمِ حَسَنٌ لَا أَنَّ ذَاتَ الشُّكْرِ مِنْ غَيْرِ إضَافَةٍ حَسَنٌ. (أَمَّا الْأَوَّلُ فَإِمَّا أَنْ لَا يَقْبَلَ سُقُوطَ التَّكْلِيفِ كَالتَّصْدِيقِ، وَإِمَّا أَنْ يَقْبَلَ كَالْإِقْرَارِ بِاللِّسَانِ يَسْقُطُ حَالَ الْإِكْرَاهِ، وَالتَّصْدِيقُ هُوَ الْأَصْلُ، وَالْإِقْرَارُ مُلْحَقٌ بِهِ؛ لِأَنَّهُ دَالٌّ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ مُرَكَّبٌ مِنْ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ فَلَا تَتِمُّ صِفَةٌ إلَّا بِأَنْ تَظْهَرَ مِنْ الْبَاطِنِ إلَى الظَّاهِرِ بِالْكَلَامِ الَّذِي هُوَ أَدَلُّ عَلَى الْبَاطِنِ وَلَا كَذَلِكَ سَائِرُ الْأَفْعَالِ) إنَّمَا قَالَ هَذَا لِلْفَرْقِ بَيْنَ الْإِقْرَارِ وَعَمَلِ الْأَرْكَانِ، فَإِنَّ الْإِقْرَارَ نَجْعَلُهُ دَاخِلًا فِي الْإِيمَانِ، وَلَا نَجْعَلُ عَمَلَ الْأَرْكَانِ دَاخِلًا فِيهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَنْقُولَ مِنْ عُلَمَائِنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ التَّصْدِيقُ ــ [التلويح] وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ لِأَنَّ شُكْرَ الْمُنْعِمِ حَسَنٌ بِخِلَافِ غَيْرِهِ وَالْكَذِبُ قَبِيحٌ ثُمَّ يَحْسُنُ إذَا كَانَ فِيهِ عِصْمَةُ نَبِيٍّ مِنْ ظَالِمٍ، فَأَشَارَ إلَى جَوَابِهِ بِأَنَّ الْحَسَنَ أَوْ الْقَبِيحَ لِذَاتِهِ فِيمَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْإِضَافَاتِ هُوَ الْمَجْمُوعُ الْمُرَكَّبُ مِنْ الْفِعْلِ وَالْإِضَافَةِ فَالْفِعْلُ جِنْسٌ، وَالْإِضَافَاتُ فُصُولٌ مُقَوَّمَةٌ لِأَنْوَاعِهِ، وَالْحَسَنُ أَوْ الْقَبِيحُ لِذَاتِهِ هُوَ الْأَنْوَاعُ لَا الْجِنْسُ نَفْسُهُ. (قَوْلُهُ: أَمَّا الْأَوَّلُ) أَيْ الْمَأْمُورُ بِهِ الْحَسَنُ لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ: لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ شَبِيهًا بِالْحَسَنِ لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ أَوْ لَا، وَالثَّانِي إمَّا أَنْ يَقْبَلَ سُقُوطَ التَّكْلِيفِ بِهِ أَوْ لَا، وَإِنَّمَا جُعِلَ الشَّبِيهُ بِالْحَسَنِ بِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ مُقَابِلًا لِهَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ نَظَرًا إلَى أَنَّهُ لَا يَنْقَسِمُ إلَى مَا يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ وَمَا لَا يَحْتَمِلُهُ بَلْ كُلُّهُ يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ، وَقَدْ يُقَالُ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا يَكُونُ حُسْنُهُ لِكَوْنِهِ إتْيَانًا لِلْمَأْمُورِ بِهِ لَا لِذَاتِهِ وَلَا لِجُزْئِهِ، بِخِلَافِ الْأَوَّلَيْنِ وَلَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ لِأَنَّ الْإِتْيَانَ بِالْمَأْمُورِ بِهِ حَسَنٌ لِذَاتِهِ، وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ يَصِحُّ جَعْلُهُ مِنْ أَقْسَامِ الْحَسَنِ بِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ، ثُمَّ عِبَارَةُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ إمَّا أَنْ يَقْبَلَ سُقُوطَ هَذَا الْوَصْفِ أَوْ لَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْوَصْفَ إشَارَةٌ إلَى كَوْنِهِ حَسَنًا لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ، وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ السَّاقِطَ فِي حَالِ الْإِكْرَاهِ هُوَ وُجُوبُ الْإِقْرَارِ لَا حُسْنُهُ حَتَّى لَوْ صَبَرَ عَلَيْهِ حَتَّى قُتِلَ كَانَ مَأْجُورًا، فَلِذَا غَيَّرَهُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلَى سُقُوطِ التَّكْلِيفِ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا قِيلَ: إنَّ هَذَا الْوَصْفَ إشَارَةٌ إلَى كَوْنِهِ مَأْمُورًا بِهِ بِمَعْنَى أَمْرِ الْوُجُوبِ لَا يُقَالُ حُسْنُهُ كَانَ بِالْأَمْرِ فَيَسْقُطُ بِسُقُوطِهِ لَا مَحَالَةَ وَهُوَ لَا يُنَافِي كَوْنَهُ حَسَنًا بِاعْتِبَارِ أَمْرِ النَّدْبِ لِأَنَّا نَقُولُ هَذَا مَذْهَبُ الْأَشْعَرِيِّ، وَسَيُصَرِّحُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِنَفْيِهِ، وَعِنْدَنَا لَيْسَ الْحُسْنُ بِالْأَمْرِ بَلْ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ الْأَمْرُ بِالْفِعْلِ لِكَوْنِهِ حَسَنًا لِذَاتِهِ أَوْ لِجُزْئِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ. (قَوْلُهُ: وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَنْقُولَ) يَعْنِي ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّ الْإِقْرَارَ بِاللِّسَانِ لَيْسَ جُزْءًا مِنْ الْإِيمَانِ، وَلَا شَرْطَ لَهُ بَلْ هُوَ شَرْطٌ لِإِجْرَاءِ أَحْكَامِ الدُّنْيَا حَتَّى إنَّ مَنْ صَدَّقَ بِقَلْبِهِ وَلَمْ يُقِرَّ بِلِسَانِهِ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْ ذَلِكَ كَانَ مُؤْمِنًا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرَ مُؤْمِنٍ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا، كَمَا أَنَّ الْمُنَافِقَ لَمَّا وُجِدَ مِنْهُ

стр. 369

وَإِنَّمَا الْإِقْرَارُ لِإِجْرَاءِ الْأَحْكَامِ الدُّنْيَوِيَّةِ عَلَيْهِ، وَالثَّانِي أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ التَّصْدِيقُ وَالْإِقْرَارُ مَعًا. (فَمَنْ صَدَّقَ بِقَلْبِهِ وَتَرَكَ الْإِقْرَارَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا) اعْتِبَارُ الْجِهَةِ رُكْنِيَّةَ الْإِقْرَارِ فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ. (وَإِنْ صَدَّقَ وَلَمْ يُصَادِفْ وَقْتًا يُقِرُّ فِيهِ يَكُونُ مُؤْمِنًا) اعْتِبَارُ الْجِهَةِ التَّبَعِيَّةَ فِي حَالِ الِاضْطِرَارِ. (وَكَالصَّلَاةِ تَسْقُطُ بِالْعُذْرِ) وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: كَالْإِقْرَارِ ــ [التلويح] الْإِقْرَارُ دُونَ التَّصْدِيقِ كَانَ مُؤْمِنًا فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا كَافِرًا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَتَمَسَّكُوا عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ هُوَ التَّصْدِيقُ وَأَنَّهُ عَمَلُ الْقَلْبِ، وَبِأَنَّ مَنْ أَحْدَثَ الْإِيمَانَ يُوصَفُ بِهِ عَلَى التَّحْقِيقِ وَإِنْ انْقَضَى الْإِقْرَارُ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّ الْإِقْرَارَ جُزْءٌ مِنْ الْإِيمَانِ تَمَسُّكًا بِظَوَاهِرِ النُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى كَوْنِ كَلِمَةِ الشَّهَادَةِ مِنْ الْإِيمَانِ، وَبِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ بِهَا، وَيَكْتَفِي، وَيَجْعَلُهَا أَهَمَّ مِنْ الْأَعْمَالِ، إلَّا أَنَّ الْإِقْرَارَ جُزْءٌ لَهُ شَائِبَةُ الْعَرَضِيَّةِ وَالتَّبَعِيَّةِ، فَفِي حَالِ الِاخْتِيَارِ تُعْتَبَرُ جِهَةُ الْجُزْئِيَّةِ حَتَّى لَا يَكُونَ تَارِكُ الْإِقْرَارِ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْهُ مُؤْمِنًا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَفِي حَالِ الِاضْطِرَارِ تُعْتَبَرُ جِهَةُ الْعَرَضِيَّةِ وَالتَّبَعِيَّةِ حَتَّى يُحْكَمَ بِإِيمَانِ مَنْ صَدَّقَ وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ الْإِقْرَارِ، وَأَمَّا أَنَّ رُكْنَ الشَّيْءِ كَيْفَ يَسْقُطُ وَلَا يَسْقُطُ ذَلِكَ الشَّيْءُ فَيَجِيءُ جَوَابُهُ، وَلَقَدْ طَالَ النِّزَاعُ بَيْنَ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَبَيْنَ بَعْضِ مُعَاصِرِيهِ فِي تَفْسِيرِ التَّصْدِيقِ الْمُعْتَبَرِ فِي الْإِيمَانِ وَأَنَّهُ تَصْدِيقُ الَّذِي قَسَّمَ الْعِلْمَ إلَيْهِ وَإِلَى التَّصَوُّرِ فِي أَوَائِلِ الْمَنْطِقِ أَوْ غَيْرُهُ، وَيَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ مَعْنَاهُ هُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ بِالْفَارِسِيَّةِ كرويدن وَهُوَ الْمُرَادُ بِالتَّصْدِيقِ فِي الْمَنْطِقِ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ سِينَا، وَحَاصِلُهُ إذْعَانٌ وَقَبُولٌ لِوُقُوعِ النِّسْبَةِ أَوْ لَا وُقُوعَهَا وَتَسْمِيَتُهُ تَسْلِيمًا زِيَادَةُ تَوْضِيحٍ لِلْمَقْصُودِ وَجَعْلُهُ مُغَايِرًا لِلتَّصْدِيقِ الْمَنْطِقِيِّ وَهْمٌ وَحُصُولُهُ لِلْكُفَّارِ مَمْنُوعٌ، وَلَوْ سُلِّمَ فِي الْبَعْضِ يَكُونُ كُفْرُهُ بِاعْتِبَارِ جُحُودِهِ بِاللِّسَانِ وَاسْتِكْبَارِهِ عَنْ الْإِذْعَانِ وَعَدَمِ رِضَاهُ بِالْإِيمَانِ، وَكَثِيرٌ مِنْ الْمُصَدِّقِينَ الْمُقِرِّينَ يَكْفُرُ بِمَا يَصْدُرُ عَنْهُ مِنْ أَمَارَاتِ الْإِنْكَارِ وَعَلَامَاتِ الِاسْتِكْبَارِ، فَإِنْ قِيلَ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ التَّصْدِيقُ مِنْ الْكَيْفِيَّاتِ دُونَ الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ فَكَيْفَ يَصِحُّ الْأَمْرُ بِالْإِيمَانِ.؟ قُلْنَا بِاعْتِبَارِ اشْتِمَالِهِ عَلَى الْإِقْرَارِ وَعَلَى صَرْفِ الْقُوَّةِ وَتَرْتِيبِ الْمُقَدِّمَاتِ وَرَفْعِ الْمَوَانِعِ وَاسْتِعْمَالِ الْفِكْرِ فِي تَحْصِيلِ تِلْكَ الْكَيْفِيَّاتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ كَمَا يَصِحُّ الْأَمْرُ بِالْعِلْمِ وَالتَّيَقُّنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ التَّصْدِيقَ أَمْرٌ اخْتِيَارِيٌّ هُوَ نِسْبَةُ الصِّدْقِ إلَى الْمُخْبِرِ اخْتِيَارًا حَتَّى لَوْ وَقَعَ فِي الْقَلْبِ صِدْقُ الْمُخْبِرِ ضَرُورَةً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْسُبَهُ إلَيْهِ اخْتِيَارًا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَصْدِيقًا، وَنَحْنُ إذَا قَطَعْنَا النَّظَرَ عَنْ فِعْلِ اللِّسَانِ لَا نَفْهَمُ مِنْ نِسْبَةِ الصِّدْقِ إلَى الْمُتَكَلِّمِ إلَّا قَوْلٌ حُكْمُهُ الْإِذْعَانُ لَهُ، وَبِالْجُمْلَةِ الْمَعْنَى الَّذِي يُعَبَّرُ عَنْهُ فِي الْفَارِسِيَّةِ بكرويدن تَصْدِيقٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لِلْقَلْبِ اخْتِيَارٌ فِي نَفْسِ ذَلِكَ الْمَعْنَى، فَإِنْ

стр. 370

(وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ شَبِيهًا لِلْحَسَنِ لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ كَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ حُسْنُهَا بِالْغَيْرِ، وَهُوَ دَفْعُ حَاجَةِ الْفَقِيرِ وَقَهْرُ النَّفْسِ وَزِيَارَةُ الْبَيْتِ، لَكِنَّ الْفَقِيرَ وَالْبَيْتَ لَا يَسْتَحِقَّانِ هَذِهِ الْعِبَادَةَ، وَالنَّفْسُ مَجْبُولَةٌ عَلَى الْمَعْصِيَةِ فَلَا يَحْسُنُ قَهْرُهَا فَارْتَفَعَ الْوَسَائِطُ فَصَارَتْ تَعَبُّدًا ــ [التلويح] قِيلَ لِمَ جُعِلَ الْإِقْرَارُ الَّذِي هُوَ عَمَلُ اللِّسَانِ دَاخِلًا فِي الْإِيمَانِ بِخِلَافِ أَعْمَالِ سَائِرِ الْأَرْكَانِ فَجَوَابُهُ أَنَّ الْإِيمَانَ وَصْفٌ لِلْإِنْسَانِ الْمُرَكَّبِ مِنْ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ، وَالتَّصْدِيقُ عَمَلُ الرُّوحِ فَجُعِلَ عَمَلُ شَيْءٍ مِنْ الْجَسَدِ أَيْضًا دَاخِلًا فِيهِ تَحْقِيقًا لِكَمَالِ اتِّصَالِ الْإِنْسَانِ بِالْإِيمَانِ وَتَعَيَّنَ فِعْلُ اللِّسَانِ لِأَنَّهُ الْمُتَعَيِّنُ لِلْبَيَانِ، وَإِظْهَارِ مَا فِي الْبَاطِنِ بِحَسَبِ الْوَضْعِ، وَلِهَذَا جُعِلَ الْحَمْدُ الَّذِي هُوَ فِعْلُ اللِّسَانِ رَأْسَ الشُّكْرِ، وَفِي التَّمْثِيلِ بِالْإِيمَانِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ الْحَسَنَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَتَوَقَّفَ إدْرَاكُ الْفِعْلِ حُسْنَهُ عَلَى وُرُودِ الْأَمْرِ بِهِ أَوْ لَمْ يَتَوَقَّفْ، فَإِنَّ حُسْنَ الْإِيمَانِ ثَابِتٌ قَبْلَ الْأَمْرِ بِهِ مُدْرَكٌ بِالْعَقْلِ نَفْسِهِ. (قَوْلُهُ: كَالزَّكَاةِ) يُرِيدُ أَنَّ أَعْلَى دَرَجَاتِ الْحُسْنِ فِي التَّصْدِيقِ الَّذِي لَا يَسْقُطُ بِحَالٍ، ثُمَّ فِي الْإِقْرَارِ الَّذِي هُوَ رُكْنٌ مِنْ الْإِيمَانِ لَكِنَّهُ يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ، ثُمَّ فِي الصَّلَاةِ الَّتِي تَحْتَمِلُ السُّقُوطَ وَلَيْسَتْ بِرُكْنٍ لَكِنَّهَا حَسَنَةٌ لِعَيْنِهَا بِحَيْثُ لَا تُشْبِهُ الْحَسَنَ لِغَيْرِهِ، ثُمَّ الزَّكَاةُ وَالصَّوْمُ وَالْحَجُّ، فَإِنَّهَا مَعَ احْتِمَالِ سُقُوطِهَا وَعَدَمِ رُكْنِيَّتِهَا تُشْبِهُ الْحَسَنَ لِغَيْرِهِ، فَالصَّلَاةُ حَسَنَةٌ لِعَيْنِهَا لِكَوْنِهَا تَعْظِيمًا لِلْبَارِي وَشُكْرًا لِلْمُنْعِمِ وَعِبَادَةً لِمَنْ يَسْتَحِقُّهَا لَا يُقَالُ حُسْنُهَا بِوَاسِطَةِ اسْتِحْقَاقِ الْمَعْبُودِ الَّذِي لَا تَحْسُنُ لِغَيْرِهِ لِأَنَّا نَقُولُ هَذَا لَا يُنَافِي الْحُسْنَ لِعَيْنِهَا بَلْ يُؤَكِّدُهُ أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِيمَانَ بِاَللَّهِ تَعَالَى حَسَنٌ لِعَيْنِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ، وَالْكُفْرُ بِاَللَّهِ تَعَالَى قَبِيحٌ لِعَيْنِهِ وَبِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ حَسَنٌ لِعَيْنِهِ فَالْمُتَّصِفُ بِالْحُسْنِ هُوَ الْأَفْعَالُ الْمُضَافَةُ الَّتِي وَرَدَ الْأَمْرُ بِهَا إلَّا أَنَّ مِنْهَا مَا يَحْسُنُ بِالنَّظَرِ إلَى نَفْسِ الْفِعْلِ الْمُضَافِ كَالْإِيمَانِ وَالصَّلَاةِ الْمَأْمُورِ بِهِمَا، وَمِنْهَا مَا يَحْسُنُ لِغَيْرِهِ بِأَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ بِالْأَمْرِ هُوَ ذَلِكَ الْغَيْرُ لَا نَفْسُ الْفِعْلِ الْمُضَافِ كَالْوُضُوءِ وَالْجِهَادِ، وَأَمَّا الزَّكَاةُ وَالصَّوْمُ وَالْحَجُّ فَكُلٌّ مِنْهَا حَسَنٌ لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ لَكِنَّهُ يُشْبِهُ الْحَسَنَ بِالْغَيْرِ، وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ أَنَّهُ حَسَنٌ بِالْغَيْرِ إلَّا أَنَّهُ الِاعْتِبَارُ بِحُسْنِ ذَلِكَ الْغَيْرِ حَتَّى إنَّهُ فِي حُكْمِ الْعَدَمِ، فَصَارَ كُلٌّ مِنْهَا كَأَنَّهُ حَسَنٌ لَا بِوَاسِطَةِ أَمْرٍ فَجُعِلَ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ مِنْ قَبِيلِ الْحَسَنِ لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ فَهَاهُنَا مَقَامَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ هَذِهِ الْأَفْعَالَ لَيْسَتْ حَسَنَةً بِالنَّظَرِ إلَى نَفْسِهَا بَلْ بِوَاسِطَةِ أُمُورٍ يَعْرِفُ الْعَقْلُ أَنَّهَا الْمَطْلُوبَةُ بِالْأَمْرِ وَالْمُتَّصِفَةُ بِالْحُسْنِ، وَثَانِيهِمَا أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِهَذِهِ الْوَسَائِطِ، وَأَنَّهَا فِي حُكْمِ الْعَدَمِ حَتَّى كَانَ الْمَقْصُودَ بِالْأَمْرِ هُوَ نَفْسُ الْأَفْعَالِ الَّتِي وَرَدَ الْأَمْرُ بِهَا، أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الزَّكَاةَ فِي نَفْسِهَا تَنْقِيصٌ لِلْمَالِ إنَّمَا تَحْسُنُ بِوَاسِطَةِ حُسْنِ دَفْعِ حَاجَةِ الْفَقِيرِ، وَالصَّوْمُ فِي نَفْسِهِ إضْرَارٌ بِالنَّفْسِ وَمَنْعٌ لَهَا عَمَّا أَبَاحَ لَهَا مَالِكُهَا مِنْ النِّعَمِ، وَإِنَّمَا يَحْسُنُ بِوَاسِطَةِ حُسْنِ قَهْرِ

стр. 371

مَحْضًا لِلَّهِ تَعَالَى) يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّكُمْ إنْ أَرَدْتُمْ بِالْحَسَنِ لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ أَنْ يَكُونَ الْحُسْنُ لِذَاتِ الْفِعْلِ أَوْ لِجُزْئِهِ لَا تَكُونُ الزَّكَاةُ وَأَمْثَالُهَا مِنْ هَذَا الْقِسْمِ إذَا بَيَّنْتُمْ أَنَّ جِهَةَ حُسْنِهَا لِمَعْنًى فِي نَفْسِهَا كَوْنُهَا تَعَبُّدًا مَحْضًا لِلَّهِ تَعَالَى فَيَكُونُ عَيْنُهَا حَسَنًا لِكَوْنِهَا مَأْمُورًا بِهَا لَا لِذَاتِهَا وَلَا لِجُزْئِهَا، وَإِنْ أَرَدْتُمْ بِالْحَسَنِ لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ كَوْنَ الْفِعْلِ مَأْمُورًا بِهِ فَهَذَا عَيْنُ مَذْهَبِ الْأَشْعَرِيِّ ــ [التلويح] النَّفْسِ الْأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ الَّتِي هِيَ أَعْدَى أَعْدَاءِ الْإِنْسَانِ زَجْرًا لَهَا عَنْ ارْتِكَابِ الْمَنْهِيَّاتِ وَاتِّبَاعِ الشَّهَوَاتِ، وَالْحَجُّ فِي نَفْسِهِ قَطْعٌ لِلْمَسَافَةِ إلَى أَمْكِنَةٍ مَخْصُوصَةٍ وَزِيَارَةٌ لَهَا بِمَنْزِلَةِ السَّفَرِ لِلتِّجَارَةِ وَزِيَارَةِ الْبُلْدَانِ وَالْأَمَاكِنِ، وَإِنَّمَا يَحْسُنُ بِوَاسِطَةِ زِيَارَةِ الْبَيْتِ الشَّرِيفِ الْمُكَرَّمِ بِتَكْرِيمِ اللَّهِ تَعَالَى إيَّاهُ وَإِضَافَتِهِ إلَيْهِ فَفِيهِ تَعْظِيمٌ لَهُ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الْفَقِيرَ وَالْبَيْتَ وَإِنْ كَانَ يَسْتَحِقَّانِ الْإِحْسَانَ وَالزِّيَارَةَ نَظَرًا إلَى الْفَقْرِ وَالشَّرَفِ لَكِنَّهُمَا لَا يَسْتَحِقَّانِ هَذِهِ الْعِبَادَةَ أَعْنِي الزَّكَاةَ وَالْحَجَّ إذْ الْعِبَادَةُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى خَاصَّةً، وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ: الْفَقِيرُ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ الْإِحْسَانَ مِنْ جِهَةِ مَوْلَاهُ، وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى لَا مِنْ جِهَةِ الْعِبَادِ، وَالْبَيْتُ لَا يَسْتَحِقُّ الزِّيَارَةَ وَالتَّعْظِيمَ لِنَفْسِهِ لِأَنَّهُ بَيْتٌ كَسَائِرِ الْبُيُوتِ، وَالنَّفْسُ وَإِنْ كَانَتْ بِحَسَبِ الْفِطْرَةِ مَحَلًّا لِلْخَيْرِ وَالشَّرِّ إلَّا أَنَّهَا لِلْمَعَاصِي أَقْبَلُ وَإِلَى الشَّهَوَاتِ أَمْيَلُ حَتَّى كَأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ أَمْرٍ جِبِلِّيٍّ لَهَا فَكَأَنَّهَا مَجْبُولَةٌ عَلَى الْمَعَاصِي بِمَنْزِلَةِ النَّارِ عَلَى الْإِحْرَاقِ، فَبِالنَّظَرِ إلَى هَذَا الْمَعْنَى لَا يَحْسُنُ قَهْرُهَا فَسَقَطَ حُسْنُ دَفْعِ الْحَاجَةِ وَزِيَارَةِ الْبَيْتِ وَقَهْرِ النَّفْسِ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبَارِ، وَصَارَ كُلٌّ مِنْ الزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ حَسَنًا لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ وَعِبَادَةً خَالِصَةً بِمَنْزِلَةِ الصَّلَاةِ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ هَذِهِ الْوَسَائِطَ لَمْ تُعْتَبَرْ لِأَنَّهُ لَا دَخْلَ فِيهَا لِقُدْرَةِ الْعَبْدِ وَاخْتِيَارِهِ فَلَمْ يُجْعَلْ الْحُسْنُ بِاعْتِبَارِهَا، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الْوَسَائِطَ هِيَ دَفْعُ الْحَاجَةِ، وَقَهْرُ النَّفْسِ وَزِيَارَةُ الْبَيْتِ، وَهِيَ بِاخْتِيَارِهِ لَا نَفْسَ الْحَاجَةِ وَشَهْوَةَ النَّفْسِ وَشَرَفَ الْأَمْكِنَةِ مِمَّا لَا دَخْلَ فِيهِ لِقُدْرَةِ الْعَبْدِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ دَفْعَ الْحَاجَةِ وَقَهْرَ النَّفْسِ وَزِيَارَةَ الْبَيْتِ نَفْسُ الزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ فَكَيْفَ تَكُونُ وَسَائِطَ حُسْنِهَا، وَإِنَّمَا الْوَسَائِطُ هِيَ الْحَاجَةُ وَالشَّهْوَةُ وَشَرَفُ الْمَكَانِ، وَلَا اخْتِيَارَ لِلْعَبْدِ فِيهَا وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ الْوَاسِطَةُ مَا يَكُونُ حُسْنُ الْفِعْلِ لِأَجْلِ أَحْسَنِهَا، وَظَاهِرٌ أَنَّ نَفْسَ الْحَاجَةِ أَوْ الشَّهْوَةِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ فَلِهَذَا صَرَّحَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِأَنَّ الْوَسَائِطَ هِيَ لِدَفْعِ الْقَهْرِ وَالزِّيَارَةِ الْمَخْصُوصَةِ، وَلَا خَفَاءَ فِي أَنَّهَا لَيْسَتْ نَفْسَ الزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ، وَفِي عِبَارَةِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الْوَسَائِطَ هِيَ قَهْرُ النَّفْسِ وَحَاجَةُ الْفَقِيرِ وَشَرَفُ الْمَكَانِ، وَالْمَقْصُودُ مَا صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. (قَوْلُهُ: يَرِدُ عَلَيْهِ) قَدْ خَرَّجَ بِمَا ذَكَرْنَا الْجَوَابَ عَنْ هَذَا الْإِيرَادِ، وَهُوَ أَنَّ حُسْنَ هَذِهِ الْعِبَادَاتِ الثَّلَاثِ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِهَا بِدَلَالَةِ الْعَقْلِ إلَّا أَنَّ ذَلِكَ الْغَيْرَ فِي حُكْمِ الْعَدَمِ بِنَاءً عَلَى مَا ذَكَرْنَا فَصَارَتْ كَأَنَّهَا حَسَنَةٌ لَا بِوَاسِطَةِ

стр. 372

وَلَا يَسْتَقِيمُ تَقْسِيمُ الْحَسَنِ إلَى الْحَسَنِ لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ، وَالْحَسَنِ لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ الْمَأْمُورَاتِ حَسَنَةٌ لِمَعْنًى فِي نَفْسِهَا بِهَذَا الْمَعْنَى، وَالْجَوَابُ عَنْهُ وَجْهَانِ: الْأَوَّلُ أَنَّهُ قَدْ عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ حُسْنَ الْفِعْلِ عِنْدَ الْأَشْعَرِيِّ لِكَوْنِهِ مَأْمُورًا بِهِ، وَعِنْدَنَا لَا بَلْ إنَّمَا أَمَرَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ حَسَنًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] يَقْتَضِي كَوْنَهُ عَدْلًا وَإِحْسَانًا قَبْلَ الْأَمْرِ لَكِنَّهُ خَفِيٌّ ــ [التلويح] أَمْرٍ خَارِجٍ عَنْ ذَاتِهَا، فَأُلْحِقَتْ بِمَا هُوَ حَسَنٌ لِعَيْنِهِ كَالصَّلَاةِ، وَجُعِلَتْ مِنْ قَبِيلِ الْحَسَنِ لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ لَا بِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ مَأْمُورًا بِهِ كَمَا هُوَ رَأْيُ الْأَشْعَرِيِّ، وَأَمَّا الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَقَدْ أَجَابَ بِوَجْهَيْنِ حَاصِلُ الْأَوَّلِ أَنَّا لَا نَجْعَلُ جِهَةَ حُسْنِهَا كَوْنَهَا مَأْمُورًا بِهَا بَلْ نَسْتَدِلُّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا حَسَنَةٌ فِي نَفْسِهَا، وَإِنْ لَمْ نُدْرِكْ جِهَةَ حُسْنِهَا كَمَا أَنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ يَقْتَضِي حُسْنَ الْمَأْمُورِ بِهِ لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ، وَحَاصِلُ الثَّانِي أَنَّ كُلَّ مَا أَمَرَ بِهِ الشَّارِعُ فَالْإِتْيَانُ بِهِ حَسَنٌ لِذَاتِهِ بِمَعْنَى أَنَّ الْعَقْلَ يَحْكُمُ بِأَنَّ طَاعَةَ اللَّهِ تَعَالَى وَامْتِثَالَ أَمْرِهِ حَسَنٌ لِذَاتِهِ فَيَحْسُنُ الْإِتْيَانُ بِالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ لِكَوْنِهِ إتْيَانًا بِالْمَأْمُورِ بِهِ، وَعِنْدَ الْأَشْعَرِيِّ لَا يَحْسُنُ ذَلِكَ عَقْلًا بَلْ الشَّرْعُ هُوَ الَّذِي يَحْكُمُ بِوُجُوبِ الطَّاعَةِ وَحُسْنِهَا، فَالْحَسَنُ لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ نَوْعَانِ: نَوْعٌ يَكُونُ حُسْنُهُ لِعَيْنِهِ أَوْ لِجُزْئِهِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِهِ إتْيَانًا بِالْمَأْمُورِ بِهِ كَالْإِيمَانِ وَالصَّلَاةِ، وَنَوْعٌ يَكُونُ حُسْنُهُ لِكَوْنِهِ إتْيَانًا بِالْمَأْمُورِ بِهِ كَالزَّكَاةِ وَنَحْوِهَا، وَيُشْتَرَطُ فِي حُسْنِ هَذَا النَّوْعِ أَنْ يَكُونَ الْإِتْيَانُ بِهِ لِأَجْلِ كَوْنِهِ مَأْمُورًا بِهِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ حَسَنًا لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ لُزُومُ حُسْنِ جَمِيعِ مَا أَمَرَ بِهِ لِجَوَازِ أَنْ يُؤْتَى بِهِ لَا عَلَى قَصْدِ الِامْتِثَالِ كَالْوُضُوءِ لِلتَّبَرُّدِ فَيَحْسُنُ لِغَيْرِهِ لَا لِعَيْنِهِ، وَبِمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَيْدِ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِهِ إتْيَانًا بِالْمَأْمُورِ بِهِ صَارَ النَّوْعُ الثَّانِي مُغَايِرًا لِلنَّوْعِ الْأَوَّلِ، وَإِلَّا فَالْإِتْيَانُ بِالْمَأْمُورِ بِهِ أَيْضًا حَسَنٌ لِعَيْنِهِ، ثُمَّ النَّوْعَانِ وَإِنْ تَبَايَنَا بِحَسَبِ الْمَفْهُومِ وَالِاعْتِبَارِ فَلَا تَبَايُنَ بَيْنَهُمَا فِي الْحُصُولِ لِأَمْرٍ وَاحِدٍ كَالْإِيمَانِ يَحْسُنُ لِذَاتِهِ وَلِكَوْنِهِ إتْيَانًا بِالْمَأْمُورِ بِهِ، وَالْأَوَّلُ يَثْبُتُ قَبْلَ الشَّرْعِ دُونَ الثَّانِي، وَعَلَى هَذَا لَا يَمْتَنِعُ اجْتِمَاعُ الْحَسَنِ لِذَاتِهِ وَلِغَيْرِهِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ كَالْوُضُوءِ الْمَنْوِيِّ حَسَنٌ لِذَاتِهِ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ إتْيَانًا بِالْمَأْمُورِ بِهِ وَلِغَيْرِهِ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ شَرْطًا لِلصَّلَاةِ، فَإِنْ قِيلَ الْمَأْمُورُ بِهِ فِي الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَنَحْوِهِمَا هُوَ الْإِتْيَانُ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ إذْ الْعَبْدُ إنَّمَا هُوَ مَأْمُورٌ بِإِيقَاعِ الْفِعْلِ وَإِحْدَاثِهِ فَمَا مَعْنَى الْإِتْيَانِ بِالْمَأْمُورِ بِهِ وَالْإِتْيَانُ هُوَ نَفْسُ الْمَأْمُورِ بِهِ.؟ قُلْنَا قَدْ سَبَقَ أَنَّ هَاهُنَا مَعْنًى مَصْدَرِيًّا وَمَعْنًى حَاصِلًا بِالْمَصْدَرِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْإِيقَاعُ، وَالثَّانِي هُوَ الْهَيْئَةُ الْمُوقِعَةُ، فَأَرَادُوا بِالْمَأْمُورِ بِهِ الْحَاصِلِ بِالْمَصْدَرِ كَالْحَرَكَةِ بِمَعْنَى الْحَالَةِ الْمَخْصُوصَةِ وَبِالْإِتْيَانِ بِهِ إيقَاعَهُ وَإِحْدَاثَهُ، فَإِنْ قِيلَ فَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ الْحَسَنُ هُوَ الْمَأْمُورُ بِهِ مَعَ أَنَّ الْكَلَامَ فِيهِ قُلْنَا الْمَأْمُورُ بِهِ فِي التَّحْقِيقِ هُوَ الْإِيقَاعُ وَالْإِحْدَاثُ فَحُسْنُهُ

стр. 373

عَنْ الْعَقْلِ فَأَظْهَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْأَمْرِ فَالْأَمْرُ بِالزَّكَاةِ وَأَمْثَالِهَا دَالٌّ عَلَى حُسْنِهَا لِمَعْنًى فِي نَفْسِهَا عَلَى مَا يَأْتِي فِي هَذَا الْفَصْلِ أَنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ يَتَنَاوَلُ الضَّرْبَ الْأَوَّلَ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ فَيَكُونُ حَسَنًا لِمَعْنًى فِي نَفْسِهَا لَكِنَّا لَا نَعْلَمُ ذَلِكَ الْمَعْنَى، وَالثَّانِي أَنَّ الْإِتْيَانَ بِالْمَأْمُورِ بِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ إتْيَانٌ بِالْمَأْمُورِ بِهِ حَسَنٌ لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ طَاعَةَ اللَّهِ تَعَالَى وَتَرْكَ مُخَالَفَتِهِ مِمَّا يَحْكُمُ الْعَقْلُ بِحُسْنِهِ خِلَافًا لِلْأَشْعَرِيِّ، فَإِنَّ شُكْرَ الْمُنْعِمِ عِنْدَهُ لَيْسَ بِحَسَنٍ عَقْلًا، فَأَدَاءُ الزَّكَاةِ يَكُونُ حَسَنًا لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ إتْيَانٌ بِالْمَأْمُورِ بِهِ، وَالْإِتْيَانُ بِالْمَأْمُورِ بِهِ حَسَنٌ لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ، وَعِنْدَ الْأَشْعَرِيِّ إنَّمَا يَحْسُنُ أَدَاءُ الزَّكَاةِ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ فَيَصْدُقُ عَلَيْهِ تَفْسِيرُ الْحَسَنِ، وَهُوَ مَا أَمَرَ بِهِ مِنْ غَيْرِ مُلَاحَظَةِ أَنَّهُ طَاعَةُ اللَّهِ تَعَالَى فَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ الْحَسَنَ لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ حَسَنًا إمَّا لِعَيْنِهِ، وَإِمَّا لِجُزْئِهِ، وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ حَسَنًا لِكَوْنِهِ إتْيَانًا بِالْمَأْمُورِ بِهِ، وَقَدْ يَجْتَمِعُ الْمَعْنَيَانِ كَالْإِيمَانِ بِاَللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّهُ حَسَنٌ لِعَيْنِهِ وَإِتْيَانٌ بِالْمَأْمُورِ بِهِ، وَقَدْ يُوجَدُ الْأَوَّلُ بِدُونِ الثَّانِي، وَإِذَا أَتَى بِهِ لِكَوْنِهِ حَسَنًا لِعَيْنِهِ أَوْ لِجُزْئِهِ لَكِنْ لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ، وَأَيْضًا عَلَى الْعَكْسِ فِي الْحَسَنِ لَا لِجُزْئِهِ، وَلَا لِعَيْنِهِ لَكِنْ يَكُونُ مَأْمُورًا بِهِ، وَقَدْ أَتَى بِهِ لِكَوْنِهِ مَأْمُورًا بِهِ كَالْوُضُوءِ فَعُلِمَ فَسَادُ مَا قَالَ أَنَّ كُلَّ الْمَأْمُورَاتِ حَسَنَةٌ لِمَعْنًى فِي نَفْسِهَا بِهَذَا الْمَعْنَى؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا ــ [التلويح] حُسْنُ الْمَأْمُورِ بِهِ، فَإِنْ قِيلَ: كُلٌّ مِنْ الزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ عِبَادَةٌ مَخْصُوصَةٌ، وَالْعِبَادَةُ حَسَنَةٌ لِعَيْنِهَا فَيَكُونُ كُلٌّ مِنْهَا حَسَنًا لِجُزْئِهِ فَيَكُونُ حَسَنًا لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ، وَلَا حَاجَةَ إلَى مَا ذُكِرَ مِنْ التَّكَلُّفَاتِ قُلْنَا كَوْنُهُ عِبَادَةً مَخْصُوصَةً لَا يَقْتَضِي كَوْنَ الْعِبَادَةِ جُزْءًا مِنْهُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ خَارِجًا عَنْهُ صَادِقًا عَلَيْهِ، وَالْأَمْرُ كَذَلِكَ إذْ لَيْسَتْ جُزْءًا مِنْ مَفْهُومِ شَيْءٍ مِنْهَا بِخِلَافِ الصَّلَاةِ. (قَوْلُهُ: يَقْتَضِي كَوْنَهُ عَدْلًا وَإِحْسَانًا) لَا نِزَاعَ لِلْأَشْعَرِيِّ فِي كَوْنِ الْعَدْلِ عَدْلًا وَالْإِحْسَانِ إحْسَانًا قَبْلَ الشَّرْعِ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي كَوْنِهِ مَنَاطًا لِلْمَدْحِ عَاجِلًا وَالثَّوَابِ آجِلًا. (قَوْلُهُ: فَالْأَمْرُ بِالزَّكَاةِ وَأَمْثَالِهَا دَالٌّ عَلَى حُسْنِهَا لِمَعْنًى فِي نَفْسِهَا) لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ أَمْرٌ مُطْلَقٌ بَلْ الْعَقْلُ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا أُمِرَ بِهَا لِدَفْعِ حَاجَةِ الْفَقِيرِ وَنَحْوِهِ. [الْحَسَنُ لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ] (قَوْلُهُ: فَذَلِكَ الْغَيْرُ إمَّا مُنْفَصِلٌ) عِبَارَةُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَضَرْبٌ مِنْهُ مَا هُوَ حَسَنٌ لِغَيْرِهِ، وَذَلِكَ الْغَيْرُ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ مَقْصُودٌ لَا يَتَأَدَّى بِاَلَّذِي قَبْلَهُ بِحَالٍ أَيْ بِالْمَأْمُورِ بِهِ الْحَسَنِ لِغَيْرِهِ، وَضَرْبٌ مِنْهُ مَا هُوَ حَسَنٌ لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ لَكِنَّهُ أَيْ: ذَلِكَ الْغَيْرُ يَتَأَدَّى بِنَفْسِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَالْمُرَادُ بِالْقَائِمِ بِنَفْسِهِ أَنْ لَا يَتَأَدَّى بِالْإِتْيَانِ بِالْمَأْمُورِ بِهِ بَلْ يَفْتَقِرُ إلَى إتْيَانٍ بِهِ عَلَى حِدَةٍ، وَهَذَا مَعْنَى كَوْنِهِ مُنْفَصِلًا فَيَكُونُ مُغْنِيًا عَنْ ذِكْرِهِ، وَظَاهِرٌ أَنْ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْقَائِمِ بِنَفْسِهِ مَا لَا يَفْتَقِرُ فِي التَّحَيُّزِ وَالْإِشَارَةِ إلَى التَّبَعِيَّةِ لِلْغَيْرِ كَالْجَوَاهِرِ لِأَنَّ مِثْلَ أَدَاءِ الْجُمُعَةِ مَثَلًا عَرْضٌ فَكَيْفَ

стр. 374

يَكُونُ كَذَلِكَ إذَا أَتَى بِهِ لِكَوْنِهِ مَأْمُورًا بِهِ، فَالْوُضُوءُ الْغَيْرُ الْمَنْوِيِّ حَسَنٌ لِغَيْرِهِ عِنْدَنَا لِأَجْلِ الصَّلَاةِ، وَالْمَنْوِيُّ بِنِيَّةِ امْتِثَالِ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى حَسَنٌ لِغَيْرِهِ، وَلِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ إتْيَانٌ بِالْمَأْمُورِ بِهِ. (حَتَّى شُرِطَ فِيهِ الْأَهْلِيَّةُ الْكَامِلَةُ) فَإِنَّ الْعِبَادَاتِ يُشْتَرَطُ لَهَا الْأَهْلِيَّةُ الْكَامِلَةُ حَتَّى لَا تَجِبَ عَلَى الصَّبِيِّ بِخِلَافِ الْمُعَامَلَاتِ عَلَى مَا يَأْتِي فِي فَصْلِ الْأَهْلِيَّةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (وَأَمَّا الثَّانِي) وَهُوَ الْحَسَنُ لِغَيْرِهِ. (فَذَلِكَ الْغَيْرُ إمَّا مُنْفَصِلٌ عَنْ هَذَا الْمَأْمُورِ بِهِ) كَأَدَاءِ الْجُمُعَةِ، فَإِنَّهُ مُنْفَصِلٌ عَنْ السَّعْيِ، وَفِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ تَغْيِيرٌ، وَقَدْ كَانَتْ قَبْلَ التَّغْيِيرِ هَكَذَا فَذَلِكَ الْغَيْرُ إمَّا قَائِمٌ بِنَفْسِهِ مُنْفَصِلٌ عَنْ هَذَا الْمَأْمُورِ بِهِ، فَأَسْقَطْتُ قَوْلِي إمَّا قَائِمٌ؛ لِأَنَّ الْأَعْرَاضَ لَا تَقُومُ بِنَفْسِهَا فَالْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ قَائِمًا بِهَذَا الْمَأْمُورِ بِهِ فَقَوْلُهُ: مُنْفَصِلٌ يَكُونُ مُكَرَّرًا. (كَالسَّعْيِ إلَى الْجُمُعَةِ حَسَنٌ لِأَدَاءِ الْجُمُعَةِ فَالْوُضُوءُ حَسَنٌ لِلصَّلَاةِ وَلَيْسَ قُرْبَةً مَقْصُودَةً حَيْثُ يَسْقُطُ بِسُقُوطِهَا فَلَا يَحْتَاجُ فِي كَوْنِهِ وَسِيلَةً لَهَا إلَى النِّيَّةِ، وَإِمَّا قَائِمٌ بِهَذَا الْمَأْمُورِ بِهِ كَالْجِهَادِ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ لِقَضَاءِ حَقِّ الْمَيِّتِ حَتَّى إنْ أَسْلَمَ الْكُفَّارُ بِأَجْمَعِهِمْ لَا يُشْرَعُ الْجِهَادُ، وَإِنْ قَضَى الْبَعْضُ حَقَّ الْمَيِّتِ يَسْقُطُ عَنْ الْبَاقِينَ، وَلَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ يَتَأَدَّى بِعَيْنِ الْمَأْمُورِ بِهِ كَانَ هَذَا الضَّرْبُ) وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْغَيْرُ قَائِمًا بِالْمَأْمُورِ بِهِ. (لَا الضَّرْبُ الْأَوَّلُ) وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْغَيْرُ مُنْفَصِلًا عَنْ الْمَأْمُورِ بِهِ. (شَبِيهًا بِالْقِسْمِ الْأَوَّلِ) وَهُوَ الْحَسَنُ لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ، وَجْهُ الْمُشَابَهَةِ أَنَّ مَفْهُومَ ــ [التلويح] يَقُومُ بِنَفْسِهِ، وَكَانَ حَقُّ الْعِبَارَةِ أَنْ يَقُولَ: إمَّا مُنْفَصِلٌ، وَإِمَّا غَيْرُ مُنْفَصِلٍ لَكِنَّهُ قَالَ: وَإِمَّا قَائِمٌ بِهَذَا الْمَأْمُورِ بِهِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَائِمِ بِنَفْسِهِ وَبِالْمَأْمُورِ بِهِ الْمُنْفَصِلُ عَنْهُ وَغَيْرُ الْمُنْفَصِلِ. (قَوْلُهُ: فَلَا يَحْتَاجُ) أَيْ الْوُضُوءُ فِي كَوْنِهِ وَسِيلَةً لِلصَّلَاةِ إلَى النِّيَّةِ لِأَنَّ الصَّلَاةَ إنَّمَا تَفْتَقِرُ إلَى الْوُضُوءِ بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ، وَهُوَ كَوْنُهُ طَهَارَةً لَا بِاعْتِبَارِ وَصْفِهِ، وَهُوَ كَوْنُهُ عِبَادَةً، وَالْمُفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ هُوَ وَصْفُهُ لَا ذَاتُهُ. (قَوْلُهُ: كَالْجِهَادِ) فَإِنَّهُ يَحْسُنُ بِوَاسِطَةِ الْغَيْرِ الَّذِي هُوَ إعْلَاءُ كَلِمَةِ اللَّهِ، وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ تَحْسُنُ بِوَاسِطَةِ الْغَيْرِ الَّذِي هُوَ قَضَاءُ حَقِّ الْمَيِّتِ، فَالْغَيْرَانِ أَمْرَانِ حَسَنَانِ حَاصِلَانِ بِنَفْسِ الْمَأْمُورِ بِهِ أَعْنِي الْجِهَادَ وَالصَّلَاةَ لَا يَنْفَصِلَانِ عَنْهُمَا، وَعِبَارَةُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُمَا إنَّمَا صَارَا حَسَنَيْنِ لِمَعْنَى كُفْرِ الْكَافِرِ وَإِسْلَامِ الْمَيِّتِ، وَذَلِكَ مَعْنًى مُنْفَصِلٌ عَنْ الْجِهَادِ وَالصَّلَاةِ، وَلَا يَخْفَى عَلَيْكَ أَنْ لَيْسَ كُفْرُ الْكَافِرِ وَإِسْلَامُ الْمَيِّتِ مِمَّا يَتَأَدَّى بِنَفْسِ الْمَأْمُورِ بِهِ أَعْنِي الْجِهَادَ وَالصَّلَاةَ، وَأَنْ لَا مَعْنَى لِبَيَانِ الِانْفِصَالِ فِي هَذَا الْمَقَامِ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُبَيِّنَ عَدَمَ الِانْفِصَالِ بِمَعْنَى تَأَدِّيهِ بِنَفْسِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَعَدَمِ قِيَامِهِ بِنَفْسِهِ إلَّا أَنَّهُ أَرَادَ بِالِانْفِصَالِ التَّغَايُرَ، وَالتَّبَايُنَ تَحْقِيقًا لِكَوْنِ حُسْنِ الْجِهَادِ وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ بِالْغَيْرِ. (قَوْلُهُ: وَلَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ) يَعْنِي أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ الْحَسَنَ لِغَيْرِهِ، لَا شَكَّ أَنَّهُ مُغَايِرٌ لِذَلِكَ الْغَيْرِ بِحَسَبِ الْمَفْهُومِ، فَإِنْ كَانَ مُغَايِرًا

стр. 375

الْجِهَادِ وَهُوَ الْقَتْلُ وَالضَّرْبُ وَأَمْثَالُهُمَا، وَهَذَا الْمَعْنَى لَيْسَ مَفْهُومَ إعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَكِنْ فِي الْخَارِجِ صَارَ هَذَا الْقَتْلُ وَالضَّرْبُ إعْلَاءَ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا أَنَّ السَّعْيَ فِي الْمَفْهُومِ غَيْرُ الْأَدَاءِ لَكِنْ فِي الْخَارِجِ عَيْنُهُ، وَكَمَا أَنَّ الْحَيَوَانَ فِي الْحَقِيقَةِ وَالْمَفْهُومِ غَيْرُ النَّاطِقِ وَالْكَاتِبِ لَكِنْ فِي الْخَارِجِ هُوَ عَيْنُهُمَا فَالْجِهَادُ حَقِيقَةٌ، وَهِيَ الْقَتْلُ لَيْسَتْ حَسَنَةً لِمَعْنًى فِي نَفْسِهَا لَكِنْ فِي الْخَارِجِ، وَهُوَ عَيْنُ الْإِعْلَاءِ، وَالْإِعْلَاءُ حَسَنٌ لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ فَشَابَهَ هَذَا الضَّرْبُ الْقِسْمَ الْأَوَّلَ لَا الضَّرْبَ الْأَوَّلَ؛ لِأَنَّ السَّعْيَ غَيْرُ أَدَاءِ الْجُمُعَةِ فِي الْمَفْهُومِ، وَفِي الْخَارِجِ. (وَالْأَمْرُ الْمُطْلَقُ) أَيْ: مِنْ غَيْرِ انْضِمَامِ قَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَى الْحُسْنِ لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ. (يَتَنَاوَلُ الضَّرْبَ الْأَوَّلَ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَيُصْرَفُ عَنْهُ إنْ دَلَّ الدَّلِيلُ) أَيْ الَّذِي لَا يَقْبَلُ سُقُوطَ التَّكْلِيفِ مِنْ الْحَسَنِ بِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ. لِأَنَّ كَمَالَ الْأَمْرِ يَقْتَضِي كَمَالَ صِفَةِ الْمَأْمُورِ بِهِ لَمَّا عُلِمَ أَنَّ الْمُطْلَقَ يَنْصَرِفُ إلَى الْكَامِلِ لَزِمَ أَنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ يَكُونُ أَمْرًا كَامِلًا بِأَنْ يَكُونَ لِلْإِيجَابِ، فَأَمَّا الْأَمْرُ الَّذِي لِلْإِبَاحَةِ أَوْ النَّدْبِ فَنَاقِصٌ فِي كَوْنِهِ أَمْرًا إذَا ثَبَتَ هَذَا، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الْحُسْنَ مُقْتَضَى الْأَمْرِ أَيْ لَوْ لَمْ يَكُنْ الشَّيْءُ حَسَنًا لَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ (فَيَكُونُ الْأَمْرُ الْكَامِلُ) أَيْ الْأَمْرُ الَّذِي هُوَ لِلْإِيجَابِ (مُقْتَضِيًا لِلْحُسْنِ الْكَامِلِ) ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ لَوْ لَمْ يَكُنْ بِحَيْثُ يَكُونُ فِي فِعْلِهِ مَصْلَحَةٌ عَظِيمَةٌ، وَفِي تَرْكِهِ مَفْسَدَةٌ عَظِيمَةٌ لَمَا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى ــ [التلويح] لَهُ بِحَسَبِ الْخَارِجِ أَيْضًا كَأَدَاءِ الْجُمُعَةِ وَالسَّعْيِ فَلَا شَبَهَ لَهُ بِالْحَسَنِ لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُغَايِرًا لَهُ بِحَسَبِ الْخَارِجِ كَالْجِهَادِ وَإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ شَبِيهٌ بِالْحَسَنِ لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ فِي الْخَارِجِ عَيْنَ ذَلِكَ الْغَيْرِ الْحَسَنِ لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ، فَإِنْ قُلْتَ: لِمَ جُعِلَ هَذَا الْقِسْمُ مِنْ قَبِيلِ الْحَسَنِ لِغَيْرِهِ الشَّبِيهِ بِالْحَسَنِ لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ دُونَ الْعَكْسِ كَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ.؟ قُلْتُ: لِأَنَّهُ لَا جِهَةَ هُنَا لِارْتِفَاعِ الْوَسَائِطِ وَصَيْرُورَتِهَا فِي الْحُكْمِ الْعَدَمَ بِخِلَافِهَا ثَمَّةَ، وَقَدْ يُقَالُ لِأَنَّ الْوَاسِطَةَ هَاهُنَا كُفْرُ الْكَافِرِ، وَإِسْلَامُ الْمَيِّتِ، وَهُمَا اخْتِيَارُ الْعَبْدِ، وَقَدْ عَرَفْتَ مَا فِيهِ. (قَوْلُهُ: وَالْأَمْرُ الْمُطْلَقُ) عِبَارَةُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ فِي اقْتِضَاءِ صِفَةِ الْحُسْنِ يَتَنَاوَلُ الضَّرْبَ الْأَوَّلَ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ كَمَالَ الْأَمْرِ يَقْتَضِي كَمَالَ صِفَةِ الْمَأْمُورِ بِهِ فَكَذَلِكَ كَوْنُهُ عِبَادَةً يَقْتَضِي هَذَا الْمَعْنَى، وَيَحْتَمِلُ الضَّرْبَ الثَّانِيَ بِدَلِيلٍ فَحَمَلَ الْمُصَنِّفُ الْقِسْمَ الْأَوَّلَ عَلَى الْحَسَنِ لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ، وَالضَّرْبَ الْأَوَّلَ مِنْهُ عَلَى مَا يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ بِحَالٍ وَعَدَلَ عَنْ قَوْلِهِ: وَيَحْتَمِلُ الضَّرْبُ الثَّانِي إلَى قَوْلِهِ: وَيُصْرَفُ عَنْهُ لِيَشْمَلَ الْحَسَنَ لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ كَالْجِهَادِ، وَمَا يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ أَوْ يُشْبِهُ الْحَسَنَ لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ فَفِي الْجِهَادِ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى كَوْنِهِ حَسَنًا لِغَيْرِهِ، وَفِي الصَّلَاةِ عَلَى احْتِمَالِ سُقُوطِ التَّكْلِيفِ، وَفِي الزَّكَاةِ عَلَى كَوْنِهَا شَبِيهَةً بِالْحَسَنِ لِغَيْرِهِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ اسْتِدْلَالَهُ الثَّانِي، وَهُوَ أَنَّ كَوْنَ الْمَأْمُورِ بِهِ لِمُطْلَقِ الْأَمْرِ

стр. 376

فِعْلَهُ لِيَكُونَ الْإِيجَابُ مُحَصِّلًا لِفِعْلِهِ، وَمَانِعًا مِنْ تَرْكِهِ فَالْإِيجَابُ يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ الْعِنَايَةِ بِوُجُودِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَكَمَالُ الْعِنَايَةِ بِوُجُودِ الْمَأْمُورِ بِهِ يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ حُسْنِهِ، وَكَمَالُ الْحُسْنِ أَنْ يَكُونَ حَسَنًا لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ، وَهُوَ لَا يَقْبَلُ سُقُوطَ التَّكْلِيفِ. (وَكَوْنُهُ عِبَادَةً يُوجِبُ ذَلِكَ أَيْضًا) وَقَوْلُهُ: ذَلِكَ إشَارَةٌ إلَى الْحَسَنِ لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ إتْيَانٌ بِالْمَأْمُورِ بِهِ، وَإِنَّمَا اخْتَرْت فِي الْأَوَّلِ لَفْظَ يَقْتَضِي، وَفِي الثَّانِي يُوجِبُ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ مُقْتَضَى الْأَمْرِ، وَالثَّانِي مُوجِبُ الْأَمْرِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا لَا يَخْفَى عَلَى أَهْلِ التَّحْصِيلِ. (فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْأَمْرُ بِالْجُمُعَةِ يُوجِبُ صِفَةَ حُسْنِهَا، وَأَنْ لَا يَكُونَ الْمَشْرُوعُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ إلَّا هِيَ فَلَا يَجُوزُ ظُهْرُ غَيْرِ الْمَعْذُورِ إذَا لَمْ تَفُتْ الْجُمُعَةُ، وَلَمَّا لَمْ يُخَاطَبْ الْمَعْذُورُ بِالْجُمُعَةِ) فَإِذَا أَدَّى الظُّهْرَ (لَمْ يَنْتَقِضْ بِالْجُمُعَةِ قُلْنَا لَمَّا كَانَ الْوَاجِبُ قَضَاءَ الظُّهْرِ لَا الْجُمُعَةِ عَلِمْنَا أَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الظُّهْرُ لَكِنَّا أُمِرْنَا بِإِقَامَةِ الْجُمُعَةِ مُقَامَهُ فِي الْوَقْتِ فَصَارَتْ مُقَرِّرَةً لَهُ لَا نَاسِخَةً، وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا بَيْنَ الْمَعْذُورِ وَغَيْرِهِ لِعُمُومِ ﴿فَاسْعَوْا﴾ [الجمعة: ٩] لَكِنْ سَقَطَتْ عَنْهُ الْجُمُعَةُ رُخْصَةً فَإِذَا أَتَى بِالْعَزِيمَةِ صَارَ كَغَيْرِ الْمَعْذُورِ فَانْتَقَضَ الظُّهْرُ) . هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَفْرِيعٌ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ يَقْتَضِي مَا ذَكَرَهُ، وَالْخِلَافُ هُنَا فِي أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ غَيْرَ الْمَعْذُورِ إذَا أَدَّى الظُّهْرَ فِي الْبَيْتِ قَبْلَ فَوَاتِ الْجُمُعَةِ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُ، وَيَجُوزُ عِنْدَنَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي ــ [التلويح] عِبَادَةً يُوجِبُ ذَلِكَ لَا يَدُلُّ إلَّا عَلَى كَوْنِهِ حَسَنًا لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ دَلَالَةٍ عَلَى عَدَمِ احْتِمَالِهِ سُقُوطَ التَّكْلِيفِ بِهِ، وَلِذَا صَرَّحَ بِأَنَّ ذَلِكَ إشَارَةٌ إلَى الْحَسَنِ لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ إلَّا أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي سَائِرِ الْكُتُبِ أَنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ يَقْتَضِي حُسْنَ الْمَأْمُورِ بِهِ لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِعَدَمِ احْتِمَالِ سُقُوطِ التَّكْلِيفِ بِهِ، وَذَكَرَ فِي شُرُوحِ أُصُولِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الْمُرَادَ بِالضَّرْبِ الْأَوَّلِ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ هُوَ مَا يَحْسُنُ لِعَيْنِهِ حَقِيقَةً لَا مَا أُلْحِقَ بِهِ حُكْمًا، وَهُوَ الشَّبِيهُ بِالْحَسَنِ لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ كَالزَّكَاةِ وَنَحْوِهَا، وَالْمُرَادُ بِالضَّرْبِ الثَّانِي مَا يُقَابِلُ الْقِسْمَ الْأَوَّلَ أَعْنِي: مَا يَكُونُ حَسَنًا لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ، وَمِثْلُ هَذَا غَيْرُ عَزِيزٍ فِي كَلَامِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. (قَوْلُهُ: وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا) هُوَ أَنَّ الْمُقْتَضِيَ مُتَقَدِّمٌ بِمَعْنَى أَنَّ الشَّيْءَ يَكُونُ حَسَنًا، ثُمَّ يَتَعَلَّقُ بِهِ، الْأَمْرُ ضَرُورَةَ أَنَّ الْأَمْرَ لَا يَتَعَلَّقُ إلَّا بِمَا هُوَ حَسَنٌ، وَالْمُوجِبُ مُتَأَخِّرٌ بِمَعْنَى أَنَّ الْأَمْرَ يُوجِبُ حُسْنَهُ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ إتْيَانًا بِالْمَأْمُورِ بِهِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ وُرُودِ الْأَمْرِ بِهِ، وَهَذَا مَا يُقَالُ: إنَّ حُسْنَ الْمَأْمُورِ بِهِ عِنْدَنَا مِنْ مَدْلُولَاتِ الْأَمْرِ، وَعِنْدَ الْأَشْعَرِيِّ مِنْ مُوجِبَاتِهِ. (قَوْلُهُ: وَلَمَّا لَمْ يُخَاطَبْ الْمَعْذُورُ بِالْجُمُعَةِ) مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِإِقَامَةِ الْجُمُعَةِ عَيْنًا بَلْ لَهُ الْخِيَارُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الظُّهْرِ فَإِذَا أَدَّى أَحَدَهُمَا انْدَفَعَ الْآخَرُ [فَصْلٌ التَّكْلِيفُ بِمَا لَا يُطَاقُ] (قَوْلُهُ: فَصْلٌ) ذَكَرَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ أَنَّ مِنْ الْحَسَنِ لِغَيْرِهِ ضَرْبًا ثَالِثًا يُسَمَّى الْجَامِعَ، وَهُوَ مَا يَكُونُ حَسَنًا لِحُسْنِ شَرْطِهِ بَعْدَمَا كَانَ حَسَنًا لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ، وَهِيَ

стр. 377

هَذَا الْيَوْمِ الْجُمُعَةُ عِنْدَهُ، وَالظُّهْرُ عِنْدَنَا، وَدَلِيلُنَا فِي الْمَتْنِ مَذْكُورٌ، وَثَانِيهِمَا أَنَّ الْمَعْذُورَ إذَا أَدَّى الظُّهْرَ هَلْ يَنْتَقِضُ إذَا حَضَرَ الْجُمُعَةَ أَمْ لَا فَعِنْدَهُ لَا، وَعِنْدَنَا يَنْتَقِضُ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالسَّعْيِ يَعُمُّ الْمَعْذُورَ وَغَيْرَ الْمَعْذُورِ فَالْعَزِيمَةُ فِي هَذَا الْيَوْمِ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ مَقَامَ الظُّهْرِ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ لَكِنَّ هَذَا سَاقِطٌ مِنْ الْمَعْذُورِ بِطَرِيقِ الرُّخْصَةِ فَإِذَا حَضَرَ الْجُمُعَةَ صَارَ كَغَيْرِ الْمَعْذُورِ فَانْتَقَضَ الظُّهْرُ (فَصْلٌ التَّكْلِيفُ بِمَا لَا يُطَاقُ غَيْرُ جَائِزٍ خِلَافًا لِلْأَشْعَرِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلِيقُ مِنْ الْحَكِيمِ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ، وَهُوَ غَيْرُ وَاقِعٍ فِي الْمُمْتَنِعِ لِذَاتِهِ اتِّفَاقًا وَاقِعٌ عِنْدَهُ فِي غَيْرِهِ) أَيْ وَاقِعٌ عِنْدَ الْأَشْعَرِيِّ فِي غَيْرِ الْمُمْتَنِعِ لِذَاتِهِ. (كَإِيمَانِ أَبِي جَهْلٍ، وَعِنْدَنَا لَيْسَ هَذَا تَكْلِيفًا بِمَا لَا يُطَاقُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ لِقُدْرَةِ الْعَبْدِ تَأْثِيرًا فِي أَفْعَالِهِ تَوَسُّطًا ــ [التلويح] الْقُدْرَةُ الَّتِي بِهَا يَتَمَكَّنُ الْعَبْدُ مِنْ أَدَاءِ مَا لَزِمَهُ، وَحَاصِلُ كَلَامِهِ أَنَّ وُجُوبَ أَدَاءِ الْعِبَادَةِ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقُدْرَةِ تَوَقُّفَ وُجُوبِ السَّعْيِ عَلَى وُجُوبِ الْجُمُعَةِ فَصَارَ حَسَنًا لِغَيْرِهِ مَعَ كَوْنِهِ حَسَنًا لِذَاتِهِ، ثُمَّ أَوْرَدَ مَبَاحِثَ الْقُدْرَةِ وَتَفَارِيعَهَا، وَلَا يَخْفَى أَنَّ فِيهِ نَوْعَ تَكَلُّفٍ، وَأَنَّ جَعْلَهُ مِنْ أَقْسَامِ الْحَسَنِ لِغَيْرِهِ لَيْسَ أَوْلَى مِنْ جَعْلِهِ مِنْ أَقْسَامِ الْحَسَنِ لِذَاتِهِ، فَلِذَا أَفْرَدَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِتِلْكَ الْمَبَاحِثِ فَصْلًا عَلَى حِدَةٍ، وَذَكَرَ أَنَّ التَّكْلِيفَ بِمَا لَا يُطَاقُ أَيْ: لَا يُقْدَرُ عَلَيْهِ غَيْرُ جَائِزٍ لِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنَّ التَّكْلِيفَ بِالشَّيْءِ اسْتِدْعَاءُ حُصُولِهِ، وَاسْتِدْعَاءُ مَا لَا يُمْكِنُ حُصُولُهُ سَفَهٌ فَلَا يَلِيقُ بِالْحَكِيمِ بِنَاءً عَلَى الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ الْعَقْلِيَّيْنِ، وَالثَّانِي أَنَّهُ مِمَّا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِعَدَمِ وُقُوعِهِ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وَ ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وَكُلُّ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِعَدَمِ وُقُوعِهِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ، وَإِلَّا لَزِمَ إمْكَانُ كَذِبِهِ، وَهُوَ مُحَالٌ، وَإِمْكَانُ الْمُحَالِ مُحَالٌ فَبِهَذَا الطَّرِيقِ يُمْكِنُ الِاسْتِدْلَال بِالْآيَةِ عَلَى عَدَمِ الْجَوَازِ، وَإِلَّا فَالظَّاهِرُ مِنْهَا الدَّلَالَةُ عَلَى عَدَمِ الْوُقُوعِ دُونَ عَدَمِ الْجَوَازِ، وَلَمْ يَثْبُتْ تَصْرِيحُ الْأَشْعَرِيِّ بِتَكْلِيفِ الْمُحَالِ إلَّا أَنَّهُ نَسَبَ إلَيْهِ الْأَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لِقُدْرَةِ الْعَبْدِ فِي أَفْعَالِهِ بَلْ هِيَ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى ابْتِدَاءً، وَثَانِيهِمَا أَنَّ الْقُدْرَةَ مَعَ الْفِعْلِ لَا قَبْلَهُ عَلَى مَا سَيَجِيءُ، وَالتَّكْلِيفُ قَبْلَ الْفِعْلِ لَا مَعَهُ لِأَنَّ اسْتِدْعَاءَ الْفِعْلِ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَهُوَ حَالَ التَّكْلِيفِ مُسْتَطِيعٌ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ غَيْرُ وَاقِعٍ) مَا لَا يُطْلَقُ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُمْتَنِعًا لِذَاتِهِ كَإِعْدَامِ الْقَدِيمِ وَقَلْبِ الْحَقَائِقِ، فَالْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى عَدَمِ وُقُوعِ التَّكْلِيفِ بِهِ، وَالِاسْتِقْرَاءُ أَيْضًا شَاهِدٌ عَلَى ذَلِكَ، وَالْآيَاتُ نَاطِقَةٌ بِهِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُمْتَنِعًا لِغَيْرِهِ بِأَنْ يَكُونَ مُمْكِنًا فِي نَفْسِهِ لَكِنْ لَا يَجُوزُ وُقُوعُهُ عَنْ الْمُكَلَّفِ لِانْتِفَاءِ شَرْطٍ أَوْ وُجُودِ مَانِعٍ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ التَّكْلِيفَ بِهِ غَيْرُ وَاقِعٍ خِلَافًا لِلْأَشْعَرِيِّ، وَلَا نِزَاعَ فِي وُقُوعِ التَّكْلِيفِ بِمَا عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَقَعَ أَوْ أَخْبَرَ بِذَلِكَ كَبَعْضِ تَكَالِيفِ

стр. 378

بَيْنَ الْجَبْرِ وَالْقَدَرِ) ، وَقَدْ سَبَقَ تَقْرِيرُهُ فِي الْفَصْلِ الْمُتَقَدِّمِ، فَإِنْ قِيلَ التَّكْلِيفُ بِالْمُحَالِ لَازِمٌ عَلَى تَقْدِيرِ التَّوَسُّطِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى إيجَادِ الْفِعْلِ بَلْ يُوجَدُ بِخَلْقِ اللَّهِ فَيَكُونُ التَّكْلِيفُ بِالْفِعْلِ تَكْلِيفًا بِالْمُحَالِ قُلْنَا: نَعَمْ، لَكِنْ لِلْعَبْدِ قَصْدٌ اخْتِيَارِيٌّ فَالْمُرَادُ بِالتَّكْلِيفِ بِالْحَرَكَةِ التَّكْلِيفُ بِالْقَصْدِ إلَيْهَا، ثُمَّ بَعْدَ الْقَصْدِ الْجَازِمِ يَخْلُقُ اللَّهُ تَعَالَى الْحَرَكَةَ أَيْ: الْحَالَةَ الْمَذْكُورَةَ بِإِجْرَاءِ عَادَتِهِ أَوْ التَّكْلِيفُ بِالْحَرَكَةِ بِنَاءً عَلَى قُدْرَتِهِ عَلَى سَبَبِهَا الْمُوصِلِ إلَيْهَا غَالِبًا وَهُوَ الْقَصْدُ. (عَلَى أَنَّ عِلْمَهُ تَعَالَى بِأَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ بِاخْتِيَارِهِ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ حَيِّزِ الْإِمْكَانِ) هَذَا جَوَابٌ عَنْ دَلِيلِ الْأَشْعَرِيِّ، وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلِمَ فِي الْأَزَلِ أَنَّ أَبَا جَهْلٍ لَا يُؤْمِنُ أَصْلًا، فَإِنْ آمَنَ يَنْقَلِبُ عِلْمُ اللَّهِ جَهْلًا، وَهُوَ مُحَالٌ فَإِيمَانُهُ مُحَالٌ فَالْأَمْرُ بِالْإِيمَانِ يَكُونُ تَكْلِيفًا بِالْمُحَالِ ــ [التلويح] الْعُصَاةِ وَالْكُفَّارِ، فَصَارَ حَاصِلُ النِّزَاعِ أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ هَلْ هُوَ مِنْ قَبِيلِ مَا لَا يُطَاقُ حَتَّى يَكُونَ التَّكْلِيفُ الْوَاقِعُ بِهِ تَكْلِيفَ مَا لَا يُطَاقُ أَمْ لَا، فَعِنْدَ الْجُمْهُورِ هُوَ مِمَّا يُطَاقُ بِمَعْنَى أَنَّ الْعَبْدَ قَادِرٌ عَلَى الْقَصْدِ إلَيْهِ بِاخْتِيَارِهِ، وَإِنْ لَمْ يَخْلُقْ اللَّهُ الْفِعْلَ عَقِيبَ قَصْدِهِ، وَلَا مَعْنَى لِتَأْثِيرِ قُدْرَةِ الْعَبْدِ فِي أَفْعَالِهِ إلَّا هَذَا عَلَى مَا سَبَقَ فِي تَحْقِيقِ التَّوَسُّطِ بَيْنَ الْجَبْرِ وَالْقَدَرِ، وَعِنْدَ الْأَشْعَرِيِّ هُوَ مُحَالٌ لِاسْتِلْزَامِهِ الْمُحَالَ، وَهُوَ انْقِلَابُ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى جَهْلًا أَوْ وُقُوعُ الْكَذِبِ فِي اخْتِيَارِهِ فَإِيمَانُ أَبِي جَهْلٍ مُحَالٌ، وَهُوَ مُكَلَّفٌ بِهِ فَالتَّكْلِيفُ بِمَا لَا يُطَاقُ وَاقِعٌ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعَالَى بِعَدَمِ إيمَانِهِ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ الْإِمْكَانِ أَيْ: عَنْ كَوْنِهِ مَقْدُورًا لِأَبِي جَهْلٍ وَمُخْتَارًا لَهُ بِمَعْنَى صِحَّةِ تَعَلُّقِ قُدْرَتِهِ بِالْقَصْدِ إلَيْهِ غَايَةُ مَا فِي الْبَابِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُحْدِثُهُ عَقِيبَ قَصْدِهِ، وَإِنَّمَا فُسِّرَ الْإِمْكَانُ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْبَقَاءَ عَلَى الْإِمْكَانِ الذَّاتِيِّ غَيْرُ مُفِيدٍ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَحَلِّ النِّزَاعِ، وَقَوْلُهُ: الْعِلْمُ تَابِعٌ لِلْمَعْلُومِ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ فِي الْجَوَابِ إلَّا أَنَّهُ دَفْعٌ لِمَا يُقَالُ أَنَّ جَمِيعَ التَّكَالِيفِ تَكْلِيفٌ بِمَا لَا يُطَاقُ ضَرُورَةَ أَنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعَالَى إمَّا مُتَعَلِّقٌ بِوُجُودِ الْفِعْلِ فَيَجِبُ أَوْ بِعَدَمِهِ فَيَمْتَنِعُ، وَلَا شَيْءَ مِنْ الْوَاجِبِ وَالْمُمْتَنِعِ بِمُسْتَطَاعٍ وَمُقَدَّرٍ، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَمْنَعَ كَوْنَ الْعِلْمِ تَابِعًا لِلْمَعْلُومِ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ إلَّا بَعْدَ وُقُوعِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَالِمٌ فِي الْأَزَلِ بِكُلِّ شَيْءٍ أَنَّهُ يَكُونُ أَوْ لَا يَكُونُ، وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ الْوُجُوبُ أَوْ الِامْتِنَاعُ، وَلِهَذَا صَرَّحَ الْمُحَقِّقُونَ بِأَنَّ مَعْنَى كَوْنِ عِلْمِهِ تَابِعًا لِلْمَعْلُومِ أَنَّ الْمُطَابَقَةَ تُعْتَبَرُ مِنْ جِهَةِ الْعِلْمِ بِأَنْ يَكُونَ هُوَ عَلَى طِبْقِ الْمَعْلُومِ وُقُوعًا أَوْ عَدَمَ وُقُوعٍ، وَيَكْفِي فِي الْجَوَابِ أَنَّ الْوُجُوبَ أَوْ الِامْتِنَاعَ بِوَاسِطَةِ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ إخْبَارِهِ لَا يُوجِبُ كَوْنَ الْفِعْلِ غَيْرَ مَقْدُورٍ لِلْعَبْدِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَعْلَمُ أَنَّهُ يُؤْمِنُ أَوْ لَا يُؤْمِنُ بِاخْتِيَارِهِ وَقُدْرَتِهِ فَيَعْلَمُ أَنَّ لَهُ اخْتِيَارًا وَقُدْرَةً فِي الْإِيمَانِ وَعَدَمِهِ، وَكَذَا فِي الْإِخْبَارِ، وَقَدْ يُقَالُ فِي تَقْرِيرِ دَلِيلِ الْأَشْعَرِيِّ إنَّ أَبَا جَهْلٍ مُكَلَّفٌ بِالْإِيمَانِ، وَهُوَ تَصْدِيقُ النَّبِيِّ ﵇ فِي جَمِيعِ مَا عُلِمَ مَجِيئُهُ بِهِ، وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ فَقَدْ كُلِّفَ

стр. 379

فَنُجِيبُ بِأَنَّ اللَّهَ عَلِمَ كُلَّ شَيْءٍ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، وَالْعِلْمُ تَابِعٌ لِلْمَعْلُومِ فَعِلْمُهُ تَعَالَى بِأَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ بِاخْتِيَارِهِ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ حَيِّزِ الْإِمْكَانِ أَيْ: عَنْ أَنْ يَكُونَ مَقْدُورًا وَمُخْتَارًا لَهُ. (وَعِنْدَهُ لَا تَأْثِيرَ لَهَا) أَيْ لِقُدْرَةِ الْعَبْدِ فِي أَفْعَالِهِ. (بَلْ هُوَ مَجْبُورٌ، ثُمَّ عِنْدَنَا عَدَمُ جَوَازِهِ) أَيْ: عَدَمُ جَوَازِ التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ. (لَيْسَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَصْلَحَ وَاجِبٌ عَلَى اللَّهِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ بَلْ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يَلِيقُ بِحُكْمِهِ وَفَضْلِهِ، ثُمَّ الْقُدْرَةُ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الْأَدَاءِ لَا لِنَفْسِ الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَنْفَكُّ عَنْ وُجُوبِ الْأَدَاءِ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْقُدْرَةِ) وَسَيَأْتِي الْفَرْقُ بَيْنَ نَفْسِ الْوُجُوبِ وَوُجُوبِ الْأَدَاءِ فِي الْفَصْلِ الْمُتَأَخِّرِ. (بَلْ هُوَ يَثْبُتُ) أَيْ: نَفْسُ الْوُجُوبِ (بِالسَّبَبِ وَالْأَهْلِيَّةِ عَلَى مَا يَأْتِي) أَيْ: فِي فَصْلِ الْأَهْلِيَّةِ. (وَالْقُدْرَةُ نَوْعَانِ مُمَكِّنَةٌ وَمُيَسِّرَةٌ فَالْمُمَكِّنَةُ أَدْنَى مَا يَتَمَكَّنُ بِهِ الْمَأْمُورُ ــ [التلويح] بِأَنْ يُصَدِّقَهُ فِي أَنْ لَا يُصَدِّقَهُ، وَهُوَ مُحَالٌ فَلَزِمَ وُقُوعُ التَّكْلِيفِ بِالْمُمْتَنِعِ بِالذَّاتِ فَضْلًا عَمَّا لَا يُطَاقُ، وَمَا ذُكِرَ لَا يَصْلُحُ جَوَابًا عَنْ ذَلِكَ، وَلَا مُخَلِّصَ إلَّا بِمَا قِيلَ إنَّ تَكْلِيفَهُ بِجَمِيعِ مَا أُنْزِلَ إنَّمَا كَانَ قَبْلَ الْإِخْبَارِ بِأَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ، وَبَعْدَهُ هُوَ مُكَلَّفٌ بِمَا عَدَا التَّصْدِيقَ بِأَنَّهُ لَا يُصَدِّقُ، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ. (قَوْلُهُ: وَعِنْدَهُ) أَيْ: لَوْ كَانَ التَّكْلِيفُ بِمَا لَا يُوجَدُ بِقُدْرَةِ الْعَبْدِ تَكْلِيفًا بِمَا لَا يُطَاقُ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْأَشْعَرِيُّ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ التَّكَالِيفِ تَكْلِيفًا بِمَا لَا يُطَاقُ بِنَاءً عَلَى مَذْهَبِ الْأَشْعَرِيِّ فِي أَنَّ الْعَبْدَ مَجْبُورٌ فِي أَفْعَالِهِ لَا تَأْثِيرَ لِقُدْرَتِهِ أَصْلًا، وَهَذَا بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ إذْ الْأَشْعَرِيُّ وَإِنْ قَالَ بِالْوُقُوعِ لَمْ يَقُلْ بِالْعُمُومِ. (قَوْلُهُ: ثُمَّ عِنْدَنَا) يَعْنِي أَنَّ عَدَمَ جَوَازِ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مَا هُوَ أَصْلَحُ لِعِبَادِهِ وَلَا خَفَاءَ فِي أَنَّ عَدَمَ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ أَصْلَحُ فَيَكُونُ وَاجِبًا فَيَكُونُ التَّكْلِيفُ مُمْتَنِعًا، وَعِنْدَنَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلِيقُ بِالْحِكْمَةِ وَالْفَضْلِ أَنْ يُكَلِّفَ عِبَادَهُ بِمَا لَا يُطِيقُونَهُ أَصْلًا فَيَلْزَمُ التَّرْكُ بِالضَّرُورَةِ وَيَسْتَحِقُّوا الْعَذَابَ وَمَا لَا يَلِيقُ بِالْحِكْمَةِ وَالْفَضْلِ سَفَهٌ، وَتَرْكُ إحْسَانٍ إلَى مَنْ يَسْتَحِقُّهُ، وَهُوَ قَبِيحٌ لَا يَجُوزُ صُدُورُهُ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَيْسَ مَعْنَى الْوُجُوبِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى اسْتِحْقَاقَ الْعِقَابِ عَلَى التَّرْكِ بَلْ اللُّزُومُ وَعَدَمُ جَوَازِ التَّرْكِ، فَالْقَوْلُ بِعَدَمِ جَوَازِ التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يَلِيقُ بِالْحِكْمَةِ وَالْفَضْلِ قَوْلٌ بِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَرْكُ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ تَفَضُّلًا عَلَى الْعِبَادِ وَإِحْسَانًا، وَهَذَا قَوْلٌ بِوُجُوبِ الْأَصْلَحِ، فَإِنْ قِيلَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّرْكُ لَكِنَّهُ يَتْرُكُ تَفَضُّلًا وَإِحْسَانًا قُلْنَا فَحِينَئِذٍ لَا يَثْبُتُ عَدَمُ الْجَوَازِ وَهُوَ الْمُدَّعِي بَلْ يَثْبُتُ عَدَمُ الْوُقُوعِ. (قَوْلُهُ: ثُمَّ الْقُدْرَةُ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الْأَدَاءِ) فَإِنْ قِيلَ نَفْسُ الْوُجُوبِ لَا يَنْفَكُّ عَنْ التَّكْلِيفِ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ الْأَمْرِ، وَالتَّكْلِيفُ مَشْرُوطٌ بِالْقُدْرَةِ فَكَيْفَ يَنْفَكُّ نَفْسُ الْوُجُوبِ عَنْ الْقُدْرَةِ.؟ أُجِيبَ بِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنَّ التَّكْلِيفَ هُوَ طَلَبُ إيقَاعِ الْفِعْلِ مِنْ الْعَبْدِ، وَنَفْسُ الْوُجُوبِ لَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا سَتَعْرِفُ مِنْ أَنَّ نَفْسَ وُجُوبِ الصَّلَاةِ هُوَ لُزُومُ وُقُوعِ هَيْئَةٍ مَخْصُوصَةٍ مَوْضُوعَةٍ لِلْعِبَادَةِ عِنْدَ

стр. 380

عَلَى أَدَاءِ الْمَأْمُورِ بِهِ) أَيْ: مِنْ غَيْرِ حَرَجٍ (غَالِبًا) وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِهَذَا؛ لِأَنَّهُمْ جَعَلُوا الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ فِي الْحَجِّ مِنْ قَبِيلِ الْقُدْرَةِ الْمُمَكِّنَةِ. (وَهِيَ شَرْطٌ لِأَدَاءِ كُلِّ وَاجِبٍ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بَدَنِيًّا كَانَ أَوْ مَالِيًّا فَلِهَذَا يَجِبُ التَّيَمُّمُ مَعَ الْعَجْزِ وَالصَّلَاةُ قَاعِدًا أَوْ مُومِيًا مَعَهُ) أَيْ: مَعَ الْعَجْزِ. (وَتَسْقُطُ الزَّكَاةُ إذَا هَلَكَ الْمَالُ بَعْدَ الْحَوْلِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ اتِّفَاقًا فَعَلَى هَذَا) يَتَّصِلُ بِقَوْلِهِ: وَهِيَ شَرْطٌ لِأَدَاءِ كُلِّ وَاجِبٍ. (قَالَ زُفَرُ لَا يَجِبُ الْقَضَاءُ عَلَى مَنْ صَارَ أَهْلًا لِلصَّلَاةِ فِي الْجُزْءِ الْأَخِيرِ مِنْ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ الْأَدَاءُ لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ قُلْنَا إنَّمَا يُشْتَرَطُ حَقِيقَةُ الْقُدْرَةِ لِلْأَدَاءِ إذَا كَانَ هُوَ الْفَرْضَ، وَأَمَّا هَاهُنَا فَالْفَرْضُ الْقَضَاءُ، وَقَدْ وُجِدَ السَّبَبُ فَإِمْكَانُ الْقُدْرَةِ عَلَى الْأَدَاءِ بِإِمْكَانِ امْتِدَادِ الْوَقْتِ كَافٍ لِوُجُوبِ الْقَضَاءِ كَمَسْأَلَةِ الْحَلِفِ بِمَسِّ السَّمَاءِ) فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ الْيَمِينُ ــ [التلويح] حُضُورِ الْوَقْتِ الشَّرِيفِ وَوُجُوبِ الْأَدَاءِ، وَهُوَ لُزُومُ إيقَاعِ تِلْكَ الْهَيْئَةِ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَتَحَقَّقُ التَّكْلِيفُ أَلَا يَرَى أَنَّ صَوْمَ الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ وَاجِبٌ، وَلَا تَكْلِيفَ عَلَيْهِمَا، وَكَذَا الزَّكَاةُ قَبْلَ الْحَوْلِ الثَّانِي، إنَّ مَعْنَى اشْتِرَاطِ التَّكْلِيفِ بِالْقُدْرَةِ هُوَ أَنَّهُ لَا يَقَعُ التَّكْلِيفُ إلَّا بِمَا يَسْتَطِيعُ الْعَبْدُ إيقَاعَهُ وَاحِدًا أَنَّهُ عِنْدَ تَعَلُّقِ الْإِرَادَةِ بِهِ، وَإِلَّا فَلَا كَلَامَ فِي صِحَّةِ التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يَكُونُ مَقْدُورًا عِنْدَ وُرُودِ الْأَمْرِ، وَعِنْدَ تَحَقُّقِ سَبَبِ الْوُجُودِ قَبْلَ الْمُبَاشَرَةِ لِأَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّ التَّكْلِيفَ قَبْلَ الْفِعْلِ وَالْقُدْرَةَ مَعَهُ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ قَدْ يَنْفَكُّ) أَيْ: قَدْ يُوجَدُ نَفْسُ الْوُجُوبِ بِدُونِ وُجُوبِ الْأَدَاءِ فَحِينَئِذٍ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْقُدْرَةِ الَّتِي مَنْشَأُ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهَا هُوَ الْأَدَاءُ، وَهُوَ مُصَادَرَةٌ عَلَى الْمَطْلُوبِ إذْ لَيْسَ الْمُدَّعَى، إلَّا أَنَّ الْمُحْتَاجَ إلَى الْقُدْرَةِ هُوَ وُجُوبُ الْأَدَاءِ لَا نَفْسُ الْوُجُوبِ. (قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ حَرَجٍ غَالِبًا) قَيَّدَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَمَكَّنُ مِنْ أَدَاءِ الْحَجِّ بِدُونِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ نَادِرًا، وَبِدُونِ الرَّاحِلَةِ كَثِيرًا لَكِنْ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُ بِدُونِهِمَا إلَّا بِحَرَجٍ عَظِيمٍ فِي الْغَالِبِ، وَفَرَّقَ بَيْنَ الْغَالِبِ وَالْكَثِيرِ بِأَنَّ كُلَّ مَا لَيْسَ بِكَثِيرٍ نَادِرٌ، وَلَيْسَ كُلُّ مَا لَيْسَ بِغَالِبٍ نَادِرًا بَلْ قَدْ يَكُونُ كَثِيرًا، وَاعْتُبِرَ بِالصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ وَالْجُذَامِ فَإِنَّ الْأَوَّلَ غَالِبٌ، وَالثَّانِيَ كَثِيرٌ، وَالثَّالِثَ نَادِرٌ. (قَوْلُهُ: وَهِيَ) أَيْ: الْقُدْرَةُ الْمُمَكِّنَةُ شَرْطٌ لِوُجُوبِ أَدَاءِ كُلِّ وَاجِبٍ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ؛ لِأَنَّ الْقُدْرَةَ الَّتِي يَمْتَنِعُ التَّكْلِيفُ بِدُونِهَا هِيَ مَا تَكُونُ عِنْدَ مُبَاشَرَةِ الْفِعْلِ فَاشْتِرَاطُ سَلَامَةِ الْأَسْبَابِ وَالْآلَاتِ قَبْلَ الْفِعْلِ يَكُونُ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ وَمِنَّةً. (قَوْلُهُ: فَإِمْكَانُ الْقُدْرَةِ عَلَى الْأَدَاءِ بِإِمْكَانِ امْتِدَادِ الْوَقْتِ) كَمَا كَانَ لِسُلَيْمَانَ ﵇ كَافٍ لِلْقَضَاءِ، وَلَمْ يُعْتَبَرْ إمْكَانُ الْقُدْرَةِ فِي الْحَجِّ بِدُونِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ، وَإِمْكَانُ قُدْرَةِ الشَّيْخِ الْفَانِي عَلَى الصَّوْمِ، وَالْمُقْعَدِ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَزَوَالِ عَمَى الْأَعْمَى مَعَ أَنَّ هَذَا أَقْرَبُ مِنْ امْتِدَادِ الْوَقْتِ لِأَنَّ الْقَضَاءَ أَيْضًا مُتَعَذِّرٌ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ. (قَوْلُهُ: كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْحَلِفِ بِمَسِّ السَّمَاءِ) هَذَا بِخِلَافِ يَمِينِ الْغَمُوسِ لِأَنَّهُ قَدْ يَمْتَنِعُ إمْكَانُ إعَادَةِ الزَّمَانِ

стр. 381

لِإِمْكَانِ الْبِرِّ فِي الْجُمْلَةِ كَمَا كَانَ لِلنَّبِيِّ ﵇ فَإِمْكَانُ الْأَصْلِ، وَهُوَ الْبِرُّ كَافٍ لِوُجُوبِ الْخَلَفِ، وَهُوَ الْكَفَّارَةُ عَلَى أَنَّ الْقُدْرَةَ الَّتِي شَرَطْنَاهَا مُتَقَدِّمَةً هِيَ سَلَامَةُ الْآلَاتِ وَالْأَسْبَابِ فَقَطْ، وَقَدْ وُجِدَتْ هُنَا، (فَأَمَّا الْقُدْرَةُ الْحَقِيقِيَّةُ، فَإِنَّهَا مُقَارِنَةٌ لِلْفِعْلِ) أَيْ: وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ إمْكَانَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْأَدَاءِ غَيْرُ كَافٍ لِوُجُوبِ الْقَضَاءِ بَلْ يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْقَضَاءِ وُجُودُ الْقُدْرَةِ عَلَى الْأَدَاءِ فَوُجُودُ الْقُدْرَةِ عَلَى الْأَدَاءِ حَاصِلٌ هُنَا؛ لِأَنَّ الْقُدْرَةَ الَّتِي تُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْعِبَادَاتِ مُتَقَدِّمَةٌ هِيَ سَلَامَةُ الْآلَاتِ وَالْأَسْبَابِ فَقَطْ، وَهِيَ حَاصِلَةٌ هُنَا، وَلَا تُشْتَرَطُ الْقُدْرَةُ التَّامَّةُ الْحَقِيقِيَّةُ؛ لِأَنَّهَا مُقَارِنَةٌ لِلْفِعْلِ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ التَّامَّةَ تَكُونُ مُقَارِنَةً لِلْمَعْلُولِ إذْ لَوْ كَانَتْ سَابِقَةً زَمَانًا يَلْزَمُ تَخَلُّفُ الْمَعْلُولِ عَنْ الْعِلَّةِ التَّامَّةِ. (أَوْ نَقُولُ الْقَضَاءُ ــ [التلويح] الْمَاضِي، وَلَوْ سُلِّمَ فَصِدْقُ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ مُحَالٌ إذْ بِإِعَادَةِ الزَّمَانِ الْمَاضِي لَا يَصِيرُ الْفِعْلُ الَّذِي لَمْ يُوجَدْ مِنْ الْحَالِفِ مَوْجُودًا فِيهِ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ وُجُودُ الْفِعْلِ مِنْ الشَّخْصِ بِدُونِ أَنْ يَفْعَلَ. (قَوْلُهُ: فَأَمَّا الْقُدْرَةُ الْحَقِيقِيَّةُ) قَدْ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْقُدْرَةَ مَعَ الْفِعْلِ أَوْ قَبْلَهُ، وَالْمُحَقِّقُونَ عَلَى أَنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالْقُدْرَةِ الْقُوَّةُ الَّتِي تَصِيرُ مُؤَثِّرَةً عِنْدَ انْضِمَامِ الْإِرَادَةِ إلَيْهَا فَهِيَ تُوجَدُ قَبْلَ الْفِعْلِ وَمَعَهُ وَبَعْدَهُ، وَإِنْ أُرِيدَ الْقُوَّةُ الْمُؤَثِّرَةُ الْمُسْتَجْمِعَةُ لِجَمِيعِ الشَّرَائِطِ فَهِيَ مَعَ الْفِعْلِ بِالزَّمَانِ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَقَدِّمَةً بِالذَّاتِ بِمَعْنَى احْتِيَاجِ الْفِعْلِ إلَيْهَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ قَبْلَ الْفِعْلِ لِامْتِنَاعِ تَخَلُّفِ الْمَعْلُولِ عَنْ عِلَّتِهِ التَّامَّةِ أَعْنِي جُمْلَةَ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ لِمَا مَرَّ فِي فَصْلِ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ فَلِهَذَا قَالَ: إنَّ الْقُدْرَةَ الَّتِي شُرِطَ تَقَدُّمُهَا عَلَى وُجُوبِ أَدَاءِ الْعِبَادَاتِ هِيَ سَلَامَةُ الْآلَاتِ وَالْأَسْبَابِ لَا الْقُدْرَةُ الْمُؤَثِّرَةُ الْمُسْتَجْمِعَةُ لِجَمِيعِ شَرَائِطِ التَّأْثِيرِ، فَإِنْ قِيلَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ التَّكْلِيفُ مَشْرُوطًا بِالْقُدْرَةِ بِمَعْنَى الْقُوَّةِ الْمُؤَثِّرَةِ الْمُسْتَجْمِعَةِ لِجَمِيعِ الشَّرَائِطِ ضَرُورَةَ أَنَّ الْفِعْلَ بِدُونِهَا مُمْتَنِعٌ، وَلَا تَكْلِيفَ بِالْمُمْتَنِعِ قُلْنَا: مُعَارَضٌ بِأَنَّ الْفِعْلَ عِنْدَ جَمِيعِ شَرَائِطِ التَّأْثِيرِ وَاجِبٌ لِامْتِنَاعِ التَّخَلُّفِ، وَلَا تَكْلِيفَ بِالْوَاجِبِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ لِعَدَمِ التَّمَكُّنِ مِنْ التَّرْكِ وَبِأَنَّهُ لَوْ كَانَ التَّكْلِيفُ مَشْرُوطًا بِمَا ذَكَرْتُمْ لَمَا تَوَجَّهَ التَّكْلِيفُ إلَّا حَالَ الْمُبَاشَرَةِ، وَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَعْصِيَ بِتَرْكِ الْمَأْمُورِ بِهِ لِعَدَمِ التَّكْلِيفِ بِدُونِ الْمُبَاشَرَةِ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ قَبْلَ الْمُبَاشَرَةِ مُكَلَّفٌ بِإِيقَاعِ الْفِعْلِ فِي الزَّمَانِ الْمُسْتَقْبَلِ، وَامْتِنَاعُ الْفِعْلِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ عِلَّتِهِ التَّامَّةِ لَا يُنَافِي كَوْنَ الْفِعْلِ مَقْدُورًا مُخْتَارًا لَهُ بِمَعْنَى صِحَّةِ تَعَلُّقِ قُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ وَقَصْدِهِ إلَى إيقَاعِهِ، وَإِنَّمَا الْمُمْتَنِعُ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ بِمَعْنَى أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ مِمَّا لَا يَصِحُّ تَعَلُّقُ قُدْرَةِ الْعَبْدِ بِهِ وَقَصْدِهِ إلَى إيجَادِهِ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا يُقَالُ إنَّ الْفِعْلَ بِدُونِ عِلَّتِهِ التَّامَّةِ مُمْتَنِعٌ وَمَعَهَا وَاجِبٌ فَلَا تَكْلِيفَ إلَّا بِالْمُحَالِ؛ لِأَنَّ فِي الْأَوَّلِ تَكْلِيفًا بِالْمَشْرُوطِ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ، وَفِي الثَّانِي تَكْلِيفًا بِتَحْصِيلِ الْحَاصِلِ. (قَوْلُهُ: أَوْ نَقُولُ) جَوَابٌ ثَالِثٌ عَنْ دَلِيلِ زُفَرَ حَاصِلُهُ مَنْعُ الْمُقَدِّمَةِ الْمَطْوِيَّةِ الْقَائِلَةِ بِأَنَّ مَا لَا يَجِبُ أَدَاؤُهُ

стр. 382

يُبْتَنَى عَلَى نَفْسِ الْوُجُوبِ لَا عَلَى وُجُوبِ الْأَدَاءِ كَمَا فِي قَضَاءِ الْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ الصَّوْمَ، وَلَا يُشْتَرَطُ بَقَاءُ هَذِهِ الْقُدْرَةِ) أَيْ: الْمُمَكِّنَةِ (لِبَقَاءِ الْوَاجِبِ إذْ التَّمَكُّنُ عَلَى الْأَدَاءِ يَسْتَغْنِي عَنْ بَقَائِهَا) أَيْ: اسْتِمْرَارِهَا فَلِهَذَا لَا تُشْتَرَطُ لِلْقَضَاءِ فَلِهَذَا إذَا مَلَكَ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ فَلَمْ يَحُجَّ فَهَلَكَ الْمَالُ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ وَجَبَ بِالْقُدْرَةِ الْمُمَكِّنَةِ فَقَطْ؛ لِأَنَّ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ أَدْنَى مَا يُتَمَكَّنُ بِهِ (عَلَى هَذَا السَّفَرِ غَالِبًا) اعْلَمْ أَنَّ جَعْلَ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ مِنْ الْقُدْرَةِ الْمُمَكِّنَةِ يُنَاقِضُ قَوْلَهُ: لِأَنَّ الْقُدْرَةَ الَّتِي شَرَطْنَاهَا مُتَقَدِّمَةً إلَخْ. (وَالْقُدْرَةُ الْمُيَسِّرَةُ مَا يُوجِبُ الْيُسْرَ عَلَى الْأَدَاءِ كَالنَّمَاءِ فِي الزَّكَاةِ، وَيُشْتَرَطُ بَقَاؤُهَا لِبَقَاءِ الْوَاجِبِ لِئَلَّا يَنْقَلِبَ إلَى الْعُسْرِ فَلَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي هَلَاكِ النِّصَابِ بَعْدَ الْحَوْلِ بَعْدَ التَّمَكُّنِ بِخِلَافِ الِاسْتِهْلَاكِ؛ لِأَنَّهُ تَعَدٍّ، فَإِنْ قِيلَ لَمَّا شَرَطْتُمْ بَقَاءَهَا لِبَقَاءِ الْوَاجِبِ يَجِبُ أَنْ يُشْتَرَطَ بَقَاءُ النِّصَابِ لِلْوُجُوبِ فِي الْبَعْضِ فَلَا تَجِبُ بَعْدَ هَلَاكِ بَعْضِهِ فِي الْبَاقِي) ــ [التلويح] لَا يَجِبُ قَضَاؤُهُ وَالسَّنَدُ هُوَ وُجُوبُ قَضَاءِ صَوْمِ الْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ مَعَ عَدَمِ وُجُوبِ الْأَدَاءِ. (قَوْلُهُ: وَلَا يُشْتَرَطُ) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ جَوَابًا آخَرَ عَنْ دَلِيلِ زُفَرَ وَأَنْ يَكُونَ ابْتِدَاءَ كَلَامٍ يَعْنِي أَنَّ الْقَضَاءَ إنَّمَا يَجِبُ لِبَقَاءِ الْوَاجِبِ بِالسَّبَبِ السَّابِقِ، وَهُوَ غَيْرُ مَشْرُوطٍ بِبَقَاءِ الْقُدْرَةِ الْمُمَكِّنَةِ لِأَنَّ الْمُفْتَقِرَ إلَى حَقِيقَةِ هَذِهِ الْقُدْرَةِ وَبَقَائِهَا هُوَ حَقِيقَةُ الْأَدَاءِ، وَأَمَّا التَّمَكُّنُ مِنْ الْأَدَاءِ فَمُسْتَغْنٍ عَنْ بَقَائِهَا بَلْ يَكْفِي مُجَرَّدُ إمْكَانِهَا وَتَوَهُّمِهَا، وَإِذَا كَانَ الْوُجُوبُ بَاقِيًا بِدُونِ بَقَاءِ هَذِهِ الْقُدْرَةِ، كَانَ الْقَضَاءُ ثَابِتًا بِدُونِهَا فَلَا يَكُونُ شَرْطًا لِلْقَضَاءِ بَلْ لِلْأَدَاءِ فَقَطْ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَلَا يَلْزَمُ تَكْلِيفُ مَا لَيْسَ فِي الْوُسْعِ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ ابْتِدَاءَ تَكْلِيفٍ بَلْ بَقَاءُ التَّكْلِيفِ الْأَوَّلِ عَلَى مَا هُوَ الْمُخْتَارُ مِنْ أَنَّ الْقَضَاءَ إنَّمَا هُوَ بِالسَّبَبِ الْأَوَّلِ لَا بِنَصٍّ جَدِيدٍ، وَقَدْ يُسْتَدَلُّ عَلَى اخْتِصَاصِ هَذِهِ الْقُدْرَةِ بِالْأَدَاءِ بِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ فِي النَّفَسِ الْأَخِيرِ مِنْ الْعُمْرِ قَضَاءُ جَمِيعِ الْمَتْرُوكَاتِ مِنْ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ مَعَ عَدَمِ الْقُدْرَةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِيَظْهَرَ أَثَرُهُ فِي الْخَلَفِ كَمَا فِي الْجُزْءِ الْأَخِيرِ مِنْ الْوَقْتِ إذْ لَا خَلَفَ لِلْقَضَاءِ، وَجَوَابُهُ أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا اُعْتُبِرَ لِيَظْهَرَ أَثَرُهُ فِي الْمُؤَاخَذَةِ فِي الْآخِرَةِ كَالْمَيِّتِ يَبْقَى عَلَيْهِ الْوَاجِبَاتُ فِي حَقِّ بَقَاءِ الْإِثْمِ الْمُؤَاخَذَةُ مَعَ أَنَّ الْمَوْتَ عَجْزٌ كُلِّيٌّ يَسْقُطُ مَعَهُ الْفِعْلُ قَطْعًا، وَمِنْ هَاهُنَا قِيلَ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَدَاءِ، وَالْقَضَاءِ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا إنْ كَانَ مَطْلُوبًا لِنَفْسِ الْفِعْلِ فَلَا بُدَّ مِنْ بَقَاءِ الْقُدْرَةِ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ الْفِعْلُ بِدُونِهَا، وَإِنْ كَانَ مَطْلُوبًا لِأَمْرٍ آخَرَ يَكْفِي تَوَهُّمُ الْقُدْرَةِ فَفِي النَّفَسِ الْأَخِيرِ تَبْقَى الْوَاجِبَاتُ بِتَوَهُّمِ امْتِدَادِ الْوَقْتِ لِيَظْهَرَ أَثَرُهُ فِي الْمُؤَاخَذَةِ، وَكَذَا الصَّلَاةُ بَعْدَ فَوَاتِ الْقُدْرَةِ تَبْقَى فِي الذِّمَّةِ لِتَوَهُّمِ حُدُوثِ الْقُدْرَةِ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمَا مِنْ الْقُدْرَةِ الْمُمَكِّنَةِ حَتَّى لَا يَشْتَرِطُ بَقَاءَهُمَا وُجُوبُ الْحَجِّ، ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّهُمَا مِنْ قَبِيلِ الْآلَاتِ الَّتِي هِيَ وَسَائِطُ حُصُولِ الْمَطْلُوبِ فَجَعْلُهُمَا مِنْ الْقُدْرَةِ

стр. 383

تَوْجِيهُ السُّؤَالِ أَنَّكُمْ شَرَطْتُمْ بَقَاءَ الْقُدْرَةِ الْمُيَسِّرَةِ لِبَقَاءِ الْوَاجِبِ، وَالنِّصَابُ شَرْطُ لِلْيُسْرِ فَيَجِبُ أَنْ يُشْتَرَطَ بَقَاءُ النِّصَابِ لِلْوُجُوبِ فِي الْبَعْضِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَجِبَ الزَّكَاةُ فِي الْبَاقِي إذَا هَلَكَ بَعْضُ النِّصَابِ. فَنُجِيبُ بِأَنَّ النِّصَابَ مَا شُرِطَ لِلْيُسْرِ بَلْ لِلتَّمَكُّنِ وَفِي هَذَا الْكَلَامِ مَا فِيهِ. (قُلْنَا النِّصَابُ مَا شُرِطَ لِلْيُسْرِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ رُبْعُ الْعُشْرِ، وَنِسْبَتُهُ إلَى كُلِّ الْمَقَادِيرِ ــ [التلويح] الْمُمَكِّنَةِ لَا يُنَاقِضُ تَفْسِيرَهَا بِسَلَامَةِ الْآلَاتِ وَالْأَسْبَابِ عَلَى مَا زَعَمَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. (قَوْلُهُ: وَالْقُدْرَةُ الْمُيَسِّرَةُ مَا تُوجِبُ الْيُسْرَ عَلَى الْأَدَاءِ) أَيْ: يُسْرَ قُدْرَةِ الْعَبْدِ عَلَى أَدَاءِ الْوَاجِبِ، وَالْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ يَسَّرَ الْأَدَاءَ عَلَى الْعَبْدِ بَعْدَ مَا ثَبَتَ الْإِمْكَانُ بِالْقُدْرَةِ الْمُمَكِّنَةِ فَهِيَ كَرَامَةٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فِي الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْقُدْرَةِ الْمُمَكِّنَةِ، وَلِهَذَا اُشْتُرِطَتْ فِي أَكْثَرِ الْوَاجِبَاتِ الْمَالِيَّةِ الَّتِي أَدَاؤُهَا أَشَقُّ عَلَى النَّفْسِ عِنْدَ الْعَامَّةِ، وَذَلِكَ كَالنَّمَاءِ فِي الزَّكَاةِ، فَإِنَّ الْأَدَاءَ مُمْكِنٌ بِدُونِهِ إلَّا أَنَّهُ يَصِيرُ بِهِ أَيْسَرَ حَيْثُ يُنْتَقَصُ أَصْلُ الْمَالِ، وَإِنَّمَا يَفُوتُ بَعْضُ النَّمَاءِ، ثُمَّ الْقُدْرَةُ الْمُمَكِّنَةُ لَمَّا كَانَتْ شَرْطًا لِلتَّمَكُّنِ مِنْ الْفِعْلِ، وَإِحْدَاثِهِ كَانَتْ شَرْطًا مَحْضًا لَيْسَ فِيهِ مَعْنَى الْعِلِّيَّةِ فَلَمْ يُشْتَرَطْ بَقَاؤُهَا لِبَقَاءِ الْوَاجِبِ إذْ الْبَقَاءُ غَيْرُ الْوُجُودِ، وَشَرْطُ الْوُجُودِ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا لِلْبَقَاءِ كَالشُّهُودِ فِي النِّكَاحِ شَرْطٌ لِلِانْعِقَادِ دُونَ الْبَقَاءِ بِخِلَافِ الْمُيَسِّرَةِ، فَإِنَّهَا شَرْطٌ فِيهِ مَعْنَى الْعِلِّيَّةِ، لِأَنَّهَا غَيَّرَتْ صِفَةَ الْوَاجِبِ مِنْ الْعُسْرِ إلَى الْيُسْرِ إذْ جَازَ أَنْ يَجِبَ بِمُجَرَّدِ الْقُدْرَةِ الْمُمَكِّنَةِ لَكِنْ بِصِفَةِ الْعُسْرِ، فَأَثَّرَتْ فِيهِ الْقُدْرَةُ الْمُيَسِّرَةُ وَأَوْجَبَتْهُ بِصِفَةِ الْيُسْرِ فَيُشْتَرَطُ دَوَامُهَا نَظَرًا إلَى مَعْنَى الْعِلِّيَّةِ لِأَنَّ هَذِهِ الْعِلَّةَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ بَقَاءُ الْحُكْمِ بِدُونِهَا إذْ لَا يُتَصَوَّرُ الْيُسْرُ بِدُونِ الْقُدْرَةِ الْمُيَسِّرَةِ، وَالْوَاجِبُ لَا يَبْقَى بِدُونِ صِفَةِ الْيُسْرِ لِأَنَّهُ لَمْ يُشْرَعْ إلَّا بِتِلْكَ الصِّفَةِ فَلِهَذَا اُشْتُرِطَ بَقَاءُ الْقُدْرَةِ الْمُيَسِّرَةِ دُونَ الْمُمَكِّنَةِ مَعَ أَنَّ ظَاهِرَ النَّظَرِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ بِالْعَكْسِ إذْ الْفِعْلُ لَا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ الْإِمْكَانِ وَيُتَصَوَّرُ بِدُونِ الْيُسْرِ. (قَوْلُهُ: فَلَا يَجِبُ) يَعْنِي بَعْدَمَا تَمَكَّنَ مِنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ بَعْدَ الْحَوْلِ، وَلَمْ يُؤَدِّ حَتَّى هَلَكَ الْمَالُ لَمْ يَبْقَ الْوُجُوبُ لِعَدَمِ بَقَاءِ الْقُدْرَةِ الْمُيَسِّرَةِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ بِأَنْ هَلَكَ الْمَالُ كَمَا تَمَّ الْحَوْلُ فَلَا ضَمَانَ بِالِاتِّفَاقِ، فَإِنْ قِيلَ فَفِي صُورَةِ الِاسْتِهْلَاكِ بِأَنْ يُنْفِقَ الْمَالَ فِي حَاجَتِهِ أَوْ يُلْقِيَهُ فِي الْبَحْرِ فَقَدْ انْتَفَتْ الْقُدْرَةُ الْمُيَسِّرَةُ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجِبَ الضَّمَانُ، فَجَوَابُهُ أَنَّ اشْتِرَاطَ بَقَاءِ الْقُدْرَةِ الْمُيَسِّرَةِ إنَّمَا كَانَ نَظَرًا لِلْمُكَلَّفِ، وَقَدْ خَرَجَ بِالتَّعَدِّي عَنْ اسْتِحْقَاقِ النَّظَرِ لَهُ فَلَمْ يَسْقُطْ الْوُجُوبُ عَنْهُ، أَوْ نَقُولُ نَجْعَلُ الْقُدْرَةَ الْمُيَسِّرَةَ بَاقِيَةً تَقْدِيرًا زَجْرًا عَلَى الْمُتَعَدِّي وَرَدًّا لِمَا قَصَدَهُ مِنْ إسْقَاطِ الْحَقِّ الْوَاجِبِ عَنْهُ نَفْسِهِ وَنَظَرًا لِلْفَقِيرِ. (قَوْلُهُ: وَفِي هَذَا الْكَلَامِ مَا فِيهِ) يَعْنِي أَنَّ التَّمَكُّنَ مِنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مِلْكِ النِّصَابِ بَلْ

стр. 384

سَوَاءٌ بَلْ لِيَصِيرَ غَنِيًّا فَيَصِيرَ أَهْلًا لِلْإِغْنَاءِ لِقَوْلِهِ: ﵇ «لَا صَدَقَةَ إلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى» وَلَا حَدَّ لَهُ فَقَدَّرَهُ الشَّرْعُ بِالنِّصَابِ، وَكَذَا الْكَفَّارَةُ وَجَبَتْ بِهَذِهِ الْقُدْرَةِ لِدَلَالَةِ التَّخْيِيرِ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْعَجْزَ فِي الْعُمْرِ؛ لِأَنَّ ذَا يُبْطِلُ أَدَاءُ الصَّوْمِ فَالْمُرَادُ الْعَجْزُ الْحَالِيُّ مَعَ احْتِمَالِ الْقُدْرَةِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ) أَيْ: تُشْتَرَطُ الْقُدْرَةُ الْمُقَارِنَةُ لِلْأَدَاءِ. (كَالِاسْتِطَاعَةِ مَعَ الْفِعْلِ) أَيْ: الْقُدْرَةُ التَّامَّةُ الْحَقِيقِيَّةُ الَّتِي تُقَارِنُ الْفِعْلَ كَمَا ذَكَرْنَا آنِفًا فَالْقُدْرَةُ الْمَشْرُوطَةُ فِي الْكَفَّارَةِ قُدْرَةٌ كَذَلِكَ أَيْ: مُقَارِنَةٌ لِأَدَاءِ الْكَفَّارَةِ لَا سَابِقَةٌ وَلَا لَاحِقَةٌ. (وَذَا دَلِيلُ الْيُسْرِ) أَيْ: اشْتِرَاطُ بَقَاءِ الْقُدْرَةِ الْمُقَارِنَةِ دَلِيلُ الْيُسْرِ. (فَيُشْتَرَطُ بَقَاؤُهَا لِبَقَاءِ الْوَاجِبِ) أَيْ: يُشْتَرَطُ بَقَاءُ الْقُدْرَةِ فِي بَابِ الْكَفَّارَةِ لِبَقَاءِ الْوَاجِبِ حَتَّى إنْ تَحَقَّقَتْ الْقُدْرَةُ عَلَى الْإِعْتَاقِ فَوَجَبَ الْإِعْتَاقُ، ثُمَّ إنْ لَمْ تَبْقَ الْقُدْرَةُ يَسْقُطُ الْإِعْتَاقُ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا لَمْ تَتَّصِلْ بِالْأَدَاءِ عُلِمَ أَنَّ الْقُدْرَةَ ــ [التلويح] يَكْفِي مِلْكُ قَدْرِ الْمُؤَدَّى، فَكَيْفَ يَكُونُ وُجُودُ النِّصَابِ مِنْ شَرَائِطِ التَّمَكُّنِ وَرَاجِعًا إلَى الْقُدْرَةِ الْمُمَكِّنَةِ عَلَى أَنَّهُمْ فَسَّرُوا الْقُدْرَةَ الْمُمَكِّنَةَ بِسَلَامَةِ الْأَسْبَابِ وَالْآلَاتِ، وَالنِّصَابُ لَيْسَ مِنْهَا، وَهَذَا لَا يَرِدُ عَلَى كَلَامِ الْقَوْمِ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَجْعَلُوا النِّصَابَ مِنْ الْقُدْرَةِ الْمُمَكِّنَةِ بَلْ هُوَ مِنْ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ وَحُصُولِ الْأَهْلِيَّةِ بِأَنْ يَكُونَ غَنِيًّا فَيَتَمَكَّنُ مِنْ الْإِغْنَاءِ لَا مِنْ شَرَائِطِ الْيُسْرِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يُغَيِّرُ الْوَاجِبَ مِنْ الْعُسْرِ إلَى الْيُسْرِ؛ لِأَنَّ إيتَاءَ الْخَمْسَةِ مِنْ الْمِائَتَيْنِ وَإِيتَاءَ الدِّرْهَمِ مِنْ الْأَرْبَعِينَ سَوَاءٌ فِي الْيُسْرِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: وَنِسْبَةُ رُبُعِ الْعُشْرِ إلَى كُلِّ الْمَقَادِيرِ سَوَاءٌ بَلْ رُبَّمَا يَكُونُ إيتَاءُ الدِّرْهَمِ مِنْ الْأَرْبَعِينَ أَيْسَرَ مِنْ إيتَاءِ الْخَمْسَةِ مِنْ الْمِائَتَيْنِ، وَإِذَا كَانَ النِّصَابُ شَرْطَ الْوُجُوبِ لَا شَرْطَ الْيُسْرِ لَمْ يُشْتَرَطْ بَقَاؤُهُ لِبَقَاءِ الْوُجُوبِ فِيمَا بَقِيَ مِنْ النِّصَابِ عِنْدَ هَلَاكِ الْبَعْضِ لِأَنَّ الْوُجُوبَ فِي وَاجِبٍ وَاحِدٍ لَا يَتَكَرَّرُ فَلَا يُشْتَرَطُ دَوَامُ شَرْطِهِ، فَإِنْ قِيلَ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَسْقُطَ الزَّكَاةُ بِهَلَاكِ جَمِيعِ النِّصَابِ قُلْنَا: إنَّمَا تَسْقُطُ لِفَوَاتِ الْقُدْرَةِ الْمُيَسِّرَةِ الَّتِي هِيَ وَصْفُ النَّمَاءِ لَا لِفَوَاتِ الشَّرْطِ الَّذِي هُوَ النِّصَابُ، وَلِهَذَا لَا تَسْقُطُ بِهَلَاكِ بَعْضِ النِّصَابِ مَعَ أَنَّ الْكُلَّ يَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ الْبَعْضِ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ، مَا قِيلَ إنَّ تَفْرِيعَ قَوْلِهِ فَلَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي هَلَاكِ النِّصَابِ عَلَى قَوْلِهِ، وَيُشْتَرَطُ بَقَاءُ الْقُدْرَةِ الْمُيَسِّرَةِ لِبَقَاءِ الْوَاجِبِ مُشْعِرٌ بِأَنَّ النِّصَابَ مِنْ الْقُدْرَةِ الْمُيَسِّرَةِ، وَإِلَّا فَلَا وَجْهَ لِلتَّفْرِيعِ. ١ - (قَوْلُهُ: «لَا صَدَقَةَ إلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى» ) أَيْ: إلَّا صَادِرَةً عَنْ غِنًى، وَالظَّهْرُ مُقْحَمٌ كَمَا فِي ظَهْرِ الْغَيْبِ وَظَهْرِ الْقَلْبِ أَوْ هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ الْقُوَّةِ إذْ الْمَالُ لِلْغَنِيِّ بِمَنْزِلَةِ الظَّهْرِ الَّذِي عَلَيْهِ اعْتِمَادُهُ، وَإِلَيْهِ اسْتِنَادُهُ، وَقَدْ يُسْتَدَلُّ عَلَى اشْتِرَاطِ الْغِنَى لِأَهْلِيَّةِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ تَارَةً بِهَذَا الْحَدِيثِ، فَإِنَّهُ لِنَفْيِ الْوُجُوبِ لَا لِنَفْيِ الْوُجُودِ إذْ كَثِيرًا مَا تُوجَدُ الصَّدَقَةُ عَنْ الْفَقِيرِ، وَتَارَةً بِالْمَعْقُولِ، وَهُوَ أَنَّ الزَّكَاةَ إغْنَاءٌ لِلْفَقِيرِ، وَلَا يَصِيرُ الْمَرْءُ أَهْلًا لِلْإِغْنَاءِ إلَّا بِالْغِنَى كَمَا لَا يَصِيرُ أَهْلًا لِلتَّمْلِيكِ إلَّا

стр. 385

الْمُقَارِنَةَ لِلْأَدَاءِ لَمْ تُوجَدْ، وَهُوَ الشَّرْطُ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ بِالْقُدْرَةِ الْمُيَسِّرَةِ فَيُشْتَرَطُ بَقَاؤُهَا. (إلَّا أَنَّ الْمَالَ هَاهُنَا غَيْرُ عَيْنٍ فَلَا يَكُونُ الِاسْتِهْلَاكُ تَعَدِّيًا فَيَكُونُ كَالْهَلَاكِ) جَوَابُ سُؤَالٍ مَقْدُورٍ، وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا سَوَّى بَيْنَ الزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَةِ فِي أَنَّهُمَا وَاجِبَتَانِ بِالْقُدْرَةِ الْمُيَسِّرَةِ يَنْبَغِي أَنْ لَا تَسْقُطَ الْكَفَّارَةُ بِالْمَالِ إذَا اُسْتُهْلِكَ الْمَالُ كَمَا لَا تَسْقُطُ الزَّكَاةُ، فَأَجَابَ بِأَنَّ الْمَالَ غَيْرُ مُعَيَّنٍ فِي الْكَفَّارَةِ فَلَا يَكُونُ الِاسْتِهْلَاكُ تَعَدِّيًا، وَهُوَ فِي الزَّكَاةِ مُعَيَّنٌ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ جُزْءٌ مِنْ النِّصَابِ فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْوَاجِبَ مِنْ هَذَا الْمَالِ، فَإِذَا اسْتَهْلَكَ الْمَالَ كُلَّهُ اسْتَهْلَكَ الْوَاجِبَ فَيَضْمَنُ، وَاعْلَمْ أَنَّ فِي قَوْلِهِمْ إنَّ بَقَاءَ الْقُدْرَةِ الْمُيَسِّرَةِ شَرْطٌ لِبَقَاءِ الْوَاجِبِ، وَإِلَّا انْقَلَبَ الْيُسْرُ عُسْرًا نَوْعُ نَظَرٍ؛ لِأَنَّهُ إنْ يَسَّرَ اللَّهُ تَعَالَى لَنَا أَمْرًا لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَثْبُتَ يُسْرٌ آخَرُ، وَهُوَ ــ [التلويح] بِالْمِلْكِ وَعَلَيْهِ اعْتِرَاضٌ ظَاهِرٌ، وَهُوَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الزَّكَاةِ لَيْسَ هُوَ الْإِغْنَاءَ الشَّرْعِيَّ بَلْ الْإِغْنَاءُ عَنْ السُّؤَالِ، وَيَدْفَعُ حَاجَةَ الْفَقِيرِ، وَهَذَا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْغِنَى الشَّرْعِيِّ فَلِذَا جَمَعَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، وَجَعَلَ الْحَدِيثَ دَلِيلًا عَلَى تَوَقُّفِ أَهْلِيَّةِ إغْنَاءِ الْفَقِيرِ عَلَى الْغِنَى، وَقَدْ يُجَابُ عَنْ الِاعْتِرَاضِ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْإِغْنَاءَ بِصِفَةِ الْحُسْنِ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْغِنَى الشَّرْعِيِّ لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنْ حَالِ الْفَقِيرِ عَدَمُ الصَّبْرِ عَلَى شَدَائِدِ الْفَقْرِ وَالْجَزَعُ عَلَى مَكَايِدِ الْحَاجَةِ فَلَا بُدَّ فِي أَهْلِيَّةِ الْإِغْنَاءِ الْمَأْمُورِ بِهِ مِنْ الْغِنَى الشَّرْعِيِّ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى الْجَزَعِ الْمَذْمُومِ فِي الْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ، فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ التَّوْفِيقُ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ ﵇ «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ جُهْدُ الْمُقِلِّ» قُلْت إنْ جَعَلْت هَذَا الْحَدِيثَ نَفْيًا لِلْوُجُوبِ، فَظَاهِرٌ إذْ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ عَدَمِ وُجُوبِ الصَّدَقَةِ إلَّا عَلَى الْغَنِيِّ، وَبَيْنَ كَوْنِ صَدَقَةِ الْفَقِيرِ عَلَى سَبِيلِ التَّطَوُّعِ أَكْثَرَ ثَوَابًا مِنْهُ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهَا أَشَقَّ، فَإِنَّ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ أَحْمَزُهَا، وَإِنْ جَعَلْتَهُ نَفْيًا لِلْفَضِيلَةِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ الْمُلَائِمُ لِقَوْلِهِ: ﵊ «خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا يَكُونُ عَنْ ظَهْرِ غِنًى» فَوَجْهُ الْجَمْعِ أَنَّ الْمُرَادَ تَفْضِيلُ صَدَقَةِ الْغَنِيِّ عَلَى صَدَقَةِ الْفَقِيرِ الَّذِي لَا يَصْبِرُ عَلَى شِدَّةِ الْفَقْرِ، وَيَجْزَعُ لَدَى الْحَاجَةِ عَلَى مَا هُوَ الْأَعَمُّ الْأَغْلَبُ، وَتَفْضِيلُ صَدَقَةِ الْفَقِيرِ الَّذِي اُخْتُصَّ بِتَأْيِيدٍ وَتَوْفِيقٍ إلَهِيٍّ فِي الصَّبْرِ عَلَى شِدَّةِ الْحَاجَةِ، وَإِيثَارِ مُرَادِ الْغَيْرِ عَلَى مُرَادِهِ، وَلَوْ كَانَ بِهِ خَصَاصَةٌ، وَقَدْ يُقَالُ: الْمُرَادُ بِالْغِنَى غِنَى الْقَلْبِ حَتَّى يَصْبِرَ عَلَى فَقْرِهِ، وَيَتَثَبَّتَ عَنْ التَّكَفُّفِ إنْ كَانَ فَقِيرًا، وَلَا يَبْقَى لَهُ تَعَلُّقُ قَلْبٍ بِمَا تَصَدَّقَ بِهِ بِحَيْثُ يُفْضِي إلَى إبْطَالِهِ بِالْمَنِّ، وَالِاسْتِكْثَارِ إنْ كَانَ غَنِيًّا، وَعَلَى هَذَا لَا يَبْقَى التَّمَسُّكُ الْمَذْكُورُ. (قَوْلُهُ: وَلَا حَدَّ لَهُ) أَيْ: لِلْغِنَى لِأَنَّهُ بِكَثْرَةِ الْمَالِ، وَذَلِكَ يَتَفَاوَتُ بِتَفَاوُتِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَزْمَانِ وَالْأَحْوَالِ فَقَدَّرَهُ الشَّارِعُ بِالنِّصَابِ فَصَارَ الْغَنِيُّ مَنْ لَهُ النِّصَابُ، وَالْفَقِيرُ مَنْ لَا نِصَابَ لَهُ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ الْفَقِيرِ الْمُقَابِلِ لِلْمِسْكِينِ بِمَعْنَى مَنْ لَهُ أَدْنَى شَيْءٍ. (قَوْلُهُ: لِدَلَالَةِ التَّخْيِيرِ) يَعْنِي أَنَّ التَّخْيِيرَ

стр. 386

بَقَاءُ النِّصَابِ أَبَدًا، فَإِنَّ اشْتِرَاطَ هَذَا الْيُسْرِ يُؤَدِّي إلَى فَوَاتِ أَدَاءِ الزَّكَاةِ، فَإِنَّهُ إنْ أَخَّرَ أَدَاءَ الزَّكَاةِ خَمْسِينَ سَنَةً، ثُمَّ هَلَكَ الْمَالُ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَأَيْضًا لَا يَنْقَلِبُ الْيُسْرُ عُسْرًا، فَإِنَّ الْيُسْرَ الَّذِي حَصَلَ بِاشْتِرَاطِ الْحَوْلِ لَا يَنْقَلِبُ عُسْرًا بَلْ غَايَتُهُ أَنْ لَا يُثْبِتَ يُسْرًا آخَرَ أَنَّهُ ــ [التلويح] الْكَامِلَ، وَهُوَ التَّخْيِيرُ فِي الصُّورَةِ وَالْمَعْنَى بِأَنْ يَكُونَ بَيْنَ أُمُورٍ مُتَفَاوِتَةٍ بَعْضُهَا أَسْهَلُ مِنْ الْبَعْضِ كَخِصَالِ الْكَفَّارَةِ دَلِيلُ التَّيْسِيرِ بِخِلَافِ التَّخْيِيرِ صُورَةً فَقَطْ بِأَنْ تَكُونَ الْأُمُورُ مُتَمَاثِلَةً فِي الْمَالِيَّةِ كَمَا فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ مِنْ نِصْفِ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ أَوْ صَاعٍ مِنْ شَعِيرٍ أَوْ تَمْرٍ، فَإِنَّهُ دَلِيلُ التَّأْكِيدِ، وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْأَدَاءِ أَلْبَتَّةَ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّ ذَا) أَيْ: كَوْنَ الْمُرَادِ بِعَدَمِ وِجْدَانِ الْمَالِ هُوَ الْعَجْزُ فِي الْعُمْرِ يُبْطِلُ أَدَاءَ الصَّوْمِ لِأَنَّ هَذَا الْعَجْزَ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا فِي آخِرِ الْعُمْرِ، وَبَعْدَهُ لَا يُتَصَوَّرُ أَدَاءُ الصَّوْمِ فَلَا يَصِحُّ تَرَتُّبُ الصَّوْمِ عَلَى عَدَمِ الْوِجْدَانِ بِهَذَا الْمَعْنَى فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْعَجْزُ فِي الْحَالِ مَعَ احْتِمَالِ أَنْ تَحْصُلَ الْقُدْرَةُ فِي الِاسْتِقْبَالِ. (قَوْلُهُ: حَتَّى إنْ تَحَقَّقَ الْقُدْرَةُ) أَرَادَ بِهَا مِلْكَ الرَّقَبَةِ أَوْ ثَمَنِهَا الْقُدْرَةُ الْحَقِيقَةُ الْمُسْتَجْمِعَةُ لِجَمِيعِ شَرَائِطِ التَّأْثِيرِ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ بِدُونِ الْإِعْتَاقِ فَلَا مَعْنَى لِزَوَالِهَا وَسَقُوطِ الْإِعْتَاقِ. (قَوْلُهُ: إلَّا أَنَّ الْمَالَ هَاهُنَا غَيْرُ عَيْنٍ) فَبِهَذَا يَخْرُجُ الْجَوَابُ عَنْ إشْكَالٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ الْوَاجِبَ فِي الْكَفَّارَةِ يَعُودُ بِهِ هَلَاكُ الْمَالِ بِإِصَابَةِ مَالٍ آخَرَ قَبْلَ الْأَدَاءِ، وَلَا يَعُودُ فِي الزَّكَاةِ فَيَكُونُ دُونَ الزَّكَاةِ. (قَوْلُهُ: وَاعْلَمْ) اُعْتُرِضَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى قَوْلِهِمْ يُشْتَرَطُ بَقَاءُ الْقُدْرَةِ الْمُيَسِّرَةِ لِبَقَاءِ الْوَاجِبِ لِئَلَّا يَنْقَلِبَ الْيُسْرُ عُسْرًا أَوَّلًا بِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى فَوَاتِ أَدَاءِ الزَّكَاةِ فِيمَا إذَا أَخَّرَ أَدَاءَ الزَّكَاةِ خَمْسِينَ سَنَةً ثُمَّ هَلَكَ الْمَالُ، وَثَانِيًا بِأَنَّا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ اشْتِرَاطِ بَقَاءِ الْقُدْرَةِ انْقِلَابُ الْيُسْرِ عُسْرًا بَلْ إنَّمَا يَلْزَمُ ثُبُوتُ أَحَدِ الْيُسْرَيْنِ، وَهُوَ النَّمَاءُ مَثَلًا دُونَ الْآخَرِ، وَهُوَ الْبَقَاءُ، فَإِنَّ حُصُولَ الْقُدْرَةِ الْمُيَسِّرَةِ يُسْرٌ وَبَقَاؤُهَا يُسْرٌ آخَرُ، وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ الْتِزَامُ الْفَوَاتِ فِي صُورَةِ هَلَاكِ الْمَالِ، وَلَا مَحْذُورَ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ مَا فُوِّتَ بِهَذَا الْحَبْسِ عَلَى أَحَدٍ مِلْكًا وَلَا يَدًا بَلْ الْمَالُ حَقُّهُ مِلْكًا، وَيَدًا، وَإِنَّمَا حَقُّ الْفَقِيرِ فِي أَنْ يُعَيَّنَ مَحَلًّا لِلصَّرْفِ إلَيْهِ وَلِصَاحِبِ الْمَالِ الْخِيَارُ فِي اخْتِيَارِ مَحَلِّ الْأَدَاءِ فَلَعَلَّهُ حُبِسَ عَنْ هَذَا الْمَحَلِّ لِيُؤَدِّيَ مِنْ مَحَلٍّ آخَرَ فَلَا يَضْمَنُ أَلَا يَرَى أَنَّ مَنْعَ الْمُشْتَرِي الدَّارَ عَنْ الشَّفِيعِ حَتَّى صَارَ بَحْرًا، وَمَنْعَ الْمَوْلَى الْعَبْدَ الْمَدْيُونَ عَنْ الْبَيْعِ أَوْ الْعَبْدَ الْجَانِيَ عَنْ أَوْلِيَاءِ الْجِنَايَةِ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارِ الْأَرْشِ حَتَّى هَلَكَ لَا يُوجِبُ الضَّمَانَ، وَعَنْ الثَّانِي أَنَّ مَعْنَى انْقِلَابِ الْيُسْرِ إلَى الْعُسْرِ أَنَّهُ وَجَبَ بِطَرِيقِ إيجَابِ الْقَلِيلِ مِنْ الْكَثِيرِ يُسْرًا أَوْ سُهُولَةً فَلَوْ أَوْجَبْنَاهُ عَلَى تَقْدِيرِ الْهَلَاكِ لَوَجَبَ بِطَرِيقِ الْغَرَامَةِ وَالتَّضْمِينِ فَيَصِيرُ عُسْرًا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ نَفْسَ الْيُسْرِ يَصِيرُ عُسْرًا، فَإِنَّهُ مُحَالٌ عَقْلًا، وَإِنَّمَا يَصِيرُ الْيَسِيرُ عَسِيرًا، وَبِالْعَكْسِ فَلْيُتَأَمَّلْ إنَّهُ الْمُيَسِّرُ

стр. 387

الْمُيَسِّرُ لِلصَّوَابِ (فَصْلٌ الْمَأْمُورُ بِهِ نَوْعَانِ مُطْلَقٌ وَمُؤَقَّتٌ) هَذَا الْفَصْلُ هُوَ أَصْلُ الشَّرَائِعِ قَدْ تَأَسَّسَ عَلَيْهِ مَبَانِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ، فَإِنْ طَالَعْت هَذَا الْمَوْضِعَ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ عَلِمْت سَعْيِي فِي تَنْقِيحِ هَذِهِ الْمَبَاحِثِ وَتَحْقِيقِهَا الْمُرَادُ بِالْمُطْلَقِ غَيْرُ الْمُؤَقَّتِ كَالْكَفَّارَاتِ وَالنُّذُورِ الْمُطْلَقَةِ وَالزَّكَاةِ. (أَمَّا الْمُطْلَقُ فَعَلَى التَّرَاخِي لِأَنَّهُ) أَيْ الْأَمْرَ. (جَاءَ لِلْفَوْرِ وَجَاءَ لِلتَّرَاخِي فَلَا يَثْبُتُ الْفَوْرُ إلَّا بِالْقَرِينَةِ، وَحَيْثُ عُدِمَتْ يَثْبُتُ التَّرَاخِي لَا أَنَّ الْأَمْرَ يَدُلُّ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْفَوْرِ الْوُجُوبُ فِي الْحَالِ، وَالْمُرَادَ بِالتَّرَاخِي عَدَمُ التَّقْيِيدِ بِالْحَالِ لَا التَّقْيِيدُ بِالْمُسْتَقْبَلِ حَتَّى ــ [التلويح] لِكُلِّ عَسِيرٍ [فَصْلٌ الْمَأْمُورُ بِهِ نَوْعَانِ مُطْلَقٌ وَمُؤَقَّتٌ] [أَقْسَامُ الْمَأْمُور بِهِ الْمُؤَقَّت] [الْقَسْم الْأَوَّل الْوَقْت الضَّيِّق وَالْفَاضِل عَنْ الواجب] (قَوْلُهُ فَصْلٌ) فِي تَقْسِيمِ الْمَأْمُورِ بِهِ بِاعْتِبَارِ أَمْرٍ غَيْرِ قَائِمٍ بِهِ وَهُوَ الْوَقْتُ بِخِلَافِ مَا سَبَقَ مِنْ التَّقْسِيمِ إلَى الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ وَالْحُسْنِ لِعَيْنِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ، فَإِنَّهُ كَانَ بِاعْتِبَارِ حَالَةٍ لِلْمَأْمُورِ بِهِ فِي نَفْسِهِ فَلِذَا جَعَلَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الدَّرَجَةِ الْأُولَى، وَقَالَ فِي هَذَا التَّقْسِيمِ لَا بُدَّ مِنْ تَرْتِيبِهِ عَلَى الدَّرَجَةِ الْأُولَى أَيْ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ هَذَا التَّقْسِيمِ وَإِيرَادِهِ عَقِيبَ التَّقْسِيمِ الَّذِي وَرَدَ فِي الدَّرَجَةِ الْأُولَى، وَهَذَا الْفَصْلُ أَصْلٌ لِلْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ يَبْتَنِي عَلَيْهِ أَدِلَّةُ عَامَّةِ الْقَوَاعِدِ الْكُلِّيَّةِ وَالْجُزْئِيَّةِ فِي الْفِقْهِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى مَبَاحِثِ الْمُؤَقَّتِ وَغَيْرِ الْمُؤَقَّتِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِكُلٍّ مِنْ الْأَقْسَامِ وَالْأَحْكَامِ، وَذَلِكَ مُعْظَمُ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ. (قَوْلُهُ مُطْلَقٌ وَمُؤَقَّتٌ) الْمُرَادُ بِالْمُؤَقَّتِ مَا يَتَعَلَّقُ بِوَقْتٍ مَحْدُودٍ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ الْإِتْيَانُ بِهِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْوَقْتِ أَدَاءً بَلْ يَكُونُ قَضَاءً كَالصَّلَاةِ خَارِجَ الْوَقْتِ أَوْ لَا يَكُونُ مَشْرُوعًا أَصْلًا كَالصَّوْمِ فِي غَيْرِ النَّهَارِ وَبِالْمُطْلَقِ مَا لَا يَكُونُ كَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ وَاقِعًا فِي وَقْتٍ لَا مَحَالَةَ. (قَوْلُهُ أَمَّا الْمُطْلَقُ فَعَلَى التَّرَاخِي) اخْتَلَفُوا فِي مُوجَبِ الْأَمْرِ فَذَهَبَ كَثِيرٌ إلَى أَنَّ حَقَّهُ الْفَوْرُ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْفَوْرِ وَلَا عَلَى التَّرَاخِي بَلْ كُلٌّ مِنْهُمَا بِالْقَرِينَةِ، وَهَؤُلَاءِ يَعْنُونَ بِالْفَوْرِ امْتِثَالَ الْمَأْجُورِ بِهِ عَقِيبَ وُرُودِ الْأَمْرِ، وَبِالتَّرَاخِي الْإِتْيَانَ بِهِ مُتَأَخِّرًا عَنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ، الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ الْعُلَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ لِلتَّرَاخِي إلَّا أَنَّ مُرَادَهُمْ بِالتَّرَاخِي عَدَمُ التَّقْيِيدِ بِالْحَالِ، وَالْمُصَنِّفُ اصْطَلَحَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّرَاخِي عَدَمُ التَّقْيِيدِ بِالْحَالِ لَا التَّقْيِيدَ بِالِاسْتِقْبَالِ فَالتَّرَاخِي عِنْدَهُ أَعَمُّ مِنْ الْفَوْرِ وَغَيْرِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمَّا اُسْتُدِلَّ عَلَى كَوْنِ مُطْلَقِ الْأَمْرِ لِلتَّرَاخِي بِأَنَّ الْأَمْرَ جَاءَ لِلْفَوْرِ وَجَاءَ لِلتَّرَاخِي فَلَا يَثْبُتُ الْفَوْرُ إلَّا بِالْقَرِينَةِ، فَعِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَعَدَمِ الْقَرِينَةِ يَثْبُتُ التَّرَاخِي لِضَرُورَةِ عَدَمِ قَرِينَةِ الْفَوْرِ لَا بِدَلَالَةِ الْأَمْرِ كَانَ لِمُعَارِضٍ أَنْ يَقُولَ جَاءَ لِلْفَوْرِ التَّرَاخِي فَلَا يَثْبُتُ التَّرَاخِي إلَّا بِقَرِينَةٍ فَعِنْدَ عَدَمِهَا يَثْبُتُ الْفَوْرُ، فَدَفَعَهَا الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِأَنَّ الْفَوْرَ أَمْرٌ زَائِدٌ ثُبُوتِيٌّ فَيَحْتَاجُ إلَى الْقَرِينَةِ، بِخِلَافِ التَّرَاخِي فَإِنَّهُ عَدَمُ أَصْلِيٍّ فَصَارَ مَا ذَكَرَهُ مُوَافِقًا لِمَا هُوَ الْمُخْتَارُ مِنْ أَنَّ مُطْلَقَ الْأَمْرِ لَيْسَ عَلَى الْفَوْرِ وَلَا عَلَى التَّرَاخِي بِالْمَعْنَى الْمَشْهُورِ فَلَا دَلَالَةَ لِلْأَمْرِ عَلَى أَحَدِهِمَا بَلْ كُلٌّ مِنْهُمَا بِالْقَرِينَةِ. (قَوْلُهُ

стр. 388

لَوْ أَدَّاهُ فِي الْحَالِ يَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ، فَالْفَوْرُ يَحْتَاجُ إلَى الْقَرِينَةِ لَا التَّرَاخِي. (وَأَمَّا الْمُؤَقَّتُ فَإِمَّا أَنْ يَتَضَيَّقَ الْوَقْتُ عَنْ الْوَاجِبِ، وَهَذَا غَيْرُ وَاقِعٍ؛ لِأَنَّهُ تَكْلِيفٌ بِمَا لَا يُطَاقُ إلَّا لِغَرَضِ الْقَضَاءِ كَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ آخِرَ الْوَقْتِ إمَّا أَنْ يَفْضُلَ كَوَقْتِ الصَّلَاةِ، وَإِمَّا أَنْ يُسَاوِيَ، وَحِينَئِذٍ إمَّا أَنْ يَكُونَ الْوَقْتُ سَبَبًا لِلْوُجُوبِ كَصَوْمِ رَمَضَانَ أَوْ لَا يَكُونَ كَقَضَاءِ رَمَضَانَ، وَقِسْمٌ آخَرُ كَالْحَجِّ مُشْكِلٌ فِي أَنْ يَفْضُلَ أَوْ يُسَاوِيَ كَالْحَجِّ) أَمَّا وَقْتُ الصَّلَاةِ فَهُوَ ظَرْفٌ لِلْمُؤَدَّيْ وَشَرْطٌ لِلْأَدَاءِ إذْ الْأَدَاءُ يَفُوتُ بِفَوَاتِ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ الْأَدَاءَ تَسْلِيمُ عَيْنِ الثَّابِتِ بِالْأَمْرِ، وَالثَّابِتُ بِالْأَمْرِ هُوَ الصَّلَاةُ فِي الْوَقْتِ أَمَّا الصَّلَاةُ خَارِجَ الْوَقْتِ فَتَسْلِيمُ مِثْلِ الثَّابِتِ بِالْأَمْرِ. (وَسَبَبٌ لِلْوُجُوبِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] وَلِإِضَافَةِ الصَّلَاةِ إلَيْهِ) إذْ الْإِضَافَةُ تَدُلُّ عَلَى اخْتِصَاصٍ فَمُطْلَقُهَا يَنْصَرِفُ إلَى الِاخْتِصَاصِ الْكَامِلِ أَنْ يُرَى أَنَّ قَوْلَهُ الْمَالُ لِزَيْدٍ يَنْصَرِفُ إلَى الِاخْتِصَاصِ بِطَرِيقِ الْمِلْكِ، وَلَوْ لَمْ يُمْكِنْ يَنْصَرِفُ إلَى مَا دُونَهُ أَمَّا الْإِضَافَةُ بِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ فَمَجَازٌ فَالِاخْتِصَاصُ الْكَامِلُ فِي مِثْلِ قَوْلِنَا صَلَاةُ الْفَجْرِ إنَّمَا هُوَ بِالسَّبَبِيَّةِ فَالْأُمُورُ الَّتِي ذَكَرْنَا مِنْ الْإِضَافَةِ إلَى ــ [التلويح] أَوْ لَا يَكُونُ كَقَضَاءِ رَمَضَانَ) جَعَلُوا صِيَامَ الْكَفَّارَاتِ وَالنُّذُورِ الْمُطْلَقَةِ وَقَضَاءَ رَمَضَانَ مِنْ الْوَقْتِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الصَّوْمَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالنَّهَارِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مِنْ قِسْمِ الْمُطْلَقِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ صَاحِبُ الْمِيزَانِ؛ لِأَنَّ التَّعَلُّقَ بِالنَّهَارِ دَاخِلٌ فِي مَفْهُومِ الصَّوْمِ لَا قَيْدٌ لَهُ، ثُمَّ الْقَضَاءُ وَاجِبٌ بِالسَّبَبِ السَّابِقِ، وَصَوْمُ النَّذْرِ وَالْكَفَّارَةِ بِالنَّذْرِ وَالْحِنْثِ وَنَحْوِهِ فَلَا يَكُونُ النَّهَارُ الَّذِي يُصَامُ فِيهِ سَبَبًا لِوُجُوبِهِ. (قَوْلُهُ وَقِسْمٌ آخَرُ مُشْكِلٌ) حَقُّ التَّقْسِيمِ أَنْ يُقَالَ الْمُؤَقَّتُ إمَّا أَنْ يَتَضَيَّقَ وَقْتُهُ أَوْ لَا، وَالثَّانِي إمَّا أَنْ يُعْلَمَ فَضْلُهُ كَالصَّلَاةِ، وَإِمَّا أَنْ يُعْلَمُ مُسَاوَاتُهُ، وَحِينَئِذٍ إمَّا أَنْ تَكُونَ مُسَاوَاتُهُ سَبَبًا كَصَوْمِ رَمَضَانَ أَوْ لَا كَصَوْمِ الْقَضَاءِ، وَإِمَّا أَنْ لَا يُعْلَمَ فَضْلُهُ وَلَا مُسَاوَاتُهُ كَالْحَجِّ أَوْ يُقَالَ الْوَقْتُ إمَّا أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلْوُجُوبِ مِعْيَارًا لِلْأَدَاءِ هَذَا وَلَا ذَاكَ أَوْ سَبَبًا لَا مِعْيَارًا أَوْ بِالْعَكْسِ. (قَوْلُهُ أَمَّا وَقْتُ الصَّلَاةِ) الْمُؤَدَّى مِنْ الصَّلَاةِ هِيَ الْهَيْئَةُ الْحَاصِلَةُ مِنْ الْأَرْكَانِ الْمَخْصُوصَةِ الْوَاقِعَةِ فِي الْوَقْتِ، وَالْأَدَاءُ إخْرَاجُهَا مِنْ الْعَدَمِ إلَى الْوُجُودِ، وَالْوُجُوبُ لُزُومُ وُقُوعِهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لِشَرَفٍ فِيهِ فَوَقْتُ الصَّلَاةِ ظَرْفٌ لِلْمُؤَدَّى أَيْ زَمَانٌ يُحِيطُ بِهِ وَيَفْضُلُ عَنْهُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ وَشَرْطٌ لِأَدَائِهِ إذْ لَا يَتَحَقَّقُ الْأَدَاءُ بِدُونِهِ مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي مَفْهُومِ الْأَدَاءِ، وَلَا مُؤَثِّرٌ فِي وُجُودِهِ، وَلَيْسَ شَرْطًا لِلْمُؤَدَّيْ؛ لِأَنَّ الْمُخْتَلِفَ بِاخْتِلَافِ الْوَقْتِ هُوَ صِفَةُ الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ لَا نَفْسُ الْهَيْئَةِ فَإِنْ قُلْت ظَرْفِيَّةُ الْوَقْتِ لِلْمُؤَدَّى تَسْتَلْزِمُ شَرْطِيَّةَ الْأَدَاءِ فَلَا حَاجَةَ إلَى ذِكْرِهَا قُلْت لَوْ سُلِّمَ فَلِأَنَّا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لُزُومٌ بَيِّنٌ حَتَّى يُسْتَغْنَى عَنْ ذِكْرِهِ، وَأَيْضًا الْمَقْصُودُ بَيَانُ اشْتِرَاكِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ فِي شَرْطِيَّةِ الْوَقْتِ، وَامْتِيَازُ الصَّلَاةِ بِظَرْفِيَّتِهِ وَالْوَقْتِ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الْمُؤَدَّى أَيْ لُزُومُ تِلْكَ الْهَيْئَةِ مُرَتَّبٌ عَلَيْهِ

стр. 389

آخِرِهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا يُوجِبُ غَلَبَةَ الظَّنِّ بِالسَّبَبِيَّةِ لَكِنَّ مَجْمُوعَهَا يُفِيدُ الْقَطْعَ. (وَلِتَغَيُّرِهَا بِتَغَيُّرِهِ صِحَّةً وَكَرَاهَةً وَفَسَادًا وَلِتَجَدُّدِ الْوُجُوبِ بِتَجَدُّدِهِ وَلِبُطْلَانِ التَّقْدِيمِ عَلَيْهِ، فَإِنَّ التَّقْدِيمَ عَلَى الشَّرْطِ) أَيْ التَّقْدِيمَ عَلَى شَرْطِ وُجُوبِ الْأَدَاءِ صَحِيحٌ (كَالزَّكَاةِ قَبْلَ الْحَوْلِ يُحَقِّقُهُ) أَيْ يُحَقِّقُ كَوْنَ الْوَقْتِ سَبَبًا لِلْوُجُوبِ. (إنَّ الْوَقْتَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُؤَثِّرًا فِي ذَاتِهِ بَلْ بِجَعْلِ اللَّهِ تَعَالَى بِمَعْنَى أَنَّهُ تَعَالَى رَتَّبَ الْأَحْكَامَ عَلَى أُمُورٍ ظَاهِرَةٍ تَيْسِيرًا كَالْمِلْكِ عَلَى الشِّرَاءِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَتَكُونُ الْأَحْكَامُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنَا مُضَافَةً إلَى هَذِهِ الْأُمُورِ فَهَذِهِ الْأُمُورُ مُؤَثِّرَةٌ فِي الْأَحْكَامِ ــ [التلويح] حَتَّى كَأَنَّهُ الْمُؤَثِّرُ بِالنَّظَرِ إلَيْنَا تَيْسِيرًا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْعِبَادِ يَرْبِطُ الْأَحْكَامَ بِالْأَسْبَابِ الظَّاهِرَةِ كَالْمِلْكِ بِالشِّرَاءِ مِنْ أَنَّ النِّعَمَ مُتَرَادِفَةٌ فِي الْأَوْقَاتِ وَالْعِبَادَةَ شُكْرٌ فَأُقِيمَ الْمَحَلُّ مَقَامَ الْحَالِ، وَالْمُتَقَدِّمُونَ عَلَى أَنَّ السَّبَبَ نِعَمُ اللَّهِ تَعَالَى وَاخْتِلَافُ الْعِبَادَاتِ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَاسْتُدِلَّ عَلَى سَبَبِيَّةِ الْوَقْتِ بِسِتَّةِ أَوْجُهٍ كُلٌّ مِنْهَا أَمَارَةٌ تُفِيدُ الظَّنَّ لَا الْقَطْعَ لِقِيَامِ الِاحْتِمَالِ إلَّا أَنَّ الْمَجْمُوعَ يُفِيدُ الْقَطْعَ؛ لِأَنَّ رُجْحَانَ الْمَظْنُونِ يَتَزَايَدُ بِكَثْرَةِ الْأَمَارَاتِ إلَى أَنْ يَبْلُغَ حَدَّ الْقَطْعِ كَشَجَاعَةِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَجُودِ حَاتِمٍ، وَفِيهِ مُنَاقَشَةٌ لَا تَخْفَى. (قَوْلُهُ وَلِتَغَيُّرِهَا) أَيْ لِتَغَيُّرِ الصَّلَاةِ بِتَغَيُّرِ الْوَقْتِ حَيْثُ تَصِحُّ فِي وَقْتِهِ الْكَامِلِ، وَتُكْرَهُ فِي أَوْقَاتٍ مَخْصُوصَةٍ، وَتَفْسُدُ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ، وَالْأَصْلُ فِي اخْتِلَافِ الْحُكْمِ أَنْ يَكُونَ بِاخْتِلَافِ السَّبَبِ، وَإِنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ بِاخْتِلَافِ الظَّرْفِ أَوْ الشَّرْطِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَقْدَحُ فِي كَوْنِهِ أَمَارَةَ السَّبَبِيَّةِ نَعَمْ يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ الْمُتَغَيِّرَ هُوَ الْمُؤَدَّى أَوْ الْأَدَاءُ وَالْمُدَّعِي سَبَبِيَّتَهُ لِنَفْسِ الْوُجُوبِ. (قَوْلُهُ وَلِتَجَدُّدِ الْوُجُوبِ بِتَجَدُّدِ الْوَقْتِ) هَذَا أَيْضًا يُفِيدُ الظَّنَّ؛ لِأَنَّ دَوَرَانَ الشَّيْءِ مَعَ الشَّيْءِ أَمَارَةُ كَوْنِ الْمُدَارِ عِلَّةً لِلدَّائِرِ. (قَوْلُهُ فَإِنَّ التَّقْدِيمَ عَلَى الشَّرْطِ صَحِيحٌ) دَفْعٌ لِمَا يُقَالُ إنَّ بُطْلَانَ تَقْدِيمِ وُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَى الْوَقْتِ لَا تَدُلُّ عَلَى سَبَبِيَّتِهِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا لَهُ، وَتَقْدِيمُ الْحُكْمِ عَلَى الشَّرْطِ أَيْضًا بَاطِلٌ فَأَجَابَ بِالْمَنْعِ مُسْتَنِدًا بِصِحَّةِ تَقْدِيمِ الزَّكَاةِ عَلَى الْحَوْلِ الَّذِي هُوَ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الْأَدَاءِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ بُطْلَانَ تَقْدِيمِ الشَّيْءِ عَلَى شَرْطِهِ ضَرُورِيٌّ؛ لِأَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى الشَّرْطِ فَلَا يَحْصُلُ قَبْلَهُ، وَفِي الزَّكَاةِ الْحَوْلُ لَيْسَ شَرْطًا لِلْوُجُوبِ أَوْ لِلْأَدَاءِ بَلْ لِوُجُوبِ الْأَدَاءِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ تَقَدُّمُهُ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ وَقْتِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ شَرْطٌ لِلْأَدَاءِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بُطْلَانُ تَقْدِيمِ الْأَدَاءِ عَلَيْهِ بِاعْتِبَارِ شَرْطِيَّتِهِ لَا بِاعْتِبَارِ سَبَبِيَّتِهِ لِنَفْسِ الْوُجُوبِ عَلَى مَا هُوَ الْمُدَّعَى، وَالْحَقُّ أَنَّ بُطْلَانَ تَقْدِيمِ الشَّيْءِ عَلَى شَرْطِهِ أَظْهَرُ مِنْ بُطْلَانِ تَقْدِيمِهِ عَلَى السَّبَبِ لِجَوَازِ أَنْ يَثْبُتَ بِأَسْبَابٍ شَتَّى فَبُطْلَانُ التَّقْدِيمِ لَا يَصْلُحُ أَمَارَةً عَلَى السَّبَبِيَّةِ، وَقَدْ يُقَالُ إنَّ احْتِمَالَ الشَّرْطِيَّةِ قَائِمٌ إلَّا أَنَّ الْأَدِلَّةَ السَّابِقَةَ تُرَجِّحُ جَانِبَ السَّبَبِيَّةِ كَالْمُشْتَرَكِ يَصْلُحُ دَلِيلًا عَلَى أَحَدِ مَدْلُولَيْهِ بِمَعُونَةِ الْقَرِينَةِ. (قَوْلُهُ ثُمَّ هُوَ سَبَبٌ لِنَفْسِ الْوُجُوبِ) يُرِيدُ أَنَّ هَاهُنَا وُجُوبًا وَوُجُوبَ أَدَاءً وَوُجُودَ أَدَاءً وَلِكُلٍّ مِنْهَا سَبَبٌ حَقِيقِيٌّ وَسَبَبٌ ظَاهِرِيٌّ فَالْوُجُوبُ سَبَبُهُ الْحَقِيقِيُّ هُوَ الْإِيجَابُ

стр. 390

بِجَعْلِ اللَّهِ تَعَالَى كَالنَّارِ فِي الْإِحْرَاقِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ، فَإِنْ قِيلَ الْحُكْمُ قَدِيمٌ فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الْحَادِثُ قُلْنَا الْإِيجَابُ قَدِيمٌ وَهُوَ حُكْمُهُ تَعَالَى فِي الْأَزَلِ أَنَّهُ إذَا بَلَغَ زَيْدٌ يَجِبُ عَلَيْهِ ذَا وَأَثَرُهُ وَهُوَ الْحُكْمُ الْمُصْطَلَحُ) أَيْ الْوُجُوبُ (حَادِثٌ، فَإِنَّهُ مُضَافٌ إلَى الْحَادِثِ فَلَا يُوجَدُ قَبْلَهُ، ثُمَّ هُوَ) أَيْ الْوَقْتُ لَمَّا بَيَّنَ أَنَّ الْوَقْتَ سَبَبٌ لِلْوُجُوبِ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوُجُوبِ نَفْسُ الْوُجُوبِ لَا وُجُوبُ الْأَدَاءِ. (سَبَبٌ لِنَفْسِ الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ سَبَبَهَا الْحَقِيقِيَّ الْإِيجَابُ الْقَدِيمُ وَهُوَ رَتَّبَ الْحُكْمَ عَلَى شَيْءٍ ظَاهِرٍ فَكَانَ هَذَا) أَيْ الشَّيْءُ الظَّاهِرُ، وَهُوَ الْوَقْتُ (سَبَبًا لَهَا) أَيْ ــ [التلويح] الْقَدِيمُ، وَسَبَبُهُ الظَّاهِرِيُّ هُوَ الْوَقْتُ، وَوُجُوبُ الْأَدَاءِ سَبَبُهُ الْحَقِيقِيُّ تَعَلُّقُ الطَّلَبِ بِالْفِعْلِ وَسَبَبُهُ الظَّاهِرِيُّ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى ذَلِكَ، وَوُجُودُ الْأَدَاءِ سَبَبُهُ الْحَقِيقِيُّ خَلْقُ اللَّهِ تَعَالَى وَإِرَادَتُهُ وَسَبَبُهُ الظَّاهِرِيُّ وَاسْتِطَاعَةُ الْعَبْدِ أَيْ قُدْرَتُهُ الْمُؤَثِّرَةُ الْمُسْتَجْمِعَةُ لِجَمِيعِ شَرَائِطِ التَّأْثِيرِ فَهِيَ لَا تَكُونُ إلَّا مَعَ الْفِعْلِ بِالزَّمَانِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَلِهَذَا أَيْ وَلِكَوْنِ الْوُجُوبِ جَبْرًا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِالْإِيجَابِ لَا بِالْخِطَابِ كَانَتْ الِاسْتِطَاعَةُ مُقَارِنَةً لِلْفِعْلِ، إذْ لَوْ كَانَتْ قَبْلَهُ لَكَانَتْ إمَّا مَعَ الْوُجُوبِ وَهُوَ جَبْرٌ لَا اخْتِيَارٌ فِيهِ، أَوْ مَعَ وُجُوبِ الْأَدَاءِ، وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِيهِ صِحَّةُ الْأَسْبَابِ وَسَلَامَةُ الْآلَاتِ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ مَعَ الْفِعْلِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي بَعْضِ تَصَانِيفِهِ حَيْثُ قَالَ إنَّ السَّبَبَ مُوجِبٌ، وَهُوَ جَبْرِيٌّ لَا يَعْتَمِدُ الْقُدْرَةَ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَشْتَرِطْ الْقُدْرَةَ سَابِقَةً عَلَى الْفِعْلِ؛ لِأَنَّ مَا قَبْلَهُ نَفْسُ الْوُجُوبِ وَهُوَ جَبْرُ وُجُوبِ الْأَدَاءِ، وَأَنَّهُ لَا يَعْتَمِدُ الْقُدْرَةَ الْحَقِيقِيَّةَ، أَمَّا فِعْلُ الْأَدَاءِ فَيَعْتَمِدُ الْقُدْرَةَ فَلِذَلِكَ كَانَتْ الِاسْتِطَاعَةُ مَعَ الْفِعْلِ. ١ - (قَوْلُهُ وَالْفَرْقُ بَيْنَ نَفْسِ الْوُجُوبِ وَوُجُوبِ الْأَدَاءِ) اعْلَمْ أَنَّ الْوُجُوبَ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ عَلَى اخْتِلَافِ عِبَارَتِهِمْ فِي تَفْسِيرِهِ يَرْجِعُ إلَى كَوْنِ الْفِعْلِ بِحَيْثُ يَسْتَحِقُّ تَارِكُهُ الذَّمَّ فِي الْعَاجِلِ وَالْعِقَابَ فِي الْآجِلِ، فَمِنْ هَاهُنَا ذَهَبَ جُمْهُورُ الشَّافِعِيَّةِ إلَى أَنَّهُ لَا مَعْنَى لَهُ إلَّا لُزُومُ الْإِتْيَانِ بِالْفِعْلِ وَأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلْوُجُوبِ بِدُونِ وُجُوبِ الْأَدَاءِ بِمَعْنَى الْإِتْيَانِ بِالْفِعْلِ الْأَعَمِّ مِنْ الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ وَالْإِعَادَةِ، فَإِذَا تَحَقَّقَ السَّبَبُ وَوُجِدَ الْمَحَلُّ مِنْ غَيْرِ مَانِعٍ تَحَقَّقَ وُجُوبُ الْأَدَاءِ حَتَّى يَأْثَمَ تَارِكُهُ، وَيَجِبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَإِنْ وُجِدَ فِي الْوَقْتِ مَانِعٌ شَرْعِيٌّ أَوْ عَقْلِيٌّ مِنْ حَيْضٍ أَوْ نَوْمٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَالْوُجُوبُ يَتَأَخَّرُ إلَى زَمَانِ ارْتِفَاعِ الْمَانِعِ، وَحِينَئِذٍ افْتَرَقُوا ثَلَاثَ فِرَقٍ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّ الْفِعْلَ فِي الزَّمَانِ الثَّانِي قَضَاءٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ سَبْقُ الْوُجُوبِ فِي الْجُمْلَةِ لَا سَبْقُ الْوُجُوبِ عَلَى ذَلِكَ الشَّخْصِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ فِعْلُ النَّائِمِ وَالْحَائِضِ وَنَحْوِهِمَا قَضَاءً وَبَعْضُهُمْ يَعْتَبِرُ الْوُجُوبَ عَلَيْهِ حَتَّى لَا يَكُونَ فِعْلُ النَّائِمِ وَالْحَائِضِ وَنَحْوِهِمَا قَضَاءً لِعَدَمِ الْوُجُوبِ عَلَيْهِمْ بِدَلِيلِ الْإِجْمَاعِ عَلَى جَوَازِ التَّرْكِ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ بِالْوُجُوبِ عَلَيْهِمْ بِمَعْنَى انْعِقَادِ السَّبَبِ وَصَلَاحِيَّةِ الْمَحَلِّ وَتَحَقُّقِ اللُّزُومِ لَوْلَا الْمَانِعُ وَيُسَمِّيهِ وُجُوبًا بِدُونِ وُجُوبِ
следующие страницы →