Полный текст (833 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وَأَمَّا بِالنَّظَرِ إلَى الْمَدْلُولِ فَإِنَّ الْقَضِيَّةَ الْمَذْكُورَةَ إنَّمَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهَا كُلِّيَّةً إذَا عُرِفَ أَنْوَاعُ الْحُكْمِ وَأَنَّ أَيَّ نَوْعٍ مِنْ الْأَحْكَامِ يُثْبِتُ بِأَيِّ نَوْعٍ مِنْ الْأَدِلَّةِ بِخُصُوصِيَّةٍ نَاشِئَةٍ مِنْ الْحُكْمِ كَكَوْنِ هَذَا الشَّيْءِ عِلَّةً لِذَلِكَ فَإِنَّ هَذَا الْحُكْمَ لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ بِالْقِيَاسِ، ثُمَّ الْمَبَاحِثُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْمَحْكُومِ بِهِ، وَهُوَ فِعْلُ الْمُكَلَّفِ كَكَوْنِهِ عِبَادَةً أَوْ عُقُوبَةً وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَنْدَرِجُ فِي كَلِيلَةِ تِلْكَ الْقَضِيَّةِ فَإِنَّ الْأَحْكَامَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ فَإِنَّ الْعُقُوبَاتِ لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهَا بِالْقِيَاسِ، ثُمَّ الْمَبَاحِثُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْمَحْكُومِ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمُكَلَّفُ وَمَعْرِفَةُ الْأَهْلِيَّةِ وَالْعَوَارِضِ الَّتِي تَعْرِضُ عَلَى الْأَهْلِيَّةِ سَمَاوِيَّةً وَمُكْتَسَبَةً مُنْدَرِجَةٌ تَحْتَ تِلْكَ الْقَضِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ أَيْضًا لِاخْتِلَافِ الْأَحْكَامِ بِاخْتِلَافِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ بِالنَّظَرِ إلَى وُجُودِ الْعَوَارِضِ وَعَدَمِهَا فَيَكُونُ تَرْكِيبُ الدَّلِيلِ عَلَى إثْبَاتِ مَسَائِلِ الْفِقْهِ بِالشَّكْلِ الْأَوَّلِ هَكَذَا هَذَا الْحُكْمُ ثَابِتٌ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ هَذَا شَأْنُهُ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ هَذَا شَأْنُهُ، وَهَذَا الْفِعْلُ صَادِرٌ مِنْ مُكَلَّفٍ هَذَا شَأْنُهُ وَلَمْ تُوجَدْ الْعَوَارِضُ الْمَانِعَةُ مِنْ ثُبُوتِ هَذَا الْحُكْمِ وَيَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ هَذَا الْحُكْمِ قِيَاسٌ هَذَا شَأْنُهُ هَذَا هُوَ الصُّغْرَى، ثُمَّ الْكُبْرَى قَوْلُنَا وَكُلُّ حُكْمٍ مَوْصُوفٍ بِالصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِهِ الْقِيَاسُ الْمَوْصُوفُ فَهُوَ ثَابِتٌ فَهَذِهِ الْقَضِيَّةُ الْأَخِيرَةُ مِنْ مَسَائِلِ أُصُولِ الْفِقْهِ وَبِطَرِيقِ الْمُلَازَمَةِ هَكَذَا كُلَّمَا وُجِدَ قِيَاسٌ مَوْصُوفٌ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ دَالٌّ عَلَى حُكْمٍ مَوْصُوفٍ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ يَثْبُتُ ذَلِكَ الْحُكْمُ لَكِنَّهُ وُجِدَ الْقِيَاسُ الْمَوْصُوفُ إلَخْ فَعُلِمَ أَنَّ جَمِيعَ الْمَبَاحِثِ الْمُتَقَدِّمَةِ مُنْدَرِجَةٌ تَحْتَ تِلْكَ الْقَضِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ الْمَذْكُورَةِ الَّتِي هِيَ إحْدَى مُقَدِّمَتَيْ الدَّلِيلِ عَلَى مَسَائِلِ الْفِقْهِ، فَهَذَا هُوَ مَعْنَى التَّوَصُّلِ الْقَرِيبِ الْمَذْكُورِ وَإِذَا عُلِمَ أَنَّ جَمِيعَ مَسَائِلِ الْأُصُولِ رَاجِعَةٌ إلَى قَوْلِنَا كُلُّ حُكْمٍ كَذَا يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِهِ دَلِيلٌ كَذَا فَهُوَ ثَابِتٌ أَوْ كُلَّمَا وُجِدَ دَلِيلٌ كَذَا دَالٌّ عَلَى حُكْمٍ كَذَا يَثْبُتُ ذَلِكَ الْحُكْمُ عَلَى أَنَّهُ يَبْحَثُ فِي هَذَا الْعِلْمِ عَنْ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ لِأَحْكَامِ الْكُلِّيَّتَيْنِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْأُولَى مُثْبِتَةٌ لِلثَّانِيَةِ وَالثَّانِيَةُ ثَابِتَةٌ بِالْأُولَى وَالْمَبَاحِثُ
ــ
[التلويح]
بِهَا لَيْسَ عَنْ أَدِلَّتِهَا الْأَرْبَعَةِ.
قَوْلُهُ (يُبْحَثُ فِي هَذَا الْعِلْمِ عَنْ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْأَحْكَامِ) يَعْنِي عَنْ أَحْوَالِهِمَا عَنْ حَذْفِ الْمُضَافِ، إذْ لَا يُبْحَثُ فِي الْعِلْمِ عَنْ نَفْسِ الْمَوْضُوعِ، بَلْ عَنْ أَحْوَالِهِ وَعَوَارِضِهِ إلَّا أَنَّ حَذْفَ هَذَا الْمُضَافِ شَائِعٌ فِي عِبَارَةِ الْقَوْمِ.
قَوْلُهُ (فَمَوْضُوعُ هَذَا الْعِلْمِ) الْمُرَادُ بِمَوْضُوعِ الْعِلْمِ مَا يُبْحَثُ فِيهِ عَنْ عَوَارِضِهِ الذَّاتِيَّةِ وَالْمُرَادُ بِالْعَرْضِ هَاهُنَا الْمَحْمُولُ عَلَى الشَّيْءِ الْخَارِجُ عَنْهُ وَبِالْعَرْضِ الذَّاتِيِّ مَا يَكُونُ مُنْشَؤُهُ الذَّاتِ بِأَنْ يَلْحَقَ الشَّيْءُ لِذَاتِهِ كَالْإِدْرَاكِ لِلْإِنْسَانِ أَوْ بِوَاسِطَةِ أَمْرٍ يُسَاوِيهِ كَالضَّحِكِ لِلْإِنْسَانِ بِوَاسِطَةِ تَعَجُّبِهِ أَوْ بِوَاسِطَةِ أَمْرٍ أَعَمَّ مِنْهُ دَاخِلٍ فِيهِ كَالتَّحَرُّكِ لِلْإِنْسَانِ بِوَاسِطَةِ كَوْنِهِ حَيَوَانًا وَالْمُرَادُ بِالْبَحْثِ عَنْ الْأَعْرَاضِ الذَّاتِيَّةِ حَمْلُهَا عَلَى مَوْضُوعِ الْعِلْمِ كَقَوْلِنَا الْكِتَابُ يُثْبِتُ الْحُكْمَ قَطْعًا أَوْ عَلَى أَنْوَاعِهِ كَقَوْلِنَا الْأَمْرُ
стр. 37
الَّتِي تَرْجِعُ إلَى أَنَّ الْأُولَى مُثْبِتَةٌ لِلثَّانِيَةِ وَالثَّانِيَةَ ثَابِتَةٌ بِالْأُولَى بَعْضُهَا نَاشِئَةٌ عَنْ الْأَدِلَّةِ وَبَعْضُهَا نَاشِئَةٌ عَنْ الْأَحْكَامِ فَمَوْضُوعُ هَذَا الْعِلْمِ الْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ وَالْأَحْكَامُ إذْ يُبْحَثُ فِيهِ عَنْ الْعَوَارِضِ الذَّاتِيَّةِ لِلْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَهِيَ إثْبَاتُهَا الْحُكْمَ وَعَنْ الْعَوَارِضِ الذَّاتِيَّةِ لِلْأَحْكَامِ وَهِيَ ثُبُوتُهَا بِتِلْكَ الْأَدِلَّةِ.
(فَيُبْحَثُ فِيهِ عَنْ أَحْوَالِ الْأَدِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا) الْفَاءُ فِي قَوْلِهِ فَيُبْحَثُ مُتَعَلِّقٌ بِحَدِّ هَذَا الْعِلْمِ أَيْ إذَا كَانَ حَدُّ أُصُولِ الْفِقْهِ هَذَا يَجِبُ أَنْ يُبْحَثَ فِيهِ عَنْ أَحْوَالِ الْأَدِلَّةِ وَالْأَحْكَامِ وَمُتَعَلِّقَاتهمْ اوَالْمُرَادُ بِالْأَحْوَالِ الْعَوَارِضُ الذَّاتِيَّةُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا عُطِفَ عَلَى الْأَدِلَّةِ وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ بِهَا يَرْجِعُ إلَى الْأَدِلَّةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا هُوَ الْأَدِلَّةُ الْمُخْتَلَفُ فِيهَا كَاسْتِصْحَابِ الْحَالِ وَالِاسْتِحْسَانِ وَأَدِلَّةِ الْمُقَلِّدِ وَالْمُسْتَفْتِي وَأَيْضًا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَدِلَّةِ الْأَرْبَعَةِ مِمَّا لَهُ مَدْخَلٌ فِي كَوْنِهَا مُثْبِتَةً لِلْحُكْمِ كَالْبَحْثِ عَنْ الِاجْتِهَادِ وَنَحْوِهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْعَوَارِضَ الذَّاتِيَّةَ لِلْأَدِلَّةِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ مِنْهَا الْعَوَارِضُ الذَّاتِيَّةُ الْمَبْحُوثُ عَنْهَا وَهِيَ كَوْنُهَا مُثْبِتَةً لِلْأَحْكَامِ وَمِنْهَا مَا لَيْسَتْ بِمَبْحُوثٍ عَنْهَا لَكِنْ لَهَا مَدْخَلٌ فِي لُحُوقِ مَا هِيَ مَبْحُوثٌ عَنْهَا كَكَوْنِهَا عَامَّةً أَوْ مُشْتَرَكَةً أَوْ خَبَرَ وَاحِدٍ وَأَمْثَالَ ذَلِكَ وَمِنْهَا مَا لَيْسَ كَذَلِكَ كَكَوْنِهِ ثُلَاثِيًّا أَوْ رُبَاعِيًّا قَدِيمًا أَوْ حَادِثًا أَوْ غَيْرَهَا فَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ يَقَعُ مَحْمُولَاتٍ فِي الْقَضَايَا الَّتِي هِيَ مَسَائِلُ هَذَا الْعِلْمِ وَالْقِسْمُ الثَّانِي يَقَعُ أَوْصَافًا وَقُيُودًا لِمَوْضُوعِ تِلْكَ الْقَضَايَا كَقَوْلِنَا الْخَبَرُ الَّذِي يَرْوِيهِ وَاحِدٌ يُوجِبُ غَلَبَةَ الظَّنِّ بِالْحُكْمِ، وَقَدْ يَقَعُ مَوْضُوعًا لِتِلْكَ الْقَضَايَا كَقَوْلِنَا الْعَامُّ يُوجِبُ الْحُكْمَ قَطْعًا، وَقَدْ يَقَعُ مَحْمُولًا فِيهَا، نَحْوُ النَّكِرَةِ فِي مَوْضُوعِ النَّفْيِ عَامَّةً وَكَذَلِكَ الْأَعْرَاضُ الذَّاتِيَّةُ لِلْحُكْمِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ أَيْضًا الْأَوَّلُ مَا يَكُونُ مَبْحُوثًا عَنْهُ، وَهُوَ كَوْنُ
ــ
[التلويح]
يُفِيدُ الْوُجُوبَ أَوْ عَلَى أَعْرَاضِهِ الذَّاتِيَّةِ كَقَوْلِنَا الْعَامُّ يُفِيدُ الْقَطْعَ أَوْ عَلَى أَنْوَاعِ أَعْرَاضِهِ الذَّاتِيَّةِ كَقَوْلِنَا الْعَامُّ الَّذِي خُصَّ مِنْهُ الْبَعْضُ يُفِيدُ الظَّنَّ وَجَمِيعُ مَبَاحِثِ أُصُولِ الْفِقْهِ رَاجِعَةٌ إلَى إثْبَاتِ الْأَعْرَاضِ الذَّاتِيَّةِ لِلْأَدِلَّةِ وَالْأَحْكَامِ مِنْ حَيْثُ إثْبَاتُ الْأَدِلَّةِ لِلْأَحْكَامِ وَثُبُوتُ أَحْكَامٍ بِالْأَدِلَّةِ بِمَعْنَى أَنَّ جَمِيعَ مَحْمُولَاتِ مَسَائِلِ هَذَا الْفَنِّ هُوَ الْإِثْبَاتُ وَالثُّبُوتُ وَمَا لَهُ نَفْعٌ وَدَخْلٌ فِي ذَلِكَ فَيَكُونُ مَوْضُوعُهُ الْأَدِلَّةَ الْأَحْكَامَ مِنْ حَيْثُ إثْبَاتُ الْأَدِلَّةِ لِلْأَحْكَامِ وَثُبُوتِ الْأَحْكَامِ بِالْأَدِلَّةِ، فَإِنْ قَلْت فَمَا بَالُهُمْ يَجْعَلُونَ مِنْ مَسَائِلِ الْأُصُولِ إثْبَاتَ الْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ لِلْأَحْكَامِ وَيَجْعَلُونَ مِنْهَا إثْبَاتَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لِذَلِكَ قُلْتُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالنَّظَرِ فِي الْفَنِّ هِيَ الْكَسْبِيَّاتُ الْمُفْقِرَةُ إلَى الدَّلِيلِ وَكَوْنُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ حُجَّةً بِمَنْزِلَةِ الْبَدِيهِيِّ فِي نَظَرِ الْأُصُولِ لِتَقَرُّرِهِ فِي الْكَلَامِ وَشُهْرَتِهِ بَيْنَ الْأَنَامِ بِخِلَافِ الْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ وَلِهَذَا تَعَرَّضُوا لِمَا لَيْسَ إثْبَاتُهُ لِلْحُكْمِ بَيِّنًا كَالْقِرَاءَةِ الشَّاذَّةِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ.
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الثَّالِثُ) يَعْنِي الْعَوَارِضَ الذَّاتِيَّةَ الَّتِي لَا تَكُونُ مَبْحُوثًا عَنْهَا فِي هَذَا الْعِلْمِ وَلَا دَخْلَ لَهَا فِي لُحُوقِ مَا هِيَ مَبْحُوثٌ عَنْهَا مِنْ الْقِسْمَيْنِ يَعْنِي قِسْمَيْ الْعَوَارِضِ الَّتِي
стр. 38
الْحُكْمِ ثَابِتًا بِالْأَدِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ، وَالثَّانِي مَا يَكُونُ لَهُ مَدْخَلٌ فِي لُحُوقِ مَا هُوَ مَبْحُوثٌ عَنْهُ كَكَوْنِهِ مُتَعَلِّقًا بِفِعْلِ الْبَالِغِ أَوْ بِفِعْلِ الصَّبِيِّ وَنَحْوِهِ. وَالثَّالِثُ مَا لَا يَكُونُ كَذَلِكَ فَالْأَوَّلُ يَكُونُ مَحْمُولًا فِي الْقَضَايَا الَّتِي هِيَ مَسَائِلُ هَذَا الْعِلْمِ وَالثَّانِي أَوْصَافًا وَقُيُودًا لِمَوْضُوعِ تِلْكَ الْقَضَايَا، وَقَدْ يَقَعُ مَوْضُوعًا وَقَدْ يَقَعُ مَحْمُولًا كَقَوْلِنَا الْحُكْمُ الْمُتَعَلِّقُ بِالْعِبَادَةِ يَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَنَحْوُ الْعُقُوبَةِ لَا تَثْبُتُ بِالْقِيَاسِ وَنَحْوُ زَكَاةِ الصَّبِيِّ عِبَادَةٌ. وَأَمَّا الثَّالِثُ مِنْ كِلَا الْقِسْمَيْنِ بِمَعْزِلٍ عَنْ هَذَا الْعِلْمِ وَعَنْ مَسَائِلِهِ.
(وَيَلْحَقُ بِهِ الْبَحْثُ عَمَّا يَثْبُتُ بِهَذِهِ الْأَدِلَّةِ، وَهُوَ الْحُكْمُ وَعَمَّا يَتَعَلَّقُ بِهِ) الضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ فِي قَوْلِهِ وَيَلْحَقُ بِهِ رَاجِعٌ إلَى الْبَحْثِ الْمَدْلُولِ فِي قَوْلِهِ فَيَبْحَثُ عَمَّا يَثْبُتُ أَيْ عَنْ أَحْوَالِ مَا يَثْبُتُ وَقَوْلُهُ عَمَّا يَتَعَلَّقُ بِهِ أَيْ بِالْحُكْمِ، وَهُوَ الْحَاكِمُ وَالْمَحْكُومُ بِهِ وَالْمَحْكُومُ عَلَيْهِ وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ وَيَلْحَقُ بِهِ يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يُرَادَ بِهِ أَنْ يَذْكُرَ مَبَاحِثَ الْحُكْمِ بَعْدَ مَبَاحِثِ الْأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّ مَوْضُوعَ هَذَا الْعِلْمِ الْأَدِلَّةُ وَالْأَحْكَامُ. وَالثَّانِي أَنَّ مَوْضُوعَ هَذَا الْعِلْمِ الْأَدِلَّةُ فَقَطْ وَإِنَّمَا يَبْحَثُ عَنْ الْأَحْكَامِ عَلَى أَنَّهُ مِنْ لَوَاحِقِ هَذَا الْعِلْمِ فَإِنَّ أُصُولَ الْفِقْهِ هِيَ أَدِلَّةُ الْفِقْهِ، ثُمَّ أُرِيدَ بِهِ الْعِلْمُ بِالْأَدِلَّةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا مُثْبِتَةٌ لِلْحُكْمِ فَالْمَبَاحِثُ النَّاشِئَةُ عَنْ الْحُكْمِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ خَارِجَةٌ عَنْ هَذَا الْعِلْمِ وَهِيَ مَسَائِلُ قَلِيلَةٌ تُذْكَرُ عَلَى أَنَّهَا لَوَاحِقُ وَتَوَابِعُ لِمَسَائِلِ هَذَا الْعِلْمِ كَمَا أَنَّ مَوْضُوعَ الْمَنْطِقِ التَّصَوُّرَاتُ وَالتَّصْدِيقَاتُ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا مُوَصِّلَةٌ إلَى تَصَوُّرٍ وَتَصْدِيقٍ فَمُعْظَمُ مَسَائِلِ الْمَنْطِقِ رَاجِعٌ إلَى أَحْوَالِ الْمُوَصِّلِ وَإِنْ كَانَ يَبْحَثُ فِيهِ عَلَى سَبِيلِ النُّدْرَةِ عَنْ أَحْوَالِ التَّصَوُّرِ الْمُوَصِّلِ إلَيْهِ كَالْبَحْثِ
ــ
[التلويح]
لِلْأَدِلَّةِ وَالْعَوَارِضِ الَّتِي لِلْأَحْكَامِ، وَذَلِكَ كَالْإِمْكَانِ وَالْقِدَمِ وَالْحُدُوثِ وَالْبَسَاطَةِ وَالتَّرْكِيبِ وَكَوْنُ الدَّلِيلِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً أَوْ فِعْلِيَّةً ثُلَاثِيَّةً مُفْرَدَاتُهُ أَوْ رَبَاعِيَةً مُعْرَبَةً أَوْ مَبْنِيَّةً إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا دَخْلَ لَهُ فِي الْإِثْبَاتِ وَالثُّبُوتِ فَلَا يُبْحَثُ عَنْهَا فِي الْأُصُولِ، وَهَذَا كَمَا أَنَّ النَّجَّارَ يَنْظُرُ فِي الْخَشَبِ مِنْ جِهَةِ صَلَابَتِهِ وَرَخَاوَتِهِ وَرِقَّتِهِ وَغِلَظِهِ وَاعْوِجَاجِهِ وَاسْتِقَامَتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِصِنَاعَتِهِ لَا مِنْ جِهَةِ إمْكَانِهِ وَحُدُوثِهِ وَتَرَكُّبِهِ وَبَسَاطَتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ (أَنْ يَذْكُرَ مَبَاحِثَ الْحُكْمِ بَعْدَ مَبَاحِثِ الْأَدِلَّةِ) ؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ مُقَدَّمٌ بِالذَّاتِ وَالْبَحْثُ عَنْهُ أَهَمُّ فِي فَنِّ الْأُصُولِ.
قَوْلُهُ (كَمَا أَنَّ مَوْضُوعَ الْمَنْطِقِ التَّصَوُّرَاتُ وَالتَّصْدِيقَاتُ) ؛ لِأَنَّهُ يَبْحَثُ عَنْ أَحْوَالِ التَّصَوُّرِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ حَدٌّ أَوْ رَسْمٌ فَيُوَصِّلُ إلَى تَصَوُّرٍ وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ جِنْسٌ أَوْ فَصْلٌ أَوْ خَاصَّةٌ فَيُرَكَّبُ مِنْهَا حَدٌّ أَوْ رَسْمٌ وَعَنْ أَحْوَالِ التَّصْدِيقِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ حُجَّةٌ تُوَصِّلُ إلَى تَصْدِيقٍ وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ قَضِيَّةٌ أَوْ عَكْسُ قَضِيَّةٍ أَوْ نَقِيضٌ فَيُؤَلِّفُ مِنْهَا حُجَّةً وَبِالْجُمْلَةِ جَمِيعُ مَبَاحِثِهِ رَاجِعَةٌ إلَى الْإِيصَالِ وَمَا لَهُ دَخْلٌ فِي الْإِيصَالِ وَقَدْ يَقَعُ الْبَحْثُ عَنْ أَحْوَالِ التَّصَوُّرِ الْمُوَصِّلِ إلَيْهِ بِأَنَّهُ إنْ كَانَ بَسِيطًا لَا يُحَدُّ، وَإِنْ كَانَ مُرَكَّبًا مِنْ الْجِنْسِ وَالْفَصْلِ يُحَدُّ، وَإِنْ كَانَ لَهُ خَاصَّةٌ لَازِمَةٌ بَيِّنَةٌ يَرْسُمُ وَإِلَّا فَلَا وَيُمْكِنُ أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ
стр. 39
عَنْ الْمَاهِيَّاتِ أَنَّهَا قَابِلَةٌ لِلْحَدِّ فَهَذَا الْبَحْثُ يُذْكَرُ عَلَى طَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ فَكَذَا هُنَا وَفِي بَعْضِ كُتُبِ الْأُصُولِ لَمْ يُعَدَّ مَبَاحِثُ الْحُكْمِ مِنْ مَبَاحِثِ هَذَا الْعِلْمِ لَكِنَّ الصَّحِيحَ هُوَ الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ وَقَوْلُهُ وَهُوَ الْحُكْمُ، فَإِنْ أُرِيدَ بِالْحُكْمِ الْخِطَابُ الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ، وَهُوَ قَدِيمٌ فَالْمُرَادُ بِثُبُوتِهِ بِالْأَدِلَّةِ الْأَرْبَعَةِ ثُبُوتُ عِلْمِنَا بِهِ بِتِلْكَ الْأَدِلَّةِ وَإِنْ أُرِيدَ بِالْحُكْمِ أَثَرُ الْخِطَابِ كَالْوُجُوبِ وَالْحُرْمَةِ فَثُبُوتُهُ بِبَعْضِ الْأَدِلَّةِ الْأَرْبَعَةِ صَحِيحٌ وَبِالْبَعْضِ لَا كَالْقِيَاسِ مَثَلًا؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ غَيْرُ مُثْبِتٍ لِلْوُجُوبِ، بَلْ مُثْبِتٌ غَلَبَةَ ظَنِّهِ بِالْوُجُوبِ كَمَا قِيلَ: إنَّ الْقِيَاسَ مُظْهِرٌ لَا مُثْبِتٌ فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالْإِثْبَاتِ إثْبَاتَ غَلَبَةِ الظَّنِّ وَإِنْ نُوقِشَ فِي ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّفْظَ الْوَاحِدَ لَا يُرَادُ بِهِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ مَعًا فَنَقُولُ نُرِيدُ فِي الْجَمِيعِ إثْبَاتَ الْعِلْمِ لَنَا أَوْ غَلَبَةَ الظَّنِّ لَنَا. وَاعْلَمْ أَنِّي لَمَّا وَقَعْت فِي مَبَاحِثِ الْمَوْضُوعِ وَالْمَسَائِلِ أَرَدْت أَنْ أُسْمِعَك بَعْضَ مَبَاحِثِهَا الَّتِي لَا يَسْتَغْنِي الْمُحَصِّلُ عَنْهَا وَإِنْ كَانَ لَا يَلِيقُ بِهَذَا الْفَنِّ مِنْهَا أَنَّهُمْ قَدْ ذَكَرُوا أَنَّ الْعِلْمَ الْوَاحِدَ قَدْ يَكُونُ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ مَوْضُوعٍ وَاحِدٍ كَالطِّبِّ فَإِنَّهُ يُبْحَثُ فِيهِ عَنْ أَحْوَالِ بَدَنِ الْإِنْسَانِ وَعَنْ الْأَدْوِيَةِ وَنَحْوِهَا، وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ وَالتَّحْقِيقُ فِيهِ أَنَّ الْمَبْحُوثَ عَنْهُ فِي الْعِلْمِ إنْ كَانَ إضَافَةَ شَيْءٍ إلَى آخَرَ كَمَا أَنَّ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ
ــ
[التلويح]
رَاجِعًا إلَى الْبَحْثِ عَنْ أَحْوَالِ التَّصَوُّرِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ الْمُوَصِّلُ بِأَنْ يُقَالَ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْحَدَّ يُوَصِّلُ إلَى الْمُرَكَّبِ دُونَ الْبَسِيطِ فَيَكُونُ مِنْ الْمَسَائِلِ.
١ -
قَوْلُهُ (لَكِنَّ الصَّحِيحَ) ذَهَبَ صَاحِبُ الْأَحْكَامِ إلَى أَنَّ مَوْضُوعَ أُصُولِ الْفِقْهِ هُوَ الْأَدِلَّةُ الْأَرْبَعَةُ وَلَا يُبْحَثُ فِيهِ عَنْ أَحْوَالِ الْأَحْكَامِ، بَلْ إنَّمَا يَحْتَاجُ إلَى تَصَوُّرِهَا لِيَتَمَكَّنَ مِنْ إثْبَاتِهَا وَنَفْيِهَا لَكِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ مَوْضُوعَهُ الْأَدِلَّةُ وَالْأَحْكَامُ؛ لِأَنَّا رَجَّعْنَا الْأَدِلَّةَ بِالتَّعْمِيمِ إلَى الْأَرْبَعَةِ وَالْأَحْكَامَ إلَى الْخَمْسَةِ وَنَظَرْنَا فِي الْمَبَاحِثِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِكَيْفِيَّةِ إثْبَاتِ الْأَدِلَّةِ لِلْأَحْكَامِ إجْمَالًا فَوَجَدْنَا بَعْضَهَا رَاجِعَةً إلَى أَحْوَالِ الْأَدِلَّةِ وَبَعْضَهَا إلَى أَحْوَالِ الْأَحْكَامِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي تَحْصِيلِ الْقَضِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِهَا إلَى الْفِقْهِ فَجَعَلَ أَحَدَهُمَا مِنْ الْمَقَاصِدِ وَالْآخَرَ مِنْ اللَّوَاحِقِ تَحْكُمُ غَايَةُ مَا فِي الْبَابِ أَنَّ مَبَاحِثَ الْأَدِلَّةِ أَكْثَرُ وَأَهَمُّ لَكِنَّهُ لَا يَقْتَضِي الْأَصَالَةَ وَالِاسْتِقْلَالَ.
قَوْلُهُ (فَإِنْ أُرِيدَ بِالْحُكْمِ) هَذَا كَلَامٌ لَا حَاصِلَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْأَدِلَّةَ الشَّرْعِيَّةَ مُعَرِّفَاتٌ وَأَمَارَاتٌ وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّهَا أَدِلَّةٌ حَقِيقِيَّةٌ فَلَا مَعْنَى لِلدَّلِيلِ إلَّا مَا يُفِيدُ الْعِلْمَ بِثُبُوتِ الشَّيْءِ أَوْ انْتِفَائِهِ، غَايَةُ مَا فِي الْبَابِ أَنَّ الْعِلْمَ يُؤْخَذُ بِمَعْنَى الْإِدْرَاكِ الْجَازِمِ أَوْ الرَّاجِحِ لِيَعُمَّ الْقَطْعِيَّ وَالظَّنِّيَّ فَيَصِحُّ فِي جَمِيعِ الْأَدِلَّةِ، وَهَذَا لَا يَتَفَاوَتُ بِقِدَمِ الْحُكْمِ وَحُدُوثِهِ وَقَدْ اُضْطُرَّ إلَى ذَلِكَ آخِرِ الْأَمْرِ وَلَيْسَ مَعْنَى الدَّلِيلِ مَا يُفِيدُ نَفْسَ الثُّبُوتِ كَمَا هُوَ شَأْنُ الْعِلَلِ الْخَارِجِيَّةِ، وَإِنْ جَعَلْنَا الْحُكْمَ حَادِثًا عَلَى مَا يُشْعِرُ بِهِ كَلَامُهُ.
قَوْلُهُ (وَاعْلَمْ إلَخْ) هَذِهِ ثَلَاثَةُ مَبَاحِثَ فِي الْمَوْضُوعِ أَوْرَدَهَا مُخَالِفًا لِجُمْهُورِ الْمُحَقِّقِينَ يَتَعَجَّبُ مِنْهَا النَّاظِرُ فِيهَا الْوَاقِفُ عَلَى كَلَامِ الْقَوْمِ فِي هَذَا الْمَقَامِ الْأَوَّلِ أَنَّ إطْلَاقَ الْقَوْلِ بِجَوَازِ تَعَدُّدِ الْمَوْضُوعِ، وَإِنْ كَانَ فَوْقَ الِاثْنَيْنِ غَيْرُ صَحِيحٍ
стр. 40
يُبْحَثُ عَنْ إثْبَاتِ الْأَدِلَّةِ لِلْحُكْمِ وَفِي الْمَنْطِقِ يُبْحَثُ فِيهِ عَنْ إيصَالِ تَصَوُّرٍ أَوْ تَصْدِيقٍ، إلَى تَصَوُّرٍ أَوْ تَصْدِيقٍ وَقَدْ يَكُونُ بَعْضُ الْعَوَارِضِ الَّتِي لَهَا مَدْخَلٌ فِي الْمَبْحُوثِ عَنْهُ نَاشِئَةً عَنْ أَحَدِ الْمُضَافَيْنِ وَبَعْضُهَا عَنْ الْآخَرِ فَمَوْضُوعُ هَذَا الْعِلْمِ كِلَا الْمُضَافَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَبْحُوثُ عَنْهُ الْإِضَافَةَ لَا يَكُونُ مَوْضُوعُ الْعِلْمِ الْوَاحِدِ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً؛ لِأَنَّ اتِّحَادَ الْعِلْمِ وَاخْتِلَافَهُ إنَّمَا هُوَ بِاتِّحَادِ الْمَعْلُومَاتِ أَيْ الْمَسَائِلِ وَاخْتِلَافِهَا فَاخْتِلَافُ الْمَوْضُوعِ يُوجِبُ اخْتِلَافَ الْعِلْمِ وَإِنْ أُرِيدَ بِالْعِلْمِ لِوَاحِدٍ مَا وَقَعَ الِاصْطِلَاحُ عَلَى أَنَّهُ عِلْمٌ وَاحِدٌ مِنْ غَيْرِ رِعَايَةِ مَعْنًى يُوجِبُ الْوَحْدَةَ فَلَا اعْتِبَارَ بِهِ عَلَى أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ أَنْ يَصْطَلِحَ حِينَئِذٍ عَلَى أَنَّ الْفِقْهَ وَالْهَنْدَسَةَ عِلْمٌ وَاحِدٌ وَمَوْضُوعَهُ شَيْئَانِ فِعْلُ الْمُكَلَّفِ وَالْمِقْدَارُ وَمَا أَوْرَدُوا مِنْ النَّظِيرِ، وَهُوَ بَدَنُ الْإِنْسَانِ وَالْأَدْوِيَةُ فَجَوَابُهُ أَنَّ الْبَحْثَ فِي الْأَدْوِيَةِ إنَّمَا هُوَ مِنْ حَيْثُ إنَّ بَدَنَ الْإِنْسَانِ يَصِحُّ بِبَعْضِهَا وَيَمْرَضُ بِبَعْضِهَا فَالْمَوْضُوعُ فِي الْجَمِيعِ بَدَنُ الْإِنْسَانِ.
ــ
[التلويح]
بَلْ التَّحْقِيقُ أَنَّ الْمَبْحُوثَ عَنْهُ فِي الْعِلْمِ إمَّا أَنْ يَكُونَ إضَافَةً بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ أَوْ لَا وَعَلَى الْأَوَّلِ إمَّا أَنْ تَكُونَ الْعَوَارِضُ الَّتِي لَهَا دَخْلٌ فِي الْمَبْحُوثِ عَنْهُ بَعْضُهَا نَاشِئًا عَنْ أَحَدِ الْمُضَافَيْنِ وَبَعْضُهَا نَاشِئًا عَنْ الْمُضَافِ الْآخَرِ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَمَوْضُوعُ الْعِلْمِ كِلَا الْمُضَافَيْنِ كَمَا وَقَعَ الْبَحْثُ فِي الْأُصُولِ عَنْ إثْبَاتِ الْأَدِلَّةِ لِلْأَحْكَامِ وَالْأَحْوَالِ الَّتِي لَهَا دَخْلٌ فِي ذَلِكَ بَعْضُهَا نَاشِئٌ عَنْ الدَّلِيلِ كَالْعُمُومِ وَالِاشْتِرَاكِ وَالتَّوَاتُرِ وَبَعْضُهَا عَنْ الْحُكْمِ كَكَوْنِهِ عِبَادَةً أَوْ عُقُوبَةً فَمَوْضُوعُهُ الْأَدِلَّةُ وَالْأَحْكَامُ جَمِيعًا.
وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ الْمَبْحُوثُ عَنْهُ إضَافَةً كَمَا فِي الْفِقْهِ الْبَاحِثِ عَنْ وُجُوبِ فِعْلِ الْمُكَلَّفِ وَحُرْمَتِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ أَوْ كَانَ إضَافَةً لَكِنْ لَا دَخْلَ لِلْأَحْوَالِ النَّاشِئَةِ عَنْ أَحَدِ الْمُضَافَيْنِ فِي الْمَبْحُوثِ عَنْهُ كَمَا فِي الْمَنْطِقِ الْبَاحِثِ عَنْ إيصَالِ تَصَوُّرٍ أَوْ تَصْدِيقٍ إلَى تَصَوُّرٍ أَوْ تَصْدِيقٍ وَلَا دَخْلَ لِأَحْوَالِ التَّصَوُّرِ وَالتَّصْدِيقِ الْمُوَصِّلِ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا قَرَّرَهُ الْمُصَنِّفُ فِيمَا سَبَقَ فَالْمَوْضُوعُ لَا يَكُونُ إلَّا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ اخْتِلَافَ الْمَوْضُوعِ يُوجِبُ اخْتِلَافَ الْمَسَائِلِ الْمُوجِبَ لِاخْتِلَافِ الْعِلْمِ ضَرُورَةَ أَنَّ الْعِلْمَ إنَّمَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَعْلُومَاتِ وَهِيَ الْمَسَائِلُ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِاخْتِلَافِ الْمَسَائِلِ مُجَرَّدُ تَكَثُّرِهَا فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يُوجِبُ اخْتِلَافَ الْعِلْمِ وَظَاهِرٌ أَنَّ مَسَائِلَ الْعِلْمِ الْوَاحِدِ كَثِيرَةٌ أَلْبَتَّةَ، وَإِنْ أُرِيدَ عَدَمُ تَنَاسُبِهَا فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ مُجَرَّدَ تَكَثُّرِ الْمَوْضُوعَاتِ يُوجِبُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ لَوْ لَمْ تَكُنْ الْمَوْضُوعَاتُ الْكَثِيرَةُ مُتَنَاسِبَةً وَالْقَوْمُ صَرَّحُوا بِأَنَّ الْأَشْيَاءَ الْكَثِيرَةَ إنَّمَا تَكُونُ مَوْضُوعًا لِعِلْمٍ وَاحِدٍ بِشَرْطِ تَنَاسُبِهَا وَوَجْهُ التَّنَاسُبِ اشْتِرَاكُهَا فِي دَانٍ كَالْخَطِّ وَالسَّطْحِ وَالْجِسْمِ التَّعْلِيمِيِّ لِلْهَنْدَسَةِ فَإِنَّهَا تَتَشَارَكُ فِي جِنْسِهَا، وَهُوَ الْمِقْدَارُ أَعْنِي الْكَمَّ الْمُتَّصِلَ الْقَارَّ الذَّاتِ أَوْ فِي عَرَضِيٍّ كَبَدَنِ الْإِنْسَانِ وَأَجْزَائِهِ وَالْأَغْذِيَةِ وَالْأَدْوِيَةِ وَالْأَرْكَانِ وَالْأَمْزِجَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ إذَا جَعَلْت مَوْضُوعَاتِ الطِّبِّ فَإِنَّهَا تَتَشَارَكُ فِي كَوْنِهَا مَنْسُوبَةً إلَى الصِّحَّةِ الَّتِي هِيَ الْغَايَةُ فِي ذَلِكَ الْعِلْمِ فَعُلِمَ أَنَّهُمْ لَمْ يُهْمِلُوا رِعَايَةَ مَعْنًى يُوجِبُ الْوَحْدَةَ وَأَنْ لَيْسَ لِأَحَدٍ
стр. 41
وَمِنْهَا أَنَّهُ قَدْ يُذْكَرُ الْحَيْثِيَّةُ أَحَدُهُمَا أَنَّ الشَّيْءَ مَعَ تِلْكَ الْحَيْثِيَّةِ مَوْضُوعٌ كَمَا يُقَالُ الْمَوْجُودُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَوْجُودٌ مَوْضُوعٌ لِلْعِلْمِ الْإِلَهِيِّ فَيُبْحَثُ فِيهِ عَنْ الْأَعْرَاضِ الذَّاتِيَّةِ الَّتِي تَلْحَقُهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَوْجُودٌ كَالْوَحْدَةِ وَالْكَثْرَةِ وَنَحْوِهِمَا، وَلَا يُبْحَثُ فِيهِ عَنْ تِلْكَ الْحَيْثِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْمَوْضُوعَ مَا يُبْحَثُ عَنْ أَعْرَاضِهِ لَا مَا يُبْحَثُ عَنْهُ أَوْ عَنْ أَجْزَائِهِ وَثَانِيهمَا أَنَّ الْحَيْثِيَّةَ تَكُونُ بَيَانًا لِلْأَعْرَاضِ الذَّاتِيَّةِ الْمَبْحُوثِ عَنْهَا فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لِلشَّيْءِ أَعْرَاضٌ ذَاتِيَّةٌ مُتَنَوِّعَةٌ وَإِنَّمَا يَبْحَثُ فِي عِلْمٍ عَنْ نَوْعٍ مِنْهَا فَالْحَيْثِيَّةُ بَيَانُ ذَلِكَ النَّوْعِ فَقَوْلُهُمْ مَوْضُوعُ الطِّبِّ بَدَنُ الْإِنْسَانِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَصِحُّ وَيَمْرَضُ وَمَوْضُوعُ الْهَيْئَةِ أَجْسَامُ الْعَالَمِ مِنْ حَيْثُ إنَّ لَهَا شَكْلًا يُرَادُ بِهِ الْمَعْنَى الثَّانِي لَا الْأَوَّلُ إذْ فِي الطِّبِّ يُبْحَثُ عَنْ الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ وَفِي الْهَيْئَةِ عَنْ الشَّكْلِ فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ هُوَ الْأَوَّلُ يَجِبُ أَنْ يُبْحَثَ فِي الطِّبِّ وَالْهَيْئَةِ عَنْ أَعْرَاضٍ
ــ
[التلويح]
أَنْ يَصْطَلِحَ عَلَى أَنَّ الْفِقْهَ وَالْهَنْدَسَةَ عِلْمٌ وَاحِدٌ مَوْضُوعُهُ فِعْلُ الْمُكَلَّفِ وَالْمِقْدَارُ أَنَّهُ فِيمَا أَوْرَدَ مِنْ الْمِثَالَيْنِ مُنَاقِضٌ نَفْسَهُ؛ لِأَنَّ مَوْضُوعَ الْأُصُولِ ثَمَّ أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ، إذْ مَحْمُولَاتُ مَسَائِلِهِ لَيْسَتْ أَعْرَاضًا ذَاتِيَّةً لِمَفْهُومِ الدَّلِيلِ، بَلْ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ عَلَى الِانْفِرَادِ أَوْ التَّشَارُكِ بَيْنَ اثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، وَكَذَا التَّصَوُّرُ وَالتَّصْدِيقُ فِي الْمَنْطِقِ.
قَوْلُهُ (وَمِنْهَا أَنَّهُ قَدْ يَذْكُرُ الْحَيْثِيَّةَ) الْمَبْحَثُ الثَّانِي فِي تَحْقِيقِ الْحَيْثِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْمَوْضُوعِ حَيْثُ يُقَالُ مَوْضُوعُ هَذَا الْعِلْمِ هُوَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مِنْ حَيْثُ كَذَا وَلَفْظُ حَيْثُ مَوْضُوعٌ لِلْمَكَانِ اُسْتُعِيرَ لِجِهَةِ الشَّيْءِ وَاعْتِبَارُهُ يُقَالُ الْمَوْجُودُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَوْجُودٌ أَيْ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ فَالْحَيْثِيَّةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْمَوْضُوعِ قَدْ لَا تَكُونُ مِنْ الْأَعْرَاضِ الْمَبْحُوثِ عَنْهَا فِي الْعِلْمِ كَقَوْلِهِمْ مَوْضُوعُ الْعِلْمِ الْإِلَهِيِّ الْبَاحِثِ عَنْ أَحْوَالِ الْمَوْجُودَاتِ الْمُجَرَّدَةِ هُوَ الْمَوْجُودُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَوْجُودٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَبْحَثُ عَنْ الْعَوَارِضِ الَّتِي تَلْحَقُ الْمَوْجُودَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَوْجُودٌ لَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ جَوْهَرٌ أَوْ عَرَضٌ أَوْ جِسْمٌ أَوْ مُجَرَّدٌ، وَذَلِكَ كَالْعِلِّيَّةِ وَالْمَعْلُولِيَّةِ وَالْوُجُوبِ وَالْإِمْكَانِ وَالْقِدَمِ وَالْحُدُوثِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَلَا يُبْحَثُ فِيهِ عَنْ حَيْثِيَّةِ الْوُجُودِ، إذْ لَا مَعْنَى لِإِثْبَاتِهَا لِلْمَوْجُودِ وَقَدْ تَكُونُ مِنْ الْأَعْرَاضِ الْمَبْحُوثِ عَنْهَا فِي الْعِلْمِ كَقَوْلِهِمْ مَوْضُوعُ عِلْمِ الطِّبِّ بَدَنُ الْإِنْسَانِ مِنْ حَيْثُ يَصِحُّ وَيَمْرَضُ وَمَوْضُوعُ الْعِلْمِ الطَّبِيعِيِّ الْجِسْمُ مِنْ حَيْثُ يَتَحَرَّكُ وَيَسْكُنُ وَالصِّحَّةُ وَالْمَرَضُ مِنْ الْأَعْرَاضِ الْمَبْحُوثِ عَنْهَا فِي الطِّبِّ وَكَذَا الْحَرَكَةُ وَالسُّكُونُ فِي الطَّبِيعِيِّ فَذَهَبَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّ الْحَيْثِيَّةَ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ جُزْءٌ مِنْ الْمَوْضُوعِ، وَفِي الثَّانِي بَيَانٌ لِلْأَعْرَاضِ الذَّاتِيَّةِ الْمَبْحُوثِ عَنْهَا فِي الْعِلْمِ، إذْ لَوْ كَانَتْ جُزْءًا مِنْ الْمَوْضُوعِ كَمَا فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ لَمَّا صَحَّ أَنْ يُبْحَثَ عَنْهَا فِي الْعِلْمِ وَتُجْعَلَ مِنْ مَحْمُولَاتِ مَسَائِلِهِ، إذْ لَا يُبْحَثُ فِي الْعِلْمِ عَنْ أَجْزَاءِ الْمَوْضُوعِ، بَلْ عَنْ أَعْرَاضِهِ الذَّاتِيَّةِ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا فِي الْأَوَّلِ جُزْءٌ مِنْ الْمَوْضُوعِ، بَلْ قَيْدٌ لِمَوْضُوعِيَّتِهِ بِمَعْنَى أَنَّ الْبَحْثَ يَكُونُ عَنْ الْأَعْرَاضِ الَّتِي تَلْحَقُهُ مِنْ تِلْكَ
стр. 42
لَاحِقَةٍ لِأَجْلِ الْحَيْثِيَّتَيْنِ وَلَا يُبْحَثُ عَنْ الْحَيْثِيَّتَيْنِ وَالْوَاقِعُ خِلَافُ ذَلِكَ وَمِنْهَا أَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ لَا يَكُونُ مَوْضُوعًا لِلْعِلْمَيْنِ أَقُولُ هَذَا غَيْرُ مُمْتَنِعٍ، بَلْ وَاقِعٌ فَإِنَّ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ يَكُونُ لَهُ أَعْرَاضٌ مُتَنَوِّعَةٌ فَفِي كُلِّ عِلْمٍ يُبْحَثُ عَنْ بَعْضٍ مِنْهَا كَمَا ذَكَرْنَاهُ.
ــ
[التلويح]
الْحَيْثِيَّةِ وَبِذَلِكَ الِاعْتِبَارِ وَعَلَى هَذَا لَوْ جَعَلْنَا الْحَيْثِيَّةَ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي أَيْضًا قَيْدًا لِلْمَوْضُوعِ عَلَى مَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَوْمِ لَا بَيَانًا لِلْأَعْرَاضِ الذَّاتِيَّةِ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ لَمْ يَكُنْ الْبَحْثُ عَنْهَا فِي الْعِلْمِ بَحْثًا عَنْ أَجْزَاءِ الْمَوْضُوعِ وَلَمْ يَلْزَمْنَا مَا لَزِمَ الْمُصَنِّفُ مِنْ تَشَارُكِ الْعِلْمَيْنِ فِي مَوْضُوعٍ وَاحِدٍ بِالذَّاتِ وَالِاعْتِبَارِ نَعَمْ يَرِدُ الْإِشْكَالُ الْمَشْهُورُ، وَهُوَ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ لَا تَكُونَ الْحَيْثِيَّةُ مِنْ الْأَعْرَاضِ الْمَبْحُوثِ عَنْهَا فِي الْعِلْمِ ضَرُورَةَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِمَّا تَعْرِضُ لِلْمَوْضُوعِ مِنْ جِهَةِ نَفْسِهَا وَإِلَّا لَزِمَ تَقَدُّمُ الشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ ضَرُورَةَ أَنَّ مَا بِهِ يَعْرِضُ الشَّيْءُ لِلشَّيْءِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَى الْعَارِضِ مَثَلًا لَيْسَتْ الصِّحَّةُ وَالْمَرَضُ مِمَّا يَعْرِضُ لِبَدَنِ الْإِنْسَانِ مِنْ حَيْثُ يَصِحُّ وَيَمْرَضُ وَلَا الْحَرَكَةُ وَالسُّكُونُ مِمَّا يَعْرِضُ لِلْجِسْمِ مِنْ حَيْثُ يَتَحَرَّكُ وَيَسْكُنُ، وَالْمَشْهُورُ فِي جَوَابِهِ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ حَيْثُ إمْكَانُ الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ وَالْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ وَالِاسْتِعْدَادِ لِذَلِكَ، وَهَذَا لَيْسَ مِنْ الْأَعْرَاضِ وَالْمَبْحُوثِ عَنْهَا فِي الْعِلْمِ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْمَوْضُوعَ لَمَّا كَانَ عِبَارَةً عَنْ الْمَبْحُوثِ فِي الْعِلْمِ عَنْ أَعْرَاضِهِ الذَّاتِيَّةِ قُيِّدَ بِالْحَيْثِيَّةِ عَلَى مَعْنَى أَنَّ الْبَحْثَ عَنْ الْعَوَارِضِ يَكُونُ بِاعْتِبَارِ الْحَيْثِيَّةِ وَبِالنَّظَرِ إلَيْهَا أَيْ يُلَاحَظُ فِي جَمِيعِ الْمَبَاحِثِ هَذَا الْمَعْنَى الْكُلِّيُّ لَا عَلَى مَعْنَى أَنَّ جَمِيعَ الْعَوَارِضِ الْمَبْحُوثِ عَنْهَا يَكُونُ لُحُوقُهَا لِلْمَوْضُوعِ بِوَاسِطَةِ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ أَلْبَتَّةَ.
قَوْلُهُ (وَمِنْهَا أَنَّ الْمَشْهُورَ) الْمَبْحَثُ الثَّالِثُ فِي جَوَازِ تَشَارُكِ الْعُلُومِ الْمُخْتَلِفَةِ فِي مَوْضُوعٍ وَاحِدٍ بِالذَّاتِ وَالِاعْتِبَارِ وَكَمَا خَالَفَ الْقَوْمَ فِي جَوَازِ تَعَدُّدِ الْمَوْضُوعِ لِعِلْمٍ وَاحِدٍ كَذَلِكَ خَالَفَهُمْ فِي امْتِنَاعِ اتِّحَادِ الْمَوْضُوعِ لِعُلُومٍ مُتَعَدِّدَةٍ وَادَّعَى جَوَازَهُ، بَلْ وُقُوعَهُ أَمَّا الْجَوَازُ فَلِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ لِشَيْءٍ وَاحِدٍ أَعْرَاضٌ ذَاتِيَّةٌ مُتَنَوِّعَةٌ أَيْ مُخْتَلِفَةٌ بِالنَّوْعِ يَبْحَثُ فِي عِلْمٍ عَنْ بَعْضِ أَنْوَاعِهَا، وَفِي عِلْمٍ آخَرَ عَنْ بَعْضٍ آخَرَ فَيَتَمَايَزُ الْعِلْمَانِ بِالْأَعْرَاضِ الْمَبْحُوثِ عَنْهَا، وَإِنْ اتَّحَدَ الْمَوْضُوعُ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ اتِّحَادَ الْعِلْمِ وَاخْتِلَافَهُ إنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ الْمَعْلُومَاتِ أَعْنِي الْمَسَائِلَ وَكَمَا تَتَّحِدُ الْمَسَائِلُ بِاتِّحَادِ مَوْضُوعَاتِهَا بِأَنْ يَرْجِعَ الْجَمِيعُ إلَى مَوْضُوعِ الْعِلْمِ وَتَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهَا كَذَلِكَ تَتَّحِدُ بِاتِّحَادِ مَحْمُولَاتِهَا بِأَنْ يَرْجِعَ الْجَمِيعُ إلَى نَوْعٍ مِنْ الْأَعْرَاضِ الذَّاتِيَّةِ لِلْمَوْضُوعِ وَتَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِهَا فَكَمَا اُعْتُبِرَ اخْتِلَافُ الْعُمُومِ بِاخْتِلَافِ الْمَوْضُوعَاتِ يَجُوزُ أَنْ يُعْتَبَرَ بِاخْتِلَافِ الْمَحْمُولَاتِ بِأَنْ يُؤْخَذَ مَوْضُوعٌ وَاحِدٌ بِالذَّاتِ وَالِاعْتِبَارِ وَيُجْعَلَ الْبَحْثُ عَنْ بَعْضِ أَعْرَاضِهِ الذَّاتِيَّةِ عِلْمًا وَعَنْ الْبَعْضِ الْآخَرِ عِلْمًا آخَرَ فَيَكُونَانِ عِلْمَيْنِ مُتَشَارِكَيْنِ فِي الْمَوْضُوعِ مُتَمَايِزَيْنِ فِي الْمَحْمُولِ.
وَأَمَّا الْوُقُوعُ فَلِأَنَّهُمْ جَعَلُوا أَجْسَامَ الْعَالَمِ وَهِيَ الْبَسَائِطُ مَوْضُوعَ عِلْمِ الْهَيْئَةِ مِنْ حَيْثُ الشَّكْلُ وَمَوْضُوعُ عِلْمِ السَّمَاءِ وَالْعَالَمِ
стр. 43
وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ يَكُونُ لَهُ أَعْرَاضٌ مُتَنَوِّعَةٌ فَإِنَّ الْوَاحِدَ الْحَقِيقِيَّ يُوصَفُ بِصِفَاتٍ كَثِيرَةٍ، وَلَا يَضُرُّ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهَا حَقِيقَةً وَبَعْضُهَا إضَافِيَّةً وَبَعْضُهَا سَلْبِيَّةً، وَلَا شَيْءَ مِنْهَا يَلْحَقُهُ
ــ
[التلويح]
مِنْ حَيْثُ الطَّبِيعِيَّةُ وَالْحَيْثِيَّةُ فِيهِمَا بَيَانُ الْأَعْرَاضِ الذَّاتِيَّةِ الْمَبْحُوثِ عَنْهَا لِأَجْزَاءِ الْمَوْضُوعِ وَإِلَّا لَمَا وَقَعَ الْبَحْثُ عَنْهَا فِي الْعِلْمَيْنِ فَمَوْضُوعُ كُلٍّ مِنْهُمَا أَجْسَامُ الْعَالَمِ عَلَى الْإِطْلَاقِ إلَّا أَنَّ الْبَحْثَ فِي الْهَيْئَةِ عَنْ أَشْكَالِهَا، وَفِي السَّمَاءِ وَالْعَالَمِ عَنْ طَبَائِعِهَا فَهُمَا عِلْمَانِ مُخْتَلِفَانِ بِاخْتِلَافِ مَحْمُولَاتِ الْمَسَائِلِ مَعَ اتِّحَادِ الْمَوْضُوعِ وَعِلْمُ السَّمَاءِ وَالْعَالَمِ عِلْمٌ تُعْرَفُ فِيهِ أَحْوَالُ الْأَجْسَامِ الَّتِي هِيَ أَرْكَانُ الْعَالَمِ وَهِيَ السَّمَاوَاتُ وَمَا فِيهَا وَالْعَنَاصِرُ الْأَرْبَعَةُ وَطَبَائِعُهَا وَحَرَكَاتُهَا وَمَوَاضِعُهَا وَتَعْرِيفُ الْحِكْمَةِ فِي صُنْعِهَا وَتَنْضِيدِهَا، وَهُوَ مِنْ أَقْسَامِ الْعِلْمِ الطَّبِيعِيِّ الْبَاحِثِ عَنْ أَحْوَالِ الْأَجْسَامِ مِنْ حَيْثُ التَّغَيُّرُ وَمَوْضُوعُهُ الْجِسْمُ الْمَحْسُوسُ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَعْرُوضٌ لِلتَّغَيُّرِ فِي الْأَحْوَالِ وَالثَّبَاتِ فِيهَا وَيَبْحَثُ فِيهِ عَمَّا يَعْرِضُ لَهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ كَذَلِكَ كَذَا ذَكَرَهُ أَبُو عَلِيٍّ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْحَيْثِيَّةَ فِي الطَّبِيعِيِّ مَبْحُوثٌ عَنْهَا وَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّهَا قَيْدٌ لِلْعُرُوضِ وَهَاهُنَا نَظَرٌ، أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَا ذَكَرَ مِنْ كَوْنِ الْحَيْثِيَّةِ تَارَةً جُزْءًا مِنْ الْمَوْضُوعِ وَأُخْرَى بَيَانًا لِلْمَبْحُوثِ عَنْهَا وَقَدْ عَرَفْت مَا فِيهِ، أَمَّا ثَانِيًا فَإِنَّهُمْ لَمَّا حَاوَلُوا مَعْرِفَةَ أَحْوَالِ الْأَعْيَانِ الْمَوْجُودَاتِ وَضَعُوا الْحَقَائِقَ أَنْوَاعًا وَأَجْنَاسًا وَبَحَثُوا عَمَّا أَحَاطُوا بِهِ مِنْ أَعْرَاضِهِ الذَّاتِيَّةِ فَحَصَلَتْ لَهُمْ مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ مُتَّحِدَةٌ فِي كَوْنِهَا بَحْثًا عَنْ أَحْوَالِ ذَلِكَ الْمَوْضُوعِ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ مَحْمُولَاتُهَا فَجَعَلُوهَا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ عِلْمًا وَاحِدَا يُفْرَدُ بِالتَّدْوِينِ وَالتَّسْمِيَةِ وَجَوَّزُوا لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يُضِيفَ إلَيْهِ مَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ مِنْ أَحْوَالِ ذَلِكَ الْمَوْضُوعِ فَإِنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْعِلْمِ هُوَ الْبَحْثُ عَنْ جَمِيعِ مَا تُحِيطُ بِهِ الطَّاقَةُ الْإِنْسَانِيَّةُ مِنْ الْأَعْرَاضِ الذَّاتِيَّةِ لِلْمَوْضُوعِ فَلَا مَعْنَى لِلْعِلْمِ الْوَاحِدِ إلَّا أَنْ يُوضَعَ شَيْءٌ أَوْ أَشْيَاءُ مُتَنَاسِبَةٌ فَنَبْحَثَ عَنْ جَمِيعِ عَوَارِضِهِ الذَّاتِيَّةِ وَنَطْلُبَهَا وَلَا مَعْنَى لِتَمَايُزِ الْعُلُومِ إلَّا أَنَّ هَذَا يَنْظُرُ فِي أَحْوَالِ شَيْءٍ وَذَاكَ فِي أَحْوَالِ شَيْءٍ آخَرَ مُغَايِرٍ لَهُ بِالذَّاتِ أَوْ بِالِاعْتِبَارِ بِأَنْ يُؤْخَذَ فِي أَحَدِ الْعِلْمَيْنِ مُطْلَقًا، وَفِي الْآخَرِ بِالْبُرْهَانِ مُقَيَّدًا أَوْ يُؤْخَذَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا مُقَيَّدًا بِقَيْدٍ آخَرَ وَتِلْكَ الْأَحْوَالُ مَجْهُولَةٌ مَطْلُوبَةٌ وَالْمَوْضُوعُ مَعْلُومٌ بَيْنَ الْوُجُودِ فَهُوَ الصَّالِحُ سَبَبًا لِلتَّمَايُزِ.
وَأَمَّا ثَالِثًا فَلِأَنَّهُ مَا مِنْ عِلْمٍ إلَّا وَيَشْتَمِلُ مَوْضُوعُهُ عَلَى أَعْرَاضٍ ذَاتِيَّةٍ مُتَنَوِّعَةٍ فَلِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَجْعَلَهُ عُلُومًا مُتَعَدِّدَةً بِهَذَا الِاعْتِبَارِ مَثَلًا يَجْعَلُ الْبَحْثَ عَنْ فِعْلِ الْمُكَلَّفِ مِنْ حَيْثُ الْوُجُوبُ عِلْمًا وَمِنْ حَيْثُ الْحُرْمَةُ عِلْمًا آخَرَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَيَكُونُ الْفِقْهُ عُلُومًا مُتَعَدِّدَةً مَوْضُوعُهَا فِعْلُ الْمُكَلَّفِ فَلَا يَنْضَبِطُ الِاتِّحَادُ وَالِاخْتِلَافُ وَتَحْقِيقُ هَذِهِ الْمَبَاحِثِ فِي كِتَابِ الْبُرْهَانِ مِنْ مَنْطِقِ الشِّفَاءِ.
قَوْلُهُ، (وَإِنَّمَا قُلْنَا) اسْتَدَلَّ عَلَى
стр. 44
لِجُزْئِهِ لِعَدَمِ الْجُزْءِ لَهُ فَلُحُوقُ بَعْضِهَا لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لِذَاتِهِ قَطْعًا لِلتَّسَلْسُلِ فِي الْمَبْدَأِ فَلُحُوقُ الْبَعْضِ الْآخَرِ إنْ كَانَ لِذَاتِهِ فَهُوَ الْمَطْلُوبُ وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهِ نَتَكَلَّمُ فِي ذَلِكَ الْغَيْرِ حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى ذَاتِهِ قَطْعًا لِلتَّسَلْسُلِ فِي الْمَبْدَأِ. وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ اسْتِكْمَالُهُ مِنْ غَيْرِهِ إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ مَوْضُوعَ عِلْمَيْنِ وَيَكُونَ تَمِيزُهُمَا بِحَسَبِ الْأَعْرَاضِ الْمَبْحُوثِ عَنْهَا وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ اتِّحَادَ الْعِلْمَيْنِ وَاخْتِلَافَهُمَا بِحَسَبِ اتِّحَادِ الْمَعْلُومَاتِ وَاخْتِلَافِهَا وَالْمَعْلُومَاتُ هِيَ الْمَسَائِلُ فَكَمَا أَنَّ الْمَسَائِلَ تَتَّحِدُ وَتَخْتَلِفُ بِحَسْبِ مَوْضُوعَاتِهَا وَهِيَ رَاجِعَةٌ إلَى مَوْضُوعِ الْعِلْمِ فَكَذَلِكَ تَتَّحِدُ الْمَسَائِلُ وَتَخْتَلِفُ بِحَسَبِ مَحْمُولَاتِهَا وَهِيَ رَاجِعَةٌ إلَى تِلْكَ الْأَعْرَاضِ وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّ الِاصْطِلَاحَ جَرَى بِأَنَّ الْمَوْضُوعَ مُعْتَبَرٌ فِي ذَلِكَ لَا الْمَحْمُولَ فَحِينَئِذٍ
ــ
[التلويح]
ثُبُوتِ الْأَعْرَاضِ الذَّاتِيَّةِ الْمُتَنَوِّعَةِ لِشَيْءٍ وَاحِدٍ بِأَنَّ الْوَاحِدَ الْحَقِيقِيَّ الَّذِي لَا كَثْرَةَ فِي ذَاتِهِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ يَتَّصِفُ بِصِفَاتٍ كَثِيرَةٍ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا حَقِيقِيًّا كَالْقُدْرَةِ وَبَعْضُهَا إضَافِيًّا كَالْخَلْقِ وَبَعْضُهَا سَلْبِيًّا كَالتَّجَرُّدِ عَنْ الْمَادَّةِ وَالْمُتَّصِفُ بِصِفَاتٍ كَثِيرَةٍ مُتَّصِفٌ بِأَعْرَاضٍ ذَاتِيَّةٍ مُتَنَوِّعَةٍ ضَرُورَةَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ مِنْ تِلْكَ الصِّفَاتِ لَاحِقًا لَهُ لِجُزْئِهِ لِعَدَمِ الْجُزْءِ لَهُ وَلَا الْمُبَايِنِ لِامْتِنَاعِ احْتِيَاجِ الْوَاحِدِ الْحَقِيقِيِّ فِي صِفَاتِهِ إلَى أَمْرٍ مُنْفَصِلٍ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَتَعَرَّضَ لِهَذَا أَيْضًا وَحِينَئِذٍ إمَّا أَنْ يَكُونَ لِحُقُوقِ كُلٍّ مِنْهَا لِصِفَةٍ أُخْرَى فَيَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ فِي الْمَبَادِئِ أَعْنِي الصِّفَاتِ الَّتِي كُلٌّ مِنْهَا مَبْدَأٌ لِصِفَةٍ أُخْرَى، وَهُوَ مُحَالٌ لِبُرْهَانِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْكَلَامِ أَوْ يَكُونُ بَعْضُهَا لِذَاتِهِ فَيَثْبُتُ عَرَضُ ذَاتِيٌّ وَحِينَئِذٍ فَالْبَعْضُ الْآخَرُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِجُزْئِهِ لِمَا مَرَّ فَهُوَ إمَّا لِذَاتِهِ فَيَثْبُتُ عَرَضٌ ذَاتِيٌّ آخَرُ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ أَوْ لِغَيْرِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْغَيْرُ مُبَايِنًا لِمَا مَرَّ، بَلْ يَكُونُ صِفَةً مِنْ صِفَاتِهِ وَلَا بُدَّ أَنْ يَنْتَهِيَ إلَى مَا يَكُونُ لُحُوقُهُ لِذَاتِهِ وَإِلَّا لَزِمَ التَّسَلْسُلُ فِي الْمَبَادِئِ، فَإِنْ قِيلَ يَجُوزُ أَنْ يَنْتَهِيَ إلَى الْعَرَضِ الذَّاتِيِّ الْأَوَّلِ فَلَا يَلْزَمُ تَعَدُّدُ الْأَعْرَاضِ الذَّاتِيَّةِ وَلَوْ سُلِّمَ فَاللَّازِمُ تَعَدُّدُهَا، وَهُوَ غَيْرُ مَطْلُوبٍ وَالْمَطْلُوبُ تَنَوُّعُهَا، وَهُوَ غَيْرُ لَازِمٍ قُلْنَا اللَّاحِقُ بِوَاسِطَةِ الْعَرَضِ الذَّاتِيِّ الْأَوَّلِ أَيْضًا عَرَضٌ ذَاتِيٌّ فَيَلْزَمُ التَّعَدُّدُ وَالصِّفَاتُ الْمُتَعَدِّدَةُ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ مُتَنَوِّعَةٌ لَا مَحَالَةَ ضَرُورَةَ أَنَّ اخْتِلَافَ أَشْخَاصِ نَوْعٍ وَاحِدٍ مِنْ الصِّفَاتِ إنَّمَا هُوَ بِاخْتِلَافِ الْمَحَلِّ.
قَوْلُهُ (وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ) عَطْفٌ عَلَى مَضْمُونِ الْكَلَامِ السَّابِقِ أَيْ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهِ فَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ اسْتِكْمَالُ الْوَاحِدِ الْحَقِيقِيِّ فِي صِفَاتِهِ بِالْغَيْرِ، وَهُوَ مُحَالٌ؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ النُّقْصَانَ فِي ذَاتِهِ وَالِاحْتِيَاجَ فِي كَمَالَاتِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ الِاسْتِكْمَالُ بِالْأَمْرِ الْمُنْفَصِلِ فَظَاهِرٌ أَنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لُحُوقُ الْبَعْضِ الْآخَرِ لِصِفَةٍ، وَإِنْ أُرِيدَ أَعَمُّ مِنْ الْمُنْفَصِلِ وَالصِّفَةِ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ احْتِيَاجَ بَعْضِ الصِّفَاتِ إلَى الْبَعْضِ يُوجِبُ النُّقْصَانَ فِي الذَّاتِ كَيْفَ وَالْخَلْقُ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ
стр. 45
لَا مُشَاحَّةَ فِي ذَلِكَ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُمْ: إنَّ مَوْضُوعَ الْهَيْئَةِ هِيَ أَجْسَامُ الْعَالَمِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا شَكْلُ وَمَوْضُوعُ عِلْمِ السَّمَاءِ وَالْعَالَمُ مِنْ الطَّبِيعِيِّ أَجْسَامُ الْعَالَمِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا طَبِيعِيَّةٌ قَوْلٌ بِأَنَّ مَوْضُوعَهُمَا وَاحِدٌ لَكِنَّ اخْتِلَافَهُمَا بِاخْتِلَافِ الْمَحْمُولِ؛ لِأَنَّ الْحَيْثِيَّةَ فِيهِمَا بَيَانُ الْمَبْحُوثِ عَنْهُ لَا أَنَّهَا جُزْءُ الْمَوْضُوعِ وَإِلَّا يَلْزَمُ أَنْ لَا يُبْحَثَ فِيهِمَا عَنْ هَاتَيْنِ الْحَيْثِيَّتَيْنِ، بَلْ عَمَّا يَلْحَقُهُمَا لِهَاتَيْنِ الْحَيْثِيَّتَيْنِ وَالْوَاقِعُ خِلَافُ ذَلِكَ، وَاَللَّه أَعْلَمُ
(فَنَضَعُ الْكِتَابَ عَلَى قِسْمَيْنِ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فِي الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَهِيَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ: الرُّكْنُ الْأَوَّلُ فِي الْكِتَابِ أَيْ الْقُرْآنِ ، وَهُوَ مَا نُقِلَ إلَيْنَا بَيْنَ دَفَّتَيْ الْمَصَاحِفِ تَوَاتُرًا) فَخَرَجَ سَائِرُ الْكُتُبِ وَالْأَحَادِيثِ الْإِلَهِيَّةِ وَالنَّبَوِيَّةِ وَالْقِرَاءَةِ الشَّاذَّةِ، وَقَدْ أَوْرَدَ ابْنُ الْحَاجِبِ أَنَّ هَذَا التَّعْرِيفَ دَوْرِيٌّ؛ لِأَنَّهُ عَرَّفَ الْقُرْآنَ بِمَا نُقِلَ فِي الْمُصْحَفِ، فَإِنْ سُئِلَ مَا الْمُصْحَفُ فَلَا بُدَّ وَأَنْ يُقَالَ الَّذِي كُتِبَ فِيهِ الْقُرْآنُ فَأَجَبْت عَنْ هَذَا بِقَوْلِي (وَلَا دَوْرَ؛ لِأَنَّ الْمُصْحَفَ مَعْلُومٌ) أَيْ فِي الْعُرْفِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَعْرِيفِهِ بِقَوْلِهِ الَّذِي كُتِبَ فِيهِ الْقُرْآنُ
ــ
[التلويح]
وَالْإِرَادَةِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ هَذَا مُخْتَصًّا بِمَا يَكُونُ الْغَيْرُ مُنْفَصِلًا وَمَا سَبَقَ مُخْتَصًّا بِمَا يَكُونُ غَيْرَ مُنْفَصِلٍ فَيَتِمُّ بِمَجْمُوعِهِمَا الْمَطْلُوبُ أَعْنِي إثْبَاتَ عَرَضٍ ذَاتِيٍّ آخَرَ
[الْقِسْمُ الْأَوَّلُ مِنْ الْكِتَابِ فِي الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَهِيَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ]
[الرُّكْنُ الْأَوَّلُ فِي الْكِتَابِ أَيْ الْقُرْآنِ]
قَوْلُهُ (فَنَضَعُ) تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ فَيَبْحَثُ عَنْ كَذَا وَكَذَا يَعْنِي بِسَبَبِ أَنَّ الْبَحْثَ فِي هَذَا الْفَنِّ إنَّمَا هُوَ عَنْ أَحْوَالِ الْأَدِلَّةِ وَالْأَحْكَامِ نَضَعُ الْكِتَابَ أَيْ مَقَاصِدَهُ عَلَى قِسْمَيْنِ وَإِلَّا فَبَحْثُ التَّعْرِيفِ وَالْمَوْضُوعِ أَيْضًا مِنْ الْكِتَابِ مَعَ أَنَّهُ خَارِجٌ عَنْ الْقِسْمَيْنِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ دَاخِلٍ فِي الْمَقَاصِدِ وَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ مُرَتَّبٌ عَلَى أَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ فِي الْأَدِلَّةِ الْأَرْبَعَةِ الْكِتَابُ، ثُمَّ السُّنَّةُ ثُمَّ الْإِجْمَاعُ ثُمَّ الْقِيَاسُ تَقْدِيمًا لِلْإِقْدَامِ بِالذَّاتِ وَالشَّرَفِ.
وَأَمَّا بَابَا التَّرْجِيحِ وَالِاجْتِهَادِ فَكَأَنَّهُ جَعَلَهُمَا تَتِمَّةً وَتَذْيِيلًا لِرُكْنِ الْقِيَاسِ.
قَوْلُهُ (الرُّكْنُ الْأَوَّلُ فِي الْكِتَابِ) ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ لِلْمَكْتُوبِ غَلَبَ فِي عُرْفِ أَهْلِ الشَّرْعِ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى الْمُثْبَتُ فِي الْمَصَاحِفِ كَمَا غَلَبَ فِي عُرْفِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ عَلَى كِتَابِ سِيبَوَيْهِ وَالْقُرْآنُ فِي اللُّغَةِ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْقِرَاءَةِ غَلَبَ فِي الْعُرْفِ الْعَامِّ عَلَى الْمَجْمُوعِ الْمُعَيَّنِ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى الْمَقْرُوءِ عَلَى أَلْسِنَةِ الْعِبَادِ، وَهُوَ فِي هَذَا الْمَعْنَى أَشْهَرُ مِنْ لَفْظِ الْكِتَابِ وَأَظْهَرُ فَلِهَذَا جُعِلَ تَفْسِيرًا لَهُ حَيْثُ قِيلَ الْكِتَابُ هُوَ الْقُرْآنُ الْمُنَزَّلُ عَلَى الرَّسُولِ الْمَكْتُوبُ فِي الْمَصَاحِفِ الْمَنْقُولُ إلَيْنَا نَقْلًا مُتَوَاتِرًا بِلَا شُبْهَةٍ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ هُوَ تَفْسِيرٌ لِلْكِتَابِ وَبَاقِي الْكَلَامِ تَعْرِيفٌ لِلْقُرْآنِ وَتَمْيِيزٌ لَهُ عَمَّا يَشْتَبِهُ بِهِ لَا أَنَّ الْمَجْمُوعَ تَعْرِيفٌ لِلْكِتَابِ لِيَلْزَمَ ذِكْرُ الْمَحْدُودِ فِي الْحَدِّ وَلَا أَنَّ الْقُرْآنَ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمَقْرُوءِ لِيَشْمَلَ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى وَغَيْرَهُ عَلَى مَا تَوَهَّمَهُ الْبَعْضُ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْعُرْفِ بَعِيدٌ عَنْ الْفَهْمِ، إنْ كَانَ صَحِيحًا فِي اللُّغَةِ وَالْمَشَايِخِ، وَإِنْ كَانُوا لَا يُنَاقِشُونَ فِي ذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ لَا وَجْهَ لِحَمْلِ كَلَامِهِمْ عَلَيْهِ مَعَ ظُهُورِ الْوَجْهِ الصَّحِيحِ الْمَقْبُولِ عِنْدَ الْكُلِّ فَلِإِزَالَةِ
стр. 46
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[التلويح]
هَذَا الْوَهْمِ صَرَّحَ الْمُصَنِّفُ بِحَرْفِ التَّفْسِيرِ، وَقَالَ أَيْ الْقُرْآنُ، وَهُوَ مَا نُقِلَ إلَيْنَا بَيْنَ دَفَّتَيْ الْمَصَاحِفِ تَوَاتُرًا، ثُمَّ كُلٌّ مِنْ الْكِتَابِ وَالْقُرْآنِ يُطْلَقُ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ عَلَى الْمَجْمُوعِ وَعَلَى كُلِّ جُزْءٍ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا يَبْحَثُونَ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى الْحُكْمِ، وَذَلِكَ آيَةً آيَةً لَا مَجْمُوعَ الْقُرْآنِ فَاحْتَاجُوا إلَى تَحْصِيلِ صِفَاتٍ مُشْتَرَكَةٍ بَيْنَ الْكُلِّ وَالْجُزْءِ مُخْتَصَّةٍ بِهِمَا كَكَوْنِهِ مُعْجِزًا مُنَزَّلًا عَلَى الرَّسُولِ مَكْتُوبًا فِي الْمَصَاحِفِ مَنْقُولًا بِالتَّوَاتُرِ فَاعْتَبَرَ فِي تَفْسِيرِهِ بَعْضُهُمْ جَمِيعَ الصِّفَاتِ لِزِيَادَةِ التَّوْضِيحِ وَبَعْضُهُمْ الْإِنْزَالَ وَالْإِعْجَازَ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ وَالنَّقْلَ لَيْسَا مِنْ اللَّوَازِمِ لِتَحَقُّقِ الْقُرْآنِ بِدُونِهِمَا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﵇ وَبَعْضُهُمْ الْكِتَابَةَ وَالْإِنْزَالَ وَالنَّقْلَ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَعْرِيفُ الْقُرْآنِ لِمَنْ لَمْ يُشَاهِدْ الْوَحْيَ وَلَمْ يُدْرِكْ زَمَنَ النُّبُوَّةِ وَهُمْ إنَّمَا يَعْرِفُونَهُ بِالنَّقْلِ وَالْكِتَابَةِ فِي الْمَصَاحِفِ وَلَا يَنْفَكُّ عَنْهُمَا فِي زَمَانِهِمْ فَهُمَا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ مِنْ أَبْيَنِ اللَّوَازِمِ الْبَيِّنَةِ وَأَوْضَحِهَا دَلَالَةً عَلَى الْمَقْصُودِ بِخِلَافِ الْإِعْجَازِ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ اللَّوَازِمِ الْبَيِّنَةِ وَلَا الشَّامِلَةِ لِكُلِّ جُزْءٍ، إذْ الْمُعْجِزُ هُوَ السُّورَةُ أَوْ مِقْدَارُهَا أَخَذَ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] وَالْمُصَنِّفُ اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ النَّقْلِ فِي الْمَصَاحِفِ تَوَاتُرًا لِحُصُولِ الِاحْتِرَازِ بِذَلِكَ عَنْ جَمِيعِ مَا عَدَا الْقُرْآنَ؛ لِأَنَّ سَائِرَ الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ وَغَيْرِهَا وَالْأَحَادِيثَ الْإِلَهِيَّةَ وَالنَّبَوِيَّةَ وَمَنْسُوخَ التِّلَاوَةِ لَمْ يُنْقَلْ شَيْءٌ مِنْهَا بَيْنَ دَفَّتَيْ الْمَصَاحِفِ؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ لِهَذَا الْمَعْهُودِ الْمَعْلُومِ عِنْدَ جَمِيعِ النَّاسِ حَتَّى الصِّبْيَانِ وَالْقِرَاءَةُ الشَّاذَّةُ لَمْ تُنْقَلْ إلَيْنَا بِطَرِيقِ التَّوَاتُرِ، بَلْ بِطَرِيقِ الْآحَادِ كَمَا اخْتَصَّ بِمُصْحَفِ أُبَيّ ﵁ أَوْ الشُّهْرَةَ كَمَا اخْتَصَّ بِمُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ وَلَا حَاجَةَ إلَى ذِكْرِ الْإِنْزَالِ وَالْإِعْجَازِ وَلَا إلَى تَأْكِيدِ التَّوَاتُرِ بِقَوْلِهِمْ بِلَا شُبْهَةٍ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِدُونِهَا.
وَأَمَّا التَّسْمِيَةُ فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ كُتُبِ الْمُتَقَدِّمِينَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْقُرْآنِ إلَّا مَا تَوَاتَرَ بَعْضُ آيَةٍ مِنْ سُورَةِ النَّمْلِ، وَإِنَّ قَوْلَهُمْ بِلَا شُبْهَةٍ احْتِرَازٌ عَنْهَا إلَّا أَنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ ذَهَبُوا إلَى أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهَا فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ آيَةٌ مِنْ الْقُرْآنِ أُنْزِلَتْ لِلْفَصْلِ بَيْنَ السُّوَرِ بِدَلِيلِ أَنَّهَا كُتِبَتْ فِي الْمَصَاحِفِ بِخَطِّ الْقُرْآنِ مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ مِنْ السَّلَفِ وَعَدَمُ جَوَازِ الصَّلَاةِ بِهَا إنَّمَا هُوَ لِلشُّبْهَةِ فِي كَوْنِهَا آيَةً تَامَّةً وَجَوَازُ تِلَاوَتِهَا لِلْجُنُبِ وَالْحَائِضِ إنَّمَا هُوَ عَلَى قَصْدِ التَّبَرُّكِ وَالتَّيَمُّنِ كَمَا إذَا قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ عَلَى قَصْدِ الشُّكْرِ دُونَ التِّلَاوَةِ وَعَدَمُ تَكْفِيرِ مَنْ أَنْكَرَ كَوْنَهَا مِنْ الْقُرْآنِ فِي غَيْرِ سُورَةِ النَّمْلِ إنَّمَا هُوَ لِقُوَّةِ الشُّبْهَةِ فِي ذَلِكَ بِحَيْثُ يَخْرُجُ كَوْنُهَا مِنْ الْقُرْآنِ مِنْ حَيِّزِ الْوُضُوحِ إلَى حَيِّزِ الْإِشْكَالِ، وَمِثْلُ هَذَا يَمْنَعُ التَّكْفِيرَ، فَإِنْ قِيلَ فَعَلَى مَا اخْتَارَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ هَلْ يَبْقَى اخْتِلَافٌ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ قُلْنَا نَعَمْ هِيَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ مِائَةٌ وَثَلَاثَ عَشْرَةَ آيَةً مِنْ السُّوَرِ كَمَا أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٣] عِدَّةُ آيَاتٍ مِنْ
стр. 47
ثُمَّ أَرَدْت تَحْقِيقًا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لِيُعْلَمَ أَنَّ هَذَا التَّعْرِيفَ أَيُّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ التَّعْرِيفَاتِ فَإِنَّ إتْمَامَ الْجَوَابِ مَوْقُوفٌ عَلَى هَذَا فَقُلْت (وَلَيْسَ هَذَا تَعْرِيفُ مَاهِيَّةِ الْكِتَابِ) .
ــ
[التلويح]
سُورَةِ الرَّحْمَنِ وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ آيَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ الْقُرْآنِ كُرِّرَتْ لِلْفَصْلِ وَالتَّبَرُّكِ وَلَيْسَتْ بِآيَةٍ مِنْ شَيْءٍ مِنْ السُّوَرِ وَجَازَ تَكْرِيرُهَا فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ؛ لِأَنَّهَا نَزَلَتْ لِذَلِكَ وَنُقِلَتْ كَذَلِكَ بِخِلَافِ مَنْ أَخَذَ يُلْحِقُ بِالْمُصْحَفِ آيَاتٍ مُكَرَّرَةً مِثْلَ أَنْ يُكْتَبَ فِي أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فَإِنَّهُ يُعَدُّ زِنْدِيقًا أَوْ مَجْنُونًا فَعَلَى مَا هُوَ الْمُنَاسِبُ لِغَرَضِ الْأُصُولِيِّ يَكُونُ الْمُرَادُ بِمَا نُقِلَ إلَيْنَا بَيْنَ دَفَّتَيْ الْمَصَاحِفِ هُوَ مَا يَشْمَلُ الْكُلَّ وَالْبَعْضَ إلَّا أَنَّهُ إنْ أُبْقِيَ عَلَى عُمُومِهِ يَدْخُلُ فِي الْحَدِّ الْحَرْفُ أَوْ الْكَلِمَةُ مِنْ الْقُرْآنِ وَلَا يُسَمَّى قُرْآنًا فِي عُرْفِ الشَّرْعِ، وَإِنْ خُصَّ بِالْكَلَامِ التَّامِّ خَرَجَ بَعْضُ مَا لَيْسَ بِكَلَامٍ تَامٍّ مَعَ أَنَّهُ يُسَمَّى قُرْآنًا وَيَحْرُمُ مَسُّهُ عَلَى الْمُحْدِثِ وَتِلَاوَتُهُ عَلَى الْجُنُبِ وَعَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ سِيَاقُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ الْمُرَادُ بِمَا نُقِلَ مَجْمُوعُ مَا نُقِلَ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ تَعْرِيفًا لِلْمَجْمُوعِ الشَّخْصِيِّ لَا لِلْمَعْنَى الْكُلِّيِّ فَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ شَيْءٌ إلَّا أَنَّهُ لَا يُنَاسِبُ غَرَضَ الْأُصُولِيِّ، فَإِنْ قِيلَ فَالْكِتَابُ بِالْمَعْنَى الثَّانِي هَلْ يَصِحُّ تَفْسِيرُهُ بِالْقُرْآنِ قُلْنَا نَعَمْ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْقُرْآنُ أَيْضًا حَقِيقَةً فِي الْبَعْضِ كَمَا هُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْكُلِّ، فَإِنْ قِيلَ فَيَلْزَمُ عُمُومُ الْمُشْتَرَكِ قُلْنَا لَيْسَ مَعْنَى كَوْنِهِ حَقِيقَةً فِي الْبَعْضِ كَمَا أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْكُلِّ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلْبَعْضِ خَاصَّةً كَمَا أَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلْكُلِّ خَاصَّةً حَتَّى يَكُونَ حَمْلُهُ عَلَى الْكُلِّ وَعَلَى الْبَعْضِ مِنْ عُمُومِ الْمُشْتَرَكِ، بَلْ هُوَ مَوْضُوعٌ تَارَةً لِلْكُلِّ خَاصَّةً وَتَارَةً لِمَا يَعُمُّ الْكُلَّ وَالْبَعْضَ أَعْنِي الْكَلَامَ الْمَنْقُولَ فِي الْمُصْحَفِ تَوَاتُرًا فَيَكُونُ حَقِيقَةً فِي الْكُلِّ وَالْبَعْضِ بِاعْتِبَارِ وَضْعٍ وَاحِدٍ وَلَا يَكُونُ مِنْ عُمُومِ الْمُشْتَرَكِ فِي شَيْءٍ.
قَوْلُهُ (فَإِنَّ إتْمَامَ الْجَوَابِ مَوْقُوفٌ عَلَى هَذَا) يَعْنِي أَنَّ جَعْلَ التَّعْرِيفِ الْمَذْكُورِ تَفْسِيرًا لِلَفْظِ الْكِتَابِ أَوْ الْقُرْآنِ وَتَمْيِيزًا لَهُ عَنْ سَائِرِ الْكُتُبِ أَوْ الْكَلَامِ الْأَزَلِيِّ يَجُوزُ فِي مَعْرِفَةِ الْمُصْحَفِ الِاكْتِفَاءُ بِالْعُرْفِ أَوْ الْإِشَارَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَلَا يَلْزَمُ الدَّوْرُ وَإِنْ جُعِلَ تَعْرِيفًا لِمَاهِيَّةِ الْكِتَابِ أَوْ الْقُرْآنِ فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ مَاهِيَّةِ الْمُصْحَفِ وَهِيَ مَوْقُوفَةٌ عَلَى مَعْرِفَةِ مَاهِيَّةِ الْقُرْآنِ ضَرُورَةَ أَنَّهُ لَا مَعْنَى لَهُ إلَّا مَا كُتِبَ فِيهِ الْقُرْآنُ فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ لَا يُقَالُ فَالدَّوْرُ إنَّمَا يَلْزَمُ إذَا جَعَلَ تَعْرِيفًا لِمَاهِيَّةِ الْقُرْآنِ دُونَ الْكِتَابِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ مَاهِيَّةُ الْكِتَابِ هِيَ بِعَيْنِهَا مَاهِيَّةُ الْقُرْآنِ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُمَا اسْمَانِ لِشَيْءٍ وَاحِدٍ فَتَوَقَّفَ الْمُصْحَفُ عَلَى مَاهِيَّةِ الْقُرْآنِ تَوَقُّفَهُ عَلَى مَاهِيَّةِ الْكِتَابِ، وَبِهَذَا يَظْهَرُ أَنَّ تَفْسِيرَ الْمُصْحَفِ بِمَا جُمِعَ فِيهِ الْوَحْيُ الْمَتْلُوُّ لَا يَدْفَعُ الدَّوْرَ؛ لِأَنَّهُ أَيْضًا عِبَارَةٌ عَنْ الْكِتَابِ وَالْقُرْآنِ فَالْمُصْحَفُ صُرِّحَ بِأَنَّهُ لَيْسَ تَعْرِيفًا
стр. 48
بَلْ تَشْخِيصُهُ فِي جَوَابِ أَيِّ كِتَابٍ تُرِيدُ، (وَلَا الْقُرْآنِ) فَإِنَّ عُلَمَاءَنَا قَالُوا هُوَ مَا نُقِلَ إلَيْنَا إلَخْ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ عَرَّفُوا الْكِتَابَ بِهَذَا أَوْ عَرَّفُوا الْقُرْآنَ بِهَذَا، فَإِنْ عَرَّفُوا الْكِتَابَ بِهَذَا فَلَيْسَ تَعْرِيفًا لِمَاهِيَّةِ الْكِتَابِ، بَلْ تَشْخِيصُهُ فِي جَوَابِ أَيِّ كِتَابٍ تُرِيدُ وَإِنْ عَرَّفُوا الْقُرْآنَ بِهَذَا فَلَيْسَ تَعْرِيفًا لِمَاهِيَّةِ الْقُرْآنِ أَيْضًا، بَلْ تَشْخِيصُهُ (لِأَنَّ الْقُرْآنَ اسْمٌ يُطْلَقُ عَلَى الْكَلَامِ الْأَزَلِيِّ وَعَلَى الْمَقْرُوءِ فَهَذَا تَعْيِينُ أَحَدِ مُحْتَمَلَيْهِ، وَهُوَ الْمَقْرُوءُ) فَإِنَّ الْقُرْآنَ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ يُطْلَقُ عَلَى الْكَلَامِ الْأَزَلِيِّ الَّذِي هُوَ صِفَةٌ لِلْحَقِّ عَزَّ وَعَلَا وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمَقْرُوءُ فَكَأَنَّهُ قِيلَ أَيُّ الْمَعْنَيَيْنِ تُرِيدُ، فَقَالَ مَا نُقِلَ إلَيْنَا إلَخْ أَيْ تُرِيدُ الْمَقْرُوءَ فَعَلَى هَذَا لَا يَلْزَمُ الدَّوْرُ وَإِنَّمَا يَلْزَمُ الدَّوْرُ إنْ أُرِيدَ تَعْرِيفُ مَاهِيَّةِ الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ عَرَّفَ مَاهِيَّةَ الْقُرْآنِ بِالْمَكْتُوبِ فِي الْمُصْحَفِ فَلَا بُدَّ مِنْ
ــ
[التلويح]
لِلْمَاهِيَّةِ سَوَاءٌ عُرِّفَ بِهِ الْكِتَابُ أَوْ الْقُرْآنُ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي لُزُومِ الدَّوْرِ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ الدَّوَرَانُ لَوْ أُرِيدَ تَعْرِيفُ مَاهِيَّةِ الْقُرْآنِ إشَارَةً إلَى أَنَّ مَاهِيَّةَ الْكِتَابِ هِيَ مَاهِيَّةُ الْقُرْآنِ فَذِكْرُ أَحَدِهِمَا مُغْنٍ عَنْ ذِكْرِ الْآخَرِ، فَإِنْ قِيلَ يُفَسَّرُ الْمُصْحَفُ بِمَا جُمِعَ فِيهِ الصَّحَائِفُ مُطْلَقًا عَلَى مَا هُوَ مَوْضُوعٌ فِي اللُّغَةِ وَيَخْرُجُ مَنْسُوخُ التِّلَاوَةِ عَنْ التَّعْرِيفِ بِقَيْدِ التَّوَاتُرِ فَلَا دَوْرَ قُلْنَا عُدُولٌ عَنْ الظَّاهِرِ إلَى الْخَفِيِّ وَعَنْ الْحَقِيقَةِ إلَى الْمَجَازِ الْعُرْفِيِّ فَلَا يَحْسُنُ فِي التَّعْرِيفَاتِ، فَإِنْ قِيلَ تَعْرِيفُ الْأُصُولِ إنَّمَا هُوَ لِلْمَفْهُومِ الْكُلِّيِّ الصَّادِقِ عَلَى الْمَجْمُوعِ وَعَلَى كُلِّ بَعْضٍ وَمَعْرِفَةُ الْمُصْحَفِ إنَّمَا تَتَوَقَّفُ عَلَى الْقُرْآنِ بِمَعْنَى الْمَجْمُوعِ الشَّخْصِيِّ، وَهُوَ مَعْلُومٌ مَعْهُودٌ بَيْنَ النَّاسِ يَحْفَظُونَهُ وَيَتَدَارَسُونَهُ فَلَا يَشْتَبِهُ عَلَيْهِمْ فَلَا دَوْرَ قُلْنَا لَوْ سُلِّمَ مَعْرِفَةُ الْمَجْمُوعِ الشَّخْصِيِّ بِحَقِيقَتِهِ بِدُونِ مَعْرِفَةِ الْمَفْهُومِ الْكُلِّيِّ فَمَبْنَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى أَنَّ التَّعْرِيفَ لِلْمَجْمُوعِ الشَّخْصِيِّ دُونَ الْمَفْهُومِ الْكُلِّيِّ.
قَوْلُهُ (بَلْ تَشْخِيصُهُ) أَيْ تَمْيِيزُهُ بِخَوَاصِّهِ فَإِنَّ كَلِمَةَ أَيْ إنَّمَا يُطْلَبُ بِهَا تَمْيِيزُ الشَّيْءِ بِمَا يَخُصُّهُ شَخْصًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ.
قَوْلُهُ (يُطْلَقُ عَلَى الْكَلَامِ الْأَزَلِيِّ) كَمَا فِي قَوْلِهِ ﵇ «الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرُ مَخْلُوقٍ» الْحَدِيثُ، وَهُوَ صِفَةٌ قَدِيمَةٌ مُنَافِيَةٌ لِلسُّكُوتِ وَالْآفَةُ لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الْحُرُوفِ وَالْأَصْوَاتِ لَا تَخْتَلِفُ إلَى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْإِخْبَارِ وَلَا تَتَعَلَّقُ بِالْمَاضِي وَالْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ إلَّا بِحَسَبِ التَّعَلُّقَاتِ وَالْإِضَافَاتِ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَسَائِرِ الصِّفَاتِ، وَهَذَا الْكَلَامُ اللَّفْظِيُّ الْحَادِثُ الْمُؤَلَّفُ مِنْ الْأَصْوَاتِ وَالْحُرُوفِ الْقَائِمَةِ بِمَحَالِّهَا يُسَمَّى كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى وَالْقُرْآنَ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْقَدِيمِ إلَّا أَنَّ الْأَحْكَامَ لَمَّا كَانَتْ فِي نَظَرِ الْأُصُولِيِّ مَنُوطَةً بِالْكَلَامِ اللَّفْظِيِّ دُونَ الْأَزَلِيِّ جَعَلَ الْقُرْآنَ اسْمًا لَهُ وَاعْتَبَرَ فِي تَفْسِيرِهِ مَا يُمَيِّزُهُ عَنْ الْمَعْنَى الْقَدِيمِ لَا يُقَالُ التَّمْيِيزُ يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ ذِكْرِ النَّقْلِ فَلَا حَاجَةَ إلَى بَاقِي الْقُيُودِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ التَّعْرِيفُ، وَإِنْ كَانَ لِلتَّمْيِيزِ لَا بُدَّ وَأَنْ يُسَاوِيَ الْمُعَرَّفَ فَذَكَرَ بَاقِيَ الْقُيُودِ لِتَحْصِيلِ
стр. 49
مَعْرِفَةِ مَاهِيَّةِ الْمُصْحَفِ فَلَا يَكْفِي حِينَئِذٍ مَعْرِفَةُ الْمُصْحَفِ بِبَعْضِ الْوُجُوهِ كَالْإِشَارَةِ وَنَحْوِهَا، ثُمَّ مَعْرِفَةُ مَاهِيَّةِ الْمُصْحَفِ مَوْقُوفَةٌ عَلَى مَعْرِفَةِ مَاهِيَّةِ الْقُرْآنِ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ الْقُرْآنَ لَيْسَ قَابِلًا لِلْحَدِّ بِقَوْلِهِ (عَلَى أَنَّ الشَّخْصِيَّ لَا يُحَدُّ) فَإِنَّ الْحَدَّ هُوَ الْقَوْلُ الْمُعَرِّفُ لِلشَّيْءِ الْمُشْتَمِلُ عَلَى أَجْزَائِهِ، وَهَذَا لَا يُفِيدُ مَعْرِفَةَ الشَّخْصِيَّاتِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْإِشَارَةِ أَوْ نَحْوِهَا إلَى مُشَخِّصَاتِهَا لِتَحْصُلَ الْمَعْرِفَةُ. إذَا عَرَفْت هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ الْقُرْآنَ لَمَّا نَزَلَ بِهِ جَبْرَائِيلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه فَقَدْ وُجِدَ مُشَخَّصًا، فَإِنْ كَانَ الْقُرْآنُ عِبَارَةً عَنْ ذَلِكَ الْمُشَخَّصِ لَا يَقْبَلُ الْحَدَّ لِكَوْنِهِ شَخْصِيًّا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِبَارَةً عَنْ ذَلِكَ الْمُشَخَّصِ، بَلْ الْقُرْآنُ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ الْمُرَكَّبَةُ تَرْكِيبًا خَاصًّا سَوَاءٌ يَقْرَأُ جَبْرَائِيلُ أَوْ زَيْدٌ أَوْ عَمْرٌو عَلَى أَنَّ الْحَقَّ هَذَا فَقَوْلُنَا عَلَى أَنَّ الشَّخْصِيَّ لَا يُحَدُّ لَهُ تَأْوِيلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّا لَا نَعْنِي أَنَّ الْقُرْآنَ شَخْصِيٌّ، بَلْ عَنَيْنَا أَنَّ الْقُرْآنَ لَمَّا كَانَ هُوَ الْكَلَامُ الْمُرَكَّبُ تَرْكِيبًا خَاصًّا فَإِنَّهُ لَا يَقْبَلُ الْحَدَّ كَمَا أَنَّ الشَّخْصِيَّ لَا يَقْبَلُ الْحَدَّ فَكَوْنُ الشَّخْصِيِّ لَا يُحَدُّ جُعِلَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ لَا يُحَدُّ إذْ مَعْرِفَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا مَوْقُوفَةٌ عَلَى الْإِشَارَةِ أَمَّا مَعْرِفَةُ الشَّخْصِيِّ فَظَاهِرٌ. وَأَمَّا مَعْرِفَةُ الْقُرْآنِ فَلَا تَحْصُلُ إلَّا بِأَنْ يُقَالَ هُوَ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ وَيُقْرَأُ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ وَثَانِيهِمَا أَنَّا نَقُولُ لَا مُشَاحَّةَ فِي الِاصْطِلَاحِ فَنَعْنِي بِالشَّخْصِيِّ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ مَعَ الْخُصُوصِيَّاتِ الَّتِي لَهَا مَدْخَلٌ فِي هَذَا التَّرْكِيبِ فَإِنَّ الْأَعْرَاضَ تَنْتَهِي بِمُشَخِّصَاتِهَا إلَى حَدٍّ لَا يَقْبَلُ التَّعَدُّدَ، وَلَا اخْتِلَافَ بِاعْتِبَارِ ذَاتِهَا، بَلْ بِاعْتِبَارِ مَحَلِّهَا فَقَطْ
ــ
[التلويح]
الْمُسَاوَاةِ.
قَوْلُهُ (عَلَى أَنَّ الشَّخْصِيَّ لَا يُحَدُّ) ؛ لِأَنَّ مَعْرِفَتَهُ لَا تَحْصُلُ إلَّا بِتَعْيِينِ مُشَخِّصَاتِهِ بِالْإِشَارَةِ أَوْ نَحْوِهَا كَالتَّعْبِيرِ عَنْهُ بِاسْمِهِ الْعَلَمِ وَالْحَدُّ لَا يُفِيدُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ غَايَتَهُ الْحَدُّ التَّامُّ، وَهُوَ إنَّمَا يَشْتَمِلُ عَلَى مُقَوِّمَاتِ الشَّيْءِ دُونَ مُشَخِّصَاتِهِ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ الشَّخْصِيُّ مُرَكَّبٌ اعْتِبَارِيٌّ، وَهُوَ مَجْمُوعُ الْمَاهِيَّةِ وَالتَّشَخُّصِ فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُحَدَّ بِمَا يُفِيدُ مَعْرِفَةَ الْأَمْرَيْنِ لَا يُقَالُ تَعْرِيفُ الْمُرَكَّبِ الِاعْتِبَارِيِّ لَفْظِيٌّ وَالْكَلَامُ فِي الْحَدِّ الْحَقِيقِيِّ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَوْ سُلِّمَ ذَلِكَ فَمَجْمُوعُ الْقُرْآنِ مُرَكَّبٌ اعْتِبَارِيٌّ لَا مَحَالَةَ فَحِينَئِذٍ لَا حَاجَةَ إلَى سَائِرِ الْمُقَوِّمَاتِ وَلَا إلَى مَا ذَكَرَ فِي تَشْخِيصِهِ مِنْ التَّكَلُّفَاتِ، وَقَدْ يُقَالُ إنْ اقْتَصَرَ فِي تَعْرِيفِ الشَّخْصِيِّ عَلَى مُقَوِّمَاتِ الْمَاهِيَّةِ لَمْ يَخْتَصَّ بِالشَّخْصِيِّ فَلَمْ يُفِدْ التَّمْيِيزُ الَّذِي هُوَ أَقَلُّ مَرَاتِبِ التَّعْرِيفِ، وَإِنْ ذَكَرَ مَعَهَا الْعَرَضِيَّاتِ الْمُشَخِّصَةَ أَيْضًا لَمْ يَجِبْ دَوَامُ صِدْقِهَا لِإِمْكَانِ زَوَالِهَا فَلَا يَكُونُ حَدًّا، وَفِيهِ نَظَرٌ لِجَوَازِ أَنْ يَذْكُرَ مَعَهَا الْعَرَضِيَّاتِ الْمُشَخِّصَةَ وَعِنْدَ زَوَالِهَا يَزُولُ الْمَحْدُودُ أَيْضًا أَعْنِي ذَلِكَ الشَّخْصِيَّ فَلَا يَضُرُّ عَدَمُ صِدْقِ الْحَدِّ، بَلْ يَجِبُ وَالْحَقُّ أَنَّ الشَّخْصِيَّ يُمْكِنُ أَنْ يُحَدَّ بِمَا يُفِيدُ امْتِيَازَهُ عَنْ جَمِيعِ مَا عَدَاهُ بِحَسَبِ الْوُجُودِ لَا بِمَا يُفِيدُ تَعَيُّنَهُ وَتَشَخُّصَهُ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ اشْتِرَاكُهُ بَيْنَ كَثِيرِينَ بِحَسَبِ الْعَقْلِ فَإِنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَحْصُلُ بِالْإِشَارَةِ لَا غَيْرُ.
قَوْلُهُ (عَلَى أَنَّ الْحَقَّ هَذَا) ، وَهُوَ أَنَّ الْقُرْآنَ عِبَارَةٌ عَنْ هَذَا
стр. 50
كَالْقَصِيدَةِ الْمُعَيَّنَةِ لَا يُمْكِنُ تَعَدُّدُهَا إلَّا بِحَسَبِ مَحَلِّهَا بِأَنْ يَقْرَأَهَا زَيْدٌ أَوْ عَمْرٌو فَعَنَيْنَا بِالشَّخْصِيِّ هَذَا وَالشَّخْصِيُّ بِهَذَا الْمَعْنَى لَا يَقْبَلُ الْحَدَّ فَإِذَا سُئِلَ عَنْ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ لَا يَعْرِفُ أَصْلًا إلَّا بِأَنْ يُقَالَ هُوَ هَذَا التَّرْكِيبُ الْمَخْصُوصُ فَيُقْرَأُ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ فَإِنَّ مَعْرِفَتَهُ لَا تُمْكِنُ إلَّا بِهَذَا الطَّرِيقِ، وَقَدْ عَرَّفَ ابْنُ الْحَاجِبِ الْقُرْآنَ بِأَنَّهُ الْكَلَامُ الْمُنَزَّلُ لِلْإِعْجَازِ بِسُورَةٍ مِنْهُ، فَإِنْ حَاوَلَ تَعْرِيفَ الْمَاهِيَّةِ يَلْزَمُ
ــ
[التلويح]
الْمُؤَلَّفِ الْمَخْصُوصِ الَّذِي لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمُتَلَفِّظِينَ لِلْقَطْعِ بِأَنَّ مَا يَقْرَؤُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا هُوَ هَذَا الْقُرْآنُ الْمُنَزَّلُ عَلَى النَّبِيِّ ﵇ بِلِسَانِ جِبْرِيلَ ﵇ وَلَوْ كَانَ عِبَارَةً عَنْ ذَلِكَ الْمُشَخَّصِ الْقَائِمِ بِلِسَانِ جِبْرِيلَ ﵇ لَكَانَ هَذَا مُمَاثِلًا لَهُ لَا عَيْنُهُ ضَرُورَةَ أَنَّ الْأَعْرَاضَ تَتَشَخَّصُ بِمَحَالِّهَا فَتَعَدَّدَ بِتَعَدُّدِ الْمَحَالِّ وَكَذَا الْكَلَامُ فِي كُلِّ كِتَابٍ أَوْ شِعْرٍ يُنْسَبُ إلَى أَحَدٍ فَإِنَّهُ اسْمٌ لِذَلِكَ الْمُؤَلَّفِ الْمَخْصُوصِ سَوَاءٌ قَرَأَهُ زَيْدٌ أَوْ عَمْرٌو أَوْ غَيْرُهُمَا وَإِذَا تَحَقَّقْت هَذَا فَالْعُلُومُ أَيْضًا مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ مَثَلًا النَّحْوُ عِبَارَةٌ عَنْ الْقَوَاعِدِ الْمَخْصُوصَةِ سَوَاءٌ عَلِمَهَا زَيْدٌ أَوْ عَمْرٌو فَالْمُعْتَبَرُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ هُوَ الْوَاحِدَةُ فِي غَيْرِ الْمَحَالِّ فَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ الْحَقُّ، وَهُوَ أَنَّ الْقُرْآنَ لَيْسَ اسْمًا لِلشَّخْصِ الْحَقِيقِيِّ الْقَائِمِ بِلِسَانِ جِبْرِيلَ ﵇ خَاصَّةً يَكُونُ لِقَوْلِهِ عَلَى أَنَّ الشَّخْصِيَّ لَا يُحَدُّ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الشَّخْصِيَّ الْحَقِيقِيَّ لَا يَقْبَلُ الْحَدَّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ إلَّا بِالْإِشَارَةِ وَنَحْوِهَا فَكَذَا الْقُرْآنُ لَا يَقْبَلُ الْحَدَّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ حَقِيقَةً إلَّا بِأَنْ يُقْرَأَ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ وَيُقَالُ هُوَ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ بِهَذَا التَّرْتِيبِ، وَثَانِيهِمَا أَنْ يَكُونَ اصْطِلَاحًا عَلَى تَسْمِيَةِ مِثْلِ هَذَا الْمُؤَلَّفِ الَّذِي لَا يَتَعَدَّدُ إلَّا بِتَعَدُّدِ الْمَحَالِّ شَخْصِيًّا وَيُحْكَمُ بِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ الْحَدَّ لِامْتِنَاعِ مَعْرِفَةِ حَقِيقَتِهِ إلَّا بِالْإِشَارَةِ إلَيْهِ وَالْقِرَاءَةِ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْكَلَامَ فِي تَعْرِيفِ الْحَقِيقَةِ.
وَأَمَّا إذَا قَصَدَ التَّمْيِيزَ فَهُوَ مُمْكِنٌ بِأَنْ يُقَالَ الْقُرْآنُ هُوَ الْمَجْمُوعُ الْمَنْقُولُ بَيْنَ دَفَّتَيْ الْمَصَاحِفِ تَوَاتُرًا كَمَا يُقَالُ الْكَشَّافُ هُوَ الْكِتَابُ الَّذِي صَنَّفَهُ جَارُ اللَّهِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ، وَالنَّحْوُ عِلْمٌ يُبْحَثُ فِيهِ عَنْ أَحْوَالِ الْكَلِمِ إعْرَابًا وَبِنَاءً.
قَوْلُهُ (فَإِنَّ الْأَعْرَاضَ تَنْتَهِي) أَيْ تَبْلُغُ بِوَاسِطَةِ الْمُشَخَّصَاتِ حَدًّا لَا يُمْكِنُ تَعَدُّدُهَا إلَّا بِتَعَدُّدِ الْمَحَالِّ كَقَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ
قَفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ وَمَنْزِلٍ
إلَى آخِرِ الْقَصِيدَةِ فَإِنَّهُ بِوَاسِطَةِ مُشَخَّصَاتِهِ مِنْ التَّأْلِيفِ الْمَخْصُوصِ مِنْ الْحُرُوفِ وَالْكَلِمَاتِ وَالْأَبْيَاتِ وَالْهَيْئَةِ الْحَاصِلَةِ بِالْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ بَلَغَ حَدًّا لَا يُمْكِنُ تَعَدُّدُهُ إلَّا بِتَعَدُّدِ اللَّافِظِ حَتَّى إذَا انْضَافَ إلَيْهِ لِشَخْصِ اللَّافِظِ أَيْضًا يَصِيرُ شَخْصِيًّا حَقِيقِيًّا لَا يَتَعَدَّدُ أَصْلًا فَالْمُصَنِّفُ اصْطَلَحَ عَلَى تَسْمِيَةِ مِثْلِ هَذَا الْمُؤَلَّفِ شَخْصِيًّا قَبْلَ أَنْ يَنْضَافَ إلَيْهِ تَشَخُّصُ الْمَحَلِّ وَيَصِيرُ شَخْصِيًّا حَقِيقِيًّا.
قَوْلُهُ (وَقَدْ عَرَّفَ ابْنُ الْحَاجِبِ) ظَاهِرُ تَعْرِيفِهِ لِلْمَجْمُوعِ الشَّخْصِيِّ دُونَ الْمَفْهُومِ الْكُلِّيِّ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ بِسُورَةٍ
стр. 51
الدَّوْرُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ إنْ قِيلَ مَا السُّورَةُ فَلَا بُدَّ أَنْ يُقَالَ بَعْضٌ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ وَإِنْ لَمْ يُحَاوَلْ تَعْرِيفَ الْمَاهِيَّةِ، بَلْ التَّشْخِيصُ وَيَعْنِي بِالسُّورَةِ هَذَا الْمَعْهُودَ الْمُتَعَارَفَ كَمَا عَنَيْنَا بِالْمُصْحَفِ لَا يَرِدُ الْإِشْكَالُ عَلَيْهِ، وَلَا عَلَيْنَا
(وَنُورِدُ أَبْحَاثَهُ) أَيْ: أَبْحَاثَ الْكِتَابِ (فِي بَابَيْنِ الْأَوَّلِ فِي إفَادَتِهِ الْمَعْنَى) اعْلَمْ أَنَّ الْغَرَضَ إفَادَتُهُ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ لَكِنَّ إفَادَتَهُ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ مَوْقُوفَةٌ عَلَى إفَادَتِهِ الْمَعْنَى فَلَا بُدَّ مِنْ الْبَحْثِ فِي إفَادَتِهِ الْمَعْنَى فَيُبْحَثُ فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ وَالْمُشْتَرَكِ وَالْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، وَغَيْرِهَا مِنْ حَيْثُ إنَّهَا تُفِيدُ الْمَعْنَى (وَالثَّانِي: فِي إفَادَتِهِ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ) فَيُبْحَثُ فِي الْأَمْرِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُوجِبُ الْوُجُوبَ، وَفِي النَّهْيِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُوجِبُ الْحُرْمَةَ وَالْوُجُوبَ، وَالْحُرْمَةُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ.
(الْبَابُ الْأَوَّلُ لَمَّا كَانَ الْقُرْآنُ نَظْمًا دَالًّا عَلَى الْمَعْنَى
ــ
[التلويح]
مِنْ جِنْسِهِ فِي الْبَلَاغَةِ وَالْفَصَاحَةِ وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ لُزُومُ الدَّوْرِ مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ تَوَقُّفَ مَعْرِفَةِ مَفْهُومِ السُّورَةِ عَلَى مَعْرِفَةِ الْقُرْآنِ، بَلْ هُوَ بَعْضٌ مُتَرْجَمٌ أَوَّلُهُ وَآخِرُهُ تَوْقِيفًا مِنْ كَلَامٍ مُنَزَّلٍ قُرْآنًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ بِدَلِيلِ سُوَرِ الْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَلِهَذَا احْتَاجَ إلَى قَوْلِهِ بِسُورَةٍ مِنْهُ أَيْ مِنْ ذَلِكَ الْكَلَامِ الْمُنَزَّلِ فَافْهَمْ.
[الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي إفَادَتِهِ الْمَعْنَى]
[قُسِّمَ اللَّفْظُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَعْنَى أَرْبَعُ تَقْسِيمَاتٍ]
[التَّقْسِيمُ الْأَوَّلُ بِاعْتِبَارِ وَضْعِ اللَّفْظِ لِلْمَعْنَى]
(قَوْلُهُ وَنُورِدُ أَبْحَاثَهُ) أَيْ: بَيَانَ أَقْسَامِهِ وَأَحْوَالِهِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِإِفَادَةِ الْمَعَانِي، وَإِثْبَاتِ الْأَحْكَامِ فَالْكَلَامُ فِي تَعْرِيفِهِ خَارِجٌ عَنْ ذَلِكَ، وَالْمُرَادُ بِالْأَبْحَاثِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِإِفَادَةِ الْمَعَانِي مَا لَهُ مَزِيدُ تَعَلُّقٍ بِإِفَادَةِ الْأَحْكَامِ وَلَمْ يُبَيَّنْ فِي عِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ مُسْتَوْفًى كَالْخُصُوصِ، وَالْعُمُومِ وَالِاشْتِرَاكِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لَا كَالْإِعْرَابِ وَالْبِنَاءِ وَالتَّعْرِيفِ وَالتَّنْكِيرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَبَاحِثِ الْعَرَبِيَّةِ، وَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِإِفَادَةِ الْمَعَانِي لَا يُقَالُ الْمُرَادُ مَا يَتَعَلَّقُ بِإِفَادَةِ الْكِتَابِ الْمَعْنَى وَهَذِهِ تَعُمُّ الْكِتَابَ وَغَيْرَهُ لِأَنَّا نَقُولُ وَكَذَلِكَ الْمَبَاحِثُ الْمُورَدَةُ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ بَلْ الثَّانِي أَيْضًا، وَلِهَذَا قِيلَ كَانَ حَقُّهَا أَنْ تُؤَخَّرَ عَنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إلَّا أَنَّ نَظْمَ الْكِتَابِ لَمَّا كَانَ مُتَوَاتِرًا مَحْفُوظًا كَانَتْ مَبَاحِثُ النَّظْمِ بِهِ أَلْيَقَ وَأَلْصَقَ فَذُكِرَ عَقِيبَهُ (قَوْلَهُ لَمَّا كَانَ الْقُرْآنُ) يُرِيدُ أَنَّ اللَّفْظَ الدَّالَّ عَلَى الْمَعْنَى بِالْوَضْعِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ وَضْعٍ لِلْمَعْنَى، وَاسْتِعْمَالٍ فِيهِ وَدَلَالَةٍ عَلَيْهِ فَتَقْسِيمُ اللَّفْظِ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَعْنَاهُ إنْ كَانَ بِاعْتِبَارِ وَضْعِهِ لَهُ فَهُوَ الْأَوَّلُ، وَإِنْ كَانَ بِاعْتِبَارِ اسْتِعْمَالِهِ فِيهِ فَهُوَ الثَّانِي، وَإِنْ كَانَ بِاعْتِبَارِ دَلَالَتِهِ عَلَيْهِ، فَإِنْ اُعْتُبِرَ فِيهِ الظُّهُورُ وَالْخَفَاءُ فَهُوَ الثَّالِثُ وَإِلَّا فَهُوَ الرَّابِعُ.
وَجَعَلَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ هَذِهِ الْأَقْسَامَ أَقْسَامَ النَّظْمِ وَالْمَعْنَى وَجَعَلَ الْأَقْسَامَ الْخَارِجَةَ مِنْ التَّقْسِيمَاتِ الثَّلَاثِ الْأُوَلِ مَا هُوَ صِفَةٌ لِلَّفْظِ، وَأَمَّا الْأَقْسَامُ الْخَارِجَةُ مِنْ التَّقْسِيمِ الرَّابِعِ فَجَعَلَهَا تَارَةً الِاسْتِدْلَالَ بِالْعِبَارَةِ وَبِالْإِشَارَةِ وَبِالدَّلَالَةِ وَبِالِاقْتِضَاءِ وَتَارَةً الِاسْتِدْلَالَ بِالْعِبَارَةِ وَبِالْإِشَارَةِ وَالثَّابِتِ بِالدَّلَالَةِ وَبِالِاقْتِضَاءِ وَتَارَةً الْوُقُوفَ بِعِبَارَةِ النَّصِّ وَإِشَارَتِهِ وَدَلَالَتِهِ وَاقْتِضَائِهِ. وَذَكَرَ فِي تَفْسِيرِهَا مَا هُوَ صِفَةٌ لِلْمَعْنَى كَالثَّابِتِ بِالنَّظْمِ مَقْصُودًا أَوْ غَيْرَ مَقْصُودٍ وَالثَّابِتِ بِمَعْنَى النَّظْمِ
стр. 52
قُسِّمَ اللَّفْظُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَعْنَى أَرْبَعُ تَقْسِيمَاتٍ) الْمُرَادُ بِالنَّظْمِ هَاهُنَا اللَّفْظُ إلَّا أَنَّ فِي إطْلَاقِ اللَّفْظِ عَلَى الْقُرْآنِ نَوْعَ سُوءِ أَدَبٍ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ فِي الْأَصْلِ إسْقَاطُ شَيْءٍ مِنْ الْفَمِ فَلِهَذَا اخْتَارَ النَّظْمَ مَقَامَ اللَّفْظِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ النَّظْمَ
ــ
[التلويح]
وَالثَّابِتِ بِالزِّيَادَةِ عَلَى النَّصِّ شَرْطًا لِصِحَّتِهِ فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّ أَقْسَامَ التَّقْسِيمِ الرَّابِعِ أَقْسَامٌ لِلْمَعْنَى وَالْبَوَاقِي لِلنَّظْمِ وَبَعْضُهُمْ إلَى أَنَّ الدَّلَالَةَ وَالِاقْتِضَاءَ أَقْسَامٌ لِلْمَعْنَى وَلِلْبَوَاقِي لِلنَّظْمِ.
وَصَرَّحَ الْمُصَنِّفُ بِأَنَّ الْجَمِيعَ أَقْسَامُ اللَّفْظِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَعْنَى أَخْذًا بِالْحَاصِلِ وَمَيْلًا إلَى الضَّبْطِ بِأَقْسَامِ التَّقْسِيمِ الرَّابِعِ هُوَ الدَّالُّ بِطَرِيقِ الْعِبَارَةِ وَالْإِشَارَةِ، وَالدَّالَّةُ وَالِاقْتِضَاءُ وَعَدَمُ الِالْتِفَاتِ إلَى الْعِبَارَاتِ وَاخْتِلَافِهَا مِنْ دَأْبِ الْمَشَايِخِ وَعَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ تَقْسِيمِ اللَّفْظِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَعْنَى يُحْمَلُ قَوْلُهُمْ أَقْسَامُ النَّظْمِ وَالْمَعْنَى كَمَا قَالُوا الْقُرْآنُ هُوَ النَّظْمُ وَالْمَعْنَى جَمِيعًا وَأَرَادُوا أَنَّهُ النَّظْمُ الدَّالُّ عَلَى الْمَعْنَى لِلْقَطْعِ بِأَنَّ كَوْنَهُ عَرَبِيًّا مَكْتُوبًا فِي الْمَصَاحِفِ مَنْقُولًا بِالتَّوَاتُرِ صِفَةٌ لِلَّفْظِ الدَّالِّ عَلَى الْمَعْنَى لَا لِمَجْمُوعِ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى، وَكَذَا الْإِعْجَازُ يَتَعَلَّقُ بِالْبَلَاغَةِ، وَهِيَ مِنْ الصِّفَاتِ الرَّاجِعَةِ إلَى اللَّفْظِ بِاعْتِبَارِ إفَادَتِهِ الْمَعْنَى فَإِنَّهُ إذَا قُصِدَتْ تَأْدِيَةُ الْمَعَانِي بِالتَّرَاكِيبِ حَدَثَتْ أَغْرَاضٌ مُخْتَلِفَةٌ تَقْتَضِي اعْتِبَارَ كَيْفِيَّاتٍ وَخُصُوصِيَّاتٍ فِي النَّظْمِ، فَإِنْ رُوعِيَتْ عَلَى مَا يَنْبَغِي بِقَدْرِ الطَّاقَةِ صَارَ الْكَلَامُ بَلِيغًا، وَإِذَا بَلَغَ فِي ذَلِكَ حَدًّا يَمْتَنِعُ مُعَارَضَتُهُ صَارَ مُعْجِزًا فَالْإِعْجَازُ صِفَةُ النَّظْمِ بِاعْتِبَارِ إفَادَتِهِ الْمَعْنَى لَا صِفَةُ النَّظْمِ وَالْمَعْنَى، وَقَدْ يُقَالُ إنَّ مَعْنَى الْقُرْآنِ نَفْسِهِ أَيْضًا مُعْجِزٌ؛ لِأَنَّ الِاطِّلَاعَ عَلَيْهِ خَارِجٌ عَنْ طَوْقِ الْبَشَرِ كَمَا نُقِلَ أَنَّ تَفْسِيرَ الْفَاتِحَةِ أَوْقَارٌ مِنْ الْعِلْمِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا أَيْضًا مِنْ إعْجَازِ النَّظْمِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ مِنْ الْمَعَانِي مَا لَا يَحْتَمِلُهُ كَلَامٌ آخَرُ، وَمَقْصُودُ الْمَشَايِخِ مِنْ قَوْلِهِمْ هُوَ النَّظْمُ وَالْمَعْنَى جَمِيعًا دَفْعُ التَّوَهُّمِ النَّاشِئِ مِنْ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ بِجَوَازِ الْقِرَاءَةِ بِالْفَارِسِيَّةِ فِي الصَّلَاةِ أَنَّ الْقُرْآنَ عِنْدَهُ اسْمٌ لِلْمَعْنَى خَاصَّةً (قَوْلُهُ الْمُرَادُ بِالنَّظْمِ هَاهُنَا اللَّفْظُ) لَا يُقَالُ النَّظْمُ عَلَى مَا فَسَّرَهُ الْمُحَقِّقُونَ هُوَ تَرْتِيبُ الْأَلْفَاظِ مُتَرَتِّبَةَ الْمَعَانِي مُتَنَاسِقَةَ الدَّلَالَاتِ عَلَى وَفْقِ مَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْلُ لَا تَوَالِيهَا فِي النُّطْقِ، وَضَمُّ بَعْضِهَا إلَى بَعْضٍ كَيْفَمَا اُتُّفِقَ، أَوْ هُوَ الْأَلْفَاظُ الْمُتَرَتِّبَةُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ حَتَّى لَوْ قِيلَ فِي،
قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ
نَبْكِ قِفَا مِنْ حَبِيبٍ ذِكْرَى كَانَ لَفْظًا لَا نَظْمًا؛ لِأَنَّا نَقُولُ هُوَ يُطْلَقُ فِي هَذَا الْمَقَامِ عَلَى الْمُفْرَدِ حَيْثُ يَنْقَسِمُ إلَى الْخَاصِّ، وَالْعَامِّ وَالْمُشْتَرَكِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَالْمُرَادُ بِهِ اللَّفْظُ لَا غَيْرُ. اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ بِأَقْسَامِ النَّظْمِ الْأَقْسَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالنَّظْمِ بِأَنْ تَقَعَ صِفَةً لِمُفْرَدَاتِهِ، وَالْأَلْفَاظِ الْوَاقِعَةِ فِيهِ لَا صِفَةً لِلنَّظْمِ نَفْسِهِ، إذْ الْمَوْصُوفُ بِالْخَاصِّ وَالْعَامِّ وَالْمُشْتَرَكِ وَنَحْوِ ذَلِكَ عُرْفًا هُوَ اللَّفْظُ دُونَ النَّظْمِ، فَإِنْ قِيلَ كَمَا أَنَّ اللَّفْظَ يُطْلَقُ عَلَى الرَّمْيِ فَكَذَا النَّظْمُ عَلَى الشِّعْرِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْتَرَزَ عَنْ
стр. 53
رُكْنًا لَازِمًا فِي حَقِّ جَوَازِ الصَّلَاةِ خَاصَّةً، بَلْ اعْتَبَرَ الْمَعْنَى فَقَطْ حَتَّى لَوْ قَرَأَ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ فِي الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ جَازَتْ الصَّلَاةُ عِنْدَهُ وَإِنَّمَا قَالَ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُ جَعَلَهُ لَازِمًا فِي غَيْرِ جَوَازِ الصَّلَاةِ كَقِرَاءَةِ الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ حَتَّى لَوْ قَرَأَ آيَةً مِنْ الْقُرْآنِ بِالْفَارِسِيَّةِ يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقُرْآنٍ لِعَدَمِ النَّظْمِ.
لَكِنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ أَيْ: عَنْ عَدَمِ لُزُومِ النَّظْمِ فِي حَقِّ جَوَازِ الصَّلَاةِ
ــ
[التلويح]
إطْلَاقِهِ. قُلْنَا النَّظْمُ حَقِيقَةً فِي جَمْعِ اللُّؤْلُؤِ فِي السِّلْكِ وَمِنْهُ نَظْمُ الشِّعْرِ وَاللَّفْظُ حَقِيقَةٌ فِي الرَّمْيِ، وَمِنْهُ اللَّفْظُ بِمَعْنَى التَّكَلُّمِ فَأُوثِرَ النَّظْمُ رِعَايَةً لِلْأَدَبِ وَإِشَارَةً إلَى تَشْبِيهِ الْكَلِمَاتِ بِالدُّرَرِ.
(قَوْلُهُ بَلْ اُعْتُبِرَ الْمَعْنَى) لِأَنَّ مَبْنَى النَّظْمِ عَلَى التَّوْسِعَةِ، وَالْمَعْنَى هُوَ الْمَقْصُودُ لَا سِيَّمَا فِي حَالَةِ الْمُنَاجَاةِ فَرُخِّصَ فِي إسْقَاطِ لُزُومِ النَّظْمِ وَرُخْصَةُ الْإِسْقَاطِ لَا تَخْتَصُّ بِالْعُذْرِ وَذَلِكَ فِيمَنْ لَا يُتَّهَمُ بِشَيْءٍ مِنْ الْبِدَعِ، وَقَدْ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَوْ أَكْثَرَ غَيْرِ مُؤَوَّلَةٍ وَلَا مُحْتَمِلَةٍ لِلْمَعَانِي، وَقِيلَ مِنْ غَيْرِ اخْتِلَالِ النَّظْمِ حَتَّى تَبْطُلَ الصَّلَاةُ بِقِرَاءَةِ التَّفْسِيرِ فِيهَا اتِّفَاقًا وَقِيلَ مِنْ غَيْرِ تَعَمُّدٍ وَإِلَّا لَكَانَ مَجْنُونًا فَيُدَاوَى أَوْ زِنْدِيقًا فَيُقْتَلُ.
وَأَمَّا الْكَلَامُ فِي أَنَّ رُكْنَ الشَّيْءِ كَيْفَ لَا يَكُونُ لَازِمًا فَسَيَجِيءُ، فَإِنْ قِيلَ إنْ كَانَ الْمَعْنَى قُرْآنًا يَلْزَمُ عَدَمُ اعْتِبَارِ النَّظْمِ فِي الْقُرْآنِ، وَعَدَمُ صِدْقِ الْحَدِّ أَعْنِي الْمَنْقُولَ بَيْنَ دَفَّتَيْ الْمَصَاحِفِ تَوَاتُرًا عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قُرْآنًا يَلْزَمُ عَدَمُ فَرِيضَةِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ. قُلْنَا أَقَامَ الْعِبَارَةَ الْفَارِسِيَّةَ مَقَامَ النَّظْمِ الْمَنْقُولِ فَجَعَلَ النَّظْمَ مَرْعِيًّا مَنْقُولًا فِي الْمَصَاحِفِ تَقْدِيرًا، أَوْ إنْ لَمْ يَكُنْ تَحْقِيقًا أَوْ حَمَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] عَلَى وُجُوبِ رِعَايَةِ الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ بِدَلِيلٍ لَاحَ لَهُ، فَإِنْ قِيلَ فَعَلَى الْأَوَّلِ يَلْزَمُ فِي الْآيَةِ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ وَذَا لَا يَجُوزُ، إذْ الْقُرْآنُ حَقِيقَةٌ فِي النَّظْمِ الْعَرَبِيِّ الْمَنْقُولِ مَجَازٌ فِي غَيْرِهِ قُلْنَا مَمْنُوعٌ لِجَوَازِ أَنْ تُرَادَ الْحَقِيقَةُ، وَيَثْبُتَ الْحُكْمُ فِي الْمَجَازِ بِالْقِيَاسِ أَوْ دَلَالَةُ النَّصِّ نَظَرًا إلَى الْمُعْتَبَرِ هُوَ الْمَعْنَى عَلَى مَا سَبَقَ.
(قَوْلُهُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْفَارِسِيَّةَ وَغَيْرَهَا سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ وَقِيلَ الْخِلَافُ فِي الْفَارِسِيَّةِ لَا غَيْرُ.
١ -
(قَوْلُهُ حَتَّى لَوْ قَرَأَ آيَةً) إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاعْتِيَادُ وَالْمُدَاوَمَةُ عَلَى الْقِرَاءَةِ بِالْفَارِسِيَّةِ لِلْجُنُبِ وَالْحَائِضِ بَلْ لِلْمُتَطَهِّرِ أَيْضًا، فَإِنْ قِيلَ الْمُتَأَخِّرُونَ عَلَى أَنَّهُ تَجِبُ سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ بِالْقِرَاءَةِ بِالْفَارِسِيَّةِ وَيَحْرُمُ لِغَيْرِ الْمُتَطَهِّرِ مَسُّ مُصْحَفٍ كُتِبَ بِالْفَارِسِيَّةِ فَقَدْ جَعَلَ النَّظْمَ غَيْرَ لَازِمٍ فِي ذَلِكَ أَيْضًا فَلَا يَصِحُّ قَوْلُهُ خَاصَّةً قُلْنَا بَنَى كَلَامَهُ عَلَى رَأْيِ الْمُتَقَدِّمِينَ، فَإِنَّهُ لَا نَصَّ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ، وَالْمُتَأَخِّرُونَ بَنَوْا الْأَمْرَ عَلَى الِاحْتِيَاطِ لِقِيَامِ الرُّكْنِ الْمَقْصُودِ أَعْنِي الْمَعْنَى.
(قَوْلُهُ لَكِنَّ الْأَصَحَّ أَنَّهُ رَجَعَ) إلَى قَوْلِهِمَا عَلَى مَا رَوَى نُوحُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ عَنْهُ قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ مَا قَالَهُ يُخَالِفُ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى ظَاهِرًا حَيْثُ وَصَفَ الْمُنَزَّلَ بِالْعَرَبِيِّ، وَقَالَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْيُسْرِ: هَذِهِ مَسْأَلَةٌ مُشْكِلَةٌ
стр. 54
فَلِهَذَا لَمْ أُورِدْ هَذَا الْقَوْلَ فِي الْمَتْنِ، بَلْ قُلْت إنَّ الْقُرْآنَ عِبَارَةٌ عَنْ النَّظْمِ الدَّالِّ عَلَى الْمَعْنَى وَمَشَايِخُنَا قَالُوا: إنَّ الْقُرْآنَ هُوَ النَّظْمُ وَالْمَعْنَى، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُمْ النَّظْمُ الدَّالُّ عَلَى الْمَعْنَى فَاخْتَرْت هَذِهِ الْعِبَارَةَ.
(بِاعْتِبَارِ وَضْعِهِ لَهُ) هَذَا هُوَ التَّقْسِيمُ الْأَوَّلُ مِنْ التَّقَاسِيمِ الْأَرْبَعَةِ فَيَنْقَسِمُ
ــ
[التلويح]
إذْ لَا يَتَّضِحُ لِأَحَدٍ مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَقَدْ صَنَّفَ الْكَرْخِيُّ فِيهَا تَصْنِيفًا طَوِيلًا وَلَمْ يَأْتِ بِدَلِيلٍ شَافٍ.
(قَوْلُهُ بِاعْتِبَارِ وَضْعِهِ) بَيَانٌ لِلتَّقْسِيمَاتِ الْأَرْبَعِ إجْمَالًا وَفِي لَفْظِ ثُمَّ دَلَالَةٌ عَلَى تَرْتِيبِهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ؛ لِأَنَّ السَّابِقَ فِي الِاعْتِبَارِ هُوَ وَضْعُ اللَّفْظِ لِلْمَعْنَى ثُمَّ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِ، ثُمَّ ظُهُورُ الْمَعْنَى، وَخَفَاؤُهُ مِنْ اللَّفْظِ الْمُسْتَعْمَلِ فِيهِ وَبَعْدَ ذَلِكَ الْبَحْثُ عَنْ كَيْفِيَّةِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَى الْمَعْنَى الْمُسْتَعْمَلِ هُوَ فِيهِ ظَاهِرًا كَانَ أَوْ خَفِيًّا وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ قَدَّمَ التَّقْسِيمَ بِاعْتِبَارِ ظُهُورِ الْمَعْنَى وَخَفَائِهِ عَنْ اللَّفْظِ عَلَى التَّقْسِيمِ بِاعْتِبَارِ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْمَعْنَى نَظَرًا إلَى أَنَّ التَّصْرِيفَ فِي الْكَلَامِ نَوْعَانِ تَصَرُّفٌ فِي اللَّفْظِ، وَتَصَرُّفٌ فِي الْمَعْنَى وَالْأَوَّلُ مُقَدَّمٌ، ثُمَّ الِاسْتِعْمَالُ مُرَتَّبٌ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى كَأَنَّهُ لُوحِظَ أَوَّلًا الْمَعْنَى ظُهُورًا أَوْ خَفَاءً، ثُمَّ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِيهِ فَاللَّفْظُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَعْنَى يَنْقَسِمُ بِالتَّقْسِيمِ الْأَوَّلِ عِنْدَ الْقَوْمِ إلَى الْخَاصِّ وَالْعَامِّ، وَالْمُشْتَرَكِ وَالْمُؤَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ إنْ دَلَّ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ، فَإِمَّا عَلَى الِانْفِرَادِ وَهُوَ الْخَاصُّ، أَوْ عَلَى الِاشْتِرَاكِ بَيْنَ الْأَفْرَادِ وَهُوَ الْعَامُّ، وَإِنْ دَلَّ عَلَى مَعَانٍ مُتَعَدِّدَةٍ، فَإِنْ تَرَجَّحَ الْبَعْضُ عَلَى الْبَاقِي فَهُوَ الْمُؤَوَّلُ وَإِلَّا فَهُوَ الْمُشْتَرَكُ وَالْمُصَنِّفُ أَسْقَطَ الْمُؤَوَّلَ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبَارِ، وَأَدْرَجَ الْجَمْعَ الْمُنَكَّرَ، وَبِالتَّقْسِيمِ الثَّانِي إلَى الْحَقِيقَةِ، وَالْمَجَازِ وَالصَّرِيحِ وَالْكِنَايَةِ؛ لِأَنَّهُ إنْ اُسْتُعْمِلَ فِي مَوْضُوعِهِ فَحَقِيقَةٌ وَإِلَّا فَمَجَازٌ وَكُلٌّ مِنْهُمَا إنْ ظَهَرَ مُرَادُهُ فَصَرِيحٌ، وَإِنْ اسْتَتَرَ فَكِنَايَةٌ، وَبِالتَّقْسِيمِ الثَّالِثِ إلَى الظَّاهِرِ وَالنَّصِّ وَالْمُفَسَّرِ وَالْمُحْكَمِ وَإِلَى مُقَابِلَاتِهَا؛ لِأَنَّهُ إنْ ظَهَرَ مَعْنَاهُ فَإِمَّا أَنْ يَحْتَمِلَ التَّأْوِيلَ أَوْ لَا، فَإِنْ احْتَمَلَ، فَإِنْ كَانَ ظُهُورُ مَعْنَاهُ لِمُجَرَّدِ صِيغَتِهِ فَهُوَ الظَّاهِرُ وَإِلَّا فَهُوَ النَّصُّ، وَإِنْ لَمْ يَحْتَمِلْ، فَإِنْ قَبِلَ النَّسْخَ فَهُوَ الْمُفَسَّرُ، وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ فَهُوَ الْمُحْكَمُ، وَإِنْ خَفِيَ مَعْنَاهُ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ خَفَاؤُهُ لِغَيْرِ الصِّيغَةِ فَهُوَ الْخَفِيُّ أَوْ لِنَفْسِهَا، فَإِنْ أَمْكَنَ إدْرَاكُهُ بِالتَّأَمُّلِ فَهُوَ الْمُشْكِلُ وَإِلَّا، فَإِنْ كَانَ الْبَيَانُ مَرْجُوًّا فِيهِ فَهُوَ الْمُجْمَلُ وَإِلَّا فَهُوَ الْمُتَشَابِهُ وَبِالتَّقْسِيمِ الرَّابِعِ إلَى الدَّالِّ بِطَرِيقِ الْعِبَارَةِ وَبِطَرِيقِ الْإِشَارَةِ، وَبِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ، وَبِطَرِيقِ الِاقْتِضَاءِ؛ لِأَنَّهُ إنْ دَلَّ عَلَى الْمَعْنَى بِالنَّظْمِ، فَإِنْ كَانَ مَسُوقًا لَهُ فَعِبَارَةٌ وَإِلَّا فَإِشَارَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ بِالنَّظْمِ، فَإِنْ دَلَّ عَلَيْهِ فَالْمَفْهُومُ لُغَةً فَهُوَ الدَّلَالَةُ وَإِلَّا فَهُوَ الِاقْتِضَاءُ وَالْعُمْدَةُ فِي ذَلِكَ هُوَ الِاسْتِقْرَاءُ إلَّا أَنَّ هَذَا وَجْهُ الضَّبْطِ، فَإِنْ قُلْت مِنْ حَقِّ الْأَقْسَامِ التَّبَايُنُ وَالِاخْتِلَافُ، وَهُوَ مُنْتَفٍ فِي هَذِهِ الْأَقْسَامِ ضَرُورَةً صَدَقَ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ كَمَا لَا يَخْفَى. قُلْت هَذِهِ تَقْسِيمَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ بِاعْتِبَارَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ فَلَا يَلْزَمُ التَّبَايُنُ، وَالِاخْتِلَافُ بَيْنَ جَمِيعِ أَقْسَامِهَا بَلْ بَيْنَ الْأَقْسَامِ الْخَارِجَةِ مِنْ تَقْسِيمٍ، وَهَذَا كَمَا يُقَسَّمُ الِاسْمُ تَارَةً إلَى الْمُعْرَبِ
стр. 55
الْكَلَامُ بِاعْتِبَارِ الْوَضْعِ إلَى الْخَاصِّ وَالْعَامِّ، وَالْمُشْتَرَكِ كَمَا سَيَأْتِي، وَهَذَا مَا قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ ﵀ الْأَوَّلُ فِي وُجُوهِ النَّظْمِ صِيغَةً وَلُغَةً
(ثُمَّ بِاعْتِبَارِ اسْتِعْمَالِهِ فِيهِ) هَذَا هُوَ التَّقْسِيمُ الثَّانِي فَيَنْقَسِمُ اللَّفْظُ بِاعْتِبَارِ الِاسْتِعْمَالِ أَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْمَوْضُوعِ لَهُ أَوْ فِي غَيْرِهِ كَمَا يَجِيءُ.
(ثُمَّ بِاعْتِبَارِ ظُهُورِ الْمَعْنَى عَنْهُ وَخَفَائِهِ وَمَرَاتِبِهِمَا) ، وَهَذَا مَا قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَالثَّانِي فِي وُجُوهِ الْبَيَانِ بِذَلِكَ النَّظْمِ، وَإِنَّمَا جَعَلْت هَذَا التَّقْسِيمَ ثَالِثًا وَاعْتِبَارُ الِاسْتِعْمَالِ ثَانِيًا عَلَى عَكْسِ مَا أَوْرَدَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِعْمَالَ مُقَدَّمٌ عَلَى ظُهُورِ الْمَعْنَى وَخَفَائِهِ.
(ثُمَّ فِي كَيْفِيَّةِ دَلَالَتِهِ عَلَيْهِ) ، وَهَذَا مَا قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَالرَّابِعُ: فِي وُجُوهِ الْوُقُوفِ عَلَى أَحْكَامِ النَّظْمِ.
(التَّقْسِيمُ الْأَوَّلُ) أَيْ: الَّذِي بِاعْتِبَارِ وَضْعِ اللَّفْظِ لِلْمَعْنَى.
(اللَّفْظُ إنْ وُضِعَ لِلْكَثِيرِ وَضْعًا مُتَعَدِّدًا فَمُشْتَرَكٌ) كَالْعَيْنِ مَثَلًا وُضِعَ تَارَةً لِلْبَاصِرَةِ، وَتَارَةً لِلذَّهَبِ، وَتَارَةً لِعَيْنِ الْمِيزَانِ.
(أَوْ وَضْعًا
ــ
[التلويح]
وَالْمَبْنِيِّ، وَتَارَةً إلَى الْمَعْرِفَةِ وَالنَّكِرَةِ مَعَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا إمَّا مُعْرَبٌ أَوْ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ جَعَلَ الْجَمْعَ أَقْسَامًا مُتَقَابِلَةً لَكَفَى فِيهَا الِاخْتِلَافُ بِالْحَيْثِيَّاتِ، وَالِاعْتِبَارَاتِ كَمَا فِي أَقْسَامِ التَّقْسِيمِ الْأَوَّلِ فَإِنَّ لَفْظَ الْعَيْنِ مَثَلًا عَامٌّ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ أَفْرَادِ الْبَاصِرَةِ، وَمُشْتَرَكٌ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ وُضِعَ لِلْبَاصِرَةِ وَغَيْرِهَا، وَكَذَا التَّقْسِيمُ الثَّانِي.
(قَوْلُهُ وَهَذَا مَا قَالَ) عَبَّرَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ عَنْ التَّقْسِيمِ الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ فِي وُجُوهِ النَّظْمِ صِيغَةً، وَلُغَةً، فَقِيلَ الصِّيغَةُ وَاللُّغَةُ مُتَرَادِفَانِ وَالْمَقْصُودُ وَاحِدٌ وَهُوَ تَقْسِيمُ النَّظْمِ بِاعْتِبَارِ مَعْنَاهُ نَفْسِهِ لَا بِاعْتِبَارِ الْمُتَكَلِّمِ وَالسَّامِعِ وَالْأَقْرَبُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ أَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ الْوَضْعِ؛ لِأَنَّ الصِّيغَةَ هِيَ الْهَيْئَةُ الْعَارِضَةُ لِلَّفْظِ بِاعْتِبَارِ الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ وَتَقْدِيمِ بَعْضِ الْحُرُوفِ عَلَى بَعْضٍ وَاللُّغَةُ هِيَ اللَّفْظُ الْمَوْضُوعُ وَالْمُرَادُ بِهَا هَاهُنَا مَادَّةُ اللَّفْظِ، وَجَوْهَرُ حُرُوفِهِ بِقَرِينَةِ انْضِمَامِ الصِّيغَةِ إلَيْهَا وَالْوَاضِعُ كَمَا عَيَّنَ حُرُوفَ ضَرَبَ بِإِزَاءِ الْمَعْنَى الْمَخْصُوصِ عَيَّنَ هَيْئَتَهُ بِإِزَاءِ مَعْنَى الْمُضِيِّ، فَاللَّفْظُ لَا يَدُلُّ عَلَى مَعْنَاهُ إلَّا بِوَضْعِ الْمَادَّةِ وَالْهَيْئَةِ فَعَبَّرَ بِذِكْرِهِمَا عَنْ وَضْعِ اللَّفْظِ وَعَبَّرَ عَنْ التَّقْسِيمِ الثَّانِي بِقَوْلِهِ فِي وُجُوهِ اسْتِعْمَالِ ذَلِكَ النَّظْمِ وَجَرَيَانِهِ فِي بَابِ الْبَيَانِ أَيْ: فِي طُرُقِ اسْتِعْمَالِهِ مِنْ أَنَّهُ فِي الْمَوْضُوعِ لَهُ فَيَكُونُ حَقِيقَةً أَوْ فِي غَيْرِهِ فَيَكُونُ مَجَازًا أَوْ فِي طَرِيقِ جَرَيَانِ النَّظْمِ فِي بَيَانِ الْمَعْنَى وَإِظْهَارِهِ مِنْ أَنَّهُ بِطَرِيقِ الْوُضُوحِ فَيَكُونُ صَرِيحًا أَوْ بِطَرِيقِ الِاسْتِتَارِ فَيَكُونُ كِنَايَةً وَعَنْ الثَّالِثِ بِقَوْلِهِ فِي وُجُوهِ الْبَيَانِ بِذَلِكَ النَّظْمِ أَيْ: فِي طُرُقِ إظْهَارِ الْمَعْنَى وَمَرَاتِبِهِ، وَعَنْ الرَّابِعِ بِقَوْلِهِ فِي مَعْرِفَةِ وُجُوهِ الْوُقُوفِ عَلَى الْمُرَادِ وَالْمَعَانِي أَيْ: مَعْرِفَةِ طُرُقِ اطِّلَاعِ الْمَسَامِعِ عَلَى مُرَادِ الْمُتَكَلِّمِ وَمَعَانِي الْكَلَامِ بِأَنَّهُ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الْعِبَارَةِ أَوْ الْإِشَارَةِ أَوْ غَيْرِهِمَا.
(قَوْلُهُ التَّقْسِيمُ الْأَوَّلُ) اللَّفْظُ الْمَوْضُوعُ إمَّا أَنْ يَكُونَ وَضْعُهُ لِكَثِيرٍ، أَوْ لِوَاحِدٍ وَالْأَوَّلُ إمَّا أَنْ يَكُونَ وَضْعُهُ لِلْكَثِيرِ
стр. 56
وَاحِدًا) أَيْ: وُضِعَ لِلْكَثِيرِ وَضْعًا وَاحِدًا. (وَالْكَثِيرُ غَيْرُ مَحْصُورٍ فَعَامٌّ إنْ اسْتَغْرَقَ جَمِيعَ مَا يَصْلُحُ لَهُ وَإِلَّا فَجَمْعٌ مُنَكَّرٌ وَنَحْوُهُ) فَالْعَامُّ لَفْظٌ وُضِعَ وَضْعًا وَاحِدًا لِكَثِيرٍ غَيْرِ مَحْصُورٍ، مُسْتَغْرِقٌ جَمِيعَ مَا يَصْلُحُ لَهُ فَقَوْلُهُ وَضْعًا وَاحِدًا يُخْرِجُ الْمُشْتَرَكَ، وَالْكَثِيرُ يُخْرِجُ مَا لَمْ يُوضَعْ لِكَثِيرٍ كَزَيْدٍ وَعَمْرٍو وَغَيْرِ مَحْصُورٍ يُخْرِجُ أَسْمَاءَ الْعَدَدِ، فَإِنَّ الْمِائَةَ مَثَلًا وُضِعَتْ وَضْعًا وَاحِدًا لِلْكَثِيرِ وَهِيَ مُسْتَغْرِقَةٌ جَمِيعَ مَا يَصْلُحُ لَهُ لَكِنَّ الْكَثِيرَ مَحْصُورٌ، وَقَوْلُهُ مُسْتَغْرِقٌ جَمِيعَ مَا يَصْلُحُ
ــ
[التلويح]
بِوَضْعِ كَثِيرٍ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ بِوَضْعِ كَثِيرٍ فَهُوَ الْمُشْتَرَكُ وَإِلَّا فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْكَثِيرُ مَحْصُورًا فِي عَدَدٍ مُعَيَّنٍ بِحَسَبِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ أَوْ لَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَحْصُورًا، فَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ مُسْتَغْرِقًا لِجَمِيعِ مَا يَصْلُحُ لَهُ مِنْ آحَادِ ذَلِكَ الْكَثِيرِ فَهُوَ الْعَامُّ وَإِلَّا فَهُوَ الْجَمْعُ الْمُنَكَّرُ وَنَحْوُهُ، وَإِنْ كَانَ مَحْصُورًا فِي عَدَدٍ مُعَيَّنٍ فَهُوَ مِنْ أَقْسَامِ الْخَاصِّ.
وَالثَّانِي وَهُوَ مَا يَكُونُ وَضْعُهُ لِوَاحِدٍ شَخْصِيٍّ أَوْ نَوْعِيٍّ أَوْ جِنْسِيٍّ أَيْضًا مِنْ أَقْسَامِ الْخَاصِّ فَيَنْحَصِرُ اللَّفْظُ بِهَذَا التَّقْسِيمِ فِي الْمُشْتَرَكِ وَالْعَامِّ وَالْخَاصِّ وَالْوَاسِطَةِ بَيْنَهُمَا فَالْمُشْتَرَكُ مَا وُضِعَ لِمَعْنًى كَثِيرٍ بِوَضْعٍ كَثِيرٍ وَمَعْنَى الْكَثْرَةِ مَا يُقَابِلُ الْوَحْدَةَ لَا مَا يُقَابِلُ الْقِلَّةَ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ فَقَطْ وَهَذَا التَّعْرِيفُ شَامِلٌ لِلْأَسْمَاءِ الَّتِي وُضِعَتْ أَوَّلًا لِلْمَعَانِي الْجِنْسِيَّةِ، ثُمَّ نُقِلَتْ إلَى الْمَعَانِي الْعَلَمِيَّةِ لِمُنَاسَبَةٍ أَوْ لَا لِمُنَاسَبَةٍ، بَلْ لِجَمِيعِ الْأَلْفَاظِ الْمَنْقُولَةِ وَالْأَلْفَاظِ الْمَوْضُوعَةِ اصْطِلَاحٌ فِي الْمَعْنَى، وَفِي اصْطِلَاحٍ آخَرَ لِمَعْنًى آخَرَ كَالزَّكَاةِ وَالْفِعْلِ وَالدَّوَرَانِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَلَيْسَتْ مِنْ الْمُشْتَرَكِ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْبَعْضُ.
وَالْعَامُّ لَفْظٌ وُضِعَ وَضْعًا وَاحِدًا لِكَثِيرٍ غَيْرِ مَحْصُورٍ مُسْتَغْرِقٍ بِجَمِيعِ مَا يُصْطَلَحُ لَهُ فَقَوْلُهُ وَضْعًا وَاحِدًا يُخْرِجُ الْمُشْتَرَكَ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَعَانِيهِ الْمُتَعَدِّدَةِ.
وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى أَفْرَادِ مَعْنًى وَاحِدٍ لَهُ كَالْعُيُونِ لِأَفْرَادِ الْعَيْنِ الْجَارِيَةِ فَهُوَ عَامٌّ مُنْدَرِجٌ تَحْتَ الْحَدِّ وَالْأَقْرَبُ أَنْ يُقَالَ هَذَا الْقَيْدُ لِلتَّحْقِيقِ وَالْإِيضَاحِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرَكَ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَعَانِيهِ الْمُتَعَدِّدَةِ لَيْسَ بِمُسْتَغْرِقٍ عَلَى مَا سَيَجِيءُ، فَإِنْ قِيلَ الْمُرَادُ بِالِاسْتِغْرَاقِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ عَلَى سَبِيلِ الشُّمُولِ كَمَا فِي صِيَغِ الْجُمُوعِ وَأَسْمَائِهَا، مِثْلُ الرِّجَالِ وَالْقَوْمِ أَوْ سَبِيلِ الْبَدَلِ كَمَا فِي مِثْلِ مَنْ دَخَلَ دَارِي أَوَّلًا فَلَهُ كَذَا، وَالْمُشْتَرَكُ مُسْتَغْرِقٌ لِمَعَانِيهِ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ قُلْنَا فَحِينَئِذٍ يَدْخُلُ فِي حَدِّ الْعَامِّ النَّكِرَةُ الْمُثْبَتَةُ فَإِنَّهَا تَسْتَغْرِقُ كُلَّ فَرْدٍ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ، فَإِنْ قِيلَ هِيَ لَيْسَتْ بِمَوْضُوعَةٍ لِلْكَثِيرِ قُلْنَا لَوْ سَلِمَ فَإِنَّمَا يَصْلُحُ جَوَابًا عَنْ النَّكِرَةِ الْمُفْرَدَةِ دُونَ الْجَمْعِ الْمُنَكَّرِ فَإِنَّهُ يَسْتَغْرِقُ الْآحَادَ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِعَدَمِ عُمُومِهِ أَيْضًا، وَالْمُرَادُ بِالْوَضْعِ لِلْكَثِيرِ الْوَضْعُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ وُحْدَانِ الْكَثِيرِ أَوْ لِأَمْرٍ يَشْتَرِكُ فِيهِ وُحْدَانُ الْكَثِيرِ أَوْ لِمَجْمُوعِ وُحْدَانِهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَجْمُوعٌ فَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْوُحْدَانِ نَفْسَ الْمَوْضُوعِ لَهُ أَوْ جُزْئِيًّا مِنْ جُزْئِيَّاتِهِ أَوْ جُزْءًا مِنْ أَجْزَائِهِ، وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ يَنْدَرِجُ فِيهِ الْمُشْتَرَكُ وَالْعَامُّ، وَأَسْمَاءُ
стр. 57
لَهُ يُخْرِجُ الْجَمْعَ الْمُنَكَّرَ نَحْوَ رَأَيْت رِجَالًا، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ وَإِلَّا فَجَمْعٌ مُنَكَّرٌ أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَسْتَغْرِقْ جَمِيعَ مَا يَصْلُحُ لَهُ، وَقَوْلُهُ وَنَحْوُهُ، مِثْلُ رَأَيْت جَمَاعَةً مِنْ الرِّجَالِ فَعَلَى قَوْلِ مَنْ لَا يَقُولُ بِعُمُومِ الْجَمْعِ الْمُنَكَّرِ يَكُونُ الْجَمْعُ الْمُنَكَّرُ وَاسِطَةً بَيْنَ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ بِعُمُومِهِ يُرَادُ بِالْجَمْعِ الْمُنَكَّرِ هَاهُنَا الْجَمْعُ الْمُنَكَّرُ الَّذِي تَدُلُّ الْقَرِينَةُ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ عَامٍّ، فَإِنَّ هَذَا يَكُونُ
ــ
[التلويح]
الْعَدَدِ، فَإِنْ قِيلَ فَيَنْدَرِجُ فِيهِ مِثْلُ زَيْدٍ وَعَمْرٍو وَرَجُلٍ وَفَرَسٍ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلْكَثِيرِ بِحَسَبِ الْأَجْزَاءِ قُلْنَا الْمُعْتَبَرُ هُوَ الْأَجْزَاءُ الْمُتَّفِقَةُ فِي الِاسْمِ كَآحَادِ الْمِائَةِ، فَإِنَّهَا تُنَاسِبُ جُزْئِيَّاتِ الْمَعْنَى الْوَاحِدِ الْمُتَّحِدَةِ بِحَسَبِ ذَلِكَ الْمَفْهُومِ، فَإِنْ قِيلَ النَّكِرَةُ الْمَنْفِيَّةُ عَامٌّ وَلَوْ تُوضَعُ لِلْكَثْرَةِ قُلْنَا الْوَضْعُ أَعَمُّ مِنْ الشَّخْصِيِّ، وَالنَّوْعِيِّ، وَقَدْ ثَبَتَ مِنْ اسْتِعْمَالِهِمْ لِلنَّكِرَةِ الْمَنْفِيَّةِ أَنَّ الْحُكْمَ مَنْفِيٌّ عَنْ الْكَثِيرِ الْغَيْرِ الْمَحْصُورِ، وَاللَّفْظُ مُسْتَغْرِقٌ لِكُلِّ فَرْدٍ فِي حُكْمِ النَّفْيِ بِمَعْنَى عُمُومِ النَّفْيِ عَنْ الْآحَادِ فِي الْمُفْرَدِ، وَعَنْ الْمَجْمُوعِ فِي الْجَمْعِ لَا نَفْيَ الْعُمُومِ، وَهَذَا مَعْنَى الْوَضْعِ النَّوْعِيِّ لِذَلِكَ، وَكَوْنُ عُمُومِهَا عَقْلِيًّا ضَرُورِيًّا بِمَعْنَى أَنَّ انْتِفَاءَ فَرْدٍ مُبْهَمٍ لَا يُمْكِنُ إلَّا بِانْتِفَاءِ كُلِّ فَرْدٍ لَا يُنَافِي ذَلِكَ لَا يُقَالُ النَّكِرَةُ الْمَنْفِيَّةُ مَجَازٌ، وَالتَّعْرِيفُ لِلْعَامِّ الْحَقِيقِيِّ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا مَجَازٌ كَيْفَ وَلَمْ تُسْتَعْمَلْ إلَّا فِيمَا وُضِعَتْ لَهُ بِالْوَضْعِ الشَّخْصِيِّ وَهُوَ فَرْدٌ مُبْهَمٌ، وَقَدْ صَرَّحَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ شَارِحِي أُصُولِ ابْنِ الْحَاجِب بِأَنَّهَا حَقِيقَةٌ، وَمَعْنَى كَوْنِ الْكَثِيرِ غَيْرُ مَحْصُورٍ أَنْ لَا يَكُونَ فِي اللَّفْظِ دَلَالَةٌ عَلَى انْحِصَارِهِ فِي عَدَدٍ مُعَيَّنٍ وَإِلَّا فَالْكَثِيرُ الْمُتَحَقِّقُ مَحْصُورٌ لَا مَحَالَةَ لَا يُقَالُ الْمُرَادُ بِغَيْرِ الْمَحْصُورِ مَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الضَّبْطِ وَالْعَدِّ بِالنَّظَرِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ لَفْظُ السَّمَاوَاتِ مَوْضُوعًا لِكَثِيرٍ مَحْصُورٍ وَلَفْظُ أَلْفٍ مَوْضُوعًا لِكَثِيرٍ غَيْرِ مَحْصُورٍ وَالْأَمْرُ بِالْعَكْسِ ضَرُورَةَ أَنَّ الْأَوَّلَ عَامٌّ، وَالثَّانِيَ اسْمُ عَدَدٍ لَا يُقَالُ هَذَا الْقَيْدُ مُسْتَدْرَكٌ؛ لِأَنَّ الِاحْتِرَازَ عَنْ أَسْمَاءِ الْعَدَدِ حَاصِلٌ بِقَيْدِ الِاسْتِغْرَاقِ لِمَا يَصْلُحُ لَهُ ضَرُورَةً أَنَّ لَفْظَ الْمِائَةِ مَثَلًا إنَّمَا يَصْلُحُ لِجُزْئِيَّاتِ الْمِائَةِ لَا لِمَا يَتَضَمَّنُهَا الْمِائَةُ مِنْ الْآحَادِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ أَرَادَ بِالصُّلُوحِ صُلُوحَ اسْمِ الْكُلِّيِّ لِجُزْئِيَّاتِهِ أَوْ الْكُلِّ لِأَجْزَائِهِ فَاعْتَبَرَ الدَّلَالَةَ مُطَابِقَةً أَوْ تَضَمُّنًا وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ صَارَ صِيَغُ الْجُمُوعِ، وَأَسْمَاؤُهَا، مِثْلُ الرِّجَالِ وَالْمُسْلِمِينَ وَالرَّهْطِ وَالْقَوْمِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْآحَادِ مُسْتَغْرِقَةً لِمَا تَصْلُحُ لَهُ فَدَخَلَتْ فِي الْحَدِّ، وَقَوْلُهُ مُسْتَغْرِقٌ مَرْفُوعٌ صِفَةُ لَفْظٍ وَمَعْنَى اسْتِغْرَاقِهِ لِمَا يَصْلُحُ لَهُ تَنَاوُلُهُ لِذَلِكَ بِحَسَبِ الدَّلَالَةِ.
(قَوْلُهُ إلَّا فَجَمْعٌ مُنَكَّرٌ) الْمُعْتَبَرُ فِي الْعَامِّ عِنْدَ فَخْرِ الْإِسْلَامِ وَبَعْضِ الْمَشَايِخِ هُوَ انْتِظَامُ جَمْعٍ مِنْ الْمُسَمَّيَاتِ بِاعْتِبَارِ أَمْرٍ يَشْتَرِكُ فِيهِ سَوَاءٌ وُجِدَ الِاسْتِغْرَاقُ أَمْ لَا فَالْجَمْعُ الْمُنَكَّرُ عِنْدَهُمْ عَامٌّ سَوَاءٌ كَانَ مُسْتَغْرِقًا أَوْ لَا وَالْمُصَنِّفُ لَمَّا اشْتَرَطَ الِاسْتِغْرَاقَ عَلَى مَا هُوَ اخْتِيَارُ الْمُحَقِّقِينَ فَالْجَمْعُ الْمُنَكَّرُ يَكُونُ وَاسِطَةً بَيْنَ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِعَدَمِ اسْتِغْرَاقِهِ وَعَامًّا عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِاسْتِغْرَاقِهِ وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَكُونُ الْمُرَادُ
стр. 58
وَاسِطَةً بَيْنَ الْعَامِّ، وَالْخَاصِّ نَحْوَ رَأَيْت الْيَوْمَ رِجَالًا فَإِنَّ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ جَمِيعَ الرِّجَالِ غَيْرُ مَرْئِيٍّ.
(وَإِنْ كَانَ) أَيْ: الْكَثِيرُ. (مَحْصُورًا) كَالْعَدَدِ وَالتَّثْنِيَةِ. (أَوْ وُضِعَ لِلْوَاحِدِ فَخَاصٌّ) سَوَاءٌ كَانَ الْوَاحِدُ بِاعْتِبَارِ الشَّخْصِ كَزَيْدٍ، أَوْ بِاعْتِبَارِ النَّوْعِ كَرَجُلٍ وَفَرَسٍ. (ثُمَّ الْمُشْتَرَكُ أَنَّ تَرَجُّحَ بَعْضِ مَعَانِيهِ بِالرَّأْيِ يُسَمَّى مُؤَوَّلًا) .
أَصْحَابُنَا قَسَّمُوا اللَّفْظَ بِاعْتِبَارِ الصِّيغَةِ، وَاللُّغَةِ أَيْ: بِاعْتِبَارِ الْوَضْعِ عَلَى الْخَاصِّ وَالْعَامِّ، وَالْمُشْتَرَكِ وَالْمُؤَوَّلِ، وَإِنَّمَا لَمْ أُورِدْ الْمُؤَوَّلَ فِي الْقِسْمَةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِاعْتِبَارِ الْوَضْعِ، بَلْ بِاعْتِبَارِ رَأْيِ الْمُجْتَهِدِ ثُمَّ هَاهُنَا تَقْسِيمٌ آخَرُ لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِهِ وَمَعْرِفَةِ الْأَقْسَامِ
ــ
[التلويح]
بِالْجَمْعِ الْمُنَكَّرِ فِي قَوْلِهِ وَإِلَّا فَجَمْعٌ مُنَكَّرٌ الْجَمْعَ الَّذِي تَدُلُّ قَرِينَةٌ عَلَى عَدَمِ اسْتِغْرَاقِهِ، مِثْلُ رَأَيْت الْيَوْمَ رِجَالًا وَفِي الدَّارِ رِجَالٌ إلَّا أَنَّ هَذَا غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالْجَمْعِ الْمُنَكَّرِ، بَلْ كُلُّ عَامٍّ مَقْصُورٌ عَلَى الْبَعْضِ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ أَوْ غَيْرِهِ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ وَاسِطَةً جَمْعًا مُنَكَّرًا أَوْ نَحْوَهُ عَلَى مُقْتَضَى عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ لِدُخُولِهِ فِي قَوْلِهِ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَغْرِقْ فَجَمْعٌ مُنَكَّرٌ وَنَحْوُهُ وَفَسَادُهُ بَيِّنٌ.
(قَوْلُهُ أَوْ بِاعْتِبَارِ النَّوْعِ كَرَجُلٍ وَفَرَسٍ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ النَّوْعِ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ قَدْ يَكُونُ نَوْعًا مَنْطِقِيًّا كَالْفَرَسِ، وَقَدْ لَا يَكُونُ كَالرَّجُلِ فَإِنَّ الشَّرْعَ قَدْ يَجْعَلُ الرَّجُلَ وَالْمَرْأَةَ نَوْعَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ نَظَرًا إلَى اخْتِصَاصِ الرَّجُلِ بِأَحْكَامٍ مِثْلِ النُّبُوَّةِ، وَالْإِمَامَةِ وَالشَّهَادَةِ فِي الْحَدِّ وَالْقِصَاصِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ الْمُشْتَرَكُ) ذَكَرَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَغَيْرُهُ أَنَّ أَقْسَامَ النَّظْمِ صِيغَةً وَلُغَةً أَرْبَعَةٌ: الْخَاصُّ وَالْعَامُّ، وَالْمُشْتَرَكُ وَالْمُؤَوَّلُ وَفَسَّرَ الْمُؤَوَّلَ بِمَا تَرَجَّحَ مِنْ الْمُشْتَرَكِ بَعْضُ وُجُوهِهِ بِغَالِبِ الرَّأْيِ، وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ الْمُؤَوَّلَ قَدْ لَا يَكُونُ مِنْ الْمُشْتَرَكِ، وَتَرَجُّحُهُ قَدْ لَا يَكُونُ بِغَالِبِ الرَّأْيِ كَمَا ذَكَرَ فِي الْمِيزَانِ أَنَّ الْمُجْمَلَ وَالْمُشْكِلَ وَالْخَفِيَّ وَالْمُشْتَرَكَ إذَا لَحِقَهَا الْبَيَانُ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ يُسَمَّى مُفَسَّرًا وَإِذَا زَالَ خَفَاؤُهَا بِدَلِيلٍ فِيهِ شُبْهَةٌ كَخَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ يُسَمَّى مُؤَوَّلًا، وَأُجِيبُ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنْ لَيْسَ الْمُرَادُ تَعْرِيفَ مُطْلَقِ الْمُؤَوَّلِ، بَلْ الْمُؤَوَّلُ مِنْ الْمُشْتَرَكِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي مِنْ أَقْسَامِ النَّظْمِ صِيغَةً وَلُغَةً، وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ غَالِبَ الرَّأْيِ مَعْنَاهُ الظَّنُّ الْغَالِبُ سَوَاءٌ حَصَلَ مِنْ خَبَرِ الْوَاحِدِ أَوْ الْقِيَاسِ أَوْ التَّأَمُّلِ فِي الصِّيغَةِ كَمَا فِي ثَلَاثَةِ قُرُوءٍ، وَمَعْنَى كَوْنِهِ مِنْ أَقْسَامِ النَّظْمِ صِيغَةً وَلُغَةً أَنَّ الْحُكْمَ بَعْدَ التَّأْوِيلِ مُضَافٌ إلَى الصِّيغَةِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِغَالِبِ الرَّأْيِ التَّأَمُّلُ، وَالِاجْتِهَادُ فِي نَفْسِ الصِّيغَةِ، وَقَيَّدَ بِالِاشْتِرَاكِ وَالتَّرَجُّحِ بِالِاجْتِهَادِ وَالتَّأَمُّلِ فِي نَفْسِ الصِّيغَةِ لِيَتَحَقَّقَ كَوْنُهُ مِنْ أَقْسَامِ النَّظْمِ، وَلُغَةً فَإِنَّ الْمُشْتَرَكَ مَوْضُوعٌ لِمَعَانٍ مُتَعَدِّدَةٍ يَحْتَمِلُ كُلًّا مِنْهَا عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ فَإِذَا حُمِلَ عَلَى أَحَدِهَا بِالنَّظَرِ فِي الصِّيغَةِ أَيْ: اللَّفْظِ الْمَوْضُوعِ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ أَقْسَامِ النَّظْمِ صِيغَةً وَلُغَةً أَيْ: وَضْعًا بِخِلَافِ مَا إذَا حُمِلَ عَلَيْهِ بِقَطْعِيٍّ فَإِنَّهُ يَكُونُ تَفْسِيرًا لَا تَأْوِيلًا أَوْ بِقِيَاسٍ أَوْ خَبَرٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ مِنْ أَقْسَامِ النَّظْمِ صِيغَةً وَلُغَةً وَكَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ مُشْتَرَكًا، بَلْ خَفِيًّا أَوْ
стр. 59
الَّتِي تَحْصُلُ مِنْهُ وَهُوَ هَذَا.
(وَأَيْضًا الِاسْمُ الظَّاهِرُ إنْ كَانَ مَعْنَاهُ عَيْنَ مَا وُضِعَ لَهُ الْمُشْتَقُّ مِنْهُ مَعَ وَزْنِ الْمُشْتَقِّ فَصِفَةٌ وَإِلَّا فَإِنْ تَشَخَّصَ مَعْنَاهُ فَعَلَمٌ وَإِلَّا فَاسْمُ جِنْسٍ وَهُمَا إمَّا مُشْتَقَّانِ أَوْ لَا ثُمَّ كُلٌّ مِنْ الصِّفَةِ وَاسْمِ الْجِنْسِ إنْ أُرِيدَ الْمُسَمَّى بِلَا قَيْدٍ فَمُطْلَقٌ أَوْ مَعَهُ فَمُقَيَّدٌ أَوْ أَشْخَاصُهُ كُلُّهَا
ــ
[التلويح]
مُجْمَلًا أَوْ مُشْكِلًا فَأُزِيلَ خَفَاؤُهُ بِقَطْعِيٍّ أَوْ ظَنِّيٍّ.
(قَوْلُهُ، وَأَيْضًا الِاسْمُ الظَّاهِرُ) قَيَّدَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُضْمَرَ خَارِجٌ عَنْ الْأَقْسَامِ وَكَذَا اسْمُ الْإِشَارَةِ فَكَأَنَّهُ أَرَادَ مَا لَيْسَ بِمُضْمَرٍ وَلَا اسْمِ إشَارَةٍ وَالصِّفَةُ بِمُقْتَضَى هَذَا التَّقْسِيمِ اسْمٌ مُشْتَقٌّ يَكُونُ مَعْنَاهُ عَيْنُ مَا وُضِعَ لَهُ الْمُشْتَقُّ مِنْهُ مَعَ وَزْنِ الْمُشْتَقِّ فَالضَّارِبُ لَفْظٌ مُشْتَقٌّ مِنْ الضَّرْبِ مَعْنَاهُ مَعْنَى الضَّرْبِ مَعَ الْفَاعِلِ، وَالْمَضْرُوبُ مَعْنَاهُ مَعْنَى الضَّرْبِ مَعَ الْمَفْعُولِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ مَا دَلَّ عَلَى ذَاتٍ مُبْهَمَةٍ وَمَعْنًى مُعَيَّنٍ يَقُومُ بِهَا وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ مَعَ وَزْنِ الْمُشْتَقِّ عَنْ اسْمِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالْآلَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْمُشْتَقَّاتِ، إذْ لَيْسَ مَعْنَى الْمَقْتَلِ هُوَ الْقَتْلُ مَعَ الْمَفْعَلِ، وَمَعْنَى الْمِفْتَاحِ هُوَ الْفَتْحُ مَعَ الْمِفْعَالِ، إذْ التَّعْبِيرُ عَمَّا يَصْدُرُ عَنْهُ الْفِعْلُ أَوْ يَقَعُ عَلَيْهِ بِالْفَاعِلِ أَوْ الْمَفْعُولِ شَائِعٌ بِخِلَافِ التَّعْبِيرِ عَنْ الْمَكَانِ وَالْآلَةِ بِالْمَفْعَلِ وَالْمِفْعَالِ، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ هَذَا التَّفْسِيرُ لَا يَصْدُقُ إلَّا عَلَى صِفَةٍ تَكُونُ عَلَى وَزْنِ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ؛ لِأَنَّ التَّعْبِيرَ عَمَّا يَقُومُ بِهِ الْمَعْنَى إنَّمَا يَكُونُ بِالْفَاعِلِ، أَوْ الْمَفْعُولِ لَا بِالْأَفْعُلِ وَالْفَعْلَانِ وَالْفِعْلِ وَالْمُسْتَفْعِلِ وَالْمُفَعْلَلِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَيْسَ مَعْنَى الْأَبْيَضِ وَالْأَفْضَلِ مَثَلًا هُوَ الْبَيَاضُ وَالْفَضْلُ مَعَ الْأَفْضَلِ وَلَا مَعْنَى الْعَطْشَانِ هُوَ الْعَطَشُ مَعَ الْفَعْلَانِ، وَلَا مَعْنَى الْخَيْرِ هُوَ الْخَيْرِيَّةُ مَعَ الْفِعْلِ وَلَا مَعْنَى الْمُسْتَخْرَجِ وَالْمُدَحْرَجِ هُوَ الِاسْتِخْرَاجُ وَالدَّحْرَجَةُ مَعَ الْمُسْتَفْعَلِ وَالْمُفَعْلَلِ، وَإِنْ مُنِعَ ذَلِكَ نَمْنَعُ خُرُوجَ اسْمِ الْمَكَانِ وَالْآلَةِ لِلْقَطْعِ بِأَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ مَعْنَى الْمَقْتَلِ هُوَ الْقَتْلُ مَعَ الْمَفْعَلِ لَيْسَ بِأَبْعَدَ مِنْ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْأَبْيَضَ مَعْنَاهُ الْبَيَاضُ مَعَ الْأَفْعَلِ وَالْمُدَحْرَجُ مَعْنَاهُ الدَّحْرَجَةُ مَعَ الْمُفَعْلَلِ.
(قَوْلُهُ وَهُمَا) أَيْ: الْعَلَمُ وَاسْمُ الْجِنْسِ إمَّا مُشْتَقَّانِ كَحَاتِمٍ وَمَقْتَلٍ وَلَا يَصِحُّ التَّمْثِيلُ بِنَحْوِ ضَارِبٍ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الصِّفَةَ قَسِيمًا لِاسْمِ الْجِنْسِ أَوْ لَا كَزَيْدٍ وَرَجُلٍ، وَالِاشْتِقَاقُ يُفَسَّرُ تَارَةً بِاعْتِبَارِ الْعِلْمِ فَيُقَالُ هُوَ أَنْ تَجِدَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ تَنَاسُبًا فِي أَصْلِ الْمَعْنَى، وَالتَّرْكِيبِ فَتَرُدُّ أَحَدَهُمَا لِلْآخَرِ فَالْمَرْدُودُ مُشْتَقٌّ، وَالْمَرْدُودُ إلَيْهِ مُشْتَقٌّ مِنْهُ، وَتَارَةً بِاعْتِبَارِ الْعَمَلِ فَيُقَالُ هُوَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْ اللَّفْظِ مَا يُنَاسِبُهُ فِي حُرُوفِهِ الْأُصُولِ وَتَرْتِيبِهَا فَتَجْعَلَهُ دَالًّا عَلَى مَعْنًى يُنَاسِبُ مَعْنَاهُ فَالْمَأْخُوذُ مُشْتَقٌّ وَالْمَأْخُوذُ مِنْهُ مُشْتَقٌّ مِنْهُ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْعَلَمَ لَا يَكُونُ مُشْتَقًّا بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى الْعَلَمِيِّ، بَلْ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى الْأَصْلِيِّ الْمَنْقُولِ عَنْهُ فَالْمُشْتَقُّ حَقِيقَةً هُوَ اسْمُ الْجِنْسِ لَا غَيْرُ.
(قَوْلُهُ إنْ أُرِيدَ مِنْهُ الْمُسَمَّى بِلَا قَيْدٍ فَمُطْلَقٌ) مُشْعِرٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ فِي الْمُطْلَقِ نَفْسُ الْمُسَمَّى دُونَ الْفَرْدِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِلْقَطْعِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] تَحْرِيرُ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ هَذَا الْمَفْهُومِ غَيْرُ
стр. 60
فَعَامٌّ أَوْ بَعْضُهَا مُعَيَّنًا فَمَعْهُودٌ أَوْ مُنَكَّرًا فَنَكِرَةٌ فَهِيَ مَا وُضِعَ لِشَيْءٍ لَا بِعَيْنِهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ لِلسَّامِعِ وَالْمَعْرِفَةُ مَا وُضِعَ لِمُعَيَّنٍ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ لَهُ) أَيْ: لِلسَّامِعِ، وَإِنَّمَا قُلْت عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَعْرِفَةِ وَالنَّكِرَةِ فِي التَّعْيِينِ وَعَدَمِ التَّعْيِينِ عِنْدَ الْوَضْعِ، وَإِنَّمَا قُلْت لِلسَّامِعِ؛ لِأَنَّهُ إذَا قَالَ جَاءَنِي رَجُلٌ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مُتَعَيَّنًا لِلْمُتَكَلِّمِ فَعُلِمَ مِنْ هَذَا التَّقْسِيمِ حَدُّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَقْسَامِ وَعُلِمَ أَنَّ الْمُطْلَقَ مِنْ أَقْسَامِ الْخَاصِّ؛ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ وُضِعَ لِلْوَاحِدِ النَّوْعِيِّ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ يَجِبُ فِي كُلِّ قِسْمٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ أَنْ يُعْتَبَرَ مِنْ حَيْثُ هُوَ كَذَلِكَ حَتَّى لَا يُتَوَهَّمَ التَّنَافِي بَيْنَ كُلِّ قِسْمٍ وَقِسْمٍ، فَإِنَّ بَعْضَ الْأَقْسَامِ قَدْ يَجْتَمِعُ مَعَ بَعْضٍ وَبَعْضُهَا لَا، مِثْلُ قَوْلِنَا جَرَتْ الْعُيُونُ فَمِنْ حَيْثُ إنَّ الْعَيْنَ وُضِعَتْ تَارَةً لِلْبَاصِرَةِ، وَتَارَةً لَعَيْنِ الْمَاءِ تَكُونُ الْعَيْنُ مُشْتَرَكَةً بِهَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ وَمِنْ حَيْثُ إنَّ الْعُيُونَ شَامِلَةٌ لِأَفْرَادِ تِلْكَ الْحَقِيقَةِ، وَهِيَ عَيْنُ الْمَاءِ مَثَلًا تَكُونُ عَامَّةً بِهَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ الْعَامِّ وَالْمُشْتَرَكِ لَكِنْ بَيْنَ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ تَنَافٍ إذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ الْوَاحِدُ خَاصًّا وَعَامًّا بِالْحَيْثِيَّتَيْنِ فَاعْتُبِرَ هَذَا فِي الْبَوَاقِي فَإِنَّهُ سَهْلٌ بَعْدَ الْوُقُوفِ عَلَى الْحُدُودِ الَّتِي ذَكَرْنَا
(فَصْلٌ: الْخَاصُّ مِنْ حَيْثُ هُوَ خَاصٌّ) أَيْ: مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ الْعَوَارِضِ وَالْمَوَانِعِ
ــ
[التلويح]
مُقَيَّدٍ بِشَيْءٍ مِنْ الْعَوَارِضِ.
(قَوْلُهُ فَهِيَ مَا وُضِعَ) لَمَّا كَانَ الْخَارِجُ مِنْ التَّقْسِيمِ بَعْضَ أَنْوَاعِ النَّكِرَةِ وَهُوَ مَا اُسْتُعْمِلَ فِي الْفَرْدِ دُونَ نَفْسِ الْمُسَمَّى وَفِي مُقَابَلَتِهِ بَعْضُ أَقْسَامِ الْمَعْرِفَةِ وَهُوَ الْمَعْهُودُ الذِّهْنِيُّ أَوْرَدَ تَعْرِيفَيْ الْمَعْرِفَةِ، وَالنَّكِرَةِ عَلَى مَا يَشْتَمِلُ الْأَقْسَامَ كُلَّهَا.
(قَوْلُهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ لِلسَّامِعِ) قَيْدَانِ لِلتَّعَيُّنِ وَعَدَمِهِ وَالْأَحْسَنُ فِي تَعْرِيفِهِمَا مَا قِيلَ: إنَّ الْمَعْرِفَةَ مَا وُضِعَ لِيُسْتَعْمَلَ فِي شَيْءٍ بِعَيْنِهِ وَالنَّكِرَةَ مَا وُضِعَ لِيُسْتَعْمَلَ فِي شَيْءٍ لَا بِعَيْنِهِ، فَالْمُعْتَبَرُ فِي التَّعَيُّنِ وَعَدَمِهِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِحَسَبِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ، وَلَا عِبْرَةَ بِحَالَةِ الْإِطْلَاقِ دُونَ الْوَضْعِ وَلَا بِمَا عِنْدَ السَّامِعِ دُونَ الْمُتَكَلِّمِ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّهُ إذَا قَالَ جَاءَنِي رَجُلٌ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مُعَيَّنًا لِلسَّامِعِ أَيْضًا إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِحَسَبِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ.
(قَوْلُهُ وَاعْلَمْ أَنَّهُ يَجِبُ إلَخْ) يُرِيدُ أَنَّ تَمَايُزَ الْأَقْسَامِ الْمَذْكُورَةِ لَيْسَ بِحَسَبِ الذَّاتِ، بَلْ بِحَسَبِ الْحَيْثِيَّاتِ وَالِاعْتِبَارَاتِ وَالْحَيْثِيَّتَانِ قَدْ لَا تَتَنَافَيَانِ كَالْوَضْعِ الْكَثِيرِ لِلْمَعْنَى الْكَثِيرِ وَوَضْعٍ وَاحِدٍ لِأَفْرَادِ مَعْنًى وَاحِدٍ كَمَا فِي لَفْظِ الْعُيُونِ فَإِنَّهُ عَامٌّ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ وُضِعَ وَضْعًا وَاحِدًا لِأَفْرَادِ الْعَيْنِ الْجَارِيَةِ، وَمُشْتَرَكٌ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ وُضِعَ وَضْعًا كَثِيرًا لِلْعَيْنِ الْجَارِيَةِ، وَالْعَيْنِ الْبَاصِرَةِ وَالشَّمْسِ وَالذَّهَبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَدْ تَتَنَافَيَانِ كَالْوَضْعِ لِكَثِيرٍ غَيْرِ مَحْصُورٍ وَالْوَضْعِ لِوَاحِدٍ أَوْ لِكَثِيرٍ مَحْصُورٍ فَاللَّفْظُ الْوَاحِدُ لَا يَكُونُ عَامًّا وَخَاصًّا بِاعْتِبَارِ الْحَيْثِيَّتَيْنِ؛ لِأَنَّ الْحَيْثِيَّتَيْنِ مُتَنَافِيَتَانِ لَا تَجْتَمِعَانِ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ، وَمَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّ النَّكِرَةَ الْمَوْصُوفَةَ خَاصَّةٌ مِنْ وَجْهٍ عَامَّةٌ مِنْ وَجْهٍ فَسَيَجِيءُ جَوَابُهُ، هَذَا غَايَةُ مَا تَكَلَّفْت لِتَقْرِيرِ هَذَا التَّقْسِيمِ وَتَبَيُّنِ أَقْسَامِهِ، وَالْكَلَامُ يُعَدُّ مَوْضِعَ نَظَرٍ
[فَصْلٌ الْخَاصُّ مِنْ حَيْثُ هُوَ خَاصٌّ]
(قَوْلُهُ فَصْلٌ) لَمَّا فَرَغَ عَنْ الْكَلَامِ فِي نَفْسِ التَّقْسِيمِ
стр. 61
كَالْقَرِينَةِ الصَّارِفَةِ عَنْ إرَادَةِ الْحَقِيقَةِ مَثَلًا.
(يُوجِبُ الْحُكْمَ) فَإِذَا قُلْنَا زَيْدٌ عَالِمٌ فَزَيْدٌ خَاصٌّ فَيُوجِبُ الْحُكْمَ بِالْعِلْمِ عَلَى زَيْدٍ وَأَيْضًا
ــ
[التلويح]
أَوْرَدَ سِتَّةَ فُصُولٍ لِلْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأَقْسَامِ: الْأَوَّلَ: فِي حُكْمِ الْخَاصِّ. الثَّانِيَ فِي حُكْمِ الْعَامِّ. الثَّالِثَ: فِي قَصْرِ الْعَامِّ. الرَّابِعَ: فِي أَلْفَاظِ الْعَامِّ. الْخَامِسَ: فِي الْمُطْلَقِ، وَالْمُقَيَّدِ. السَّادِسَ: فِي الْمُشْتَرَكِ، وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا سَبَقَ أَنَّ الْخَاصَّ لَفْظٌ وُضِعَ لِوَاحِدٍ أَوْ لِكَثِيرٍ مَحْصُورٍ وَضْعًا وَاحِدًا وَأَشَرْنَا إلَى أَنَّ مِثْلَ لَفْظِ الْمِائَةِ أَيْضًا مَوْضُوعٌ لِوَاحِدٍ بِالنَّوْعِ كَالرَّجُلِ وَالْفَرَسِ إلَّا أَنَّ الْمُصَنِّفَ جَعَلَهُ قَسِيمًا لَهُ نَظَرًا إلَى اشْتِمَالِ مَعْنَاهُ عَلَى أَجْزَاءٍ مُتَّفِقَةٍ، فَاحْتَاجَ فِي التَّعْرِيفِ إلَى كَلِمَةِ أَوْ وَذَكَرَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ ﵀ أَنَّ الْخَاصَّ كُلُّ لَفْظٍ وُضِعَ لِمَعْنًى وَاحِدٍ عَلَى الِانْفِرَادِ، وَكُلُّ اسْمٍ وُضِعَ لِمُسَمًّى مَعْلُومٍ عَلَى الِانْفِرَادِ، فَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْمَعْنَى مَدْلُولُ اللَّفْظِ وَاحْتَرَزَ بِقَيْدِ الْوَحْدَةِ عَنْ الْمُشْتَرَكِ وَبِقَيْدِ الِانْفِرَادِ عَنْ الْعَامِّ وَلَمْ يُخْرِجْ التَّثْنِيَةَ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ بِالِانْفِرَادِ عَدَمَ الْمُشَارَكَةِ بَيْنَ الْأَفْرَادِ، وَقَدْ تَمَّ التَّعْرِيفُ بِهَذَا إلَّا أَنَّهُ أَفْرَدَ خُصُوصَ الْعَيْنِ بِالذِّكْرِ بِطَرِيقِ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ تَنْبِيهًا عَلَى كَمَالِ مُغَايَرَتِهِ لِخُصُوصِ الْجِنْسِ وَالنَّوْعِ وَقُوَّةِ خُصُوصِهِ بِحَيْثُ لَا شَرِكَةَ فِي مَفْهُومِهِ أَصْلًا وَلَا يَخْفَى مَا فِي هَذَا مِنْ التَّكَلُّفِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْمَعْنَى مَا يُقَابِلُ الْعَيْنَ كَالْعِلْمِ وَالْجَهْلِ.
وَهَذَا تَعْرِيفٌ لِقِسْمَيْ الْخَاصِّ الِاعْتِبَارِيِّ، وَالْحَقِيقِيِّ تَنْبِيهًا عَلَى جَرَيَانِ الْخُصُوصِ فِي الْمَعَانِي، وَالْمُسَمَّيَاتِ بِخِلَافِ الْعُمُومِ فَإِنَّهُ لَا يَجْرِي فِي الْمَعَانِي، وَهَذَا وَهْمٌ، إذْ لَيْسَ الْمُرَادُ بِعَدَمِ جَرَيَانِ الْعُمُومِ فِي الْمَعَانِي أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِاسْمِ الْعَيْنِ دُونَ اسْمِ الْمَعْنَى لِلْقَطْعِ بِأَنَّ مِثْلَ لَفْظِ الْعُلُومِ وَالْحَرَكَاتِ عَامٌّ، بَلْ الْمُرَادُ أَنَّ الْمَعْنَى الْوَاحِدَ لَا يَعُمُّ مُتَعَدِّدًا، وَاعْتُرِضَ أَيْضًا بِأَنَّهُ إذَا كَانَ تَعْرِيفًا لِقِسْمَيْ الْخَاصِّ كَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يُورِدَ كَلِمَةَ أَوْ دُونَ الْوَاوِ ضَرُورَةَ أَنَّ الْمَحْدُودَ لَيْسَ مَجْمُوعَ الْقِسْمَيْنِ، وَجَوَابُهُ أَنَّ الْمُرَادَ هَذَا بَيَانٌ لِلتَّسْمِيَةِ عَلَى وَجْهٍ يُؤْخَذُ مِنْهُ تَعْرِيفُ قِسْمَيْ الْخَاصِّ بِدَلِيلِ أَنَّهُ ذَكَرَ كَلِمَةَ كُلٍّ. وَالْخَاصُّ اسْمٌ لِكُلٍّ مِنْ الْقِسْمَيْنِ لَا لِأَحَدِ الْقِسْمَيْنِ عَلَى أَنَّ الْوَاوَ قَدْ تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى أَوْ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ أَوْ لَفْظُ الْخَاصِّ مَقُولٌ بِالِاشْتِرَاكِ عَلَى مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْخَاصُّ مُطْلَقًا، وَالْآخَرُ: خَاصُّ الْخَاصِّ أَعْنِي الِاسْمَ الْمَوْضُوعَ لِلْمُسَمَّى الْمَعْلُومِ أَيْ: الْمُعَيَّنِ الْمُشَخَّصِ.
(قَوْلُهُ يُوجِبُ الْحُكْمَ) أَيْ: يُثْبِتُ إسْنَادَ أَمْرٍ إلَى آخَرَ عَلَى مَا ذَكَرَ فِي مِثْلِ " زَيْدٌ عَالِمٌ " أَنَّ زَيْدًا خَاصٌّ فَيُوجِبُ الْحُكْمَ بِثُبُوتِ الْعِلْمِ لَهُ، وَكَذَا عَالِمٌ وَلَوْ فُسِّرَ بِالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ فِي خَاصِّ الْكِتَابِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْأَحْكَامِ لَمْ يَبْعُدْ، فَإِنْ قِيلَ الْمُوجِبُ لِلْحُكْمِ هُوَ الْكَلَامُ لَا زَيْدٌ أَوْ عَالِمٌ قُلْنَا: كَأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ لَهُ دَخْلًا فِي ذَلِكَ، وَعِبَارَتُهُمْ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَنَّ الْخَاصَّ يَتَنَاوَلُ مَدْلُولَهُ قَطْعًا وَيَقِينًا لِمَا أُرِيدَ بِهِ مِنْ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ كَلَفْظَةِ الثَّلَاثَةِ فِي ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] يَتَنَاوَلُ الْآحَادَ الْمَخْصُوصَةَ قَطْعًا لِأَجْلِ مَا أُرِيدَ بِهِ مِنْ تَعَلُّقِ وُجُوبِ
стр. 62
الْعِلْمُ لَفْظٌ خَاصٌّ بِمَعْنَاهُ فَيُوجِبُ الْحُكْمَ بِذَلِكَ الْأَمْرِ الْخَاصِّ عَلَى زَيْدٍ.
(قَطْعًا) وَسَيَجِيءُ أَنَّهُ يُرَادُ بِالْقَطْعِ مَعْنَيَانِ وَالْمُرَادُ هَاهُنَا الْمَعْنَى الْأَعَمُّ، وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ احْتِمَالٌ نَاشِئٌ عَنْ دَلِيلٍ لَا أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ احْتِمَالٌ أَصْلًا.
(فَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] لَا يُحْمَلُ الْقُرْءُ عَلَى الطُّهْرِ) وَإِلَّا فَإِنْ احْتَسَبَ الطُّهْرَ الَّذِي طَلَّقَ فِيهِ يَجِبُ طُهْرَانِ، وَبَعْضٌ وَإِنْ لَمْ يَحْتَسِبْ تَجِبُ ثَلَاثَةٌ وَبَعْضٌ.
اعْلَمْ أَنَّ الْقُرْءَ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ وُضِعَ لِلْحَيْضِ، وَوُضِعَ لِلطُّهْرِ فَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] الْمُرَادُ مِنْ الْقُرْءِ الْحَيْضُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَالطُّهْرُ عِنْدَ
ــ
[التلويح]
التَّرَبُّصِ بِهِ.
(قَوْلُهُ قَطْعًا) أَيْ: عَلَى وَجْهٍ يَقْطَعُ الِاحْتِمَالَ النَّاشِئَ عَنْ دَلِيلٍ وَسَيَجِيءُ فِي آخِرِ التَّقْسِيمِ الثَّالِثِ أَنَّ الْقَطْعَ يُطْلَقُ عَلَى نَفْيِ الِاحْتِمَالِ أَصْلًا، وَعَلَى نَفْيِ الِاحْتِمَالِ النَّاشِئِ عَنْ دَلِيلٍ وَهَذَا أَعَمُّ مِنْ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الِاحْتِمَالَ النَّاشِئَ عَنْ دَلِيلٍ أَخَصُّ مِنْ مُطْلَقِ الِاحْتِمَالِ وَنَقِيضُ الْأَخَصِّ أَعَمُّ مِنْ نَقِيضِ الْأَعَمِّ، فَلِذَا قَالَ: وَالْمُرَادُ هَاهُنَا الْمَعْنَى الْأَعَمُّ.
(قَوْلُهُ فَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] بَيَانٌ لِتَفْرِيعَاتٍ عَلَى أَنَّ مُوجِبَ الْخَاصِّ قَطْعِيٌّ تَقْرِيرُ الْأَوَّلِ أَنَّ الْقُرْءَ إنْ حُمِلَ عَلَى الطُّهْرِ بَطَلَ مُوجِبُ الثَّلَاثَةِ إمَّا بِالنُّقْصَانِ مِنْ مَدْلُولِهَا إنْ اُعْتُبِرَ الطُّهْرُ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الطَّلَاقُ، وَإِمَّا بِالزِّيَادَةِ إنْ لَمْ يُعْتَبَرْ وَهُوَ ظَاهِرٌ، فَإِنْ قِيلَ كِلَاهُمَا جَائِزَانِ.
أَمَّا النُّقْصَانُ فَكَمَا فِي إطْلَاقِ الْأَشْهُرِ عَلَى شَهْرَيْنِ وَبَعْضِ شَهْرٍ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] . وَأَمَّا الزِّيَادَةُ فَيَلْزَمُكُمْ مِنْ حَمْلِ الْقُرْءِ عَلَى الْحَيْضِ فِيمَا إذَا طَلَّقَهَا فِي الْحَيْضِ فَإِنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ بِتِلْكَ الْحَيْضَةِ فَالْوَاجِبُ ثَلَاثُ حِيَضٍ وَبَعْضٌ. أُجِيبُ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْخَاصِّ وَأَشْهُرٌ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ عَامٌّ أَوْ وَاسِطَةٌ، وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّهُ وَجَبَ تَكْمِيلُ الْحَيْضَةِ الْأُولَى بِالرَّابِعَةِ فَوَجَبَتْ بِتَمَامِهَا ضَرُورَةَ أَنَّ الْحَيْضَةَ الْوَاحِدَةَ لَا تَقْبَلُ التَّجْزِئَةَ وَمِثْلُهُ جَائِزٌ فِي الْعِدَّةِ كَمَا فِي عِدَّةِ الْأَمَةِ فَإِنَّهَا عَلَى النِّصْفِ مِنْ عِدَّةِ الْحُرَّةِ، وَقَدْ جُعِلَتْ قُرْأَيْنِ ضَرُورَةً وَلَيْسَ الْوَاجِبُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ثَلَاثَةَ أَطْهَارٍ غَيْرَ الطُّهْرِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الطَّلَاقُ حَتَّى يَتَأَتَّى لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ وَأَيْضًا الظَّاهِرُ حَمْلُ الْكَلَامِ عَلَى الطَّلَاقِ الْمَشْرُوعِ الْوَاقِعِ فِي الطُّهْرِ؛ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ بِنَظَرِ الشَّرْعِ فِي بَيَانِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ الْأَحْكَامِ وَيُعْرَفُ حُكْمُ غَيْرِ الْمَشْرُوعِ بِدَلَالَةِ نَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ أَوْ كَأَنَّ قَوْلَهُ وَالطَّلَاقُ الْمَشْرُوعُ هُوَ الَّذِي يَكُونُ فِي حَالَةِ الطُّهْرِ إشَارَةً إلَى هَذَا وَعَلَى أَصْلِ الِاسْتِدْلَالِ مَنْعٌ لَطِيفٌ وَهُوَ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُعْتَبَرْ الطُّهْرُ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الطَّلَاقُ كَانَ الْوَاجِبُ ثَلَاثَةَ أَطْهَارٍ وَبَعْضًا، بَلْ الْوَاجِبُ بِالشَّرْعِ لَا يَكُونُ إلَّا الْأَطْهَارَ الثَّلَاثَةَ الْكَامِلَةَ، وَيَلْزَمُ مُضِيُّ الْبَعْضِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الطَّلَاقُ بِالضَّرُورَةِ لَا بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مِمَّا وَجَبَ بِالْعِدَّةِ لَكِنَّهُ لَا يُفِيدُ الشَّافِعِيَّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقُولُ بِوُجُوبِ ثَلَاثَةِ أَطْهَارٍ كَامِلَةٍ غَيْرِ مَا وَقَعَ فِيهِ الطَّلَاقُ نَعَمْ يُفِيدُ أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ فِي دَفْعِ مَا يُورَدُ مِنْ الْمُعَارَضَةِ بِوُجُوبِ ثَلَاثَةِ
стр. 63
الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَنَحْنُ نَقُولُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ الطُّهْرَ لَبَطَلَ مُوجِبُ الْخَاصِّ وَهُوَ لَفْظُ ثَلَاثَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ الطُّهْرَ، وَالطَّلَاقُ الْمَشْرُوعُ هُوَ الَّذِي يَكُونُ فِي حَالَةِ الطُّهْرِ فَالطُّهْرُ الَّذِي طَلَّقَ فِيهِ إنْ لَمْ يُحْتَسَبْ مِنْ الْعِدَّةِ يَجِبُ ثَلَاثَةُ أَطْهَارٍ وَبَعْضٌ وَإِنْ اُحْتُسِبَ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ يَجِبُ طُهْرَانِ وَبَعْضٌ.
(عَلَى أَنَّ بَعْضَ الطُّهْرِ لَيْسَ بِطُهْرٍ وَإِلَّا لَكَانَ الثَّالِثُ كَذَلِكَ) جَوَابٌ عَنْ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ لِمَ قُلْتُمْ إنَّهُ إذَا اُحْتُسِبَ يَكُونُ الْوَاجِبُ طُهْرَيْنِ وَبَعْضًا، بَلْ الْوَاجِبُ ثَلَاثَةٌ؛ لِأَنَّ بَعْضَ الطُّهْرِ طُهْرٌ فَإِنَّ الطُّهْرَ أَدْنَى مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ لَفْظُ الطُّهْرِ وَهُوَ طُهْرُ سَاعَةٍ مَثَلًا فَنَقُولُ فِي جَوَابِهِ إنَّ بَعْضَ الطُّهْرِ لَيْسَ بِطُهْرٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَا يَكُونُ بَيْنَ الْأَوَّلِ، وَالثَّالِثِ فَرْقٌ فَيَكْفِي فِي الثَّالِثِ بَعْضُ طُهْرٍ فَيَنْبَغِي أَنَّهُ إذَا مَضَى مِنْ الثَّالِثِ شَيْءٌ يَحِلُّ لَهَا التَّزَوُّجُ، وَهَذَا خِلَافُ الْإِجْمَاعِ، وَهَذَا الْجَوَابُ قَاطِعٌ لِشُبْهَةِ الشَّافِعِيِّ ﵀، وَقَدْ تَفَرَّدْت
ــ
[التلويح]
حِيَضٍ وَبَعْضٍ فِيمَا إذَا طَلَّقَهَا فِي الْحَيْضِ.
(قَوْله عَلَى أَنَّ بَعْضَ الطُّهْرِ) جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ تَوْجِيهُهُ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ إذَا اُعْتُبِرَ الطُّهْرُ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الطَّلَاقُ كَانَ الْوَاجِبُ الطُّهْرَيْنِ، وَبَعْضًا لَا ثَلَاثَةً، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ لَوْ كَانَ الطُّهْرُ اسْمًا لِمَجْمُوعِ مَا يَتَخَلَّلُ بَيْنَ الدَّمَيْنِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ، بَلْ هُوَ اسْمٌ لِلْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ حَتَّى يُطْلَقَ عَلَى طُهْرِ سَاعَةٍ مَثَلًا وَتَوْجِيهُ الْجَوَابِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْقَوْمُ أَنَّ الطُّهْرَ إنْ كَانَ اسْمًا لِلْمَجْمُوعِ فَقَدْ ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَا سَالِمًا عَنْ الْمَنْعِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لُزُومُ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ بِطُهْرٍ وَاحِدٍ، بَلْ نَاقِلٍ ضَرُورَةَ اشْتِمَالِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَطْهَارٍ، وَأَكْثَرَ بِاعْتِبَارِ السَّاعَاتِ وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ اسْمًا لِلْمَجْمُوعِ لَمْ يَبْقَ فَرْقٌ بَيْنَ الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ فِي صِحَّةِ الْإِطْلَاقِ عَلَى الْبَعْضِ، فَيَلْزَمُ انْقِضَاءُ الْعِدَّةِ بِمُضِيِّ شَيْءٍ مِنْ الطُّهْرِ الثَّالِثِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى انْقِضَائِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنْ قِيلَ الطُّهْرُ حَالَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْعَدَدِ إلَّا بِاعْتِبَارِ انْقِطَاعِهِ بِالْحَيْضِ كَسَائِرِ الْأُمُورِ الْمُسْتَمِرَّةِ، مِثْلَ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ فَإِنَّهَا لَا تَتَّصِفُ بِأَسْمَاءِ الْأَعْدَادِ إلَّا عِنْدَ انْقِطَاعِهَا بِالْأَضْدَادِ وَكَوْنُ كُلِّ بَعْضٍ مِنْ تِلْكَ الْحَالَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ طُهْرًا لَا يَسْتَلْزِمُ كَوْنَهُ طُهْرًا وَاحِدًا فَعَلَى هَذَا لَا يَلْزَمُ انْقِضَاءُ الْعِدَّةِ بِطُهْرٍ وَاحِدٍ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ أَنْ لَوْ كَانَ كُلُّ بَعْضٍ مِنْهُ طُهْرًا وَاحِدًا وَلَا يَلْزَمُ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ، بَلْ الْفَرْقُ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْبَعْضَ مِنْ الْأَوَّلِ قَدْ انْقَطَعَ بِالْحَيْضِ فَيَكُونُ طُهْرًا وَاحِدًا بِخِلَافِ الْبَعْضِ مِنْ الثَّالِثِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ طُهْرًا وَاحِدًا مَا لَمْ يَنْقَطِعْ قُلْنَا دُخُولُ الْأُمُورِ الْمُسْتَمِرَّةِ تَحْتَ الْعَدَدِ كَمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى انْتِهَاءٍ يَتَوَقَّفُ عَلَى ابْتِدَاءٍ، فَإِنَّهُ كَمَا لَا يَتَّصِفُ أَوَّلَ النَّهَارِ بِكَوْنِهِ يَوْمًا وَاحِدًا فَكَذَلِكَ آخِرَهُ، فَإِنْ جَازَ إطْلَاقُ الطُّهْرِ الْوَاحِدِ عَلَى الْبَعْضِ مِنْ الْأَوَّلِ بِمُجَرَّدِ الِانْتِهَاءِ
стр. 64
بِهَذَا وقَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٠] تَحِلُّ لَهُ الْفَاءُ لَفْظٌ خَاصٌّ لِلتَّعْقِيبِ، وَقَدْ عَقَّبَ الطَّلَاقَ بِالِافْتِدَاءِ فَإِنْ لَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ بَعْدَ الْخُلْعِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَبْطُلُ مُوجِبُ الْخَاصِّ تَحْقِيقُهُ أَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ الطَّلَاقَ الْمُعَقِّبَ لِلرَّجْعَةِ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ ذَكَرَ افْتِدَاءَ الْمَرْأَةِ، وَفِي تَخْصِيصِ فِعْلِهَا هُنَا تَقْرِيرُ فِعْلِ الزَّوْجِ عَلَى مَا سَبَقَ وَهُوَ الطَّلَاقُ فَقَدْ بَيَّنَ نَوْعَيْهُ بِغَيْرِ مَالٍ وَبِمَالٍ كَمَا يَقُولُ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الِافْتِدَاءَ فَسْخٌ فَإِنَّ ذَلِكَ زِيَادَةٌ عَلَى الْكِتَابِ ثُمَّ قَالَ فَإِنْ طَلَّقَهَا أَيْ: بَعْدَ الْمَرَّتَيْنِ سَوَاءٌ كَانَتَا بِمَالٍ أَوْ بِغَيْرِهِ، فَفِي اتِّصَالِ الْفَاءِ بِأَوَّلِ الْكَلَامِ وَانْفِصَالِهِ عَنْ
ــ
[التلويح]
إلَى الْحَيْضِ جَازَ إطْلَاقُهُ عَلَى الْبَعْضِ مِنْ الثَّالِثِ بِمُجَرَّدِ الِابْتِدَاءِ مِنْ الْحَيْضِ، وَإِنْ امْتَنَعَ هَذَا امْتَنَعَ ذَاكَ، وَإِنْ ادَّعَى جَوَازَ الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ الْبَيَانِ.
(قَوْلُهُ وقَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٠] ذَكَرَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ ﵀ مِنْ فُرُوعِ الْعَمَلِ بِالْخَاصِّ أَنَّ الْخُلْعَ طَلَاقٌ لَا فَسْخٌ عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] إلَى قَوْلِهِ ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وَأَنَّ الطَّلَاقَ بَعْدَ الْخُلْعِ مَشْرُوعٌ عَمَلًا بِالْفَاءِ فِي قَوْلِهِ ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٠] إلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ مِنْ هَذَا الْبَابِ غَيْرَ ظَاهِرٍ فَلِهَذَا اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى الثَّانِي مُشِيرًا فِي أَثْنَاءِ تَحْقِيقِهِ إلَى الْأَوَّلِ، وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ الطَّلَاقَ الْمُعْقِبَ لِلرَّجْعَةِ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً بِقَوْلِهِ ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] إلَى قَوْلِهِ ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وَمَرَّةً بِقَوْلِهِ ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] أَيْ: التَّطْلِيقُ الشَّرْعِيُّ تَطْلِيقَةٌ بَعْدَ تَطْلِيقَةٍ عَلَى التَّفْرِيقِ دُونَ الْجَمْعِ، كَذَا قِيلَ نَظَرًا إلَى ظَاهِرِ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ وَلَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] إلَى آخِرِهِ بَيَانٌ لِوُجُوبِ الْعِدَّةِ، وَقَوْلُهُ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ كَلَامٌ مُبْتَدَأٌ لِبَيَانِ كَيْفِيَّةِ الطَّلَاقِ وَمَشْرُوعِيَّتِهِ، وَذِكْرُ الطَّلَاقِ أَلْفَ مَرَّةٍ بِدُونِ مَا يَدُلُّ عَلَى تَعَدُّدٍ وَتَرْتِيبٍ لَا يَقْتَضِي تَعَدُّدَهُ حَتَّى يَكُونَ قَوْلُهُ " فَإِنْ طَلَّقَهَا " بَيَانًا لِلثَّالِثَةِ، بَلْ الصَّوَابُ أَنَّ قَوْلَهُ مَرَّتَيْنِ قَيْدٌ لِلطَّلَاقِ لَا لِذِكْرِهِ أَيْ: أَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ الطَّلَاقَ الَّذِي يَكُونُ مَرَّتَيْنِ بِقَوْلِهِ ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] أَيْ: ثِنْتَانِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ، ثُمَّ قَالَ طَلَّقَهَا أَيْ: بَعْدَ الْمَرَّتَيْنِ فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ أَرَادَ بِالْمَرَّتَيْنِ التَّطْلِيقَتَيْنِ، ثُمَّ ذَكَرَ افْتِدَاءَ الْمَرْأَةِ بِقَوْلِهِ ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٩] أَيْ: عَلِمْتُمْ أَوْ ظَنَنْتُمْ أَيُّهَا الْحُكَّامُ أَنْ لَا يُقِيمَا أَيْ: الزَّوْجَانِ حُدُودَ اللَّهِ أَيْ: حُقُوقَ الزَّوْجِيَّةِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَيْ: فَلَا إثْمَ عَلَى الرَّجُلِ فِيمَا أَخَذَ، وَلَا عَلَى الْمَرْأَةِ فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ نَفْسَهَا، وَفِي تَخْصِيصِ فِعْلِ الْمَرْأَةِ بِالِافْتِدَاءِ تَقْرِيرُ فِعْلِ الزَّوْجِيَّةِ عَلَى مَا سَبَقَ وَهُوَ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا جَمَعَهُمَا فِي قَوْلِهِ أَنْ لَا يُقِيمَا، ثُمَّ خَصَّ جَانِبَ الْمَرْأَةِ مَعَ أَنَّهَا لَا تَتَلَخَّصُ بِالِافْتِدَاءِ إلَّا بِفِعْلِ الزَّوْجِ كَانَ بَيَانًا بِطَرِيقِ الضَّرُورَةِ إنَّ فِعْلَ الزَّوْجِ هُوَ الَّذِي تَقَرَّرَ فِيمَا سَبَقَ وَهُوَ الطَّلَاقُ فَكَانَ هَذَا بَيَانًا لِنَوْعَيْ الطَّلَاقِ أَعْنِي بِغَيْرِ مَالٍ وَبِمَالٍ، وَهُوَ الِافْتِدَاءُ وَصَارَ كَالتَّصْرِيحِ بِأَنَّ فِعْلَ الزَّوْجِ فِي الْخُلْعِ وَافْتِدَاءِ الْمَرْأَةِ طَلَاقٌ لَا فَسْخٌ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِيمَا رُوِيَ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ الصَّحِيحُ مِنْ
стр. 65
الْأَقْرَبِ.
(فَسَادُ التَّرْكِيبِ) اعْلَمْ أَنَّ الشَّافِعِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَصِلُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٠] بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وَيَجْعَلُ ذِكْرَ الْخُلْعِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا﴾ [البقرة: ٢٢٩] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩] مُعْتَرِضًا وَلَمْ يَجْعَلْ الْخُلْعَ طَلَاقًا، بَلْ فَسْخًا وَإِلَّا يَصِرْ الْأَوَّلَانِ مَعَ الْخُلْعِ ثَلَاثَةً فَيَصِيرُ قَوْلُهُ ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٠] رَابِعًا وَقَالَ: الْمُخْتَلِعَةُ لَا يَلْحَقُهَا صَرِيحُ الطَّلَاقِ فَإِنَّ قَوْلَهُ
ــ
[التلويح]
مَذْهَبِهِ أَنَّهُ طَلَاقٌ لَا فَسْخٌ وَإِلَّا يَلْزَمُ تَرْكُ الْعَمَلِ بِهَذَا الْبَيَانِ الَّذِي هُوَ فِي حُكْمِ الْمَنْطُوقِ وَهُوَ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ ﵀ بِتَرْكِ الْعَمَلِ بِالْخَاصِّ وَالْمُصَنِّفُ بِالزِّيَادَةِ عَلَى الْكِتَابِ، ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ طَلَّقَهَا أَيْ: بَعْدَ الْمَرَّتَيْنِ سَوَاءٌ كَانَتَا عَلَى مَالٍ أَوْ بِدُونِهِ فَدَلَّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الطَّلَاقِ بَعْدَ الْخُلْعِ عَمَلًا بِمُوجَبِ الْفَاءِ.
(قَوْلُهُ فَسَادُ التَّرْكِيبِ) هُوَ تَرْكُ الْعَطْفِ عَلَى الْأَقْرَبِ إلَى الْأَبْعَدِ مَعَ تَوَسُّطِ الْكَلَامِ الْأَجْنَبِيِّ، فَإِنْ قِيلَ اتِّصَالُ الْفَاءِ بِقَوْلِهِ ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] هُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْمُفَسِّرِينَ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ أَيْضًا حَيْثُ قَالَ ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٠] أَيْ: بَعْدَ الْمَرَّتَيْنِ فَكَيْفَ حَكَمَ بِفَسَادِهِ قُلْنَا الْحُكْمُ بِالْفَسَادِ إنَّمَا هُوَ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٩] إلَخْ كَلَامًا مُعْتَرِضًا مُسْتَقِلًّا وَأَرَادَ فِي بَيَانِ الْخُلْعِ غَيْرَ مُنْصَرِفٍ إلَى الطَّلْقَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ.
وَأَمَّا عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ وَعَامَّةُ الْمُفَسِّرِينَ دَلَّ عَلَيْهِ سِيَاقُ النَّظْمِ، وَهُوَ أَنَّ الِافْتِدَاءَ مُنْصَرِفٌ إلَى الطَّلْقَتَيْنِ وَالْمَعْنَى لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا فِي الطَّلْقَتَيْنِ شَيْئًا إنْ لَمْ يَخَافَا أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خَافَا ذَلِكَ فَلَا إثْمَ فِي الْأَخْذِ وَالِافْتِدَاءِ فَلَا فَسَادَ؛ لِأَنَّ اتِّصَالَهُ بِقَوْلِهِ ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] هُوَ مَعْنَى اتِّصَالِهِ بِالِافْتِدَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِخَارِجٍ عَنْ الطَّلْقَتَيْنِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: فَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ الطَّلْقَتَيْنِ اللَّتَيْنِ كِلْتَاهُمَا أَوْ إحْدَاهُمَا خُلْعٌ وَافْتِدَاءٌ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ إشْكَالَانِ: الْأَوَّلُ: لُزُومُ عَدَمِ مَشْرُوعِيَّةِ الْخُلْعِ قَبْلَ الطَّلْقَتَيْنِ عَمَلًا بِمُوجِبِ الْفَاءِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا﴾ [البقرة: ٢٢٩] الْآيَةَ. الثَّانِي: لُزُومُ تَرْبِيعِ الطَّلَاقِ بِقَوْلِهِ ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٠] لِتَرَتُّبِهِ عَلَى الْخُلْعِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى الطَّلْقَتَيْنِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْخُلْعَ لَيْسَ بِمُتَرَتِّبٍ عَلَى الطَّلْقَتَيْنِ، بَلْ مُنْدَرِجٌ فِيهِمَا، وَالْمَذْكُورُ عَقِيبَ الْفَاءِ لَيْسَ نَفْعَ الْخُلْعِ، بَلْ إنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ الْخَوْفِ لَا جُنَاحَ فِي الِافْتِدَاءِ لَكِنْ يَرِدُ إشْكَالَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] هُوَ الطَّلَاقُ الرَّجْعِيُّ عَلَى مَا صَرَّحُوا بِهِ؛ لِأَنَّ الْخُلْعَ طَلَاقٌ بَائِنٌ. وَثَانِيهِمَا: أَنْ لَا يَصِحَّ التَّمَسُّكُ بِالْآيَةِ فِي أَنَّ الْخُلْعَ طَلَاقٌ وَأَنَّهُ يَلْحَقُهُ الصَّرِيحُ؛ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ هُوَ الطَّلَاقُ عَلَى مَالٍ لَا الْخُلْعُ، وَأُجِيبُ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ كَوْنَهُ رَجْعِيًّا إنَّمَا هُوَ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ الْأَخْذِ وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْخُلْعِ لَا الطَّلَاقِ عَلَى مَالٍ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الطَّلَاقَ عَلَى مَالٍ أَعَمُّ مِنْ الْخُلْعِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ بِصِيغَةِ الطَّلَاقِ وَقَدْ يَكُونُ بِصِيغَةِ الْخُلْعِ وَفِيهِ نَظَرٌ، إذْ لَمْ يَقَعْ نِزَاعُ الْخَصْمِ إلَّا فِي أَنَّ مَا يَكُونُ بِصِيغَةِ الْخُلْعِ طَلَاقٌ
стр. 66
﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٠] مُتَّصِلٌ بِأَوَّلِ الْكَلَامِ وَوَجْهُ تَمَسُّكِنَا مَذْكُورٌ فِي الْمَتْنِ مَشْرُوحًا.
(وقَوْله تَعَالَى ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] الْبَاءُ لَفْظٌ خَاصٌّ يُوجِبُ الْإِلْصَاقَ فَلَا يَنْفَكُّ الِابْتِغَاءُ) أَيْ: الطَّلَبُ.
(وَهُوَ الْعَقْدُ الصَّحِيحُ عَنْ الْمَالِ أَصْلًا فَيَجِبُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ) بِخِلَافِ الْفَاسِدِ فَإِنَّ الْمَهْرَ لَا يَجِبُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ إذَا كَانَ فَاسِدًا.
(خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ) وَالْخِلَافُ هَاهُنَا فِي مَسْأَلَةِ الْمُفَوَّضَةِ أَيْ: الَّتِي نَكَحَتْ بِلَا مَهْرٍ أَوْ نَكَحَتْ عَلَى أَنْ لَا مَهْرَ لَهَا لَا يَجِبُ الْمَهْرُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ عِنْدَ الْمَوْتِ وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى وُجُوبِ الْمَهْرِ إذَا دَخَلَ بِهَا، وَعِنْدَنَا يَجِبُ كَمَالُ مَهْرِ الْمِثْلِ إذَا دَخَلَ بِهَا أَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا.
(وقَوْله تَعَالَى ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥٠] خَصَّ فَرْضَ الْمَهْرِ أَيْ: تَقْدِيرَهُ بِالشَّارِعِ فَيَكُونُ أَدْنَاهُ
ــ
[التلويح]
عَلَى مَالٍ حَتَّى لَوْ سَلِمَ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ نِزَاعُهُ فِي أَنَّهُ طَلَاقٌ وَأَنَّهُ يَلْحَقُهُ صَرِيحُ الطَّلَاقِ، فَإِنْ قِيلَ الْفَاءُ فِي الْآيَةِ لِمُجَرَّدِ الْعَطْفِ مِنْ غَيْرِ تَعْقِيبٍ وَلَا تَرْتِيبٍ، وَإِلَّا لَزِمَ مِنْ إثْبَاتِ مَشْرُوعِيَّةِ الطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ، وَوُجُوبِ التَّحْلِيلِ بَعْدَهَا مِنْ غَيْرِ سَبْقِ الِافْتِدَاءِ وَالطَّلَاقِ عَلَى الْمَالِ الزِّيَادَةُ عَلَى الْكِتَابِ، بَلْ تَرْكُ الْعَمَلِ بِالْفَاءِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٠] قُلْنَا لَوْ سَلِمَ فَبِالْإِجْمَاعِ وَالْخَبَرِ الْمَشْهُورِ كَحَدِيثِ الْعُسَيْلَةِ لَا يُقَالُ التَّرْتِيبُ فِي الذِّكْرِ لَا يُوجِبُ التَّرْتِيبَ فِي الْحُكْمِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْفَاءُ لِلتَّرْتِيبِ فِي الْوُجُودِ، وَإِلَّا فَالتَّرْتِيبُ فِي الذِّكْرِ حَاصِلٌ فِي جَمِيعِ حُرُوفِ الْعَطْفِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْبَحْثَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنْ يَكُونَ التَّسْرِيحُ بِإِحْسَانٍ إشَارَةً إلَى تَرْكِ الرَّجْعَةِ. وَأَمَّا إذَا كَانَ إشَارَةً إلَى الطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﵇ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٠] بَيَانًا لِحُكْمِ التَّسْرِيحِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ، إذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا بُدَّ بَعْدَ الطَّلْقَتَيْنِ مِنْ الْإِمْسَاكِ بِالْمُرَاجَعَةِ أَوْ التَّسْرِيحِ بِالطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ، فَإِنْ آثَرَ التَّسْرِيحَ فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ وَحِينَئِذٍ لَا دَلَالَةَ فِي الْآيَةِ عَلَى شَرْعِيَّةِ الطَّلَاقِ عَقِيبَ الْخُلْعِ.
(قَوْلُهُ ﴿أَنْ تَبْتَغُوا﴾ [النساء: ٢٤] مَفْعُولٌ لَهُ أَيْ: بَيَّنَ لَكُمْ مَا يَحِلُّ مِمَّا يَحْرُمُ إرَادَةَ أَنْ تَبْتَغُوا النِّسَاءَ بِالْمُهُورِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا عَنْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ، وَالِابْتِغَاءُ هُوَ الطَّلَبُ بِالْعَقْدِ لَا بِالْإِجَارَةِ وَالْمُتْعَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤] وَالْمُرَادُ الْعَقْدُ الصَّحِيحُ، إذْ لَا يَجِبُ الْمَهْرُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ الْفَاسِدِ إجْمَاعًا، بَلْ يَتَرَاخَى إلَى الْوَطْءِ.
(قَوْلُهُ الْبَاءُ لَفْظٌ خَاصٌّ) يَعْنِي: أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْإِلْصَاقِ مَجَازٌ فِي غَيْرِهِ تَرْجِيحًا لِلْمَجَازِ عَلَى الِاشْتِرَاطِ.
(قَوْلُهُ وَالْخِلَافُ هَاهُنَا فِي مَسْأَلَةِ الْمُفَوِّضَةِ) مِنْ التَّفْوِيضِ وَهُوَ التَّسْلِيمُ وَتَرْكُ الْمُنَازَعَةِ اُسْتُعْمِلَ فِي النِّكَاحِ بِلَا مَهْرٍ أَوْ عَلَى أَنْ لَا مَهْرَ لَكِنَّ الْمُفَوِّضَةَ الَّتِي نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِلَا مَهْرٍ لَا تَصْلُحُ مَحَلًّا لِلْخِلَافِ؛ لِأَنَّ نِكَاحَهَا غَيْرُ مُنْعَقِدٍ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، بَلْ الْمُرَادُ مِنْ الْمُفَوِّضَةِ هِيَ الَّتِي أَذِنَتْ لِوَلِيِّهَا أَنْ يُزَوِّجَهَا مِنْ غَيْرِ تَسْمِيَةِ الْمَهْرِ، أَوْ عَلَى أَنْ لَا مَهْرَ لَهَا فَزَوَّجَهَا، وَقَدْ يُرْوَى الْمُفَوَّضَةَ بِفَتْحِ الْوَاوِ عَلَى أَنَّ الْوَلِيَّ زَوَّجَهَا بِلَا مَهْرٍ، وَكَذَا الْأَمَةُ إذَا زَوَّجَهَا سَيِّدُهَا بِلَا مَهْرٍ.
(قَوْلُهُ ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا﴾ [الأحزاب: ٥٠]
стр. 67
مُقَدَّرًا خِلَافًا لَهُ) ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ فَرَضْنَا مَعْنَاهُ قَدَّرْنَا وَتَقْدِيرُ الشَّارِعِ إمَّا أَنْ يَمْنَعَ الزِّيَادَةَ أَوْ يَمْنَعَ النُّقْصَانَ وَالْأَوَّلُ مُنْتَفٍ؛ لِأَنَّ الْأَعْلَى غَيْرُ مُقَدَّرٍ فِي الْمَهْرِ إجْمَاعًا فَتَعَيَّنَ الثَّانِي فَيَكُونُ الْأَدْنَى مُقَدَّرًا، وَلَمَّا لَمْ يُبَيِّنْ ذَلِكَ الْمَفْرُوضَ قَدَّرْنَاهُ بِطَرِيقِ الرَّأْيِ وَالْقِيَاسِ بِشَيْءٍ هُوَ مُعْتَبَرٌ شَرْعًا فِي مِثْلِ هَذَا الْبَابِ أَيْ: كَوْنُهُ عِوَضًا لِبَعْضِ أَعْضَاءِ الْإِنْسَانِ وَهُوَ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهَا وُجُوبُ قَطْعِ الْيَدِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كُلُّ مَا يَصْلُحُ ثَمَنًا يَصْلُحُ مَهْرًا، وَقَدْ أَوْرَدَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي هَذَا الْفَصْلِ مَسَائِلَ أُخَرَ أَوْرَدْتُهَا فِي الزِّيَادَةِ عَلَى النَّصِّ فِي آخِرِ فَصْلِ النَّسْخِ إلَّا مَسْأَلَتَيْنِ تَرَكْتُهُمَا بِالْكُلِّيَّةِ مَخَافَةَ التَّطْوِيلِ وَهُمَا مَسْأَلَتَا الْهَدْمِ وَالْقَطْعِ مَعَ الضَّمَانِ.
ــ
[التلويح]
الْمَشْهُورُ أَنَّ الْفَرْضَ حَقِيقَةٌ فِي الْقَطْعِ وَالْإِيجَابِ، وَمَعْنَى الْآيَةِ قَدْ عَلِمْنَا مَا أَوْجَبْنَا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي الْأَزْوَاجِ وَالْإِمَاءِ مِنْ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ وَالْمَهْرِ بِقَرِينَةِ تَعْدِيَتِهِ بِعَلَى، وَعَطْفِ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ عَلَى الْأَزْوَاجِ مَعَ أَنَّ الثَّابِتَ فِي حَقِّهِنَّ لَيْسَ بِمُقَدَّرٍ فِي الشَّرْعِ، وَذَهَبَ الْأُصُولِيُّونَ إلَى أَنَّ الْفَرْضَ لَفْظٌ خَاصٌّ حَقِيقَةً فِي التَّقْدِيرِ بِدَلِيلِ غَلَبَةِ اسْتِعْمَالِهِ فِيهِ شَرْعًا يُقَالُ فَرَضَ النَّفَقَةَ أَيْ: قَدَّرَهَا ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦] تُقَدِّرُوا وَفَرَضْنَا أَيْ: قَدَّرْنَاهَا وَمِنْهُ الْفَرَائِضُ لِلسِّهَامِ الْمُقَدَّرَةِ مَجَازٌ فِي غَيْرِهِ دَفْعًا لِلِاشْتِرَاكِ، وَتَعْدِيَتُهُ بِعَلَى لِتَضْمِينِ مَعْنَى الْإِيجَابِ وَقَوْلُهُ ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٠] مَعْنَاهُ وَمَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِيمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ عَلَى أَنَّ الْفَرْضَ هَاهُنَا بِمَعْنَى الْإِيجَابِ، وَلَمَّا كَانَ هَذَا مُخَالِفًا لِتَصْرِيحِ الْأَئِمَّةِ بِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْقَطْعِ لُغَةً، وَفِي الْإِيجَابِ شَرْعًا عَدَلَ الْمُصَنِّفُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: خُصَّ فَرْضُ الْمَهْرِ أَيْ: تَقْدِيرُهُ بِالشَّارِعِ، وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ إسْنَادَ الْفِعْلِ إلَى الْفَاعِلِ حَقِيقَةٌ فِي صُدُورِ الْفِعْلِ عَنْهُ فَيَكُونُ لَفْظُ فَرَضْنَا مِنْ حَيْثُ اشْتِمَالُهُ عَلَى الْإِسْنَادِ خَاصًّا فِي أَنَّ مُقَدِّرَ الْمَهْرِ هُوَ الشَّارِعُ عَلَى مَا هُوَ وَضْعُ الْإِسْنَادِ، وَهَذَا تَدْقِيقٌ مِنْهُ إلَّا أَنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى كَوْنِ الْفَرْضِ هَاهُنَا بِمَعْنَى التَّقْدِيرِ دُونَ الْإِيجَابِ.
(قَوْلُهُ وَهُمَا مَسْأَلَتَا الْهَدْمِ وَالْقَطْعِ مَعَ الضَّمَانِ) هُمَا مَسْأَلَتَانِ خَالَفَ فِيهِمَا الشَّافِعِيُّ أَبَا حَنِيفَةَ مُحْتَجًّا بِأَنَّ فِيمَا ذَهَبَ إلَيْهِ تَرْكَ الْعَمَلِ بِالْخَاصِّ. تَقْرِيرُ الْأُولَى أَنَّ لَفْظَ حَتَّى فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] خَاصٌّ فِي الْغَايَةِ، وَأَثَرُ الْغَايَةِ فِي انْتِهَاءِ مَا قَبْلَهَا لَا فِي إثْبَاتِ مَا بَعْدَهَا فَوَطْءُ الزَّوْجِ الثَّانِي يَكُونُ غَايَةً لِلْحُرْمَةِ السَّابِقَةِ لَا مُثْبِتًا لِحِلٍّ جَدِيدٍ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ الْحِلُّ بِالسَّبَبِ السَّابِقِ وَهُوَ كَوْنُهَا مِنْ بَنَاتِ آدَمَ خَالِيَةً مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ كَمَا فِي الصَّوْمِ تَنْتَهِي حُرْمَةُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ بِاللَّيْلِ، ثُمَّ يَثْبُتُ الْحِلُّ بِالْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ، فَوَطْءُ الزَّوْجِ الثَّانِي يَهْدِمُ حُكْمَ مَا مَضَى مِنْ طَلَقَاتِ الزَّوْجِ الْأَوَّلِ إذَا كَانَتْ ثَلَاثًا لِثُبُوتِ الْحُرْمَةِ بِهَا وَلَا يَهْدِمُ مَا دُونَ الثَّلَاثِ، إذْ لَا تَثْبُتُ بِهِ الْحُرْمَةُ وَلَا تَصَوُّرَ لِغَايَةِ الشَّيْءِ قَبْلَ وُجُودِ أَصْلِهِ، فَفِي الْقَوْلِ بِأَنَّهُ يَهْدِمُ مَا دُونَ الثَّلَاثِ أَيْضًا كَمَا هُوَ
стр. 68
(فَصْلٌ: حُكْمُ الْعَامِّ التَّوَقُّفُ عِنْدَ الْبَعْضِ حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ؛ لِأَنَّهُ مُجْمَلٌ لِاخْتِلَافِ أَعْدَادِ الْجَمْعِ) فَإِنَّ جَمْعَ الْقِلَّةِ يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ مِنْهُ كُلُّ عَدَدٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ إلَى الْعَشَرَةِ، وَجَمْعُ الْكَثْرَةِ يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ مِنْهُ كُلُّ عَدَدٍ مِنْ الْعَشَرَةِ إلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ، فَإِنَّهُ إذَا قَالَ لِزَيْدٍ عَلَيَّ أَفْلُسٌ يَصِحُّ بَيَانُهُ مِنْ الثَّلَاثَةِ إلَى الْعَشَرَةِ فَيَكُونُ مُجْمَلًا.
(وَإِنَّهُ يُؤَكَّدُ بِكُلٍّ وَأَجْمَعَ وَلَوْ كَانَ مُسْتَغْرِقًا لَمَا اُحْتِيجَ إلَى ذَلِكَ
ــ
[التلويح]
مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ وَطْءَ الزَّوْجِ الثَّانِي مُثْبِتٌ لِحِلٍّ جَدِيدٍ تَرْكُ الْعَمَلِ بِالْخَاصِّ، وَجَوَابُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالنِّكَاحِ هَاهُنَا الْعَقْدُ بِدَلِيلِ إضَافَتِهِ إلَى الْمَرْأَةِ، وَاشْتِرَاطُ الدُّخُولِ إنَّمَا ثَبَتَ بِالْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ وَهُوَ حَدِيثُ الْعُسَيْلَةِ حَيْثُ قَالَ «لَا حَتَّى تَذُوقِي» جَعَلَ الذَّوْقَ غَايَةً لِعَدَمِ الْعَوْدِ فَإِذَا وُجِدَ ثَبَتَ الْعَوْدُ وَهُوَ حَادِثٌ لَا سَبَبَ لَهُ سِوَى الذَّوْقِ، فَيَكُونُ الذَّوْقُ هُوَ الْمُثْبِتُ لِلْحِلِّ، وَبِقَوْلِهِ ﵊ «لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ» جَعَلَ الزَّوْجَ الثَّانِيَ مُحَلِّلًا أَيْ: مُثْبِتًا لِلْحِلِّ فَفِيمَا دُونَ الثَّلَاثِ يَكُونُ الزَّوْجُ الثَّانِي مُتَمِّمًا لِلْحِلِّ النَّاقِصِ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى، وَتَقْرِيرُ الثَّانِيَةِ أَنَّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] لَفْظَ الْقَطْعِ خَاصٌّ بِالْإِبَانَةِ عَنْ الشَّيْءِ مِنْ غَيْرِ دَلَالَةِ إبْطَالِ الْعِصْمَةِ، فَفِي الْقَوْلِ بِأَنَّ الْقَطْعَ يُوجِبُ إبْطَالَ الْعِصْمَةِ الثَّابِتَةِ لِلْمَالِ قَبْلَ الْقَطْعِ حَتَّى لَا يَجِبَ الضَّمَانُ بِهَلَاكِهِ، أَوْ اسْتِهْلَاكِهِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ تَرْكُ الْعَمَلِ بِالْخَاصِّ، وَجَوَابُهُ أَنَّ انْتِفَاءَ الضَّمَانِ ثَبَتَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿جَزَاءً﴾ [المائدة: ٣٨] فَإِنَّ الْجَزَاءَ الْمُطْلَقَ فِي مَعْرِضِ الْعُقُوبَاتِ مَا يَجِبُ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى خَالِصًا فَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ الْجِنَايَةُ وَاقِعَةً عَلَى حَقِّهِ تَعَالَى، وَمِنْ ضَرُورَتِهِ تَحَوُّلُ الْعِصْمَةِ الَّتِي هِيَ مَحَلُّ الْجِنَايَةِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ فِعْلِ الْقَطْعِ حَتَّى يَصِيرَ الْمَالُ فِي حَقِّ الْعَبْدِ مُلْحَقًا بِمَا لَا قِيمَةَ لَهُ كَالْعَصِيرِ إذَا تَخَمَّرَ، وَفِي الْمَسْأَلَتَيْنِ اعْتِبَارَاتٌ سُؤَالًا وَجَوَابًا أَعْرَضْنَا عَنْهَا مَخَافَةَ التَّطْوِيلِ
[فَصْلٌ حُكْمُ الْعَامِّ]
(قَوْلُهُ فَصْلٌ) حُكْمُ الْعَامِّ عِنْدَ عَامَّةِ الْأَشَاعِرَةِ التَّوَقُّفُ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ عُمُومٍ، أَوْ خُصُوصٍ، وَعِنْدَ الْبَلْخِيّ وَالْجُبَّائِيِّ الْجَزْمُ بِالْخُصُوصِ كَالْوَاحِدِ فِي الْجِنْسِ وَالثَّلَاثَةِ فِي الْجَمْعِ، وَالتَّوَقُّفُ فِيمَا فَوْقَ ذَلِكَ وَعِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ إثْبَاتُ الْحُكْمِ فِي جَمِيعِ مَا يَتَنَاوَلُهُ مِنْ الْأَفْرَادِ قَطْعًا وَيَقِينًا عِنْدَ مَشَايِخِ الْعِرَاقِ وَعَامَّةِ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَظَنًّا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ مَشَايِخِ سَمَرْقَنْدَ حَتَّى يُفِيدَ وُجُوبَ الْعَمَلِ دُونَ الِاعْتِقَادِ، وَيَصِحُّ تَخْصِيصُ الْعَامِّ مِنْ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ وَاسْتَدَلَّ عَلَى مَذْهَبِ التَّوَقُّفِ تَارَةً بِبَيَانِ أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الَّتِي ادَّعَى عُمُومَهَا مُجْمَلٌ، وَأُخْرَى بِبَيَانِ أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ أَعْدَادَ الْجَمْعِ مُخْتَلِفَةٌ مِنْ غَيْرِ أَوْلَوِيَّةٍ لِلْبَعْضِ؛ وَلِأَنَّهُ يُؤَكَّدُ بِكُلٍّ وَأَجْمَعَ مِمَّا يُفِيدُ بَيَانَ الشُّمُولِ وَالِاسْتِغْرَاقِ فَلَوْ كَانَ لِلِاسْتِغْرَاقِ لَمَا اُحْتِيجَ إلَيْهِ فَهُوَ لِلْبَعْضِ وَلَيْسَ بِمَعْلُومٍ فَيَكُونُ مُجْمَلًا.
وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى الْوَاحِدِ، وَالْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ فَيَكُونُ
стр. 69
وَلِأَنَّهُ يُذْكَرُ الْجَمْعُ وَيُرَادُ بِهِ الْوَاحِدُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ﴾ [آل عمران: ١٧٣] الْمُرَادُ مِنْهُ نُعَيْمُ بْنُ السُّعُودِ أَوْ أَعْرَابِيٌّ آخَرُ، وَالنَّاسُ الثَّانِي أَهْلُ مَكَّةَ.
(وَعِنْدَ الْبَعْضِ يَثْبُتُ الْأَدْنَى، وَهُوَ الثَّلَاثَةُ فِي الْجَمْعِ وَالْوَاحِدُ فِي غَيْرِهِ) ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَيَقَّنُ فَإِنَّهُ إذَا قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ دَرَاهِمُ تَجِبُ ثَلَاثَةٌ بِاتِّفَاقٍ بَيْنَنَا، وَبَيْنَكُمْ لَكِنَّا نَقُولُ إنَّمَا تَثْبُتُ الثَّلَاثَةُ؛ لِأَنَّ الْعُمُومَ غَيْرُ مُمْكِنٍ فَيَثْبُتُ أَخَصُّ الْخُصُوصِ.
(وَعِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ يُوجِبُ الْحُكْمَ فِي الْكُلِّ) نَحْوُ جَاءَنِي الْقَوْمُ يُوجِبُ الْحُكْمَ وَهُوَ نِسْبَةُ الْمَجِيءِ إلَى كُلِّ أَفْرَادٍ تَنَاوَلَهَا الْقَوْمُ.
(لِأَنَّ الْعُمُومَ مَعْنًى مَقْصُودٌ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَفْظٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ) فَإِنَّ الْمَعَانِيَ الَّتِي هِيَ مَقْصُودَةٌ فِي التَّخَاطُبِ قَدْ وُضِعَ
ــ
[التلويح]
مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْوَاحِدِ وَالْكَثِيرِ فَقَوْلُهُ وَأَنَّهُ يُؤَكَّدُ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ لِاخْتِلَافِ أَعْدَادِ الْجَمْعِ فَيَكُونُ دَلِيلًا آخَرَ عَلَى الْإِجْمَالِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ مُجْمَلٌ فَيَكُونُ دَلِيلًا عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ التَّوَقُّفِ وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الْكُلِّ احْتِرَازًا عَنْ تَرْجِيحِ الْبَعْضِ بِلَا مُرَجِّحٍ فَلَا إجْمَالَ، وَعَنْ الثَّانِي أَنَّ التَّأْكِيدَ دَلِيلُ الْعُمُومِ وَالِاسْتِغْرَاقِ وَإِلَّا لَكَانَ تَأْسِيسًا لَا تَأْكِيدًا صَرَّحَ بِذَلِكَ أَئِمَّةُ الْعَرَبِيَّةِ، وَعَنْ الثَّالِثِ أَنَّ الْمَجَازَ رَاجِحٌ عَلَى الِاشْتِرَاكِ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ لِلْقَطْعِ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْكَثِيرِ عَلَى أَنَّ كَوْنَ الْجَمْعِ مَجَازًا فِي الْوَاحِدِ مِمَّا أَجَمَعَ عَلَيْهِ أَئِمَّةُ اللُّغَةِ، وَالْمُرَادُ بِالْجَمْعِ هَاهُنَا مَا يَعُمُّ صِيغَةَ الْجَمْعِ كَالرِّجَالِ وَاسْمِ الْجَمْعِ كَالنَّاسِ، وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ وَاعَدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ أَنْ يُوَافِيَهُ الْعَامَ الْمُقْبِلَ بِبَدْرٍ الصُّغْرَى فَلَمَّا دَنَّى الْمَوْعِدُ رَعَبَ وَنَدِمَ وَجَعَلَ لِنُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ الْأَشْجَعِيِّ عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ عَلَى أَنْ يُخَوِّفَ الْمُؤْمِنِينَ فَهُمْ ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] أَيْ: نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ ﴿إِنَّ النَّاسَ﴾ [آل عمران: ١٧٣] أَيْ: أَهْلَ مَكَّةَ ﴿قَدْ جَمَعُوا﴾ [آل عمران: ١٧٣] أَيْ: الْجَيْشَ لَكُمْ أَيْ: لِقِتَالِكُمْ.
(قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَيَقَّنُ) اسْتَدَلَّ عَلَى الْمَذْهَبِ الثَّانِي بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إخْلَاءُ اللَّفْظِ مِنْ الْمَعْنَى، وَالْوَاحِدُ فِي الْجِنْسِ وَالثَّلَاثَةُ فِي الْجَمْعِ هُوَ الْمُتَيَقَّنُ؛ لِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ الْأَقَلُّ فَهُوَ عَيْنُ الْمُرَادِ، وَإِنْ أُرِيدَ مَا فَوْقَهُ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْمُرَادِ هُوَ الْبَعْضُ وَالْجَوَابُ أَنَّهُ إثْبَاتُ اللُّغَةِ بِالتَّرْجِيحِ وَهُوَ بَاطِلٌ، وَلَوْ سَلِمَ فَالْعُمُومُ رُبَّمَا كَانَ أَحْوَطَ فَيَكُونُ أَرْجَحَ وَلَا يَخْفَى أَنَّ التَّوْضِيحَ بِقَوْلِهِ لِفُلَانٍ عَلَيَّ دَرَاهِمُ مَبْنِيٌّ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِ الْجَمْعِ الْمُنَكَّرِ عَامًّا، وَعَلَى كَوْنِ الْأَقَلِّ فِي جَمْعِ الْكَثْرَةِ أَيْضًا هُوَ الثَّلَاثَةُ عَلَى خِلَافِ مَا صَرَّحَ بِهِ فِي دَلِيلِ الْإِجْمَالِ.
(قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْعُمُومَ مَعْنًى مَقْصُودٌ) اسْتَدَلَّ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمُخْتَارِ بِالْمَعْقُولِ وَالْإِجْمَاعِ.
أَمَّا الْمَعْقُولُ فَلِأَنَّ الْعُمُومَ مَعْنًى ظَاهِرٌ يَعْقِلُهُ الْأَكْثَرُ وَتَمَسُّ الْحَاجَةُ إلَى التَّعْبِيرِ عَنْهُ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُوضَعَ لَهُ لَفْظٌ بِحُكْمِ الْعَادَةِ كَكَثِيرٍ مِنْ الْمَعَانِي الَّتِي وُضِعَ لَهَا الْأَلْفَاظُ لِظُهُورِهَا إلَى التَّعْبِيرِ عَنْهَا، فَقَوْلُهُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَفْظٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ يَعْنِي: بِالْوَضْعِ لِيُثْبِتَ كَوْنَهُ عَامًّا، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الظَّاهِرَ قَدْ يُسْتَغْنَى عَنْ
стр. 70
الْأَلْفَاظُ لَهَا.
(وَقَدْ قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ وَطْئًا بِمِلْكِ الْيَمِينِ أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ وَهِيَ قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] فَإِنَّهَا تَدُلُّ عَلَى حِلِّ وَطْءِ كُلِّ أَمَةٍ مَمْلُوكَةٍ سَوَاءٌ كَانَتْ مُجْتَمِعَةً مَعَ أُخْتِهَا فِي الْوَطْءِ أَوْ لَا.
(وَحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ وَهِيَ ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] تَدُلُّ عَلَى حُرْمَةِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ سَوَاءٌ كَانَ الْجَمْعُ بِطَرِيقِ النِّكَاحِ، أَوْ بِطَرِيقِ الْوَطْءِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ.
(فَالْمُحَرَّمُ رَاجِحٌ) كَمَا يَأْتِي فِي فَصْلِ التَّعَارُضِ أَنَّ الْمُحَرَّمَ رَاجِحٌ عَلَى الْمُبِيحِ.
(وَابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - جَعَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ﴾ [الطلاق: ٤] نَاسِخًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٤] حَتَّى جَعَلَ عِدَّةَ حَامِلٍ تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ) .
اخْتَلَفَ عَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فِي حَامِلٍ تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، فَقَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - تَعْتَدُّ بِأَبْعَدِ الْأَجَلَيْنِ تَوْفِيقًا بَيْنَ الْآيَتَيْنِ إحْدَاهُمَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَهِيَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] وَالْأُخْرَى فِي سُورَةِ النِّسَاءِ الْقُصْرَى وَهِيَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -
ــ
[التلويح]
الْوَضْعِ لَهُ خَاصَّةً بِالْمَجَازِ، أَوْ الِاشْتِرَاكِ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ كَخُصُوصِ الرَّوَائِحِ وَالطُّعُومِ الَّتِي اُكْتُفِيَ فِي التَّعْبِيرِ عَنْهَا بِالْإِضَافَةِ كَرَائِحَةِ الْمِسْكِ عَلَى أَنَّ هَذَا إثْبَاتُ الْوَضْعِ بِالْقِيَاسِ.
وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَلِأَنَّهُ ثَبَتَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ الِاحْتِجَاجُ بِالْعُمُومَاتِ وَشَاعَ ذَلِكَ وَذَاعَ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، فَإِنْ قِيلَ فُهِمَ ذَلِكَ بِالْقَرَائِنِ قُلْنَا فَتْحُ هَذَا الْبَابِ يُؤَدِّي إلَى أَنْ لَا يَثْبُتَ لِلَّفْظِ مَفْهُومٌ ظَاهِرٌ لِجَوَازِ أَنْ يُفْهَمَ بِالْقَرَائِنِ، فَإِنَّ النَّاقِلِينَ لَنَا لَمْ يَنْقُلُوا نَصَّ الْوَاضِعِ، بَلْ أَخَذُوا الْأَكْثَرَ مِنْ تَتَبُّعِ مَوَارِدِ الِاسْتِعْمَالِ.
(قَوْلُهُ وَحَرَّمَتْهُمَا) أَيْ: الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا وَطْئًا آيَةٌ أُخْرَى هِيَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] عَطْفًا عَلَى الْمُحَرَّمَاتِ السَّابِقَةِ قِيلَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ لَمَّا حُرِّمَ نِكَاحًا وَهُوَ سَبَبٌ مُفْضٍ إلَى الْوَطْءِ، فَلَأَنْ يُحَرَّمَ وَطْئًا بِمِلْكِ الْيَمِينِ أَوْلَى، فَاعْتُرِضَ بِأَنَّ هَذَا حِينَئِذٍ لَا يُعَارِضُ النَّصَّ الْمُبِيحَ؛ لِأَنَّهُ بِطَرِيقِ الْعِبَارَةِ، وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ قَدْ خُصَّتْ مِنْ الْمُبِيحِ الْأَمَةُ الْمَجُوسِيَّةُ، وَالْأُخْتُ مِنْ الرَّضَاعَةِ، وَأُخْتُ الْمَنْكُوحَةِ فَلَمْ يَبْقَ قَطْعِيًّا فَيُعَارِضُهُ النَّصُّ الْمُحَرِّمُ، وَإِنْ كَانَ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ فَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى أَنَّ تَحْرِيمَ الْأُخْتَيْنِ وَطْئًا بِمِلْكِ الْيَمِينِ ثَبَتَ أَيْضًا بِالْعِبَارَةِ؛ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا﴾ [النساء: ٢٣] فِي مَعْنَى مَصْدَرٍ مُعَرَّفٍ بِالْإِضَافَةِ أَوْ اللَّامِ أَيْ: جَمْعُكُمْ أَوْ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ سَوَاءٌ كَانَ فِي النِّكَاحِ، أَوْ فِي الْوَطْءِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ.
(قَوْلُهُ فِي مِقْدَارِ مَا تَنَاوَلَهُ الْآيَتَانِ) ؛ لِأَنَّ أُولَاتِ الْأَحْمَالِ لَا يَتَنَاوَلُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا الْغَيْرَ الْحَامِلِ ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٤] أَيْ: أَزْوَاجُ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ لَا يَتَنَاوَلُ الْحَامِلَ الْمُطَلَّقَةَ فَقَوْلُهُ ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ﴾ [الطلاق: ٤] بِاعْتِبَارِ إيجَابِ عِدَّةِ الْحَامِلِ الْمُطَلَّقَةِ بِوَضْعِ الْحَمْلِ لَا يَكُونُ نَاسِخًا وَقَوْلُهُ ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٤] بِاعْتِبَارِ إيجَابِ عِدَّةِ
стр. 71
مَنْ شَاءَ بَاهَلْتُهُ أَنَّ سُورَةَ النِّسَاءِ الْقُصْرَى نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ النِّسَاءِ الطُّولَى، وَقَوْلُهُ ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] نَزَلَتْ بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] فَقَوْلُهُ يَتَرَبَّصْنَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عِدَّةَ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا بِالْأَشْهُرِ سَوَاءٌ كَانَتْ حَامِلًا أَوْ لَا، وَقَوْلُهُ ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ﴾ [الطلاق: ٤] يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عِدَّةَ الْحَامِلِ بِوَضْعِ الْحَمْلِ سَوَاءٌ تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، أَوْ طَلَّقَهَا فَجَعَلَ قَوْلَهُ ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] نَاسِخًا لِقَوْلِهِ ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فِي مِقْدَارِ مَا تَنَاوَلَهُ الْآيَتَانِ وَهُوَ مَا إذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا وَتَكُونُ حَامِلًا.
(وَذَلِكَ عَامٌّ كُلُّهُ) أَيْ: النُّصُوصُ الْأَرْبَعَةُ الَّتِي تَمَسَّكَ بِهَا عَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ وَالْعِدَّةِ.
(لَكِنْ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هُوَ دَلِيلٌ فِيهِ شُبْهَةٌ فَيَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ) أَيْ: تَخْصِيصُ عَامِّ الْكِتَابِ بِكُلِّ
ــ
[التلويح]
غَيْرِ الْحَامِلِ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ لَا يَكُونُ مَنْسُوخًا.
قَوْلُهُ (لَكِنْ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀) قَدْ سَبَقَ أَنَّ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْعَامَّ يُوجِبُ الْحُكْمَ فِيمَا يَتَنَاوَلُهُ مِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّ مُوجِبَهُ ظَنِّيٌّ، وَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ قَطْعِيٌّ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ احْتِمَالًا نَاشِئًا عَنْ الدَّلِيلِ تَمَسَّكَ الْفَرِيقُ الْأَوَّلُ بِأَنَّ كُلَّ عَامٍّ يَحْتَمِلُ التَّخْصِيصَ، وَالتَّخْصِيصُ شَائِعٌ فِيهِ كَثِيرٌ بِمَعْنَى أَنَّ الْعَامَّ لَا يَخْلُو عَنْهُ إلَّا قَلِيلًا بِمَعُونَةِ الْقَرَائِنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٥] ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٠٩] حَتَّى صَارَ بِمَنْزِلَةِ الْمَثَلِ أَنَّهُ مَا مِنْ عَامٍّ إلَّا وَقَدْ خُصَّ مِنْهُ الْبَعْضُ، وَكَفَى بِهَذَا دَلِيلًا عَلَى الِاحْتِمَالِ، وَهَذَا بِخِلَافِ احْتِمَالِ الْخَاصِّ الْمَجَازَ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِشَائِعٍ فِي الْخَاصِّ شُيُوعَ التَّخْصِيصِ فِي الْعَامِّ حَتَّى يَنْشَأَ عَنْهُ احْتِمَالُ الْمَجَازِ فِي الْخَاصِّ، فَإِنْ قِيلَ، بَلْ لَا مَعْنَى لِاحْتِمَالِ الْمَجَازِ عِنْدَ عَدَمِ الْقَرِينَةِ الْمَانِعَةِ؛ لِأَنَّ وُجُودَ الْقَرِينَةِ الْمَانِعَةِ عَنْ إرَادَةِ الْمَوْضُوعِ لَهُ مَأْخُوذٌ فِي تَعْرِيفِ الْمَجَازِ. قُلْنَا احْتِمَالُ الْقَرِينَةِ كَافٍ فِي احْتِمَالِ الْمَجَازِ وَهُوَ قَائِمٌ، إذْ لَا قَطْعَ بِعَدَمِ الْقَرِينَةِ إلَّا نَادِرًا، وَلَمَّا كَانَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ أَنَّ مُوجِبَ الْعَامِّ قَطْعِيٌّ اسْتَدَلَّ عَلَى إثْبَاتِهِ أَوَّلًا وَعَلَى بُطْلَانِ مَذْهَبِ الْمُخَالِفِ ثَانِيًا وَأَجَابَ عَنْ تَمَسُّكِهِ ثَالِثًا.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَتَقْرِيرُهُ أَنَّ اللَّفْظَ إذَا وُضِعَ لِمَعْنًى كَانَ ذَلِكَ الْمَعْنَى لَازِمًا ثَابِتًا بِذَلِكَ اللَّفْظِ عِنْدَ إطْلَاقِهِ حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى خِلَافِهِ وَالْعُمُومُ مِمَّا وُضِعَ لَهُ اللَّفْظُ فَكَانَ لَازِمًا قَطْعًا حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ الْخُصُوصِ كَالْخَاصِّ يَثْبُتُ مُسَمَّاهُ قَطْعًا حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ الْمَجَازِ. وَأَمَّا الثَّانِي فَتَقْرِيرُهُ أَنَّهُ لَوْ جَازَ إرَادَةُ بَعْضِ مُسَمَّيَاتِ الْعَامِّ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ لَارْتَفَعَ الْأَمَانُ عَنْ اللُّغَةِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا وَقَعَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مِنْ الْأَلْفَاظِ الْعَامَّةِ يَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ فَلَا يَسْتَقِيمُ مَا يَفْهَمُ السَّامِعُونَ مِنْ الْعُمُومِ وَعَنْ الشَّارِعِ؛ لِأَنَّ عَامَّةَ خِطَابَاتِ الشَّرْعِ عَامَّةٌ فَلَوْ جَوَّزْنَا إرَادَةَ الْبَعْضِ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ لَمَا صَحَّ مِنَّا فَهْمُ الْأَحْكَامِ بِصِيغَةِ الْعُمُومِ وَلَمَا اسْتَقَامَ مِنَّا الْحُكْمُ بِعِتْقِ جَمِيعِ عَبِيدِ مَنْ قَالَ كُلُّ عَبْدٍ لِي فَهُوَ حُرٌّ، وَهَذَا يُؤَدِّي إلَى التَّلْبِيسِ
стр. 72
وَاحِدٍ مِنْ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ.
(لِأَنَّ كُلَّ عَامٍّ يَحْتَمِلُ التَّخْصِيصَ وَهُوَ شَائِعٌ فِيهِ) أَيْ: التَّخْصِيصُ شَائِعٌ فِي الْعَامِّ (وَعِنْدَنَا هُوَ قَطْعِيٌّ مُسَاوٍ لِلْخَاصِّ وَسَيَجِيءُ مَعْنَى الْقَطْعِيِّ فَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا لَمْ يُخَصَّ بِقَطْعِيٍّ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ مَتَى وُضِعَ لِمَعْنًى كَانَ ذَلِكَ الْمَعْنَى لَازِمًا لَهُ إلَّا أَنْ تَدُلَّ الْقَرِينَةُ عَلَى خِلَافِهِ، وَلَوْ جَازَ إرَادَةُ الْبَعْضِ بِلَا قَرِينَةٍ يَرْتَفِعُ الْأَمَانُ عَنْ اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ بِالْكُلِّيَّةِ؛ لِأَنَّ خِطَابَاتِ الشَّرْعِ عَامَّةٌ وَالِاحْتِمَالُ الْغَيْرُ النَّاشِئُ عَنْ دَلِيلٍ لَا يُعْتَبَرُ، فَاحْتِمَالُ الْخُصُوصِ هُنَا كَاحْتِمَالِ الْمَجَازِ فِي الْخَاصِّ فَالتَّأْكِيدُ يَجْعَلُهُ مُحْكَمًا)
هَذَا جَوَابٌ عَمَّا قَالَهُ الْوَاقِفِيَّةُ أَنَّهُ مُؤَكَّدٌ بِكُلٍّ أَوْ أَجْمَعَ وَأَيْضًا جَوَابٌ عَمَّا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ ﵀ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ التَّخْصِيصَ، فَنَقُولُ نَحْنُ لَا نَدَّعِي أَنَّ الْعَامَّ لَا احْتِمَالَ فِيهِ أَصْلًا، فَاحْتِمَالُ التَّخْصِيصِ فِيهِ كَاحْتِمَالِ الْمَجَازِ فِي الْخَاصِّ، فَإِذَا أُكِّدَ يَصِيرُ مُحْكَمًا أَيْ: لَا يَبْقَى فِيهِ احْتِمَالٌ أَصْلًا لَا نَاشِئٌ عَنْ دَلِيلٍ وَلَا غَيْرُ نَاشِئٍ عَنْ
ــ
[التلويح]
عَلَى السَّامِعِ وَتَكْلِيفِهِ بِالْمُحَالِ، فَإِنْ قِيلَ لَمَّا لَمْ يُكَلِّفْنَا اللَّهُ مَا لَيْسَ فِي الْوُسْعِ سَقَطَ اعْتِبَارُ الْإِرَادَةِ الْبَاطِنَةِ فِي حَقِّ الْعَمَلِ فَلَزِمَنَا الْعَمَلُ بِالْعُمُومِ الظَّاهِرِ لَكِنَّهَا بَقِيَتْ فِي حَقِّ الْعِلْمِ فَلَمْ يَلْزَمْنَا الِاعْتِقَادُ الْقَطْعِيُّ، وَمَعَ الْقَوْلِ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ بِالْعُمُومِ الظَّاهِرِ لَا يَرْتَفِعُ الْأَمَانُ قُلْنَا لَمَّا كَانَ التَّكْلِيفُ بِحَسَبِ الْوُسْعِ وَلَيْسَ فِي وُسْعِنَا الْوُقُوفُ عَلَى الْبَاطِنِ لَمْ تُعْتَبَرْ الْإِرَادَةُ الْبَاطِنَةُ فِي حَقِّنَا لَا عِلْمًا وَلَا عَمَلًا، وَأُقِيمَ السَّبَبُ الظَّاهِرُ مَقَامَ الْبَاطِلِ تَيْسِيرًا، وَبَقِيَ مَا يُفْهَمُ مِنْ الْعُمُومِ الظَّاهِرِ قَطْعِيًّا، وَقَدْ يُقَالُ إنَّ الْعِلْمَ عَمَلُ الْقَلْبِ وَهُوَ الْأَصْلُ وَلَمَّا لَمْ تُعْتَبَرْ الْإِرَادَةُ الْبَاطِنَةُ فِي حَقِّ التَّبَعِ وَهُوَ الْعَمَلُ فَأَوْلَى أَنْ لَا تُعْتَبَرَ فِي حَقِّ الْأَصْلِ وَهُوَ الْعِلْمُ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ يُنْتَقَضُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ؛ وَلِأَنَّ عَدَمَ اعْتِبَارِهَا فِي حَقِّ التَّبَعِ احْتِيَاطٌ، وَذَلِكَ فِي حَقِّ الْعَمَلِ دُونَ الْعِلْمِ؛ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ أَقْوَى مِنْ التَّبَعِ فَيَجُوزُ أَنْ لَا يَقْوَى مُثْبِتُ التَّبَعِ عَلَى إثْبَاتِ الْأَصْلِ.
وَأَمَّا الثَّالِثُ وَهُوَ الْجَوَابُ عَنْ تَمَسُّكِ الْمُخَالِفِ فَقَدْ ذَكَرَهُ عَلَى وَجْهٍ يَسْتَتْبِعُ الْجَوَابَ عَنْ اسْتِدْلَالِ الْقَائِلِينَ بِالتَّوَقُّفِ فِي الْعُمُومِ بِأَنَّهُ يُؤَكَّدُ بِكُلٍّ وَأَجْمَعِينَ، وَتَقْرِيرُهُ أَنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِاحْتِمَالِ الْعَامِّ التَّخْصِيصَ مُطْلَقُ الِاحْتِمَالِ فَهُوَ لَا يُنَافِي الْقَطْعَ بِالْمَعْنَى الْمُرَادِ، وَهُوَ عَدَمُ الِاحْتِمَالِ النَّاشِئِ عَنْ الدَّلِيلِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَامُّ قَطْعِيًّا مَعَ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ احْتِمَالًا غَيْرَ نَاشِئٍ عَنْ الدَّلِيلِ كَمَا أَنَّ الْخَاصَّ قَطْعِيٌّ مَعَ احْتِمَالِ الْمَجَازِ كَذَلِكَ فَيُؤَكَّدُ الْعَامُّ بِكُلٍّ وَأَجْمَعِينَ لِيَصِيرَ مُحْكَمًا وَلَا يَبْقَى فِيهِ احْتِمَالُ الْخُصُوصِ أَصْلًا كَمَا يُؤَكَّدُ الْخَاصُّ فِي مِثْلِ جَاءَنِي زَيْدٌ نَفْسُهُ أَوْ عَيْنُهُ لِدَفْعِ احْتِمَالِ الْمَجَازِ بِأَنْ يَجِيءَ رَسُولُهُ أَوْ كِتَابُهُ، وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ التَّخْصِيصَ احْتِمَالًا نَاشِئًا عَنْ دَلِيلٍ فَهُوَ مَمْنُوعٌ.
(قَوْلُهُ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ شَائِعٌ فِيهِ) وَهُوَ دَلِيلُ الِاحْتِمَالِ قُلْنَا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ التَّخْصِيصَ الَّذِي يُورِثُ الشُّبْهَةَ وَالِاحْتِمَالُ شَائِعٌ فِيهِ، بَلْ هُوَ فِي غَايَةِ
стр. 73
دَلِيلٍ، فَإِنْ قِيلَ احْتِمَالُ الْمَجَازِ الَّذِي فِي الْخَاصِّ ثَابِتٌ فِي الْعَامِّ مَعَ احْتِمَالٍ آخَرَ، وَهُوَ احْتِمَالُ التَّخْصِيصِ فَيَكُونُ الْخَاصُّ رَاجِحًا فَالْخَاصُّ كَالنَّصِّ وَالْعَامُّ كَالظَّاهِرِ، قُلْنَا: لَمَّا كَانَ الْعَامُّ مَوْضُوعًا لِلْكُلِّ كَانَ إرَادَةُ الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ، وَكَثْرَةُ احْتِمَالَاتِ الْمَجَازِ لَا اعْتِبَارَ لَهَا فَإِذَا كَانَ لَفْظٌ خَاصٍّ لَهُ مَعْنًى وَاحِدٌ مَجَازِيٌّ، وَلَفْظٌ خَاصٌّ آخَرُ لَهُ مَعْنَيَانِ مَجَازِيَّانِ أَوْ أَكْثَرُ وَلَا قَرِينَةَ لِلْمَجَازِ أَصْلًا، فَإِنَّ اللَّفْظَيْنِ مُتَسَاوِيَانِ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ بِلَا تَرْجِيحِ الْأَوَّلِ عَلَى الثَّانِي فَعُلِمَ أَنَّ احْتِمَالَ الْمَجَازِ الْوَاحِدِ الَّذِي لَا قَرِينَةَ لَهُ مُسَاوٍ لِاحْتِمَالِ مَجَازَاتٍ كَثِيرَةٍ لَا قَرِينَةَ لَهَا، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ التَّخْصِيصَ الَّذِي يُورِثُ شُبْهَةً فِي الْعَامِّ شَائِعٌ بِلَا قَرِينَةٍ فَإِنَّ الْمُخَصِّصَ إذَا كَانَ هُوَ الْعَقْلُ أَوْ نَحْوَهُ فَهُوَ فِي حُكْمِ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى مَا يَأْتِي، وَلَا يُورِثُ شُبْهَةً فَإِنَّ كُلَّ مَا يُوجِبُ الْعَقْلَ كَوْنُهُ غَيْرَ دَاخِلٍ لَا يَدْخُلُ وَمَا سِوَى ذَلِكَ يَدْخُلُ تَحْتَ الْعَامِّ وَإِنْ كَانَ الْمُخَصِّصُ هُوَ الْكَلَامُ، فَإِنْ كَانَ مُتَرَاخِيًا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ مُخَصِّصٌ، بَلْ هُوَ نَاسِخٌ. بَقِيَ الْكَلَامُ فِي الْمُخَصِّصِ الَّذِي لَا يَكُونُ مَوْصُولًا وَقَلِيلٌ مَا هُوَ.
(وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ تَعَارُضَ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ، فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ التَّارِيخُ حُمِلَ عَلَى الْمُقَارَنَةِ) مَعَ أَنَّ فِي الْوَاقِعِ أَحَدَهُمَا نَاسِخٌ، وَالْآخَرَ مَنْسُوخٌ لَكِنْ لَمَّا جَهِلْنَا النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ حَمَلْنَا عَلَى الْمُقَارَنَةِ وَإِلَّا يَلْزَمُ التَّرْجِيحُ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ.
(فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀
ــ
[التلويح]
الْقِلَّةِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ بِكَلَامٍ مُسْتَقِلٍّ مَوْصُولٍ بِالْعَامِّ عَلَى مَا سَيَأْتِي، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ مُرَادَ الْخَصْمِ بِالتَّخْصِيصِ قَصْرُ الْعَامِّ عَلَى بَعْضِ الْمُسَمَّيَاتِ سَوَاءٌ كَانَ بِغَيْرِ مُسْتَقِلٍّ أَوْ بِمُسْتَقِلٍّ مَوْصُولٍ أَوْ مُتَرَاخٍ، وَلَا شَكَّ فِي شُيُوعِهِ وَكَثْرَتِهِ بِهَذَا الْمَعْنَى فَإِذَا وَقَعَ النِّزَاعُ فِي إطْلَاقِ اسْمِ التَّخْصِيصِ عَلَى مَا يَكُونُ بِغَيْرِ الْمُسْتَقِلِّ، أَوْ بِالْمُسْتَقِلِّ الْمُتَرَاخِي فَلَهُ أَنْ يَقُولَ قَصْرُ الْعَامِّ عَلَى بَعْضِ مُسَمَّيَاتِهِ شَائِعٌ فِيهِ بِمَعْنَى أَنَّ أَكْثَرَ الْعُمُومَاتِ مَقْصُورٌ عَلَى الْبَعْضِ فَيُورِثُ الشُّبْهَةَ فِي تَنَاوُلِ الْحُكْمِ لِجَمِيعِ الْأَفْرَادِ فِي الْعَامِّ سَوَاءٌ ظَهَرَ لَهُ مُخَصِّصٌ أَمْ لَا، وَيَصِيرُ دَلِيلًا عَلَى احْتِمَالِ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْبَعْضِ فَلَا يَكُونُ قَطْعِيًّا وَالْمُصَنِّفُ تَوَهَّمَ أَنَّ مُرَادَ الْخَصْمِ أَنَّ التَّخْصِيصَ شَائِعٌ فِي الْعَامِّ فَيُورِثُ الشُّبْهَةَ فِي تَنَاوُلِهِ لِجَمِيعِ مَا بَقِيَ بَعْدَ التَّخْصِيصِ كَمَا هُوَ الْمَذْهَبُ فِي الْعَامِّ الَّذِي خُصَّ مِنْهُ الْبَعْضُ فَلَا يَكُونُ قَطْعِيًّا، وَلِهَذَا قَالَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ التَّخْصِيصَ الَّذِي يُورِثُ شُبْهَةً فِي الْعَامِّ شَائِعٌ بِلَا قَرِينَةٍ، وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ التَّخْصِيصَ أَيْ: الْقَصْرَ عَلَى الْبَعْضِ شَائِعٌ كَثِيرًا فِي الْعُمُومِيَّاتِ بِالْقَرَائِنِ الْمُخَصِّصَةِ فَيُورِثُ شُبْهَةَ الْبَعْضِيَّةِ فِي كُلِّ عَامٍّ فَيَصِيرُ ظَنِّيًّا فِي الْجَمِيعِ وَحِينَئِذٍ لَا يَنْطَبِقُ الْجَوَابُ الْمَذْكُورُ عَلَيْهِ أَصْلًا وَلَا يَكُونُ لِقَوْلِهِ بِلَا قَرِينَةِ مَعْنًى، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ، وَإِنْ كَانَ الْمُخَصِّصُ هُوَ الْكَلَامُ، فَإِنْ كَانَ مُتَرَاخِيًا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ مُخَصِّصٌ لَا يَسْتَقِيمُ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِالْمُخَصِّصِ الْأَوَّلِ مَا أَرَادَهُ الْخَصْمُ، وَحِينَئِذٍ لَا فَائِدَةَ فِي مَنْعِ كَوْنِهِ مُخَصِّصًا بِالْمَعْنَى الْآخَرِ الْأَخَصِّ.
(قَوْلُهُ وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا) أَيْ: كَوْنُ الْعَامِّ
стр. 74
يَخُصُّ بِهِ، وَعِنْدَنَا يَثْبُتُ حُكْمُ التَّعَارُضِ فِي قَدْرِ مَا تَنَاوَلَاهُ وَإِنْ كَانَ الْعَامُّ مُتَأَخِّرًا يَنْسَخُ الْخَاصَّ عِنْدَنَا، وَإِنْ كَانَ الْخَاصُّ مُتَأَخِّرًا، فَإِنْ كَانَ مَوْصُولًا يَخُصُّهُ، فَإِنْ كَانَ مُتَرَاخِيًا يَنْسَخُهُ فِي ذَلِكَ الْقَدْرِ عِنْدَنَا) أَيْ: فِي الْقَدْرِ الَّذِي تَنَاوَلَهُ الْعَامُّ، وَالْخَاصُّ وَلَا يَكُونُ الْخَاصُّ نَاسِخًا لِلْعَامِّ بِالْكُلِّيَّةِ، بَلْ فِي
ــ
[التلويح]
قَطْعِيًّا عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فَإِنَّ تَعَارُضَ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ بِأَنْ يَدُلَّ أَحَدُهُمَا عَلَى ثُبُوتِ حُكْمٍ، وَالْآخَرُ عَلَى انْتِفَائِهِ، فَإِمَّا أَنْ يُعْلَمَ تَأَخُّرُ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ أَوْ لَا، فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ حُمِلَ عَلَى الْمُقَارَنَةِ، وَإِنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا فِي الْوَاقِعِ نَاسِخًا لِتَأَخُّرِهِ مُتَرَاخِيًا، وَالْآخَرُ مَنْسُوخًا لِتَقَدُّمِهِ، وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِالْجَوَازِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْخَاصُّ فِي الْوَاقِعِ مَوْصُولًا بِالْعَامِّ فَيَكُونَ مُخَصِّصًا لَا نَاسِخًا، وَإِذَا حُمِلَ عَلَى الْمُقَارَنَةِ فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُخَصُّ الْعَامُّ بِالْخَاصِّ فِي الْوَاقِعِ؛ لِأَنَّهُ ظَنِّيٌّ وَالْخَاصُّ قَطْعِيٌّ فَلَا يَثْبُتُ حُكْمُ التَّعَارُضِ وَعِنْدَنَا يَثْبُتُ حُكْمُ التَّعَارُضِ فِي الْقَدْرِ الَّذِي تَنَاوَلَهُ الْخَاصُّ، وَالْعَامُّ جَمِيعًا لَا فِي الْقَدْرِ الَّذِي تَفَرَّدَ الْعَامُّ بِتَنَاوُلِهِ فَإِنَّ حُكْمَهُ ثَابِتٌ بِلَا مُعَارِضٍ وَسَيَجِيءُ حُكْمُ تَعَارُضِ النَّصَّيْنِ عِنْدَ الْجَهْلِ بِالتَّارِيخِ مِثَالُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٤] الْآيَةَ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ﴾ [الطلاق: ٤] عَلَى رَأْيِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَيَثْبُتُ حُكْمُ التَّعَارُضِ فِي الْحَامِلِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا لَا فِي الْحَامِلِ الْمُطَلَّقَةِ، إذْ لَا يَتَنَاوَلُهَا الْأَوَّلُ، وَلَا فِي غَيْرِ الْحَامِلِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، إذْ لَا يَتَنَاوَلُهَا الثَّانِي، فَإِنْ قِيلَ: كُلٌّ مِنْ الْآيَتَيْنِ عَامٌّ قُلْنَا الْمُرَادُ بِالْخَاصِّ هَاهُنَا الْخَاصُّ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعَامِّ بِأَنْ يَتَنَاوَلَ بَعْضَ أَفْرَادِهِ كُلِّهَا سَوَاءٌ كَانَ خَاصًّا فِي نَفْسِهِ أَوْ عَامًّا مُتَنَاوِلًا لِشَيْءٍ آخَرَ فَيَكُونُ الْعُمُومُ، وَالْخُصُوصُ مِنْ وَجْهٍ كَمَا فِي الْمِثَالِ، أَوْ غَيْرَ مُتَنَاوِلٍ فَيَكُونُ الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ مُطْلَقًا كَمَا فِي اُقْتُلُوا الْكَافِرِينَ وَلَا تَقْتُلُوا أَهْلَ الذِّمَّةِ، فَإِنْ عُلِمَ التَّارِيخُ فَالْمُتَأَخِّرُ إمَّا الْعَامُّ وَإِمَّا الْخَاصُّ فَعَلَى الْأَوَّلِ الْعَامُّ نَاسِخٌ لِلْخَاصِّ، وَعَلَى الثَّانِي الْخَاصُّ مُخَصِّصٌ لِلْعَامِّ إنْ كَانَ مَوْصُولًا بِهِ وَنَاسِخٌ لَهُ فِي قَدْرِ مَا تَنَاوَلَاهُ إنْ كَانَ مُتَرَاخِيًا عَنْهُ كَمَا فِي الْآيَتَيْنِ عَلَى رَأْيِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ﴾ [الطلاق: ٤] مُتَرَاخٍ عَنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٤] فَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ عَامٌّ مِنْ وَجْهٍ، وَخَاصٌّ مِنْ وَجْهٍ يَكُونُ مِثَالًا لِتَأَخُّرِ الْعَامِّ عَنْ الْخَاصِّ وَعَكْسُهُ وَيَكُونُ نَاسِخًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٤] فِي حَقِّ الْحَامِلِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، فَإِنْ قُلْت انْتِسَاخُ الْخَاصِّ بِالْعَامِّ الْمُتَأَخِّرِ يَنْبَغِي أَيْضًا أَنْ يُقَيَّدَ بِقَدْرِ مَا تَنَاوَلَاهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْخَاصَّ يَجُوزُ أَنْ يَتَنَاوَلَ أَفْرَادًا لَا يَتَنَاوَلُهَا الْعَامُّ فَلَا يُنْسَخُ فِي حَقِّهَا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٤] فِي حَقِّ غَيْرِ الْحَامِلِ قُلْت هُوَ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ يَكُونُ عَامًّا لَا خَاصًّا، وَإِنَّمَا يَكُونُ خَاصًّا مِنْ حَيْثُ تَنَاوُلُهُ لِبَعْضِ أَفْرَادِ الْعَامِّ، فَالْخَاصُّ الْمُتَقَدِّمُ يُنْسَخُ بِالْعَامِّ فِي حَقِّ كُلِّ مَا تَنَاوَلَهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ خَاصٌّ فَلَا حَاجَةَ إلَى التَّقْيِيدِ وَإِنَّمَا يُحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ إذَا عُبِّرَ عَنْهُ بِالْعَامِّ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ عَامًّا مِنْ حَيْثُ
стр. 75
ذَلِكَ الْقَدْرِ فَقَطْ (حَتَّى لَا يَكُونَ الْعَامُّ عَامًّا مُخَصَّصًا) ، بَلْ يَكُونُ قَطْعِيًّا فِي الْبَاقِي لَا كَالْعَامِّ الَّذِي خُصَّ مِنْهُ الْبَعْضُ.
(فَصْلٌ: قَصْرُ الْعَامِّ عَلَى بَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ مُسْتَقِلٍّ) أَيْ: بِكَلَامٍ يَتَعَلَّقُ بِصَدْرِ الْكَلَامِ وَلَا يَكُونُ تَامًّا بِنَفْسِهِ، وَالْمُسْتَقِلُّ مَا لَا يَكُونُ كَذَلِكَ سَوَاءٌ كَانَ كَلَامًا أَوْ لَمْ يَكُنْ. (وَهُوَ) أَيْ: غَيْرُ الْمُسْتَقِلِّ. (الِاسْتِثْنَاءُ وَالشَّرْطُ وَالصِّفَةُ وَالْغَايَةُ) فَالِاسْتِثْنَاءُ يُوجِبُ قَصْرَ الْعَامِّ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِهِ، وَالشَّرْطُ يُوجِبُ قَصْرَ صَدْرِ الْكَلَامِ عَلَى بَعْضِ التَّقَادِيرِ، نَحْوَ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ، وَالصِّفَةُ تُوجِبُ الْقَصْرَ عَلَى مَا يُوجَدُ فِيهِ الصِّفَةُ، نَحْو: فِي الْإِبِلِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ، وَالْغَايَةُ تُوجِبُ الْقَصْرَ عَلَى الْبَعْضِ الَّذِي جَعَلَ الْغَايَةَ حَدًّا لَهُ، نَحْوَ قَوْله تَعَالَى ﴿أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وَنَحْوَ ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] . (أَوْ بِمُسْتَقِلٍّ وَهُوَ) أَيْ:
ــ
[التلويح]
تَنَاوُلُهُ لِلْخَاصِّ الْمُتَأَخِّرِ وَغَيْرِهِ.
(قَوْلُهُ حَتَّى لَا يَكُونَ) تَفْرِيعٌ عَلَى جَعْلِ الْخَاصِّ الْمُتَرَاخِي نَاسِخًا لَا مُخَصِّصًا يَعْنِي: يَكُونُ الْعَامُّ فِيمَا لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْخَاصُّ قَطْعِيًّا لَا ظَنِّيًّا كَمَا إذَا كَانَ الْخَاصُّ الْمُتَأَخِّرُ مَوْصُولًا بِهِ عَلَى مَا سَيَجِيءُ
[فَصْلٌ قَصْرُ الْعَامِّ عَلَى بَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ]
(قَوْلُهُ فَصْلُ قَصْرِ الْعَامِّ عَلَى بَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ) تَخْصِيصٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
وَأَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ وَهُوَ أَنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ مُسْتَقِلٍّ، أَوْ بِمُسْتَقِلٍّ وَالْأَوَّلُ لَيْسَ بِتَخْصِيصٍ، بَلْ إنْ كَانَ بِإِلَّا وَأَخَوَاتِهَا فَالِاسْتِثْنَاءُ وَإِلَّا، فَإِنْ كَانَ بِإِنْ وَمَا يُؤَدِّي مُؤَدَّاهَا فَشَرْطٌ وَإِلَّا، فَإِنْ كَانَ بِإِلَى وَمَا يُفِيدُ مَعْنَاهَا فَغَايَةٌ وَإِلَّا فَصِفَةٌ نَحْوُ «فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ الزَّكَاةُ» أَوْ غَيْرِهَا، نَحْوَ جَاءَنِي الْقَوْمُ أَكْثَرُهُمْ فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يَنْحَصِرُ فِي الْأَرْبَعَةِ وَالثَّانِي هُوَ التَّخْصِيصُ سَوَاءٌ كَانَ بِدَلَالَةِ اللَّفْظِ أَوْ الْعَقْلِ أَوْ الْحِسِّ أَوْ الْعَادَةِ أَوْ نُقْصَانِ بَعْضِ الْأَفْرَادِ أَوْ زِيَادَتِهِ، وَفُسِّرَ غَيْرُ الْمُسْتَقِلِّ بِكَلَامٍ يَتَعَلَّقُ بِصَدْرِ الْكَلَامِ وَلَا يَكُونُ تَامًّا بِنَفْسِهِ لَا يُقَالُ إنَّهُ غَيْرُ شَامِلٍ لِلشَّرْطِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى الْجَزَاءِ، وَالِاسْتِثْنَاءِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، نَحْوَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَمَا جَاءَنِي إلَّا زَيْدًا أَحَدٌ لِتَعَلُّقِهِمَا بِآخِرِ الْكَلَامِ لَا بِصَدْرِهِ وَلَا لِلْوَصْفِ بِالْجُمَلِ، نَحْوُ لَا تُكْرِمْ رَجُلًا أَبُوهُ جَاهِلٌ، وَالِاسْتِثْنَاءُ بِمِثْلِ لَيْسَ زَيْدًا وَلَا يَكُونُ زَيْدًا؛ لِأَنَّهُ كَلَامٌ تَامٌّ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْمُرَادُ بِصَدْرِ الْكَلَامِ مَا هُوَ مُتَقَدِّمٌ فِي الِاعْتِبَارِ سَوَاءٌ قُدِّمَ فِي الذِّكْرِ أَوْ أُخِّرَ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ الشَّيْءِ أَوَّلًا، ثُمَّ إخْرَاجُ الْبَعْضِ مِنْهُ أَوْ تَعْلِيقُهُ وَقَصْرُهُ عَلَى بَعْضِ التَّقَادِيرِ، وَالْمُرَادُ بِالْكَلَامِ الْغَيْرِ التَّامِّ مَا لَا يُفِيدُ الْمَعْنَى لَوْ ذُكِرَ مُنْفَرِدًا، وَالْجُمَلُ الْوَصْفِيَّةُ وَالِاسْتِثْنَاءُ بِمِثْلِ لَيْسَ زَيْدًا وَلَا يَكُونُ زَيْدًا كَذَلِكَ لِاحْتِيَاجِهَا إلَى مَرْجِعِ الضَّمِيرِ، فَإِنْ قُلْت لَا مَعْنَى لِلْقَصْرِ إلَّا ثُبُوتَ الْحُكْمِ لِلْبَعْضِ، وَنَفْيَهُ عَنْ الْبَعْضِ، وَهَذَا قَوْلٌ بِمَفْهُومِ الصِّفَةِ وَالشَّرْطِ وَهُوَ خِلَافُ الْمَذْهَبِ قُلْت، بَلْ الْمُرَادُ هَاهُنَا يَدُلُّ عَلَى الْحُكْمِ فِي الْبَعْضِ وَلَا يَدُلُّ فِي الْبَعْضِ الْآخَرِ لَا نَفْيًا وَلَا إثْبَاتًا حَتَّى
следующие страницы →