← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 9508

التلويح على التوضيح لمتن التنقيح

السعد التفتازاني

Полный текст (833 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

بَقَاءُ النِّصَابِ أَبَدًا، فَإِنَّ اشْتِرَاطَ هَذَا الْيُسْرِ يُؤَدِّي إلَى فَوَاتِ أَدَاءِ الزَّكَاةِ، فَإِنَّهُ إنْ أَخَّرَ أَدَاءَ الزَّكَاةِ خَمْسِينَ سَنَةً، ثُمَّ هَلَكَ الْمَالُ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَأَيْضًا لَا يَنْقَلِبُ الْيُسْرُ عُسْرًا، فَإِنَّ الْيُسْرَ الَّذِي حَصَلَ بِاشْتِرَاطِ الْحَوْلِ لَا يَنْقَلِبُ عُسْرًا بَلْ غَايَتُهُ أَنْ لَا يُثْبِتَ يُسْرًا آخَرَ أَنَّهُ ــ [التلويح] الْكَامِلَ، وَهُوَ التَّخْيِيرُ فِي الصُّورَةِ وَالْمَعْنَى بِأَنْ يَكُونَ بَيْنَ أُمُورٍ مُتَفَاوِتَةٍ بَعْضُهَا أَسْهَلُ مِنْ الْبَعْضِ كَخِصَالِ الْكَفَّارَةِ دَلِيلُ التَّيْسِيرِ بِخِلَافِ التَّخْيِيرِ صُورَةً فَقَطْ بِأَنْ تَكُونَ الْأُمُورُ مُتَمَاثِلَةً فِي الْمَالِيَّةِ كَمَا فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ مِنْ نِصْفِ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ أَوْ صَاعٍ مِنْ شَعِيرٍ أَوْ تَمْرٍ، فَإِنَّهُ دَلِيلُ التَّأْكِيدِ، وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْأَدَاءِ أَلْبَتَّةَ. (قَوْلُهُ: لِأَنَّ ذَا) أَيْ: كَوْنَ الْمُرَادِ بِعَدَمِ وِجْدَانِ الْمَالِ هُوَ الْعَجْزُ فِي الْعُمْرِ يُبْطِلُ أَدَاءَ الصَّوْمِ لِأَنَّ هَذَا الْعَجْزَ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا فِي آخِرِ الْعُمْرِ، وَبَعْدَهُ لَا يُتَصَوَّرُ أَدَاءُ الصَّوْمِ فَلَا يَصِحُّ تَرَتُّبُ الصَّوْمِ عَلَى عَدَمِ الْوِجْدَانِ بِهَذَا الْمَعْنَى فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْعَجْزُ فِي الْحَالِ مَعَ احْتِمَالِ أَنْ تَحْصُلَ الْقُدْرَةُ فِي الِاسْتِقْبَالِ. (قَوْلُهُ: حَتَّى إنْ تَحَقَّقَ الْقُدْرَةُ) أَرَادَ بِهَا مِلْكَ الرَّقَبَةِ أَوْ ثَمَنِهَا الْقُدْرَةُ الْحَقِيقَةُ الْمُسْتَجْمِعَةُ لِجَمِيعِ شَرَائِطِ التَّأْثِيرِ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ بِدُونِ الْإِعْتَاقِ فَلَا مَعْنَى لِزَوَالِهَا وَسَقُوطِ الْإِعْتَاقِ. (قَوْلُهُ: إلَّا أَنَّ الْمَالَ هَاهُنَا غَيْرُ عَيْنٍ) فَبِهَذَا يَخْرُجُ الْجَوَابُ عَنْ إشْكَالٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ الْوَاجِبَ فِي الْكَفَّارَةِ يَعُودُ بِهِ هَلَاكُ الْمَالِ بِإِصَابَةِ مَالٍ آخَرَ قَبْلَ الْأَدَاءِ، وَلَا يَعُودُ فِي الزَّكَاةِ فَيَكُونُ دُونَ الزَّكَاةِ. (قَوْلُهُ: وَاعْلَمْ) اُعْتُرِضَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى قَوْلِهِمْ يُشْتَرَطُ بَقَاءُ الْقُدْرَةِ الْمُيَسِّرَةِ لِبَقَاءِ الْوَاجِبِ لِئَلَّا يَنْقَلِبَ الْيُسْرُ عُسْرًا أَوَّلًا بِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى فَوَاتِ أَدَاءِ الزَّكَاةِ فِيمَا إذَا أَخَّرَ أَدَاءَ الزَّكَاةِ خَمْسِينَ سَنَةً ثُمَّ هَلَكَ الْمَالُ، وَثَانِيًا بِأَنَّا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ اشْتِرَاطِ بَقَاءِ الْقُدْرَةِ انْقِلَابُ الْيُسْرِ عُسْرًا بَلْ إنَّمَا يَلْزَمُ ثُبُوتُ أَحَدِ الْيُسْرَيْنِ، وَهُوَ النَّمَاءُ مَثَلًا دُونَ الْآخَرِ، وَهُوَ الْبَقَاءُ، فَإِنَّ حُصُولَ الْقُدْرَةِ الْمُيَسِّرَةِ يُسْرٌ وَبَقَاؤُهَا يُسْرٌ آخَرُ، وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ الْتِزَامُ الْفَوَاتِ فِي صُورَةِ هَلَاكِ الْمَالِ، وَلَا مَحْذُورَ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ مَا فُوِّتَ بِهَذَا الْحَبْسِ عَلَى أَحَدٍ مِلْكًا وَلَا يَدًا بَلْ الْمَالُ حَقُّهُ مِلْكًا، وَيَدًا، وَإِنَّمَا حَقُّ الْفَقِيرِ فِي أَنْ يُعَيَّنَ مَحَلًّا لِلصَّرْفِ إلَيْهِ وَلِصَاحِبِ الْمَالِ الْخِيَارُ فِي اخْتِيَارِ مَحَلِّ الْأَدَاءِ فَلَعَلَّهُ حُبِسَ عَنْ هَذَا الْمَحَلِّ لِيُؤَدِّيَ مِنْ مَحَلٍّ آخَرَ فَلَا يَضْمَنُ أَلَا يَرَى أَنَّ مَنْعَ الْمُشْتَرِي الدَّارَ عَنْ الشَّفِيعِ حَتَّى صَارَ بَحْرًا، وَمَنْعَ الْمَوْلَى الْعَبْدَ الْمَدْيُونَ عَنْ الْبَيْعِ أَوْ الْعَبْدَ الْجَانِيَ عَنْ أَوْلِيَاءِ الْجِنَايَةِ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارِ الْأَرْشِ حَتَّى هَلَكَ لَا يُوجِبُ الضَّمَانَ، وَعَنْ الثَّانِي أَنَّ مَعْنَى انْقِلَابِ الْيُسْرِ إلَى الْعُسْرِ أَنَّهُ وَجَبَ بِطَرِيقِ إيجَابِ الْقَلِيلِ مِنْ الْكَثِيرِ يُسْرًا أَوْ سُهُولَةً فَلَوْ أَوْجَبْنَاهُ عَلَى تَقْدِيرِ الْهَلَاكِ لَوَجَبَ بِطَرِيقِ الْغَرَامَةِ وَالتَّضْمِينِ فَيَصِيرُ عُسْرًا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ نَفْسَ الْيُسْرِ يَصِيرُ عُسْرًا، فَإِنَّهُ مُحَالٌ عَقْلًا، وَإِنَّمَا يَصِيرُ الْيَسِيرُ عَسِيرًا، وَبِالْعَكْسِ فَلْيُتَأَمَّلْ إنَّهُ الْمُيَسِّرُ

стр. 387

الْمُيَسِّرُ لِلصَّوَابِ (فَصْلٌ الْمَأْمُورُ بِهِ نَوْعَانِ مُطْلَقٌ وَمُؤَقَّتٌ) هَذَا الْفَصْلُ هُوَ أَصْلُ الشَّرَائِعِ قَدْ تَأَسَّسَ عَلَيْهِ مَبَانِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ، فَإِنْ طَالَعْت هَذَا الْمَوْضِعَ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ عَلِمْت سَعْيِي فِي تَنْقِيحِ هَذِهِ الْمَبَاحِثِ وَتَحْقِيقِهَا الْمُرَادُ بِالْمُطْلَقِ غَيْرُ الْمُؤَقَّتِ كَالْكَفَّارَاتِ وَالنُّذُورِ الْمُطْلَقَةِ وَالزَّكَاةِ. (أَمَّا الْمُطْلَقُ فَعَلَى التَّرَاخِي لِأَنَّهُ) أَيْ الْأَمْرَ. (جَاءَ لِلْفَوْرِ وَجَاءَ لِلتَّرَاخِي فَلَا يَثْبُتُ الْفَوْرُ إلَّا بِالْقَرِينَةِ، وَحَيْثُ عُدِمَتْ يَثْبُتُ التَّرَاخِي لَا أَنَّ الْأَمْرَ يَدُلُّ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْفَوْرِ الْوُجُوبُ فِي الْحَالِ، وَالْمُرَادَ بِالتَّرَاخِي عَدَمُ التَّقْيِيدِ بِالْحَالِ لَا التَّقْيِيدُ بِالْمُسْتَقْبَلِ حَتَّى ــ [التلويح] لِكُلِّ عَسِيرٍ [فَصْلٌ الْمَأْمُورُ بِهِ نَوْعَانِ مُطْلَقٌ وَمُؤَقَّتٌ] [أَقْسَامُ الْمَأْمُور بِهِ الْمُؤَقَّت] [الْقَسْم الْأَوَّل الْوَقْت الضَّيِّق وَالْفَاضِل عَنْ الواجب] (قَوْلُهُ فَصْلٌ) فِي تَقْسِيمِ الْمَأْمُورِ بِهِ بِاعْتِبَارِ أَمْرٍ غَيْرِ قَائِمٍ بِهِ وَهُوَ الْوَقْتُ بِخِلَافِ مَا سَبَقَ مِنْ التَّقْسِيمِ إلَى الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ وَالْحُسْنِ لِعَيْنِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ، فَإِنَّهُ كَانَ بِاعْتِبَارِ حَالَةٍ لِلْمَأْمُورِ بِهِ فِي نَفْسِهِ فَلِذَا جَعَلَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الدَّرَجَةِ الْأُولَى، وَقَالَ فِي هَذَا التَّقْسِيمِ لَا بُدَّ مِنْ تَرْتِيبِهِ عَلَى الدَّرَجَةِ الْأُولَى أَيْ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ هَذَا التَّقْسِيمِ وَإِيرَادِهِ عَقِيبَ التَّقْسِيمِ الَّذِي وَرَدَ فِي الدَّرَجَةِ الْأُولَى، وَهَذَا الْفَصْلُ أَصْلٌ لِلْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ يَبْتَنِي عَلَيْهِ أَدِلَّةُ عَامَّةِ الْقَوَاعِدِ الْكُلِّيَّةِ وَالْجُزْئِيَّةِ فِي الْفِقْهِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى مَبَاحِثِ الْمُؤَقَّتِ وَغَيْرِ الْمُؤَقَّتِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِكُلٍّ مِنْ الْأَقْسَامِ وَالْأَحْكَامِ، وَذَلِكَ مُعْظَمُ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ. (قَوْلُهُ مُطْلَقٌ وَمُؤَقَّتٌ) الْمُرَادُ بِالْمُؤَقَّتِ مَا يَتَعَلَّقُ بِوَقْتٍ مَحْدُودٍ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ الْإِتْيَانُ بِهِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْوَقْتِ أَدَاءً بَلْ يَكُونُ قَضَاءً كَالصَّلَاةِ خَارِجَ الْوَقْتِ أَوْ لَا يَكُونُ مَشْرُوعًا أَصْلًا كَالصَّوْمِ فِي غَيْرِ النَّهَارِ وَبِالْمُطْلَقِ مَا لَا يَكُونُ كَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ وَاقِعًا فِي وَقْتٍ لَا مَحَالَةَ. (قَوْلُهُ أَمَّا الْمُطْلَقُ فَعَلَى التَّرَاخِي) اخْتَلَفُوا فِي مُوجَبِ الْأَمْرِ فَذَهَبَ كَثِيرٌ إلَى أَنَّ حَقَّهُ الْفَوْرُ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْفَوْرِ وَلَا عَلَى التَّرَاخِي بَلْ كُلٌّ مِنْهُمَا بِالْقَرِينَةِ، وَهَؤُلَاءِ يَعْنُونَ بِالْفَوْرِ امْتِثَالَ الْمَأْجُورِ بِهِ عَقِيبَ وُرُودِ الْأَمْرِ، وَبِالتَّرَاخِي الْإِتْيَانَ بِهِ مُتَأَخِّرًا عَنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ، الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ الْعُلَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ لِلتَّرَاخِي إلَّا أَنَّ مُرَادَهُمْ بِالتَّرَاخِي عَدَمُ التَّقْيِيدِ بِالْحَالِ، وَالْمُصَنِّفُ اصْطَلَحَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّرَاخِي عَدَمُ التَّقْيِيدِ بِالْحَالِ لَا التَّقْيِيدَ بِالِاسْتِقْبَالِ فَالتَّرَاخِي عِنْدَهُ أَعَمُّ مِنْ الْفَوْرِ وَغَيْرِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمَّا اُسْتُدِلَّ عَلَى كَوْنِ مُطْلَقِ الْأَمْرِ لِلتَّرَاخِي بِأَنَّ الْأَمْرَ جَاءَ لِلْفَوْرِ وَجَاءَ لِلتَّرَاخِي فَلَا يَثْبُتُ الْفَوْرُ إلَّا بِالْقَرِينَةِ، فَعِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَعَدَمِ الْقَرِينَةِ يَثْبُتُ التَّرَاخِي لِضَرُورَةِ عَدَمِ قَرِينَةِ الْفَوْرِ لَا بِدَلَالَةِ الْأَمْرِ كَانَ لِمُعَارِضٍ أَنْ يَقُولَ جَاءَ لِلْفَوْرِ التَّرَاخِي فَلَا يَثْبُتُ التَّرَاخِي إلَّا بِقَرِينَةٍ فَعِنْدَ عَدَمِهَا يَثْبُتُ الْفَوْرُ، فَدَفَعَهَا الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِأَنَّ الْفَوْرَ أَمْرٌ زَائِدٌ ثُبُوتِيٌّ فَيَحْتَاجُ إلَى الْقَرِينَةِ، بِخِلَافِ التَّرَاخِي فَإِنَّهُ عَدَمُ أَصْلِيٍّ فَصَارَ مَا ذَكَرَهُ مُوَافِقًا لِمَا هُوَ الْمُخْتَارُ مِنْ أَنَّ مُطْلَقَ الْأَمْرِ لَيْسَ عَلَى الْفَوْرِ وَلَا عَلَى التَّرَاخِي بِالْمَعْنَى الْمَشْهُورِ فَلَا دَلَالَةَ لِلْأَمْرِ عَلَى أَحَدِهِمَا بَلْ كُلٌّ مِنْهُمَا بِالْقَرِينَةِ. (قَوْلُهُ

стр. 388

لَوْ أَدَّاهُ فِي الْحَالِ يَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ، فَالْفَوْرُ يَحْتَاجُ إلَى الْقَرِينَةِ لَا التَّرَاخِي. (وَأَمَّا الْمُؤَقَّتُ فَإِمَّا أَنْ يَتَضَيَّقَ الْوَقْتُ عَنْ الْوَاجِبِ، وَهَذَا غَيْرُ وَاقِعٍ؛ لِأَنَّهُ تَكْلِيفٌ بِمَا لَا يُطَاقُ إلَّا لِغَرَضِ الْقَضَاءِ كَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ آخِرَ الْوَقْتِ إمَّا أَنْ يَفْضُلَ كَوَقْتِ الصَّلَاةِ، وَإِمَّا أَنْ يُسَاوِيَ، وَحِينَئِذٍ إمَّا أَنْ يَكُونَ الْوَقْتُ سَبَبًا لِلْوُجُوبِ كَصَوْمِ رَمَضَانَ أَوْ لَا يَكُونَ كَقَضَاءِ رَمَضَانَ، وَقِسْمٌ آخَرُ كَالْحَجِّ مُشْكِلٌ فِي أَنْ يَفْضُلَ أَوْ يُسَاوِيَ كَالْحَجِّ) أَمَّا وَقْتُ الصَّلَاةِ فَهُوَ ظَرْفٌ لِلْمُؤَدَّيْ وَشَرْطٌ لِلْأَدَاءِ إذْ الْأَدَاءُ يَفُوتُ بِفَوَاتِ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ الْأَدَاءَ تَسْلِيمُ عَيْنِ الثَّابِتِ بِالْأَمْرِ، وَالثَّابِتُ بِالْأَمْرِ هُوَ الصَّلَاةُ فِي الْوَقْتِ أَمَّا الصَّلَاةُ خَارِجَ الْوَقْتِ فَتَسْلِيمُ مِثْلِ الثَّابِتِ بِالْأَمْرِ. (وَسَبَبٌ لِلْوُجُوبِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] وَلِإِضَافَةِ الصَّلَاةِ إلَيْهِ) إذْ الْإِضَافَةُ تَدُلُّ عَلَى اخْتِصَاصٍ فَمُطْلَقُهَا يَنْصَرِفُ إلَى الِاخْتِصَاصِ الْكَامِلِ أَنْ يُرَى أَنَّ قَوْلَهُ الْمَالُ لِزَيْدٍ يَنْصَرِفُ إلَى الِاخْتِصَاصِ بِطَرِيقِ الْمِلْكِ، وَلَوْ لَمْ يُمْكِنْ يَنْصَرِفُ إلَى مَا دُونَهُ أَمَّا الْإِضَافَةُ بِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ فَمَجَازٌ فَالِاخْتِصَاصُ الْكَامِلُ فِي مِثْلِ قَوْلِنَا صَلَاةُ الْفَجْرِ إنَّمَا هُوَ بِالسَّبَبِيَّةِ فَالْأُمُورُ الَّتِي ذَكَرْنَا مِنْ الْإِضَافَةِ إلَى ــ [التلويح] أَوْ لَا يَكُونُ كَقَضَاءِ رَمَضَانَ) جَعَلُوا صِيَامَ الْكَفَّارَاتِ وَالنُّذُورِ الْمُطْلَقَةِ وَقَضَاءَ رَمَضَانَ مِنْ الْوَقْتِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الصَّوْمَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالنَّهَارِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مِنْ قِسْمِ الْمُطْلَقِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ صَاحِبُ الْمِيزَانِ؛ لِأَنَّ التَّعَلُّقَ بِالنَّهَارِ دَاخِلٌ فِي مَفْهُومِ الصَّوْمِ لَا قَيْدٌ لَهُ، ثُمَّ الْقَضَاءُ وَاجِبٌ بِالسَّبَبِ السَّابِقِ، وَصَوْمُ النَّذْرِ وَالْكَفَّارَةِ بِالنَّذْرِ وَالْحِنْثِ وَنَحْوِهِ فَلَا يَكُونُ النَّهَارُ الَّذِي يُصَامُ فِيهِ سَبَبًا لِوُجُوبِهِ. (قَوْلُهُ وَقِسْمٌ آخَرُ مُشْكِلٌ) حَقُّ التَّقْسِيمِ أَنْ يُقَالَ الْمُؤَقَّتُ إمَّا أَنْ يَتَضَيَّقَ وَقْتُهُ أَوْ لَا، وَالثَّانِي إمَّا أَنْ يُعْلَمَ فَضْلُهُ كَالصَّلَاةِ، وَإِمَّا أَنْ يُعْلَمُ مُسَاوَاتُهُ، وَحِينَئِذٍ إمَّا أَنْ تَكُونَ مُسَاوَاتُهُ سَبَبًا كَصَوْمِ رَمَضَانَ أَوْ لَا كَصَوْمِ الْقَضَاءِ، وَإِمَّا أَنْ لَا يُعْلَمَ فَضْلُهُ وَلَا مُسَاوَاتُهُ كَالْحَجِّ أَوْ يُقَالَ الْوَقْتُ إمَّا أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلْوُجُوبِ مِعْيَارًا لِلْأَدَاءِ هَذَا وَلَا ذَاكَ أَوْ سَبَبًا لَا مِعْيَارًا أَوْ بِالْعَكْسِ. (قَوْلُهُ أَمَّا وَقْتُ الصَّلَاةِ) الْمُؤَدَّى مِنْ الصَّلَاةِ هِيَ الْهَيْئَةُ الْحَاصِلَةُ مِنْ الْأَرْكَانِ الْمَخْصُوصَةِ الْوَاقِعَةِ فِي الْوَقْتِ، وَالْأَدَاءُ إخْرَاجُهَا مِنْ الْعَدَمِ إلَى الْوُجُودِ، وَالْوُجُوبُ لُزُومُ وُقُوعِهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لِشَرَفٍ فِيهِ فَوَقْتُ الصَّلَاةِ ظَرْفٌ لِلْمُؤَدَّى أَيْ زَمَانٌ يُحِيطُ بِهِ وَيَفْضُلُ عَنْهُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ وَشَرْطٌ لِأَدَائِهِ إذْ لَا يَتَحَقَّقُ الْأَدَاءُ بِدُونِهِ مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي مَفْهُومِ الْأَدَاءِ، وَلَا مُؤَثِّرٌ فِي وُجُودِهِ، وَلَيْسَ شَرْطًا لِلْمُؤَدَّيْ؛ لِأَنَّ الْمُخْتَلِفَ بِاخْتِلَافِ الْوَقْتِ هُوَ صِفَةُ الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ لَا نَفْسُ الْهَيْئَةِ فَإِنْ قُلْت ظَرْفِيَّةُ الْوَقْتِ لِلْمُؤَدَّى تَسْتَلْزِمُ شَرْطِيَّةَ الْأَدَاءِ فَلَا حَاجَةَ إلَى ذِكْرِهَا قُلْت لَوْ سُلِّمَ فَلِأَنَّا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لُزُومٌ بَيِّنٌ حَتَّى يُسْتَغْنَى عَنْ ذِكْرِهِ، وَأَيْضًا الْمَقْصُودُ بَيَانُ اشْتِرَاكِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ فِي شَرْطِيَّةِ الْوَقْتِ، وَامْتِيَازُ الصَّلَاةِ بِظَرْفِيَّتِهِ وَالْوَقْتِ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الْمُؤَدَّى أَيْ لُزُومُ تِلْكَ الْهَيْئَةِ مُرَتَّبٌ عَلَيْهِ

стр. 389

آخِرِهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا يُوجِبُ غَلَبَةَ الظَّنِّ بِالسَّبَبِيَّةِ لَكِنَّ مَجْمُوعَهَا يُفِيدُ الْقَطْعَ. (وَلِتَغَيُّرِهَا بِتَغَيُّرِهِ صِحَّةً وَكَرَاهَةً وَفَسَادًا وَلِتَجَدُّدِ الْوُجُوبِ بِتَجَدُّدِهِ وَلِبُطْلَانِ التَّقْدِيمِ عَلَيْهِ، فَإِنَّ التَّقْدِيمَ عَلَى الشَّرْطِ) أَيْ التَّقْدِيمَ عَلَى شَرْطِ وُجُوبِ الْأَدَاءِ صَحِيحٌ (كَالزَّكَاةِ قَبْلَ الْحَوْلِ يُحَقِّقُهُ) أَيْ يُحَقِّقُ كَوْنَ الْوَقْتِ سَبَبًا لِلْوُجُوبِ. (إنَّ الْوَقْتَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُؤَثِّرًا فِي ذَاتِهِ بَلْ بِجَعْلِ اللَّهِ تَعَالَى بِمَعْنَى أَنَّهُ تَعَالَى رَتَّبَ الْأَحْكَامَ عَلَى أُمُورٍ ظَاهِرَةٍ تَيْسِيرًا كَالْمِلْكِ عَلَى الشِّرَاءِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَتَكُونُ الْأَحْكَامُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنَا مُضَافَةً إلَى هَذِهِ الْأُمُورِ فَهَذِهِ الْأُمُورُ مُؤَثِّرَةٌ فِي الْأَحْكَامِ ــ [التلويح] حَتَّى كَأَنَّهُ الْمُؤَثِّرُ بِالنَّظَرِ إلَيْنَا تَيْسِيرًا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْعِبَادِ يَرْبِطُ الْأَحْكَامَ بِالْأَسْبَابِ الظَّاهِرَةِ كَالْمِلْكِ بِالشِّرَاءِ مِنْ أَنَّ النِّعَمَ مُتَرَادِفَةٌ فِي الْأَوْقَاتِ وَالْعِبَادَةَ شُكْرٌ فَأُقِيمَ الْمَحَلُّ مَقَامَ الْحَالِ، وَالْمُتَقَدِّمُونَ عَلَى أَنَّ السَّبَبَ نِعَمُ اللَّهِ تَعَالَى وَاخْتِلَافُ الْعِبَادَاتِ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَاسْتُدِلَّ عَلَى سَبَبِيَّةِ الْوَقْتِ بِسِتَّةِ أَوْجُهٍ كُلٌّ مِنْهَا أَمَارَةٌ تُفِيدُ الظَّنَّ لَا الْقَطْعَ لِقِيَامِ الِاحْتِمَالِ إلَّا أَنَّ الْمَجْمُوعَ يُفِيدُ الْقَطْعَ؛ لِأَنَّ رُجْحَانَ الْمَظْنُونِ يَتَزَايَدُ بِكَثْرَةِ الْأَمَارَاتِ إلَى أَنْ يَبْلُغَ حَدَّ الْقَطْعِ كَشَجَاعَةِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَجُودِ حَاتِمٍ، وَفِيهِ مُنَاقَشَةٌ لَا تَخْفَى. (قَوْلُهُ وَلِتَغَيُّرِهَا) أَيْ لِتَغَيُّرِ الصَّلَاةِ بِتَغَيُّرِ الْوَقْتِ حَيْثُ تَصِحُّ فِي وَقْتِهِ الْكَامِلِ، وَتُكْرَهُ فِي أَوْقَاتٍ مَخْصُوصَةٍ، وَتَفْسُدُ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ، وَالْأَصْلُ فِي اخْتِلَافِ الْحُكْمِ أَنْ يَكُونَ بِاخْتِلَافِ السَّبَبِ، وَإِنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ بِاخْتِلَافِ الظَّرْفِ أَوْ الشَّرْطِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَقْدَحُ فِي كَوْنِهِ أَمَارَةَ السَّبَبِيَّةِ نَعَمْ يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ الْمُتَغَيِّرَ هُوَ الْمُؤَدَّى أَوْ الْأَدَاءُ وَالْمُدَّعِي سَبَبِيَّتَهُ لِنَفْسِ الْوُجُوبِ. (قَوْلُهُ وَلِتَجَدُّدِ الْوُجُوبِ بِتَجَدُّدِ الْوَقْتِ) هَذَا أَيْضًا يُفِيدُ الظَّنَّ؛ لِأَنَّ دَوَرَانَ الشَّيْءِ مَعَ الشَّيْءِ أَمَارَةُ كَوْنِ الْمُدَارِ عِلَّةً لِلدَّائِرِ. (قَوْلُهُ فَإِنَّ التَّقْدِيمَ عَلَى الشَّرْطِ صَحِيحٌ) دَفْعٌ لِمَا يُقَالُ إنَّ بُطْلَانَ تَقْدِيمِ وُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَى الْوَقْتِ لَا تَدُلُّ عَلَى سَبَبِيَّتِهِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا لَهُ، وَتَقْدِيمُ الْحُكْمِ عَلَى الشَّرْطِ أَيْضًا بَاطِلٌ فَأَجَابَ بِالْمَنْعِ مُسْتَنِدًا بِصِحَّةِ تَقْدِيمِ الزَّكَاةِ عَلَى الْحَوْلِ الَّذِي هُوَ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الْأَدَاءِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ بُطْلَانَ تَقْدِيمِ الشَّيْءِ عَلَى شَرْطِهِ ضَرُورِيٌّ؛ لِأَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى الشَّرْطِ فَلَا يَحْصُلُ قَبْلَهُ، وَفِي الزَّكَاةِ الْحَوْلُ لَيْسَ شَرْطًا لِلْوُجُوبِ أَوْ لِلْأَدَاءِ بَلْ لِوُجُوبِ الْأَدَاءِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ تَقَدُّمُهُ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ وَقْتِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ شَرْطٌ لِلْأَدَاءِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بُطْلَانُ تَقْدِيمِ الْأَدَاءِ عَلَيْهِ بِاعْتِبَارِ شَرْطِيَّتِهِ لَا بِاعْتِبَارِ سَبَبِيَّتِهِ لِنَفْسِ الْوُجُوبِ عَلَى مَا هُوَ الْمُدَّعَى، وَالْحَقُّ أَنَّ بُطْلَانَ تَقْدِيمِ الشَّيْءِ عَلَى شَرْطِهِ أَظْهَرُ مِنْ بُطْلَانِ تَقْدِيمِهِ عَلَى السَّبَبِ لِجَوَازِ أَنْ يَثْبُتَ بِأَسْبَابٍ شَتَّى فَبُطْلَانُ التَّقْدِيمِ لَا يَصْلُحُ أَمَارَةً عَلَى السَّبَبِيَّةِ، وَقَدْ يُقَالُ إنَّ احْتِمَالَ الشَّرْطِيَّةِ قَائِمٌ إلَّا أَنَّ الْأَدِلَّةَ السَّابِقَةَ تُرَجِّحُ جَانِبَ السَّبَبِيَّةِ كَالْمُشْتَرَكِ يَصْلُحُ دَلِيلًا عَلَى أَحَدِ مَدْلُولَيْهِ بِمَعُونَةِ الْقَرِينَةِ. (قَوْلُهُ ثُمَّ هُوَ سَبَبٌ لِنَفْسِ الْوُجُوبِ) يُرِيدُ أَنَّ هَاهُنَا وُجُوبًا وَوُجُوبَ أَدَاءً وَوُجُودَ أَدَاءً وَلِكُلٍّ مِنْهَا سَبَبٌ حَقِيقِيٌّ وَسَبَبٌ ظَاهِرِيٌّ فَالْوُجُوبُ سَبَبُهُ الْحَقِيقِيُّ هُوَ الْإِيجَابُ

стр. 390

بِجَعْلِ اللَّهِ تَعَالَى كَالنَّارِ فِي الْإِحْرَاقِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ، فَإِنْ قِيلَ الْحُكْمُ قَدِيمٌ فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الْحَادِثُ قُلْنَا الْإِيجَابُ قَدِيمٌ وَهُوَ حُكْمُهُ تَعَالَى فِي الْأَزَلِ أَنَّهُ إذَا بَلَغَ زَيْدٌ يَجِبُ عَلَيْهِ ذَا وَأَثَرُهُ وَهُوَ الْحُكْمُ الْمُصْطَلَحُ) أَيْ الْوُجُوبُ (حَادِثٌ، فَإِنَّهُ مُضَافٌ إلَى الْحَادِثِ فَلَا يُوجَدُ قَبْلَهُ، ثُمَّ هُوَ) أَيْ الْوَقْتُ لَمَّا بَيَّنَ أَنَّ الْوَقْتَ سَبَبٌ لِلْوُجُوبِ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوُجُوبِ نَفْسُ الْوُجُوبِ لَا وُجُوبُ الْأَدَاءِ. (سَبَبٌ لِنَفْسِ الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ سَبَبَهَا الْحَقِيقِيَّ الْإِيجَابُ الْقَدِيمُ وَهُوَ رَتَّبَ الْحُكْمَ عَلَى شَيْءٍ ظَاهِرٍ فَكَانَ هَذَا) أَيْ الشَّيْءُ الظَّاهِرُ، وَهُوَ الْوَقْتُ (سَبَبًا لَهَا) أَيْ ــ [التلويح] الْقَدِيمُ، وَسَبَبُهُ الظَّاهِرِيُّ هُوَ الْوَقْتُ، وَوُجُوبُ الْأَدَاءِ سَبَبُهُ الْحَقِيقِيُّ تَعَلُّقُ الطَّلَبِ بِالْفِعْلِ وَسَبَبُهُ الظَّاهِرِيُّ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى ذَلِكَ، وَوُجُودُ الْأَدَاءِ سَبَبُهُ الْحَقِيقِيُّ خَلْقُ اللَّهِ تَعَالَى وَإِرَادَتُهُ وَسَبَبُهُ الظَّاهِرِيُّ وَاسْتِطَاعَةُ الْعَبْدِ أَيْ قُدْرَتُهُ الْمُؤَثِّرَةُ الْمُسْتَجْمِعَةُ لِجَمِيعِ شَرَائِطِ التَّأْثِيرِ فَهِيَ لَا تَكُونُ إلَّا مَعَ الْفِعْلِ بِالزَّمَانِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَلِهَذَا أَيْ وَلِكَوْنِ الْوُجُوبِ جَبْرًا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِالْإِيجَابِ لَا بِالْخِطَابِ كَانَتْ الِاسْتِطَاعَةُ مُقَارِنَةً لِلْفِعْلِ، إذْ لَوْ كَانَتْ قَبْلَهُ لَكَانَتْ إمَّا مَعَ الْوُجُوبِ وَهُوَ جَبْرٌ لَا اخْتِيَارٌ فِيهِ، أَوْ مَعَ وُجُوبِ الْأَدَاءِ، وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِيهِ صِحَّةُ الْأَسْبَابِ وَسَلَامَةُ الْآلَاتِ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ مَعَ الْفِعْلِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي بَعْضِ تَصَانِيفِهِ حَيْثُ قَالَ إنَّ السَّبَبَ مُوجِبٌ، وَهُوَ جَبْرِيٌّ لَا يَعْتَمِدُ الْقُدْرَةَ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَشْتَرِطْ الْقُدْرَةَ سَابِقَةً عَلَى الْفِعْلِ؛ لِأَنَّ مَا قَبْلَهُ نَفْسُ الْوُجُوبِ وَهُوَ جَبْرُ وُجُوبِ الْأَدَاءِ، وَأَنَّهُ لَا يَعْتَمِدُ الْقُدْرَةَ الْحَقِيقِيَّةَ، أَمَّا فِعْلُ الْأَدَاءِ فَيَعْتَمِدُ الْقُدْرَةَ فَلِذَلِكَ كَانَتْ الِاسْتِطَاعَةُ مَعَ الْفِعْلِ. ١ - (قَوْلُهُ وَالْفَرْقُ بَيْنَ نَفْسِ الْوُجُوبِ وَوُجُوبِ الْأَدَاءِ) اعْلَمْ أَنَّ الْوُجُوبَ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ عَلَى اخْتِلَافِ عِبَارَتِهِمْ فِي تَفْسِيرِهِ يَرْجِعُ إلَى كَوْنِ الْفِعْلِ بِحَيْثُ يَسْتَحِقُّ تَارِكُهُ الذَّمَّ فِي الْعَاجِلِ وَالْعِقَابَ فِي الْآجِلِ، فَمِنْ هَاهُنَا ذَهَبَ جُمْهُورُ الشَّافِعِيَّةِ إلَى أَنَّهُ لَا مَعْنَى لَهُ إلَّا لُزُومُ الْإِتْيَانِ بِالْفِعْلِ وَأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلْوُجُوبِ بِدُونِ وُجُوبِ الْأَدَاءِ بِمَعْنَى الْإِتْيَانِ بِالْفِعْلِ الْأَعَمِّ مِنْ الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ وَالْإِعَادَةِ، فَإِذَا تَحَقَّقَ السَّبَبُ وَوُجِدَ الْمَحَلُّ مِنْ غَيْرِ مَانِعٍ تَحَقَّقَ وُجُوبُ الْأَدَاءِ حَتَّى يَأْثَمَ تَارِكُهُ، وَيَجِبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَإِنْ وُجِدَ فِي الْوَقْتِ مَانِعٌ شَرْعِيٌّ أَوْ عَقْلِيٌّ مِنْ حَيْضٍ أَوْ نَوْمٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَالْوُجُوبُ يَتَأَخَّرُ إلَى زَمَانِ ارْتِفَاعِ الْمَانِعِ، وَحِينَئِذٍ افْتَرَقُوا ثَلَاثَ فِرَقٍ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّ الْفِعْلَ فِي الزَّمَانِ الثَّانِي قَضَاءٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ سَبْقُ الْوُجُوبِ فِي الْجُمْلَةِ لَا سَبْقُ الْوُجُوبِ عَلَى ذَلِكَ الشَّخْصِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ فِعْلُ النَّائِمِ وَالْحَائِضِ وَنَحْوِهِمَا قَضَاءً وَبَعْضُهُمْ يَعْتَبِرُ الْوُجُوبَ عَلَيْهِ حَتَّى لَا يَكُونَ فِعْلُ النَّائِمِ وَالْحَائِضِ وَنَحْوِهِمَا قَضَاءً لِعَدَمِ الْوُجُوبِ عَلَيْهِمْ بِدَلِيلِ الْإِجْمَاعِ عَلَى جَوَازِ التَّرْكِ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ بِالْوُجُوبِ عَلَيْهِمْ بِمَعْنَى انْعِقَادِ السَّبَبِ وَصَلَاحِيَّةِ الْمَحَلِّ وَتَحَقُّقِ اللُّزُومِ لَوْلَا الْمَانِعُ وَيُسَمِّيهِ وُجُوبًا بِدُونِ وُجُوبِ

стр. 391

لِنَفْسِ الْوُجُوبِ (بِالنِّسْبَةِ إلَيْنَا، ثُمَّ لَفْظُ الْأَمْرِ لِمُطَالَبَةِ مَا وَجَبَ بِالْإِيجَابِ الْمُرَتِّبِ الْحُكْمَ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ) وَهُوَ الْوَقْتُ (فَيَكُونُ) أَيْ لَفْظُ الْأَمْرِ (سَبَبًا لِوُجُوبِ الْأَدَاءِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ نَفْسِ الْوُجُوبِ وَوُجُوبِ الْأَدَاءِ أَنَّ الْأَوَّلَ هُوَ اشْتِغَالُ ذِمَّةِ الْمُكَلَّفِ بِالشَّيْءِ، وَالثَّانِي هُوَ لُزُومُ تَفْرِيغِ الذِّمَّةِ عَمَّا تَعَلَّقَ بِهَا فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ سَبْقِ حَقٍّ فِي ذِمَّتِهِ فَإِذَا اشْتَرَى شَيْئًا يَثْبُتُ الثَّمَنُ فِي الذِّمَّةِ) فَثُبُوتُ الثَّمَنِ فِي الذِّمَّةِ نَفْسُ الْوُجُوبِ. (أَمَّا لُزُومُ الْأَدَاءِ فَعِنْدَ الْمُطَالَبَةِ بِنَاءً عَلَى أَصْلِ الْوُجُوبِ، وَأَيْضًا وَاجِبٌ عَلَى الْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالنَّائِمِ وَالْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ وَلَا أَدَاءَ عَلَيْهِمْ لِعَدَمِ ــ [التلويح] الْأَدَاءِ، وَلَيْسَ هَذَا إلَّا تَغْيِيرَ عِبَارَةٍ، وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْوُجُوبِ وَوُجُوبِ الْأَدَاءِ فِي الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ حَتَّى إنَّ الشَّيْخَ الْمُحَقِّقَ أَبَا الْمُعِينِ بَالَغَ فِي رَدِّهِ وَإِنْكَارِهِ، وَادَّعَى أَنَّ اسْتِحَالَتَهُ غَنِيَّةٌ عَنْ الْبَيَانِ، فَإِنَّ الصَّوْمَ مَثَلًا إنَّمَا هُوَ الْإِمْسَاكُ عَنْ قَضَاءِ الشَّهْوَتَيْنِ نَهَارًا لِلَّهِ تَعَالَى، وَالْإِمْسَاكُ فِعْلُ الْعَبْدِ فَإِذَا حَصَلَ حَصَلَ الْأَدَاءُ، وَلَوْ كَانَا مُتَغَايِرَيْنِ لَكَانَ الصَّائِمُ فَاعِلًا فِعْلَيْنِ الْإِمْسَاكَ وَأَدَاءَ الْإِمْسَاكِ، وَكَذَا كُلُّ فَاعِلٍ كَالْآكِلِ وَالشَّارِبِ كَانَ فَاعِلًا فِعْلَيْنِ أَحَدُهُمَا ذَلِكَ الْفِعْلُ، وَالْآخَرُ أَدَاؤُهُ، وَهَذِهِ مُكَابَرَةٌ عَظِيمَةٌ، ثُمَّ قَالَ إنَّ جَعْلَ أَصْلِ الْوُجُوبِ غَيْرَ وُجُوبِ الْأَدَاءِ فِي الْوَاجِبِ الْبَدَنِيِّ مَبْنِيٌّ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي الْهُذَيْلِ الْعَلَّافِ مِنْ شَيَاطِينِ الْقَدَرِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ وَالْحَجَّ لَيْسَتْ عِبَارَةً عَنْ الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ الْمَخْصُوصَةِ بَلْ عَنْ مَعَانٍ وَرَاءَهَا تُقَارِنُهَا فَبِالسَّبَبِ تَجِبُ تِلْكَ الْمَعَانِي، وَتَشْتَغِلُ الذِّمَّةُ بِهَا، وَبِالْأَمْرِ يَجِبُ وُجُودُ الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ الَّتِي تَحْصُلُ تِلْكَ الْمَعَانِي بِهَا أَوْ مَعَهَا فَيَكُونُ التَّحَرُّكُ وَالسُّكُونُ مِنْ الْعَبْدِ أَدَاءً لَهَا وَتَحْصِيلًا، ثُمَّ قَالَ إنَّ الشَّارِعَ أَوْجَبَ عَلَى مَنْ مَضَى عَلَيْهِ الْوَقْتُ وَهُوَ نَائِمٌ مَثَلًا بَعْدَ زَوَالِ النَّوْمِ مَا كَانَ يُوجِبُهُ فِي الْوَقْتِ لَوْلَا النَّوْمُ بِشَرَائِطَ مَخْصُوصَةٍ، وَلَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ فِي بَابِ الصِّبَا وَالْكُفْرِ، وَهُوَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ، وَأَوْجَبَ الصَّوْمَ عَلَى الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ مُعَلِّقًا بِاخْتِيَارِهِمَا الْوَقْتَ تَخْفِيفًا وَمَرْحَمَةً فَإِنْ اخْتَارَ الْأَدَاءَ فِي الشَّهْرِ كَانَ الصَّوْمُ وَاجِبًا فِيهِ، وَإِنْ أَخَّرَاهُ إلَى الصِّحَّةِ وَالْإِقَامَةِ كَانَ وَاجِبًا بَعْدَهُمَا، بِخِلَافِ الْوَاجِبِ الْمَالِيِّ، فَإِنَّ الْوَاجِبَ هُوَ الْمَالُ وَالْأَدَاءُ فِعْلٌ فِي ذَلِكَ الْمَالِ فَيَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ أَدَاءُ مَا وُضِعَ فِي ذِمَّةِ الصَّبِيِّ مِنْ الْمَالِ كَمَا لَوْ وَضَعَ فِي بَيْتِ الصَّبِيِّ مَالٌ مُعَيَّنٌ. وَأَمَّا الذَّاهِبُونَ إلَى الْفَرْقِ فَمِنْهُمْ مَنْ اكْتَفَى بِالتَّمْثِيلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَاوَلَ التَّحْقِيقَ فَذَهَبَ صَاحِبُ الْكَشْفِ إلَى أَنَّ نَفْسَ الْوُجُوبِ عِبَارَةٌ عَنْ اشْتِغَالِ الذِّمَّةِ بِوُجُودِ الْفِعْلِ الذِّهْنِيِّ، وَوُجُوبُ الْأَدَاءِ عِبَارَةٌ عَنْ إخْرَاجِ ذَلِكَ الْفِعْلِ مِنْ الْعَدَمِ إلَى الْوُجُودِ الْخَارِجِيِّ، وَلَا شَكَّ فِي تَغَايُرِهِمَا، وَلِذَا لَا يَتَبَدَّلُ ذَلِكَ التَّصَوُّرُ بِتَبَدُّلِ الْوُجُودِ الْخَارِجِيِّ بِالْعَدَمِ بَلْ يَبْقَى عَلَى حَالِهِ، وَكَذَا فِي الْمَالِ أَصْلُ الْوُجُوبِ لُزُومُ مَالٍ مُتَصَوَّرٍ فِي الذِّمَّةِ، وَوُجُوبُ الْأَدَاءِ إخْرَاجُهُ مِنْ الْعَدَمِ إلَى

стр. 392

الْخِطَابِ) أَمَّا فِي الْأَوَّلَيْنِ فَلِأَنَّ خِطَابَ مَنْ لَا يَفْهَمُ لَغْوٌ، وَأَمَّا فِي الْأَخِيرَيْنِ فَلِأَنَّهُمَا مُخَاطَبَانِ بِالصَّوْمِ فِي أَيَّامٍ أُخَرَ. (وَلَا بُدَّ لِلْقَضَاءِ مِنْ وُجُوبِ الْأَصْلِ فَيَكُونُ نَفْسُ الْوُجُوبِ ثَابِتًا وَيَكُونُ سَبَبُهُ) أَيْ سَبَبُ نَفْسِ الْوُجُوبِ (شَيْئًا غَيْرَ الْخِطَابِ وَهُوَ الْوَقْتُ) لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ عَدَمِ الْخِطَابِ؛ لِأَنَّهُ لَا شَيْءَ غَيْرُ الْوَقْتِ، وَالْخِطَابُ يَصْلُحُ لِلسَّبَبِيَّةِ فَالسَّبَبِيَّةُ مُنْحَصِرَةٌ فِيهِمَا إمَّا لِهَذَا أَوْ لِلْإِجْمَاعِ فَيَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ أَحَدِهِمَا ثُبُوتُ الْآخَرِ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ لَا يُدْرِكُونَ الْفَرْقَ بَيْنَ نَفْسِ ــ [التلويح] الْوُجُودِ الْخَارِجِيِّ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي وُسْعِهِ ذَلِكَ أُقِيمَ مَالٌ آخَرُ مِنْ جِنْسِهِ مَقَامَهُ فِي حَقِّ صِحَّةِ الْأَدَاءِ وَالْخُرُوجِ عَنْ الْعُهْدَةِ وَجُعِلَ كَأَنَّهُ ذَلِكَ الْمَالُ الْوَاجِبُ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ الدُّيُونُ تُقْضَى بِأَمْثَالِهَا لَا بِأَعْيَانِهَا فَظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْفِعْلِ وَأَدَاءِ الْفِعْلِ هَذَا كَلَامُهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ اشْتِغَالَ الذِّمَّةِ بِوُجُودِ الْفِعْلِ الذِّهْنِيِّ أَوْ الْمَالِ الْمُتَصَوَّرِ مُجَرَّدُ عِبَارَةٍ إذْ لَا يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ تَصَوُّرُ مَنْ عَلَيْهِ الْوُجُوبُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ غَافِلًا كَالنَّائِمِ وَالصَّبِيِّ وَلَا التَّصَوُّرُ فِي الْجُمْلَةِ إذْ لَا مَعْنَى لِاشْتِغَالِ ذِمَّةِ النَّائِمِ أَوْ الصَّبِيِّ بِصَلَاةٍ أَوْ مَالٍ يُوجَدُ فِي ذِهْنِ زَيْدٍ مَثَلًا، ثُمَّ فِي تَفْسِيرِ وُجُوبِ الْأَدَاءِ بِالْإِخْرَاجِ مِنْ الْعَدَمِ إلَى الْوُجُودِ تَسَامُحٌ، وَالْمُرَادُ لُزُومُ الْإِخْرَاجِ، وَذَهَبَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّ نَفْسَ الْوُجُوبِ هُوَ اشْتِغَالُ الذِّمَّةِ بِفِعْلٍ أَوْ مَالٍ، وَوُجُوبُ الْأَدَاءِ لُزُومُ تَفْرِيغِ الذِّمَّةِ عَمَّا اشْتَغَلَتْ بِهِ، وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ لِلْفِعْلِ مَعْنًى مَصْدَرِيًّا هُوَ الْإِيقَاعُ وَمَعْنًى حَاصِلًا بِالْمَصْدَرِ وَهُوَ الْحَالَةُ الْمَخْصُوصَةُ فَلُزُومُ وُقُوعِ تِلْكَ الْحَالَةِ هُوَ نَفْسُ الْوُجُوبِ، وَلُزُومُ إيقَاعِهَا وَإِخْرَاجِهَا مِنْ الْعَدَمِ إلَى الْوُجُودِ هُوَ وُجُوبُ الْأَدَاءِ، وَكَذَا فِي الْمَالِيِّ لُزُومُ الْمَالِيِّ وَثُبُوتُهُ فِي الذِّمَّةِ نَفْسُ وُجُوبٍ، وَلُزُومُ تَسْلِيمِهِ إلَى مَنْ لَهُ الْحَقُّ وُجُوبُ الْأَدَاءِ فَالْوُجُوبُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا صِفَةٌ لِشَيْءٍ آخَرَ فَهَذَا وَجْهُ افْتِرَاقِهِمَا فِي الْمَعْنَى، ثُمَّ إنَّهُمَا (يَفْتَرِقَانِ فِي) الْوُجُودِ أَمَّا فِي الْبَدَنِيِّ فَكَمَا فِي صَلَاةِ النَّائِمِ وَالنَّاسِي وَصَوْمِ الْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ فَإِنَّ وُقُوعَ الْحَالَةِ الْمَخْصُوصَةِ الَّتِي هِيَ الصَّلَاةُ أَوْ الصَّوْمُ لَازِمٌ نَظَرًا إلَى وُجُودِ السَّبَبِ وَأَهْلِيَّةِ الْمَحَلِّ، وَإِيقَاعُهَا مِنْ هَؤُلَاءِ غَيْرُ لَازِمٍ لِعَدَمِ الْخِطَابِ وَقِيَامِ الْمَانِعِ، وَأَمَّا فِي الْمَالِيِّ فَكَمَا فِي الثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَى الرَّجُلُ شَيْئًا بِثَمَنٍ غَيْرِ مُشَارٍ إلَيْهِ بِالتَّعْيِينِ فَإِنَّهُ يَجِبُ فِي الذِّمَّةِ ضَرُورَةُ امْتِنَاعِ الْبَيْعِ بِلَا ثَمَنٍ، وَلَا يَجِبُ أَدَاؤُهُ إلَّا بَعْدَ الْمُطَالَبَةِ هَذَا حَاصِلُ كَلَامِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِلُزُومِ وُجُودِ الْحَالَةِ الْمَخْصُوصَةِ عَقِيبَ السَّبَبِ لُزُومُ وُجُودِهَا مِنْ ذَلِكَ الشَّخْصِ كَالنَّائِمِ وَالْمَرِيضِ مَثَلًا فَلُزُومُ وُقُوعِ الْفِعْلِ الِاخْتِيَارِيِّ مِنْ الشَّخْصِ بِدُونِ لُزُومِ إيقَاعِهِ إيَّاهُ لَيْسَ بِمَعْقُولٍ بَلْ لُزُومُ الْوُقُوعِ عَنْهُ تِلْكَ الْحَالَةِ لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ وَبَعْدَهَا كَمَا يَلْزَمُ الْوُقُوعُ يَلْزَمُ الْإِيقَاعُ، وَإِنْ أُرِيدَ لُزُومُ وُجُودِ تِلْكَ الْحَالَةِ فِي الْجُمْلَةِ فَهَذَا مَا ذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ الشَّافِعِيَّةِ مِنْ أَنَّ الْقَضَاءَ قَدْ يَكُونُ بِدُونِ سَابِقِيَّةِ الْوُجُوبِ عَلَى ذَلِكَ الشَّخْصِ، وَإِنَّمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى سَبْقِ وُجُوبٍ فِي الْجُمْلَةِ بِأَنْ

стр. 393

الْوُجُوبِ وَوُجُوبِ الْأَدَاءِ، وَيَقُولُونَ إنَّ الْوُجُوبَ لَا يَنْصَرِفُ إلَّا إلَى الْفِعْلِ، وَهُوَ الْأَدَاءُ فَبِالضَّرُورَةِ يَكُونُ نَفْسُ الْوُجُوبِ هِيَ نَفْسُ وُجُوبِ الْأَدَاءِ فَلَا يَبْقَى فَرْقٌ بَيْنَهُمَا، وَلِلَّهِ دَرُّ مَنْ أَبْدَعَ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَمَا أَدَقَّ نَظَرَهُ، وَمَا أَمْتَنَ حِكْمَتَهُ، وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْوَقْتُ سَبَبًا لِوُجُوبِ الصَّلَاةِ كَانَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَ وَقْتٌ شَرِيفٌ كَانَ لَازِمًا أَنْ يُوجَدَ فِيهِ هَيْئَةٌ مَخْصُوصَةٌ وُضِعَتْ لِعِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهِيَ الصَّلَاةُ فَلُزُومُ وُجُودِ تِلْكَ الْهَيْئَةِ عَقِيبَ السَّبَبِ هُوَ نَفْسُ الْوُجُوبِ، ثُمَّ الْأَدَاءُ هُوَ إيقَاعُ تِلْكَ الْهَيْئَةِ فَوُجُوبُ الْأَدَاءِ هُوَ لُزُومُ إيقَاعِ تِلْكَ الْهَيْئَةِ، وَذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ أَوْجَبَ وُجُودَ تِلْكَ الْهَيْئَةِ لِمُنَاسَبَةٍ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالسَّبَبِ الدَّاعِي، ثُمَّ بِوَاسِطَةِ هَذَا الْوُجُوبِ يَجِبُ إيقَاعُ تِلْكَ الْهَيْئَةِ فَالْوُجُوبُ الْأَوَّلُ يَتَعَلَّقُ بِالصَّلَاةِ، وَهِيَ الْهَيْئَةُ، وَالثَّانِي بِأَدَائِهَا حَتَّى لَوْ كَانَ السَّبَبُ بِذَاتِهِ دَاعِيًا إلَى نَفْسِ الْإِيقَاعِ لَا إلَى الْهَيْئَةِ ــ [التلويح] يَلْزَمَ وُقُوعُ الْفِعْلِ مِنْ شَخْصٍ بِإِيقَاعِهِ إيَّاهُ فَلَمْ يَثْبُتْ وُجُوبٌ بِدُونِ وُجُوبِ الْأَدَاءِ، وَكَأَنَّ بَيْنَهُمَا فَرْقًا يَتَعَسَّرُ التَّعْبِيرُ عَنْهُ فَإِنَّ الْمَعْذُورَ يَلْزَمُهُ فِي حَالِ قِيَامِ الْعُذْرِ أَنْ يُوقِعَ الْفِعْلَ بَعْدَ زَوَالِ الْعُذْرِ لَوْ أَدْرَكَهُ، وَالْمُشْتَرِي يَلْزَمُهُ قَبْلَ الْمُطَالَبَةِ أَنْ يُؤَدِّيَ الثَّمَنَ عِنْدَ الْمُطَالَبَةِ، وَلَا يَلْزَمُهُمَا الْإِيقَاعُ وَالْأَدَاءُ فِي الْحَالِ فَلَوْ قُلْنَا إنَّ الْوُجُوبَ هُوَ لُزُومُ إيقَاعِ الْفِعْلِ أَوْ أَدَاءِ الْمَالِ فِي زَمَانِ مَا بَعْدَ تَقَرُّرِ السَّبَبِ، وَوُجُوبُ الْأَدَاءِ لُزُومُهُ فِي زَمَانٍ مَخْصُوصٍ لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا. (قَوْلُهُ وَلَا أَدَاءَ عَلَيْهِمْ لِعَدَمِ الْخِطَابِ) فَإِنْ قِيلَ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ صَوْمُ الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ أَدَاءً لِلْوَاجِبِ وَإِتْيَانًا بِالْمَأْمُورِ بِهِ قُلْنَا بَعْدَ الشُّرُوعِ بِتَوَجُّهِ الْخِطَابِ، وَيَلْزَمُ أَدَاءٌ كَمَا فِي الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ عَلَى الرَّأْيِ الْأَصَحِّ مِنْ أَنَّ الْوَاجِبِ وَاحِدٌ لَا عَلَى التَّعْيِينِ. (قَوْلُهُ وَلَا بُدَّ لِلْقَضَاءِ مِنْ وُجُوبِ الْأَصْلِ) ؛ لِأَنَّهُ إتْيَانٌ بِمِثْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ إلَّا أَنَّهُ يَكْفِي نَفْسُ الْوُجُوبِ عَلَى مَا مَرَّ، وَبَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّ الْقَضَاءَ مَبْنِيٌّ عَلَى وُجُوبِ الْأَدَاءِ إلَّا أَنَّ الْمَطْلُوبَ قَدْ يَكُونُ نَفْسَ الْفِعْلِ فَيَأْثَمُ بِتَرْكِهِ وَيَفْتَقِرُ إلَى الْقُدْرَةِ بِمَعْنَى سَلَامَةِ الْأَسْبَابِ وَالْآلَاتِ، وَقَدْ يَكُونُ ثُبُوتُ خَلْفِهِ، وَيَكْفِي فِيهِ تَوَهُّمُ ثُبُوتِ الْقُدْرَةِ فَفِي مِثْلِ النَّائِمِ يَتَحَقَّقُ وُجُوبُ الْأَدَاءِ عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ وَسِيلَةً إلَى وُجُوبِ الْقَضَاءِ بِتَوَهُّمِ حُدُوثِ الِانْتِبَاهِ، صَرَّحَ بِذَلِكَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي شَرْحِ الْمَبْسُوطِ. (قَوْلُهُ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ عَدَمِ الْخِطَابِ) تَعْلِيلٌ لِكَوْنِ السَّبَبِ غَيْرَ الْخِطَابِ، وَقَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَا شَيْءَ غَيْرُ الْوَقْتِ، وَالْخِطَابُ تَعْلِيلٌ لِكَوْنِهِ هُوَ الْوَقْتُ يَعْنِي أَنَّ السَّبَبِيَّةَ مُنْحَصِرَةٌ فِي الْوَقْتِ وَالْخِطَابِ إمَّا لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ سَبَبٍ وَلَا شَيْءَ غَيْرُهُمَا يَصْلُحُ لِلسَّبَبِيَّةِ، وَإِمَّا لِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ السَّبَبَ هُوَ الْوَقْتُ أَوْ الْخِطَابُ فَإِذَا انْتَفَى الْخِطَابُ تَعَيَّنَ الْوَقْتُ لِلسَّبَبِيَّةِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَمْنَعَ عَدَمَ الْخِطَابِ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ اللَّغْوُ لَوْ كَانَ مُخَاطَبًا بِأَنْ يَفْعَلَ فِي حَالَةِ النَّوْمِ مَثَلًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ مُخَاطَبٌ

стр. 394

الْحَاصِلَةِ بِالْإِيقَاعِ فَلُزُومُ ذَلِكَ الْإِيقَاعِ يَكُونُ نَفْسَ الْوُجُوبِ فَإِذَا تَصَوَّرَهُ الْعَقْلُ لَازِمُ الْوُقُوعِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ إيقَاعٍ فَلَزِمَ إيقَاعُ الْإِيقَاعِ هُوَ وُجُوبُ الْأَدَاءِ، وَقَدْ يُوجَدُ نَفْسُ الْوُجُوبِ بِدُونِ الْوُجُوبِ الْأَدَاءِ كَمَا فِي الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ، فَإِنَّ لُزُومَ وُجُودِ الْحَالَةِ الَّتِي هِيَ الصَّوْمُ حَاصِلٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ اللُّزُومَ بِاعْتِبَارِ أَنَّ السَّبَبَ دَاعٍ إلَيْهِ وَالْمَحَلُّ وَهُوَ الْمُكَلَّفُ صَالِحٌ لِهَذَا فَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ اللُّزُومُ لَمَا كَانَ السَّبَبُ سَبَبًا لَكِنْ لَا يَجِبُ إيقَاعُهُ مَعَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَاقِعًا إذَا وُجِدَ الْبَيْعُ بِثَمَنٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَالْبَيْعُ مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ، وَقَدْ مَلَكَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ فَلَا بُدَّ أَنْ يَمْلِكَ الْبَائِعُ مَالًا عَلَى الْمُشْتَرِي تَحْقِيقًا لِلْمُبَادَلَةِ فَهَذَا نَفْسُ الْوُجُوبِ، ثُمَّ لُزُومُ أَدَاءِ الْمَالِ الْوَاجِبِ ــ [التلويح] بِأَنْ يَفْعَلَ بَعْدَ الِانْتِبَاهِ، وَالْمَرِيضُ مُخَاطَبٌ بِأَنْ يَفْعَلَ فِي الْوَقْتِ أَوْ فِي أَيَّامٍ أُخَرَ كَمَا فِي الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ، وَالْعَجَبُ أَنَّهُمْ جَوَّزُوا خِطَابَ الْمَعْدُومِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَطْلُوبَ صُدُورُ الْفِعْلِ حَالَةَ الْوُجُودِ حَتَّى قَالَ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ الْأَدَاءِ الْقُدْرَةُ الَّتِي بِهَا يَتَمَكَّنُ الْمَأْمُورُ مِنْ الْأَدَاءِ إلَّا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ وُجُودُهَا عِنْدَ الْأَمْرِ بَلْ عِنْدَ الْأَدَاءِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﵊ كَانَ مَبْعُوثًا إلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَصَحَّ أَمْرُهُ فِي حَقِّ مَنْ وُجِدَ بَعْدَهُ، وَيَلْزَمُهُمْ الْأَدَاءُ بِشَرْطِ أَنْ يَبْلُغَهُمْ وَيَتَمَكَّنُوا مِنْ الْأَدَاءِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ كَالْمَرِيضِ يُؤْمَرُ بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ إذَا بَرَّأَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [النساء: ١٠٣] أَيْ إذَا أَمِنْتُمْ مِنْ الْخَوْفِ فَصَلُّوا بِلَا إيمَاءٍ. (قَوْلُهُ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالسَّبَبِ الدَّاعِي) لَا الْمُوجِدُ الْمُؤَثِّرُ فِي حُصُولِ الشَّيْءِ حَتَّى يَمْنَعَ صَلَاحِيَّةَ الْوَقْتِ لِلسَّبَبِيَّةِ. (قَوْلُهُ حَتَّى لَوْ كَانَ السَّبَبُ بِذَاتِهِ) يَعْنِي أَنَّ الْوُجُوبَ هُوَ لُزُومُ مَا كَانَ السَّبَبُ دَاعِيًا إلَيْهِ، وَوُجُوبُ الْأَدَاءِ لُزُومُ إيقَاعِهِ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ السَّبَبُ إيقَاعًا أَوْ غَيْرَ إيقَاعٍ حَتَّى لَوْ كَانَ إيقَاعًا فَنَفْسُ الْوُجُوبِ هُوَ لُزُومُ الْإِيقَاعِ، وَوُجُوبُ الْأَدَاءِ هُوَ لُزُومُ إيقَاعِ الْإِيقَاعِ، وَفِي هَذَا دَفْعٌ لِمَا يُقَالُ إنَّ الْوَاجِبَ رُبَّمَا يَكُونُ الْفِعْلَ بِمَعْنَى الْإِيقَاعِ فَيَكُونُ لُزُومُ الْإِيقَاعِ نَفْسَ الْوُجُوبِ لَا وُجُوبَ الْأَدَاءِ. (قَوْلُهُ: ثُمَّ إذَا كَانَ الْوَقْتُ) لَا خَفَاءَ فِي أَنَّ الشَّرْطَ هُوَ الْجُزْءُ الْأَوَّلُ مِنْ الْوَقْتِ وَالظَّرْفِ هُوَ مُطْلَقُ الْوَقْتِ حَتَّى يَقَعَ أَدَاءٌ فِي أَيِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْوَقْتِ أَوْقَعَهُ عَلَى مَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُؤَدِّي بِنِيَّةِ الْفَرْضِ وَالْأَدَاءِ وَلَا يَعْصِي بِالتَّأْخِيرِ عَنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَأَمَّا السَّبَبُ فَكُلُّ الْوَقْتِ إنْ أَخْرَجَ الْفَرْضَ عَنْ وَقْتِهِ عَلَى مَا سَيَأْتِي، وَإِلَّا فَالْبَعْضُ إذْ لَوْ كَانَ هُوَ الْكُلُّ لَزِمَ تَقَدُّمُ الْمُسَبِّبِ عَلَى السَّبَبِ أَوْ وُجُوبُ الْأَدَاءِ بَعْدَ وَقْتِهِ، وَكِلَاهُمَا بَاطِلٌ بِالضَّرُورَةِ، أَمَّا لُزُومُ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ فَلِأَنَّ الصَّلَاةَ إنْ وَجَبَتْ بَعْدَ الْوَقْتِ فَهُوَ الْأَمْرُ الثَّانِي، وَهَذَا ظَاهِرٌ وَإِنْ وَجَبَتْ فِي الْوَقْتِ لَزِمَ تَقَدُّمُ وُجُوبِهَا عَلَى السَّبَبِ الَّذِي هُوَ جَمِيعُ الْوَقْتِ ضَرُورَةَ أَنَّ الْكُلَّ لَا يُوجَدُ إلَّا بِوُجُودِ جَمِيعِ

стр. 395

فَرْعٌ عَلَى الْأَوَّلِ فَهُوَ وُجُوبُ الْأَدَاءِ فَلَمَّا ذَكَرَ أَنَّ الْوَقْتَ سَبَبٌ لِنَفْسِ الْوُجُوبِ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ السَّبَبَ لَيْسَ كُلَّ الْوَقْتِ بَلْ بَعْضَهُ فَقَالَ (ثُمَّ إذَا كَانَ الْوَقْتُ سَبَبًا، وَلَيْسَ ذَلِكَ كُلَّهُ) أَيْ السَّبَبُ لَيْسَ كُلَّ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْكُلُّ سَبَبًا لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ تَجِبَ الصَّلَاةُ فِي الْوَقْتِ أَوْ بَعْدَهُ، فَإِنْ وَجَبَتْ فِي الْوَقْتِ يَلْزَمُ التَّقَدُّمُ عَلَى السَّبَبِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْكُلُّ سَبَبًا فَمَا لَمْ يَنْقَضِ كُلُّ الْوَقْتِ لَا يُوجَدُ السَّبَبُ إنْ وَجَبَتْ بَعْدَ الْوَقْتِ لَزِمَ الْأَدَاءُ بَعْدَ الْوَقْتِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا بَاطِلٌ فَلَا يَكُونُ الْكُلُّ سَبَبًا، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ (لِأَنَّهُ إنْ وَجَبَتْ فِي الْوَقْتِ تَقَدَّمَ الْأَدَاءُ عَلَى السَّبَبِ، وَإِنْ لَمْ تَجِبْ فِيهِ تَأَخَّرَ الْأَدَاءُ عَنْ الْوَقْتِ فَالْبَعْضُ سَبَبٌ، وَلَا يَتَعَيَّنُ الْأَوَّلُ بِدَلِيلِ الْوُجُوبِ عَلَى مَنْ صَارَ أَهْلًا فِي الْآخِرِ إجْمَاعًا وَلَا الْآخِرُ، وَإِلَّا لَمَّا صَحَّ التَّقْدِيمُ عَلَيْهِ فَالْجُزْءُ الَّذِي اتَّصَلَ بِهِ الْأَدَاءُ سَبَبٌ فَهَذَا الْجُزْءُ إنْ كَانَ كَامِلًا يَجِبُ الْأَدَاءُ كَامِلًا، فَإِذَا اعْتَرَضَ عَلَيْهِ الْفَسَادُ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ يَفْسُدُ، وَإِنْ كَانَ نَاقِصًا كَوَقْتِ الْأَحْمَرِ يَجِبُ كَذَلِكَ فَإِذَا اعْتَرَضَ عَلَيْهِ الْفَسَادُ بِالْغُرُوبِ لَا يَفْسُدُ لِتَحَقُّقِ الْمُلَاءَمَةِ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَالْمُؤَدَّى) ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ نَاقِصًا، وَقَدْ أَدَّى كَمَا وَجَبَ بِخِلَافِ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ شَرَعَ فِي الْوَقْتِ الْكَامِلِ؛ لِأَنَّ مَا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقْتٌ ــ [التلويح] أَجْزَائِهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ بَيْنَ ظَرْفِيَّةِ كُلِّ الْوَقْتِ وَسَبَبِيَّتِهِ مُنَافَاةَ ضَرُورَةِ أَنَّ الظَّرْفِيَّةَ تَقْتَضِي الْإِحَاطَةَ وَالسَّبَبِيَّةَ التَّقَدُّمَ، وَقَدْ ثَبَتَ الْأَوَّلُ فَانْتَفَى الثَّانِي، ثُمَّ ذَلِكَ الْبَعْضُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَوَّلَ الْوَقْتِ عَلَى التَّعْيِينِ، وَإِلَّا لَمَا وَجَبَتْ عَلَى مَنْ صَارَ أَهْلًا لِلصَّلَاةِ فِي آخِرِ الْوَقْتِ بِقَدْرِ مَا يَسَعُهَا، وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ وَلَا آخِرَ الْوَقْتِ عَلَى التَّعْيِينِ، وَإِلَّا لَمَا صَحَّ الْأَدَاءُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ لِامْتِنَاعِ التَّقَدُّمِ عَلَى السَّبَبِ فَإِنْ قِيلَ هُوَ سَبَبٌ لِنَفْسِ الْوُجُوبِ لَا لِوُجُوبِ الْأَدَاءِ قُلْنَا لَا خِلَافَ فِي أَنَّ وُجُوبَ الْأَدَاءِ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَى نَفْسِ الْوُجُوبِ وَإِذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ الْأَوَّلُ وَلَا الْآخِرُ فَهُوَ الْجُزْءُ الَّذِي يَتَّصِلُ بِهِ الْأَدَاءُ، وَيَلِيهِ الشُّرُوعُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي السَّبَبِ هُوَ الْوُجُودُ، وَالِاتِّصَالُ بِالْمُسَبِّبِ فَلَا وَجْهَ لِلْعُدُولِ عَنْ الْقَرِيبِ الْقَائِمِ إلَى الْبَعِيدِ الْمُنْقَضِي، فَإِنْ قِيلَ الْمُسَبِّبُ هَاهُنَا نَفْسُ الْوُجُوبِ لَا الْأَدَاءُ حَتَّى يُعْتَبَرُ الِاتِّصَالُ قُلْنَا نَعَمْ إلَّا أَنَّ الْوُجُوبَ مُفْضٍ إلَى الْوُجُودِ أَعْنِي الْأَدَاءَ فَيَصِيرُ هُوَ أَيْضًا مُسَبِّبًا بِوَاسِطَةٍ فَيُعْتَبَرُ الِاتِّصَالُ بِهِ فَإِنْ اتَّصَلَ الْأَدَاءُ بِالْجُزْءِ الْأَوَّلِ تَعَيَّنَ لِعَدَمِ الْمُزَاحِمِ، وَإِلَّا تَنْتَقِلُ السَّبَبِيَّةُ إلَى الْجُزْءِ الَّذِي يَلِيهِ، وَهَكَذَا إلَى الْجُزْءِ الَّذِي يَتَّصِلُ بِالْأَدَاءِ فَإِنْ قِيلَ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ السَّبَبُ حِينَئِذٍ هُوَ جَمِيعُ الْأَجْزَاءِ مِنْ الْأَوَّلِ إلَى الِاتِّصَالِ قُلْنَا؛ لِأَنَّ فِيهِ تَخَطِّيًا مِنْ الْقَلِيلِ إلَى الْكَثِيرِ بِلَا دَلِيلٍ، وَأَيْضًا فِيهِ جَعْلُ السَّبَبِ مَوْجُودًا بِبَعْضِ الْأَجْزَاءِ، وَهُوَ الْجُزْءُ الْقَائِمُ الْمُتَّصِلُ فَإِنْ قِيلَ: إنْ اتَّصَلَ الْأَدَاءُ بِالْجُزْءِ الْأَوَّلِ فَقَدْ تَقَرَّرَتْ عَلَيْهِ السَّبَبِيَّةُ مِنْ غَيْرِ انْتِقَالٍ، وَإِلَّا فَلَا سَبَبِيَّةَ لَهُ حَتَّى يَنْتَقِلَ عَنْهُ، وَأَيًّا مَا كَانَ فَلَا انْتِقَالَ

стр. 396

كَامِلٌ لَا نُقْصَانَ فِيهِ قَطْعًا فَوَجَبَ عَلَيْهِ كَامِلًا فَإِذَا فَسَدَ الْوَقْتُ بِالطُّلُوعِ يَكُونُ مُؤَدِّيًا كَمَا وَجَبَ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ بِاعْتِبَارِ أَنَّ عَبَدَةَ الشَّمْسِ يَعْبُدُونَهَا فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ فَالْعِبَادَةُ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ مُشَابِهَةٌ لِعِبَادَةِ الشَّمْسِ فَلِهَذَا وَرَدَ النَّهْيُ وَعِبَادَةُ الشَّمْسِ إنَّمَا هِيَ بَعْدَ الطُّلُوعِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ فَقَبْلَ الطُّلُوعِ وَقْتٌ كَامِلٌ وَلَا كَذَلِكَ قَبْلَ الْغُرُوبِ. (فَإِنْ قِيلَ يَلْزَمُ أَنْ يَفْسُدَ الْعَصْرُ إذَا شَرَعَ فِيهِ فِي الْجُزْءِ الصَّحِيحِ وَمَدَّهَا إلَى أَنْ غَرَبَتْ الشَّمْسُ قُلْنَا لَمَّا كَانَ الْوَقْتُ مُتَّسِعًا جَازَ لَهُ شَغْلُ كُلِّ الْوَقْتِ فَيُعْفَى الْفَسَادُ الَّذِي يَتَّصِلُ بِالْبِنَاءِ) الْبِنَاءُ هُنَا ضِدُّ الِابْتِدَاءِ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ فِي الْوَقْتِ الْكَامِلِ، وَالْفَسَادُ الَّذِي اعْتَرَضَ فِي حَالَةِ الْبَقَاءِ جُعِلَ عُذْرًا؛ لِأَنَّ الِاحْتِرَازَ عَنْهُ مَعَ الْإِقْبَالِ عَلَى الصَّلَاةِ مُتَعَذِّرٌ لَكِنَّ هَذَا يُشْكِلُ بِالْفَجْرِ، يَعْنِي مِنْ شَرْعِ فِي الْفَجْرِ وَمَدُّهَا إلَى أَنْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَفْسُدَ كَمَا فِي الْعَصْرِ إذَا شَرَعَ فِي الْوَقْتِ الْكَامِلِ، وَمَدُّهَا إلَى أَنْ غَرَبَتْ، فَإِنَّ الصُّورَتَيْنِ الشُّرُوعُ فِي الْوَقْتِ الْكَامِلِ فَالْفَسَادُ الْمُعْتَرِضُ فِي الْعَصْرِ أَنْ جُعِلَ عَفْوًا يَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ فِي الْفَجْرِ عَفْوًا بِعَيْنِ تِلْكَ الْعِلَّةِ هَذَا إشْكَالٌ اخْتَلَجَ ــ [التلويح] قُلْنَا لَا نُسَلِّمُ انْتِفَاءَ السَّبَبِيَّةِ عَنْ الْجُزْءِ الْأَوَّلِ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ اتِّصَالِ الْأَدَاءِ بِهِ، وَإِنَّمَا الْمُنْتَفَى عَنْهُ تَقَرُّرُ السَّبَبِيَّةِ، وَهَذَا لَا يُنَافِي الِانْتِقَالَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ جُزْءٍ سَبَبٌ عَلَى طَرِيقِ التَّرْتِيبِ وَالِانْتِقَالِ لَكِنَّ تَقَرُّرَ السَّبَبِيَّةِ مَوْقُوفٌ عَلَى اتِّصَالِ الْأَدَاءِ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا يُقَالُ أَوْ تَوَقُّفُ السَّبَبِيَّةِ عَلَى الْأَدَاءِ، وَهُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى الْوُجُوبِ الْمَوْقُوفِ عَلَى السَّبَبِيَّةِ يَلْزَمُ الدَّوْرُ، وَكَذَا مَا يُقَالُ يَلْزَمُ أَنْ لَا يَتَحَقَّقَ الْوُجُوبُ مَا لَمْ يَشْرَعْ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ سَبَبِهِ وَفَسَادُهُ بَيِّنٌ. (قَوْلُهُ وَمَدَّهَا) أَيْ صَلَاةَ الْعَصْرِ إلَى أَنْ غَرَبَتْ الشَّمْسُ أَيْ قَبْلَ فَرَاغِهِ مِنْهَا عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِيَتَحَقَّقَ اعْتِرَاضُ الْفَسَادِ إذْ لَوْ حَصَلَ الْفَرَاغُ مَعَ الْغُرُوبِ لَمْ يَكُنْ فَسَادًا. (قَوْلُهُ قُلْنَا لَمَّا كَانَ الْوَقْتُ) كَلِمَةُ لَمَّا لَيْسَتْ فِي مَوْقِعِهَا إذْ لَا مَعْنَى لِسَبَبِيَّةِ الْأَوَّلِ لِلثَّانِي، وَعِبَارَةُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ الْوَقْتَ مُتَّسَعًا، وَلَكِنْ جَعَلَ لَهُ حَقَّ شُغْلِ كُلِّ الْوَقْتِ بِالْأَدَاءِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْفَسَادَ الَّذِي يَعْتَرِضُ عَلَى مَا وَجَبَ بِسَبَبٍ كَامِلٍ كَمَا فِي الْفَجْرِ أَوْ نَاقِصٍ كَمَا فِي الْعَصْرِ، وَيَتَعَذَّرُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ مَعَ الْإِتْيَانِ بِالْعَزِيمَةِ وَالْإِقْبَالِ عَلَى الصَّلَاةِ فِي جَمِيعِ الْوَقْتِ هُوَ وُقُوعُ بَعْضِ الْأَدَاءِ خَارِجَ الْوَقْتِ عَلَى مُقْتَضَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - حَيْثُ صَرَّحَ بِاعْتِرَاضِ الْفَسَادِ بِالْغُرُوبِ عَلَى مَا ابْتَدَأَ فِي وَقْتِ الِاحْمِرَارِ، وَوَجْهُ تَعَذُّرِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ أَنْ لَيْسَ فِي وُسْعِ الْعَبْدِ أَنْ يَقَعَ فَرَاغُهُ مِنْ الصَّلَاةِ مَعَ تَمَامِ الْوَقْتِ مُقَارِنًا بَلْ لَا يَحْصُلُ التَّيَقُّنُ بِشُغْلِ كُلِّ الْوَقْتِ بِالْأَدَاءِ إلَّا بِامْتِدَادِ الْأَدَاءِ إلَى التَّيَقُّنِ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ، وَأَمَّا عَلَى مُقْتَضَى كَلَامِ الْقَوْمِ فَهُوَ وُقُوعُ بَعْضِ الْأَدَاءِ فِي وَقْتِ الْكَرَاهَةِ كَمَا بَعْدَ الْفَجْرِ وَمَا قَبْلَ الْمَغْرِبِ لَا مُجَرَّدُ وُقُوعِهِ

стр. 397

فِي خَاطِرِي، وَلَمْ أَذْكُرْ لَهُ جَوَابًا فِي الْمَتْنِ فَيَخْطِرُ بِبَالِي عَنْهُ جَوَابٌ، وَهُوَ أَنَّ فِي الْعَصْرِ لَمَّا كَانَ لَهُ شُغْلٌ فِي الْوَقْتِ فَلَا بُدَّ أَنْ يُؤَدِّيَ الْبَعْضَ فِي الْوَقْتِ الْكَامِلِ وَالْبَعْضَ فِي الْوَقْتِ النَّاقِصِ، وَهُوَ وَقْتُ الِاحْمِرَارِ فَاعْتَرَضَ الْفَسَادُ بِالْغُرُوبِ عَلَى الْبَعْضِ النَّاقِصِ فَلَا تَفْسُدُ، وَأَمَّا فِي الْفَجْرِ فَإِنَّ كُلَّ وَقْتِهِ كَامِلٌ فَيَجِبُ أَدَاءُ الْكُلِّ فِي الْوَقْتِ الْكَامِلِ، فَإِنْ شَغَلَ كُلَّ الْوَقْتِ يَجِبُ أَنْ يَشْغَلَهُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَعْتَرِضُ الْفَسَادُ بِالطُّلُوعِ عَلَى الْكَامِلِ. (وَلَوْ لَمْ يُؤَدِّ فَكُلُّ الْوَقْتِ سَبَبٌ فِي حَقِّ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ الْعُدُولَ عَنْ الْكُلِّ إلَى الْجُزْءِ فِي الْأَدَاءِ كَانَ لِضَرُورَةٍ وَقَدْ انْتَفَتْ هُنَا) هَذَا الْبَحْثُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، وَهُوَ أَنَّ بَعْضَ الْوَقْتِ سَبَبٌ إنَّمَا هُوَ فِي الْأَدَاءِ أَمَّا إذَا لَمْ يُؤَدِّ فِي الْوَقْتِ فَفِي حَقِّ الْقَضَاءِ كُلُّ الْوَقْتِ سَبَبٌ؛ لِأَنَّ الدَّلَائِلَ دَالَّةٌ عَلَى سَبَبِيَّةِ كُلِّهِ لَكِنْ فِي الْأَدَاءِ عَدَلْنَا عَنْ سَبَبِيَّةِ الْكُلِّ إلَى سَبَبِيَّةِ الْبَعْضِ لِضَرُورَةٍ، وَهِيَ أَنَّهُ يَلْزَمُ حِينَئِذٍ التَّقَدُّمُ عَلَى السَّبَبِ أَوْ تَأَخُّرُ الْأَدَاءِ عَنْ الْوَقْتِ، وَهَذِهِ الضَّرُورَةُ غَيْرُ مُتَحَقِّقَةٍ فِي الْقَضَاءِ. (فَوَجَبَ الْقَضَاءُ بِصِفَةِ الْكَمَالِ) أَيْ لَا نَقُولُ إنَّهُ إذْ لَمْ يُؤَدِّ فِي الْوَقْتِ انْتَقَلَتْ السَّبَبِيَّةُ مِنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ ــ [التلويح] بَعْدَ الْوَقْتِ، إذْ لَا فَسَادَ فِيهِ لِمَا ذَكَرَ فِي طَرِيقَةِ الْخِلَافِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَنَّ الْمَذْهَبَ هُوَ أَنَّهُ لَوْ شَرَعَ فِي الْوَقْتِ فِي الظُّهْرِ أَوْ الْعَصْرِ أَوْ الْمَغْرِبِ أَوْ الْعِشَاءِ فَأَتَمَّ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ كَانَ ذَلِكَ أَدَاءً لَا قَضَاءً، وَظَاهِرٌ أَنَّ شُغْلَ كُلِّ الْوَقْتِ بِالْأَدَاءِ بِدُونِ هَذَا الْفَسَادِ مُمْتَنِعٌ فِي الْعَصْرِ دُونَ الْفَجْرِ بِلَا إشْكَالٍ، وَقَدْ يُجَابُ عَنْ إشْكَالِ الْفَجْرِ بِأَنَّ الْعَصْرَ يَخْرُجُ إلَى مَا هُوَ وَقْتُ الصَّلَاةِ فِي الْجُمْلَةِ، بِخِلَافِ الْفَجْرِ أَوْ بِأَنَّ فِي الطُّلُوعِ دُخُولًا فِي الْكَرَاهَةِ وَفِي الْغُرُوبِ خُرُوجًا عَنْهَا، وَأَمَّا جَوَابُ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ شُغْلَ كُلِّ الْوَقْتِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَعْتَرِضُ الْفَسَادَ بِالطُّلُوعِ عَلَى الْكَامِلِ مُتَعَذِّرٌ عِنْدَهُ عَلَى مَا مَرَّ، فَعِنْدَ الْإِتْيَانِ بِالْعَزِيمَةِ أَعْنِي شُغْلَ كُلِّ الْوَقْتِ بِالْأَدَاءِ يَلْزَمُ احْتِمَالُ اعْتِرَاضِ الْفَسَادِ بِالضَّرُورَةِ، وَذَهَبَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ إلَى أَنَّ لَيْسَ مَعْنَى سَبَبِيَّةِ الْجُزْءِ الْمُتَّصِلِ بِالْأَدَاءِ أَنَّ السَّبَبَ هُوَ الْجُزْءُ الَّذِي قُبَيْلَ الشُّرُوعِ بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ إذَا شَرَعَ فَكُلُّ جُزْءٍ إلَى آخِرِ الصَّلَاةِ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الْجُزْءِ الَّذِي يُلَاقِيهِ وَمَحَلٌّ لِأَدَائِهِ، وَعَلَى هَذَا لَا يَرِدُ أَصْلُ السُّؤَالِ فِي الْعَصْرِ الْمُمْتَدِّ؛ لِأَنَّ الْجُزْءَ الَّذِي طَرَأَ عَلَيْهِ الْفَسَادُ بِالْغُرُوبِ وَجَبَ بِسَبَبٍ نَاقِصٍ. (قَوْلُهُ وَلَوْ لَمْ يُؤَدِّ) فَالسَّبَبُ كُلُّ الْوَقْتِ فِي حَقِّ الْقَضَاءِ إذْ فِي حَقِّ الْأَدَاءِ السَّبَبُ هُوَ الْجُزْءُ الْمُلَاصِقُ وَاحِدًا فَوَاحِدًا، إذْ لَوْ كَانَ السَّبَبُ فِي حَقِّ الْأَدَاءِ أَيْضًا جَمِيعَ الْوَقْتِ لَمَا ثَبَتَ الْوُجُوبُ فِي الْوَقْتِ، وَلَمْ يَأْثَمْ الْمُكَلَّفُ بِالتَّرْكِ عَلَى مَا مَرَّ. (قَوْلُهُ فَوَجَبَ الْقَضَاءُ بِصِفَةِ الْكَمَالِ) حَتَّى لَا يَجُوزَ قَضَاءُ الْعَصْرِ الْفَائِتِ بِحَيْثُ يَقَعُ شَيْءٌ مِنْهُ فِي وَقْتِ الْكَرَاهَةِ فَإِنْ قِيلَ السَّبَبُ، وَهُوَ كُلُّ الْوَقْتِ نَاقِصٌ بِنُقْصَانِ الْبَعْضِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ ذَلِكَ قُلْنَا: لَمَّا صَارَ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ ثَبَتَ بِصِفَةِ

стр. 398

إلَى آخِرِهِ فَاسْتَقَرَّتْ السَّبَبِيَّةُ عَلَيْهِ فِي حَقِّ الْقَضَاءِ حَتَّى يَجِبَ الْقَضَاءُ نَاقِصًا فِي الْعَصْرِ فَيَجُوزُ الْقَضَاءُ فِي وَقْتِ الْغُرُوبِ بَلْ نَقُولُ الْكُلُّ سَبَبٌ لِلْقَضَاءِ فَيَجِبُ كَامِلًا. (ثُمَّ وُجُوبُ الْأَدَاءِ يَثْبُتُ آخِرَ الْوَقْتِ إذْ هُنَا تَوَجَّهَ الْخِطَابُ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهُ الْآنَ يَأْثَمُ بِالتَّرْكِ لَا قَبْلَهُ حَتَّى إذَا مَاتَ فِي الْوَقْتِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمِنْ حُكْمِ هَذَا الْقِسْمِ أَنَّ الْوَقْتَ لَمَّا لَمْ يَكُنْ مُتَعَيَّنًا شَرْعًا، وَالِاخْتِيَارُ فِي الْأَدَاءِ إلَى الْعَبْدِ لَمْ يَتَعَيَّنْ بِتَعْيِينِهِ نَصًّا إذْ لَيْسَ لَهُ، وَضْعُ الشَّرَائِعِ، وَإِنَّمَا لَهُ الِارْتِفَاقُ فِعْلًا فَيَتَعَيَّنُ فِعْلًا كَالْخِيَارِ فِي الْكَفَّارَاتِ، وَمِنْهُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْوَقْتُ مُتَّسِعًا شُرِعَ فِيهِ غَيْرُ هَذَا الْوَاجِبِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ النِّيَّةِ، وَلَا يَسْقُطُ التَّعْيِينُ إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ بِحَيْثُ لَا يَسَعُ إلَّا لِهَذَا الْوَاجِبِ) هَذَا جَوَابُ إشْكَالٍ، وَهُوَ أَنَّ التَّعْيِينَ إنَّمَا وَجَبَ لِاتِّسَاعِ الْوَقْتِ فَإِذَا ضَاقَ الْوَقْتُ يَنْبَغِي أَنْ يَسْقُطَ التَّعْيِينُ فَقَالَ. (لِأَنَّ مَا ثَبَتَ حُكْمًا أَصْلِيًّا) وَهُوَ وُجُوبُ التَّعْيِينِ بِالنِّيَّةِ، وَقَوْلُهُ حُكْمًا مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ (بِنَاءً عَلَى سَعَةِ الْوَقْتِ لَا يَسْقُطُ بِالْعِوَاضِ وَتَقْصِيرِ الْعِبَادِ) . (وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي) وَهُوَ أَنْ يَكُونَ ــ [التلويح] الْكَمَالِ؛ لِأَنَّ نُقْصَانَ الْوَقْتِ لَيْسَ بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ بَلْ بِاعْتِبَارِ كَوْنِ الْعِبَادَةِ فِيهِ تَشَبُّهًا بِالْكَفَرَةِ، فَإِذَا مَضَى خَالِيًا عَنْ الْفِعْلِ زَالَتْ مُخْلِيَتُهُ، وَبَقِيَتْ سَبَبِيَّتُهُ فَكَانَ الْوُجُوبُ ثَابِتًا بِسَبَبٍ كَامِلٍ، وَلِهَذَا يَجِبُ الْقَضَاءُ كَامِلًا عَلَى مَنْ صَارَ أَهْلًا فِي آخِرِ الْعَصْرِ كَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْأَجْزَاءَ الصَّحِيحَةَ أَكْثَرُ فَيَجِبُ الْقَضَاءُ كَامِلًا تَرْجِيحًا لِلْأَكْثَرِ الصَّحِيحِ عَلَى الْأَقَلِّ الْفَاسِدِ. (قَوْلُهُ ثُمَّ وُجُوبُ الْأَدَاءِ يَثْبُتُ آخِرَ الْوَقْتِ) ، وَهُوَ مَا إذَا تَضَيَّقَ عَلَيْهِ الْوَاجِبُ بِحَيْثُ لَا يَفْضُلُ عَنْهُ جُزْءٌ مِنْ الْوَقْتِ إذْ يَأْثَمُ بِالتَّأْخِيرِ عَنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ لَا يُقَالُ فَالْمُؤَدَّى فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ لَا يَكُونُ إتْيَانًا بِالْأَدَاءِ الْوَاجِبِ وَبِالْمَأْمُورِ بِهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ بَعْدَ الشُّرُوعِ يَجِبُ الْأَدَاءُ، وَيُتَوَجَّهُ الْخِطَابُ عَلَى مَا مَرَّ. (قَوْلُهُ وَمِنْ حُكْمِ هَذَا الْقِسْمِ) وَهُوَ مَا يَكُونُ الْوَقْتُ فَاضِلًا عَنْ الْوَاجِبِ، وَيُسَمَّى الْوَاجِبَ، الْمُوَسَّعَ أَنْ لَا يَتَعَيَّنَ بَعْضُ أَجْزَاءِ الْوَقْتِ بِتَعْيِينِ الْعَبْدِ نَصًّا بِأَنْ يَقُولَ عَيَّنْت هَذَا الْجُزْءَ لِلسَّبَبِيَّةِ وَلَا قَصْدًا بِأَنْ يَنْوِيَ ذَلِكَ، وَهَذَا يُعْلَمُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَذَلِكَ لِأَنَّ تَعْيِينَ الْأَسْبَابِ وَالشُّرُوطِ مِنْ وَضْعِ الشَّرَائِعِ، وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا لِلْعَبْدِ الِارْتِفَاقُ فِعْلًا أَيْ اخْتِيَارُ فِعْلٍ فِيهِ رِفْقٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِتَعْيِينِ جُزْءٍ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا لَا يَتَيَسَّرُ فِيهِ الْأَدَاءُ بَلْ لَهُ الِاخْتِيَارُ فِي تَعْيِينِهِ فِعْلًا بِأَنْ يُؤَدِّيَ الصَّلَاةَ فِي أَيِّ جُزْءٍ يُرِيدُ فَيَتَعَيَّنُ بِذَلِكَ الْفِعْلِ ذَلِكَ الْجُزْءُ وَقْتًا لِفِعْلِهِ كَمَا فِي خِصَالِ الْكَفَّارَةِ فَإِنَّ الْوَاجِبَ أَحَدُ الْأُمُورِ مِنْ الْإِعْتَاقِ وَالْكِسْوَةِ وَالْإِطْعَامِ، وَلَا يَتَعَيَّنُ شَيْءٌ مِنْهَا بِتَعْيِينِ الْمُكَلَّفِ قَصْدًا وَلَا نَصًّا بَلْ يَخْتَارُ أَيَّهَا شَاءَ فَيَفْعَلُهُ فَيَصِيرُ هُوَ الْوَاجِبُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، وَفِي هَذَا إشَارَةٌ إلَى مَا هُوَ الْمُخْتَارُ مِنْ أَنَّ الْوَاجِبَ فِي الْمُوَسَّعِ هُوَ الْأَدَاءُ فِي جُزْءٍ مِنْ الْوَقْتِ، وَيَتَعَيَّنُ بِفِعْلِهِ وَفِي الْمُخَيَّرِ هُوَ أَحَدُ الْأُمُورِ

стр. 399

الْوَقْتُ مُسَاوِيًا لِلْوَاجِبِ، وَيَكُونُ سَبَبًا لِلْوُجُوبِ. (فَوَقْتُ الصَّوْمِ وَهُوَ رَمَضَانُ) أَيْ نَهَارُ رَمَضَانَ (شَرْطٌ لِلْأَدَاءِ وَمِعْيَارٌ لِلْمُؤَدَّيْ؛ لِأَنَّهُ قُدِّرَ وَعُرِفَ بِهِ) ، فَإِنَّ الصَّوْمَ مُقَدَّرٌ بِالْوَقْتِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ وَمُعَرَّفٌ بِالْوَقْتِ، فَإِنَّهُ الْإِمْسَاكُ عَنْ الْمُفْطِرَاتِ الثَّلَاثِ مِنْ الصُّبْحِ إلَى الْغُرُوبِ مَعَ النِّيَّةِ فَالْوَقْتُ دَاخِلٌ فِي تَعْرِيفِ الصَّوْمِ. (وَسَبَبٌ لِلْوُجُوبِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وَمِثْلُ هَذَا الْكَلَامِ لِلتَّعْلِيلِ) وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ، فَإِنَّهُ إذَا كَانَ الشَّيْءُ خَبَرَا لِلِاسْمِ الْمَوْصُولِ، فَإِنَّ الصِّلَةَ عِلَّةٌ لِلْخَبَرِ، وَقَدْ ذُكِرَ غَيْرُ مَرَّةٍ أَنَّهُ إذَا حُكِمَ عَلَى الْمُشْتَقِّ، فَإِنَّ الْمُشْتَقَّ مِنْهُ عِلَّةٌ لَهُ وَهُنَا كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] مَعْنَاهُ شَاهَدَ الشَّهْرَ فَالشُّهُودُ عِلَّةٌ. (وَلِنِسْبَةِ الصَّوْمِ إلَيْهِ وَلِتَكَرُّرِهِ بِهِ وَلِصِحَّةِ الْأَدَاءِ فِيهِ لِلْمُسَافِرِ مَعَ عَدَمِ الْخِطَابِ، وَمِنْ حُكْمِهِ أَنْ لَا يُشْرَعَ فِيهِ غَيْرُهُ فَلِهَذَا يَقَعُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى عَنْ رَمَضَانَ إذَا ــ [التلويح] وَيَتَعَيَّنُ بِفِعْلِهِ لَا كَمَا يُقَالُ فِي الْمُوَسَّعِ إنَّهُ لَا يَجِبُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَفِي الْآخِرِ قَضَاءٌ أَوْ يَجِبُ فِي الْآخِرِ، وَفِي الْأَوَّلِ نَفْلٌ يُسْقِطُ الْقَضَاءَ، وَفِي الْمُخَيَّرِ أَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ الْجَمِيعُ وَيَسْقُطُ بِفِعْلٍ وَاحِدٍ أَوْ الْوَاجِبُ بِالنِّسْبَةِ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ شَيْءٌ آخَرُ وَهُوَ مَا يَفْعَلُهُ أَوْ الْوَاجِبُ وَاحِدٌ مُعَيَّنٌ لَكِنَّهُ يَسْقُطُ بِهِ وَبِالْآخَرِ [الْقِسْمُ الثَّانِي كون الْوَقْت مُسَاوِيًا لِلْوَاجِبِ وَسَبَبًا لِلْوُجُوبِ] (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ) أَيْ الصَّوْمَ قُدِّرَ بِالْوَقْتِ، وَلِهَذَا يَزْدَادُ بِازْدِيَادِهِ وَيَنْتَقِصُ بِانْتِقَاصِهِ وَعُرِفَ بِهِ أَيْ عُلِمَ مِقْدَارُ الصَّوْمِ بِهِ كَمَا يُعْلَمُ مَقَادِيرُ الْأَوْزَانِ بِالْمِعْيَارِ، وَأَمَّا التَّعْرِيفُ بِهِ بِمَعْنَى دُخُولِهِ فِي تَعْرِيفِ الصَّوْمِ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَلَا دَخْلَ لَهُ فِي الْمِعْيَارِ بِهِ إلَّا بِتَكَلُّفٍ. (قَوْلُهُ وَمِثْلُ هَذَا الْكَلَامِ لِلتَّعْلِيلِ) أَيْ الْإِخْبَارِ عَنْ الْمَوْصُولِ مُشْعِرٌ بِعِلِّيَّةِ الصِّلَةِ لِلْخَبَرِ عَنْ صَلَاحِهَا لِذَلِكَ، بِخِلَافِ قَوْلِنَا الَّذِي فِي الدَّارِ رَجُلٌ عَالِمٌ عَلَى أَنَّ الْأَظْهَرَ أَنَّ مَنْ هَاهُنَا شَرْطِيَّةٌ فَتَكُونُ عَلَى السَّبَبِيَّةِ أَدَلَّ. (قَوْلُهُ وَلِنِسْبَةِ الصَّوْمِ) إلَى الشَّهْرِ كَقَوْلِنَا صَوْمُ رَمَضَانَ، وَالْأَصْلُ فِي الْإِضَافَةِ الِاخْتِصَاصُ الْأَكْمَلُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ ثَابِتًا بِهِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الثُّبُوتِ بِالسَّبَبِ سَابِقٌ عَلَى سَائِرِ وُجُوهِ الِاخْتِصَاصِ إلَّا أَنَّ وُجُودَ الْفِعْلِ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ ثَابِتًا بِالْوَقْتِ لِتَوَقُّفِهِ عَلَى اخْتِيَارِ الْعَبْدِ فَأُقِيمَ الْوُجُوبُ الَّذِي هُوَ وُجُودٌ شَرْعِيٌّ وَمُفْضٍ إلَى الْوُجُودِ الْحِسِّيِّ مَقَامَهُ. (قَوْلُهُ وَلِصِحَّةِ الْأَدَاءِ فِيهِ) يَعْنِي أَنَّ السَّبَبَ إمَّا الْوَقْتُ وَإِمَّا الْخِطَابُ لِلْإِجْمَاعِ أَوْ لِعَدَمِ الثَّالِثِ، وَلَيْسَ هُوَ الْخِطَابُ بِدَلِيلِ صِحَّةِ صَوْمِ الْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ فِي الشَّهْرِ مَعَ عَدَمِ الْخِطَابِ فِي حَقِّهِمَا فَتَعَيَّنَ الْوَقْتُ، ثُمَّ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ أَنَّ الْجُزْءَ الْأَوَّلَ مِنْ كُلِّ يَوْمٍ سَبَبٌ لِصَوْمِهِ؛ لِأَنَّ صَوْمَ كُلِّ يَوْمٍ عِبَادَةٌ عَلَى حِدَةٍ مُنْفَرِدَةٍ بِالِارْتِفَاعِ عِنْدَ طَرَيَانِ النَّاقِضِ كَالصَّلَوَاتِ فِي أَوْقَاتِهَا فَيَتَعَلَّقُ كُلٌّ بِسَبَبٍ، وَلِأَنَّ اللَّيْلَ يُنَافِي الصَّوْمَ فَلَا يَصْلُحُ سَبَبًا لِوُجُوبِهِ، وَذَهَبَ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلَى أَنَّ السَّبَبَ مُطْلَقُ شُهُودِ الشَّهْرِ عَلَى مَا هُوَ ظَاهِرٌ

стр. 400

نَوَى الْمُسَافِرُ وَاجِبًا آخَرَ؛ لِأَنَّ الْمَشْرُوعَ فِي هَذَا الْيَوْمِ هَذَا لَا غَيْرُ) إشَارَةٌ إلَى الصَّوْمِ الْمَخْصُوصِ بِرَمَضَانَ. (فِي حَقِّ الْجَمِيعِ وَلِهَذَا يَصِحُّ الْأَدَاءُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمُسَافِرِ. (لَكِنَّهُ رَخَّصَ بِالْفِطْرِ، وَذَا لَا يَجْعَلُ غَيْرَهُ مَشْرُوعًا فِيهِ قُلْنَا لَمَّا رُخِّصَ فِيهِ لِمَصَالِحِ بَدَنِهِ فَمَصَالِحُ دِينِهِ، وَهُوَ قَضَاءُ دِينِهِ أَوْلَى، وَإِنَّمَا لَمْ يُشْرَعْ لِلْمُسَافِرِ غَيْرُهُ إنْ أَتَى بِالْعَزِيمَةِ، وَهُنَا لَمْ يَأْتِ إذْ صَامَ وَاجِبًا آخَرَ) جَوَابٌ عَمَّا قَالَا إنَّ الْمَشْرُوعَ فِي هَذَا الْيَوْمِ فِي حَقِّ الْجَمِيعِ صَوْمُ رَمَضَانَ لَا غَيْرُ فَنَقُولُ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمَشْرُوعَ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ هَذَا لَا غَيْرُ مُطْلَقًا بَلْ إنْ أَتَى الْمُسَافِرُ بِالْعَزِيمَةِ أَمَّا إذَا أَعْرَضَ عَنْهَا فَلَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ. (وَلِأَنَّ وُجُوبَ الْأَدَاءِ سَاقِطٌ عَنْهُ فَصَارَ هَذَا الْوَقْتُ فِي حَقِّهِ كَشَعْبَانَ فَعَلَى الدَّلِيلِ الْأَوَّلِ) وَهُوَ قَوْلُهُ فَمَصَالِحُ دِينِهِ وَهُوَ قَضَاءُ دِينِهِ أَوْلَى. (إنْ شَرَعَ فِي النَّفْلِ يَقَعُ عَنْ رَمَضَانَ) ؛ لِأَنَّهُ إذَا شَرَعَ فِي وَاجِبٍ آخَرَ إنَّمَا يَقَعُ عَنْهُ لِمَصَالِحِ دِينِهِ، فَإِنَّ قَضَاءَ ــ [التلويح] مِنْ النَّصِّ وَالْإِضَافَةِ فَإِنَّ الشَّهْرَ اسْمٌ لِلْمَجْمُوعِ إلَّا أَنَّ السَّبَبَ هُوَ الْجُزْءُ الْأَوَّلُ مِنْهُ لِئَلَّا يَلْزَمَ تَقَدُّمُ الشَّيْءِ عَلَى سَبَبِهِ، وَلِهَذَا يَجِبُ عَلَى مَنْ كَانَ أَهْلًا فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ الشَّهْرِ، ثُمَّ جُنَّ قَبْلَ الْإِصْبَاحِ وَأَفَاقَ بَعْدَ مُضِيِّ الشَّهْرِ حَتَّى يَلْزَمَهُ الْقَضَاءُ، وَلِهَذَا يَجُوزُ نِيَّةُ أَدَاءِ الْفَرْضِ فِي اللَّيْلَةِ الْأُولَى مَعَ عَدَمِ جَوَازِ النِّيَّةِ قَبْلَ سَبَبِ الْوُجُوبِ كَمَا إذَا نَوَى قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَسَبَبِيَّةُ اللَّيْلِ لَا تَقْتَضِي جَوَازَ الْأَدَاءِ فِيهِ كَمَنْ أَسْلَمَ فِي آخِرِ الْوَقْتِ وَأَيْضًا قَوْلُهُ ﵊ «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ» يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ إذْ لَيْسَ الْمُرَادُ حَقِيقَةَ الرُّؤْيَةِ إجْمَاعًا بَلْ مَا يَثْبُتُ بِهَا وَهُوَ شُهُودُ الشَّهْرِ وَلَا لَا جِهَةَ لِلتَّعْبِيرِ بِالرُّؤْيَةِ عَنْ الْجُزْءِ الْأَوَّلِ مِنْ كُلِّ يَوْمٍ، وَكُلٌّ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ وَإِنْ أَمْكَنَ دَفْعُهُ إلَّا أَنَّهَا أَمَارَاتٌ تُفِيدُ بِمَجْمُوعِهَا رُجْحَانَ سَبَبِيَّةِ شُهُودِ الشَّهْرِ مُطْلَقًا. (قَوْلُهُ وَلِأَنَّ وُجُوبَ الْأَدَاءِ) عَطْفٌ عَلَى مَضْمُونِ الْكَلَامِ السَّابِقِ كَأَنَّهُ قَالَ إذَا نَوَى وَاجِبًا آخَرَ يَقَعُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا رَخَّصَ إلَخْ، وَلِأَنَّ وُجُوبَ الْأَدَاءِ سَاقِطٌ عَنْهُ فَصَارَ رَمَضَانُ فِي حَقِّهِ أَيْ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ بَلْ فِي حَقِّ أَدَائِهِ وَتَسْلِيمِ مَا عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ شَعْبَانَ، وَإِنَّمَا قُلْنَا فِي حَقِّ أَدَائِهِ فِي حَقِّ نَفْسِ الْوُجُوبِ لَيْسَ بِمَنْزِلَةِ شَعْبَانَ لِتَحَقُّقِ سَبَبِ الْوُجُوبِ فِيهِ دُونَ شَعْبَانَ. (قَوْلُهُ وَهُنَا رِوَايَتَانِ) رَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ أَنَّهُ يَقَعُ عَنْ الْفَرْضِ وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَرَوَى الْحَسَنُ أَنَّهُ يَقَعُ عَنْ النَّفْلِ هَذَا إذَا نَوَى النَّفَلَ، وَإِنْ أَطْلَقَ النِّيَّةَ فَقِيلَ يَقَعُ عَنْ الْفَرْضِ عَلَى مُقْتَضَى رِوَايَةِ ابْنِ سِمَاعَةَ فِي نِيَّةِ النَّفْلِ وَعَنْ النَّفْلِ عَلَى مُقْتَضَى رِوَايَةِ الْحَسَنِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَقَعُ عَنْ الْفَرْضِ عَلَى جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُعْرِضْ عَنْ فَرْضِ الْوَقْتِ بِصَرِيحِ نِيَّةِ النَّفْلِ فَانْصَرَفَ إطْلَاقُ النِّيَّةِ مِنْهُ إلَى صَوْمِ الْوَقْتِ كَالْمُقِيمِ، فَإِنْ قِيلَ فَكَيْفَ جَازَ تَرْكُ الدَّلِيلِ الثَّانِي بِالْكُلِّيَّةِ قُلْنَا؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ إنَّمَا يَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ شَعْبَانَ إذَا تَحَقَّقَ مِنْهُ الْإِعْرَاضُ عَنْ الْعَزِيمَةِ، وَذَلِكَ بِنِيَّةِ صَرِيحِ النَّفْلِ أَوْ وَاجِبٍ آخَرَ. (قَوْلُهُ وَفِي هَذَا الْكَلَامِ نَظَرٌ) جَوَابُهُ أَنَّ الْكَلَامَ فِي

стр. 401

مَا فَاتَ أَوْلَى لِلْمُسَافِرِ مِنْ أَدَاءِ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّهُ إنْ مَاتَ قَبْلَ إدْرَاكِ عِدَّةٍ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى وَعَلَيْهِ صَوْمُ الْقَضَاءِ، وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ صَوْمُ رَمَضَانَ فَإِذَا كَانَ الْوُقُوعُ عَنْ وَاجِبٍ آخَرَ لِمَصَالِحِ دِينِهِ فَفِيمَا إذَا نَوَى النَّفَلَ فَمَصَالِحُ دِينِهِ إنَّمَا هِيَ أَدَاءُ رَمَضَانَ لَا النَّفْلِ. (وَعَلَى الثَّانِي) أَيْ وَعَلَى الدَّلِيلِ الثَّانِي وَهُوَ أَنَّ الْوَقْتَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ كَشَعْبَانَ (يَقَعُ عَنْ النَّفْلِ وَهُنَا رِوَايَتَانِ) أَيْ بِنَاءً عَلَى هَذَيْنِ الدَّلِيلَيْنِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ. (وَإِنْ أَطْلَقَ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَقَعُ عَنْ رَمَضَانَ إذَا لَمْ يُعْرِضْ عَنْ الْعَزِيمَةِ، وَأَمَّا الْمَرِيضُ إذَا نَوَى وَاجِبًا آخَرَ يَقَعُ عَنْ رَمَضَانَ لِتَعَلُّقِ الرُّخْصَةِ بِحَقِيقَةِ الْعَجْزِ فَإِذَا صَامَ ظَهَرَ فَوَاتُ شَرْطِ الرُّخْصَةِ فِيهِ فَصَارَ كَالصَّحِيحِ، وَفِي الْمُسَافِرِ قَدْ تَعَلَّقَتْ بِدَلِيلِ الْعَجْزِ وَهُوَ السَّفَرُ فَشَرْطُ الرُّخْصَةِ ثَابِتٌ هُنَا) قَوْلُهُ ظَهَرَ فَوَاتُ شَرْطِ الرُّخْصَةِ فِيهِ، وَفِي هَذَا الْكَلَامِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْمُرَخِّصَ هُوَ الْمَرَضُ الَّذِي يَزْدَادُ بِالصَّوْمِ لَا الْمَرَضِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ بِهِ عَلَى الصَّوْمِ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ إذَا صَامَ ظَهَرَ فَوَاتُ شَرْطِ ــ [التلويح] الْمَرِيضِ الَّذِي لَا يُطِيقُ الصَّوْمَ، وَتَتَعَلَّقُ الرُّخْصَةُ بِحَقِيقَةِ الْعَجْزِ، وَأَمَّا الَّذِي يَخَافُ فِيهِ ازْدِيَادَ الْمَرَضِ فَهُوَ كَالْمُسَافِرِ بِلَا خِلَافٍ عَلَى مَا يُشْعِرُ بِهِ كَلَامُ الْإِمَامِ السَّرَخْسِيِّ فِي الْمَبْسُوطِ مِنْ أَنَّ قَوْلَ الْكَرْخِيِّ بِعَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ سَهْوٌ أَوْ مُؤَوَّلٌ بِالْمَرِيضِ الَّذِي يُطِيقُ الصَّوْمَ وَيَخَافُ مِنْهُ ازْدِيَادَ الْمَرَضِ. (قَوْلُهُ وَقَالَ زُفَرُ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ يَقَعُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَهَذَا ابْتِدَاءُ تَفْرِيعٍ آخَرَ عَلَى تَعْيِينِ الْوَقْتِ فِي الصَّوْمِ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ مَا إذَا أَمْسَكَ الصَّحِيحُ الْمُقِيمُ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، وَلَمْ تَحْضُرْهُ النِّيَّةُ فَعِنْدَ زُفَرَ يَكُونُ صَوْمًا وَاقِعًا عَنْ الْفَرْضِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ الْمُتَعَلِّقَ بِالْفِعْلِ فِي مَحَلٍّ مُعَيَّنٍ، وَإِنْ كَانَ دَيْنًا بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَجِبُ إيجَادُهُ لَكِنَّهُ أَخَذَ حُكْمَ الْمُعَيَّنِ الْمُسْتَحَقِّ بِاعْتِبَارِ الْوُجُودِ، فَعَلَى أَيِّ وَصْفٍ وُجِدَ يَقَعُ عَنْ الْمَأْمُورِ بِهِ كَرَدِّ الْوَدِيعَةِ وَالْغَصْبِ، وَهَذَا كَمَا إذَا اسْتَأْجَرَ خَيَّاطًا لِيَخِيطَ لَهُ ثَوْبًا كَانَ فِعْلُهُ وَاقِعًا عَنْ جِهَةِ مَا اُسْتُحِقَّ عَلَيْهِ سَوَاءٌ قَصَدَ بِهِ التَّبَرُّعَ أَوْ أَدَاءَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ بِالْعَقْدِ، وَقَيَّدَ الْأَجِيرَ بِالْخَاصِّ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ فِي الْأَجِيرِ لِلْمُشْتَرَكِ هُوَ الْوَصْفُ الَّذِي يَحْدُثُ فِي الثَّوْبِ لَا مَنَافِعُ الْأَجِيرِ، وَكَمَا إذَا وُهِبَ كُلُّ النِّصَابِ مِنْ الْفَقِيرِ بِغَيْرِ نِيَّةِ الزَّكَاةِ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ فَإِنْ قِيلَ: إيتَاءُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ إلَى الْفَقِيرِ بِنِيَّةِ الزَّكَاةِ لَا يَصِحُّ عِنْدَ زُفَرَ فَكَيْفَ بِالْهِبَةِ قُلْنَا الْمُرَادُ الْهِبَةُ مُتَفَرِّقَةً أَوْ الْفَقِيرُ الْمَدْيُونُ أَوْ الْكَلَامُ إلْزَامِيٌّ، وَالْجَوَابُ أَنَّ تَغْيِيرَ الْوَقْتِ لِلصَّوْمِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْتِحْقَاقًا لِمَنَافِعِ الْعَبْدِ وَإِمْسَاكَاتِهِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ جَبْرُ الْعَدَمِ اخْتِيَارَ الْعَبْدِ فِي صَرْفِهَا فَلَا يَصْلُحُ عِبَادَةً وَقُرْبَةً؛ لِأَنَّهَا الْفِعْلُ الَّذِي يَقْصِدُ بِهِ الْعَبْدُ التَّقَرُّبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَيَصْرِفُهُ عَنْ الْعَادَةِ إلَى الْعِبَادَةِ بِاخْتِيَارِهِ، فَإِنْ قِيلَ فَمَا مَعْنَى تَعْيِينِ الشَّرْعِ إمْسَاكَ الْعَبْدِ فِي هَذَا الْوَقْتِ لِصَوْمِ رَمَضَانَ قُلْنَا: مَعْنَاهُ أَنَّهُ عَيَّنَ

стр. 402

الرُّخْصَةِ فَصَارَ كَالصَّحِيحِ. (وَقَالَ زُفَرُ) هَذِهِ مَسْأَلَةٌ ابْتِدَائِيَّةٌ لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِالْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ، وَهِيَ أَنَّهُ (لَمَّا صَارَ الْوَقْتُ مُتَعَيَّنًا لَهُ فَكُلُّ إمْسَاكٍ يَقَعُ فِيهِ يَكُونُ مُسْتَحَقًّا عَلَى الْفَاعِلِ) . أَيْ يَكُونُ حَقًّا مُسْتَحَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى الْفَاعِلِ كَالْأَجِيرِ الْخَاصِّ، فَإِنَّ مَنَافِعَهُ حَقُّ الْمُسْتَأْجِرِ. (فَيَقَعُ الْفَرْضُ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ كَهِبَةِ كُلِّ النِّصَابِ مِنْ الْفَقِيرِ بِغَيْرِ النِّيَّةِ قُلْنَا هَذَا يَكُونُ جَبْرًا، وَالشَّرْعُ عَيَّنَ الْإِمْسَاكَ الَّذِي هُوَ قُرْبَةٌ لِهَذَا) أَيْ لِصَوْمِ رَمَضَانَ. (وَلَا قُرْبَةَ بِدُونِ الْقَصْدِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَمَّا كَانَ مَنَافِعُهُ عَلَى مِلْكِهِ) لَا أَنَّ مَنَافِعَهُ صَارَتْ حَقًّا لِلَّهِ جَبْرًا لَا بُدَّ مِنْ التَّعْيِينِ لِئَلَّا يَصِيرَ جَبْرًا فِي صِفَةِ الْعِبَادَةِ قُلْنَا نَعَمْ لَكِنَّ الْإِطْلَاقَ فِي الْمُتَعَيَّنِ تَعْيِينٌ هَذَا قَوْلٌ بِمُوجَبِ الْعِلَّةِ أَيْ تَسْلِيمُ دَلِيلِ الْمُعَلَّلِ مَعَ بَقَاءِ الْخِلَافِ عَلَى مَا يَأْتِي فَحَاصِلُهُ أَنَّا نُسَلِّمُ أَنَّ التَّعْيِينَ وَاجِبٌ لَكِنْ نَقُولُ الْإِطْلَاقُ فِي الْمُتَعَيَّنِ تَعْيِينٌ، فَإِنَّهُ إذَا كَانَ فِي الدَّارِ زَيْدٌ وَحْدَهُ فَقَالَ آخَرُ يَا إنْسَانُ فَالْمُرَادُ بِهِ زَيْدٌ. (وَلَا يَضُرُّ الْخَطَأُ فِي الْوَصْفِ) بِأَنْ نَوَى النَّفَلَ أَوْ وَاجِبًا آخَرَ وَهُوَ صَحِيحٌ مُقِيمٌ (لِأَنَّ الْوَصْفَ لَمْ يَكُنْ مَشْرُوعًا يَبْطُلُ فَبَقِيَ الْإِطْلَاقُ وَهُوَ تَعْيِينٌ وَقَالَ) أَيْ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (لَمَّا وَجَبَ التَّعْيِينُ وَجَبَ ــ [التلويح] إمْسَاكَهُ الَّذِي يَكُونُ قُرْبَةً؛ لَأَنْ يَكُونَ صَوْمَ رَمَضَانَ لَا صَوْمًا آخَرَ، وَالْإِمْسَاكُ بِوَصْفِ الْقُرْبَةِ لَا يَتَحَقَّقُ بِدُونِ النِّيَّةِ إذْ لَا قُرْبَةَ بِدُونِ الْقَصْدِ فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا كَانَتْ الْمَنَافِعُ عَلَى مِلْكِ الْعَبْدِ غَيْرَ مُسْتَحَقَّةٍ عَلَيْهِ فَلِمَ لَمْ يَجُزْ صَرْفُهَا إلَى صَوْمٍ آخَرَ قُلْنَا لِعَدَمِ مَشْرُوعِيَّةِ صَوْمٍ آخَرَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَمَا فِي اللَّيْلِ مَعَ الْقَطْعِ بِأَنَّهُ لَا اسْتِحْقَاقَ فِيهِ أَصْلًا فَظَهَرَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الِاعْتِرَاضَ بِأَنَّ الْإِمْسَاكَ اخْتِيَارِيٌّ لَا جَبْرِيٌّ إنَّمَا يَنْشَأُ مِنْ عَدَمِ تَحْقِيقِ مَعْنَى الْكَلَامِ، وَأَمَّا هِبَةُ النِّصَابِ فَإِنَّمَا صَارَتْ زَكَاةً مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا عِبَادَةٌ تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ مَجَازًا مِنْ الصَّدَقَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُبْتَغَى بِهَا وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى لَا عِوَضٌ مِنْ الْفَقِيرِ، وَذَكَرَ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ مَعْنَى الْقَصْدِ حَصَلَ بِاخْتِيَارِ الْمَحَلِّ، وَمَعْنَى الْقُرْبَةِ بِحَاجَةِ الْمَحَلِّ لِحُصُولِ الثَّوَابِ بِمُجَرَّدِ الْهِبَةِ مِنْ الْفَقِيرِ، وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ. (قَوْلُهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) لَمَّا كَانَتْ مَنَافِعُ الْعَبْدِ عَلَى مِلْكِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَصِيرَ مُسْتَحَقَّةً لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى الْعَبْدِ لَزِمَ تَعْيِينُ نِيَّةِ الْفَرْضِ لِئَلَّا يَلْزَمَ الْجُبْنُ فِي صِفَةِ الْعِبَادَةِ بِأَنْ يَكُونَ إمْسَاكُهُ عَلَى قَصْدِ الْقُرْبَةِ لِلْعِبَادَةِ الْمَفْرُوضَةِ شَاءَ الْعَبْدُ أَوْ أَبَى، وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ أَنَّ وَصْفَ الْعِبَادَةِ أَيْضًا عِبَادَةٌ، وَلِهَذَا يَخْتَلِفُ ثَوَابًا فَكَمَا لَا بُدَّ لِصَيْرُورَةِ الْفِعْلِ قُرْبَةً مِنْ النِّيَّةِ كَذَلِكَ لَا بُدَّ لِصَيْرُورَةِ الْقُرْبَةِ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا مِنْهَا احْتِرَازًا عَنْ الْجَبْرِ، وَتَعْيِينُ الْمَحَلِّ إنَّمَا يَكْفِي لِلتَّمْيِيزِ لَا لِنَفْيِ الْجَبْرِ وَإِثْبَاتِ الْقَصْدِ، وَأَمَّا تَأَدِّي فَرْضِ الْحَجِّ بِدُونِ التَّعْيِينِ فَإِنَّمَا ثَبَتَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ، فَعَلَى هَذَا لَا يَتَأَدَّى فَرْضُ الصَّوْمِ بِنِيَّةِ التَّطَوُّعِ أَوْ وَاجِبٍ آخَرَ أَوْ مُطْلَقِ النِّيَّةِ، وَلَوْ فِي الصَّحِيحِ الْمُقِيمِ، وَالْجَوَابُ أَنَّا نُسَلِّمُ وُجُوبَ التَّعْيِينِ إلَّا أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ التَّعْيِينُ بِإِطْلَاقِ النِّيَّةِ، فَإِنَّ الْإِطْلَاقَ فِي الْمُتَعَيَّنِ تَعْيِينٌ كَمَا إذَا كَانَ فِي الدَّارِ زَيْدٌ

стр. 403

مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ جُزْءٍ يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ فَإِذَا عُدِمَتْ فِي الْبَعْضِ فَسَدَ ذَلِكَ فَيَفْسُدُ الْكُلُّ لِعَدَمِ التَّجَزِّي) أَيْ لِعَدَمِ تَجَزِّي الصَّوْمِ صِحَّةً وَفَسَادًا، فَإِنَّهُ إذَا فَسَدَ الْجُزْءُ الْأَوَّلُ مِنْ الصَّوْمِ شَاعَ وَفَسَدَ الْكُلُّ. (وَالنِّيَّةُ الْمُعْتَرِضَةُ لَا تَقْبَلُ التَّقَدُّمَ قُلْنَا لَمَّا صَحَّ بِالنِّيَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ الْمُنْفَصِلَةِ عَنْ الْكُلِّ فَلَأَنْ يَصِحَّ بِالْمُتَّصِلَةِ بِالْبَعْضِ أَوْلَى) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ أَنَّ النِّيَّةَ الْمُعْتَرِضَةَ لَا تَقْبَلُ التَّقَدُّمَ وَاعْلَمْ أَوَّلًا أَنَّ الِاسْتِنَادَ هُوَ أَنْ يَثْبُتَ الْحُكْمُ فِي الزَّمَانِ الْمُتَأَخِّرِ، وَيَرْجِعَ الْقَهْقَرَى حَتَّى يُحْكَمَ بِثُبُوتِهِ فِي الزَّمَانِ الْمُتَقَدِّمِ كَالْمَغْصُوبِ فَإِنَّهُ يَمْلِكُهُ الْغَاصِبُ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ مُسْتَنِدًا إلَى وَقْتِ الْغَصْبِ حَتَّى إذَا اسْتَوْلَدَ الْغَاصِبُ الْمَغْصُوبَةَ فَهَلَكَتْ فَأَدَّى الضَّمَانَ يَثْبُتُ النَّسَبُ مِنْ الْغَاصِبِ فَالشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ: إذَا اعْتَرَضَ النِّيَّةَ فِي النَّهَارِ لَا يُمْكِنُ تَقَدُّمُهُ إلَى الْفَجْرِ بِطَرِيقِ الِاسْتِنَادِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِنَادَ إنَّمَا يُمْكِنُ فِي الْأُمُورِ الثَّابِتَةِ شَرْعًا كَالْمِلْكِ وَنَحْوِهِ، وَأَمَّا فِي الْأُمُورِ الْحِسِّيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ فَلَا يُمْكِنُ الِاسْتِنَادُ، وَهُنَا صِحَّةُ الصَّوْمِ مُتَعَلِّقَةٌ بِحَقِيقَةِ النِّيَّةِ وَهِيَ أَمْرٌ وِجْدَانِيٌّ فَإِذَا كَانَ حَاصِلًا فِي وَقْتٍ لَا يَكُونُ حَاصِلًا قَبْلَ ذَلِكَ الْوَقْتِ أَلَا يُرَى أَنَّهَا لَا تَسْتَنِدُ إذَا اعْتَرَضَتْ النِّيَّةُ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَكَمَا فِي صَوْمِ الْقَضَاءِ فَإِذَا لَمْ تَسْتَنِدْ بَقِيَ الْبَعْضُ بِلَا نِيَّةٍ. فَنُجِيبُ بِأَنَّا لَا نَقُولُ إنَّ النِّيَّةَ الْمُعْتَرِضَةَ تَثْبُتُ فِي الزَّمَانِ الْمُتَقَدِّمِ بِطَرِيقِ ــ [التلويح] وَحْدَهُ، وَقُلْت يَا إنْسَانُ تَعَيَّنَ هُوَ لِلْإِحْضَارِ وَطَلَبِ الْإِقْبَالِ فَكَذَا هَاهُنَا لَمَّا لَمْ يُشْرَعْ فِي الْوَقْتِ إلَّا الصَّوْمُ الْفَرْضُ وَنَوَيْت مُطْلَقَ الصَّوْمِ تَعَيَّنَ هُوَ لِلْإِيجَادِ وَطَلَبِ الْحُصُولِ، فَإِنْ قِيلَ سَلَّمْنَا ذَلِكَ فِي إطْلَاقِ النِّيَّةِ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَحْصُلَ بِالْخَطَأِ فِي الْوَصْفِ بِأَنْ يَنْوِيَ النَّفَلَ أَوْ وَاجِبًا آخَرَ كَمَا لَا يُقَالُ زَيْدٌ بِاسْمِ عَمْرٍو قُلْنَا لَمَّا نَوَى الْأَصْلَ وَالْوَصْفَ، وَالْوَقْتُ قَابِلٌ لِلْأَصْلِ دُونَ الْوَصْفِ، وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ بُطْلَانِ الْوَصْفِ بُطْلَانُ الْأَصْلِ بَلْ الْأَمْرُ بِالْعَكْسِ اقْتَصَرَ الْبُطْلَانُ عَلَى الْوَصْفِ، وَبَقِيَ إطْلَاقُ أَصْلِ الصَّوْمِ فَإِنْ قُلْت الْوَصْفُ هَاهُنَا لَازِمٌ ضَرُورَةَ أَنَّ الصَّوْمَ لَا يُوجَدُ بِدُونِ وَصْفٍ، وَلَمْ يُوجَدْ هَاهُنَا سِوَى النَّفْلِ فَبُطْلَانُهُ يَقْتَضِي بُطْلَانَ الْأَصْلِ ضَرُورَةَ انْتِفَاءِ الْمَلْزُومِ بِانْتِفَاءِ اللَّازِمِ بَلْ الْأَصْلُ وَالْوَصْفُ، وَإِنْ تَغَايَرَا بِحَسَبِ الْمَفْهُومِ فَهُمَا وَاحِدٌ بِحَسَبِ الْوُجُودِ فَبُطْلَانُ أَحَدِهِمَا بُطْلَانُ الْآخَرِ قُلْت: اللَّازِمُ أَحَدُ الْأَوْصَافِ لَا عَلَى التَّعْيِينِ فَبُطْلَانُ وَصْفٍ مُعَيَّنٍ لَا يُوجِبُ انْتِفَاءَ الْأَصْلِ لِجَوَازِ أَنْ يُوجَدَ مَعَ وَصْفٍ آخَرَ كَالْفَرْضِ هَاهُنَا، ثُمَّ إنَّهَا أَوْصَافٌ رَاجِعَةٌ إلَى اعْتِبَارِ الشَّارِعِ فَلَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِبُطْلَانِ الْوَصْفِ بِمَعْنَى انْتِفَاءِ وَصْفِ النِّفَايَةِ عَنْ الصَّوْمِ لَا بِمَعْنَى أَنَّهُ يَنْتَفِي الشَّيْءُ الَّذِي هُوَ نَفْلٌ لِيَكُونَ نَفْيًا لِلصَّوْمِ فَإِنْ قُلْتَ: نِيَّةُ النَّفْلِ إعْرَاضٌ عَنْ الْفَرْضِ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْمُنَافَاةِ فَيَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ تَرْكِ النِّيَّةِ قُلْت الْإِعْرَاضُ إنَّمَا ثَبَتَ فِي ضِمْنِ نِيَّةِ النَّفْلِ، وَقَدْ لَغَتْ فَيَلْغُو مَا فِي ضِمْنِهَا، وَقَدْ يُجَابُ عَنْ أَصْلِ اسْتِدْلَالِهِ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ وَصْفَ الْعِبَادَةِ يَكُونُ

стр. 404

الِاسْتِنَادِ بَلْ نَقُولُ إنَّ النِّيَّةَ فِي الزَّمَانِ الْمُتَقَدِّمِ مُتَحَقِّقَةٌ تَقْدِيرًا، فَإِنَّ الْأَصْلَ هُوَ مُقَارَنَةُ الْعَمَلِ بِالنِّيَّةِ فَإِذَا نَوَى فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ فَجَعَلَهَا الشَّرْعُ مُقَارِنَةً لِلْعَمَلِ تَقْدِيرًا فَكَذَا هُنَا، وَأَيْضًا إذَا كَانَ الْأَكْثَرُ مَقْرُونًا بِالنِّيَّةِ، وَلِلْأَكْثَرِ حُكْمُ الْكُلِّ يَكُونُ الْكُلُّ مُقَارِنًا بِالنِّيَّةِ تَقْدِيرًا فَلِهَذَا قَالَ. (وَتَكُونُ تَقْدِيرِيَّةً لَا مُسْتَنِدَةً وَالطَّاعَةُ قَاصِرَةٌ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ؛ لِأَنَّ الْإِمْسَاكَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ عَادَةُ النَّاسِ فَيَكْفِيهَا النِّيَّةُ التَّقْدِيرِيَّةُ) فَلَا نَقُولُ إنَّ الْجُزْءَ الْأَوَّلَ مِنْ الصَّوْمِ إذَا خَلَا عَنْ النِّيَّةِ فَسَدَ، وَيَشِيعُ ذَلِكَ الْفَسَادُ، وَلَا يَعُودُ صَحِيحًا بِاعْتِرَاضِ النِّيَّةِ بَلْ نَقُولُ إنَّ ــ [التلويح] بِقَصْدِ الْعَبْدِ بَلْ هُوَ إلْزَامٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّ الْغَرَضَ اسْمٌ لِمَا أَلْزَمَنَا اللَّهُ تَعَالَى إيَّاهُ، وَثَبَتَ ذَلِكَ بِطَرِيقٍ قَطْعِيٍّ، بِخِلَافِ أَصْلِ الْعِبَادَةِ فَإِنَّهُ اسْمٌ لِمَا يَحْصُلُ عَلَى سَبِيلِ الْإِخْلَاصِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَذَلِكَ بِالنِّيَّةِ بِأَنْ يَقْصِدَ بِقَلْبِهِ تَوْجِيهَ فِعْلِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ، فَإِذَا وُجِدَ الْإِمْسَاكُ الْمَقْرُونُ بِالنِّيَّةِ كَانَ عِبَادَةً، ثُمَّ اتِّصَافُهُ بِصِفَةِ الْفَرْضِيَّةِ لَا يَكُونُ بِفِعْلِ الْعَبْدِ بَلْ بِوُجُودِ الْإِلْزَامِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فَنِيَّةُ النَّفْلِ أَوْ وَاجِبًا آخَرُ لَا يُسْقِطُ الْفَرْضِيَّةَ الثَّابِتَةَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ إذْ لَا أَثَرَ لِظَنِّهِ أَنَّ اللَّازِمَ لَيْسَ بِلَازِمٍ كَالْمَوْلُودِ الثَّانِي يَتَّصِفُ بِالْأُخُوَّةِ، وَإِنْ ظَنَّ النَّاسُ أَنَّهُ لَيْسَ بِأَخٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ أُمَّهُ لَمْ تَلِدْ مَوْلُودًا آخَرَ ظَنًّا فَاسِدًا. (قَوْلُهُ فَيَفْسُدُ الْكُلُّ لِعَدَمِ التَّجَزِّي) لَا يُقَالُ صَحَّ الْبَعْضُ فَيَصِحُّ الْكُلُّ لِعَدَمِ التَّجَزِّي؛ لِأَنَّا نَقُولُ الصِّحَّةِ وُجُودِيٍّ فَنَفْتَقِرُ إلَى صِحَّةِ جَمِيعِ الْأَجْزَاءِ، بِخِلَافِ الْفَسَادِ، وَأَيْضًا تَرْجِيحُ الْفَسَادِ فِي بَابِ الْعِبَادَاتِ أَحْوَطُ. (قَوْلُهُ وَالنِّيَّةُ الْمُعْتَرِضَةُ) يَعْنِي أَنَّ اقْتِرَانَ النِّيَّةِ بِجَمِيعِ الْأَجْزَاءِ مُتَعَذِّرٌ وَبِأَوَّلِ الْأَجْزَاءِ مُتَعَسِّرٌ وَحَرِجٌ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّقْدِيمِ عَلَيْهِ بِأَنْ يَعْزِمَ فِي اللَّيْلِ أَنَّهُ يُمْسِكُ لِلَّهِ تَعَالَى مِنْ الْفَجْرِ إلَى الْغُرُوبِ وَلَا يَطْرَأُ عَلَيْهِ عَزْمٌ عَلَى التَّرْكِ فَيُعْتَبَرُ اسْتِدَامَتُهُ كَالنِّيَّةِ فِي أَوَّلِ الصَّلَاةِ تُجْعَلُ بَاقِيَةً إلَى آخِرِهَا، وَأَمَّا النِّيَّةُ الْمُعْتَرِضَةُ فِي خِلَالِ الصَّوْمِ فَلَا تَقْبَلُ التَّقْدِيمَ عَلَى مَا مَضَى مِنْ الْإِمْسَاكَاتِ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ إنَّمَا يُعْتَبَرُ حُكْمًا إذَا تُصُوِّرَ حَقِيقَةً كَالنِّيَّةِ فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ لَا تُعْتَبَرُ مُتَقَدِّمَةً، وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّا لَا نَجْعَلُ النِّيَّةَ الْمُتَأَخِّرَةَ مُتَقَدِّمَةً بَلْ نَجْعَلُ النِّيَّةَ الْمَعْدُومَةَ فِي الزَّمَانِ الْمُتَقَدِّمِ الْمُقَارِنَةَ لِبَعْضِ أَجْزَاءِ الْيَوْمِ مُتَحَقِّقَةً تَقْدِيرًا كَمَا أَنَّ النِّيَّةَ الْمُتَقَدِّمَةَ الَّتِي لَا تُقَارِنُ شَيْئًا مِنْ أَجْزَاءِ الْيَوْمِ تُعْتَبَرُ مُقَارِنَةً لَهَا تَقْدِيرًا، وَلَا خَفَاءَ فِي أَنَّهُ لَمَّا صَحَّ الصَّوْمُ بِالنِّيَّةِ الْمُنْفَصِلَةِ عَنْ جَمِيعِ الْأَجْزَاءِ فَلَأَنْ يَصِحَّ بِالنِّيَّةِ الْمُتَّصِلَةِ بِالْبَعْضِ أَوْلَى لَكِنَّ جَعْلَ النِّيَّةِ بِاللَّيْلِ أَفْضَلُ لِمَا فِيهِ مِنْ الِاحْتِيَاطِ وَالْمُسَارَعَةِ إلَى الِامْتِثَالِ، فَإِنْ قِيلَ الْمَعْدُومُ الْمَسْبُوقُ بِالْوُجُودِ يُمْكِنُ أَنْ يُقَدَّرَ تَحَقُّقُهُ بِأَنْ يُجْعَلَ وُجُودُهُ فِي حُكْمِ الْبَاقِي بَلْ رُبَّمَا يُمْنَعُ طَرَيَانُ الْعَدَمِ عَلَى النِّيَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ بِاللَّيْلِ، فَإِنَّ مَنْ عَزَمَ عَلَى فِعْلٍ يُجْعَلُ عَازِمًا عَلَيْهِ مَا لَمْ يَفْرُغْ عَنْهُ أَوْ لَمْ يَعْزِمْ عَلَى تَرْكِهِ، وَأَمَّا الْمَعْدُومُ بِالْعَدَمِ الْأَصْلِيِّ فَلَا

стр. 405

الْجُزْءَ الْأَوَّلَ لَمْ يَفْسُدْ بَلْ مَوْقُوفَةٌ، فَإِنْ وُجِدَتْ النِّيَّةُ فِي الْأَكْثَرِ عُلِمَ أَنَّ النِّيَّةَ التَّقْدِيرِيَّةَ كَانَتْ مَوْجُودَةً فِي الْأَوَّلِ، وَالنِّيَّةُ التَّقْدِيرِيَّةُ كَافِيَةٌ فِي الْجُزْءِ الْأَوَّلِ لِقُصُورِ الْعِبَادَةِ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ فِي الْأَكْثَرِ عُلِمَ أَنَّ النِّيَّةَ التَّقْدِيرِيَّةَ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً فِي الْأَوَّلِ. (عَلَى أَنَّا نُرَجِّحُ بِالْكَثْرَةِ؛ لِأَنَّ لِلْأَكْثَرِ حُكْمَ الْكُلِّ، وَهَذَا التَّرْجِيحُ الَّذِي بِالذَّاتِ أَوْلَى مِنْ تَرْجِيحِهِ بِالْوَصْفِ عَلَى مَا يَأْتِي فِي بَابِ التَّرْجِيحِ) اعْلَمْ أَنَّا نُرَجِّحُ الْبَعْضَ الَّذِي وُجِدَ فِيهِ النِّيَّةُ عَلَى الْبَعْضِ الَّذِي لَمْ تُوجَدْ فِيهِ النِّيَّةُ بِالْكَثْرَةِ وَالشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُرَجِّحُ عَلَى الْعَكْسِ بِوَصْفِ الْعِبَادَةِ، فَإِنَّ الْعِبَادَةَ لَا تَصْلُحُ بِدُونِ النِّيَّةِ فَيَفْسُدُ ذَلِكَ الْبَعْضُ فَيَشِيعُ الْفَسَادُ إلَى الْبَعْضِ الَّذِي وُجِدَ فِيهِ النِّيَّةُ فَيَرْجِعُ الْبَعْضُ الْفَاسِدُ عَلَى الْبَعْضِ الصَّحِيحِ بِوَصْفِ الْعِبَادَةِ، وَنَحْنُ نُرَجِّحُ الْبَعْضَ الصَّحِيحَ عَلَى الْبَعْضِ الْفَاسِدِ الَّذِي لَمْ تُوجَدْ فِيهِ النِّيَّةُ بِالْكَثْرَةِ، وَتَرْجِيحُنَا تَرْجِيحٌ بِالذَّاتِيِّ؛ لِأَنَّا نُرَجِّحُ بِالْإِجْزَاءِ، وَتَرْجِيحُهُ بِالْوَصْفِ غَيْرُ الذَّاتِيِّ، وَهُوَ وَصْفُ الْعِبَادَةِ، فَإِنْ قِيلَ فِي ــ [التلويح] مَعْنَى لِتَقْدِيرِ تَحَقُّقِهِ قُلْنَا كَمَا أَنَّ الْمُنْقَضِيَ يُجْعَلُ كَائِنًا تَقْدِيرًا فَكَذَلِكَ الْآتِي؛ لِأَنَّهُ بِصَدَدِ الْكَوْنِ، وَأَيْضًا يُجْعَلُ الِاقْتِرَانُ بِبَعْضِ الْأَجْزَاءِ بِمَنْزِلَةِ الِاقْتِرَانِ بِالْكُلِّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ صَوْمًا جُمْلَةُ الْإِمْسَاكَاتِ فِي الْيَوْمِ شَيْءٌ وَاحِدٌ فَالْمُقْتَرِنُ بِجُزْءٍ مِنْهُ مُقْتَرِنٌ بِالْكُلِّ حُكْمًا، وَأَيْضًا لِلْأَكْثَرِ حُكْمُ الْكُلِّ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْكَامِ فَيُجْعَلُ اقْتِرَانُ الْأَكْثَرِ بِالنِّيَّةِ بِمَنْزِلَةِ اقْتِرَانِ الْكُلِّ بِهَا فَإِنْ قِيلَ: الْبَعْضُ الْأَوَّلُ يَفْسُدُ قَبْلَ أَنْ تَقْتَرِنَ بِهِ النِّيَّةُ، وَبَعْدَ الْفَسَادِ لَا يَعُودُ صَحِيحًا قُلْنَا لَا بَلْ تَتَوَقَّفُ الْإِمْسَاكَاتُ الْمُتَقَدِّمَةُ لِصُلُوحِهَا لِلصَّوْمِ، فَإِنْ صَادَفَتْ نِيَّةً فِي الْأَكْثَرِ صَارَتْ صَوْمًا، وَإِلَّا فَسَدَتْ، فَإِنْ قِيلَ لَوْ كَانَ الِاقْتِرَانُ بِالْبَعْضِ كَافِيًا لَصَحَّ الصَّوْمُ بِنِيَّةٍ بَعْدَ نِصْفِ النَّهَارِ قُلْنَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْبَعْضُ مِمَّا لَهُ حُكْمُ الْكُلِّ مِنْ وَجْهٍ لِيَكُونَ الِاقْتِرَانُ فِي حُكْمِ الِاقْتِرَانِ بِالْكُلِّ. (قَوْلُهُ وَالطَّاعَةُ قَاصِرَةٌ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ) لِقِلَّةِ مُخَالَفَةِ الْهَوَى بِنَاءً عَلَى عَدَمِ اعْتِيَادِ الْأَكْلِ فِيهِ فَتَرْكُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِيهِ خَارِجٌ مَخْرَجَ الْعَادَةِ لَا مَشَقَّةَ فِيهِ، وَابْتِدَاءُ كَمَالِ الطَّاعَةِ مِنْ الضَّحْوَةِ الْكُبْرَى. (قَوْلُهُ وَفِي التَّأْخِيرِ أَيْضًا ضَرُورَةٌ) فَإِنْ قِيلَ ضَرُورَةُ التَّقْدِيمِ عَامَّةٌ فِي حَقِّ الْجَمِيعِ، وَضَرُورَةُ التَّأْخِيرِ مُخْتَصَّةٌ بِالْبَعْضِ وَفِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ، وَبِنَاءُ الْأَحْكَامِ عَلَى الْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ دُونَ الْقَلِيلِ النَّادِرِ قُلْنَا: إنَّمَا سَوَّيْنَا فِي أَصْلِ الْحَاجَةِ لَا فِي قَدْرِهَا، وَالْخَاصُّ فِي مَوَاضِعِهِ كَالْعَامِّ فِي مَوَاضِعِهِ، وَضَرُورَةُ التَّأْخِيرِ لَيْسَتْ مِنْ النَّادِرِ الَّذِي لَا يَبْتَنِي عَلَيْهِ الْأَحْكَامُ بَلْ هِيَ كَثِيرَةٌ فِي نَفْسِهَا، وَإِنْ كَانَتْ قَلِيلَةً بِالْإِضَافَةِ إلَى ضَرُورَةِ التَّقْدِيمِ، فَإِنْ قِيلَ ضَرُورَةُ التَّأْخِيرِ لَا تَخْتَصُّ بِمَا قَبْلَ نِصْفِ النَّهَارِ قُلْنَا نَعَمْ إلَّا أَنَّ فِيمَا قَبْلَ نِصْفِ النَّهَارِ يُتْرَكُ الْكُلُّ إلَى خَلْفٍ وَهُوَ الْأَكْثَرُ، وَفِيمَا بَعْدَهُ يَفُوتُ الْأَصْلُ، وَالْخَلْفُ جَمِيعًا فَيَفُوتُ الصَّوْمُ؛ لِأَنَّ الْأَقَلَّ بِمُقَابَلَةِ الْأَكْثَرِ فِي حُكْمِ الْعَدَمِ، وَاعْلَمْ

стр. 406

التَّقْدِيمِ ضَرُورَةٌ، فَإِنَّ مُحَافَظَةَ وَقْتِ الصُّبْحِ مُتَعَذِّرَةٌ جِدًّا فَالتَّقْدِيمُ الَّذِي لَا يَعْتَرِضُ عَلَيْهِ الْمُنَافِي كَالِاتِّصَالِ قُلْنَا: وَفِي التَّأْخِيرِ أَيْضًا ضَرُورَةٌ كَمَا فِي يَوْمِ الشَّكِّ؛ لِأَنَّ تَقْدِيمَ نِيَّةِ الْفَرْضِ حَرَامٌ، وَنِيَّةُ النَّفْلِ لَغْوٌ عِنْدَكُمْ فَيَثْبُتُ الضَّرُورَةُ، وَأَيْضًا الضَّرُورَةُ لَازِمَةٌ فِي غَيْرِ يَوْمِ الشَّكِّ أَيْضًا إذَا نَسِيَ النِّيَّةَ فِي اللَّيْلِ أَوْ نَامَ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ صِيَانَةَ الْوَقْتِ الَّذِي لَا دَرَكَ لَهُ أَصْلًا وَاجِبَةٌ حَتَّى أَنَّ الْأَدَاءَ مَعَ النُّقْصَانِ أَفْضَلُ مِنْ الْقَضَاءِ بِدُونِهِ، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا كَفَّارَةَ، وَيُرْوَى هَذَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - اعْلَمْ أَنَّهُ لَمَّا أَقَامَ الدَّلِيلَيْنِ عَلَى صِحَّةِ الصَّوْمِ الْمَنْوِيِّ نَهَارًا أَوَّلُهُمَا قَوْلُهُ لَمَا صَحَّ بِالنِّيَّةِ الْمُنْفَصِلَةِ، وَثَانِيهِمَا قَوْلُهُ، وَلِأَنَّ صِيَانَةَ الْوَقْتِ الَّذِي إلَخْ، وَالدَّلِيلُ الثَّانِي يُشْعِرُ بِأَنَّ الصَّوْمَ الْمَنْوِيَّ نَهَارًا إنَّمَا يَصِحُّ ضَرُورَةَ أَنَّ الصِّيَانَةَ وَاجِبَةٌ فَعَلَى هَذَا الدَّلِيلِ لَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ إذَا أَفْسَدَهُ. (وَمِنْ حُكْمِهِ) أَيْ مِنْ حُكْمِ هَذَا الْقِسْمِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْوَقْتُ مِعْيَارًا لِلْمُؤَدَّى. (أَنَّ الصَّوْمَ مُقَدَّرٌ بِكُلِّ الْيَوْمِ فَلَا يُقَدَّرُ النَّفَلُ بِبَعْضِهِ) أَيْ بِبَعْضِ النَّهَارِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀، فَإِنَّ عِنْدَهُ إذَا نَوَى النَّفَلَ مِنْ النَّهَارِ يَكُونُ صَوْمُهُ مِنْ زَمَانِ النِّيَّةِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الزَّوَالِ. (وَمِنْ هَذَا الْجِنْسِ) أَيْ مِنْ جِنْسِ صَوْمِ رَمَضَانَ. (الْمَنْذُورُ فِي الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ يَصِحُّ بِالنِّيَّةِ الْمُطْلَقَةِ، وَنِيَّةِ النَّفْلِ لَكِنْ إنْ صَامَ عَنْ، وَاجِبٍ آخَرَ يَصِحُّ عَنْهُ؛ لِأَنَّ تَعْيِينَهُ مُؤَثِّرٌ ــ [التلويح] أَنَّ الْمُرَادَ بِنِصْفِ النَّهَارِ هَاهُنَا هُوَ الضَّحْوَةُ الْكُبْرَى؛ لِأَنَّهَا نِصْفُ النَّهَارِ الصَّوْمِيِّ أَعْنِي مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَأَمَّا الزَّوَالُ فَهُوَ نِصْفُ النَّهَارِ بِاعْتِبَارِ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلَى غُرُوبِهَا، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَوْ نَوَى قُبَيْلَ الزَّوَالِ بَعْدَ الضَّحْوَةِ الْكُبْرَى لَمْ يَصِحَّ لِعَدَمِ مُقَارَنَةِ النِّيَّةِ لِأَكْثَرِ النَّهَارِ الصَّوْمِيِّ. (قَوْلُهُ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْمُخْتَارُ مِنْ مَذْهَبِهِ عَلَى مَا هُوَ الْمَسْطُورُ فِي الْكُتُبِ أَنَّهُ يَجُوزُ النَّفَلُ بِنِيَّةٍ قَبْلَ الزَّوَالِ بِشَرْطِ الْإِمْسَاكِ وَالْأَهْلِيَّةِ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ أَيْضًا، وَأَنَّهُ يَكُونُ صَائِمًا مِنْ أَوَّلِ الْيَوْمِ وَيَنَالُ ثَوَابَ صَوْمِ الْجَمِيعِ كَمَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الرُّكُوعِ (قَوْلُهُ وَمِنْ هَذَا الْجِنْسِ) يَعْنِي لَوْ نَذَرَ صَوْمَ رَجَبٍ أَوْ صَوْمَ يَوْمِ الْخَمِيسِ مَثَلًا فَهَذَا الصَّوْمُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْقِسْمِ الثَّالِثِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْوَقْتَ مِعْيَارٌ لَا سَبَبٌ إلَّا أَنَّهُ مِنْ جِنْسِ صَوْمِ رَمَضَانَ فِي تَعْيِينِ الْوَقْتِ لِذَلِكَ الصَّوْمِ حَتَّى يَتَأَدَّى بِمُطْلَقِ النِّيَّةِ وَبِنِيَّةِ النَّفْلِ لَكِنْ لَا يَتَأَدَّى بِنِيَّةِ وَاجِبٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ تَعْيِينَ وَقْتِ الْمَنْذُورِ إنَّمَا حَصَلَ بِتَعْيِينٍ مِنْ النَّاذِرِ لَا بِتَعْيِينِ الشَّارِعِ فَيُؤَثِّرُ فِيمَا هُوَ حَقُّ النَّاذِرِ كَالنَّفْلِ حَتَّى يَنْصَرِفَ إلَى مَا تَعَيَّنَ لَهُ الْوَقْتُ، وَلَا يُؤَثِّرُ فِيمَا هُوَ حَقُّ الشَّارِعِ، وَهُوَ الْوَاجِبُ الْآخَرُ فَلَا يَنْصَرِفُ إلَى الْمَنْذُورِ بَلْ يَقَعُ عَمَّا نَوَى، فَإِنْ قُلْت قَدْ قَيَّدُوا، النَّذْرَ فِي أَمْثِلَةِ الْقِسْمِ الثَّالِثِ بِأَنْ يَكُونَ مُطْلَقًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ، وَجَعَلُوا حُكْمَ الْقِسْمِ الثَّالِثِ أَنَّ الْوَقْتَ لَمَّا لَمْ يَكُنْ مُتَعَيَّنًا لِلصَّوْمِ افْتَقَرَ إلَى نِيَّةٍ مِنْ اللَّيْلِ، وَهَذَا مُشْعِرٌ بِأَنَّ الْمَنْذُورَ الْمُعَيَّنَ لَيْسَ مِنْ الْقِسْمِ الثَّالِثِ

стр. 407

فِي حَقِّهِ وَهُوَ النَّفَلُ لَا فِي حَقِّ الشَّارِعِ) ، فَإِنَّ الْوَقْتَ صَارَ مُتَعَيَّنًا بِتَعْيِينِ النَّاذِرِ فَتَعْيِينُهُ صَارَ مُؤَثِّرٌ فِي حَقِّهِ، وَهُوَ النَّفَلُ حَتَّى يَقَعَ عَنْ الْمَنْذُورِ بِسَبَبِ أَنَّ الْوَقْتَ مُتَعَيَّنٌ لِلْمَنْذُورِ بِتَعْيِينِهِ لَكِنْ لَا يُؤَثِّرُ فِي حَقِّ الشَّارِعِ أَيْ إنْ نَوَى وَاجِبًا آخَرَ لَا يَقَعُ عَنْ الْمَنْذُورِ. (وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ فَالْوَقْتُ مِعْيَارٌ لَا سَبَبٌ كَالْكَفَّارَاتِ، وَالنُّذُورِ الْمُطْلَقَةِ، وَالْقَضَاءِ، وَحُكْمُهُ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ الْوَقْتُ مُتَعَيَّنًا لَهَا كَانَ الصَّوْمُ مِنْ عَوَارِضِ الْوَقْتِ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّبْيِيتِ) أَيْ مِنْ النِّيَّةِ فِي اللَّيْلِ بِخِلَافِ صَوْمِ رَمَضَانَ وَالنَّذْرِ الْمُعَيَّنِ، فَإِنَّ الْوَقْتَ مُتَعَيَّنٌ فَتَكْفِي النِّيَّةُ الْحَاصِلَةُ فِي الْأَكْثَرِ، وَتَكُونُ النِّيَّةُ التَّقْدِيرِيَّةُ حَاصِلَةً فِي أَوَّلِ النَّهَارِ بِنَاءً عَلَى تَعْيِينِ الْوَقْتِ، فَإِنَّ تَعْيِينَ الْوَقْتِ يُوجِبُ كَوْنَهُ صَائِمًا، وَهُنَا لَمْ يَتَعَيَّنْ الْوَقْتُ فَوَجَبَتْ النِّيَّةُ الْحَقِيقِيَّةُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، وَأَمَّا النَّفَلُ فَهُوَ الْمَشْرُوعُ الْأَصْلِيُّ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ كَالْفَرْضِ فِي رَمَضَانَ فَتَكْفِي النِّيَّةُ فِي الْأَكْثَرِ. وَأَمَّا الْقِسْمُ الرَّابِعُ وَهُوَ الْحَجُّ فَيُشْبِهُ الظَّرْفَ؛ لِأَنَّ أَفْعَالَهُ لَا تَسْتَغْرِقُ أَوْقَاتَهُ، وَيُشْبِهُ الْمِعْيَارَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ فِي عَامٍّ وَاحِدٍ إلَّا حَجٌّ وَاحِدٌ، وَلِأَنَّ وَقْتَهُ الْعُمْرُ فَيَكُونُ ظَرْفًا حَتَّى إنْ أَتَى بِهِ بَعْدَ الْعَامِ الْأَوَّلِ يَكُونُ أَدَاءً بِالِاتِّفَاقِ لَكِنْ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَجِبُ مُضَيَّقًا لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ عَنْ الْعَامِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ لَا يَسَعُ إلَّا حَجًّا وَاحِدًا فَيُشْبِهُ الْمِعْيَارَ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَجُوزُ بِشَرْطِ ــ [التلويح] وَلَا خَفَاءَ فِي أَنَّ الْوَقْتَ فِيهِ لَيْسَ بِسَبَبٍ، وَإِنَّمَا السَّبَبُ هُوَ النَّذْرُ فَلَا يَكُونُ مِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي أَيْضًا بَلْ قِسْمًا بِرَأْسِهِ فَلَا تَنْحَصِرُ الْأَقْسَامُ فِي الْأَرْبَعَةِ قُلْنَا: لَيْسَ مِنْ الْقِسْمِ الثَّالِثِ إلَّا مَا يَكُونُ الْوَقْتُ فِيهِ مِعْيَارًا لَا سَبَبًا، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَنْذُورَ الْمُعَيَّنَ كَذَلِكَ لَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ شَبِيهًا بِالْقِسْمِ الثَّانِي فِي تَعْيِينِ الْوَقْتِ، وَقَدْ بَيَّنُوا حُكْمَهُ اقْتَصَرُوا فِي أَمْثِلَةِ الْقِسْمِ الثَّالِثِ وَأَحْكَامِهِ عَلَى مَا لَا يَكُونُ لَهُ شَبَهٌ بِالْقِسْمِ الثَّانِي فَقَيَّدُوا النَّذْرَ بِالْمُطْلَقِ لَا يُقَالُ الْوَقْتُ فِي الْمَنْذُورِ الْمُعَيَّنِ شَرْطٌ، وَفِي الْقِسْمِ الثَّالِثِ مِعْيَارٌ لَا غَيْرُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّهَارَ دَاخِلٌ فِي مَفْهُومِ الصَّوْمِ فَلَا يَكُونُ شَرْطًا، وَالنَّهَارُ الْمُعَيَّنُ خَارِجٌ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْأَدَاءُ فِي الْمَنْذُورِ الْمُعَيَّنِ فَيَكُونُ شَرْطًا فِيهِ دُونَ الْمُطْلَقِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ عَدَمُ شَرْطِيَّةِ الْوَقْتِ لَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ فِي الْقِسْمِ الثَّالِثِ عَلَى مَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ عِبَارَةٌ عَمَّا يَكُونُ الْوَقْتُ مِعْيَارًا لَا سَبَبًا مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِكَوْنِهِ شَرْطًا أَوْ غَيْرَ شَرْطٍ. [الْقِسْمُ الثَّالِثُ كَوْن الْوَقْت مِعْيَارًا لَا سَبَبًا] (قَوْلُهُ وَأَمَّا النَّفَلُ) جَوَابُ سُؤَالٍ تَقْرِيرُهُ أَنَّ عَدَمَ تَعَيُّنِ الْوَقْتِ لَوْ كَانَ مُوجِبًا لِلتَّبْيِيتِ لَمَا صَحَّ النَّفَلُ بِنِيَّةٍ مِنْ النَّهَارِ، فَأَجَابَ بِأَنَّ الْمَشْرُوعَ الْأَصْلِيَّ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ هُوَ صَوْمُ النَّفْلِ كَالْفَرْضِ فِي رَمَضَانَ فَيَكْفِي اقْتِرَانُ النِّيَّةِ بِالْأَكْثَرِ، وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الْإِمْسَاكَاتِ الْغَيْرَ الْمُقْتَرِنَةِ بِالنِّيَّةِ تَكُونُ مَوْقُوفَةً لِأَجْلِ مَا هُوَ مَشْرُوعُ الْوَقْتِ، وَهُوَ الْفَرْضُ فِي رَمَضَانَ وَالنَّذْرُ فِي يَوْمِ النَّذْرِ الْمُعَيَّنِ، وَالنَّفَلُ فِي غَيْرِ ذَلِكَ، وَأَمَّا الْوَاجِبَاتُ الْأُخَرُ فَإِنَّمَا هِيَ مِنْ الْمُحْتَمَلَاتِ، فَإِذَا صَادَفَتْ قَبْلَ نِصْفِ النَّهَارِ نِيَّةَ

стр. 408

أَنْ لَا يَفُوتَهُ قَالَ الْكَرْخِيُّ هَذَا بِنَاءً عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي بَيْنَهُمَا فِي أَنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ أَيُوجِبُ الْفَوْرَ أَمْ لَا، وَعِنْدَ عَامَّةِ مَشَايِخِنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ أَمْرَ الْمُطْلَقِ لَا يُوجِبُ الْفَوْرَ اتِّفَاقًا بَيْنَنَا فَمَسْأَلَةُ الْحَجِّ مُبْتَدَأَةٌ فَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَمَّا كَانَ الْإِتْيَانُ بِهِ فِي الْعُمْرِ أَدَاءً إجْمَاعًا عُلِمَ أَنَّ كُلَّ الْعُمْرِ وَقْتُهُ كَقَضَاءِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَغَيْرِهِمَا، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ لَا يَسَعُهُ أَنْ يُؤَخِّرَهُ؛ لِأَنَّ الْحَيَاةَ إلَى الْعَامِ الْقَابِلِ مَشْكُوكَةٌ حَتَّى إذَا أَدْرَكَ الْقَابِلَ زَالَ ذَلِكَ الشَّكُّ فَقَامَ مَقَامَ الْأَوَّلِ بِخِلَافِ قَضَاءِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، فَإِنَّ الْحَيَاةَ إلَى الْيَوْمِ الثَّانِي غَالِبَةٌ فَاسْتَوَتْ الْأَيَّامُ كُلُّهَا، فَإِنْ قِيلَ لَمَّا تَعَيَّنَ الْعَامُ الْأَوَّلُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَشْرَعَ فِيهِ النَّفَلَ قُلْنَا إنَّمَا عَيَّنَّا احْتِيَاطِيًّا احْتِرَازًا عَنْ الْفَوْتِ فَظَهَرَ ذَلِكَ فِي حَقِّ الِاسْمِ فَقَطْ لَا فِي أَنْ يُبْطِلَ اخْتِيَارَ جِهَةِ التَّقْصِيرِ وَالْإِثْمِ أَيْ لَمَّا كَانَ الْحَجُّ فَرْضَ الْعُمْرِ كَانَ الْأَصْلُ أَنْ لَا يَتَعَيَّنَ بِالْعَامِ الْأَوَّلِ، وَإِنَّمَا عَيَّنَّا احْتِيَاطًا لِئَلَّا يَفُوتَ ــ [التلويح] مَا هُوَ مِنْ مَشْرُوعَاتِ الْوَقْتِ وَمُتَعَيِّنَاتِهِ انْصَرَفَتْ إلَيْهِ، وَإِلَّا فَلَا يَصِحُّ الْفَرْضُ وَالنَّذْرُ الْمُعَيَّنُ وَالنَّفَلُ بِنِيَّةٍ مِنْ النَّهَارِ، بِخِلَافِ سَائِرِ الْوَاجِبَاتِ [الْقِسْمُ الرَّابِعُ الْحَجُّ يُشْبِهُ الظَّرْفَ وَالْمِعْيَارَ] (قَوْلُهُ وَأَمَّا الْقِسْمُ الرَّابِعُ) مِنْ الْمُوَقَّتِ فَهُوَ الْحَجُّ، فَإِنَّ وَقْتَهُ مُشْكِلٌ فِي الزِّيَادَةِ وَالْمُسَاوَاةِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدِهِمَا بِالنِّسْبَةِ إلَى سَنَةِ الْحَجِّ، وَذَلِكَ أَنَّ وَقْتَهُ يُشْبِهُ الظَّرْفَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ أَرْكَانَ الْحَجِّ لَا تَسْتَغْرِقُ جَمِيعَ أَجْزَاءِ وَقْتِ الْحَجِّ كَوَقْتِ الصَّلَاةِ، وَيُشْبِهُ الْمِعْيَارَ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ فِي عَامٍ وَاحِدٍ إلَّا حَجٌّ وَاحِدٌ كَالنَّهَارِ لِلصَّوْمِ، وَثَانِيهِمَا بِالنِّسْبَةِ إلَى سِنِي الْعُمْرِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ وَقْتَهُ الْعُمْرُ وَهُوَ فَاضِلٌ عَلَى الْوَاجِبِ حَتَّى لَوْ أَتَى بِهِ فِي الْعَامِ الثَّانِي كَانَ أَدَاءً بِالِاتِّفَاقِ لِوُقُوعِهِ فِي الْوَقْتِ إلَّا أَنَّهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ يَجِبُ مُضَيَّقًا حَتَّى لَا يَجُوزَ تَأْخِيرُهُ عَنْ الْعَامِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ لَا يَسَعُ إلَّا حَجًّا وَاحِدًا فَأَشْبَهَ الْمِعْيَارَ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَا يَسَعُ وَاجِبَيْنِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ عَنْ الْعَامِ الْأَوَّلِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَفُوتَهُ، فَإِنْ عَاشَ أَدَّى، وَكَانَتْ أَشْهُرُ الْحَجِّ مِنْ كُلِّ عَامٍ صَالِحَةً لِلْأَدَاءِ كَإِجْزَاءِ الْوَقْتِ فِي الصَّلَاةِ، وَإِنْ مَاتَ تَعَيَّنَتْ الْأَشْهُرُ مِنْ الْعَامِ الْأَوَّلِ كَالنَّهَارِ لِلصَّوْمِ فَثَبَتَ الْإِشْكَالُ، فَإِنْ قُلْت كَلَامُهُمَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَشْكَلُ مِنْ وَقْتِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا تَضَيَّقَ الْوَاجِبُ فِي الْعَامِ الْأَوَّلِ بِحَيْثُ لَمْ يَجُزْ تَأْخِيرُهُ عَنْهُ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ تَعَيَّنَ أَنَّ وَقْتَهُ الْعَامُ الْأَوَّلُ لَا جَمِيعُ الْعُمْرِ فَكَيْفَ يَكُونُ فِي الْعَامِ الثَّانِي أَدَاءً، وَلَمَّا ثَبَتَ التَّوَسُّعُ وَجَازَ التَّأْخِيرُ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تَعَيَّنَ أَنَّ وَقْتَهُ جَمِيعُ الْعُمْرِ فَكَيْفَ يَأْثَمُ بِالْمَوْتِ فِي الْعَامِ الثَّانِي قُلْت حَكَمَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِالتَّضْيِيقِ لِلِاحْتِيَاطِ لَا لِانْقِطَاعِ التَّوَسُّعِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَلِهَذَا جَازَ أَدَاؤُهُ فِي الْعَامِ الثَّانِي، وَحَكَمَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِالتَّوَسُّعِ لِظَاهِرِ الْحَالِ فِي بَقَاءِ الْإِنْسَانِ لَا لِانْقِطَاعِ التَّضْيِيقِ بِالْكُلِّيَّةِ فَلِهَذَا يَأْثَمُ بِالتَّأْخِيرِ لَوْ مَاتَ الْعَامَ الثَّانِي فَثَبَتَ أَنَّ وَقْتَهُ يُشْبِهُ كُلًّا مِنْ الظَّرْفِ وَالْمِعْيَارِ

стр. 409

وَيَظْهَرُ أَثَرُ هَذَا التَّعْيِينِ فِي الْإِثْمِ فَقَطْ أَيْ إنْ أَخَّرَ عَنْ الْعَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ يُدْرِكْ الْحَجَّ كَانَ آثِمًا لَكِنْ لَا يَظْهَرُ أَثَرُ التَّعْيِينِ فِي بُطْلَانِ اخْتِيَارِهِ لَمَّا اخْتَارَ جِهَةَ التَّقْصِيرِ وَالْإِثْمِ بِأَنْ أَدْرَكَ الْوَقْفَةَ وَلَمْ يَنْوِ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ بَلْ نَوَى النَّفَلَ. (وَإِذَا كَانَ هَذَا الْوَقْتُ يُشْبِهُ الْمِعْيَارَ، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ بِمِعْيَارٍ لِمَا قُلْنَا، وَلِأَنَّ أَفْعَالَهُ غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ بِالْوَقْتِ) بِخِلَافِ الصَّوْمِ، فَإِنَّهُ مُقَدَّرٌ بِالْوَقْتِ، فَإِنَّ الْمِعْيَارَ هُوَ مَا يُقَدَّرُ الشَّيْءُ بِهِ كَالْمِكْيَالِ وَنَحْوِهِ. (فَإِنْ تَطَوَّعَ) هَذَا جَوَابُ إذَا فِي قَوْلِهِ: وَإِذَا كَانَ هَذَا الْوَقْتُ (وَعَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ يَصِحُّ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقَعُ عَنْ الْفَرْضِ إشْفَاقًا عَلَيْهِ، فَإِنَّ هَذَا) أَيْ التَّطَوُّعَ، وَعَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ (مِنْ السَّفَهِ فَيُحْجَرُ عَلَيْهِ) أَيْ إذَا نَوَى التَّطَوُّعَ يُحْجَرُ عَنْ نِيَّةِ التَّطَوُّعِ فَبَطَلَتْ نِيَّتُهُ فَبَقِيَتْ النِّيَّةُ الْمُطْلَقَةُ، وَهِيَ كَافِيَةٌ. (عَلَى أَنَّهُ يَصِحُّ بِإِطْلَاقِ النِّيَّةِ، وَبِلَا نِيَّةٍ كَمَنْ أَحْرَمَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَهُوَ مُغْمًى عَلَيْهِ قُلْنَا: الْحَجْرُ يُفَوِّتُ الِاخْتِيَارَ، وَلَا عِبَادَةَ بِدُونِهِ أَمَّا الْإِطْلَاقُ فَفِيهِ دَلَالَةُ التَّعْيِينِ إذْ الظَّاهِرُ أَنْ لَا يَقْصِدَ النَّفَلَ، وَعَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ، وَالْإِحْرَامُ غَيْرُ مَقْصُودٍ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِ كَمَنْ أَحْرَمَ ــ [التلويح] عِنْدَهُمَا رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى إلَّا أَنَّ الْأَظْهَرَ الرَّاجِحَ فِي الِاعْتِبَارِ هُوَ الْمِعْيَارِيَّةُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَالظَّرْفِيَّةُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. (قَوْلُهُ احْتِرَازًا عَنْ الْفَوْتِ) يَعْنِي أَنَّ التَّعْيِينَ هُنَا ثَبَتَ بِعَارِضِ خَوْفِ الْمَوْتِ لَا أَنَّهُ أَمْرٌ أَصْلِيٌّ فَأَثَرُ التَّعْيِينِ إنَّمَا يَظْهَرُ فِي حُرْمَةِ التَّأْخِيرِ وَحُصُولِ الْإِثْمِ لَا فِي انْتِفَاءِ شَرْعِيَّةِ النَّفْلِ، بِخِلَافِ تَعَيُّنِ رَمَضَانَ لِلْفَرْدِ، فَإِنَّهُ أَمْرٌ أَصْلِيٌّ ثَبَتَ بِتَعْيِينِ الشَّارِعِ فَيَظْهَرُ أَثَرُهُ فِي الِاسْمِ وَعَدَمِ جَوَازِ النَّفْلِ جَمِيعًا. (قَوْلُهُ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِمِعْيَارٍ) لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ أَفْعَالَ الْحَجِّ لَا تَسْتَغْرِقُ جَمِيعَ أَجْزَاءِ وَقْتِهِ، وَلِأَنَّ أَفْعَالَ الْحَجِّ غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ بِالْوَقْتِ يَعْنِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْوُقُوفِ وَالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَالرَّمْيِ لَمْ يُقَدَّرْ بِأَنْ يَكُونَ مِنْ وَقْتِ كَذَا إلَى وَقْتِ كَذَا كَمَا قُدِّرَ الصَّوْمُ بِكَوْنِهِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَإِذَا لَمْ يُقَدَّرْ بِالْوَقْتِ لَمْ يَكُنْ الْوَقْتُ مِعْيَارًا، فَإِنْ قُلْت أَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ قُلْت الْأَوَّلُ اسْتِدْلَالٌ بِعَدَمِ اللَّازِمِ عَلَى عَدَمِ الْمَلْزُومِ، وَالثَّانِي اسْتِدْلَالٌ بِعَدَمِ الْحَدِّ عَلَى عَدَمِ الْمَحْدُودِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَسْأَلَةَ صِحَّةِ التَّطَوُّعِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ الْوَقْتَ لَيْسَ بِمِعْيَارٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لِشَبَهِهِ بِالْمِعْيَارِ مَدْخَلٌ فِي ذَلِكَ فَذِكْرُهُ فِي مَضْمُونِ الشَّرْطِ لَيْسَ كَمَا يَنْبَغِي. [فَصْلٌ الْكُفَّار هَلْ يُخَاطَبُونَ بِالشَّرَائِعِ أَمْ لَا] (قَوْلُهُ فَصْلٌ) فِي أَنَّ الْكُفَّارَ هَلْ يُخَاطَبُونَ بِالشَّرَائِعِ أَمْ لَا، وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي آخِرِ أُصُولِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي بَيَانِ الْأَهْلِيَّةِ حَيْثُ قَالَ: الْكَافِرُ أَهْلُ أَحْكَامٍ لَا يُرَادُ بِهَا وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ أَهْلٌ لِأَدَائِهَا فَكَانَ أَهْلًا لِلْوُجُوبِ لَهُ وَعَلَيْهِ، وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِثَوَابِ الْآخِرَةِ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِوُجُوبِ شَيْءٍ مِنْ الشَّرَائِعِ الَّتِي هِيَ طَاعَةُ اللَّهِ تَعَالَى فَكَانَ الْخِطَابُ بِهَا مَوْضُوعًا عَنْهُ عِنْدَنَا، وَلَزِمَهُ الْإِيمَانُ بِاَللَّهِ تَعَالَى لَمَّا كَانَ أَهْلًا لِأَدَائِهِ وَوُجُوبِ

стр. 410

عَنْهُ أَصْحَابُهُ. (بَلْ هُوَ شَرْطٌ عِنْدَنَا كَالْوُضُوءِ فَيَصِحُّ بِفِعْلِ غَيْرِهِ بِدَلَالَةِ الْأَمْرِ) ، فَإِنَّ عَقْدَ الرَّفَاقَةِ دَلِيلُ الْأَمْرِ بِالْمُعَاوَنَةِ. (فَصْلٌ) هَذَا الْفَصْلُ فِي أَنَّ الْكُفَّارَ هَلْ يُخَاطَبُونَ بِالشَّرَائِعِ أَمْ لَا، وَهُوَ غَيْرُ مَذْكُورٍ فِي أُصُولِ الْإِمَامِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَلَمَّا كَانَ مَهْمَا نَقَلْتُهُ مِنْ أُصُولِ الْإِمَامِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ. (ذَكَرَ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْكُفَّارَ يُخَاطَبُونَ بِالْإِيمَانِ، وَالْعُقُوبَاتِ، وَالْمُعَامَلَاتِ، وَبِالْعِبَادَاتِ فِي حَقِّ الْمُؤَاخَذَةِ فِي الْآخِرَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] الْآيَةَ اعْلَمْ أَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِالثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ مُطْلَقًا إجْمَاعًا أَمَّا بِالْعِبَادَاتِ فَهُمْ مُخَاطَبُونَ بِهَا فِي حَقِّ الْمُؤَاخَذَةِ فِي الْآخِرَةِ اتِّفَاقًا أَيْضًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٤] وَأَمَّا فِي حَقِّ وُجُوبِ ــ [التلويح] حُكْمِهِ، وَلَمْ يُجْعَلْ مُخَاطَبًا بِالشَّرَائِعِ بِشَرْطِ تَقْدِيمِ الْإِيمَانِ؛ لِأَنَّهُ رَأْسُ أَسْبَابِ أَهْلِيَّةِ أَحْكَامِ نَعِيمِ الْآخِرَةِ فَلَمْ يَصِحَّ أَنْ يُجْعَلَ شَرْطًا مُقْتَضًى، وَقِيلَ إنَّ تَرْجَمَةَ الْفَصْلِ بِمَا ذَكَرَ خَطَأٌ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ غَيْرُ صَحِيحَةٍ مِنْ الْكَافِرِ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهَا فَكَيْفَ يَكُونُ مُخَاطَبًا بِهَا بَلْ التَّرْجَمَةُ الصَّحِيحَةُ أَنَّ الْكُفَّارَ هَلْ يُخَاطَبُونَ بِالتَّوَصُّلِ إلَى فُرُوعِ الْإِيمَانِ، وَقَدْ يُقَالُ إنَّ تَرْجَمَتَهُ هُوَ أَنَّ حُصُولَ الشَّرْطِ الشَّرْعِيِّ لِصِحَّةِ الشَّيْءِ كَالْإِيمَانِ لِصِحَّةِ الْعِبَادَاتِ وَالطَّهَارَةِ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ، وَهَلْ هُوَ شَرْطٌ فِي التَّكْلِيفِ بِوُجُوبِ أَدَائِهِ أَمْ لَا، ثُمَّ صَوَّرُوا الْمَسْأَلَةَ فِي جُزْئِيٍّ مِنْ جُزْئِيَّاتِهِ، وَهُوَ تَكْلِيفُ الْكَافِرِ بِالْفُرُوعِ تَسْهِيلًا لِلْمُنَاظَرَةِ. (قَوْلُهُ فِي حَقِّ الْمُؤَاخَذَةِ فِي الْآخِرَةِ) مُتَعَلِّقٌ بِالْعِبَادَاتِ خَاصَّةً، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُمْ يُؤَاخَذُونَ بِتَرْكِ الِاعْتِقَادِ؛ لِأَنَّ مُوجِبَ الْأَمْرِ اعْتِقَادُ اللُّزُومِ وَالْأَدَاءِ، وَأَمَّا فِي حَقِّ وُجُوبِ الْأَدَاءِ فِي الدُّنْيَا فَمَذْهَبُ الْعِرَاقِيِّينَ أَنَّ الْخِطَابَ يَتَنَاوَلُهُمْ وَأَنَّ الْأَدَاءَ وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَعِنْدَ عَامَّةِ مَشَايِخِ دِيَارِ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ أَنَّهُمْ لَا يُخَاطَبُونَ بِأَدَاءِ مَا يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو زَيْدٍ وَالْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَلَا خِلَافَ فِي عَدَمِ جَوَازِ الْأَدَاءِ حَالَ الْكُفْرِ وَلَا فِي عَدَمِ وُجُوبِ الْقَضَاءِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، وَإِنَّمَا تَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي أَنَّهُمْ هَلْ يُعَاقَبُونَ فِي الْآخِرَةِ بِتَرْكِ الْعِبَادَاتِ زِيَادَةً عَلَى عُقُوبَةِ الْكُفْرِ كَمَا يُعَاقَبُونَ بِتَرْكِ الِاعْتِقَادِ كَذَا ذَكَرَهُ فِي الْمِيزَانِ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا ذَكَرَ فِي أُصُولِ الشَّافِعِيَّةِ مِنْ أَنَّ تَكْلِيفَهُمْ بِالْفُرُوعِ إنَّمَا هُوَ لِتَعْذِيبِهِمْ بِتَرْكِهَا كَمَا يُعَذَّبُونَ بِتَرْكِ الْأُصُولِ فَظَهَرَ أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ هُوَ الْوُجُوبُ فِي حَقِّ الْمُؤَاخَذَةِ عَلَى تَرْكِ الْأَعْمَالِ بَعْدَ الِاتِّفَاقِ عَلَى الْمُؤَاخَذَةِ بِتَرْكِ اعْتِقَادِ الْوُجُوبِ. (قَوْلُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٤] أَوْرَدَ الْآيَةَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ بِالْعَادَاتِ فِي حَقِّ الْمُؤَاخَذَةِ فِي الْآخِرَةِ عَلَى مَا هُوَ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ، وَقَدْ نَبَّهْنَاكَ

стр. 411

الْأَدَاءِ فِي الدُّنْيَا فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ كَمَا ذَكَرَ فِي الْمَتْنِ، وَهُوَ قَوْلُهُ (أَمَّا فِي حَقِّ وُجُوبِ الْأَدَاءِ) فَكَذَا عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ مِنْ مَشَايِخِنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ لَا يُؤَاخَذُونَ عَلَى تَرْكِهَا، وَلِأَنَّ الْكُفْرَ لَا يَصْلُحُ مُخَفِّفًا، وَلَا يَضُرُّ كَوْنُهَا غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهَا مَعَ الْكُفْرِ. (جَوَابُ إشْكَالٍ وَهُوَ أَنَّ الْعِبَادَاتِ لَمَّا لَمْ تَكُنْ مُعْتَدًّا بِهَا مَعَ الْكُفْرِ لَا يَكُونُ فِي وُجُوبِ الْأَدَاءِ فَائِدَةٌ فَأَجَابَ بِأَنَّ هَذَا لَا يَضُرُّ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ بِشَرْطِ الْإِيمَانِ كَالْجُنُبِ يَجِبُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ بِشَرْطِ الطَّهَارَةِ لَا عِنْدَ مَشَايِخِ دِيَارِنَا) يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ فَكَذَا عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ (لِقَوْلِهِ ﵇ «اُدْعُهُمْ إلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ» الْحَدِيثَ) يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ فَرْضِيَّةَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ مُخْتَصَّةٌ بِتَقْدِيرِ الْإِجَابَةِ فَعَلَى تَقْدِيمِ عَدَمِ الْإِجَابَةِ لَا تُفْرَضُ أَمَّا عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا عِنْدَنَا فَلِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَى الْفَرْضِيَّةِ لَا أَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ الْفَرْضِيَّةِ عَلَى مَا مَرَّ فِي فَصْلِ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ. (وَلِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْعِبَادَةِ لِنَيْلِ الثَّوَابِ، وَالْكَافِرُ لَيْسَ أَهْلًا لَهُ، وَلَيْسَ فِي سُقُوطِ الْعِبَادَةِ عَنْهُمْ تَخْفِيفٌ بَلْ تَغْلِيظٌ، وَنَظِيرُهُ أَنَّ الطَّبِيبَ لَا يَأْمُرُ الْعَلِيلَ بِشُرْبِ الدَّوَاءِ عِنْدَ الْيَأْسِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُفِيدٍ فَكَذَا هَاهُنَا، وَقَدْ ذَكَرَ) أَيْ الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. (أَنَّ عُلَمَاءَنَا لَمْ ــ [التلويح] عَلَى أَنَّ مَحَلَّ الْوِفَاقِ لَيْسَ هُوَ الْمُؤَاخَذَةُ فِي الْآخِرَةِ عَلَى تَرْكِ الْأَعْمَالِ بَلْ عَلَى تَرْكِ اعْتِقَادِ الْوُجُوبِ، فَالْآيَةُ تَمَسُّكٌ لِلْقَائِلِينَ بِالْوُجُوبِ فِي حَقِّ الْمُؤَاخَذَةِ عَلَى تَرْكِ الْأَعْمَالِ أَيْضًا، وَلِذَا أَجَابَ عَنْهُ الْفَرِيقُ الثَّانِي بِأَنَّ الْمُرَادَ لَمْ نَكُنْ مِنْ الْمُعْتَقِدِينَ فَرْضِيَّةَ الصَّلَاةِ فَيَكُونُ الْعَذَابُ عَلَى تَرْكِ الِاعْتِقَادِ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ مَجَازٌ فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِدَلِيلٍ، فَإِنْ قِيلَ لَا حُجَّةَ فِي الْآيَةِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونُوا كَاذِبِينَ فِي إضَافَةِ الْعَذَابِ إلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، وَلَا يَجِبُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى تَكْذِيبُهُمْ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] وَ ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ [النحل: ٢٨] وَنَحْوِ ذَلِكَ، أَوْ يَكُونُ الْإِخْبَارُ عَنْ الْمُرْتَدِّينَ الَّذِينَ تَرَكُوا الصَّلَاةَ حَالَ رِدَّتِهِمْ قُلْنَا: الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ تَصْدِيقُهُمْ فِيمَا قَالُوا وَتَحْذِيرُ غَيْرِهِمْ، وَلَوْ كَانَ كَذِبًا لَمَا كَانَ فِي الْآيَةِ فَائِدَةٌ، وَتَرْكُ التَّكْذِيبِ إنَّمَا يَحْسُنُ إذَا كَانَ الْعَقْلُ مُسْتَقِلًّا بِكَذِبِهِ كَمَا فِي الْآيَاتِ الْمَذْكُورَةِ، وَهَاهُنَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَالْمُجْرِمُونَ عَامٌّ لَا مُخَصِّصَ لَهُ بِالْمُرْتَدِّينَ. (قَوْلُهُ وَأَمَّا عِنْدَنَا فَلِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَى الْفَرْضِيَّةِ) مَمْنُوعٌ، فَإِنَّ الْعُمُومَاتِ الْوَارِدَةَ فِي حَقِّ فَرْضِيَّةِ الصَّلَاةِ دَلِيلٌ عَلَيْهَا مَعَ أَنَّ الْمُعَلَّقَ بِالشَّرْطِ هُوَ الْأَمْرُ بِالْإِعْلَامِ لَا نَفْسُ الْفَرْضِيَّةِ. (قَوْلُهُ وَلِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْعِبَادَةِ لِنَيْلِ الثَّوَابِ) أُجِيبَ بِأَنَّهُ لِنَيْلِ الثَّوَابِ عَلَى تَقْدِيرِ الْإِتْيَانِ بِهِ وَلِاسْتِحْقَاقِ الْعِقَابِ عَلَى تَقْدِيرِ التَّرْكِ فَالْكُفَّارُ إنْ تَوَصَّلُوا إلَى الْمَأْمُورِ بِهِ بِتَحْصِيلِ شَرَائِطِهِ فَالثَّوَابُ وَإِلَّا فَالْعِقَابُ وَعَدَمُ الْأَهْلِيَّةِ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ تَحْصِيلِ

стр. 412

يَنُصُّوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَكِنَّ بَعْضَ الْمُتَأَخِّرِينَ اسْتَدَلُّوا مِنْ مَسَائِلِهِمْ عَلَى هَذَا، وَعَلَى الْخِلَافِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَاسْتَدَلَّ الْبَعْضُ بِأَنَّ الْمُرْتَدَّ إذَا أَسْلَمَ لَا يَلْزَمُهُ قَضَاءُ صَلَاةِ الرِّدَّةِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرْتَدَّ غَيْرُ مُخَاطَبٍ بِالصَّلَاةِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مُخَاطَبٌ بِهَا. (وَالْبَعْضُ بِأَنَّهُ إذَا صَلَّى فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ أَسْلَمَ وَالْوَقْتُ بَاقٍ فَعَلَيْهِ الْأَدَاءُ خِلَافًا لَهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْخِطَابَ يَنْعَدِمُ بِالرِّدَّةِ، وَصِحَّةُ مَا مَضَى كَانَتْ بِنَاءً عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْخِطَابِ فَإِذَا عُلِمَ الْخِطَابُ عُدِمَ صِحَّةُ مَا مَضَى (فَبَطَلَ ذَلِكَ الْأَدَاءُ فَإِذَا أَسْلَمَ فِي الْوَقْتِ، وَجَبَ ابْتِدَاءً، وَعِنْدَهُ الْخِطَابُ بَاقٍ فَلَا يَبْطُلُ الْأَدَاءُ، وَالْبَعْضُ فَرَّعُوهُ عَلَى أَنَّ الشَّرَائِعَ لَيْسَتْ مِنْ الْإِيمَانِ عِنْدَنَا خِلَافًا لَهُ، وَهُمْ يُخَاطَبُونَ بِالْإِيمَانِ فَقَطْ) فَلَا يُخَاطَبُونَ بِالشَّرَائِعِ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ دَاخِلَةٍ فِي الْإِيمَانِ، وَيُخَاطَبُونَ عِنْدَهُ لِكَوْنِهَا مِنْ الْإِيمَانِ عِنْدَهُ. (وَالْكُلُّ ضَعِيفٌ) فَاحْتَجَّ عَلَى ضَعْفِ الِاسْتِدْلَالِ الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ (لِأَنَّهُ إنَّمَا يَسْقُطُ الْقَضَاءُ عِنْدَنَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] فَسُقُوطُ الْقَضَاءِ عِنْدَنَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرْتَدَّ غَيْرُ مُخَاطَبٍ بَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُخَاطَبًا لَكِنْ سَقَطَ عَنْهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنْ يَنْتَهُوا﴾ [الأنفال: ٣٨] الْآيَةَ، وَاحْتَجَّ عَلَى ضَعْفِ الِاسْتِدْلَالِ الثَّانِي بِقَوْلِهِ (وَلِأَنَّ الْمُؤَدَّى إنَّمَا بَطَلَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ــ [التلويح] الشَّرْطِ أَعْنِي الْإِيمَانَ، وَأَيْضًا مَنْقُوضٌ بِالْأَمْرِ بِالْإِيمَانِ، فَإِنَّهُ أَيْضًا لِنَيْلِ الثَّوَابِ، فَإِنْ قِيلَ الْإِيمَانُ رَأْسُ الطَّاعَاتِ وَأَسَاسُ الْعِبَادَاتِ فَكَيْفَ يَثْبُتُ شَرْطًا وَتَبَعًا لِوُجُوبِ الْفُرُوعِ أَلَا يُرَى أَنَّ السَّيِّدَ إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ تَزَوَّجْ أَرْبَعًا لَا تُثْبِتُ الْحُرِّيَّةَ بِذَلِكَ.؟ قُلْنَا: لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يَثْبُتُ وُجُوبُ الْإِيمَانِ بِالْأَوَامِرِ الْمُسْتَقِلَّةِ الْوَارِدَةِ فِيهِ لَا أَنَّهُ يَثْبُتُ فِي ضِمْنِ الْأَمْرِ بِالْفُرُوعِ. (قَوْلُهُ وَلَيْسَ فِي سُقُوطِ الْعِبَادَةِ عَنْهُمْ تَخْفِيفٌ) جَوَابٌ عَنْ التَّمَسُّكِ الثَّانِي لِلْفَرِيقِ الْأَوَّلِ يَعْنِي أَنَّ سُقُوطَ الْخِطَابِ بِالْأَدَاءِ عَنْ الْكَفَّارَةِ لَيْسَ لِلتَّخْفِيفِ بَلْ لِتَحْقِيقِ مَعْنَى الْعُقُوبَةِ بِإِخْرَاجِهِمْ مِنْ أَهْلِيَّةِ ثَوَابِ الْعِبَادَةِ، وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ تَمَسُّكِهِمْ الْأَوَّلِ فَهُوَ أَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ لَا تَسْتَلْزِمُ الْخِطَابَ فِي حَقِّ وُجُوبِ الْأَدَاءِ فِي الدُّنْيَا أَوْ لَا تُسَلَّمُ الْمُؤَاخَذَةُ عَلَى تَرْكِ الْعِبَادَةِ بَلْ هُوَ عَيْنُ النِّزَاعِ، وَإِنَّمَا الْمُؤَاخَذَةُ عَلَى تَرْكِ اعْتِقَادِ الْوُجُوبِ عَلَى مَا مَرَّ. (قَوْلُهُ وَصِحَّةُ مَا مَضَى كَانَتْ بِنَاءً عَلَى الْخِطَابِ) ضَعِيفٌ إذْ الصِّحَّةُ إنَّمَا تُبْتَنَى عَلَى وُرُودِ الْخِطَابِ وَتَعَلُّقِهِ لَا عَلَى بَقَاءِ تَعَلُّقِهِ كَيْفَ وَالْأَدَاءُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنَّمَا هُوَ لِسُقُوطِ تَعَلُّقِ الْخِطَابِ فِي حَقِّ الْمُؤَدِّي. (قَوْلُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ﴾ [المائدة: ٥] الْآيَةَ، هُوَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ مَاتَ عَلَى كُفْرِهِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧] الْآيَةَ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ. (قَوْلُهُ عِنْدَنَا) لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ لَا يُخَاطَبُونَ بِالْعُقُوبَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ بَلْ هُوَ لِتَحْقِيقِ أَنَّ الْخِلَافَ لَيْسَ مَبْنِيًّا عَلَى الْخِلَافِ فِي كَوْنِ

стр. 413

﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥] فَإِذَا أَسْلَمَ فِي الْوَقْتِ يَجِبُ لَا مَحَالَةَ) أَيْ فَإِذَا حَبِطَ الْعَمَلُ، ثُمَّ أَسْلَمَ وَالْوَقْتُ بَاقٍ يَجِبُ عَلَيْهِ قَطْعًا، وَاحْتَجَّ عَلَى ضَعْفِ التَّفْرِيعِ الْمَذْكُورِ بِقَوْلِهِ. (وَلِأَنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ لِلْعُقُوبَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ عِنْدَنَا مَعَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مَعَ الْإِيمَانِ) فَقَوْلُهُمْ إنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ بِالْإِيمَانِ فَقَطْ مَمْنُوعٌ، ثُمَّ لَمَّا أَبْطَلَ الِاسْتِدْلَالَاتِ الْمَذْكُورَةَ قَالَ (وَالِاسْتِدْلَالُ الصَّحِيحُ عَلَى مَذْهَبِنَا أَنَّ مَنْ نَذَرَ بِصَوْمِ شَهْرٍ، ثُمَّ ارْتَدَّ، ثُمَّ أَسْلَمَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ) فَعُلِمَ أَنَّ الرِّدَّةَ تُبْطِلُ وُجُوبَ أَدَاءِ الْعِبَادَاتِ. (فَصْلٌ وَالنَّهْيُ إمَّا عَنْ الْحِسِّيَّاتِ كَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ) الْمُرَادُ بِالْحِسِّيَّاتِ مَا لَهَا وُجُودٌ حِسِّيٌّ فَقَطْ، وَالْمُرَادُ بِالشَّرْعِيَّاتِ مَا لَهَا وُجُودٌ شَرْعِيٌّ مَعَ الْوُجُودِ الْحِسِّيِّ كَالْبَيْعِ، فَإِنَّ لَهُ وُجُودًا حِسِّيًّا، فَإِنَّ الْإِيجَابَ وَالْقَبُولَ مَوْجُودَانِ حِسًّا، وَمَعَ هَذَا الْوُجُودِ الْحِسِّيِّ لَهُ وُجُودٌ شَرْعِيٌّ، فَإِنَّ الشَّرْعَ يَحْكُمُ بِأَنَّ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولَ الْمَوْجُودَيْنِ حِسًّا يَرْتَبِطَانِ ارْتِبَاطًا حُكْمِيًّا فَيَحْصُلُ مَعْنًى شَرْعِيٌّ يَكُونُ مِلْكُ الْمُشْتَرِي أَثَرًا لَهُ فَذَلِكَ الْمَعْنَى هُوَ الْبَيْعُ حَتَّى إذَا وُجِدَ الْإِيجَابُ، وَالْقَبُولُ فِي غَيْرِ الْمَحَلِّ لَا يَعْتَبِرُهُ الشَّرْعُ بَيْعًا، وَإِذَا وُجِدَ مَعَ الْخِيَارِ يَحْكُمُ الشَّرْعُ بِوُجُودِ الْبَيْعِ بِلَا تَرَتُّبِ الْمِلْكِ عَلَيْهِ فَيَثْبُتُ الْوُجُودُ الشَّرْعِيُّ. (فَيَقْتَضِي الْقُبْحَ لِعَيْنِهِ اتِّفَاقًا ــ [التلويح] الْعِبَادَاتِ مِنْ الْإِيمَانِ. (قَوْلُهُ وَالِاسْتِدْلَالُ الصَّحِيحُ) لَا يُقَالُ إنَّهُ خَرَجَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] ؛ لِأَنَّا نَقُولُ هَذَا فِي السَّيِّئَاتِ، وَنَذْرُ الصَّوْمِ مِنْ الْحَسَنَاتِ، وَقَدْ يُقَالُ إنَّ النَّذْرَ مِنْ الْأَعْمَالِ فَيَبْطُلُ بِالرِّدَّةِ. [فَصْلٌ النَّهْيُ إمَّا عَنْ الْحِسِّيَّاتِ وَإِمَّا عَنْ الشَّرْعِيَّاتِ] (قَوْلُهُ فَصْلٌ) النَّهْيُ هُوَ قَوْلُ الْقَائِلِ لَا تَفْعَلْ اسْتِعْلَاءً أَوْ طَلَبُ تَرْكِ الْفِعْلِ أَوْ طَلَبُ كَفٍّ عَنْ الْفِعْلِ اسْتِعْلَاءً، وَالْخِلَافُ فِي أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي التَّحْرِيمِ أَوْ الْكَرَاهَةِ أَوْ فِيهِمَا اشْتِرَاكًا لَفْظِيًّا أَوْ مَعْنَوِيًّا كَمَا سَبَقَ فِي الْأَمْرِ، ثُمَّ النَّهْيُ الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ دُونَ اعْتِقَادَاتِهِمْ إمَّا أَنْ يَكُونَ نَهْيًا عَنْ فِعْلٍ حِسِّيٍّ أَوْ شَرْعِيٍّ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا إمَّا أَنْ يَكُونَ مُطْلَقًا أَوْ مَعَ قَرِينَةٍ دَالَّةٍ عَلَى أَنَّ الْقُبْحَ لِعَيْنِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ فَالْمَقْصُودُ بَيَانُ حُكْمِ الْمُطْلَقِ، وَفُسِّرَ الشَّرْعِيُّ بِمَا يَتَوَقَّفُ تَحَقُّقُهُ عَلَى الشَّرْعِيِّ وَالْحِسِّيِّ بِخِلَافِهِ، وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ مِثْلَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالْبَيْعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ يَتَحَقَّقُ مِنْ الْمُكَلَّفِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى الشَّرْعِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُسْتَغْنِيَ عَنْ الشَّرْعِ هُوَ نَفْسُ الْفِعْلِ، وَأَمَّا مَعَ وَصْفِ كَوْنِهِ عِبَادَةً أَوْ عُقِدَ مَخْصُوصًا يَتَوَقَّفُ عَلَى شَرَائِطَ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَحْكَامٌ فَلَا يَتَحَقَّقُ بِدُونِ الشَّرْعِ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْمُتَوَقِّفَ عَلَى الشَّرْعِ حِينَئِذٍ هُوَ وَصْفُ كَوْنِهِ عِبَادَةً وَنَحْوَ ذَلِكَ فَفِي الْحِسِّيَّاتِ أَيْضًا وَصْفُ كَوْنِ الزِّنَا أَوْ الشُّرْبِ مَعْصِيَةً لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِالشُّرْبِ، فَفَسَّرَهُ الْمُصَنِّفُ بِمَا يَكُونُ لَهُ مَعَ تَحَقُّقِهِ الْحِسِّيِّ تَحَقُّقَ شَرْعِيٍّ بِأَرْكَانٍ وَشَرَائِطَ مَخْصُوصَةٍ اعْتَبَرَهَا الشَّارِعُ بِحَيْثُ لَوْ انْتَفَى بَعْضُهَا لَمْ يَجْعَلْهُ الشَّارِعُ ذَلِكَ الْفِعْلَ وَلَمْ يَحْكُمْ بِتَحَقُّقِهِ كَالصَّلَاةِ بِلَا طَهَارَةٍ وَالْبَيْعِ الْوَارِدِ عَلَى مَا لَيْسَ بِمَحَلٍّ، وَإِنْ وُجِدَ الْفِعْلُ الْحِسِّيُّ مِنْ الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ وَالْإِيجَابِ

стр. 414

إلَّا بِدَلِيلِ أَنَّ النَّهْيَ لِقُبْحِ غَيْرِهِ فَهُوَ إنْ كَانَ وَصْفًا فَكَالْأَوَّلِ لَا إنْ كَانَ مُجَاوِرًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] وَأَمَّا عَنْ الشَّرْعِيَّاتِ كَالصَّوْمِ وَالْبَيْعِ فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هُوَ كَالْأَوَّلِ، وَعِنْدَنَا يَقْتَضِي الْقُبْحَ لِغَيْرِهِ فَيَصِحُّ وَيُشْرَعُ بِأَصْلِهِ إلَّا بِدَلِيلِ أَنَّ النَّهْيَ لِلْقُبْحِ لِعَيْنِهِ، ثُمَّ إنَّ الْقُبْحَ لِعَيْنِهِ بَاطِلٌ اتِّفَاقًا) اعْلَمْ أَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الْقُبْحَ، وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا لَفْظَ الِاقْتِضَاءِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا يَنْهَى عَنْ الشَّيْءِ لِقُبْحِهِ لَا أَنَّ النَّهْيَ يُثْبِتُ الْقُبْحَ، فَإِنْ كَانَ النَّهْيُ عَنْ الْحِسِّيَّاتِ يَقْتَضِي الْقُبْحَ لِعَيْنِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنْ يَكُونَ عَيْنُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ قَبِيحًا لَا غَيْرُهُ فَقُبْحُ عَيْنِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ إمَّا لِقُبْحِ جَمِيعِ أَجْزَائِهِ أَوْ بَعْضِ أَجْزَائِهِ، فَالْقُبْحُ لِبَعْضِ أَجْزَائِهِ دَاخِلٌ فِي الْقُبْحِ لِعَيْنِهِ، فَإِذَا كَانَ الْأَصْلُ أَنْ يَكُونَ قَبِيحًا لِعَيْنِهِ لَا يُصْرَفُ عَنْهُ إلَّا إذَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْهُ لِغَيْرِهِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ قَبِيحًا لِغَيْرِهِ، ثُمَّ ذَلِكَ الْغَيْرُ إنْ كَانَ وَصْفًا فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْقَبِيحِ لِعَيْنِهِ، وَهُوَ مُلْحَقٌ بِالْقِسْمِ الْأَوَّلِ إلَّا أَنَّ الْقِسْمَ الْأَوَّلَ حَرَامٌ لِعَيْنِهِ، وَهَذَا حَرَامٌ لِغَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ مُجَاوِرًا لَا يُلْحَقُ بِالْقِسْمِ الْأَوَّلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] دَلَّ الدَّلِيلُ ــ [التلويح] وَالْقَبُولِ، وَقَدْ يُقَالُ إنَّ الْفِعْلَ إنْ كَانَ مَوْضُوعًا فِي الشَّرْعِ لِحُكْمٍ مَطْلُوبٍ فَشَرْعِيٌّ وَإِلَّا فَحِسِّيٌّ. (قَوْلُهُ يَقْتَضِي الْقُبْحَ لِعَيْنِهِ) أَشَارَ بِلَفْظِ الِاقْتِضَاءِ إلَى أَنَّ الْقُبْحَ لَازِمٌ مُتَقَدِّمٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَكُونُ قَبِيحًا فَيَنْهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ لَا أَنَّ النَّهْيَ يُوجِبُ قُبْحَهُ كَمَا هُوَ رَأْيُ الْأَشْعَرِيِّ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الْفِعْلِ الْحِسِّيِّ يُحْمَلُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ عَلَى الْقُبْحِ لِعَيْنِهِ أَيْ لِذَاتِهِ أَوْ لِجُزْئِهِ، بِوَاسِطَةِ الْقَرِينَةِ يُحْمَلُ عَلَى الْقَبِيحِ لِغَيْرِهِ فَذَلِكَ الْغَيْرِ إنْ كَانَ وَصْفًا، قَائِمًا بِالْمَنْهِيِّ عَنْهُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْقَبِيحِ لِعَيْنِهِ، وَإِنْ كَانَ مُجَاوِرًا مُنْفَصِلًا عَنْهُ فَلَا، وَالنَّهْيُ عَنْ الْفِعْلِ الشَّرْعِيِّ يُحْمَلُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ عَلَى الْقَبِيحِ لِغَيْرِهِ بِوَاسِطَةِ الْقَرِينَةِ عَلَى الْقَبِيحِ لِعَيْنِهِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِالْعَكْسِ، وَثَمَرَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ هَلْ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْأَحْكَامُ أَمْ لَا فَالْحَاصِلُ أَنَّ الشَّارِعَ وَضَعَ بَعْضَ أَفْعَالِ الْمُكَلَّفِ لِأَحْكَامٍ مَقْصُودَةٍ كَالصَّوْمِ لِلثَّوَابِ وَالْبَيْعِ لِلْمِلْكِ، وَقَدْ نَهَى عَنْ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ فَهَلْ بَقِيَ فِي تِلْكَ الْمَوَاضِعِ ذَلِكَ الْوَضْعُ الشَّرْعِيُّ حَتَّى يَكُونَ الصَّوْمُ فِي يَوْمِ الْعِيدِ مَنَاطًا لِلثَّوَابِ، وَالْبَيْعُ الْفَاسِدُ سَبَبًا لِلْمِلْكِ أَوْ ارْتَفَعَ ذَلِكَ الْوَضْعُ فِيهَا فَمَنْ حَكَمَ بِارْتِفَاعِ الْوَضْعِ جَعَلَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ قَبِيحًا لِعَيْنِهِ وَمَنْ لَا فَلَا لِتَنَافِي الْوَضْعِ الشَّرْعِيِّ وَالْقُبْحُ الذَّاتِيُّ ثُمَّ الْفِعْلُ الشَّرْعِيُّ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ إنْ دَلَّ عَلَى أَنَّ قُبْحَهُ لِعَيْنِهِ فَبَاطِلٌ، وَإِنْ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لِغَيْرِهِ فَذَلِكَ الْغَيْرُ إنْ كَانَ مُجَاوِرًا فَهُوَ صَحِيحٌ مَكْرُوهٌ، وَإِنْ كَانَ وَصْفًا فَفَاسِدٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَبَاطِلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَإِنْ لَمْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ قُبْحَهُ لِعَيْنِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ فَبَاطِلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - حَتَّى لَا يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْأَحْكَامُ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَصِحُّ بِأَصْلِهِ لَكِنْ لَا يَفْسُدُ بِوَصْفِهِ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الْقُبْحَ لِوَصْفِهِ. (قَوْلُهُ قُلْنَا: حَقِيقَةُ النَّهْيِ) أَصْلُ هَذَا الدَّلِيلِ مَا قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -

стр. 415

عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الْقُرْبَانِ لِلْمُجَاوِرِ، وَهُوَ الْأَذَى حَتَّى إنْ قَرِبَهَا وَوُجِدَ الْعُلُوقُ يَثْبُتُ النَّسَبُ اتِّفَاقًا، وَإِنْ كَانَ النَّهْيُ عَنْ الشَّرْعِيَّاتِ فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هُوَ كَالْأَوَّلِ أَيْ يَقْتَضِي الْقُبْحَ لِعَيْنِهِ إلَّا إذَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ لِلْقُبْحِ لِغَيْرِهِ، وَعِنْدَنَا يَقْتَضِي الْقُبْحَ لِغَيْرِهِ، وَالصِّحَّةُ وَالْمَشْرُوعِيَّةُ بِأَصْلِهِ إلَّا إذَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ لِلْقُبْحِ لِعَيْنِهِ، ثُمَّ كُلُّ مَا هُوَ قَبِيحٌ لِعَيْنِهِ بَاطِلٌ اتِّفَاقًا، وَإِنَّمَا أَوْرَدْنَا لِلشَّرْعِيَّاتِ نَظِيرَيْنِ الصَّوْمَ وَالْبَيْعَ لِيُعْلَمَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بَيْنَ الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ وَهُوَ يَقُولُ لَا صِحَّةَ لَهَا أَيْ لِلشَّرْعِيَّاتِ (شَرْعًا إلَّا وَأَنْ تَكُونَ مَشْرُوعَةً، وَلَا تَكُونُ مَشْرُوعَةً مَعَ نَهْيِ الشَّرْعِ عَنْهَا إذْ أَدْنَى دَرَجَاتِ الْمَشْرُوعِيَّةِ الْإِبَاحَةُ، وَقَدْ انْتَفَتْ، وَلِأَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الْقُبْحَ وَهُوَ يُنَافِي الْمَشْرُوعِيَّةَ) اعْلَمْ أَنَّ الْخِلَافَ بَيْنَنَا، وَبَيْنَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي أَمْرَيْنِ أَوَّلُهُمَا أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الشَّرْعِيَّاتِ بِلَا قَرِينَةٍ أَصْلًا يَقْتَضِي الْقُبْحَ لِعَيْنِهِ عِنْدَهُ، وَفَائِدَتُهُ أَنْ يَكُونَ التَّصَرُّفُ بَاطِلًا، وَعِنْدَنَا يَقْتَضِي الْقُبْحَ لِغَيْرِهِ وَالصِّحَّةَ بِأَصْلِهِ، وَثَانِيهِمَا أَنَّهُ إذَا وُجِدَتْ الْقَرِينَةُ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ بِسَبَبِ الْقُبْحِ لِغَيْرِهِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ الْغَيْرُ وَصْفًا، فَإِنَّهُ بَاطِلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَعِنْدَنَا يَكُونُ صَحِيحًا ــ [التلويح] فِي بَابِ الرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الطَّلَاقَ لِغَيْرِ السُّنَّةِ لَا يَقَعُ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ «نَهَى عَنْ صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ» أَنَهَانَا عَمَّا يَتَكَوَّنُ أَوْ عَمَّا لَا يَتَكَوَّنُ، وَالنَّهْيُ عَمَّا لَا يَتَكَوَّنُ لَغْوٌ إذْ لَا يُقَالُ لِلْأَعْمَى لَا تُبْصِرْ وَلِلْآدَمِيِّ لَا تَطِرْ وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُتَصَوَّرَ الْوُجُودِ بِحَيْثُ لَوْ أَقْدَمَ عَلَيْهِ لَوُجِدَ حَتَّى يَكُونَ الْعَبْدُ مُبْتَلًى بَيْنَ أَنْ يُقْدِمَ عَلَى الْفِعْلِ فَيُعَاقَبَ بِإِقْدَامِهِ وَبَيْنَ أَنْ يَكُفَّ عَنْ الْفِعْلِ فَيُثَابَ بِامْتِنَاعِهِ، بِخِلَافِ النَّسْخِ فَإِنَّهُ لِبَيَانِ أَنَّ الْفِعْلَ لَمْ يَبْقَ مُتَصَوَّرَ الْوُجُودِ شَرْعًا كَالتَّوَجُّهِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَحِلِّ الْأَخَوَاتِ، وَذَكَرَ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى أَنَّ مِثْلَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْبَيْعِ فِي الْأَوَامِرِ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الْمَعَانِي الشَّرْعِيَّةِ دُونَ اللُّغَوِيَّةِ لِلْعُرْفِ الطَّارِئِ وَمَا وَجَدْنَا ذَلِكَ الْعُرْفَ فِي النَّوَاهِي فَبَقِيَ عَلَى أَصْلِ الْوَضْعِ مِنْ الْمَعَانِي اللُّغَوِيَّةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء: ٢٢] وَقَوْلِهِ ﵊ «دَعِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِكِ» ، فَإِنَّهُ فِي مَعْنَى النَّهْيِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ إمْكَانَ الْفِعْلِ بِاعْتِبَارِ اللُّغَةِ كَافٍ فِي النَّهْيِ، وَلَا نُسَلِّمُ احْتِيَاجَهُ إلَى إمْكَانِ الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ، وَجَوَابُهُ ظَاهِرٌ وَهُوَ الْقَطْعُ بِأَنَّ الْحَائِضَ إنَّمَا نُهِيَتْ عَمَّا سَمَّاهُ الشَّرْعُ صَوْمًا وَصَلَاةً لَا عَنْ نَفْسِ الْإِمْسَاكِ وَالدُّعَاءِ وَالْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَصَّلَ الْكَلَامَ بَعْضَ التَّفْصِيلِ، وَحَاوَلَ الرَّدَّ فِي الْبَيْعِ الَّذِي مَعْنَاهُ اللُّغَوِيُّ قَرِيبٌ مِنْ مَعْنَاهُ الشَّرْعِيِّ، وَذَكَرَ صَاحِبُ الْقَوَاطِعِ أَنَّ وُجُودَ الْفِعْلِ الْمَشْرُوعِ بِأَمْرَيْنِ بِفِعْلِ الْعَبْدِ وَبِإِطْلَاقِ الشَّرْعِ فَبِالنَّهْيِ امْتَنَعَ الْإِطْلَاقُ فَلَمْ يَبْقَ مَشْرُوعًا لَكِنَّ تَصَوُّرَ الْفِعْلِ مِنْ الْعَبْدِ بَاقٍ عَلَى حَالِهِ فَيَصِحُّ النَّهْيُ

стр. 416

بِأَصْلِهِ لَا بِوَصْفِهِ وَنُسَمِّيهِ فَاسِدًا، وَهَذَا الْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ الْأَوَّلِ، وَسَيَجِيءُ هَذَا الْخِلَافُ فِي هَذَا الْفَصْلِ، وَالدَّلِيلَانِ الْمَذْكُورَانِ فِي الْمَتْنِ يَدُلَّانِ عَلَى مَذْهَبِهِ فِي الْخِلَافِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ كَوْنُ التَّصَرُّفِ بَاطِلًا. (قُلْنَا حَقِيقَةُ النَّهْيِ تُوجِبُ كَوْنَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ مُمْكِنًا فَيُثَابُ بِالِامْتِنَاعِ عَنْهُ، وَيُعَاقَبُ بِفِعْلِهِ، وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُسْتَحِيلِ عَبَثٌ) هَذَا هُوَ الدَّلِيلُ الْمَشْهُورُ لِأَصْحَابِنَا عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الشَّرْعِيَّاتِ يَقْتَضِي الصِّحَّةَ، وَقَدْ أَوْرَدَ الْخَصْمُ عَلَيْهِمْ أَنَّ إمْكَانَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ كَافٍ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُمْكِنًا بِالْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ فَأَجَبْت عَنْ هَذَا بِقَوْلِي (فَإِمْكَانُهُ إمَّا بِحَسَبِ الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ أَوْ اللُّغَوِيِّ، وَالثَّانِي بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى اللُّغَوِيَّ لَا يُوجِبُ الْمَفْسَدَةَ الَّتِي نَهَى لِأَجْلِهَا حَتَّى لَوْ وَجَبَ يَكُونُ النَّهْيُ عَنْ الْحِسِّيَّاتِ، وَلَا نِزَاعَ فِيهِ فَتَعَيَّنَ الْأَوَّلُ) تَحْقِيقُهُ أَنَّهُ إذَا نَهَى عَنْ بَيْعِ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ فَهُنَا أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا أَمْرٌ لَغَوِيٌّ مِنْ غَيْرِ الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ الَّذِي ذَكَرْنَا، وَهُوَ قَوْلُهُمَا بِعْت وَاشْتَرَيْت، وَهَذَا أَمْرٌ حِسِّيٌّ، وَالثَّانِي هَذَا الْقَوْلُ مَعَ الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ الْمَذْكُورِ، وَهَذَا هُوَ الْبَيْعُ الشَّرْعِيُّ، فَإِنْ كَانَ النَّهْيُ عَنْ الْأَمْرِ الْأَوَّلِ يَكُونُ النَّهْيُ عَنْ الْحِسِّيَّاتِ، وَحِينَئِذٍ إنْ كَانَتْ الْمَفْسَدَةُ الَّتِي نَهَى لِأَجْلِهَا فِي نَفْسِ هَذَا الْقَوْلِ مِنْ حَيْثُ هُوَ الْقَوْلُ فَلَا نِزَاعَ فِي كَوْنِهِ بَاطِلًا لَكِنَّ الْوَاقِعَ لَيْسَ هَذَا الْقِسْمَ؛ لِأَنَّ الْمَفْسَدَةَ لَيْسَتْ فِي نَفْسِ هَذَا الْقَوْلِ، وَهُوَ بِعْت هَذَا ــ [التلويح] بِنَاءً عَلَيْهِ مَثَلًا أَنَّ الْعَبْدَ مَأْمُورٌ بِالصَّوْمِ وَلَيْسَ فِي وُسْعِهِ إلَّا الْإِمْسَاكُ مَعَ النِّيَّةِ فِي النَّهَارِ، فَأَمَّا صَيْرُورَتُهُ عِبَادَةً فَإِلَى الشَّارِعِ فَفِي يَوْمِ النَّحْرِ لَمَّا زَالَ إذْنُ الشَّارِعِ لَمْ يَبْقَ صَوْمًا مَشْرُوعًا مَعَ بَقَاءِ تَصَوُّرِ الْفِعْلِ مِنْ الْعَبْدِ، وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ النَّهْيَ وَرَدَ عَنْ مُطْلَقِ الصَّوْمِ فَيُحْمَلُ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَالْفِعْلُ الْمَخْصُوصُ بِدُونِ اعْتِبَارِ الشَّرْعِ لَا يُسَمَّى صَوْمًا كَالْإِمْسَاكِ مَعَ النِّيَّةِ فِي اللَّيْلِ، وَجَوَابُهُ أَنَّهُ لَا حَقِيقَةَ لِلصَّوْمِ شَرْعًا إلَّا الْإِمْسَاكُ مِنْ الْفَجْرِ إلَى الْمَغْرِبِ مَعَ النِّيَّةِ، وَهَذَا مُتَصَوَّرٌ مِنْ الْعَبْدِ، وَقَدْ نَهَاهُ الشَّارِعُ عَنْهُ حَتَّى صَارَ يَوْمُ النَّحْرِ بِمَنْزِلَةِ اللَّيْلِ فَلَا يَكُونُ عِبَادَةً يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الثَّوَابُ، وَحَاصِلُ الِاسْتِدْلَالِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ النَّهْيَ لَوْ لَمْ يَدُلَّ عَلَى الصِّحَّةِ لَكَانَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ غَيْرَ الشَّرْعِيِّ أَيْ غَيْرَ الْمُعْتَبَرِ فِي الشَّرْعِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعِيَّ الْمُعْتَبَرَ هُوَ الصَّحِيحُ وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّا نَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ فِي صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ وَصَلَاةِ الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ إنَّمَا هُوَ الصَّوْمُ، وَالصَّلَاةُ الشَّرْعِيَّانِ لَا الْإِمْسَاكُ وَالدُّعَاءُ، وَثَانِيهِمَا أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا لَكَانَ مُمْتَنِعًا فَلَا يُمْنَعُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ عَنْ الْمُمْتَنِعِ عَبَثٌ، وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ الشَّرْعِيَّ لَيْسَ مَعْنَاهُ الْمُعْتَبَرَ شَرْعًا بَلْ مَا يُسَمِّيهِ الشَّارِعُ بِذَلِكَ الِاسْمِ، وَهُوَ الصُّورَةُ الْمَعْنِيَّةُ، وَالْحَالَةُ الْمَخْصُوصَةُ صَحَّتْ أَمْ لَا نَقُولُ صَلَاةٌ صَحِيحَةٌ وَصَلَاةٌ غَيْرُ صَحِيحَةٍ، وَصَلَاةُ الْجُنُبِ، وَصَلَاةُ الْحَائِضِ بَاطِلَةٌ، وَعَنْ الثَّانِي أَنَّهُ مُمْتَنِعٌ بِهَذَا الْمَعْنَى، وَإِنَّمَا الْمُحَالُ مَنْعُ الْمُمْتَنِعِ بِغَيْرِ هَذَا الْمَعْنَى كَالْحَاصِلِ يَمْتَنِعُ تَحْصِيلُهُ إذَا كَانَ حَاصِلًا بِغَيْرِ هَذَا

стр. 417

الدِّرْهَمَ بِدِرْهَمَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ الْمَفْسَدَةُ فِي غَيْرِ هَذَا الْقَوْلِ الْحِسِّيِّ لَا يَكُونُ هَذَا الْقَوْلُ قَبِيحًا لِعَيْنِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] وَإِنْ كَانَ النَّهْيُ عَنْ الْأَمْرِ الثَّانِي، يَجِبُ إمْكَانُهُ بِحَسَبِ الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ فَلَا يَكُونُ النَّهْيُ لِلْقُبْحِ لِذَاتِهِ أَوْ لِجُزْئِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُنَافِي إمْكَانَ وُجُودِهِ شَرْعًا فَيَكُونُ لِقُبْحِ أَمْرٍ خَارِجِيٍّ، وَأَيْضًا إذَا اجْتَمَعَ الْمَوْضُوعُ لَهُ لُغَةً، وَشَرْعًا لَا بُدَّ مِنْ حَمْلِ اللَّفْظِ عَلَى الْمَوْضُوعِ لَهُ الشَّرْعِيِّ فَيَجِبُ الْإِمْكَانُ بِالْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ، فَإِنْ قِيلَ النَّهْيُ عَنْ الْبَيْعِ مَثَلًا لَيْسَ إلَّا عَنْ التَّصَرُّفِ الْحِسِّيِّ فَأَمَّا الْمَعْنَى الشَّرْعِيُّ فَلَا قُدْرَةَ لِلْعَبْدِ عَلَيْهِ فَكَيْفَ يَصِحُّ النَّهْيُ عَنْهُ قُلْنَا الشَّارِعُ قَدْ وَضَعَ اللَّفْظَ لِإِنْشَاءِ الْبَيْعِ بِمَعْنَى أَنَّهُ كُلَّمَا وُجِدَ هَذَا اللَّفْظُ مِنْ الْأَهْلِ مُضَافًا إلَى الْمَحَلِّ يُوجَدُ إنْشَاءُ الْبَيْعِ الشَّرْعِيِّ قَطْعًا فَالْقُدْرَةُ حَاصِلَةٌ عَلَى إنْشَاءِ الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ بِأَنْ يَتَكَلَّمَ بِاللَّفْظِ الْمَوْضُوعِ لَهُ مُضَافًا إلَى الْمَحَلِّ الصَّالِحِ لَهُ، فَإِذَا كَانَ الْمَعْنَى الشَّرْعِيُّ مَقْدُورًا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَنْهِيًّا عَنْهُ، ثُمَّ بِتَبَعِيَّةِ هَذَا النَّهْيِ يَكُونُ التَّكَلُّمُ بِاللَّفْظِ مَنْهِيًّا عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ إنْ تَكَلَّمَ بِهِ يُثْبِتُ بِهِ مَا هُوَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ وَهُوَ الْإِنْشَاءُ فَإِذَا تَكَلَّمَ بِهِ ثَبَتَ الْمَعْنَى الْمَوْضُوعُ لَهُ، وَهُوَ الْإِنْشَاءُ الشَّرْعِيُّ، وَنَظِيرُهُ الطَّلَاقُ فِي حَالَةِ الْحَيْضِ (وَلِأَنَّ النَّهْيَ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ مَعْصِيَةً لَا عَلَى كَوْنِهِ غَيْرَ مُفِيدٍ لِحُكْمِهِ كَالْمِلْكِ مَثَلًا فَنَقُولُ بِصِحَّتِهِ لِإِبَاحَتِهِ، وَالْقُبْحُ مُقْتَضَى النَّهْيِ فَلَا يَثْبُتُ ــ [التلويح] التَّحْصِيلِ. ١ - (قَوْلُهُ وَلِأَنَّ النَّهْيَ) جَوَابٌ عَنْ كَلَامِ الْخَصْمِ لَا اسْتِدْلَالٌ عَلَى اقْتِضَاءِ النَّهْيِ الصِّحَّةَ، وَكَذَا قَوْلُهُ وَالْقُبْحُ مُقْتَضَى النَّهْيِ لَكِنَّهُ لَا يَصْلُحُ لِإِلْزَامِ الْخَصْمِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقُولُ بِالْقُبْحِ لِذَاتِهِ بَلْ الْفِعْلُ إنَّمَا يَحْسُنُ لِلْأَمْرِ، وَيَقْبُحُ لِلنَّهْيِ، وَحَاصِلُ الْكَلَامِ أَنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالصِّحَّةِ إمْكَانُ الْمَعْنَى الَّذِي يُسَمَّى فِي الشَّرْعِ بِالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَالْبَيْعِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَا نِزَاعَ فِيهِ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي الصِّحَّةِ بِمَعْنَى اسْتِحْقَاقِ الثَّوَابِ وَسُقُوطِ الْقَضَاءِ وَمُوَافَقَةِ أَمْرِ الشَّارِعِ وَتَرَتُّبِ الْآثَارِ عَلَيْهِ كَالْمِلْكِ، وَلَا دَلَالَةَ لِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْتُمْ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ. (قَوْلُهُ فَيَثْبُتُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ادَّعَيْنَاهُ) يَعْنِي أَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الْقُبْحَ، وَالْمَنْهِيَّ عَنْهُ يَقْتَضِي الْإِمْكَانَ، وَلَا بُدَّ مِنْ رِعَايَةِ الْأَمْرَيْنِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْقُبْحِ لِلْغَيْرِ، وَهُوَ لَا يُنَافِي الصِّحَّةَ فَيَكُونُ مُحَافَظَةً عَلَى الْمُقْتَضَى وَهُوَ الْقُبْحُ، وَعَلَى الْمُقْتَضِي وَهُوَ النَّهْيُ بِأَنْ لَا يَكُونَ نَهْيًا عَلَى الْمُسْتَحِيلِ، بِخِلَافِ مَا إذَا حُمِلَ الْقُبْحُ عَلَى الْقُبْحِ لِعَيْنِهِ، وَحُكِمَ بِبُطْلَانِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ إسْقَاطُ النَّهْيِ وَجَعْلُهُ لَغْوًا عَبَثًا. (قَوْلُهُ وَالْبَعْضُ سَلَّمُوا) ذَهَبَ الْمُتَكَلِّمُونَ وَالْجُبَّائِيُّ وَأَبُو هَاشِمٍ وَأَحْمَدُ وَمَالِكٌ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ إلَى عَدَمِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ، وَذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ إلَى أَنَّهَا لَا تَصِحُّ إلَّا أَنَّهُ قَالَ يَسْقُطُ الطَّلَبُ عِنْدَهَا؛ لَا بِهَا يَعْنِي لَا يَجِبُ الْقَضَاءُ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهَا تَصِحُّ اسْتَدَلَّ الْمَانِعُونَ بِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِتْيَانُ بِالْمَأْمُورِ بِهِ وَالْمَنْهِيِّ عَنْهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَأْمُورًا بِهِ لِتَضَادِّ الْأَمْرِ

стр. 418

عَلَى وَجْهٍ يُبْطِلُ النَّهْيَ) ، وَقَدْ ثَبَتَ فِيمَا مَضَى أَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي كَوْنَ الْمَأْمُورِ بِهِ حَسَنًا قَبْلَ الْأَمْرِ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي كَوْنَهُ قَبِيحًا قَبْلَهُ خِلَافًا لِلْأَشْعَرِيِّ، وَهَذَا مَعْنَى الِاقْتِضَاءِ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَثْبُتَ الْمُقْتَضَى عَلَى وَجْهٍ يُبْطِلُ الْمُقْتَضِيَ وَهُوَ النَّهْيُ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ قَبِيحًا لِعَيْنِهِ فِي الشَّرْعِيَّاتِ يَكُونُ بَاطِلًا أَيْ لَا يُمْكِنُ وُجُودُهُ شَرْعًا، وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُسْتَحِيلِ عَبَثٌ (فَيَثْبُتُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ادَّعَيْنَاهُ) ، وَهُوَ الْقُبْحُ لِغَيْرِهِ. (وَالْبَعْضُ سَلَّمُوا ذَلِكَ فِي الْمُعَامَلَاتِ لِمَا قُلْنَا لَا فِي الْعِبَادَاتِ أَصْلًا فَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ) اعْلَمْ أَنَّ أَبَا الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيَّ أَخَذَ فِي الْمُعَامَلَاتِ مَذْهَبَنَا عَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي يَأْتِي أَمَّا فِي الْعِبَادَاتِ فَمَذْهَبُهُ أَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الْبُطْلَانَ مُطْلَقًا، وَإِنْ كَانَ الدَّلِيلُ دَالًّا عَلَى أَنَّ النَّهْيَ بِسَبَبِ الْقُبْحِ فِي الْمُجَاوِرِ كَالصَّلَاةِ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ، فَإِنَّهَا بَاطِلَةٌ عِنْدَهُ، وَأَمَّا عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - صَحِيحَةٌ لَكِنْ عَلَى صِفَةِ الْكَرَاهَةِ (لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالْمَأْمُورِ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ قُلْنَا كُلُّ مُعَيَّنٍ يَأْتِي بِهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ بَلْ مُطْلَقُ الْفِعْلِ مَأْمُورٌ بِهِ لَكِنَّهُ يَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ بِإِتْيَانِهِ بِمُعَيَّنٍ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الْمَأْمُورِ بِهِ ذَاتًا وَالْمَنْهِيِّ عَنْهُ عَرَضًا، وَالْمَشْرُوعَاتُ تَحْتَمِلُ هَذَا الْوَصْفَ إجْمَاعًا كَالْإِحْرَامِ الْفَاسِدِ، وَالطَّلَاقِ الْحَرَامِ، وَالنِّكَاحِ الْحَرَامِ، وَنَحْوِهِمَا) وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِقَوْلِنَا ذَاتًا وَعَرَضًا؛ لِأَنَّهُ ــ [التلويح] وَالنَّهْيِ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ إنْ أُرِيدَ أَنَّهُ يَجِبُ الْإِتْيَانُ بِمَا هُوَ نَفْسُ مَفْهُومِ الْمَأْمُورِ بِهِ فَهُوَ مُحَالٌ إذْ الْمَأْتِيُّ بِهِ لَا يَكُونُ لَا مُعَيَّنًا، وَهُوَ غَيْرُ الْمَأْمُورِ بِهِ ضَرُورَةَ تَغَايُرِ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ، وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّهُ يَجِبُ الْإِتْيَانُ بِمَا هُوَ مِنْ جُزْئِيَّاتِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَإِفْرَادِهِ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ بِالْغَيْرِ لَا يَكُونُ مِنْ جُزْئِيَّاتِ الْمَأْمُورِ بِهِ قَوْلُهُ هُمَا مُتَضَادَّانِ قُلْنَا: التَّضَادُّ إنَّمَا هُوَ بَيْنَ الْمَأْمُورِ بِهِ وَالْمَنْهِيِّ عَنْهُ لِذَاتِهِ، وَأَمَّا الْمَأْمُورُ بِهِ بِالذَّاتِ وَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ بِالْعَرَضِ فَلَا نُسَلِّمُ تَضَادَّهُمَا، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ الِامْتِنَاعُ لَوْ اتَّحَدَ جِهَتَا الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يَجِبُ هَذَا الْفِعْلُ لِكَوْنِهِ صَلَاةً، وَيَحْرُمُ لِكَوْنِهِ غَصْبًا كَالسَّيِّدِ إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ خِطْ هَذَا الثَّوْبَ وَلَا تَخِطْهُ فِي هَذَا الْمَكَانِ فَلَوْ خَاطَهُ فِيهِ يُعَدُّ مُمْتَثِلًا بِالْخِيَاطَةِ وَعَاصِيًا لِكَوْنِهِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ. (قَوْلُهُ فَهَذَا الْجُزْءُ الْقَبِيحُ يَكُونُ قَبِيحًا لِعَيْنِهِ) أَيْ مُنْتَهِيًا إلَيْهِ إذْ لَوْ كَانَ قَبِيحًا لِجُزْئِهِ يُنْقَلُ الْكَلَامُ إلَيْهِ، وَيَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ أَيْ وُجُودُ أَجْزَاءٍ غَيْرِ مُتَنَاهِيَةٍ لِأَمْرٍ مَوْجُودٍ أَتَى بِهِ الْمُكَلَّفُ، فَإِنْ قِيلَ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قُبْحُ ذَلِكَ الْجُزْءِ لِأَمْرٍ خَارِجٍ عَنْهُ قُلْنَا: لِأَنَّ ذَلِكَ الْخَارِجَ إنْ كَانَ خَارِجًا عَنْ الْكُلِّ أَيْضًا لَا يَكُونُ هَذَا مِنْ قَبِيلِ الْقَبِيحِ لِجُزْئِهِ، وَإِنْ كَانَ دَاخِلًا فِيهِ يُنْقَلُ الْكَلَامُ إلَى قُبْحِهِ. (قَوْلُهُ فَعُلِمَ مِنْ هَذَا) قَدْ سَبَقَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي الْحُسْنِ، فَإِنْ قِيلَ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَسَنًا لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ وَقَبِيحًا لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ بِأَنْ يَتَرَكَّبَ عَنْ جُزْأَيْنِ أَحَدُهُمَا حَسَنٌ لِعَيْنِهِ، وَالْآخَرُ قَبِيحٌ لِعَيْنِهِ.؟ قُلْنَا: هُوَ جَائِزٌ إلَّا أَنَّ مِثْلَهُ قَبِيحٌ

стр. 419

بِالتَّقْسِيمِ الْعَقْلِيِّ إمَّا أَنْ يَكُونَ مَأْمُورًا بِهِ لِذَاتِهِ، وَمَنْهِيًّا عَنْهُ لِذَاتِهِ أَوْ مَأْمُورًا بِهِ بِالْعَرَضِ، وَمَنْهِيًّا عَنْهُ بِالْعَرَضِ، أَوْ مَأْمُورًا بِهِ بِالذَّاتِ، وَمَنْهِيًّا عَنْهُ بِالْعَرَضِ أَوْ بِالْعَكْسِ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَمُحَالٌ؛ لِأَنَّهُ إمَّا بِحَسَبِ عَيْنِهِ فَيُوجِبُ أَنْ يَكُونَ حَسَنًا لِعَيْنِهِ وَقَبِيحًا لِعَيْنِهِ فَيَجْتَمِعُ الضِّدَّانِ وَأَمَّا بِحَسَبِ جُزْئِهِ فَهَذَا الْجُزْءُ الْقَبِيحُ يَكُونُ قَبِيحًا لِعَيْنِهِ قَطْعًا لِلتَّسَلْسُلِ فَيَكُونُ بَاطِلًا فَلَا يَتَحَقَّقُ الْكُلُّ فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْقَبِيحَ لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَبِيحًا لِجُزْءٍ وَاحِدٍ، وَأَمَّا الْحَسَنُ لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ فَلَا يُتَصَوَّرُ إلَّا وَأَنْ يَكُونَ جَمِيعُ أَجْزَائِهِ حَسَنًا أَيْ لَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنْ أَجْزَائِهِ قَبِيحًا لِعَيْنِهِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ يَقْتَضِي الْحُسْنَ لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ فَلَا يَتَأَدَّى بِمَا هُوَ مَأْمُورٌ بِهِ بِالْعَرْضِ؛ لِأَنَّ هَذَا حَسَنٌ لِغَيْرِهِ فَلَا يَتَأَدَّى بِهِ الْمَأْمُورُ بِهِ فَهَذَا الْقِسْمُ مُمْكِنٌ بَلْ وَاقِعٌ لَكِنْ لَا يَتَأَدَّى بِهِ الْمَأْمُورُ بِهِ أَمْرًا مُطْلَقًا، وَأَمَّا الرَّابِعُ وَهُوَ الْعَكْسُ فَيَكُونُ بَاطِلًا لَا يَتَأَدَّى بِهِ الْمَأْمُورُ بِهِ فَبَقِيَ الْقِسْمُ الثَّالِثُ وَهُوَ الْمُدَّعَى، ثُمَّ يَرِدُ عَلَيْنَا إشْكَالٌ، وَهُوَ أَنَّكُمْ قَدْ اخْتَرَعْتُمْ نَوْعًا مِنْ الْحُكْمِ لَا نَظِيرَ لَهُ فِي الْمَشْرُوعَاتِ فَيَكُونُ نَصْبُ الشَّرْعِ بِالرَّأْيِ فَنَقُولُ فِي جَوَابِهِ الْمَشْرُوعَاتُ تَحْتَمِلُ هَذَا الْوَصْفَ أَيْ كَوْنَهُ حَسَنًا لِعَيْنِهِ قَبِيحًا لِغَيْرِهِ، وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى كَوْنَهُ مَأْمُورًا بِهِ لِذَاتِهِ مَنْهِيًّا عَنْهُ لِعَارِضٍ، وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى كَوْنَهُ صَحِيحًا وَمَشْرُوعًا بِأَصْلِهِ ــ [التلويح] لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ بِحَسَبِ الشَّرْعِ وَالْعَقْلِ إذْ الْحُسْنُ شَرْعًا وَعَقْلًا مَا يَكُونُ حَسَنًا بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ؛ لِأَنَّ الْحُسْنَ بِمَنْزِلَةِ الْوُجُودِ وَالْقَبِيحَ بِمَنْزِلَةِ الْعَدَمِ، وَوُجُودُ الْمُرَكَّبِ يَفْتَقِرُ إلَى وُجُودِ جَمِيعِ الْأَجْزَاءِ، بِخِلَافِ الْعَدَمِ. (قَوْلُهُ بَلْ وَاقِعٌ) كَالطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ الْمَغْصُوبِ فَلَوْ كَانَتْ الطَّهَارَةُ مَأْمُورًا بِهَا أَمْرًا مُطْلَقًا أَيْ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ عَلَى أَنَّهَا مَطْلُوبَةٌ لِلْغَيْرِ لِمَا تَأَدَّى بِهَا الْمَأْمُورُ بِهِ. (قَوْلُهُ وَأَمَّا الرَّابِعُ) هُوَ مَا يَكُونُ مَنْهِيًّا عَنْهُ لِذَاتِهِ وَمَأْمُورًا بِهِ بِالْعَرَضِ فَلَا يَتَأَدَّى بِهِ الْمَأْمُورُ بِهِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي الْحُسْنَ لِذَاتِهِ. (قَوْلُهُ وَعِنْدَهُ) أَيْ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْبَاطِلُ وَالْفَاسِدُ عِبَارَتَانِ عَمَّا يُقَابِلُ الصَّحِيحَ بِمَعْنَى عَدَمِ سُقُوطِ الْقَضَاءِ أَوْ عَدَمِ مُوَافَقَةِ الْأَمْرِ فِي الْعِبَادَاتِ، وَبِمَعْنَى خُرُوجِهِ عَنْ السَّبَبِيَّةِ لِلثَّمَرَاتِ الْمَطْلُوبَةِ مِنْهُ فِي الْمُعَامَلَاتِ، وَلَا نِزَاعَ فِي التَّسْمِيَةِ، فَإِنَّهَا مُجَرَّدُ اصْطِلَاحٍ، وَلَا فِي أَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ قَدْ يَكُونُ مَنْهِيًّا عَنْهُ لِذَاتِهِ أَوْ لِجُزْئِهِ، وَقَدْ يَكُونُ مَنْهِيًّا عَنْهُ لِأَمْرٍ خَارِجٍ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي أَنَّ هَذَا الْقِسْمَ قَدْ يَكُونُ صَحِيحًا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ آثَارُهُ أَمْ لَا. (قَوْلُهُ: لِأَنَّ صِحَّةَ الْأَجْزَاءِ وَالشُّرُوطِ كَافِيَةٌ) فَعَلَى هَذَا يَجِبُ أَنْ يُقَيَّدَ الْوَصْفُ اللَّازِمُ بِأَنْ لَا يَكُونَ مِنْ الشُّرُوطِ، ثُمَّ لَا خَفَاءَ فِي أَنَّ الْوَقْتَ مِنْ شُرُوطِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، وَقَدْ جَعَلَهُ فِي الصَّلَاةِ مُجَاوِرًا، وَفِي الصَّوْمِ لَفْظًا لَازِمًا لِمَا سَيَجِيءُ. (قَوْلُهُ كَالْبَيْعِ بِالشَّرْطِ) يَعْنِي شَرْطًا لَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ وَلِأَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِيهِ نَفْعٌ أَوْ لِلْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الِاسْتِحْقَاقِ، وَقَدْ «نَهَى النَّبِيُّ ﵇ عَنْ

стр. 420

لَا بِوَصْفِهِ أَوْ مُجَاوِرِهِ، وَالْكُلُّ وَاحِدٌ. (فَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ) وَهُوَ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الْمَشْرُوعَاتِ يَقْتَضِي الْقُبْحَ لِعَيْنِهِ عِنْدَهُ إلَّا بِدَلِيلِ أَنَّ النَّهْيَ لِلْقُبْحِ لِغَيْرِهِ، وَعِنْدَنَا يَقْتَضِي الْقُبْحَ لِغَيْرِهِ، وَالصِّحَّةُ وَالْمَشْرُوعِيَّةُ بِأَصْلِهِ إلَّا بِدَلِيلِ أَنَّ النَّهْيَ لِلْقُبْحِ لِعَيْنِهِ. (إنْ لَمْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ) عَلَى أَنَّ النَّهْيَ لِلْقُبْحِ لِعَيْنِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ (يَبْطُلُ عِنْدَهُ، وَيَصِحُّ بِأَصْلِهِ عِنْدَنَا، وَإِنْ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ لِلْقُبْحِ لِغَيْرِهِ فَذَلِكَ الْغَيْرُ إنْ كَانَ وَصْفًا لَهُ يَبْطُلُ عِنْدَهُ، وَيَفْسُدُ عِنْدَنَا أَيْ يَصِحُّ بِأَصْلِهِ لَا بِوَصْفِهِ إذْ الصِّحَّةُ تَتْبَعُ الْأَرْكَانَ وَالشَّرَائِطَ فَيَحْسُنُ لِعَيْنِهِ وَيَقْبُحُ لِغَيْرِهِ بِلَا تَرْجِيحِ الْعَارِضِيِّ عَلَى الْأَصْلِيِّ، وَعِنْدَهُ الْبَاطِلُ وَالْفَاسِدُ سَوَاءٌ) هَذَا هُوَ الْخِلَافُ الْآخَرُ الَّذِي وَعَدْت ذِكْرَهُ، وَهُوَ بِنَاءً عَلَى الْخِلَافِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْأَصْلُ فِي الْمَنْهِيِّ عَنْهُ الْبُطْلَانَ عِنْدَهُ يَجِبُ أَنْ يَجْرِيَ عَلَى أَصْلِهِ الْأَوَّلِ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ، فَالضَّرُورَةُ مُقْتَصِرَةٌ عَلَى مَا إذَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ لِقُبْحِ الْمُجَاوِرِ كَالْبَيْعِ وَقْتَ النِّدَاءِ أَمَّا إذَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ لِقُبْحِ الْوَصْفِ اللَّازِمِ فَلَا ضَرُورَةَ فِي أَنْ لَا يَجْرِيَ النَّهْيُ عَلَى أَصْلِهِ، فَإِنَّ بُطْلَانَ الْوَصْفِ اللَّازِمِ يُوجِبُ بُطْلَانَ الْأَصْلِ بِخِلَافِ الْمُجَاوَرَةِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِلَازِمٍ، وَأَمَّا عِنْدَنَا فَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِي النَّهْيِ عَنْهُ إذَا كَانَ تَصَرُّفًا شَرْعِيًّا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ وُجُودُهُ وَصِحَّتُهُ شَرْعًا فَيَجْرِيَ عَلَى أَصْلِهِ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وَهِيَ مُنْحَصِرَةٌ فِيمَا إذَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى ــ [التلويح] بَيْعٍ وَشَرْطٍ» وَالنَّهْيُ رَاجِعٌ لِلشَّرْطِ فَيَبْقَى أَصْلُ الْعَقْدِ صَحِيحًا مُفِيدًا لِلْمِلْكِ لَكِنْ بِصِفَةِ الْفَسَادِ وَالْحُرْمَةِ كَالشَّرْطِ أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى الْبَيْعِ لَازِمٌ لَهُ لِكَوْنِهِ مَشْرُوطًا فِي نَفْسِ الْعَقْدِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْوَصْفِ فِي هَذَا الْمَقَامِ. (قَوْلُهُ وَالرِّبَا) أَيْ وَكَالْبَيْعِ بِالرِّبَا، وَهُوَ الْفَضْلُ الْخَالِي عَنْ الْعِوَضِ، وَإِنْ فُسِّرَ الرِّبَا بِمُعَاوَضَةِ مَالٍ بِمَالٍ مِنْ جِنْسِهِ، وَفِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ فَضْلٌ خَالٍ عَنْ الْعِوَضِ مُسْتَحَقٌّ بِعَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ فَهُوَ عَطْفٌ عَلَى الْبَيْعِ بِالشَّرْطِ لَا عَلَى الشَّرْطِ. (قَوْلُهُ وَالْبَيْعِ بِالْخَمْرِ) ، فَإِنَّهُ فَاسِدٌ لِأَنَّ الْخَمْرَ جُعِلَتْ ثَمَنًا وَهُوَ غَيْرُ مَقْصُودٍ بَلْ وَسِيلَةٌ إلَى الْمَقْصُودِ إذْ الِانْتِفَاعُ بِالْأَعْيَانِ لَا بِالْأَثْمَانِ، وَلِهَذَا يُشْتَرَطُ وُجُودُ الْمَبِيعِ دُونَ الثَّمَنِ عِنْدَ الْعَقْدِ فَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ صَارَ الثَّمَنُ مِنْ جُمْلَةِ الشُّرُوطِ بِمَنْزِلَةِ آلَاتِ الصُّنَّاعِ فَيَفْسُدُ الْبَيْعُ لِكَوْنِ أَحَدِ الْبَدَلَيْنِ غَيْرَ مُتَقَوِّمٍ إذْ الْمُتَقَوِّمُ مَا يَجِبُ إبْقَاؤُهُ بِعَيْنِهِ أَوْ بِمِثْلِهِ أَوْ بِقِيمَتِهِ، وَالْخَمْرُ وَاجِبٌ اجْتِنَابُهَا بِالنَّصِّ لِعَدَمِ تَقَوُّمِهَا لَكِنَّهَا تَصْلُحُ لِلثَّمَنِ؛ لِأَنَّهَا مَالٌ؛ لِأَنَّ الْمَالَ مَا يَمِيلُ إلَيْهِ الطَّبْعُ وَيُدَّخَرُ لِوَقْتِ الْحَاجَةِ أَوْ مَا خُلِقَ لِمَصَالِحِ الْآدَمِيِّ، وَيَجْرِي فِيهِ الشُّحُّ وَالضِّنَةُ. (قَوْلُهُ وَصَوْمِ الْأَيَّامِ الْمَنْهِيَّةِ) أَعْنِي الْعِيدَيْنِ وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ، فَإِنَّهُ فَاسِدٌ لَا بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ نَفْسَهُ مَشْرُوعٌ لِكَوْنِهِ إمْسَاكًا عَلَى قَصْدِ الْقُرْبَةِ وَقَهْرِ النَّفْسِ لِمُخَالَفَةِ هَوَاهَا وَتَحْرِيضًا لَهَا عَلَى مُوَاسَاةِ الْفُقَرَاءِ بِالِاطِّلَاعِ عَلَى شِدَّةِ حَالِهِمْ، وَالنَّهْيُ إنَّمَا هُوَ لِهَذِهِ الْأَوْقَاتِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ عَلَى مَا وَرَدَ بِهِ الْحَدِيثُ، وَالْوَقْتُ مِعْيَارٌ لِلصَّوْمِ

стр. 421

أَنَّ الْقُبْحَ لِعَيْنِهِ أَوْ لِجُزْئِهِ أَمَّا إذَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ لِقُبْحِ الْوَصْفِ اللَّازِمِ فَلَا ضَرُورَةَ فِي الْبُطْلَانِ؛ لِأَنَّ صِحَّةَ الْأَجْزَاءِ وَالشُّرُوطِ فِيهِ كَافِيَةٌ لِصِحَّةِ الشَّيْءِ، وَتَرْجِيحُ الصِّحَّةِ بِصِحَّةِ الْأَجْزَاءِ أَوْلَى مِنْ تَرْجِيحِ الْبُطْلَانِ بِالْوَصْفِ الْخَارِجِيِّ، وَإِذَا لَمْ تَكُنْ الضَّرُورَةُ قَائِمَةً هُنَا يَجْرِي النَّهْيُ عَلَى أَصْلِهِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ مَوْجُودًا شَرْعًا أَيْ صَحِيحًا. (وَذَلِكَ كَالْبَيْعِ بِالشَّرْطِ، وَالرِّبَا، وَالْبَيْعِ بِالْخَمْرِ، وَصَوْمِ الْأَيَّامِ الْمَنْهِيَّةِ) هَذِهِ أَمْثِلَةُ الصَّحِيحِ بِأَصْلِهِ لَا بِوَصْفِهِ الَّذِي نُسَمِّيهِ فَاسِدًا. (لَكِنْ صَحَّ النَّذْرُ بِهِ) أَيْ مَعَ أَنَّ صَوْمَ الْأَيَّامِ الْمَنْهِيَّةِ فَاسِدٌ يَصِحُّ النَّذْرُ بِهِ. (لِأَنَّهُ طَاعَةٌ وَالْمَعْصِيَةُ غَيْرُ مُتَّصِلَةٍ بِهِ ذِكْرًا بَلْ فِعْلًا) ، وَهُوَ الْإِعْرَاضُ عَنْ ضِيَافَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَمَّا فِي ذِكْرِهِ وَالتَّلَفُّظِ بِهِ فَلَا مَعْصِيَةَ فَصَحَّ النَّذْرُ بِهِ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ ذِكْرُهُ لَا فِعْلُهُ. (فَلَا يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ) ؛ لِأَنَّ الشُّرُوعَ فِعْلٌ وَهُوَ مَعْصِيَةٌ. (وَأَمَّا الصَّلَاةُ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَنْهِيَّةِ فَقَدْ نُهِيَتْ لِفَسَادٍ فِي الْوَقْتِ، وَهُوَ سَبَبُهَا، وَظَرْفُهَا فَأَوْجَبَ نُقْصَانًا فَلَا يَتَأَدَّى بِهِ الْكَامِلُ لَا مِعْيَارُهَا فَلَمْ يُوجِبْ فَسَادًا فَيَضْمَنُ بِالشُّرُوعِ بِخِلَافِ الصَّوْمِ) اعْلَمْ أَنَّ الْوَقْتَ سَبَبٌ لِلصَّلَاةِ، وَظَرْفٌ لَهَا، فَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ سَبَبٌ يَجِبُ الْمُلَاءَمَةُ بَيْنَهُمَا فَإِذَا وَجَبَ كَامِلًا لَا يَتَأَدَّى نَاقِصًا كَمَا فِي الْفَجْرِ وَقَضَاءِ الصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَنْهِيَّةِ، وَإِنْ وَجَبَ نَاقِصًا يَتَأَدَّى نَاقِصًا كَمَا فِي أَدَاءِ الْعَصْرِ، وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ ظَرْفٌ لَا مِعْيَارٌ يَكُونُ تَعَلُّقُهُ بِالصَّلَاةِ تَعَلُّقَ الْمُجَاوَرَةِ لَا تَعَلُّقَ ــ [التلويح] يَتَقَدَّرُ بِهِ، وَيُعْرَفُ بِهِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ لَازِمٍ خَارِجٍ أَوْ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الصَّوْمَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ إعْرَاضٌ عَنْ ضِيَافَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ وَصْفٌ لَازِمٌ لِلصَّوْمِ خَارِجٌ عَنْهُ أَيْ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي مَفْهُومِهِ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ مَا قِيلَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ تَرْكَ الْإِجَابَةِ مُغَايِرٌ لِلصَّوْمِ بَلْ هُوَ عَيْنُهُ كَتَرْكِ السُّكُونِ، فَإِنَّهُ عَيْنُ التَّحَرُّكِ وَبِالْعَكْسِ وَفِي الطَّرِيقَةِ الْمَعْنِيَّةِ أَنَّ النَّهْيَ وَرَدَ عَنْ الصَّوْمِ فَصَرْفُهُ إلَى غَيْرِهِ عُدُولٌ عَنْ الْحَقِيقَةِ فَلَا يَجُوزُ إلَّا بِدَلِيلٍ، وَجَوَابُهُ مَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الْفِعْلِ الشَّرْعِيِّ يَقْتَضِي عِنْدَ الْإِطْلَاقِ قُبْحَهُ لِغَيْرِهِ إذْ لَوْ قَبُحَ لِذَاتِهِ لَمَا كَانَ مَشْرُوعًا، وَأَيْضًا فَوَائِدُ الصَّوْمِ أَدَلُّ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ مَنْهِيًّا عَنْهُ لِذَاتِهِ، ثُمَّ قَالَ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الصَّوْمَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ تَرْكٌ لِلْمُفْطِرَاتِ الثَّلَاثِ، وَالْإِجَابَةُ فَمِنْ حَيْثُ الْإِضَافَةُ إلَى الْمُفْطِرَاتِ يَكُونُ عِبَادَةً مُسْتَحْسَنَةً وَمِنْ حَيْثُ الْإِضَافَةُ إلَى إجَابَةِ الدَّعْوَى يَكُونُ مَنْهِيًّا عَنْهُ لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ الْوَاجِبِ، وَالضِّدُّ الْأَصْلِيُّ لِلصَّوْمِ هُوَ الْأَوَّلُ دُونَ الثَّانِي لِاخْتِصَاصِهِ بِهَذِهِ الْأَيَّامِ فَالصَّوْمُ بِاعْتِبَارِ الْإِضَافَةِ إلَى الْأَضْدَادِ الَّتِي هِيَ الْأَكْلُ، وَالشُّرْبُ، وَالْجِمَاعُ بِمَنْزِلَةِ الْأَصْلِ، وَبِاعْتِبَارِ الْإِضَافَةِ إلَى الْإِجَابَةِ بِمَنْزِلَةِ التَّابِعِ فَتَرْكُ الْإِجَابَةِ صَارَ بِمَنْزِلَةِ الْوَصْفِ، وَتَرْكُ الْمُفْطِرَاتِ الثَّلَاثِ صَارَ بِمَنْزِلَةِ الْأَصْلِ فَبَقِيَ الصَّوْمُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ مَشْرُوعًا بِأَصْلِهِ غَيْرَ مَشْرُوعٍ بِوَصْفِهِ فَكَانَ فَاسِدًا لَا بَاطِلًا. (قَوْلُهُ لَكِنْ صَحَّ النَّذْرُ بِهِ) أَيْ بِالصَّوْمِ فِي الْأَيَّامِ الْمَنْهِيَّةِ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ نَفْسَهُ طَاعَةٌ، وَإِنَّمَا الْمَعْصِيَةُ هِيَ الْإِعْرَاضُ عَنْ ضِيَافَةِ اللَّهِ

стр. 422

الْوَصْفِيَّةِ فَلَا يُوجِبُ الْفَسَادَ بَلْ يُوجِبُ النُّقْصَانَ بِخِلَافِ الصَّوْمِ، فَإِنَّ الْوَقْتَ مِعْيَارُهُ فَالصَّوْمُ عِبَادَةٌ مُقَدَّرَةٌ بِالْوَقْتِ فَيَكُونُ كَالْوَصْفِ لَهُ فَفَسَادُهُ يُوجِبُ فَسَادَ الصَّوْمِ، وَهَذَا الْفَرْقُ إنَّمَا يَظْهَرُ أَثَرُهُ فِي النَّفْلِ حَتَّى لَوْ شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَنْهِيَّةِ يَجِبُ عَلَيْهِ إتْمَامُهَا، وَلَوْ أَفْسَدَ يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا أَمَّا إنْ شَرَعَ فِي الصَّوْمِ فِي الْأَيَّامِ الْمَنْهِيَّةِ لَا يَجِبُ إتْمَامُهُ بَلْ يَجِبُ رَفْضُهُ، فَإِنْ رَفَضَهُ لَا يَجِبُ الْقَضَاءُ. (وَإِنْ كَانَ مُجَاوِرًا يَقْتَضِي كَرَاهَتَهُ عِنْدَنَا، وَعِنْدَهُ) هَذَا الْكَلَامُ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ فَذَلِكَ الْغَيْرُ إنْ كَانَ وَصْفًا لَهُ، وَإِنَّمَا قَالَ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُ لِمَا مَرَّ أَنَّ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ النَّهْيَ فِي الْعِبَادَاتِ يُوجِبُ الْبُطْلَانَ مُطْلَقًا مَعَ أَنَّ الدَّلِيلَ يَكُونُ دَالًّا عَلَى أَنَّ النَّهْيَ لِقُبْحِ أَمْرٍ مُجَاوِرٍ. (كَالصَّلَاةِ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ، وَالْبَيْعِ وَقْتَ النِّدَاءِ) أَوْرَدْت هُنَا مِثَالَيْنِ أَحَدُهُمَا ــ [التلويح] تَعَالَى وَهِيَ فِي فِعْلِ الصَّوْمِ لَا فِي ذِكْرِ اسْمِهِ وَإِيجَابِهِ عَلَى نَفْسِهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ لِلصَّوْمِ جِهَةَ طَاعَةٍ وَجِهَةَ مَعْصِيَةٍ، وَانْعِقَادُ النَّذْرِ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ الْجِهَةِ الْأُولَى حَتَّى قَالُوا لَوْ صَرَّحَ بِذِكْرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ بِأَنْ يَقُولَ: لِلَّهِ تَعَالَى عَلَيَّ صَوْمُ يَوْمِ النَّحْرِ لَمْ يَصِحَّ نَذْرُهُ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كَمَا لَوْ قَالَتْ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ أَيَّامَ حَيْضِي بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَتْ غَدًا، وَكَانَ الْغَدُ يَوْمَ نَحْرٍ أَوْ حَيْضٍ، وَأَمَّا ضَرْبُ أَبِيهِ وَشَتْمُ أُمِّهِ فَلَا جِهَةَ فِيهِ لِغَيْرِ الْمَعْصِيَةِ فَلَا يَصِحُّ النَّذْرُ بِهِ أَصْلًا، وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ أَنَّ النَّذْرَ إيجَابٌ عَلَى نَفْسِهِ بِالْقَوْلِ، وَبِالْقَوْلِ أَمْكَنَ التَّمْيِيزُ بَيْنَ الْمَشْرُوعِ وَالْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَالْمَشْرُوعُ إيجَابٌ بِالْفِعْلِ، وَفِي الْفِعْلِ لَا يُمْكِنُ التَّمْيِيزُ بَيْنَ الْجِهَتَيْنِ، وَهَذَا كَمَا جَوَّزُوا بَيْعَ السَّمْنِ الذَّائِبِ الَّذِي مَاتَتْ فِيهِ الْفَأْرَةُ لِإِمْكَانِ إيرَادِ الْبَيْعِ عَلَى السَّمْنِ دُونَ النَّجَاسَةِ، وَلَا يَجُوزُ أَكْلُهُ لِاسْتِحَالَةِ التَّمْيِيزِ بَيْنَهُمَا. (قَوْلُهُ وَأَمَّا الصَّلَاةُ) يُشِيرُ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الصَّوْمِ فِي الْأَيَّامِ الْمَنْهِيَّةِ وَالصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَنْهِيَّةِ حَيْثُ يَفْسُدُ الصَّوْمُ دُونَ الصَّلَاةِ، وَيَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ الصَّلَاةُ دُونَ الصَّوْمِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْوَقْتَ لِلصَّوْمِ مِنْ قَبِيلِ الْوَصْفِ اللَّازِمِ لِكَوْنِهِ مِعْيَارًا لَهُ وَلِلصَّلَاةِ مِنْ قَبِيلِ الْمُجَاوِرِ لِكَوْنِهِ ظَرْفًا لَهَا، وَفِي الطَّرِيقَةِ الْمَعْنِيَّةِ أَنَّ الْمُرَكَّبَ قَدْ يَكُونُ جُزْؤُهُ كَالْكُلِّ فِي الِاسْمِ كَالْمَاءِ، وَقَدْ لَا يَكُونُ كَالْحَيَوَانِ، وَالصَّوْمُ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنْ إمْسَاكَاتٍ مُتَّفِقَةِ الْحَقِيقَةِ كُلٌّ مِنْهَا صَوْمٌ حَتَّى لَوْ حَلَفَ لَا يَصُومُ حَنِثَ بِصَوْمِ سَاعَةٍ، فَيَكُونُ كُلُّ جُزْءٍ مِنْهَا مَنْهِيًّا عَنْهُ لِكَوْنِهِ صَوْمًا فَكَانَ مَا انْعَقَدَ مِنْهُ انْعَقَدَ مَشْرُوعًا مَحْظُورًا، وَالْمُضِيُّ إنَّمَا يَلْزَمُ لِإِبْقَاءِ مَا انْعَقَدَ فَلَا يَلْزَمُ هَاهُنَا لِمَا فِيهِ مِنْ تَقْرِيرِ الْمَعْصِيَةِ، وَهُوَ حَرَامٌ وَاجِبُ التَّرْكِ قَطْعًا، وَإِنْ كَانَ تَقْرِيرُ مَا انْعَقَدَ مَشْرُوعًا وَاجِبًا لَكِنَّهُ مُجْتَهَدٌ فِيهِ تَعَارَضَتْ فِيهِ الْأَخْبَارُ، بِخِلَافِ وُجُوبِ تَرْكِ الْمَعْصِيَةِ، فَإِنَّهُ قَطْعِيٌّ فَيَتَرَجَّحُ جَانِبُ التَّرْكِ فَلَا يَلْزَمُ الْقَضَاءُ بِالْإِفْسَادِ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ إبْعَاضَهَا مِنْ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لَا يُسَمَّى صَلَاةً مَا لَمْ يَجْتَمِعْ، وَلَمْ يَتَقَيَّدْ بِالسَّجْدَةِ فَمَا انْعَقَدَ

стр. 423

لِلْعِبَادَاتِ، وَالْآخَرُ لِلْمُعَامَلَاتِ. (وَإِنْ دَلَّ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ لِعَيْنِهِ) أَيْ لِذَاتِهِ أَوْ لِجُزْئِهِ (يَبْطُلُ اتِّفَاقًا) هَذَا الْكَلَامُ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ، وَإِنْ دَلَّ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ لِغَيْرِهِ (كَالْمَلَاقِيحِ، وَالْمَضَامِينِ، فَإِنَّ الرُّكْنَ مَعْدُومٌ فَدَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ مَجَازٌ عَنْ النَّسْخِ فَيَكُونُ قَبِيحًا لِعَيْنِهِ) قَوْلُهُ فَيَكُونُ قَبِيحًا لِعَيْنِهِ تَعْقِيبٌ لِقَوْلِهِ، فَإِنَّ الرُّكْنَ مَعْدُومٌ فَيَلْزَمُ مِنْ بُطْلَانِهِ قُبْحُهُ لِعَيْنِهِ؛ لِأَنَّهُمَا مُتَلَازِمَانِ الْمَلَاقِيحُ جَمْعُ مَلْقُوحَةٍ، وَهِيَ مَا فِي الْبَطْنِ مِنْ الْجَنِينِ، وَالْمَضَامِينُ جَمْعُ مَضْمُونٍ، وَهُوَ مَا فِي أَصْلَابِ الْفُحُولِ مِنْ الْمَاءِ وَفِي الْحَدِيثِ «نُهِيَ عَنْ بَيْعِ الْمَضَامِينِ وَالْمَلَاقِيحِ» فَلَمَّا كَانَ رُكْنُ الْبَيْعِ وَهُوَ الْمَبِيعُ مَعْدُومًا لَا يُمْكِنُ وُجُودُ الْبَيْعِ فَلَا يُرَادُ حَقِيقَةُ النَّهْيِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الْمُسْتَحِيلِ عَبَثٌ فَيَكُونُ النَّهْيُ مَجَازًا عَنْ النَّسْخِ، فَإِنَّ النَّسْخَ لِإِعْدَامِ الصِّحَّةِ وَالْمَشْرُوعِيَّةِ رُوعِيَّةِ، وَالْجَامِعُ أَنَّ الْحُرْمَةَ تَثْبُتُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا إلَّا أَنَّ الْحُرْمَةَ بِالنَّسْخِ لِعَدَمِ بَقَاءِ الْمَحَلِّ بِخِلَافِ الْحُرْمَةِ بِالنَّهْيِ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ مُشْكِلَاتِ هَذَا الْفَصْلِ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ الْجُزْءِ وَالْوَصْفِ وَالْمُجَاوِرِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ إمَّا أَنْ يَصْدُقَ عَلَى ذَلِكَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ أَوْ لَمْ يَصْدُقْ فَالْجُزْءُ إمَّا صَادِقٌ عَلَى الْكُلِّ، وَهُوَ مَا يَصْدُقُ عَلَى الشَّيْءِ، وَيَتَوَقَّفُ تَصَوُّرُ ذَلِكَ الشَّيْءِ عَلَى تَصَوُّرِهِ كَالْعِبَادَةِ لِلصَّلَاةِ، وَإِمَّا غَيْرُ صَادِقٍ كَأَرْكَانِ الصَّلَاةِ لِلصَّلَاةِ، وَالْإِيجَابِ، وَالْقَبُولِ، وَالْمَبِيعِ لِلْبَيْعِ، وَأَمَّا الْوَصْفُ فَالْمُرَادُ بِهِ اللَّازِمُ الْخَارِجِيُّ، وَهُوَ إمَّا أَنْ يَصْدُقَ عَلَى الْمَلْزُومِ نَحْوُ: الْجِهَادُ إعْلَاءُ كَلِمَةِ اللَّهِ، وَصَوْمُ الْأَيَّامِ الْمَنْهِيَّةِ إعْرَاضٌ عَنْ ضِيَافَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِمَّا أَنْ لَا يَصْدُقَ كَالثَّمَنِ، فَإِنَّهُ كُلَّمَا يُوجَدُ الْبَيْعُ يُوجَدُ الثَّمَنُ لَكِنَّ الثَّمَنَ لَا يَصْدُقُ عَلَى الْبَيْعِ وَلَيْسَ رُكْنَ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ إلَى الْمَبِيعِ لَا مَقْصُودٌ أَصْلِيٌّ فَجَرَى مَجْرَى آلَاتِ الصِّنَاعَةِ كَالْقَدُومِ، وَأَمَّا الْمُجَاوِرُ فَهُوَ الشَّيْءُ الَّذِي يَصْحَبُهُ وَيُفَارِقُهُ فِي الْجُمْلَةِ، وَهُوَ إمَّا صَادِقٌ عَلَى الشَّيْءِ كَمَا يُقَالُ الْبَيْعُ وَقْتَ النِّدَاءِ اشْتِغَالٌ عَنْ السَّعْيِ الْوَاجِبِ، فَإِنَّهُ قَدْ يُوجَدُ ــ [التلويح] قَبْلَ ذَلِكَ كَانَ عِبَادَةً مَحْضَةً يَجِبُ صِيَانَتُهَا، وَالْمُضِيُّ عَلَيْهَا فَيَكُونُ الْمُضِيُّ فِي حَقِّ مَا مَضَى امْتِنَاعًا عَنْ إبْطَالِ الْعَمَلِ، وَهُوَ وَاجِبٌ، وَفِي حَقِّ مَا يُسْتَقْبَلُ تَحْصِيلُ الطَّاعَةِ وَتَحْصِيلُ الْمَعْصِيَةِ فَكَانَ الْمُضِيُّ طَاعَةً وَمَعْصِيَةً وَامْتِنَاعًا عَنْ الْمَعْصِيَةِ أَعْنِي إبْطَالَ الْعِبَادَةِ وَتَرْكَ الْمُضِيِّ امْتِنَاعًا عَنْ مَعْصِيَةٍ وَطَاعَةٍ وَارْتِكَابًا لِمَعْصِيَةٍ هِيَ إبْطَالُ عِبَادَةٍ فَتَرَجَّحَتْ فِيهَا جِهَةُ الْمُضِيِّ، فَإِذَا أَفْسَدَهَا فَقَدْ أَفْسَدَ عِبَادَةً وَجَبَ عَلَيْهِ الْمُضِيُّ فِيهَا فَيَلْزَمُ الْقَضَاءُ. (قَوْلُهُ وَهَذَا الْفَرْقُ إنَّمَا يَظْهَرُ أَثَرُهُ فِي النَّفْلِ) إذْ لَا فَرْضَ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ، وَأَمَّا مِثْلُ الْقَضَاءِ وَالْمَنْذُورَاتِ الْمُطْلَقَةِ فَلَا يَتَأَتَّى فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ صَلَاةً كَانَتْ أَوْ صِيَامًا لِوُجُوبِهَا بِصِفَةِ الْكَمَالِ. (قَوْلُهُ الْمَلَاقِيحُ جَمْعُ مَلْقُوحَةٍ) مُوَافِقٌ لِمَا فِي الصِّحَاحِ، وَذَكَرَ فِي الْفَائِقِ أَنَّهَا جَمْعُ مَلْقُوحٍ يُقَالُ لَقِحَتْ النَّاقَةُ وَوَلَدُهَا مَلْقُوحٌ بِهِ إلَّا أَنَّهُمْ اسْتَعْمَلُوهُ بِحَذْفِ الْجَارِّ. (قَوْلُهُ وَلَيْسَ) أَيْ الثَّمَنُ رُكْنَ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ إلَى الْمَبِيعِ لِقَائِلٍ

стр. 424

الِاشْتِغَالُ عَنْ السَّعْيِ الْوَاجِبِ بِدُونِ الْبَيْعِ، وَأَيْضًا عَلَى الْعَكْسِ إذَا جَرَى الْبَيْعُ فِي حَالَةِ السَّعْيِ، وَإِمَّا غَيْرُ صَادِقٍ كَقَطْعِ الطَّرِيقِ لَا يَصْدُقُ عَلَى السَّفَرِ بَلْ السَّفَرُ الْمُوصِلُ إلَى الْقَطْعِ فَالْقَطْعُ يُوجَدُ بِدُونِ سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ كَمَا إذَا قَطَعَ بِدُونِ السَّفَرِ أَوْ سَافَرَ لِلْحَجِّ فَقَطَعَ الطَّرِيقَ، وَأَيْضًا عَلَى الْعَكْسِ بِأَنْ سَافَرَ بِدُونِ نِيَّةِ الْقَطْعِ، وَلَمْ يُوجَدْ الْقَطْعُ أَوْ سَافَرَ بِنِيَّةِ الْقَطْعِ لَكِنْ لَمْ يُوجَدْ الْقَطْعُ إذَا ثَبَتَ هَذَا جِئْنَا إلَى تَطْبِيقِ هَذِهِ الْأُصُولِ عَلَى الْأَمْثِلَةِ الْمَذْكُورَةِ أَمَّا الرِّبَا، فَإِنَّهُ فَضْلٌ خَالٍ عَنْ الْعِوَضِ شُرِطَ فِي عَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ فَلَمَّا كَانَ مَشْرُوطًا فِي الْعَقْدِ كَانَ لَازِمًا لِلْعَقْدِ، ثُمَّ هُوَ خَالٍ عَنْ الْعِوَضِ؛ لِأَنَّ الدِّرْهَمَ لَا يَصْلُحُ عِوَضًا إلَّا لِمِثْلِهِ، فَإِنَّ الْمُعَادَلَةَ بَيْنَ الزَّائِدِ وَالنَّاقِصِ عُدُولٌ عَنْ قَضِيَّةِ الْعَدْلِ فَلَمْ تُوجَدْ الْمُبَادَلَةُ فِي الزَّائِدِ لَكِنَّ الزَّائِدَ هُوَ فَرْعٌ عَلَى الْمَزِيدِ عَلَيْهِ فَكَانَ كَالْوَصْفِ أَوْ نَقُولُ رُكْنُ الْبَيْعِ وَهُوَ مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ، وَقَدْ وُجِدَ لَكِنْ لَمْ تُوجَدْ الْمُبَادَلَةُ التَّامَّةُ فَأَصْلُ الْمُبَادَلَةِ حَاصِلٌ لَا وَصْفُهَا، وَهُوَ كَوْنُهَا تَامَّةٌ، وَأَمَّا الْبَيْعُ بِالشَّرْطِ فَكَالرِّبَا؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ أَمْرٌ زَائِدٌ، وَأَمَّا الْبَيْعُ بِالْخَمْرِ، فَإِنَّ الْخَمْرَ مَالٌ غَيْرُ مُتَقَوِّمٍ فَجَعَلَهَا ثَمَنًا لَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الثَّمَنَ غَيْرُ مَقْصُودٍ بَلْ تَابِعٌ وَوَسِيلَةٌ فَيَجْرِيَ مَجْرَى الْأَوْصَافِ التَّابِعَةِ، وَلِأَنَّ رُكْنَ الْبَيْعِ، وَهُوَ مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ مُتَحَقِّقٌ لَكِنَّ الْمُبَادَلَةَ التَّامَّةَ لَمْ تُوجَدْ لِعَدَمِ الْمَالِ الْمُتَقَوِّمِ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ، وَأَمَّا صَوْمُ الْأَيَّامِ الْمَنْهِيَّةِ فَلِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْوَقْتَ كَالْوَصْفِ، وَلِأَنَّهُ إعْرَاضٌ عَنْ ضِيَافَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَهَذَا وَصْفٌ لَهُ، وَأَمَّا الصَّلَاةُ فِي الْأَرْضِ ــ [التلويح] أَنْ يَقُولَ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ رُكْنَيْ الشَّيْءِ وَسِيلَةً إلَى الْآخَرِ، وَالْآخَرُ مَقْصُودًا أَصْلِيًّا بَلْ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِرُكْنٍ هُوَ أَنَّ الْبَيْعَ يَجُوزُ مَعَ عَدَمِ الثَّمَنِ، وَلَا يَجُوزُ مَعَ عَدَمِ الْمَبِيعِ نَعَمْ تَصَوُّرُ مَفْهُومِ الْبَيْعِ لَا يُمْكِنُ بِدُونِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ مُبَادَلَةُ مَالٍ بِمَالٍ عَلَى التَّرَاضِي، وَالتَّلَفُّظُ بِصِيغَةِ الْبَيْعِ لَا يَصِحُّ شَرْعًا بِدُونِ ذِكْرِ الثَّمَنِ كَالْمَبِيعِ إلَّا أَنَّهُ اُخْتُصَّ الْمَبِيعُ بِأَنَّ الْبِيَعَ لَا يَصِحُّ بِدُونِ وُجُودِهِ فَجَعَلُوهُ رُكْنًا، بِخِلَافِ الثَّمَنِ. (قَوْلُهُ وَأَمَّا الْبُيُوعُ الْفَاسِدَةُ) لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِهَذَا الْكَلَامِ فِي هَذَا الْمَقَامِ. (قَوْلُهُ وَكَذَا) أَيْ مِثْلُ بَيْعِ الْمَضَامِينِ وَالْمَلَاقِيحِ النِّكَاحُ بِغَيْرِ شُهُودٍ فِي الْبُطْلَانِ لَا فِي أَنَّ النَّهْيَ فِيهِ لِذَاتِهِ إذْ لَا نَهْيَ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ ﵇ «لَا نِكَاحَ إلَّا بِالشُّهُودِ» نَفْيٌ لِتَحَقُّقِ النِّكَاحِ الشَّرْعِيِّ بِدُونِ الشُّهُودِ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ بَعْضُ أَحْكَامِ النِّكَاحِ فِيهِ مِنْ سُقُوطِ الْحَدِّ وَثُبُوتِ النَّسَبِ وَوُجُوبِ الْعِدَّةِ وَالْمَهْرِ لِشُبْهَةِ الْعَقْدِ، وَهِيَ وُجُودُ صُورَتِهِ فِي مَحَلِّهِ لَا لِصِحَّةِ النِّكَاحِ، وَلَمَّا كَانَ هُنَا مَظِنَّةُ أَنْ يُقَالَ إنَّ هَذَا النَّفْيَ فِي مَعْنَى النَّهْيِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ﴾ [البقرة: ١٩٧] وَأَيْضًا قَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ النِّكَاحِ مَعَ بُطْلَانِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء: ٢٢] أَشَارَ إلَى جَوَابٍ أَعَمَّ وَأَتَمَّ وَهُوَ أَنَّ النِّكَاحَ إنَّمَا شُرِّعَ لِلْحِلِّ ضَرُورَةَ

стр. 425

الْمَغْصُوبَةِ، فَإِنَّ شُغْلَ مَكَانِ الْغَيْرِ لَمْ يَلْزَمْ مِنْ الصَّلَاةِ بَلْ إنَّمَا يَلْزَمُ مِنْ الْمُصَلِّي فَإِنَّ كُلَّ جِسْمٍ مُتَمَكِّنٍ فَوَقَعَ بَيْنَ شُغْلِ مَكَانِ الْغَيْرِ، وَبَيْنَ الصَّلَاةِ مُلَازَمَةٌ اتِّفَاقِيَّةٌ، وَأَمَّا الْبِيَعُ الْفَاسِدَةُ، فَإِنَّهَا أَوْجَبْت تِلْكَ الْمَفَاسِدَ أَيْ الْمَفَاسِدَ الْمَذْكُورَةَ كَالْبَيْعِ بِالشَّرْطِ، وَالرِّبَا فَتَكُونُ قَبِيحَةً بِوَصْفِهَا، وَأَمَّا الْبَيْعُ وَقْتَ النِّدَاءِ فَقَدْ سَبَقَ ذِكْرُهُ، وَقَدْ وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الِاشْتِغَالِ عَنْ السَّعْيِ مُلَازَمَةٌ اتِّفَاقِيَّةٌ. (وَكَذَا النِّكَاحُ بِغَيْرِ شُهُودٍ؛ لِأَنَّهُ مَنْفِيٌّ بِقَوْلِهِ ﵊ «لَا نِكَاحَ إلَّا بِشُهُودٍ» ) أَيْ يَكُونُ بَاطِلًا لِأَنَّهُ مَنْفِيٌّ لَا مَنْهِيٌّ، وَكَلَامُنَا فِي الْمَنْهِيِّ فَيَرِدُ إشْكَالٌ، وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ بَاطِلًا يَنْبَغِي أَنْ لَا يُثْبِتَ النَّسَبَ، وَلَا يُسْقِطَ الْحَدَّ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ (وَإِنَّمَا النَّسَبُ وَسُقُوطُ الْحَدِّ لِلشُّبْهَةِ، وَلِأَنَّهُ) عَطَفَ عَلَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ مَنْفِيٌّ. (وُضِعَ لِلْحِلِّ فَلَا يَنْفَصِلُ عَنْهُ، وَالْبَيْعُ وُضِعَ لِلْمِلْكِ، وَالْحِلُّ تَابِعٌ لَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَشْرَعُ فِي مَوْضِعِ الْحُرْمَةِ، وَفِيمَا لَا يَحْتَمِلُ الْحِلَّ أَصْلًا كَالْأَمَةِ الْمَجُوسِيَّةِ وَالْعَبْدِ) أَيْ وَإِنْ سَلِمَ أَنَّ النِّكَاحَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، فَإِنَّ نَهْيَهُ يُوجِبُ الْبُطْلَانَ؛ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ النَّهْيَ يُوجِبُ الْحُرْمَةَ، وَالنِّكَاحَ عَقْدٌ مَوْضُوعٌ لِلْحِلِّ فَلَمَّا انْفَصَلَ عَنْهُ مَا وُضِعَ لَهُ، وَهُوَ الْحِلُّ يَكُونُ بَاطِلًا بِخِلَافِ ــ [التلويح] بَقَاءِ التَّنَاسُلِ، وَبِالنَّهْيِ تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ، وَيَنْتَفِي الْحِلُّ إجْمَاعًا فَيَنْتَفِي مَشْرُوعِيَّتُهُ ضَرُورَةَ أَنَّ الْأَسْبَابَ الشَّرْعِيَّةَ إنَّمَا تُرَادُ لِأَحْكَامِهَا لَا لِذَوَاتِهَا، بِخِلَافِ الْبَيْعِ، فَإِنَّهُ شُرِّعَ لِلْمِلْكِ فَانْتِفَاءُ حِلِّ الِاسْتِمْتَاعِ لَا يُنَافِيهِ، وَأَمَّا النِّكَاحُ حَالَةَ الْإِحْرَامِ وَالِاعْتِكَافِ وَالْحَيْضِ، فَإِنَّمَا لَمْ يَبْطُلْ لِظُهُورِ أَثَرِهِ فِي الْمَآلِ أَعْنِي بَعْدَ زَوَالِ هَذِهِ الْعَوَارِضِ لَا يُقَالُ الْبَيْعُ مَشْرُوعٌ لِلْمِلْكِ وَلِحِلِّ الِانْتِفَاعِ، وَالصَّوْمُ لِلطَّاعَةِ فَيَلْزَمُ بُطْلَانُهُمَا بِالنَّهْيِ ضَرُورَةَ أَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ حَرَامٌ وَمَعْصِيَةٌ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْبَيْعُ مَشْرُوعٌ لِلْمِلْكِ، وَحِلُّ الِانْتِفَاعِ مَبْنِيٌّ عَلَيْهِ، وَنَفْسُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مَعْصِيَةً إلَّا إذَا كَانَ النَّهْيُ عَنْهُ لِذَاتِهِ، وَالصَّوْمُ لَيْسَ كَذَلِكَ عَلَى مَا مَرَّ. (قَوْلُهُ فَإِنْ قِيلَ) ظَاهِرُ السُّؤَالِ نَقْضٌ عَلَى الْقَاعِدَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَهِيَ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الْفِعْلِ الْحِسِّيِّ يَقْتَضِي قُبْحَهُ لِعَيْنِهِ مَعَ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الْقَبِيحَ لِعَيْنِهِ لَا يُفِيدُ حُكْمًا شَرْعِيًّا، وَذَلِكَ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الزِّنَا وَالْغَصْبِ وَاسْتِيلَاءِ الْكُفَّارِ وَسَفَرِ الْمَعْصِيَةِ فِعْلٌ حِسِّيٌّ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَقَدْ ثَبَتَ بِالزِّنَا حُرْمَةُ الْمُصَاهَرَةِ وَبِالْغَصْبِ وَالِاسْتِيلَاءِ الْمِلْكُ وَبِسَفَرِ الْمَعْصِيَةِ رُخْصَةُ الْإِفْطَارِ، وَقَصْرُ الصَّلَاةُ وَالْمَسْحِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَعَلَى هَذَا لَا يُتَوَجَّهُ الْمَنْعُ الْمَذْكُورُ؛ لِأَنَّ مَطْلُوبَ الْمُنَاقِضِ بُطْلَانُ الْقَاعِدَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ السُّؤَالُ ابْتِدَاءَ إشْكَالٍ، وَهُوَ أَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ فِي الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ فِعْلٌ حِسِّيٌّ لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْهُ لِغَيْرِهِ، وَكُلُّ مَا هَذَا شَأْنُهُ فَهُوَ قَبِيحٌ لِعَيْنِهِ، وَلَا شَيْءَ مِنْ الْقَبِيحِ لِعَيْنِهِ بِمُفِيدٍ لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ فَيَلْزَمُ أَنْ لَا تَكُونَ الْأَفْعَالُ الْمَذْكُورَةُ مُفِيدَةً لِلْأَحْكَامِ الْمَذْكُورَةِ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمَنْعُ الْمَذْكُورُ مَنْعًا لِلنَّتِيجَةِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلْقَدْحِ فِي الْمُقَدِّمَتَيْنِ مَعَ أَنَّهُمَا اجْتِمَاعِيَّتَانِ، ثُمَّ اسْتِنَادُ الْمَنْعِ بِالطَّلَاقِ وَالظِّهَارِ لَيْسَ
следующие страницы →