← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 9508

التلويح على التوضيح لمتن التنقيح

السعد التفتازاني

Полный текст (833 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

مَنْ شَاءَ بَاهَلْتُهُ أَنَّ سُورَةَ النِّسَاءِ الْقُصْرَى نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ النِّسَاءِ الطُّولَى، وَقَوْلُهُ ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] نَزَلَتْ بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] فَقَوْلُهُ يَتَرَبَّصْنَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عِدَّةَ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا بِالْأَشْهُرِ سَوَاءٌ كَانَتْ حَامِلًا أَوْ لَا، وَقَوْلُهُ ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ﴾ [الطلاق: ٤] يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عِدَّةَ الْحَامِلِ بِوَضْعِ الْحَمْلِ سَوَاءٌ تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، أَوْ طَلَّقَهَا فَجَعَلَ قَوْلَهُ ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] نَاسِخًا لِقَوْلِهِ ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فِي مِقْدَارِ مَا تَنَاوَلَهُ الْآيَتَانِ وَهُوَ مَا إذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا وَتَكُونُ حَامِلًا. (وَذَلِكَ عَامٌّ كُلُّهُ) أَيْ: النُّصُوصُ الْأَرْبَعَةُ الَّتِي تَمَسَّكَ بِهَا عَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ وَالْعِدَّةِ. (لَكِنْ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هُوَ دَلِيلٌ فِيهِ شُبْهَةٌ فَيَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ) أَيْ: تَخْصِيصُ عَامِّ الْكِتَابِ بِكُلِّ ــ [التلويح] غَيْرِ الْحَامِلِ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ لَا يَكُونُ مَنْسُوخًا. قَوْلُهُ (لَكِنْ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀) قَدْ سَبَقَ أَنَّ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْعَامَّ يُوجِبُ الْحُكْمَ فِيمَا يَتَنَاوَلُهُ مِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّ مُوجِبَهُ ظَنِّيٌّ، وَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ قَطْعِيٌّ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ احْتِمَالًا نَاشِئًا عَنْ الدَّلِيلِ تَمَسَّكَ الْفَرِيقُ الْأَوَّلُ بِأَنَّ كُلَّ عَامٍّ يَحْتَمِلُ التَّخْصِيصَ، وَالتَّخْصِيصُ شَائِعٌ فِيهِ كَثِيرٌ بِمَعْنَى أَنَّ الْعَامَّ لَا يَخْلُو عَنْهُ إلَّا قَلِيلًا بِمَعُونَةِ الْقَرَائِنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٥] ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٠٩] حَتَّى صَارَ بِمَنْزِلَةِ الْمَثَلِ أَنَّهُ مَا مِنْ عَامٍّ إلَّا وَقَدْ خُصَّ مِنْهُ الْبَعْضُ، وَكَفَى بِهَذَا دَلِيلًا عَلَى الِاحْتِمَالِ، وَهَذَا بِخِلَافِ احْتِمَالِ الْخَاصِّ الْمَجَازَ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِشَائِعٍ فِي الْخَاصِّ شُيُوعَ التَّخْصِيصِ فِي الْعَامِّ حَتَّى يَنْشَأَ عَنْهُ احْتِمَالُ الْمَجَازِ فِي الْخَاصِّ، فَإِنْ قِيلَ، بَلْ لَا مَعْنَى لِاحْتِمَالِ الْمَجَازِ عِنْدَ عَدَمِ الْقَرِينَةِ الْمَانِعَةِ؛ لِأَنَّ وُجُودَ الْقَرِينَةِ الْمَانِعَةِ عَنْ إرَادَةِ الْمَوْضُوعِ لَهُ مَأْخُوذٌ فِي تَعْرِيفِ الْمَجَازِ. قُلْنَا احْتِمَالُ الْقَرِينَةِ كَافٍ فِي احْتِمَالِ الْمَجَازِ وَهُوَ قَائِمٌ، إذْ لَا قَطْعَ بِعَدَمِ الْقَرِينَةِ إلَّا نَادِرًا، وَلَمَّا كَانَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ أَنَّ مُوجِبَ الْعَامِّ قَطْعِيٌّ اسْتَدَلَّ عَلَى إثْبَاتِهِ أَوَّلًا وَعَلَى بُطْلَانِ مَذْهَبِ الْمُخَالِفِ ثَانِيًا وَأَجَابَ عَنْ تَمَسُّكِهِ ثَالِثًا. أَمَّا الْأَوَّلُ فَتَقْرِيرُهُ أَنَّ اللَّفْظَ إذَا وُضِعَ لِمَعْنًى كَانَ ذَلِكَ الْمَعْنَى لَازِمًا ثَابِتًا بِذَلِكَ اللَّفْظِ عِنْدَ إطْلَاقِهِ حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى خِلَافِهِ وَالْعُمُومُ مِمَّا وُضِعَ لَهُ اللَّفْظُ فَكَانَ لَازِمًا قَطْعًا حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ الْخُصُوصِ كَالْخَاصِّ يَثْبُتُ مُسَمَّاهُ قَطْعًا حَتَّى يَقُومَ دَلِيلُ الْمَجَازِ. وَأَمَّا الثَّانِي فَتَقْرِيرُهُ أَنَّهُ لَوْ جَازَ إرَادَةُ بَعْضِ مُسَمَّيَاتِ الْعَامِّ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ لَارْتَفَعَ الْأَمَانُ عَنْ اللُّغَةِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا وَقَعَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مِنْ الْأَلْفَاظِ الْعَامَّةِ يَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ فَلَا يَسْتَقِيمُ مَا يَفْهَمُ السَّامِعُونَ مِنْ الْعُمُومِ وَعَنْ الشَّارِعِ؛ لِأَنَّ عَامَّةَ خِطَابَاتِ الشَّرْعِ عَامَّةٌ فَلَوْ جَوَّزْنَا إرَادَةَ الْبَعْضِ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ لَمَا صَحَّ مِنَّا فَهْمُ الْأَحْكَامِ بِصِيغَةِ الْعُمُومِ وَلَمَا اسْتَقَامَ مِنَّا الْحُكْمُ بِعِتْقِ جَمِيعِ عَبِيدِ مَنْ قَالَ كُلُّ عَبْدٍ لِي فَهُوَ حُرٌّ، وَهَذَا يُؤَدِّي إلَى التَّلْبِيسِ

стр. 72

وَاحِدٍ مِنْ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ. (لِأَنَّ كُلَّ عَامٍّ يَحْتَمِلُ التَّخْصِيصَ وَهُوَ شَائِعٌ فِيهِ) أَيْ: التَّخْصِيصُ شَائِعٌ فِي الْعَامِّ (وَعِنْدَنَا هُوَ قَطْعِيٌّ مُسَاوٍ لِلْخَاصِّ وَسَيَجِيءُ مَعْنَى الْقَطْعِيِّ فَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا لَمْ يُخَصَّ بِقَطْعِيٍّ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ مَتَى وُضِعَ لِمَعْنًى كَانَ ذَلِكَ الْمَعْنَى لَازِمًا لَهُ إلَّا أَنْ تَدُلَّ الْقَرِينَةُ عَلَى خِلَافِهِ، وَلَوْ جَازَ إرَادَةُ الْبَعْضِ بِلَا قَرِينَةٍ يَرْتَفِعُ الْأَمَانُ عَنْ اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ بِالْكُلِّيَّةِ؛ لِأَنَّ خِطَابَاتِ الشَّرْعِ عَامَّةٌ وَالِاحْتِمَالُ الْغَيْرُ النَّاشِئُ عَنْ دَلِيلٍ لَا يُعْتَبَرُ، فَاحْتِمَالُ الْخُصُوصِ هُنَا كَاحْتِمَالِ الْمَجَازِ فِي الْخَاصِّ فَالتَّأْكِيدُ يَجْعَلُهُ مُحْكَمًا) هَذَا جَوَابٌ عَمَّا قَالَهُ الْوَاقِفِيَّةُ أَنَّهُ مُؤَكَّدٌ بِكُلٍّ أَوْ أَجْمَعَ وَأَيْضًا جَوَابٌ عَمَّا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ ﵀ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ التَّخْصِيصَ، فَنَقُولُ نَحْنُ لَا نَدَّعِي أَنَّ الْعَامَّ لَا احْتِمَالَ فِيهِ أَصْلًا، فَاحْتِمَالُ التَّخْصِيصِ فِيهِ كَاحْتِمَالِ الْمَجَازِ فِي الْخَاصِّ، فَإِذَا أُكِّدَ يَصِيرُ مُحْكَمًا أَيْ: لَا يَبْقَى فِيهِ احْتِمَالٌ أَصْلًا لَا نَاشِئٌ عَنْ دَلِيلٍ وَلَا غَيْرُ نَاشِئٍ عَنْ ــ [التلويح] عَلَى السَّامِعِ وَتَكْلِيفِهِ بِالْمُحَالِ، فَإِنْ قِيلَ لَمَّا لَمْ يُكَلِّفْنَا اللَّهُ مَا لَيْسَ فِي الْوُسْعِ سَقَطَ اعْتِبَارُ الْإِرَادَةِ الْبَاطِنَةِ فِي حَقِّ الْعَمَلِ فَلَزِمَنَا الْعَمَلُ بِالْعُمُومِ الظَّاهِرِ لَكِنَّهَا بَقِيَتْ فِي حَقِّ الْعِلْمِ فَلَمْ يَلْزَمْنَا الِاعْتِقَادُ الْقَطْعِيُّ، وَمَعَ الْقَوْلِ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ بِالْعُمُومِ الظَّاهِرِ لَا يَرْتَفِعُ الْأَمَانُ قُلْنَا لَمَّا كَانَ التَّكْلِيفُ بِحَسَبِ الْوُسْعِ وَلَيْسَ فِي وُسْعِنَا الْوُقُوفُ عَلَى الْبَاطِنِ لَمْ تُعْتَبَرْ الْإِرَادَةُ الْبَاطِنَةُ فِي حَقِّنَا لَا عِلْمًا وَلَا عَمَلًا، وَأُقِيمَ السَّبَبُ الظَّاهِرُ مَقَامَ الْبَاطِلِ تَيْسِيرًا، وَبَقِيَ مَا يُفْهَمُ مِنْ الْعُمُومِ الظَّاهِرِ قَطْعِيًّا، وَقَدْ يُقَالُ إنَّ الْعِلْمَ عَمَلُ الْقَلْبِ وَهُوَ الْأَصْلُ وَلَمَّا لَمْ تُعْتَبَرْ الْإِرَادَةُ الْبَاطِنَةُ فِي حَقِّ التَّبَعِ وَهُوَ الْعَمَلُ فَأَوْلَى أَنْ لَا تُعْتَبَرَ فِي حَقِّ الْأَصْلِ وَهُوَ الْعِلْمُ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ يُنْتَقَضُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ؛ وَلِأَنَّ عَدَمَ اعْتِبَارِهَا فِي حَقِّ التَّبَعِ احْتِيَاطٌ، وَذَلِكَ فِي حَقِّ الْعَمَلِ دُونَ الْعِلْمِ؛ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ أَقْوَى مِنْ التَّبَعِ فَيَجُوزُ أَنْ لَا يَقْوَى مُثْبِتُ التَّبَعِ عَلَى إثْبَاتِ الْأَصْلِ. وَأَمَّا الثَّالِثُ وَهُوَ الْجَوَابُ عَنْ تَمَسُّكِ الْمُخَالِفِ فَقَدْ ذَكَرَهُ عَلَى وَجْهٍ يَسْتَتْبِعُ الْجَوَابَ عَنْ اسْتِدْلَالِ الْقَائِلِينَ بِالتَّوَقُّفِ فِي الْعُمُومِ بِأَنَّهُ يُؤَكَّدُ بِكُلٍّ وَأَجْمَعِينَ، وَتَقْرِيرُهُ أَنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِاحْتِمَالِ الْعَامِّ التَّخْصِيصَ مُطْلَقُ الِاحْتِمَالِ فَهُوَ لَا يُنَافِي الْقَطْعَ بِالْمَعْنَى الْمُرَادِ، وَهُوَ عَدَمُ الِاحْتِمَالِ النَّاشِئِ عَنْ الدَّلِيلِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَامُّ قَطْعِيًّا مَعَ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْخُصُوصَ احْتِمَالًا غَيْرَ نَاشِئٍ عَنْ الدَّلِيلِ كَمَا أَنَّ الْخَاصَّ قَطْعِيٌّ مَعَ احْتِمَالِ الْمَجَازِ كَذَلِكَ فَيُؤَكَّدُ الْعَامُّ بِكُلٍّ وَأَجْمَعِينَ لِيَصِيرَ مُحْكَمًا وَلَا يَبْقَى فِيهِ احْتِمَالُ الْخُصُوصِ أَصْلًا كَمَا يُؤَكَّدُ الْخَاصُّ فِي مِثْلِ جَاءَنِي زَيْدٌ نَفْسُهُ أَوْ عَيْنُهُ لِدَفْعِ احْتِمَالِ الْمَجَازِ بِأَنْ يَجِيءَ رَسُولُهُ أَوْ كِتَابُهُ، وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ التَّخْصِيصَ احْتِمَالًا نَاشِئًا عَنْ دَلِيلٍ فَهُوَ مَمْنُوعٌ. (قَوْلُهُ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ شَائِعٌ فِيهِ) وَهُوَ دَلِيلُ الِاحْتِمَالِ قُلْنَا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ التَّخْصِيصَ الَّذِي يُورِثُ الشُّبْهَةَ وَالِاحْتِمَالُ شَائِعٌ فِيهِ، بَلْ هُوَ فِي غَايَةِ

стр. 73

دَلِيلٍ، فَإِنْ قِيلَ احْتِمَالُ الْمَجَازِ الَّذِي فِي الْخَاصِّ ثَابِتٌ فِي الْعَامِّ مَعَ احْتِمَالٍ آخَرَ، وَهُوَ احْتِمَالُ التَّخْصِيصِ فَيَكُونُ الْخَاصُّ رَاجِحًا فَالْخَاصُّ كَالنَّصِّ وَالْعَامُّ كَالظَّاهِرِ، قُلْنَا: لَمَّا كَانَ الْعَامُّ مَوْضُوعًا لِلْكُلِّ كَانَ إرَادَةُ الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ، وَكَثْرَةُ احْتِمَالَاتِ الْمَجَازِ لَا اعْتِبَارَ لَهَا فَإِذَا كَانَ لَفْظٌ خَاصٍّ لَهُ مَعْنًى وَاحِدٌ مَجَازِيٌّ، وَلَفْظٌ خَاصٌّ آخَرُ لَهُ مَعْنَيَانِ مَجَازِيَّانِ أَوْ أَكْثَرُ وَلَا قَرِينَةَ لِلْمَجَازِ أَصْلًا، فَإِنَّ اللَّفْظَيْنِ مُتَسَاوِيَانِ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ بِلَا تَرْجِيحِ الْأَوَّلِ عَلَى الثَّانِي فَعُلِمَ أَنَّ احْتِمَالَ الْمَجَازِ الْوَاحِدِ الَّذِي لَا قَرِينَةَ لَهُ مُسَاوٍ لِاحْتِمَالِ مَجَازَاتٍ كَثِيرَةٍ لَا قَرِينَةَ لَهَا، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ التَّخْصِيصَ الَّذِي يُورِثُ شُبْهَةً فِي الْعَامِّ شَائِعٌ بِلَا قَرِينَةٍ فَإِنَّ الْمُخَصِّصَ إذَا كَانَ هُوَ الْعَقْلُ أَوْ نَحْوَهُ فَهُوَ فِي حُكْمِ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى مَا يَأْتِي، وَلَا يُورِثُ شُبْهَةً فَإِنَّ كُلَّ مَا يُوجِبُ الْعَقْلَ كَوْنُهُ غَيْرَ دَاخِلٍ لَا يَدْخُلُ وَمَا سِوَى ذَلِكَ يَدْخُلُ تَحْتَ الْعَامِّ وَإِنْ كَانَ الْمُخَصِّصُ هُوَ الْكَلَامُ، فَإِنْ كَانَ مُتَرَاخِيًا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ مُخَصِّصٌ، بَلْ هُوَ نَاسِخٌ. بَقِيَ الْكَلَامُ فِي الْمُخَصِّصِ الَّذِي لَا يَكُونُ مَوْصُولًا وَقَلِيلٌ مَا هُوَ. (وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ تَعَارُضَ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ، فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ التَّارِيخُ حُمِلَ عَلَى الْمُقَارَنَةِ) مَعَ أَنَّ فِي الْوَاقِعِ أَحَدَهُمَا نَاسِخٌ، وَالْآخَرَ مَنْسُوخٌ لَكِنْ لَمَّا جَهِلْنَا النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ حَمَلْنَا عَلَى الْمُقَارَنَةِ وَإِلَّا يَلْزَمُ التَّرْجِيحُ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ. (فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ ــ [التلويح] الْقِلَّةِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ بِكَلَامٍ مُسْتَقِلٍّ مَوْصُولٍ بِالْعَامِّ عَلَى مَا سَيَأْتِي، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ مُرَادَ الْخَصْمِ بِالتَّخْصِيصِ قَصْرُ الْعَامِّ عَلَى بَعْضِ الْمُسَمَّيَاتِ سَوَاءٌ كَانَ بِغَيْرِ مُسْتَقِلٍّ أَوْ بِمُسْتَقِلٍّ مَوْصُولٍ أَوْ مُتَرَاخٍ، وَلَا شَكَّ فِي شُيُوعِهِ وَكَثْرَتِهِ بِهَذَا الْمَعْنَى فَإِذَا وَقَعَ النِّزَاعُ فِي إطْلَاقِ اسْمِ التَّخْصِيصِ عَلَى مَا يَكُونُ بِغَيْرِ الْمُسْتَقِلِّ، أَوْ بِالْمُسْتَقِلِّ الْمُتَرَاخِي فَلَهُ أَنْ يَقُولَ قَصْرُ الْعَامِّ عَلَى بَعْضِ مُسَمَّيَاتِهِ شَائِعٌ فِيهِ بِمَعْنَى أَنَّ أَكْثَرَ الْعُمُومَاتِ مَقْصُورٌ عَلَى الْبَعْضِ فَيُورِثُ الشُّبْهَةَ فِي تَنَاوُلِ الْحُكْمِ لِجَمِيعِ الْأَفْرَادِ فِي الْعَامِّ سَوَاءٌ ظَهَرَ لَهُ مُخَصِّصٌ أَمْ لَا، وَيَصِيرُ دَلِيلًا عَلَى احْتِمَالِ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْبَعْضِ فَلَا يَكُونُ قَطْعِيًّا وَالْمُصَنِّفُ تَوَهَّمَ أَنَّ مُرَادَ الْخَصْمِ أَنَّ التَّخْصِيصَ شَائِعٌ فِي الْعَامِّ فَيُورِثُ الشُّبْهَةَ فِي تَنَاوُلِهِ لِجَمِيعِ مَا بَقِيَ بَعْدَ التَّخْصِيصِ كَمَا هُوَ الْمَذْهَبُ فِي الْعَامِّ الَّذِي خُصَّ مِنْهُ الْبَعْضُ فَلَا يَكُونُ قَطْعِيًّا، وَلِهَذَا قَالَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ التَّخْصِيصَ الَّذِي يُورِثُ شُبْهَةً فِي الْعَامِّ شَائِعٌ بِلَا قَرِينَةٍ، وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ التَّخْصِيصَ أَيْ: الْقَصْرَ عَلَى الْبَعْضِ شَائِعٌ كَثِيرًا فِي الْعُمُومِيَّاتِ بِالْقَرَائِنِ الْمُخَصِّصَةِ فَيُورِثُ شُبْهَةَ الْبَعْضِيَّةِ فِي كُلِّ عَامٍّ فَيَصِيرُ ظَنِّيًّا فِي الْجَمِيعِ وَحِينَئِذٍ لَا يَنْطَبِقُ الْجَوَابُ الْمَذْكُورُ عَلَيْهِ أَصْلًا وَلَا يَكُونُ لِقَوْلِهِ بِلَا قَرِينَةِ مَعْنًى، ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ، وَإِنْ كَانَ الْمُخَصِّصُ هُوَ الْكَلَامُ، فَإِنْ كَانَ مُتَرَاخِيًا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ مُخَصِّصٌ لَا يَسْتَقِيمُ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِالْمُخَصِّصِ الْأَوَّلِ مَا أَرَادَهُ الْخَصْمُ، وَحِينَئِذٍ لَا فَائِدَةَ فِي مَنْعِ كَوْنِهِ مُخَصِّصًا بِالْمَعْنَى الْآخَرِ الْأَخَصِّ. (قَوْلُهُ وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا) أَيْ: كَوْنُ الْعَامِّ

стр. 74

يَخُصُّ بِهِ، وَعِنْدَنَا يَثْبُتُ حُكْمُ التَّعَارُضِ فِي قَدْرِ مَا تَنَاوَلَاهُ وَإِنْ كَانَ الْعَامُّ مُتَأَخِّرًا يَنْسَخُ الْخَاصَّ عِنْدَنَا، وَإِنْ كَانَ الْخَاصُّ مُتَأَخِّرًا، فَإِنْ كَانَ مَوْصُولًا يَخُصُّهُ، فَإِنْ كَانَ مُتَرَاخِيًا يَنْسَخُهُ فِي ذَلِكَ الْقَدْرِ عِنْدَنَا) أَيْ: فِي الْقَدْرِ الَّذِي تَنَاوَلَهُ الْعَامُّ، وَالْخَاصُّ وَلَا يَكُونُ الْخَاصُّ نَاسِخًا لِلْعَامِّ بِالْكُلِّيَّةِ، بَلْ فِي ــ [التلويح] قَطْعِيًّا عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فَإِنَّ تَعَارُضَ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ بِأَنْ يَدُلَّ أَحَدُهُمَا عَلَى ثُبُوتِ حُكْمٍ، وَالْآخَرُ عَلَى انْتِفَائِهِ، فَإِمَّا أَنْ يُعْلَمَ تَأَخُّرُ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ أَوْ لَا، فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ حُمِلَ عَلَى الْمُقَارَنَةِ، وَإِنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا فِي الْوَاقِعِ نَاسِخًا لِتَأَخُّرِهِ مُتَرَاخِيًا، وَالْآخَرُ مَنْسُوخًا لِتَقَدُّمِهِ، وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِالْجَوَازِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْخَاصُّ فِي الْوَاقِعِ مَوْصُولًا بِالْعَامِّ فَيَكُونَ مُخَصِّصًا لَا نَاسِخًا، وَإِذَا حُمِلَ عَلَى الْمُقَارَنَةِ فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُخَصُّ الْعَامُّ بِالْخَاصِّ فِي الْوَاقِعِ؛ لِأَنَّهُ ظَنِّيٌّ وَالْخَاصُّ قَطْعِيٌّ فَلَا يَثْبُتُ حُكْمُ التَّعَارُضِ وَعِنْدَنَا يَثْبُتُ حُكْمُ التَّعَارُضِ فِي الْقَدْرِ الَّذِي تَنَاوَلَهُ الْخَاصُّ، وَالْعَامُّ جَمِيعًا لَا فِي الْقَدْرِ الَّذِي تَفَرَّدَ الْعَامُّ بِتَنَاوُلِهِ فَإِنَّ حُكْمَهُ ثَابِتٌ بِلَا مُعَارِضٍ وَسَيَجِيءُ حُكْمُ تَعَارُضِ النَّصَّيْنِ عِنْدَ الْجَهْلِ بِالتَّارِيخِ مِثَالُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٤] الْآيَةَ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ﴾ [الطلاق: ٤] عَلَى رَأْيِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَيَثْبُتُ حُكْمُ التَّعَارُضِ فِي الْحَامِلِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا لَا فِي الْحَامِلِ الْمُطَلَّقَةِ، إذْ لَا يَتَنَاوَلُهَا الْأَوَّلُ، وَلَا فِي غَيْرِ الْحَامِلِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، إذْ لَا يَتَنَاوَلُهَا الثَّانِي، فَإِنْ قِيلَ: كُلٌّ مِنْ الْآيَتَيْنِ عَامٌّ قُلْنَا الْمُرَادُ بِالْخَاصِّ هَاهُنَا الْخَاصُّ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعَامِّ بِأَنْ يَتَنَاوَلَ بَعْضَ أَفْرَادِهِ كُلِّهَا سَوَاءٌ كَانَ خَاصًّا فِي نَفْسِهِ أَوْ عَامًّا مُتَنَاوِلًا لِشَيْءٍ آخَرَ فَيَكُونُ الْعُمُومُ، وَالْخُصُوصُ مِنْ وَجْهٍ كَمَا فِي الْمِثَالِ، أَوْ غَيْرَ مُتَنَاوِلٍ فَيَكُونُ الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ مُطْلَقًا كَمَا فِي اُقْتُلُوا الْكَافِرِينَ وَلَا تَقْتُلُوا أَهْلَ الذِّمَّةِ، فَإِنْ عُلِمَ التَّارِيخُ فَالْمُتَأَخِّرُ إمَّا الْعَامُّ وَإِمَّا الْخَاصُّ فَعَلَى الْأَوَّلِ الْعَامُّ نَاسِخٌ لِلْخَاصِّ، وَعَلَى الثَّانِي الْخَاصُّ مُخَصِّصٌ لِلْعَامِّ إنْ كَانَ مَوْصُولًا بِهِ وَنَاسِخٌ لَهُ فِي قَدْرِ مَا تَنَاوَلَاهُ إنْ كَانَ مُتَرَاخِيًا عَنْهُ كَمَا فِي الْآيَتَيْنِ عَلَى رَأْيِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ﴾ [الطلاق: ٤] مُتَرَاخٍ عَنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٤] فَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ عَامٌّ مِنْ وَجْهٍ، وَخَاصٌّ مِنْ وَجْهٍ يَكُونُ مِثَالًا لِتَأَخُّرِ الْعَامِّ عَنْ الْخَاصِّ وَعَكْسُهُ وَيَكُونُ نَاسِخًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٤] فِي حَقِّ الْحَامِلِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، فَإِنْ قُلْت انْتِسَاخُ الْخَاصِّ بِالْعَامِّ الْمُتَأَخِّرِ يَنْبَغِي أَيْضًا أَنْ يُقَيَّدَ بِقَدْرِ مَا تَنَاوَلَاهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْخَاصَّ يَجُوزُ أَنْ يَتَنَاوَلَ أَفْرَادًا لَا يَتَنَاوَلُهَا الْعَامُّ فَلَا يُنْسَخُ فِي حَقِّهَا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٤] فِي حَقِّ غَيْرِ الْحَامِلِ قُلْت هُوَ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ يَكُونُ عَامًّا لَا خَاصًّا، وَإِنَّمَا يَكُونُ خَاصًّا مِنْ حَيْثُ تَنَاوُلُهُ لِبَعْضِ أَفْرَادِ الْعَامِّ، فَالْخَاصُّ الْمُتَقَدِّمُ يُنْسَخُ بِالْعَامِّ فِي حَقِّ كُلِّ مَا تَنَاوَلَهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ خَاصٌّ فَلَا حَاجَةَ إلَى التَّقْيِيدِ وَإِنَّمَا يُحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ إذَا عُبِّرَ عَنْهُ بِالْعَامِّ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ عَامًّا مِنْ حَيْثُ

стр. 75

ذَلِكَ الْقَدْرِ فَقَطْ (حَتَّى لَا يَكُونَ الْعَامُّ عَامًّا مُخَصَّصًا) ، بَلْ يَكُونُ قَطْعِيًّا فِي الْبَاقِي لَا كَالْعَامِّ الَّذِي خُصَّ مِنْهُ الْبَعْضُ. (فَصْلٌ: قَصْرُ الْعَامِّ عَلَى بَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ مُسْتَقِلٍّ) أَيْ: بِكَلَامٍ يَتَعَلَّقُ بِصَدْرِ الْكَلَامِ وَلَا يَكُونُ تَامًّا بِنَفْسِهِ، وَالْمُسْتَقِلُّ مَا لَا يَكُونُ كَذَلِكَ سَوَاءٌ كَانَ كَلَامًا أَوْ لَمْ يَكُنْ. (وَهُوَ) أَيْ: غَيْرُ الْمُسْتَقِلِّ. (الِاسْتِثْنَاءُ وَالشَّرْطُ وَالصِّفَةُ وَالْغَايَةُ) فَالِاسْتِثْنَاءُ يُوجِبُ قَصْرَ الْعَامِّ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِهِ، وَالشَّرْطُ يُوجِبُ قَصْرَ صَدْرِ الْكَلَامِ عَلَى بَعْضِ التَّقَادِيرِ، نَحْوَ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ، وَالصِّفَةُ تُوجِبُ الْقَصْرَ عَلَى مَا يُوجَدُ فِيهِ الصِّفَةُ، نَحْو: فِي الْإِبِلِ السَّائِمَةِ زَكَاةٌ، وَالْغَايَةُ تُوجِبُ الْقَصْرَ عَلَى الْبَعْضِ الَّذِي جَعَلَ الْغَايَةَ حَدًّا لَهُ، نَحْوَ قَوْله تَعَالَى ﴿أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وَنَحْوَ ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] . (أَوْ بِمُسْتَقِلٍّ وَهُوَ) أَيْ: ــ [التلويح] تَنَاوُلُهُ لِلْخَاصِّ الْمُتَأَخِّرِ وَغَيْرِهِ. (قَوْلُهُ حَتَّى لَا يَكُونَ) تَفْرِيعٌ عَلَى جَعْلِ الْخَاصِّ الْمُتَرَاخِي نَاسِخًا لَا مُخَصِّصًا يَعْنِي: يَكُونُ الْعَامُّ فِيمَا لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْخَاصُّ قَطْعِيًّا لَا ظَنِّيًّا كَمَا إذَا كَانَ الْخَاصُّ الْمُتَأَخِّرُ مَوْصُولًا بِهِ عَلَى مَا سَيَجِيءُ [فَصْلٌ قَصْرُ الْعَامِّ عَلَى بَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ] (قَوْلُهُ فَصْلُ قَصْرِ الْعَامِّ عَلَى بَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ) تَخْصِيصٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. وَأَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ وَهُوَ أَنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ مُسْتَقِلٍّ، أَوْ بِمُسْتَقِلٍّ وَالْأَوَّلُ لَيْسَ بِتَخْصِيصٍ، بَلْ إنْ كَانَ بِإِلَّا وَأَخَوَاتِهَا فَالِاسْتِثْنَاءُ وَإِلَّا، فَإِنْ كَانَ بِإِنْ وَمَا يُؤَدِّي مُؤَدَّاهَا فَشَرْطٌ وَإِلَّا، فَإِنْ كَانَ بِإِلَى وَمَا يُفِيدُ مَعْنَاهَا فَغَايَةٌ وَإِلَّا فَصِفَةٌ نَحْوُ «فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ الزَّكَاةُ» أَوْ غَيْرِهَا، نَحْوَ جَاءَنِي الْقَوْمُ أَكْثَرُهُمْ فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يَنْحَصِرُ فِي الْأَرْبَعَةِ وَالثَّانِي هُوَ التَّخْصِيصُ سَوَاءٌ كَانَ بِدَلَالَةِ اللَّفْظِ أَوْ الْعَقْلِ أَوْ الْحِسِّ أَوْ الْعَادَةِ أَوْ نُقْصَانِ بَعْضِ الْأَفْرَادِ أَوْ زِيَادَتِهِ، وَفُسِّرَ غَيْرُ الْمُسْتَقِلِّ بِكَلَامٍ يَتَعَلَّقُ بِصَدْرِ الْكَلَامِ وَلَا يَكُونُ تَامًّا بِنَفْسِهِ لَا يُقَالُ إنَّهُ غَيْرُ شَامِلٍ لِلشَّرْطِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى الْجَزَاءِ، وَالِاسْتِثْنَاءِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، نَحْوَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَمَا جَاءَنِي إلَّا زَيْدًا أَحَدٌ لِتَعَلُّقِهِمَا بِآخِرِ الْكَلَامِ لَا بِصَدْرِهِ وَلَا لِلْوَصْفِ بِالْجُمَلِ، نَحْوُ لَا تُكْرِمْ رَجُلًا أَبُوهُ جَاهِلٌ، وَالِاسْتِثْنَاءُ بِمِثْلِ لَيْسَ زَيْدًا وَلَا يَكُونُ زَيْدًا؛ لِأَنَّهُ كَلَامٌ تَامٌّ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْمُرَادُ بِصَدْرِ الْكَلَامِ مَا هُوَ مُتَقَدِّمٌ فِي الِاعْتِبَارِ سَوَاءٌ قُدِّمَ فِي الذِّكْرِ أَوْ أُخِّرَ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ الشَّيْءِ أَوَّلًا، ثُمَّ إخْرَاجُ الْبَعْضِ مِنْهُ أَوْ تَعْلِيقُهُ وَقَصْرُهُ عَلَى بَعْضِ التَّقَادِيرِ، وَالْمُرَادُ بِالْكَلَامِ الْغَيْرِ التَّامِّ مَا لَا يُفِيدُ الْمَعْنَى لَوْ ذُكِرَ مُنْفَرِدًا، وَالْجُمَلُ الْوَصْفِيَّةُ وَالِاسْتِثْنَاءُ بِمِثْلِ لَيْسَ زَيْدًا وَلَا يَكُونُ زَيْدًا كَذَلِكَ لِاحْتِيَاجِهَا إلَى مَرْجِعِ الضَّمِيرِ، فَإِنْ قُلْت لَا مَعْنَى لِلْقَصْرِ إلَّا ثُبُوتَ الْحُكْمِ لِلْبَعْضِ، وَنَفْيَهُ عَنْ الْبَعْضِ، وَهَذَا قَوْلٌ بِمَفْهُومِ الصِّفَةِ وَالشَّرْطِ وَهُوَ خِلَافُ الْمَذْهَبِ قُلْت، بَلْ الْمُرَادُ هَاهُنَا يَدُلُّ عَلَى الْحُكْمِ فِي الْبَعْضِ وَلَا يَدُلُّ فِي الْبَعْضِ الْآخَرِ لَا نَفْيًا وَلَا إثْبَاتًا حَتَّى

стр. 76

الْقَصْرُ بِمُسْتَقِلٍّ (التَّخْصِيصُ وَهُوَ إمَّا بِالْكَلَامِ أَوْ غَيْرِهِ وَهُوَ إمَّا الْعَقْلُ) الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلَى غَيْرِهِ. (نَحْوَ ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢] يَعْلَمُ ضَرُورَةً أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَخْصُوصٌ مِنْهُ، وَتَخْصِيصُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ مِنْ خِطَابَاتِ الشَّرْعِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ. وَأَمَّا الْحِسُّ نَحْوَ ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] وَأَمَّا الْعَادَةُ نَحْوُ لَا يَأْكُلُ رَأْسًا يَقَعُ عَلَى الْمُتَعَارَفِ وَأَمَّا كَوْنُ بَعْضِ الْأَفْرَادِ نَاقِصًا فَيَكُونُ اللَّفْظُ أَوْلَى بِالْبَعْضِ الْآخَرِ، نَحْوَ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي حُرٌّ لَا يَقَعُ عَلَى الْمُكَاتَبِ وَيُسَمَّى مُشَكِّكًا أَوْ زَائِدًا) عَطْفٌ ــ [التلويح] لَوْ ثَبَتَ بِدَلِيلٍ آخَرَ وَلَوْ انْعَدَمَ انْعَدَمَ بِالْعَدَمِ الْأَصْلِيِّ، وَبِهَذَا يَخْرُجُ الْجَوَابُ عَنْ إشْكَالٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ كَوْنَ الشَّرْطِ لِلْقَصْرِ عَلَى بَعْضِ التَّقَادِيرِ إنَّمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى مَجْمُوعُ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ كَلَامٌ وَاحِدٌ مُوجِبٌ لِلْحُكْمِ عَلَى تَقْدِيرٍ، وَسَاكِتٌ عَنْ سَائِرِ التَّقَادِيرِ حَتَّى إنَّ مُجَرَّدَ الْجَزَاءِ بِمَنْزِلَةِ أَنْتِ مِنْ أَنْتِ طَالِقٌ لَيْسَ هُوَ مُفِيدًا لِلْحُكْمِ عَلَى جَمِيعِ التَّقَادِيرِ، وَالشَّرْطِ تَعْلِيقًا وَقَصْرًا لَهُ عَلَى الْبَعْضِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَجَوَابٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ لَوْلَا الشَّرْطُ لَأَفَادَ الْكَلَامُ الْحُكْمَ عَلَى جَمِيعِ التَّقَادِيرِ فَحِينَ عُلِّقَ بِالشَّرْطِ لَمْ يُفِدْ ذَلِكَ فَكَأَنَّهُ قَصَرَهُ عَلَى الْبَعْضِ، وَكَذَا الْكَلَامُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى مَا سَيَجِيءُ، فَإِنْ قِيلَ جَعَلَ الْمُسْتَقِلَّ هَاهُنَا مُخَصِّصًا مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ الْمُتَرَاخِي وَغَيْرِهِ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الْمُتَرَاخِيَ نَسْخٌ لَا تَخْصِيصٌ قُلْنَا التَّخْصِيصُ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى مَا يَتَنَاوَلُ النَّسْخَ فَلَا يُقَيَّدُ بِعَدَمِ التَّرَاخِي وَلِهَذَا يُقَالُ النَّسْخُ تَخْصِيصٌ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى مَا يُقَابِلُهُ، وَهُوَ الْمُقَيَّدُ بِعَدَمِ التَّرَاخِي وَالْقَوْلُ بِأَنَّ التَّخْصِيصَ لَا يُطْلَقُ إلَّا عَلَى غَيْرِ الْمُتَرَاخِي يُوجِبُ بُطْلَانَ كَلَامِ الْقَوْمِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ، مِثْلَ تَخْصِيصِ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَتَخْصِيصِ بَعْضِ الْآيَاتِ بِالْبَعْضِ مَعَ التَّرَاخِي. (قَوْلُهُ وَأَمَّا الْحِسُّ) فِيهِ تَسَامُحٌ؛ لِأَنَّ الْمُدْرَكَ بِالْحِسِّ هُوَ أَنَّ لَهُ كَذَا وَكَذَا. وَأَمَّا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ فَإِنَّمَا هُوَ بِالْعَقْلِ لَا غَيْرُ، وَفِي التَّمْثِيلِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ التَّخْصِيصَ لَا يَجْرِي فِي الْخَبَرِ كَالنَّسْخِ. (قَوْلُهُ وَأَمَّا الْعَادَةُ) فَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ رَأْسًا فَالرَّأْسُ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَعْمَلًا عُرْفًا فِي رَأْسِ كُلِّ حَيَوَانٍ إلَّا أَنَّهُ مَعْلُومٌ عَادَةً أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ، إذْ لَا يَدْخُلُ فِيهِ عَادَةً رَأْسُ الْعُصْفُورِ وَالْجَرَادِ فَيُخَصُّ بِمَا يَكُونُ مُتَعَارَفًا بِأَنْ يُكْبَسَ فِي التَّنَانِيرِ وَيُبَاعَ مَشْوِيًّا وَبِاعْتِبَارِ اخْتِلَافِ الْعَادَاتِ بِحَسَبِ الْأَزْمِنَةِ وَالْأَمْكِنَةِ خَصَّهُ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَوَّلًا بِرَأْسِ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالْإِبِلِ، وَثَانِيًا بِرَأْسِ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَهُمَا بِرَأْسِ الْغَنَمِ خَاصَّةً. (قَوْلُهُ وَيُسَمَّى مُشَكِّكًا) يَعْنِي: اللَّفْظَ الْمَوْضُوعَ لِمَعْنًى لَا يَسْتَوِي فِيهِ جَمِيعُ أَفْرَادِهِ، بَلْ تَخْتَلِفُ بِالشِّدَّةِ وَالضَّعْفِ كَالْمَمْلُوكِ فِي الْقِنِّ وَالْمُكَاتَبِ أَوْ بِالْأَوْلَوِيَّةِ أَوْ بِالتَّقَدُّمِ، وَالتَّأَخُّرِ كَالْوُجُودِ فِي الْوَاجِبِ وَالْمُمْكِنِ يُسَمَّى مُشَكِّكًا؛ لِأَنَّهُ يَشُكُّ النَّاظِرُ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْمُشْتَرَكِ أَوْ الْمُتَوَاطِئِ أَعْنِي: مَا وُضِعَ لِمَعْنًى وَاحِدٍ يَسْتَوِي فِيهِ الْأَفْرَادُ فَلَوْ قَالَ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي فَهُوَ حُرٌّ لَا يَدْخُلُ فِيهِ الْمُكَاتَبُ لِنُقْصَانِ الْمِلْكِ

стр. 77

عَلَى قَوْلِهِ نَاقِصًا أَيْ: وَأَمَّا كَوْنُ بَعْضِ أَفْرَادِهِ زَائِدَةً. (كَالْفَاكِهَةِ لَا تَقَعُ عَلَى الْعِنَبِ فَفِي غَيْرِ الْمُسْتَقِلِّ) أَيْ: فِيمَا إذَا كَانَ الشَّيْءُ الْمُوجِبُ لِقَصْرِ الْعَامِّ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ (وَهُوَ) أَيْ: الْعَامُّ (حَقِيقَةٌ فِي الْبَاقِي) ؛ لِأَنَّ الْوَاضِعَ وَضَعَ اللَّفْظَ الَّذِي اسْتَثْنَى مِنْهُ لِلْبَاقِي. (وَهُوَ) أَيْ: الْعَامُّ. (حُجَّةٌ بِلَا شُبْهَةٍ فِيهِ) أَيْ: فِي الْبَاقِي، وَهَذَا إذَا كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ مَعْلُومًا. أَمَّا إذَا كَانَ مَجْهُولًا فَلَا (وَفِي الْمُسْتَقْبَلِ كَلَامًا أَوْ غَيْرَهُ) أَيْ: فِيمَا إذَا كَانَ الْقَاصِرُ مُسْتَقِلًّا وَيُسَمَّى هَذَا تَخْصِيصًا سَوَاءٌ كَانَ ــ [التلويح] فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ رَقَبَةً لَا يَدًا حَتَّى يَكُونَ أَحَقَّ بِمَكَاسِبِهِ، وَلَا يَمْلِكُ الْمَوْلَى اسْتِكْسَابَهُ وَلَا وَطْءَ الْمُكَاتَبَةِ بِخِلَافِ الْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ، فَإِنْ قِيلَ فَكَيْفَ تَتَأَدَّى الْكَفَّارَةُ بِالْمُكَاتَبِ دُونَ الْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ قُلْنَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ الرِّقِّ وَهُوَ فِي الْمُكَاتَبِ كَامِلٌ؛ لِأَنَّهُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ وَالْكِتَابَةُ مُحْتَمِلَةٌ لِلْفَسْخِ وَاشْتِرَاطُ الْمِلْكِ إنَّمَا هُوَ بِقَدْرِ مَا يَصِحُّ بِهِ التَّحْرِيرُ وَهُوَ حَاصِلٌ بِخِلَافِ الْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ فَإِنَّ الرِّقَّ فِيهِمَا نَاقِصٌ؛ لِأَنَّ مَا ثَبَتَ فِيهِمَا مِنْ جِهَةِ الْعِتْقِ لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ فَاكِهَةً، وَلَا نِيَّةَ لَهُ لَمْ يَحْنَثْ بِأَكْلِ الْعِنَبِ وَالرُّطَبِ وَالرُّمَّانِ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ فَاكِهَةً لُغَةً وَعُرْفًا إلَّا أَنَّ فِيهِ مَعْنًى زَائِدًا عَلَى التَّفَكُّهِ أَيْ: التَّلَذُّذِ وَالتَّنَعُّمِ وَهُوَ الْغِذَائِيَّةُ وَقِوَامُ الْبَدَنِ بِهِ فَبِهَذِهِ الزِّيَادَةِ يُخَصُّ عَنْ مُطْلَقِ الْفَاكِهَةِ. (قَوْلُهُ فَفِي غَيْرِ الْمُسْتَقِلِّ) اخْتَلَفُوا فِي الْعَامِّ الَّذِي أُخْرِجَ مِنْهُ الْبَعْضُ، هَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْبَاقِي أَمْ مَجَازٌ؟ فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ مَجَازٌ، وَقَالَتْ الْحَنَابِلَةُ حَقِيقَةٌ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ حَقِيقَةٌ إنْ كَانَ الْبَاقِي غَيْرَ مُنْحَصِرٍ أَيْ: لَهُ كَثْرَةٌ يَعْسُرُ الْعِلْمُ بِقَدْرِهَا وَإِلَّا فَمَجَازٌ، وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ حَقِيقَةٌ إنْ كَانَ بِغَيْرِ مُسْتَقِلٍّ مِنْ شَرْطٍ، أَوْ صِفَةٍ أَوْ اسْتِثْنَاءٍ، أَوْ غَايَةٍ، وَمَجَازٌ إنْ كَانَ بِمُسْتَقِلٍّ مِنْ عَقْلٍ، أَوْ سَمْعٍ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ حَقِيقَةٌ إنْ كَانَ بِشَرْطٍ أَوْ اسْتِثْنَاءٍ لَا صِفَةٍ وَغَيْرِهَا، وَقَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ حَقِيقَةٌ إنْ كَانَ بِشَرْطٍ أَوْ صِفَةٍ لَا اسْتِثْنَاءٍ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ حَقِيقَةٌ إنْ كَانَ بِدَلِيلٍ لَفْظِيٍّ اتَّصَلَ أَوْ انْفَصَلَ، وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: حَقِيقَةٌ فِي تَنَاوُلِهِ، مَجَازٌ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَيْهِ وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ إخْرَاجَ الْبَعْضِ إنْ كَانَ بِغَيْرِ مُسْتَقِلٍّ فَصِيغَةُ الْعَامِّ حَقِيقَةٌ فِي الْبَاقِي، وَإِنْ كَانَ بِمُسْتَقِلٍّ فَهِيَ فِي الْبَاقِي مَجَازٌ مِنْ حَيْثُ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ حَقِيقَةٌ مِنْ حَيْثُ التَّنَاوُلُ لَهُ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ اللَّفْظَ الَّذِي أُخْرِجَ مِنْهُ الْبَعْضُ بِاسْتِثْنَاءٍ أَوْ صِفَةٍ أَوْ شَرْطٍ أَوْ غَايَةٍ مَوْضُوعٌ لِلْبَاقِي مَثَلًا إذَا قَالَ عَبِيدُهُ أَحْرَارٌ إلَّا سَالِمًا فَالْعَبِيدُ الْمُخْرَجُ مِنْهُمْ سَالِمٌ مَوْضُوعٌ لِلْبَاقِي، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ الْوَضْعَ الشَّخْصِيَّ بِمَعْنَى أَنَّهُ وَضَعَ هَذَا اللَّفْظَ لِلْمَجْمُوعِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَلِلْبَاقِي عِنْدَ اقْتِرَابِهِ بِالِاسْتِثْنَاءِ وَنَحْوِهِ فَهُوَ مَمْنُوعٌ وَإِلَّا لَكَانَ مُشْتَرَكًا وَسَيَجِيءُ فِي فَصْلِ الِاسْتِثْنَاءِ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ مُتَنَاوِلٌ لِلْمَجْمُوعِ، وَإِنَّمَا الِاسْتِثْنَاءُ يَمْنَعُ دُخُولَ الْمُسْتَثْنَى فِي الْحُكْمِ، وَإِنْ أَرَادَ الْوَضْعَ النَّوْعِيَّ

стр. 78

الْمُخَصِّصُ كَلَامًا أَوْ غَيْرَهُ (مَجَازٌ) أَيْ: لَفْظُ الْعَامِّ مَجَازٌ فِي الْبَاقِي. (بِطَرِيقِ اسْمِ الْكُلِّ عَلَى الْبَعْضِ مِنْ حَيْثُ الْقَصْرُ) أَيْ: مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَقْصُورٌ عَلَى الْبَاقِي. (حَقِيقَةٌ مِنْ حَيْثُ التَّنَاوُلُ) أَيْ: مِنْ حَيْثُ إنَّ لَفْظَ الْعَامِّ مُتَنَاوِلٌ لِلْبَاقِي يَكُونُ حَقِيقَةً فِيهِ. (عَلَى مَا يَأْتِي فِي فَصْلِ الْمَجَازِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ حُجَّةٌ فِيهِ شُبْهَةٌ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ كَوْنِهِ) أَيْ: التَّخْصِيصِ (بِالْكَلَامِ أَوْ غَيْرِهِ) فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ قَالُوا كُلُّ عَامٍّ خُصَّ بِمُسْتَقِلٍّ فَإِنَّهُ دَلِيلٌ فِيهِ شُبْهَةٌ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا فِي هَذَا الْحُكْمِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُخَصِّصُ كَلَامًا أَوْ غَيْرَهُ. (لَكِنْ يَجِبُ هُنَاكَ فَرْقٌ وَهُوَ أَنَّ الْمَخْصُوصَ بِالْعَقْلِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ قَطْعِيًّا؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الِاسْتِثْنَاءِ لَكِنَّهُ حَذَفَ الِاسْتِثْنَاءَ مُعْتَمِدًا عَلَى الْعَقْلِ عَلَى أَنَّهُ مَفْرُوغٌ عَنْهُ حَتَّى لَا نَقُولَ أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٦] وَنَظَائِرُهُ دَلِيلٌ فِيهِ شُبْهَةٌ) ، وَهَذَا فَرْقٌ تَفَرَّدْت بِذِكْرِهِ وَهُوَ وَاجِبُ الذِّكْرِ حَتَّى لَا يُتَوَهَّمَ أَنْ خِطَابَاتِ الشَّرْعِ الَّتِي خُصَّ مِنْهَا الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ بِالْعَقْلِ دَلِيلٌ فِيهِ شُبْهَةٌ كَالْخِطَابَاتِ الْوَارِدَةِ بِالْفَرَائِضِ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ جَاحِدُهَا إجْمَاعًا مَعَ كَوْنِهَا مَخْصُوصَةً عَقْلًا، فَإِنَّ التَّخْصِيصَ بِالْعَقْلِ لَا يُورِثُ شُبْهَةً ــ [التلويح] بِمَعْنَى أَنَّهُ ثَبَتَ مِنْ الْوَاضِعِ أَنَّهُ إذَا قَرَنَ اللَّفْظَ بِالِاسْتِثْنَاءِ وَنَحْوِهِ يَكُونُ مَعْنَاهُ الْبَاقِي فَاللَّفْظُ لَا يَصِيرُ بِهَذَا حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ الْمَجَازَ أَيْضًا كَذَلِكَ عَلَى مَا سَيَجِيءُ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي بَحْثِ الِاسْتِثْنَاءِ بِأَنَّ الذَّاهِبِينَ إلَى الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْبَاقِي وَالِاسْتِثْنَاءُ قَرِينَةٌ عَلَى ذَلِكَ قَائِلُونَ بِأَنَّهُ مَجَازٌ فِيهِ. هَذَا وَلِنُنَبِّهكَ عَلَى فَائِدَةٍ جَلِيلَةٍ وَهِيَ أَنَّ الْوَضْعَ النَّوْعِيَّ قَدْ يَكُونُ بِثُبُوتِ قَاعِدَةٍ دَالَّةٍ عَلَى أَنَّ كُلَّ لَفْظٍ يَكُونُ بِكَيْفِيَّةِ كَذَا فَهُوَ مُتَعَيِّنٌ لِلدَّلَالَةِ بِنَفْسِهِ عَلَى مَعْنًى مَخْصُوصٍ يُفْهَمُ مِنْهُ بِوَاسِطَةِ تَعَيُّنِهِ لَهُ، مِثْلُ الْحُكْمِ بِأَنَّ كُلَّ اسْمٍ آخِرُهُ أَلْفٌ أَوْ بَاءٌ مَفْتُوحَةٌ مَا قَبْلَهَا وَنُونٌ مَكْسُورَةٌ فَهُوَ لِفَرْدَيْنِ مِنْ مَدْلُولِ مَا أُلْحِقَ بِآخِرِهِ هَذِهِ الْعَلَامَةُ وَكُلُّ اسْمٍ غُيِّرَ إلَى نَحْوِ رِجَالٍ وَمُسْلِمِينَ وَمُسْلِمَاتٍ فَهُوَ لِجَمْعٍ مِنْ مُسَمَّيَاتِ ذَلِكَ الِاسْمِ، وَكُلُّ جَمْعٍ عُرِّفَ بِاللَّامِ فَهُوَ لِجَمِيعِ تِلْكَ الْمُسَمَّيَاتِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَمِثْلُ هَذَا مِنْ بَابِ الْحَقِيقَةِ بِمَنْزِلَةِ الْمَوْضُوعَاتِ الشَّخْصِيَّةِ بِأَعْيَانِهَا، بَلْ أَكْثَرُ الْحَقَائِقِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ كَالْمُثَنَّى الْمَجْمُوعِ وَالْمُصَغَّرِ وَالْمَنْسُوبِ وَعَامَّةِ الْأَفْعَالِ وَالْمُشْتَقَّاتِ، وَالْمُرَكَّبَاتِ وَبِالْجُمْلَةِ كُلُّ مَا يَكُونُ دَلَالَتُهُ عَلَى الْمَعْنَى بِالْهَيْئَةِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، وَقَدْ يَكُونُ بِثُبُوتِ قَاعِدَةٍ دَالَّةٍ عَلَى أَنَّ كُلَّ لَفْظٍ مُعَيَّنٍ لِلدَّلَالَةِ بِنَفْسِهِ عَلَى مَعْنًى فَهُوَ عِنْدَ الْقَرِينَةِ الْمَانِعَةِ عَنْ إرَادَةِ ذَلِكَ الْمَعْنَى مُتَعَيِّنٌ لِمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ الْمَعْنَى تَعَلُّقًا مَخْصُوصًا، وَدَالٌّ عَلَيْهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ بِوَاسِطَةِ الْقَرِينَةِ لَا بِوَاسِطَةِ هَذَا التَّعْيِينِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَثْبُتْ مِنْ الْوَاضِعِ جَوَازُ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ لَكَانَتْ دَلَالَتُهُ عَلَيْهِ، وَفَهْمُهُ مِنْهُ عِنْدَ قِيَامِ الْقَرِينَةِ بِحَالِهَا، وَمِثْلُهُ مَجَازٌ؛ لِتَجَاوُزِهِ الْمَعْنَى الْأَصْلِيَّ، فَالْوَضْعُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يُرَادُ بِهِ تَعْيِينُ اللَّفْظِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى مَعْنًى بِنَفْسِهِ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ التَّعْيِينُ

стр. 79

فَإِنَّ. (كُلَّ مَا يُوجِبُ الْعَقْلُ تَخْصِيصَهُ يُخَصُّ وَمَا لَا فَلَا. وَأَمَّا الْمَخْصُوصُ بِالْكَلَامِ فَعِنْدَ الْكَرْخِيِّ لَا يَبْقَى حُجَّةً أَصْلًا مَعْلُومًا كَانَ الْمَخْصُوصُ كَالْمُسْتَأْمَنِ) حَيْثُ خُصَّ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] ــ [التلويح] بِأَنْ يُفْرَدَ اللَّفْظُ بِعَيْنِهِ بِالتَّعْيِينِ أَوْ بِدَرْجٍ فِي الْقَاعِدَةِ الدَّالَّةِ عَلَى التَّعْيِينِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْوَضْعِ الْمَأْخُوذِ فِي تَعْرِيفِ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، وَيَشْمَلُ الْوَضْعَ الشَّخْصِيَّ وَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ مِنْ النَّوْعَيْنِ فَلَفْظُ الْأُسُودِ فِي مِثْلِ قَوْلِنَا رَكِبْت الْأُسُودَ مِنْ حَيْثُ قُصِدَ بِهِ الشُّجْعَانُ مُسْتَعْمَلٌ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ، وَمِنْ حَيْثُ قُصِدَ بِهِ الْعُمُومُ مُسْتَعْمَلٌ فِيمَا وُضِعَ لَهُ فَلْيُتَدَبَّرْ. وَأَمَّا الثَّانِي؛ فَلِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلْكُلِّ فَإِذَا أَخْرَجَ مِنْهُ الْبَعْضَ بَقِيَ مُسْتَعْمَلًا فِي الْبَاقِي، وَهُوَ غَيْرُ الْمَوْضُوعِ لَهُ فَيَكُونُ مَجَازًا مِنْ حَيْثُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْبَعْضِ إلَّا أَنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْبَاقِيَ كَمَا كَانَ يَتَنَاوَلُهُ قَبْلَ التَّخْصِيصِ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ التَّنَاوُلُ، وَإِنَّمَا طَرَأَ عَدَمُ إرَادَةِ الْبَعْضِ، وَهُوَ لَا يُوجِبُ تَغَيُّرَ صِفَةِ التَّنَاوُلِ لِلْبَاقِي فَيَكُونُ حَقِيقَةً مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ وَسَيَجِيءُ فِي فَصْلِ الْمَجَازِ أَنَّ اللَّفْظَ الْوَاحِدَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَعْنَى الْوَاحِدِ يَكُونُ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا بِاعْتِبَارِ حَيْثِيَّتَيْنِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ وَضْعَيْنِ. وَأَمَّا بِحَسَبِ وَضْعٍ وَاحِدٍ فَذَلِكَ الْمَعْنَى، إمَّا نَفْسُ الْمَوْضُوعِ لَهُ فَيَكُونُ اللَّفْظُ حَقِيقَةً أَوْ غَيْرُهُ فَيَكُونُ مَجَازًا نَعَمْ لَوْ كَانَتْ صِيغَةُ الْعُمُومِ مَوْضُوعَةً لِلْكُلِّ، وَالْبَعْضِ بِالِاشْتِرَاكِ لَكَانَتْ عِنْدَ اسْتِعْمَالِهَا فِي الْبَاقِي مَجَازًا مِنْ حَيْثُ الْوَضْعُ لِلْكُلِّ، وَحَقِيقَةً مِنْ حَيْثُ الْوَضْعُ لِلْبَعْضِ إلَّا أَنَّ التَّقْدِيرَ أَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لِلِاسْتِغْرَاقِ خَاصَّةً لَا يُقَالُ مُرَادُهُ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنْ الْمَجَازِ أَعْنِي: إطْلَاقَ الْكُلِّ عَلَى الْبَعْضِ حَقِيقَةٌ قَاصِرَةٌ عَلَى مَا هُوَ مُصْطَلَحُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْحَقِيقَةُ بِهَذَا الْمَعْنَى لَا يُقَابِلُ مُطْلَقَ الْمَجَازِ وَلَا إشَارَةَ إلَيْهِ فِي فَصْلِ الْمَجَازِ عَلَى مَا وَعَدَهُ الْمُصَنِّفُ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْبَاقِيَ لَيْسَ نَفْسَ الْمَوْضُوعِ لَهُ إلَّا أَنَّ اللَّفْظَ إنَّمَا يَكُونُ مَجَازًا فِيهِ إذَا كَانَتْ إرَادَتُهُ بِاسْتِعْمَالٍ ثَانٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ بِالِاسْتِعْمَالِ الْأَوَّلِ، وَإِنَّمَا طَرَأَ عَلَيْهِ عَدَمُ إرَادَةِ الْبَعْضِ، وَهُوَ لَا يُوجِبُ التَّغْيِيرَ فِي الِاسْتِعْمَالِ فَكَمَا أَنَّ تَنَاوُلَ الْعَبِيدِ لِغَيْرِ سَالِمٍ لَيْسَ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ عِنْدَ عَدَمِ إخْرَاجِهِ فَكَذَا عِنْدَ إخْرَاجِهِ وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمَقْصُورُ عَلَى الْبَعْضِ بِغَيْرِ الْمُسْتَقِلِّ أَيْضًا حَقِيقَةً فِي الْكُلِّ بِحَسَبِ التَّنَاوُلِ، وَإِنْ أُخْرِجَ الْبَعْضُ عَنْ الدُّخُولِ فِي الْحُكْمِ عَلَى مَا اخْتَارَهُ فِي فَصْلِ الِاسْتِثْنَاءِ، فَإِنْ قِيلَ: فَمَا وَجْهُ فَرْقِ الْمُصَنِّفِ هَاهُنَا بَيْنَ الْمُسْتَقِلِّ وَغَيْرِهِ قُلْنَا لَمَّا كَانَ بِغَيْرِ الْمُسْتَقِلِّ صِيَغٌ مَخْصُوصَةٌ مَضْبُوطَةٌ أَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ إنَّ اللَّفْظَ مَوْضُوعٌ لِلْبَاقِي عِنْدَ انْضِمَامِهِ إلَى إحْدَى تِلْكَ الصِّيَغِ بِخِلَافِ الْمُسْتَقِلِّ فَإِنَّهُ غَيْرُ مَحْصُورٍ، فَلَا يَنْضَبِطُ بِاعْتِبَارِ الْوَضْعِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِانْتِقَاضِهِ بِالصِّفَةِ، وَالْمَنْقُولُ عَنْ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ فِي تَحْقِيقِ كَوْنِهِ حَقِيقَةً فِي التَّنَاوُلِ أَنَّ الْعَامَّ بِمَنْزِلَةِ تَكْرِيرِ الْآحَادِ الْمُتَعَدِّدَةِ عَلَى مَا نُقِلَ عَنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ مَعْنَى الرِّجَالِ فُلَانٌ فُلَانٌ فُلَانٌ إلَى أَنْ يَسْتَوْعِبَ

стр. 80

بِقَوْلِهِ ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ [التوبة: ٦] . (أَوْ مَجْهُولًا كَالرِّبَا) حَيْثُ خُصَّ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] (لِأَنَّهُ إنْ كَانَ مَجْهُولًا صَارَ الْبَاقِي مَجْهُولًا؛ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ كَالِاسْتِثْنَاءِ إذْ هُوَ يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ) أَيْ: التَّخْصِيصُ يُبَيِّنُ أَنَّ الْمَخْصُوصَ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ الْعَامِّ كَالِاسْتِثْنَاءِ فَإِنَّهُ يُبَيِّنُ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى لَمْ يَدْخُلْ فِي صَدْرِ الْكَلَامِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ إنْ كَانَ مَجْهُولًا يَكُونُ الْبَاقِي فِي صَدْرِ الْكَلَامِ مَجْهُولًا وَلَا يَثْبُتُ بِهِ الْحُكْمُ. (وَإِنْ كَانَ مَعْلُومًا فَالظَّاهِرُ أَنْ يَكُونَ مُعَلَّلًا؛ لِأَنَّهُ كَلَامٌ مُسْتَقِلٌّ) وَالْأَصْلُ فِي النُّصُوصِ التَّعْلِيلُ. (وَلَا يُدْرَى كَمْ يَخْرُجُ بِالتَّعْلِيلِ فَيَبْقَى الْبَاقِي مَجْهُولًا، وَعِنْدَ الْبَعْضِ إنْ كَانَ مَعْلُومًا بَقِيَ الْعَامُّ فِيمَا وَرَاءَ الْمَخْصُوصِ كَمَا كَانَ؛ لِأَنَّهُ كَالِاسْتِثْنَاءِ) فِي أَنَّهُ يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ (فَلَا يُقْبَلُ التَّعْلِيلُ) إذْ الِاسْتِثْنَاءُ لَا يَقْبَلُ التَّعْلِيلَ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ، وَفِي صُورَةِ الِاسْتِثْنَاءِ الْعَامِّ حُجَّةٌ فِي الْبَاقِي ــ [التلويح] إنَّمَا وُضِعَ الرِّجَالُ اخْتِصَارًا لِذَلِكَ لَا شَكَّ أَنَّ فِي تَكْرِيرِ الْآحَادِ إذَا بَطَلَ إرَادَةُ الْبَعْضِ لَمْ يَصِرْ الْبَاقِي مَجَازًا فَكَذَا هَاهُنَا وَأُجِيبُ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ كَتَكْرِيرِ الْآحَادِ، بَلْ هُوَ مَوْضُوعٌ لِلْكُلِّ فَبِإِخْرَاجِ الْبَعْضِ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ فَيَكُونُ مَجَازًا بِخِلَافِ الْمُتَكَرِّرِ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مَوْضُوعٌ لِمَعْنَاهُ فَبِإِخْرَاجِ الْبَعْضِ لَا يَصِيرُ الْبَاقِي مُسْتَعْمَلًا فِي غَيْرِ مَعْنَاهُ، وَمَقْصُودُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ بَيَانُ الْحِكْمَةِ فِي وَضْعِهِ لَا أَنَّهُ مِثْلُ الْمُتَكَرِّرِ بِعَيْنِهِ، وَذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ أَنَّ حَقِيقَةَ صِيغَةِ الْعُمُومِ لِلْكُلِّ وَمَعَ ذَلِكَ فَهِيَ حَقِيقَةٌ فِيمَا وَرَاءَ الْمَخْصُوصِ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَتَنَاوَلُهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ كُلٌّ لَا بَعْضٌ كَالِاسْتِثْنَاءِ يُصَيِّرُ الْكَلَامَ عِبَارَةً عَمَّا وَرَاءَ الْمُسْتَثْنَى بِطَرِيقِ أَنَّهُ كُلٌّ لَا بَعْضٌ حَتَّى لَوْ كَانَ الْبَاقِي دُونَ الثُّلُثِ فَهُوَ كُلٌّ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ أَيْضًا بِصِيغَةِ الْعُمُومِ نَظَرًا إلَى احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ فَلَوْ قَالَ: مَمَالِيكِي أَحْرَارٌ إلَّا فُلَانًا وَفُلَانًا وَلَا مَمْلُوكَ لَهُ سِوَاهُمَا كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ صَحِيحًا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَثْنَى بَعْضًا إذَا كَانَ سِوَاهُمَا بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: مَمَالِيكِي أَحْرَارٌ إلَّا مَمَالِيكِي. ١ - (قَوْلُهُ أَيْ: لَفْظُ الْعَامِّ مَجَازٌ) كَانَ الْأَحْسَنُ أَنْ يَقُولَ أَيْ: لَفْظُ الْعَامِّ بِالْوَصْفِ دُونَ الْإِضَافَةِ، إذْ الْكَلَامُ فِي صِيَغِ الْعُمُومِ لَا فِي لَفْظِ الْعَامِّ عَلَى مَا يُشْعِرُ بِهِ كَلَامُ مَنْ قَالَ إنَّ هَذَا الِاخْتِلَافَ مَبْنِيٌّ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي اشْتِرَاطِ الِاسْتِغْرَاقِ، فَإِنْ اُشْتُرِطَ كَانَ إطْلَاقُ لَفْظِ الْعَامِّ عَلَى مَا أُخْرِجَ مِنْهُ الْبَعْضُ مَجَازًا بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ عَامٌّ لَوْلَا الْإِخْرَاجُ، وَإِنْ اكْتَفَى بِانْتِظَامِ جَمْعٍ مِنْ الْمُسَمَّيَاتِ فَهُوَ حَقِيقَةٌ حَتَّى يَنْتَهِيَ التَّخْصِيصُ إلَى مَا دُونَ الثَّلَاثِ. (قَوْلُهُ وَهُوَ حُجَّةٌ) تَقْرِيرُ كَلَامِهِ أَنَّ الْعَامَّ الْمَقْصُورَ عَلَى الْبَعْضِ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ مَقْصُورًا عَلَى الْبَعْضِ بِغَيْرِ مُسْتَقِلٍّ أَوْ بِمُسْتَقِلٍّ فَعَلَى الْأَوَّلِ إنْ كَانَ الْمُخَصِّصُ الْمُخْرِجُ مَعْلُومًا فَهُوَ حُجَّةٌ بِلَا شُبْهَةٍ كَمَا كَانَ قَبْلَ الْقَصْرِ عَلَى الْبَعْضِ لِعَدَمِ

стр. 81

كَمَا كَانَ فَكَذَا التَّخْصِيصُ. (وَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا لَا يَبْقَى الْعَامُّ حُجَّةً لِمَا قُلْنَا) إنَّ التَّخْصِيصَ كَالِاسْتِثْنَاءِ وَالِاسْتِثْنَاءُ الْمَجْهُولُ يَجْعَلُ الْبَاقِيَ مَجْهُولًا فَلَا يَبْقَى الْعَامُّ حُجَّةً فِي الْبَاقِي. (وَعِنْدَ الْبَعْضِ إنْ كَانَ مَعْلُومًا فَكَمَا ذَكَرْنَا آنِفًا) إنَّ الْعَامَّ يَبْقَى فِيمَا وَرَاءَ الْمَخْصُوصِ كَمَا كَانَ. (وَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا يَسْقُطُ الْمُخَصِّصُ؛ لِأَنَّهُ كَلَامٌ مُسْتَقِلٌّ بِخِلَافِ الِاسْتِثْنَاءِ) وَلَمَّا كَانَ الْمُخَصِّصُ كَلَامًا مُسْتَقِلًّا وَكَانَ مَعْنَاهُ مَجْهُولًا يَسْقُطُ هُوَ بِنَفْسِهِ وَلَا تَتَعَدَّى جَهَالَتُهُ إلَى صَدْرِ الْكَلَامِ بِخِلَافِ الِاسْتِثْنَاءِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ، بَلْ يَتَعَلَّقُ بِصَدْرِ الْكَلَامِ فَجَهَالَتُهُ تَتَعَدَّى إلَى صَدْرِ الْكَلَامِ. (وَعِنْدَنَا تُمْكِنُ فِيهِ شُبْهَةٌ؛ لِأَنَّهُ عُلِمَ أَنَّهُ غَيْرُ مَحْمُولٍ عَلَى ظَاهِرِهِ) وَهُوَ إرَادَةُ الْكُلِّ فَعُلِمَ أَنَّ ــ [التلويح] مُورِثِ الشُّبْهَةِ؛ لِأَنَّهُ إمَّا جَهَالَةُ الْمُخْرَجِ أَوْ احْتِمَالُهُ التَّعْلِيلَ، وَغَيْرُ الْمُسْتَقِلِّ لَا يَحْتَمِلُ التَّعْلِيلَ، وَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا كَمَا إذَا قَالَ عَبِيدُهُ أَحْرَارٌ إلَّا بَعْضًا أَوْرَثَ ذَلِكَ جَهَالَةً فِي الْبَاقِي فَلَمْ تَصْلُحْ حُجَّةً إلَى أَنْ يَتَبَيَّنَ الْمُرَادُ وَعَلَى الثَّانِي إمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُخَصِّصُ عَقْلًا أَوْ كَلَامًا أَوْ غَيْرَهُمَا. فَإِنْ كَانَ الْمُخَصِّصُ هُوَ الْعَقْلُ كَانَ الْعَامُّ قَطْعِيًّا فِي الْبَاقِي لِعَدَمِ مُورِثِ الشُّبْهَةِ؛ لِأَنَّ مَا يَقْتَضِي الْعَقْلُ إخْرَاجَهُ فَهُوَ مُخْرَجٌ وَغَيْرُهُ بَاقٍ عَلَى مَا كَانَ كَمَا فِي الِاسْتِثْنَاءِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْعَقْلَ قَدْ يَقْتَضِي إخْرَاجَ بَعْضٍ مَجْهُولٍ بِأَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ مِمَّا يَمْتَنِعُ عَلَى الْكُلِّ دُونَ الْبَعْضِ، مِثْلُ الرِّجَالُ فِي الدَّارِ فَالْأَوْلَى أَنْ يُفْصَلَ كَالِاسْتِثْنَاءِ وَيُجْعَلَ قَطْعِيًّا إذَا كَانَ الْمَخْصُوصُ مَعْلُومًا كَمَا فِي الْخِطَابَاتِ الَّتِي خُصَّ مِنْهَا الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ لَا يُقَالُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَطْعِيَّتُهَا بِوَاسِطَةِ الْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ كَانَ قَطْعِيًّا قَبْلَ أَنْ يَتَحَقَّقَ الِاجْتِهَادُ وَالْإِجْمَاعُ، وَإِنْ كَانَ الْمُخَصِّصُ غَيْرَ الْعَقْلِ وَالْكَلَامِ فَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ الْمُصَنِّفُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَبْقَى قَطْعِيًّا لِاخْتِلَافِ الْعَادَاتِ، وَخَفَاءِ الزِّيَادَةِ، وَالنُّقْصَانِ وَعَدَمِ اطِّلَاعِ الْحِسِّ عَلَى تَفَاصِيلِ الْأَشْيَاءِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُعْلَمَ الْقَدْرُ الْمَخْصُوصُ قَطْعًا، وَإِنْ كَانَ الْمُخَصِّصُ هُوَ الْكَلَامُ فَفِيهِ اخْتِلَافٌ فَعِنْدَ الْكَرْخِيِّ لَا يَبْقَى حُجَّةً أَصْلًا، وَعِنْدَ الْبَعْضِ إنْ كَانَ الْمَخْصُوصُ مَعْلُومًا فَالْعَامُّ قَطْعِيٌّ فِي الْبَاقِي، وَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا يَسْقُطُ الْمُخَصِّصُ، وَيَبْقَى الْعَامُّ عَلَى مَا كَانَ وَالْمُخْتَارُ أَنَّ الْعَامَّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ دَلِيلٌ تَمَكَّنَ فِيهِ الشُّبْهَةُ مَعْلُومًا كَانَ الْمُخَصِّصُ أَوْ مَجْهُولًا وَالتَّمَسُّكَاتُ مَشْرُوحَةٌ فِي الْكِتَابِ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا يَسْقُطُ الْمُخَصِّصُ) وَيَبْقَى الْعَامُّ حُجَّةً فِيمَا تَنَاوَلَهُ كَمَا كَانَ؛ لِأَنَّ الْمَجْهُولَ لَا يَصْلُحُ دَلِيلًا فَلَا يَصْلُحُ مُعَارِضًا لِلدَّلِيلِ فَيَبْقَى حُكْمُ الْعَامِّ عَلَى مَا كَانَ وَلَا يَتَعَدَّى جَهَالَةُ الْمُخَصِّصِ إلَيْهِ لِكَوْنِ الْمُخَصِّصِ مُسْتَقِلًّا بِخِلَافِ الِاسْتِثْنَاءِ؛ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ وَصْفٍ قَائِمٍ بِصَدْرِ الْكَلَامِ لَا يُفِيدُ بِدُونِهِ شَيْئًا حَتَّى إنَّ مَجْمُوعَ الِاسْتِثْنَاءِ، وَصَدْرَ الْكَلَامِ بِمَنْزِلَةِ كَلَامٍ وَاحِدٍ، فَجَهَالَتُهُ تُوجِبُ جَهَالَةَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، فَيَصِيرُ مَجْهُولًا مُجْمَلًا مُتَوَقِّفًا عَلَى الْبَيَانِ. (قَوْلُهُ: وَعِنْدَنَا تَمَكَّنَ فِيهِ شُبْهَةٌ) أَيْ: الْعَامِّ الَّذِي خُصَّ مِنْهُ الْبَعْضُ دَلِيلٌ فِيهِ شُبْهَةٌ

стр. 82

الْمُرَادَ الْبَعْضُ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ مَثَلًا إذَا كَانَ كُلُّ أَفْرَادِهِ مِائَةً، وَعُلِمَ أَنَّ الْمِائَةَ غَيْرُ مُرَادَةٍ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَعْدَادِ الَّتِي دُونَ الْمِائَةِ مُسَاوٍ فِي أَنَّ اللَّفْظَ مَجَازٌ فِيهِ فَلَا يَثْبُتُ عَدَدٌ مُعَيَّنٌ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ تَرْجِيحٌ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ ثُمَّ ذَكَرَ ثَمَرَةَ تَمَكُّنِ الشُّبْهَةِ فِيهِ بِقَوْلِهِ. (فَيَصِيرُ عِنْدَنَا كَالْعَامِّ الَّذِي لَمْ يُخَصَّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - حَتَّى يُخَصِّصَهُ خَبَرُ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسُ) ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ مَعَ وُجُودِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ لَا يَسْقُطُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ فَقَالَ (لَكِنْ لَا يَسْقُطُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ؛ لِأَنَّ ــ [التلويح] حَتَّى لَا يَكُونَ مُوجِبًا قَطْعًا وَيَقِينًا. أَمَّا كَوْنُهُ حُجَّةً فَلِاحْتِجَاجِ السَّلَفِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ الْمَخْصُوصُ مِنْهَا الْبَعْضُ شَائِعًا زَائِعًا مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ فَكَانَ إجْمَاعًا. وَأَمَّا تَمَكُّنُ الشُّبْهَةِ فَلِأَنَّهُ إذَا أُخْرِجَ مِنْهُ الْبَعْضُ لَمْ يَبْقَ مُسْتَعْمَلًا فِي الْكُلِّ، بَلْ فِيمَا دُونَهُ مَجَازًا، وَمَا دُونَ الْكُلِّ أَفْرَادٌ مُتَعَدِّدَةٌ مُتَسَاوِيَةٌ فِي كَوْنِ اللَّفْظِ مَجَازًا فِيهَا مِنْ غَيْرِ رُجْحَانٍ فَلَا يَثْبُتُ بَعْضٌ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ تَرْجِيحٌ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ، وَفِيهِ نَظَرٌ. أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ مَا ذُكِرَ إنَّمَا يَصِحُّ فِي الْمَخْصُوصِ الْمَجْهُولِ أَمَّا فِي الْمَعْلُومِ فَعَدَمُ الرُّجْحَانِ مَمْنُوعٌ، بَلْ مَجْمُوعُ مَا وَرَاءَ الْمَخْصُوصِ مُتَعَيِّنٌ مَثَلًا إذَا أُخْرِجَ مِنْ الْمِائَةِ عَشَرَةٌ تَعَيَّنَ التِّسْعُونَ، وَإِذَا أُخْرِجَ عِشْرُونَ تَعَيَّنَ الثَّمَانُونَ، وَإِذَا أُخْرِجَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ أَهْلِ الذِّمَّةِ تَعَيَّنَ غَيْرُهُمْ. وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ الدَّلِيلَ الْمَذْكُورَ عَلَى تَقْدِيرِ تَمَامِهِ لَا يَدُلُّ عَلَى تَمَكُّنِ الشُّبْهَةِ، بَلْ يَدُلُّ عَلَى أَنْ لَا يَبْقَى الْعَامُّ حُجَّةً أَصْلًا وَيَصِيرُ مُجْمَلًا مَوْقُوفًا عَلَى الْبَيَانِ، وَغَايَةُ تَوْجِيهِهِ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ عَدَدٌ مُعَيَّنٌ مِنْهَا عَلَى سَبِيلِ الْقَطْعِ، بَلْ إنْ كَانَ الْمَخْصُوصُ مَجْهُولًا لَا يَتَرَجَّحُ شَيْءٌ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ مَعْلُومًا يَتَرَجَّحُ مَجْمُوعُ مَا وَرَاءَ الْمَخْصُوصِ لَكِنْ ظَنًّا لَا قَطْعًا لِاحْتِمَالِ خُرُوجِ بَعْضٍ آخَرَ بِالتَّعْلِيلِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ " لِأَنَّهُ تَرْجِيحٌ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ " مُخْتَصًّا بِصُورَةِ الْمَجْهُولِ. (قَوْلُهُ حَتَّى يُخَصِّصَهُ) يَعْنِي: لَمَّا لَمْ يَبْقَ الْعَامُّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ قَطْعِيًّا جَازَ فِي الْعَامِّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ مِنْ الْكِتَابِ، وَالْمُتَوَاتِرِ مِنْ الْحَدِيثِ مَعْلُومًا كَانَ الْمَخْصُوصُ أَوْ مَجْهُولًا أَنْ يُخَصَّصَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسُ إجْمَاعًا وَيُعْلَمُ مِنْ جَوَازِ تَخْصِيصِهِ بِالْقِيَاسِ أَنَّهُ دُونَ خَبَرِ الْوَاحِدِ فِي الدَّرَجَةِ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ لَا يَصْلُحُ مُعَارِضًا لِخَبَرِ الْوَاحِدِ حَتَّى رَجَّحُوا خَبَرَ الْقَهْقَهَةِ عَلَى الْقِيَاسِ وَكَذَا خَبَرُ الْأَكْلِ نَاسِيًا فِي الصَّوْمِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْحُكْمِ فِيمَا وَرَاءَ الْمَخْصُوصِ إنَّمَا هُوَ مَعَ شَكٍّ فِي أَصْلِهِ، وَاحْتِمَالٍ فَيَجُوزُ أَنْ يُعَارِضَهُ الْقِيَاسُ بِخِلَافِ خَبَرِ الْوَاحِدِ، فَإِنَّهُ لَا شَكَّ فِي أَصْلِهِ، وَإِنَّمَا الِاحْتِمَالُ فِي طَرِيقِهِ بِاعْتِبَارِ تَوَهُّمِ غَلَطِ الرَّاوِي أَوْ مَيْلِهِ عَنْ الصِّدْقِ إلَى الْكَذِبِ فَلَا يَصْلُحُ الْقِيَاسُ مُعَارِضًا لَهُ، وَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِجَوَازِ تَخْصِيصِ هَذَا الْعَامِّ بِالْقِيَاسِ عَلَى أَنَّ الْمُخَصِّصَ لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُقَارِنًا لِلْقَطْعِ بِتَرَاخِي الْقِيَاسِ عَنْ الْكِتَابِ وَلَيْسَ بِسَدِيدٍ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ مُظْهِرٌ لَا مُثْبِتٌ، فَالْمُخَصِّصُ بِالْحَقِيقَةِ هُوَ النَّصُّ الْمُثْبِتُ لِلْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ وَلَا يُعْلَمُ

стр. 83

الْمُخَصِّصَ يُشْبِهُ النَّاسِخَ بِصِيغَةٍ، وَالِاسْتِثْنَاءَ بِحُكْمِهِ كَمَا قُلْنَا، فَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا يَسْقُطُ فِي نَفْسِهِ لِلشَّبَهِ الْأَوَّلِ، وَيُوجِبُ جَهَالَةً فِي الْعَامِّ لِلشَّبَهِ الثَّانِي فَيَدْخُلُ الشَّكُّ فِي سُقُوطِ الْعَامِّ فَلَا يَسْقُطُ بِهِ) أَيْ: بِالشَّكِّ إذْ قَبْلَ التَّخْصِيصِ كَانَ مَعْمُولًا بِهِ فَلَمَّا خُصَّ دَخَلَ الشَّكُّ فِي أَنَّهُ هَلْ بَقِيَ مَعْمُولًا بِهِ أَمْ بَطَلَ فَلَا يَبْطُلُ بِالشَّكِّ. (وَإِنْ كَانَ) أَيْ: الْمُخَصِّصُ. (مَعْلُومًا فَلِلشَّبَهِ الْأَوَّلِ يَصِحُّ تَعْلِيلُهُ) لَا يُرِيدُ بِقَوْلِهِ فَلِلشَّبَهِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُشَابِهُ النَّاسِخَ يَصِحُّ تَعْلِيلُهُ كَمَا يَصِحُّ أَنْ يُعَلِّلَ النَّاسِخَ الَّذِي يَنْسَخُ بَعْضَ أَفْرَادِ الْعَامِّ لِيَنْسَخَ بِالْقِيَاسِ بَعْضًا آخَرَ مِنْ أَفْرَادِ الْعَامِّ فَإِنَّ تَعْلِيلَ النَّاسِخِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا يَصِحُّ عَلَى مَا يَأْتِي فِي هَذِهِ الصَّفْحَةِ، بَلْ يُرِيدُ أَنَّهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ نَصٌّ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ يَصِحُّ تَعْلِيلُهُ. (كَمَا هُوَ عِنْدَنَا) فَإِنَّ عِنْدَنَا وَعِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ يَصِحُّ تَعْلِيلُهُ خِلَافًا لِلْجُبَّائِيِّ وَإِذَا صَحَّ تَعْلِيلُهُ لَا يُدْرَى أَنَّهُ كَمْ يَخْرُجُ بِالتَّعْلِيلِ أَيْ: بِالْقِيَاسِ وَكَمْ يَبْقَى تَحْتَ الْعِلْمِ. (فَيُوجِبُ جَهَالَةً فِيمَا بَقِيَ تَحْتَ الْعَامِّ، وَلِلشَّبَهِ الثَّانِي لَا يَصِحُّ تَعْلِيلُهُ كَمَا هُوَ عِنْدَ الْبَعْضِ فَدَخَلَ الشَّكُّ فِي سُقُوطٍ الْعَامِّ فَلَا سَقْطَ بِهِ) أَيْ: الشَّبَهُ الثَّانِي هُوَ شَبَهُ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ ــ [التلويح] تَرَاخِيهِ بِطَرِيقِ الْقَطْعِ. قَوْلُهُ: (لَكِنْ لَا يَسْقُطُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمُخَصِّصَ يُشْبِهُ النَّاسِخَ بِصِيغَتِهِ) ؛ لِأَنَّهُ كَلَامٌ مُبْتَدَأٌ مَفْهُومٌ بِنَفْسِهِ مُفِيدٌ لِلْحُكْمِ، وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ الْعَامُّ، وَيُشْبِهُ الِاسْتِثْنَاءَ بِحُكْمِهِ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ بَيَانُ إثْبَاتِ الْحُكْمِ فِيمَا وَرَاءَ الْمَخْصُوصِ، وَعَدَمُ دُخُولِ الْمَخْصُوصِ تَحْتَ حُكْمِ الْعَامِّ لَا رَفْعُ الْحُكْمِ عَنْ مَحَلِّ الْمَخْصُوصِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ، فَهُوَ مُسْتَقِلٌّ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ. وَالْأَصْلُ فِيمَا يَتَرَدَّدُ بَيْنَ الشَّبَهَيْنِ أَنْ يَعْتَبِرَ بِهِمَا وَيُوفِيَ حَظًّا مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا وَلَا يُبْطِلَ أَحَدَهُمَا بِالْكُلِّيَّةِ، فَالْمُخَصِّصُ إنْ كَانَ مَجْهُولًا أَيْ: مُتَنَاوِلًا لِمَا هُوَ مَجْهُولٌ عِنْدَ السَّامِعِ فَمِنْ جِهَةِ اسْتِقْلَالِهِ يَسْقُطُ هُوَ بِنَفْسِهِ، وَلَا تَتَعَدَّى جَهَالَتُهُ إلَى الْعَامِّ كَالنَّاسِخِ الْمَجْهُولِ، وَمِنْ جِهَةِ عَدَمِ اسْتِقْلَالِهِ يُوجِبُ جَهَالَةَ الْعَامِّ، وَسُقُوطَ الِاحْتِجَاجِ بِهِ لِتَعَدِّي جَهَالَتِهِ إلَيْهِ كَمَا فِي الِاسْتِثْنَاءِ الْمَجْهُولِ، فَوَقَعَ الشَّكُّ فِي سُقُوطِ الْعَامِّ، وَقَدْ كَانَ ثَابِتًا بِيَقِينٍ فَلَا يَزُولُ بِالشَّكِّ، بَلْ يَتَمَكَّنُ فِيهِ شُبْهَةُ جَهَالَةٍ تُورِثُ زَوَالَ الْيَقِينِ فَيُوجِبُ الْعَمَلَ دُونَ الْعِلْمِ، وَإِنْ كَانَ مَعْلُومًا فَمِنْ جِهَةِ اسْتِقْلَالِهِ يَصِحُّ تَعْلِيلُهُ كَمَا هُوَ الْأَصْلُ فِي النُّصُوصِ الْمُسْتَقِلَّةِ فَيُوجِبُ جَهَالَةً فِيمَا بَقِيَ تَحْتَ الْعَامِّ، إذْ لَا يُدْرَى أَنَّهُ كَمْ خَرَجَ بِالْقِيَاسِ فَيَنْبَغِي أَنْ تُسْقِطَ الْعَامَّ، وَمِنْ جِهَةِ عَدَمِ اسْتِقْلَالِهِ لَا يَصِحُّ تَعْلِيلُهُ عَلَى مَا هُوَ مَذْهَبُ الْجُبَّائِيُّ كَمَا لَا يَصِحُّ تَعْلِيلُ الِاسْتِثْنَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ نَصًّا مُسْتَقِلًّا، بَلْ بِمَنْزِلَةِ وَصْفٍ قَائِمٍ بِصَدْرِ الْكَلَامِ دَالٍّ عَلَى عَدَمِ دُخُولِ الْمُسْتَثْنَى فِي حُكْمِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَالْعَدَمُ لَا يُعَلَّلُ فَيَكُونُ مَا وَرَاءَ الْمَخْصُوصِ مَعْلُومًا فَيَجِبُ أَنْ يَبْقَى الْعَامُّ بِحَالِهِ، فَوَقَعَ الشَّكُّ فِي عَدَمِ حُجِّيَّةِ الْعَامِّ فَلَا نُبْطِلُ حُجِّيَّتَهُ الثَّابِتَةَ بِيَقِينٍ، بَلْ يَتَمَكَّنُ فِيهِ ضَرْبُ شُبْهَةٍ لِكَوْنِهِ ثَابِتًا مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ فَيُوجِبُ

стр. 84

حَيْثُ إنَّ الْمُخَصِّصَ يُبَيِّنُ أَنَّ الْمُخَصِّصَ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي الْعَامِّ؛ فَلِهَذَا الشَّبَهِ لَا يَصِحُّ تَعْلِيلُهُ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْجُبَّائِيُّ كَمَا لَا يَصِحُّ تَعْلِيلُ الْمُسْتَثْنَى وَإِخْرَاجُ الْبَعْضِ الْآخَرِ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ فَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَصِحُّ تَعْلِيلُهُ يَصِيرُ الْبَاقِي تَحْتَ الْعَامِّ مَجْهُولًا فَلَا يَبْقَى الْعَامُّ حُجَّةً، وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يَصِحُّ تَعْلِيلُهُ يَبْقَى الْعَامُّ حُجَّةً، وَقَدْ كَانَ قَبْلَ التَّخْصِيصِ حُجَّةً فَوَقَعَ الشَّكُّ فِي بُطْلَانِهِ فَلَا يَبْطُلُ بِالشَّكِّ هَذَا مَا قَالُوا، وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمَذْهَبُ عِنْدَكُمْ، وَعِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ صِحَّةَ تَعْلِيلٍ فَيَجِبُ أَنْ يَبْطُلَ الْعَامُّ عِنْدَكُمْ بِنَاءً عَلَى زَعْمِكُمْ فِي صِحَّةِ تَعْلِيلِهِ، وَلَا تَمَسُّكَ لَكُمْ بِزَعْمِ الْجُبَّائِيُّ أَنَّ عِنْدَهُ لَا يَصِحُّ تَعْلِيلُهُ فَلِدَفْعِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ قَالَ (عَلَى أَنَّ احْتِمَالَ التَّعْلِيلِ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ حُجَّةً؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى الْقِيَاسِ تَخْصِيصَهُ يَخُصُّ وَمَا لَا فَلَا) فَإِنَّ الْمُخَصِّصَ إنْ لَمْ يُدْرَكْ فِيهِ عِلَّةٌ لَا يُعَلَّلُ فَيَبْقَى الْعَامُّ فِي الْبَاقِي حُجَّةً، وَإِنْ عُرِفَ فِيهِ عِلَّةٌ فَكُلُّ مَا تُوجَدُ الْعِلَّةُ فِيهِ يَخُصُّ قِيَاسًا وَمَا لَا فَلَا فَلَا يَبْطُلُ الْعَامُّ بِاحْتِمَالِ التَّعْلِيلِ (فَظَهَرَ هُنَا الْفَرْقُ بَيْنَ التَّخْصِيصِ وَالنَّسْخِ) أَيْ: لَمَّا ذَكَرْنَا أَنَّ تَعْلِيلَ الْمُخَصِّصِ صَحِيحٌ ظَهَرَ مِنْ هَذَا الْحُكْمِ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُخَصِّصِ وَالنَّاسِخِ، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ تَعْلِيلُ النَّاسِخِ الَّذِي يَنْسَخُ الْحُكْمَ فِي بَعْضِ أَفْرَادِ الْعَامِّ لِيُثْبِتَ النَّسْخَ فِي بَعْضٍ آخَرَ قِيَاسًا صُورَتُهُ أَنْ يَرِدَ نَصٌّ خَاصٌّ حُكْمُهُ مُخَالِفٌ لِحُكْمِ الْعَامِّ، وَيَكُونَ وُرُودُهُ مُتَرَاخِيًا عَنْ وُرُودِ الْعَامِّ فَإِنَّا نَجْعَلُهُ نَاسِخًا لَا مُخَصِّصًا عَلَى مَا سَبَقَ. (فَإِنَّ الْعَامَّ الَّذِي نُسِخَ بَعْضُ مَا تَنَاوَلَهُ لَا يُنْسَخُ بِالْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ لَا يَنْسَخُ النَّصَّ ــ [التلويح] الْعَمَلَ دُونَ الْعِلْمِ فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُخَصِّصَ الْمَجْهُولَ بِاعْتِبَارِ الصِّيغَةِ لَا يُبْطِلُ الْعَامَّ بِاعْتِبَارِ الْحُكْمِ يُبْطِلُهُ، وَالْمَعْلُومَ بِالْعَكْسِ فَيَقَعُ الشَّكُّ فِي بُطْلَانِهِ وَالشَّكُّ لَا يَرْفَعُ أَصْلَ الْيَقِينِ، بَلْ وَصْفَهُ. (قَوْلُهُ: لَا يُرِيدُ بِقَوْلِهِ) لَمَّا كَانَ مَعْنَى سُقُوطِ الْمُخَصِّصِ الْمَجْهُولِ لِلشَّبَهِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لِشَبَهِهِ بِالنَّاسِخِ فَسَقَطَ كَمَا سَقَطَ النَّاسِخُ الْمَجْهُولُ، وَمَعْنَى إيجَابِهِ جَهَالَةَ الْعَامِّ لِلشَّبَهِ الثَّانِي أَنَّهُ لِشُبْهَةٍ بِالِاسْتِثْنَاءِ يُوجِبُ ذَلِكَ كَمَا يُوجِبُهُ الِاسْتِثْنَاءُ، وَمَعْنَى عَدَمِ صِحَّةِ تَعْلِيلِ الْمُخَصِّصِ الْمَعْلُومِ لِلشَّبَهِ الثَّانِي أَنَّهُ لِشَبَهِهِ بِالِاسْتِثْنَاءِ لَا يَصِحُّ تَعْلِيلُهُ كَمَا لَا يَصِحُّ تَعْلِيلُ الِاسْتِثْنَاءِ كَانَ السَّابِقُ إلَى الْوَهْمِ مِنْ قَوْلِهِ فَلِلشَّبَهِ الْأَوَّلِ يَصِحُّ تَعْلِيلُهُ أَنَّهُ لِشَبَهِهِ بِالنَّاسِخِ يَصِحُّ تَعْلِيلُهُ كَمَا يَصِحُّ تَعْلِيلُ النَّاسِخِ فَدَفَعَ ذَلِكَ الْوَهْمَ بِأَنَّ النَّاسِخَ لَا يَصِحُّ تَعْلِيلُهُ لِمَا يَلْزَمُ مِنْ نَسْخِ النَّصِّ بِالْقِيَاسِ عَلَى مَا سَيَأْتِي. فَإِنْ قِيلَ فَيَجِبُ أَنْ يَصِحَّ تَعْلِيلُ الْمُخَصِّصِ أَصْلًا؛ لِأَنَّ كِلَا شَبَهَيْهِ يَقْتَضِيَانِ عَدَمَ التَّعْلِيلِ قُلْنَا شَبَهُهُ بِالنَّاسِخِ وَهُوَ الِاسْتِقْلَالُ يَقْتَضِي صِحَّةَ التَّعْلِيلِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ فِي النَّاسِخِ لِمَانِعٍ وَهُوَ صَيْرُورَةُ الْقِيَاسِ مُعَارِضًا لِلنَّصِّ، وَلَا مَانِعَ فِي الْمُخَصِّصِ فَيَصِحُّ تَعْلِيلُهُ لِشَبَهِهِ بِالنَّاسِخِ أَيْ: لِاسْتِقْلَالِهِ. (قَوْلُهُ: عَلَى أَنَّ احْتِمَالَ التَّعْلِيلِ) يَصْلُحُ فِعْلًا لِلشُّبْهَةِ الْمُورَدَةِ مِنْ قِبَلِ الْكَرْخِيِّ فِي بُطْلَانِ الِاحْتِجَاجِ بِالْعَامِّ الْمَخْصُوصِ لَا جَوَابًا عَنْ الْإِشْكَالِ الْوَارِدِ عَلَى كَلَامِ الْقَوْمِ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ صِحَّةُ تَعْلِيلِ الْمَخْصُوصِ تُوجِبُ جَهَالَةً فِي الْعَامِّ وَتَقْتَضِي سُقُوطَهُ، وَبُطْلَانَ حُجِّيَّتِهِ كَمَا زَعَمْتُمْ لَوَجَبَ بُطْلَانُ حُجِّيَّةِ الْعَامِّ

стр. 85

إذْ هُوَ لَا يُعَارِضُهُ؛ لِأَنَّهُ دُونَهُ لَكِنْ يُخَصِّصُهُ، وَلَا يَلْزَمُ بِهِ الْمُعَارَضَةُ؛ لِأَنَّهُ يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ وَهُنَا مَسَائِلُ مِنْ الْفُرُوعِ تُنَاسِبُ مَا ذَكَرْنَا) مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ وَالنَّسْخِ وَالتَّخْصِيصِ (فَنَظِيرُ الِاسْتِثْنَاءِ مَا إذَا بَاعَ الْحُرَّ وَالْعَبْدَ بِثَمَنٍ أَوْ بَاعَ عَبْدَيْنِ إلَّا هَذَا بِحِصَّتِهِ مِنْ الْأَلْفِ يَبْطُلُ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَمْ يَدْخُلْ فِي الْبَيْعِ فَصَارَ الْبَيْعُ بِالْحِصَّةِ ابْتِدَاءً؛ وَلِأَنَّ مَا لَيْسَ بِمَبِيعٍ يَصِيرُ شَرْطًا لِقَبُولِ الْمَبِيعِ فَيَفْسُدُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ) فَفِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى لَيْسَتْ حَقِيقَةُ الِاسْتِثْنَاءِ مَوْجُودَةً لَكِنَّهَا تُنَاسِبُ الِاسْتِثْنَاءَ فِي أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَمْنَعُ دُخُولَ الْمُسْتَثْنَى فِي حُكْمِ صَدْرِ الْكَلَامِ، وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ــ [التلويح] الْمَخْصُوصِ عِنْدَكُمْ؛ لِأَنَّكُمْ قَائِلُونَ بِصِحَّةِ تَعْلِيلِ الْمَخْصُوصِ، إذْ لَا يَخْفَى أَنَّ الْمَذْكُورَ لَا يَصْلُحُ جَوَابًا عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَسْلِيمِ بُطْلَانِ الْمُقَدِّمَةِ الْقَائِلَة بِأَنَّ صِحَّةَ التَّعْلِيلِ تُوجِبُ جَهَالَةً فِي الْعَامِّ، فَإِنْ قِيلَ الْمُخَصِّصُ إذَا لَمْ يُدْرَكْ عَلَيْهِ فَاحْتِمَالُ التَّعْلِيلِ بَاقٍ عَلَى مَا هُوَ الْأَصْلُ فِي النُّصُوصِ، وَإِذَا أُدْرِكَتْ فَاحْتِمَالُ الْغَيْرِ قَائِمٌ لِمَا فِي الْعِلَلِ مِنْ التَّزَاحُمِ، وَبَعْدَمَا تَعَيَّنَتْ لَا يُدْرَى أَنَّهَا فِي أَيِّ قَدْرٍ مِنْ أَفْرَادِ الْعَامِّ تُوجَدُ، وَكُلُّ ذَلِكَ يُوجِبُ جَهَالَةَ الْعَامِّ، وَبُطْلَانَ حُجَّتِهِ قُلْنَا لَا، بَلْ يُوجِبُ تَمَكُّنَ الشُّبْهَةِ فِيهِ لِمَا عَرَفْت مِنْ أَنَّهُ ثَابِتٌ بِيَقِينٍ وَالشَّكُّ لَا يُوجِبُ زَوَالَ أَصْلِ الْيَقِينِ، بَلْ وَصْفَ كَوْنِهِ يَقِينًا. (قَوْلُهُ: إذْ هُوَ) أَيْ: الْقِيَاسُ لَا يُعَارِضُ النَّصَّ؛ لِأَنَّهُ دُونَ النَّصِّ فَلَا يَنْسَخُهُ؛ لِأَنَّ عَمَلَ النَّاسِخِ إنَّمَا هُوَ فِي رَفْعِ الْحُكْمِ بِاعْتِبَارِ الْمُعَارَضَةِ لَكِنْ يُخَصَّصُ النَّصُّ الْعَامُّ الَّذِي خُصَّ مِنْهُ الْبَعْضُ؛ لِأَنَّ عَمَلَ الْمُخَصِّصِ إنَّمَا هُوَ عَلَى وَجْهِ الْبَيَانِ دُونَ الْمُعَارَضَةِ، فَالْقِيَاسُ الْمُسْتَنْبَطُ مِنْ الْمُخَصِّصِ يُبَيِّنُ أَنَّ قَدْرَ مَا تَعَدَّى إلَيْهِ الْعِلَّةُ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ الْعَامِّ كَمَا أَنَّ النِّصْفَ الْمُخَصِّصَ يُبَيِّنُ أَنَّ قَدْرَ مَا تَنَاوَلَهُ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَهُ، فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ لَمْ يَجُزْ التَّخْصِيصُ بِالْقِيَاسِ ابْتِدَاءً؟ قُلْنَا؛ لِأَنَّ مَا يَتَنَاوَلُهُ الْقِيَاسُ دَاخِلٌ تَحْتَ الْعَامِّ قَطْعًا، وَالْقِيَاسُ يُبَيِّنُ عَدَمَ دُخُولِهِ ظَنًّا فَلَا يُسْمَعُ بِخِلَافِ الْعَامِّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ فَإِنَّهُ أَيْضًا ظَنِّيٌّ، وَالْقِيَاسُ مُؤَيَّدٌ بِمَا يُشَارِكُهُ فِي بَيَانِ عَدَمِ دُخُولِ بَعْضِ الْأَفْرَادِ، وَقَدْ يُقَالُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الَّذِي يُسْنَدُ إلَيْهِ الْقِيَاسُ لَا يَصْلُحُ مُبَيِّنًا لِهَذَا الْعَامِّ لِعَدَمِ تَنَاوُلِهِ شَيْئًا مِنْ أَفْرَادِهِ، فَكَذَا الْقِيَاسُ الْمُسْتَنْبَطُ مِنْهُ لَا يَصْلُحُ مُبَيِّنًا لِلْعَامِّ فَلَوْ اُعْتُبِرَ لَمْ يَكُنْ إلَّا مُعَارِضًا، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ عَدَمَ صُلُوحِ الْأَصْلِ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ عَدَمِ التَّنَاوُلِ لِشَيْءٍ مِنْ أَفْرَادِ الْعَامِّ، وَالْكَلَامُ فِي الْقِيَاسِ الْمُتَنَاوِلِ لَهُ وَإِلَّا لَمْ يُتَصَوَّرْ كَوْنُهُ مُخَصِّصًا، فَعَدَمُ صُلُوحِ الْأَصْلِ لِلْبَيَانِ لَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ صُلُوحِ الْقِيَاسِ لِذَلِكَ، وَأَيْضًا لَمْ يَشْتَرِطُوا فِي الْقِيَاسِ الْمُخَصِّصِ لِلْعَامِّ الَّذِي خُصَّ مِنْهُ الْبَعْضُ أَنْ يَكُونَ أَصْلُهُ مُخَصِّصًا لِذَلِكَ الْعَامِّ بَلْ إذَا خُصَّ الْعَامُّ بِقَطْعِيٍّ صَارَ ظَنِّيًّا فَجَازَ تَخْصِيصُهُ بِالْقِيَاسِ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَنِدًا إلَى أَصْلٍ لَا يَتَنَاوَلُ شَيْئًا مِنْ أَفْرَادِ الْعَامِّ. (قَوْلُهُ فَنَظِيرُ الِاسْتِثْنَاءِ مَا إذَا بَاعَ الْحُرَّ وَالْعَبْدَ بِثَمَنٍ) أَيْ: بِثَمَنٍ وَاحِدٍ، إذْ لَوْ فَصَّلَ الثَّمَنَ بِأَنْ قَالَ بِعْتُهُمَا بِأَلْفٍ كُلَّ وَاحِدٍ

стр. 86

لَمْ يَدْخُلْ الْحُرُّ تَحْتَ الْإِيجَابِ مَعَ أَنَّ صَدْرَ الْكَلَامِ تَنَاوَلَهُ فَصَارَ كَأَنَّهُ مُسْتَثْنًى، وَفِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ وَهِيَ مَا إذَا بَاعَ عَبْدَيْنِ إلَّا هَذَا حَقِيقَةُ الِاسْتِثْنَاءِ مَوْجُودَةٌ فَإِذَا لَمْ يَدْخُلْ أَحَدُهُمَا فِي الْبَيْعِ لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ فِي الْآخَرِ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدِهِمَا: أَنَّهُ يَصِيرُ الْبَيْعُ فِي الْآخَرِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ الْمُقَابِلِ بِهِمَا وَالْبَيْعُ بِالْحِصَّةِ ابْتِدَاءً بَاطِلٌ لِلْجَهَالَةِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا ابْتِدَاءً؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ بِالْحِصَّةِ بَقَاءٌ صَحِيحٌ كَمَا يَأْتِي فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي هِيَ نَظِيرُ النَّسْخِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْبَيْعَ فِي الْآخَرِ بَيْعٌ بِشَرْطٍ مُخَالِفٍ لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ وَهُوَ أَنَّ قَبُولَ مَا لَيْسَ بِمَبِيعٍ وَهُوَ الْحُرُّ أَوْ الْعَبْدُ الْمُسْتَثْنَى يَصِيرُ شَرْطًا لِقَبُولِ الْمَبِيعِ. (وَنَظِيرُ النَّسْخِ مَا إذَا بَاعَ عَبْدَيْنِ بِأَلْفٍ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ التَّسْلِيمِ يَبْقَى الْعَقْدُ فِي الْبَاقِي بِحِصَّتِهِ) (فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُنَاسِبُ النَّسْخَ) مِنْ حَيْثُ إنَّ الْعَبْدَ الَّذِي مَاتَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ كَانَ دَاخِلًا تَحْتَ الْبَيْعِ لَكِنْ لَمَّا مَاتَ فِي يَدِ الْبَائِعِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ انْفَسَخَ الْبَيْعُ فِيهِ فَصَارَ كَالنَّسْخِ لِأَنَّ النَّسْخَ تَبْدِيلٌ بَعْدَ الثُّبُوتِ فَلَا يَفْسُدُ الْبَيْعُ فِي الْعَبْدِ الْآخَرِ مَعَ أَنَّهُ يَصِيرُ بَيْعًا بِالْحِصَّةِ لَكِنْ فِي حَالَةِ الْبَقَاءِ، وَأَنَّهُ غَيْرُ مُفْسِدٍ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ الطَّارِئَةَ لَا تُفْسِدُ. (وَنَظِيرُ التَّخْصِيصِ مَا إذَا بَاعَ عَبْدَيْنِ بِأَلْفٍ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ فِي أَحَدِهِمَا صَحَّ إنْ عَلِمَ مَحَلَّ الْخِيَارِ وَثَمَنَهُ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ بِالْخِيَارِ يَدْخُلُ فِي الْإِيجَابِ لَا فِي الْحُكْمِ ــ [التلويح] بِخَمْسِمِائَةٍ صَحَّ فِي الْعَبْدِ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀. (قَوْلُهُ لَمْ يَدْخُلْ الْحُرُّ تَحْتَ الْإِيجَابِ) ؛ لِأَنَّ دُخُولَ الشَّيْءِ فِي الْعَقْدِ إنَّمَا هُوَ بِصِفَةِ الْمَالِيَّةِ، وَالتَّقَوُّمِ، وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ فِي الْحُرِّ وَكَذَا إذَا جَمَعَ بَيْنَ حَيٍّ وَمَيِّتٍ أَوْ بَيْنَ مَيْتَةٍ وَذَكِيَّةٍ أَوْ بَيْنَ خَلٍّ وَخَمْرٍ. (قَوْلُهُ: فَصَارَ الْبَيْعُ بِالْحِصَّةِ ابْتِدَاءً) بِأَنْ يُقَسِّمَ الْأَلْفَ عَلَى قِيمَةِ الْعَبْدِ الْمَبِيعِ، وَقِيمَةِ الْحُرِّ بَعْدَ أَنْ يَفْرِضَ عَبْدًا فِي الصُّورَةِ الْأُولَى وَعَلَى قِيمَةِ الْعَبْدِ الْمَبِيعِ، وَقِيمَةِ الْعَبْدِ الْمُسْتَثْنَى فِي الثَّانِيَةِ حَتَّى لَوْ كَانَ قِيمَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَمْسَمِائَةٍ فَحِصَّةُ الْعَبْدِ مِنْ الْأَلْفِ خَمْسُمِائَةٍ عَلَى التَّنَاصُفِ وَصُورَةُ الْبَيْعِ بِالْحِصَّةِ مَا إذَا قَالَ بِعْت مِنْك هَذَا الْعَبْدَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الْأَلْفِ الْمُوَزَّعِ عَلَى قِيمَتِهِ، وَقِيمَةُ ذَلِكَ الْعَبْدِ الْآخَرِ وَهُوَ بَاطِلٌ لِجَهَالَةِ الثَّمَنِ وَقْتَ الْبَيْعِ. (قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ مَا لَيْسَ بِمَبِيعٍ يَصِيرُ شَرْطًا) ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمَّا جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي الْإِيجَابِ فَقَدْ شَرَطَ قَبُولَ الْعَقْدِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَبُولُهُ فِي الْآخَرِ حَتَّى لَا يَمْلِكَ الْمُشْتَرِي قَبُولَ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، فَإِنْ قِيلَ هَذَا الِاشْتِرَاطُ إنَّمَا هُوَ عِنْدَ صِحَّةِ الْإِيجَابِ فِيهِمَا لِئَلَّا يَكُونَ الْمُشْتَرِي مُلْحِقًا لِلضَّرَرِ بِالْبَائِعِ فِي قَبُولِ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَصِحَّ كَمَا إذَا اشْتَرَى عَبْدًا، وَمُكَاتَبًا أَوْ مُدَبَّرًا، أَوْ أُمَّ وَلَدٍ يَصِحُّ فِي الْعَبْدِ. قُلْنَا الْكَلَامُ فِي كَوْنِهِ شَرْطًا فَاسِدًا، وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ عَدَمِ صِحَّةِ الْإِيجَابِ فِيهِمَا. وَأَمَّا إذَا صَحَّ فَهُوَ شَرْطٌ صَحِيحٌ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ حَاصِلَ السُّؤَالِ مَنْعُ الِاشْتِرَاطِ عِنْدَ عَدَمِ صِحَّةِ الْإِيجَابِ فِيهِمَا وَمَا ذُكِرَ لَا يَدْفَعُ الْمَنْعَ. (قَوْلُهُ: الْعَبْدُ الَّذِي فِيهِ الْخِيَارُ دَاخِلٌ فِي الْإِيجَابِ) لِوُرُودِ الْإِيجَابِ

стр. 87

فَصَارَ فِي السَّبَبِ كَالنَّسْخِ، وَفِي الْحُكْمِ كَالِاسْتِثْنَاءِ فَإِذَا جَهِلَ أَحَدُهُمَا لَا يَصِحُّ لِشَبَهِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَإِذَا عَلِمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَصِحُّ لِشَبَهِ النَّسْخِ وَلَمْ يُعْتَبَرْ هُنَا شَبَهُ الِاسْتِثْنَاءِ حَتَّى يَفْسُدَ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ بِخِلَافِ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ إذَا بَيَّنَ حِصَّةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَبَيَانُ مُنَاسَبَتِهَا التَّخْصِيصُ أَنَّ التَّخْصِيصَ يُشَابِهُ النَّسْخَ بِصِيغَتِهِ، وَالِاسْتِثْنَاءَ بِحُكْمِهِ، وَهُنَا الْعَبْدُ الَّذِي فِيهِ الْخِيَارُ دَاخِلٌ فِي الْإِيجَابِ لَا الْحُكْمِ عَلَى مَا عُرِفَ فَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ دَاخِلٌ فِي الْإِيجَابِ يَكُونُ رَدُّهُ بِخِيَارِ الشَّرْطِ تَبْدِيلًا فَيَكُونُ كَالنَّسْخِ وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي الْحُكْمِ يَكُونُ رَدُّهُ بِخِيَارِ الشَّرْطِ بَيَانَ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فَيَكُونُ كَالِاسْتِثْنَاءِ وَإِذَا كَانَ لَهُ شَبَهَانِ يَكُونُ ــ [التلويح] عَلَى الْعَبْدَيْنِ لَا فِي الْحُكْمِ لِمَا عَرَفْت فِي مَوْضِعِهِ مِنْ أَنَّ شَرْطَ الْخِيَارِ يَمْنَعُ الْمِلْكَ عَنْ الثُّبُوتِ لَا السَّبَبَ عَنْ الِانْعِقَادِ عَلَى مَا سَيَجِيءُ تَحْقِيقُهُ فِي فَصْلِ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ. (قَوْلُهُ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ) لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ الْخِيَارِ وَالثَّمَنُ كِلَاهُمَا مَعْلُومَيْنِ، أَوْ مَحَلُّ الْخِيَارِ مَعْلُومًا وَالثَّمَنُ مَجْهُولًا، أَوْ بِالْعَكْسِ، أَوْ كِلَاهُمَا مَجْهُولَيْنِ. مِثَالُ الْأَوَّلِ بَاعَ سَالِمًا وَغَانِمًا بِأَلْفَيْنِ كُلًّا مِنْهُمَا بِأَلْفٍ صَفْقَةً وَاحِدَةً عَلَى أَنَّ الْبَائِعَ أَوْ الْمُشْتَرِيَ بِالْخِيَارِ فِي سَالِمٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِثَالُ الثَّانِي: بَاعَهُمَا بِأَلْفَيْنِ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ فِي سَالِمٍ. مِثَالُ الثَّالِثِ بَاعَهُمَا بِأَلْفَيْنِ كُلًّا مِنْهُمَا بِأَلْفٍ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ فِي أَحَدِهِمَا. مِثَالُ الرَّابِعِ بَاعَهُمَا بِأَلْفَيْنِ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ فِي أَحَدِهِمَا مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ لِثَمَنِ كُلِّ وَاحِدٍ وَلَا لِمَا فِيهِ الْخِيَارُ فَرِعَايَةُ شَبَهِ النَّسْخِ أَعْنِي: كَوْنَ مَحَلِّ الْخِيَارِ دَاخِلًا فِي الْإِيجَابِ تَقْتَضِي صِحَّةَ الْبَيْعِ فِي الصُّوَرِ الْأَرْبَعِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْعَبْدَيْنِ بِالنَّظَرِ إلَى الْإِيجَابِ مَبِيعٌ بَيْعًا وَاحِدًا، فَلَا يَكُونُ بَيْعًا بِالْحِصَّةِ ابْتِدَاءً بَلْ بَقَاءً، وَرِعَايَةُ شَبَهِ الِاسْتِثْنَاءِ أَعْنِي: كَوْنَ مَحَلِّ الْخِيَارِ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي الْحُكْمِ تَقْتَضِي فَسَادَ الْبَيْعِ فِي الصُّوَرِ الْأَرْبَعِ لِوُجُودِ الشَّرْطِ الْفَاسِدِ فِي الْأُولَى مَعَ جَهَالَةِ الثَّمَنِ فِي الثَّانِيَةِ، وَجَهَالَةِ الْمَبِيعِ فِي الثَّالِثَةِ، وَجَهَالَتِهِمَا فِي الرَّابِعَةِ فَلِرِعَايَةِ الشَّبَهَيْنِ صَحَّ الْبَيْعُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى دُونَ الثَّلَاثَةِ الْبَاقِيَةِ أَعْنِي: صَحَّ فِي الْأُولَى رِعَايَةً لِشَبَهِ النَّسْخِ، وَلَمْ يَصِحَّ فِي الْبَوَاقِي رِعَايَةً لِشَبَهِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَوَجْهُ الِاخْتِصَاصِ أَنَّ مَعْلُومِيَّةَ مَحَلِّ الْخِيَارِ، وَالثَّمَنِ تُرَجِّحُ جَانِبَ الصِّحَّةِ فَيُلَائِمُ شَبَهَ النَّسْخِ الْمُقْتَضِي لِلصِّحَّةِ، وَجَهَالَةُ مَحَلِّ الْخِيَارِ أَوْ الثَّمَنِ أَوْ كِلَيْهِمَا تُرَجِّحُ جَانِبَ الْفَسَادِ فَيُلَائِمُ شَبَهَ الِاسْتِثْنَاءِ، وَقَدْ يُقَالُ إنَّ فِي كُلٍّ مِنْ الصُّوَرِ عَمَلًا بِالشَّبَهَيْنِ. أَمَّا فِي الْأُولَى فَلِأَنَّ شَبَهَ الِاسْتِثْنَاءِ أَيْضًا يُوجِبُ صِحَّتَهَا لِكَوْنِهِ اسْتِثْنَاءً مَعْلُومًا. وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَلِأَنَّ شَبَهَ النَّسْخِ يُوجِبُ لُزُومَ الْعَقْدِ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْخِيَارِ؛ لِأَنَّ جَهَالَةَ الثَّمَنِ طَارِئَةٌ، وَشَبَهَ الِاسْتِثْنَاءِ يُوجِبُ فَسَادَهُ فَلَا يَثْبُتُ الْجَوَازُ بِالشَّكِّ. وَأَمَّا فِي الْأَخِيرَيْنِ فَلِأَنَّ شَبَهَ الِاسْتِثْنَاءِ يُوجِبُ فَسَادَ الْعَقْدِ، وَشَبَهَ النَّسْخِ يُوجِبُ انْعِقَادَهُ فِي الْعَبْدَيْنِ فَلَا يَنْعَقِدُ بِالشَّكِّ، وَفِيهِ

стр. 88

كَالتَّخْصِيصِ الَّذِي لَهُ شَبَهٌ بِالنَّسْخِ وَشَبَهٌ بِالِاسْتِثْنَاءِ فَلِرِعَايَةِ الشَّبَهَيْنِ قُلْنَا إنْ عَلِمَ مَحَلَّ الْخِيَارِ وَثَمَنَهُ يَصِحُّ الْبَيْعُ، وَإِلَّا فَلَا، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدِهَا: أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ الْخِيَارِ وَثَمَنُهُ مَعْلُومَيْنِ كَمَا إذَا بَاعَ هَذَا وَذَاكَ بِأَلْفَيْنِ هَذَا بِأَلْفٍ وَذَاكَ بِأَلْفٍ صَفْقَةً وَاحِدَةً عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ فِي ذَلِكَ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ الْخِيَارِ مَعْلُومًا لَكِنَّ ثَمَنَهُ لَا يَكُونُ مَعْلُومًا. وَالثَّالِثِ: عَلَى الْعَكْسِ. وَالرَّابِعِ: أَنْ لَا يَكُونَ شَيْءٌ مِنْهُمَا مَعْلُومًا فَلَوْ رَاعَيْنَا كَوْنَهُ دَاخِلًا فِي الْإِيجَابِ يَصِحُّ الْبَيْعُ فِي الصُّوَرِ الْأَرْبَعِ غَايَةُ مَا فِي الْبَابِ أَنَّهُ يَصِيرُ بَيْعًا بِالْحِصَّةِ لَكِنَّهُ فِي الْبَقَاءِ لَا فِي الِابْتِدَاءِ فَلَا يَفْسُدُ الْبَيْعُ، وَلَوْ رَاعَيْنَا كَوْنَهُ غَيْرَ دَاخِلٍ فِي الْحُكْمِ يَفْسُدُ الْبَيْعُ فِي الصُّوَرِ الْأَرْبَعِ. أَمَّا إذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ مَحَلِّ الْخِيَارِ وَثَمَنِهِ مَعْلُومًا فَلِأَنَّ قَبُولَ غَيْرِ الْمَبِيعِ يَصِيرُ شَرْطًا لِقَبُولِ الْمَبِيعِ وَأَمَّا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا مَجْهُولًا فَلِهَذِهِ الْعِلَّةِ وَلِجَهَالَةِ الْمَبِيعِ أَوْ الثَّمَنِ أَوْ كِلَيْهِمَا، فَإِذَا عُلِمَ أَنَّ شَبَهَ النَّسْخِ يُوجِبُ الصِّحَّةَ فِي الْجَمِيعِ، وَشَبَهَ الِاسْتِثْنَاءِ يُوجِبُ الْفَسَادَ فِي الْجَمِيعِ فَرَاعَيْنَا الشَّبَهَيْنِ، وَقُلْنَا إذَا كَانَ مَحَلُّ الْخِيَارِ أَوْ ثَمَنُهُ مَجْهُولًا لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ رِعَايَةً لِشَبَهِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَإِذَا كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا مَعْلُومًا يَصِحُّ الْبَيْعُ رِعَايَةً لِشَبَهِ النَّسْخِ، وَلَمْ يُعْتَبَرْ هُنَا شَبَهُ الِاسْتِثْنَاءِ حَتَّى يَفْسُدَ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ وَهُوَ أَنَّ قَبُولَ مَا لَيْسَ بِمَبِيعٍ يَصِيرُ شَرْطًا لِقَبُولِ ــ [التلويح] نَظَرٌ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ مَعْنَى شَبَهِ الِاسْتِثْنَاءِ أَنَّ مَحَلَّ الْخِيَارِ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي الْحُكْمِ فَيَكُونُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ غَيْرَ مَبِيعٍ فَيَكُونُ قَبُولُهُ شَرْطًا فَاسِدًا مُفْسِدًا لِلْبَيْعِ، وَمَعْلُومِيَّةُ الِاسْتِثْنَاءِ لَا تَدْفَعُ ذَلِكَ؛ وَلِهَذَا جُعِلَ الِاسْتِثْنَاءُ فِي صُورَةِ جَهَالَةِ الثَّمَنِ وَحْدَهُ مُوجِبًا لِلْفَسَادِ مَعَ أَنَّهُ مَعْلُومٌ. وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْعُقُودِ هُوَ الِانْعِقَادُ وَالْجَوَازُ إذَا لَمْ تُوضَعْ فِي الشَّرْعِ إلَّا لِذَلِكَ فَعَلَى مَا ذَكَرَهُ يَلْزَمُ أَنْ لَا يَثْبُتَ الْفَسَادُ فِي شَيْءٍ مِنْ الصُّوَرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِالشَّكِّ. (قَوْلُهُ: وَلِجَهَالَةِ الْمَبِيعِ أَوْ الثَّمَنِ) فَإِنْ قِيلَ: جَهَالَةُ الثَّمَنِ طَارِئَةٌ بِعَارِضِ الْخِيَارِ بَعْدَ صِحَّةِ التَّسْمِيَةِ فَلَا تَمْنَعُ الْجَوَازَ كَمَا فِي بَيْعِ الْقِنِّ مَعَ الْمُدَبَّرِ أُجِيبُ بِأَنَّ حُكْمَ الْعَقْدِ لَمَّا انْعَدَمَ فِي مَحَلِّ الْخِيَارِ بِنَصٍّ قَائِمٍ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَهُوَ الْخِيَارُ لَزِمَ انْعِدَامُهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِحُكْمِهِ فَصَارَ الْإِيجَابُ فِي حَقِّ الْحُكْمِ فِي مَحَلِّ الْخِيَارِ بِمَنْزِلَةِ الْعَدَمِ كَمَا فِي بَيْعِ الْحُرِّ فَيَبْقَى الْإِيجَابُ فِي حَقِّ الْآخَرِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ ابْتِدَاءً بِخِلَافِ الْمُدَبَّرِ مَعَ الْقِنِّ، فَإِنَّ الْإِيجَابَ تَنَاوَلَهُمَا، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ الْحُكْمُ فِيهِ لِضَرُورَةِ صِيَانَةِ حَقِّهِ لَا بِنَصٍّ قَائِمٍ يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْحُكْمِ فِيهِ، وَالثَّابِتُ بِالضَّرُورَةِ لَا يَظْهَرُ حُكْمُهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الضَّرُورَةِ فَيَبْقَى الْإِيجَابُ مُتَنَاوِلًا لَهُ فِيمَا وَرَاءَ هَذِهِ الضَّرُورَةِ كَذَا فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ وَقِيلَ: مَحَلُّ الْخِيَارِ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْحُكْمِ، فَيَصِيرُ الثَّمَنُ مَجْهُولًا مِنْ الِابْتِدَاءِ بِخِلَافِ الْمُدَبَّرِ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِي الْعَقْدِ، وَالْحُكْمِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّهُ قَابِلٌ لَهُ بِقَضَاءِ الْقَاضِي، ثُمَّ يَخْرُجُ فَتَحْدُثُ جَهَالَةُ ثَمَنِ الْقِنِّ بِهِ. (قَوْلُهُ: وَلَمْ يُعْتَبَرْ هُنَا) إشَارَةٌ إلَى جَوَابِ سُؤَالٍ تَقْرِيرُهُ أَنَّ الْبَيْعَ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ

стр. 89

الْمَبِيعِ بِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَ الْحُرَّ وَالْعَبْدَ بِأَلْفٍ صَفْقَةً وَاحِدَةً، وَبَيَّنَ ثَمَنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَيْثُ يَفْسُدُ الْبَيْعُ فِي الْعَبْدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّ الْحُرَّ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي الْبَيْعِ أَصْلًا فَيَصِيرُ كَالِاسْتِثْنَاءِ بِلَا مُشَابَهَةِ النَّسْخِ، فَيَكُونُ مَا لَيْسَ بِمَبِيعٍ شَرْطًا لِقَبُولِ الْمَبِيعِ (فَصْلٌ فِي أَلْفَاظِهِ، وَهِيَ إمَّا عَامٌّ بِصِيغَتِهِ، وَمَعْنَاهُ كَالرِّجَالِ، وَإِمَّا عَامٌّ بِمَعْنَاهُ، وَهَذَا إمَّا أَنْ يَتَنَاوَلَ ــ [التلويح] فَاسِدًا بِنَاءً عَلَى وُجُودِ الشَّرْطِ الْفَاسِدِ وَهُوَ صَيْرُورَةُ قَبُولِ مَا لَيْسَ بِمَبِيعٍ شَرْطًا لِقَبُولِ الْمَبِيعِ كَمَا فِي بَيْعِ الْعَبْدِ مَعَ الْحُرِّ وَتَقْرِيرُ الْجَوَابِ أَنَّ كَوْنَ مَحَلِّ الْخِيَارِ غَيْرُ مَبِيعٍ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ شَبَهِ الِاسْتِثْنَاءِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي الْحُكْمِ. وَأَمَّا بِاعْتِبَارِ شَبَهِ النَّسْخِ فَهُوَ مَبِيعٌ لِكَوْنِهِ دَاخِلًا فِي الْإِيجَابِ، فَيَكُونُ قَبُولُهُ شَرْطًا صَحِيحًا بِخِلَافِ الْحُرِّ أَوْ الْعَبْدِ الْمُصَرَّحِ بِاسْتِثْنَائِهِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمَبِيعٍ أَصْلًا وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَحَلَّ الْخِيَارِ مَبِيعٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ فَاعْتُبِرَ فِي صُورَةِ مَعْلُومِيَّةِ مَحَلِّ الْخِيَارِ وَالثَّمَنِ جِهَةُ كَوْنِهِ مَبِيعًا حَتَّى لَا يَفْسُدَ الْبَيْعُ رِعَايَةً لِشَبَهِ النَّسْخِ، وَفِي غَيْرِهَا جِهَةُ كَوْنِهِ غَيْرَ مَبِيعٍ حَتَّى يَفْسُدَ رِعَايَةً لِشَبَهِ الِاسْتِثْنَاءِ. [فَصْلٌ فِي أَلْفَاظِ الْعَامِّ] (قَوْلُهُ فَصْلٌ فِي أَلْفَاظِهِ) أَيْ فِي أَلْفَاظِ الْعَامِّ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ حَيْثُ فَسَّرَ قَوْلَهُ، وَمِنْهَا بِقَوْلِهِ أَيْ مِنْ أَلْفَاظِ الْعَامِّ، وَالْأَوْلَى أَلْفَاظُ الْعُمُومِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ غَيْرُهُ، قَوْلُهُ وَهِيَ (إمَّا لَفْظٌ عَامٌّ بِصِيغَتِهِ، وَمَعْنَاهُ) بِأَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مَجْمُوعًا وَالْمَعْنَى مُسْتَوْعَبًا سَوَاءٌ وُجِدَ لَهُ مُفْرَدٌ مِنْ لَفْظِهِ كَالرِّجَالِ أَوْ لَا كَالنِّسَاءِ، وَإِمَّا عَامًّا بِمَعْنَاهُ فَقَطْ بِأَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مُفْرَدًا مُسْتَوْعِبًا لِكُلِّ مَا يَتَنَاوَلُهُ، وَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ الْعَامُّ عَامًّا بِصِيغَتِهِ فَقَطْ إذْ لَا بُدَّ مِنْ اسْتِيعَابِ الْمَعْنَى، وَهَذَا أَيْ الْعَامُّ بِمَعْنَاهُ فَقَطْ إمَّا أَنْ يَتَنَاوَلَ مَجْمُوعَ الْأَفْرَادِ، وَإِمَّا أَنْ يَتَنَاوَلَ كُلَّ وَاحِدٍ، وَالْمُتَنَاوِلُ لِكُلِّ وَاحِدٍ إمَّا أَنْ يَتَنَاوَلَهُ عَلَى سَبِيلِ الشُّمُولِ أَوْ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ فَالْأَوَّلُ أَنْ يَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِمَجْمُوعِ الْآحَادِ لَا بِكُلِّ وَاحِدٍ عَلَى الِانْفِرَادِ، وَحَيْثُ يَثْبُتُ لِلْآحَادِ إنَّمَا يَثْبُتُ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي الْمَجْمُوعِ كَالرَّهْطِ اسْمٌ لِمَا دُونَ الْعَشَرَةِ مِنْ الرِّجَالِ لَا تَكُونُ فِيهِمْ امْرَأَةٌ وَالْقَوْمُ اسْمٌ لِجَمَاعَةِ الرِّجَالِ خَاصَّةً فَاللَّفْظُ مُفْرَدٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُثَنَّى، وَيُجْمَعُ، وَيُوَحَّدُ الضَّمِيرُ الْعَائِدُ إلَيْهِ مِثْلُ: الرَّهْطُ دَخَلَ، وَالْقَوْمُ خَرَجَ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْقَوْمَ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرُ قَامَ فَوُصِفَ بِهِ ثُمَّ غَلَبَ عَلَى الرِّجَالِ خَاصَّةً لِقِيَامِهِمْ بِأُمُورِ النِّسَاءِ ذَكَرَهُ فِي الْفَائِقِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا تَأْوِيلَ مَا يُقَالُ إنَّ قَوْمًا جَمْعُ قَائِمٍ كَصَوْمٍ جَمْعُ صَائِمٍ، وَإِلَّا فَفِعْلٌ لَيْسَ مِنْ أَبْنِيَةِ الْجَمْعِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا مُتَنَاوِلٌ لِجَمِيعِ آحَادِهِ لَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ وَاحِدٌ حَتَّى لَوْ قَالَ الرَّهْطُ أَوْ الْقَوْمُ الَّذِي يَدْخُلُ هَذَا الْحِصْنُ فَلَهُ كَذَا فَدَخَلَهُ جَمَاعَةٌ كَانَ النَّقْلُ لِمَجْمُوعِهِمْ، وَلَوْ دَخَلَهُ وَاحِدٌ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا فَإِنْ قُلْت فَإِذَا لَمْ يَتَنَاوَلْ كُلَّ وَاحِدٍ فَكَيْفَ يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الْوَاحِدِ مِنْهُ فِي مِثْلِ جَاءَنِي الْقَوْمُ إلَّا زَيْدًا، وَمِنْ شَرْطِهِ دُخُولُ الْمُسْتَثْنَى فِي حُكْمِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ لَوْلَا الِاسْتِثْنَاءُ قُلْت يَصِحُّ

стр. 90

الْمَجْمُوعَ كَالرَّهْطِ، وَالْقَوْمِ، وَهُوَ فِي مَعْنَى الْجَمْعِ أَوْ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَى سَبِيلِ الشُّمُولِ نَحْوُ مَنْ يَأْتِينِي فَلَهُ دِرْهَمٌ أَوْ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ نَحْوُ مَنْ يَأْتِينِي أَوَّلًا فَلَهُ دِرْهَمٌ فَالْجَمْعُ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ يُطْلَقُ عَلَى الثَّلَاثَةِ فَصَاعِدًا) فَقَوْلُهُ يُطْلَقُ عَلَى الثَّلَاثَةِ فَصَاعِدًا أَيْ يَصِحُّ إطْلَاقُ اسْمِ الْجَمْعِ، وَالْقَوْمِ، وَالرَّهْطِ عَلَى كُلِّ عَدَدٍ مُعَيَّنٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ فَصَاعِدًا إلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ فَإِذَا أُطْلِقَتْ عَلَى عَدَدٍ مُعَيَّنٍ تَدُلُّ عَلَى جَمِيعِ أَفْرَادِ ذَلِكَ الْعَدَدِ الْمُعَيَّنِ فَإِذَا كَانَ لَهُ ثَلَاثَةُ عَبِيدٍ مَثَلًا أَوْ عَشَرَةُ عَبِيدٍ فَقَالَ عَبِيدِي أَحْرَارٌ يُعْتَقُ جَمِيعُ الْعَبِيدِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ الثَّلَاثَةَ فَصَاعِدًا فَإِنَّ هَذَا يُنَافِي مَعْنَى الْعُمُومِ (لِأَنَّ ــ [التلويح] مِنْ حَيْثُ إنَّ مَجِيءَ الْمَجْمُوعِ لَا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ مَجِيءِ كُلِّ وَاحِدٍ حَتَّى لَوْ كَانَ الْحُكْمُ مُتَعَلِّقًا بِالْمَجْمُوعِ مِنْ حَيْثُ هُوَ الْمَجْمُوعُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَثْبُتَ لِكُلِّ فَرْدٍ لَمْ يَصِحَّ الِاسْتِثْنَاءُ مِثْلُ يُطِيقُ رَفْعَ هَذَا الْحَجَرِ الْقَوْمُ إلَّا زَيْدًا، وَهَذَا كَمَا يَصِحَّ عِنْدِي عَشَرَةٌ إلَّا وَاحِدًا وَلَا يَصِحُّ الْعَشَرَةُ زَوْجٌ إلَّا وَاحِدًا، وَلَيْسَ الْحُكْمُ عَلَى الْآحَادِ بَلْ عَلَى الْمَجْمُوعِ، وَالثَّانِي أَنْ يَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِكُلِّ وَاحِدٍ سَوَاءٌ كَانَ مُجْتَمِعًا مَعَ غَيْرِهِ أَوْ مُنْفَرِدًا عَنْهُ مِثْلُ مَنْ دَخَلَ هَذَا الْحِصْنَ فَلَهُ دِرْهَمٌ فَلَوْ دَخَلَهُ وَاحِدٌ اسْتَحَقَّ دِرْهَمًا، وَلَوْ دَخَلَهُ جَمَاعَةٌ مَعًا أَوْ مُتَعَاقِبَيْنِ اسْتَحَقَّ كُلُّ وَاحِدٍ الدِّرْهَمَ، وَالثَّالِثُ أَنْ يَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِكُلِّ وَاحِدٍ بِشَرْطِ الِانْفِرَادِ، وَعَدَمِ التَّعَلُّقِ بِوَاحِدٍ آخَرَ مِثْلُ مَنْ دَخَلَ هَذَا الْحِصْنَ أَوَّلًا فَلَهُ دِرْهَمٌ فَكُلُّ وَاحِدٍ دَخَلَهُ أَوَّلًا مُنْفَرِدًا اسْتَحَقَّ الدِّرْهَمَ، وَلَوْ دَخَلَهُ جَمَاعَةٌ مَعًا لَمْ يَسْتَحِقُّوا شَيْئًا، وَلَوْ دَخَلُوهُ مُتَعَاقِبِينَ لَمْ يَسْتَحِقَّ إلَّا الْوَاحِدُ السَّابِقُ، وَسَيَأْتِي تَحْقِيقُ ذَلِكَ. فَالْحُكْمُ فِي الْأَوَّلِ مَشْرُوطٌ بِالِاجْتِمَاعِ، وَفِي الثَّالِثِ بِالِانْفِرَادِ، وَفِي الثَّانِي غَيْرُ مَشْرُوطٍ بِشَيْءٍ مِنْهُمَا. (قَوْلُهُ: فَالْجَمْعُ) مِثْلُ الرِّجَالِ، وَالنِّسَاءِ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ الْعَامِّ الْمُتَنَاوِلِ لِلْمَجْمُوعِ مِثْلُ الرَّهْطِ، وَالْقَوْمِ، وَيَصِحُّ إطْلَاقُهُ عَلَى أَيِّ عَدَدٍ كَانَ مِنْ الثَّلَاثَةِ إلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ يَعْنِي أَنَّ مَفْهُومَهُ جَمِيعُ الْآحَادِ سَوَاءٌ كَانَتْ ثَلَاثَةً أَوْ أَرْبَعَةً أَوْ مَا فَوْقَ ذَلِكَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الثَّلَاثَةُ وَأَنْ يُرَادَ بِهِ الْأَرْبَعَةُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْأَعْدَادِ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مُبْهَمًا غَيْرَ دَالٍّ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ فَلَا يُوجِبُ الْعُمُومَ بَلْ يُنَافِيهِ لِأَنَّ الدَّلَالَةَ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ شَرْطٌ فِيهِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْجَمْعِ الْمُعَرَّفِ، وَأَمَّا الْمُنْكَرُ فَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ. وَكَذَا سَائِرُ أَسْمَاءِ الْجُمُوعِ، وَإِلَّا فَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الرَّهْطَ اسْمٌ لِمَا دُونَ الْعَشَرَةِ مِنْ الرِّجَالِ عَلَى مَا صُرِّحَ بِهِ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ فَصَارَ الْحَاصِلُ أَنَّ الْمُعَرَّفَ بِاللَّامِ مِنْ الْجُمُوعِ، وَأَسْمَائِهَا لِجَمِيعِ الْأَفْرَادِ قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ، وَإِنْ كَانَ دُونَ اللَّازِمِ لِمَا دُونَ الْعَشَرَةِ كَالرَّهْطِ أَوْ لِلْعَشْرَةِ فَمَا دُونَهَا كَجَمْعِ الْقِلَّةِ مِثْلُ الْمُسْلِمِينَ، وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْأَنْفُسِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَأَمَّا تَحْقِيقُ أَنَّ الْمَوْضُوعَ لِلْعُمُومِ هُوَ مَجْمُوعُ الِاسْمِ، وَحَرْفُ التَّعْرِيفِ أَوْ الِاسْمِ بِشَرْطِ التَّعْرِيفِ، وَعَلَى الثَّانِي هَلْ يَصِيرُ مُشْتَرَكًا حَيْثُ وُضِعَ بِدُونِ التَّعْرِيفِ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ

стр. 91

أَقَلَّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ) ، وَعِنْدَ الْبَعْضِ اثْنَانِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١] ، وَالْمُرَادُ اثْنَانِ وقَوْله تَعَالَى ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] ، وَقَوْلُهُ ﵊ «الِاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ» ، وَلَنَا إجْمَاعُ أَهْلِ اللُّغَةِ فِي اخْتِلَافِ صِيَغِ الْوَاحِدِ، وَالتَّثْنِيَةِ، وَالْجَمْعِ. (وَلَا نِزَاعَ فِي الْإِرْثِ، وَالْوَصِيَّةِ) فَإِنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ فِيهِمَا اثْنَانِ. (وقَوْله تَعَالَى ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] مَجَازٌ كَمَا يُذْكَرُ الْجَمْعُ لِلْوَاحِدِ. (وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَوَارِيثِ أَوْ عَلَى سُنِّيَّةِ تَقَدُّمِ الْإِمَامِ) فَإِنَّهُ إذَا كَانَ الْمُقْتَدِي وَاحِدًا يَقُومُ عَلَى جَنْبِ الْإِمَامِ، وَإِذَا كَانَ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا فَالْإِمَامُ يَتَقَدَّمُ (أَوْ عَلَى اجْتِمَاعِ الرُّفْقَةِ بَعْدَ قُوَّةِ الْإِسْلَامِ) فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ الْإِسْلَامُ ضَعِيفًا نَهَى ﵇ عَنْ أَنْ يُسَافِرَ وَاحِدٌ أَوْ اثْنَانِ لِقَوْلِهِ ﵇ «الْوَاحِدُ شَيْطَانٌ، وَالِاثْنَانِ شَيْطَانَانِ، وَالثَّلَاثَةُ رَكْبٌ» فَلَمَّا ظَهَرَ قُوَّةُ الْإِسْلَامِ ــ [التلويح] وَأَنَّ هَذَا الْوَضْعَ لَا شَكَّ أَنَّهُ نَوْعِيٌّ فَكَيْفَ يَكُونُ اللَّفْظُ بِاعْتِبَارِهِ حَقِيقَةً، وَإِنَّ الْحُكْمَ فِي مِثْلِهِ عَلَى كُلِّ جَمْعٍ أَوْ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ، وَأَنَّهُ لِلْأَفْرَادِ الْمُحَقَّقَةِ خَاصَّةً أَوْ الْمُحَقَّقَةِ، وَالْمُقَدَّرَةِ جَمِيعًا، وَأَنَّ مَدْلُولَهُ الِاسْتِغْرَاقُ الْحَقِيقِيُّ أَوْ أَعَمُّ مِنْ الْحَقِيقِيِّ، وَالْعُرْفِيُّ فَالْكَلَامُ فِيهِ طَوِيلٌ لَا يَحْتَمِلُهُ الْمَقَامُ. (قَوْلُهُ لِأَنَّ أَقَلّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ) اخْتَلَفُوا فِي أَقَلِّ عَدَدٍ تُطْلَقُ عَلَيْهِ صِيغَةُ الْجَمْعِ فَذَهَبَ أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ، وَالْفُقَهَاءِ، وَأَئِمَّةِ اللُّغَةِ إلَى أَنَّهُ ثَلَاثَةٌ حَتَّى لَوْ حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ نِسَاءً لَا يَحْنَثُ بِتَزَوُّجِ امْرَأَتَيْنِ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ اثْنَانِ حَتَّى يَحْنَثُ بِتَزَوُّجِ امْرَأَتَيْنِ، وَتَمَسَّكُوا بِوُجُوهٍ الْأَوَّلُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١] ، وَالْمُرَادُ اثْنَانِ فَصَاعِدًا لِأَنَّ الْأَخَوَيْنِ يَحْجُبَانِ الْأُمَّ إلَى السُّدُسِ كَالثَّلَاثَةِ، وَالْأَرْبَعَةِ، وَكَذَا كُلُّ جَمْعٍ فِي الْمَوَارِيثِ، وَالْوَصَايَا حَتَّى إنَّ فِي الْمِيرَاثِ لِلْأُخْتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ كَمَا لِلْأَخَوَاتِ، وَفِي الْوَصِيَّةِ لِلِاثْنَيْنِ مَا أَوْصَى لِأَقْرِبَاءِ فُلَانٍ الثَّانِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] أَيْ قَلْبًا كَمَا إذْ مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ. الثَّالِثُ: قَوْلُهُ ﵇ «الِاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ» ، وَمِثْلُ حُجَّةٍ مِنْ اللُّغَوِيِّ فَكَيْفَ مِنْ النَّبِيِّ ﵇، وَتَمَسَّكَ الذَّاهِبُونَ إلَى أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ عَلَى اخْتِلَافِ صِيَغِ الْوَاحِدِ، وَالتَّثْنِيَةِ، وَالْجَمْعِ فِي غَيْرِ ضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ لِمَا سَتَعْرِفُ مِثْلُ: رَجُلٌ رَجُلَانِ رِجَالٌ، وَهُوَ فَعَلَ، وَهُمَا فَعَلَا، وَهُمْ فَعَلُوا، وَأَيْضًا مَا فَوْقَ الِاثْنَيْنِ هُوَ الْمُتَبَادَرُ إلَى الْفَهْمِ مِنْ صِيغَةِ الْجَمْعِ، وَأَيْضًا يَصِحُّ نَفْيُ الْجَمْعِ عَنْ الِاثْنَيْنِ مَا فِي الدَّارِ رِجَالٌ بَلْ رَجُلَانِ وَأَيْضًا يَصِحُّ رِجَالٌ ثَلَاثَةٌ، وَأَرْبَعَةٌ، وَلَا يَصِحُّ رِجَالٌ اثْنَانِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِوُجُوبِ مُرَاعَاةِ صُورَةِ اللَّفْظِ بِأَنْ يَكُونَ الْمَوْصُوفُ، وَالصِّفَةُ كِلَاهُمَا مَثْنًى أَوْ مَجْمُوعًا لِأَنَّ أَسْمَاءَ الْأَعْدَادِ لَيْسَتْ جُمُوعًا، وَلَا لَفْظَ اثْنَانِ مَثْنًى عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي مَوْضِعِهِ، وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ جَاءَنِي زَيْدٌ، وَعُمَرُ، وَالْعَامِلَانِ، وَلَا يَصِحُّ الْعَامِلُونَ ثُمَّ أَجَابُوا عَنْ تَمَسُّكَاتِ الْمُخَالِفِ أَمَّا عَنْ الْأَوَّلِ فَبِأَنَّهُ لَا نِزَاعَ فِي أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ اثْنَانِ فِي بَابِ الْإِرْثِ اسْتِحْقَاقًا، وَحَجْبًا، وَالْوَصِيَّةُ لَكِنْ لَا بِاعْتِبَارِ أَنَّ صِيغَةَ الْجَمْعِ مَوْضُوعَةٌ لِلِاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا بَلْ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ

стр. 92

رَخَّصَ فِي سَفَرِ اثْنَيْنِ، وَإِنَّمَا حَمَلْنَاهُ عَلَى أَحَدِ هَذِهِ الْمَعَانِي الثَّلَاثَةِ لِئَلَّا يُخَالِفَ إجْمَاعَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ. (وَلَا تَمَسُّكَ لَهُمْ بِنَحْوِ فِعْلِنَا لِأَنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ التَّثْنِيَةِ، وَالْجَمْعِ لَا أَنَّ الْمَثْنَى جَمْعٌ) فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ فِعْلُنَا صِيغَةٌ مَخْصُوصَةٌ بِالْجَمْعِ، وَيَقَعُ عَلَى اثْنَيْنِ فَعُلِمَ أَنَّ الِاثْنَيْنِ جَمْعٌ فَنَقُولُ فِعْلُنَا غَيْرُ مُخْتَصِّ ــ [التلويح] ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أَنَّ لِلِاثْنَيْنِ حُكْمَ الْجَمْعِ أَمَّا الِاسْتِحْقَاقُ فَلِأَنَّهُ عُلِمَ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ كَانَتَا﴾ [النساء: ١٧٦] أَيْ مَنْ يَرِثُ بِالْأُخُوَّةِ يَعْنِي الْأُخْتَيْنِ لِأَبٍ، وَأُمٍّ أَوْ لِأَبٍ اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ أَنَّ لِلْأُخْتَيْنِ حُكْمَ الْأَخَوَاتِ فِي اسْتِحْقَاقِ الثُّلُثَيْنِ مَعَ أَنَّ قَرَابَةَ الْأُخُوَّةِ مُتَوَسِّطَةٌ لِكَوْنِهَا قَرَابَةً مُجَاوِرَةً فَيَكُونُ لِلْبِنْتَيْنِ أَيْضًا حُكْمُ الْبَنَاتِ فِي اسْتِحْقَاقِ الثُّلُثَيْنِ بِطَرِيقِ دَلَالَةِ النَّصِّ لِأَنَّ قَرَابَتَهُمَا قَرِيبَةٌ لِكَوْنِهَا قَرَابَةَ الْجُزْئِيَّةِ، وَأَيْضًا يُعْلَمُ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْإِشَارَةِ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١٧٦] فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حَظَّ الِابْنِ مَعَ الِابْنَةِ الثُّلُثَانِ فَيَكُونُ ذَلِكَ حَظَّ الْأُنْثَيَيْنِ أَعْنِي الْبِنْتَيْنِ ثُمَّ لَمَّا كَانَ هَذَا مُوهِمًا أَنَّ النَّصِيبَ يَزْدَادُ بِزِيَادَةِ الْعِدَّةِ نَفَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١١] فَإِنْ قُلْت هَبْ أَنَّهُ يُعْلَمُ أَنَّ حَظَّ الْبِنْتَيْنِ مَعَ الِابْنِ مِثْلُ حَظِّهِ مَعَ الْبِنْتِ لِكَوْنِ مِنْ أَيْنَ يُعْلَمُ أَنَّ حَظَّهُمَا ذَلِكَ بِدُونِ الِابْنِ قُلْت مِنْ حَيْثُ إنَّ الْبِنْتَ الْوَاحِدَةَ لَمَّا اسْتَحَقَّتْ الثُّلُثَ مَعَ أَخٍ لَهَا فَمَعَ أُخْتٍ لَهَا بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى. وَأَمَّا الْحَجْبُ فَلِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْإِرْثِ إذْ الْحَاجِبُ لَا يَكُونُ إلَّا، وَارِثًا بِالْقُوَّةِ أَوْ بِالْفِعْلِ عَلَى أَنَّ الْحَجْبَ بِالْأَخَوَيْنِ قَدْ ثَبَتَ بِاتِّفَاقٍ مِنْ الصَّحَابَةِ كَمَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ لِعُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - حِينَ رَدَّ الْأُمَّ مِنْ الثُّلُثِ إلَى السُّدُسِ بِالْأَخَوَيْنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١] ، وَلَيْسَ الْأَخَوَانِ إخْوَةً فِي لِسَانِ قَوْمِك فَقَالَ عُثْمَانُ نَعَمْ لَكِنْ لَا أَسْتَجِيزُ أَنْ أُخَالِفَهُمْ فِيمَا رَأَوْا، وَرَوَى لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَنْقُضَ أَمْرًا كَانَ قَبْلِي، وَتَوَارَثَهُ النَّاسُ. وَأَمَّا الْوَصِيَّةُ فَلِأَنَّهَا مُلْحَقَةٌ بِالْمِيرَاثِ مِنْ حَيْثُ إنَّ كُلًّا مِنْهَا يُثْبِتُ الْمِلْكَ بِطَرِيقِ الْخِلَافَةِ بَعْدَ الْفَرَاغِ عَنْ حَاجَةِ الْمَيِّتِ، وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ الثَّانِي فَهُوَ أَنَّ إطْلَاقَ الْجَمْعِ عَلَى الِاثْنَيْنِ مَجَازٌ بِطَرِيقِ إطْلَاقِ اسْمِ الْكُلِّ عَلَى الْبَعْضِ أَوْ تَشْبِيهِ الْوَاحِدِ بِالْكَثِيرِ فِي الْعِظَمِ، وَالْخَطَرِ كَمَا يُطْلَقُ الْجَمْعُ عَلَى الْوَاحِدِ تَعْظِيمًا فِي مِثْلِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [يوسف: ١٢] مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ الْجَمْعَ لَا يُطْلَقُ عَلَى الْوَاحِدِ حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا كَثُرَ مِثْلُ هَذَا الْمَجَازِ أَعْنِي ذِكْرَ الْعُضْوِ الَّذِي لَا يَكُونُ فِي الشَّخْصِ إلَّا وَاحِدًا بِلَفْظِ الْجَمْعِ عِنْدَ الْإِضَافَةِ إلَى الِاثْنَيْنِ مِثْلُ قُلُوبِهِمَا، وَأَنْفُسِهِمَا، وَرُءُوسِهِمَا، وَنَحْوِ ذَلِكَ احْتِرَازًا عَنْ اسْتِثْقَالِ الْجَمْعِ بَيْنَ التَّثْنِيَتَيْنِ مَعَ وُضُوحِ أَنَّ الْمُرَادَ بِمِثْلِ هَذَا الْجَمْعِ الِاثْنَانِ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْقُلُوبِ الْمُيُولُ، وَالدَّوَاعِي الْمُخْتَلِفَةُ كَمَا يُقَالُ لِمَنْ مَالَ قَلْبُهُ إلَى جِهَتَيْنِ أَوْ تَرَدَّدَ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ ذُو قَلْبَيْنِ. وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ الثَّالِثِ فَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا دَلَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ، وَجَبَ تَأْوِيلُ الْحَدِيثِ فِي ذَلِكَ بِأَنْ يُحْمَلَ عَلَى أَنَّ لِلِاثْنَيْنِ حُكْمَ الْجَمْعِ فِي الْمَوَارِيثِ اسْتِحْقَاقًا، وَحَجْبًا

стр. 93

بِالْجَمْعِ بَلْ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ التَّثْنِيَةِ، وَالْجَمْعِ لَا أَنَّ الْمَثْنَى جَمْعٌ (فَيَصِحُّ تَخْصِيصُ الْجَمْعِ) تَعْقِيبٌ لِقَوْلِهِ ــ [التلويح] أَوْ فِي حُكْمِ الِاصْطِفَافِ خَلْفَ الْإِمَامِ، وَتَقَدُّمِ الْإِمَامِ عَلَيْهِمَا أَوْ فِي إبَاحَةِ السَّفَرِ لَهُمَا، وَارْتِفَاعِ مَا كَانَ مَنْهِيًّا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ مِنْ مُسَافَرٍ وَاحِدٍ أَوْ اثْنَيْنِ بِنَاءً عَلَى غَلَبَةِ الْكُفَّارِ أَوْ فِي انْعِقَادِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ بِهِمَا، وَإِدْرَاكِ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنْ حَالِ النَّبِيِّ ﵇ تَعْرِيفُ الْأَحْكَامِ دُونَ اللُّغَاتِ عَنْ أَنَّ هَذَا الدَّلِيلَ عَلَى تَقْدِيرِ تَمَامِهِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْمَطْلُوبِ إذْ لَيْسَ النِّزَاعُ فِي جَمَعَ، وَمَا يُشْتَقُّ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ فِي اللُّغَةِ ضَمُّ شَيْءٍ إلَى شَيْءٍ، وَهَذَا حَاصِلٌ فِي الِاثْنَتَيْنِ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي صِيَغِ الْجَمْعِ، وَضَمَائِرِهِ، وَلِذَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ اعْلَمْ أَنَّ النِّزَاعَ فِي نَحْوِ رِجَالٍ، وَمُسْلِمِينَ، وَضَرَبُوا لَا فِي لَفْظِ جَمْعٍ، وَلَا فِي نَحْوِ نَحْنُ فَعَلْنَا، وَلَا فِي نَحْوِ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا فَإِنَّهُ وِفَاقٌ فَعَلَى هَذَا لَا حَاجَةَ إلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ جَوَابًا عَنْ مِثْلِ فَعَلْنَا وَمَعَ ذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَحْمِلَ اشْتِرَاكُهُ بَيْنَ التَّثْنِيَةِ، وَالْجَمْعِ عَلَى الِاشْتِرَاكِ الْمَعْنَوِيِّ دُونَ اللَّفْظِيِّ لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلْمُتَكَلِّمِ مَعَ الْغَيْرِ وَاحِدًا كَانَ الْغَيْرُ أَوْ أَكْثَرَ، وَهَذَا مَفْهُومُ وَاحِدٍ يَصْدُقُ عَلَى الِاثْنَيْنِ، وَالثَّلَاثَةِ وَمَا فَوْقَ ذَلِكَ كَمَا يَصْدُقُ هُمْ فَعَلُوا عَلَى الثَّلَاثَةِ، وَالْأَرْبَعَةِ، وَمَا فَوْقَهُمَا مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ لَفْظٍ، وَتَعَدُّدِ وَضْعٍ وَأَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ مَا قَبْلَ أَنَّ مِثْلَ فِعْلِنَا حَقِيقَةٌ فِي الْجَمْعِ مَجَازٌ فِي الِاثْنَيْنِ وَاكْتَفَى بِهَذَا الْمَجَازِ وَلَمْ يُوضَعْ لِلْمُتَكَلِّمِ مَعَ وَاحِدٍ آخَرَ اسْمٌ خَاصٌّ لِئَلَّا يَكُونَ التَّبَعُ مُزَاحِمًا لِلْأَصْلِ لِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ يَحْكِي عَنْ نَفْسِهِ، وَعَنْ غَيْرِهِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْغَيْرَ تَبَعٌ لَهُ فِي الدُّخُولِ تَحْتَ الصِّيغَةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُتَكَلِّمٍ بِهَذَا الْكَلَامِ حَقِيقَةً، وَهُوَ ظَاهِرٌ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْغَيْرُ فَوْقَ الْوَاحِدِ فَإِنَّهُ يَتَقَوَّى بِكَثْرَتِهِ، وَيَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ الْأَصْلِ، وَاعْلَمْ أَنَّهُمْ لَمْ يُفَرِّقُوا فِي هَذَا الْمَقَامِ بَيْنَ جَمْعِ الْقِلَّةِ، وَجَمْعِ الْكَثْرَةِ فَدَلَّ بِظَاهِرِهِ عَلَى أَنَّ التَّفْرِقَةَ بَيْنَهُمَا إنَّمَا هِيَ فِي جَانِبِ الزِّيَادَةِ بِمَعْنَى أَنَّ جَمْعَ الْقِلَّةِ مُخْتَصٌّ بِالْعَشَرَةِ فَمَا دُونَهَا، وَجَمْعَ الْكَثْرَةِ غَيْرُ مُخْتَصٍّ لِأَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِمَا فَوْقَ الْعَشَرَةِ، وَهَذَا أَوْفَقُ بِالِاسْتِعْمَالَاتِ، وَإِنْ صَرَّحَ بِخِلَافِهِ كَثِيرٌ مِنْ الثِّقَاتِ. (قَوْلُهُ: فَيَصِحُّ تَخْصِيصُ الْجَمْعِ) قَدْ اخْتَلَفُوا فِي مُنْتَهَى التَّخْصِيصِ فَقِيلَ لَا بُدَّ مِنْ بَقَاءِ جَمْعٍ يَقْرُبُ مِنْ مَدْلُولِ الْعَامِّ، وَقِيلَ يَجُوزُ إلَى ثَلَاثَةٍ، وَقِيلَ إلَى اثْنَيْنِ، وَقِيلَ إلَى وَاحِدٍ، وَالْمُخْتَارُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ أَنَّ الْعَامَّ إنْ كَانَ جَمْعًا مِثْلُ الرِّجَالِ، وَالنِّسَاءِ أَوْ فِي مَعْنَاهُ مِثْلُ الرَّهْطِ، وَالْقَوْمِ يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ إلَى الثَّلَاثَةِ تَفْرِيعًا عَلَى أَنَّهَا أَقَلُّ الْجَمْعِ فَالتَّخْصِيصُ إلَى مَا دُونَهَا يُخْرِجُ اللَّفْظَ عَنْ الدَّلَالَةِ عَلَى الْجَمْعِ فَيَصِيرُ نَسْخًا، وَإِنْ كَانَ مُفْرَدًا كَالرِّجَالِ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ كَالنِّسَاءِ فِي لَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ إلَى الْوَاحِدِ لِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ الدَّلَالَةِ عَلَى الْفَرْدِ عَلَى مَا هُوَ أَصْلُ وَضْعِ الْمُفْرَدِ، وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْجَمْعَ إنَّمَا يَكُونُ عَامًّا عِنْدَ قَصْدِ الِاسْتِغْرَاقِ عَلَى

стр. 94

إنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ، وَالْمُرَادُ التَّخْصِيصُ بِالْمُسْتَقِلِّ. (وَمَا فِي مَعْنَاهُ) كَالرَّهْطِ، وَالْقَوْمِ (إلَى الثَّلَاثَةِ، وَالْمُفْرَدِ) بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى الْجَمْعِ أَيْ الْمُفْرَدُ الْحَقِيقِيُّ. (كَالرَّجُلِ) ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ كَالْجَمْعِ الَّذِي يُرَادُ بِهِ الْوَاحِدُ (نَحْوُ لَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ إلَى الْوَاحِدِ) أَيْ يَصِحُّ تَخْصِيصُ الْمُفْرَدِ إلَى الْوَاحِدِ. (وَالطَّائِفَةُ كَالْمُفْرَدِ) بِهَذَا فَسَّرَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢] . (وَمِنْهَا) أَيْ أَيْ مِنْ أَلْفَاظِ الْعَامِّ (الْجَمْعُ الْمُعَرَّفُ بِاللَّامِ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعْهُودًا لِأَنَّ الْمُعَرَّفَ لَيْسَ هُوَ الْمَاهِيَّةَ فِي الْجَمْعِ، وَلَا بَعْضَ الْأَفْرَادِ لِعَدَمِ الْأَوْلَوِيَّةِ فَتَعَيَّنَ الْكُلُّ) اعْلَمْ أَنَّ لَامَ التَّعْرِيفِ إمَّا لِلْعَهْدِ الْخَارِجِيِّ أَوْ الذِّهْنِيِّ، وَإِمَّا لِاسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ، وَإِمَّا لِتَعْرِيفِ الطَّبِيعَةِ لَكِنَّ الْعَهْدَ هُوَ الْأَصْلُ ثُمَّ الِاسْتِغْرَاقُ ثُمَّ تَعْرِيفُ الطَّبِيعَةِ لِأَنَّ اللَّفْظَ الَّذِي ــ [التلويح] مَا تَقَرَّرَ، وَحِينَئِذٍ هُوَ حَقِيقَةٌ فِي جَمْعِ الْأَفْرَادِ، وَمَجَازٌ فِي الْبَعْضِ، وَكَوْنُ الثَّلَاثَةِ أَقَلَّ الْجَمْعِ إنَّمَا هُوَ اعْتِبَارُ الْحَقِيقَةِ إذْ لَا نِزَاعَ فِي إطْلَاقِهِ عَلَى الِاثْنَيْنِ بَلْ الْوَاحِدُ مَجَازًا كَمَا سَبَقَ وَأَيْضًا النِّزَاعُ فِي الْجَمْعِ الْغَيْرِ الْعَامِّ إذْ الْعَامُّ مُسْتَغْرِقٌ لِلْجَمِيعِ لَا أَقَلَّ، وَلَا أَكْثَرَ فَحِينَئِذٍ لَا مَعْنَى لِهَذَا التَّفْرِيعِ أَصْلًا. الثَّانِي: إنَّ حَمْلَ الْجَمْعِ عَلَى الْمُفْرَدِ فِي مِثْلِ لَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الِاسْتِغْرَاقِ عَلَى مَا سَيَأْتِي، وَحِينَئِذٍ لَا عُمُومَ فَلَا تَخْصِيصَ. الثَّالِثُ: إنَّ مَنْ قَالَ لَقِيت كُلَّ رَجُلٍ فِي الْبَلَدِ وَأَكَلْت كُلَّ رُمَّانَةٍ فِي الْبُسْتَانِ ثُمَّ قَالَ أَرَدْت وَاحِدًا عُدَّ لَاغِيًا عُرْفًا، وَعَقْلًا، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ نَفْسَ الصِّيغَةِ لِلْجَمْعِ، وَالْعُمُومُ عَارِضٌ بِاللَّامِ، وَالتَّخْصِيصُ إنَّمَا يَرْفَعُ الْعُمُومَ فَلَا بُدَّ أَنْ يَبْقَى مَدْلُولُ الصِّيغَةِ، وَأَقَلُّهُ ثَلَاثَةٌ، وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ الْمُتَعَذِّرَ حَمْلُ اللَّازِمِ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ فَيَكُونُ الِاسْمُ لِلْجِنْسِ، وَنَفْيُهُ يَكُونُ نَفْيًا لِجَمِيعِ الْأَفْرَادِ فَيَصِيرُ الْمَعْنَى لَا أَتَزَوَّجُ امْرَأَةً، وَهُوَ مَعْنَى الْعُمُومِ، وَالِاسْتِغْرَاقِ فِي النَّفْيِ، وَعَنْ الثَّالِثِ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الصِّحَّةِ لُغَةً. (قَوْلُهُ، وَالْمُرَادُ التَّخْصِيصُ بِالْمُسْتَقِلِّ) قَدْ سَبَقَ أَنَّ التَّخْصِيصَ لَا يَكُونُ إلَّا بِمُسْتَقِلٍّ فَهَذَا تَأْكِيدٌ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ حَمْلِهِ عَلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، وَتَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ قَصْرَ الْعَامِّ عَلَى الْبَعْضِ بِالِاسْتِثْنَاءِ، وَنَحْوِهِ، وَيَجُوزُ إلَى الْوَاحِدِ فِي الْجَمْعِ أَيْضًا نَحْوُ أَكْرِمْ الرِّجَالَ إلَّا الْجُهَّالَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْعَالِمُ إلَّا وَاحِدًا. (قَوْلُهُ، وَالطَّائِفَةُ كَالْمُفْرَدِ) يَعْنِي أَنَّهُ اسْمٌ لِلْوَاحِدَةِ فَمَا فَوْقَهُ كَمَا فَسَّرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ لِأَنَّهُ اسْمٌ لِقِطْعَةٍ مِنْ الشَّيْءِ وَاحِدًا كَانَ أَوْ أَكْثَرَ، وَقُبِلَ لِأَنَّهُ مُفْرَدٌ انْضَمَّتْ إلَيْهِ عَلَامَةُ الْجَمَاعَةِ أَعْنِي التَّاءَ فَرُوعِيَ الْمَعْنَيَانِ، وَفِي الْكَشَّافِ: الطَّائِفَةُ الْفِرْقَةُ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ حَلْقَةً، وَأَقَلُّهَا ثَلَاثَةٌ أَوْ أَرْبَعَةٌ، وَهِيَ صِفَةٌ غَالِبَةٌ كَأَنَّهَا الْجَمَاعَةُ الْحَافَّةُ حَوْلَ الشَّيْءِ فَمَقْصُودُ الْمُصَنِّفِ أَنَّهَا لَيْسَتْ لِلْجَمْعِ كَالرَّهْطِ بَلْ بِمَنْزِلَةِ الْمُفْرَدِ فَيُصْبِحُ تَخْصِيصُهَا إلَى الْوَاحِدِ [مِنْ أَلْفَاظِ الْعَامِّ الْجَمْعُ الْمُعَرَّفُ بِاللَّامِ] (قَوْلُهُ، وَمِنْهَا الْجَمْعُ الْمُعَرَّفُ بِاللَّامِ) اُسْتُدِلَّ عَلَى عُمُومِهِ بِالْمَعْقُولِ، وَالْإِجْمَاعِ، وَالِاسْتِعْمَالِ، وَتَقْرِيرُ الْأَخِيرِينَ ظَاهِرٌ

стр. 95

يَدْخُلُ عَلَيْهِ اللَّامُ دَالٌّ عَلَى الْمَاهِيَّةِ بِدُونِ اللَّامِ فَحَمْلُ اللَّامِ عَلَى الْفَائِدَةِ الْجَدِيدَةِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى تَعْرِيفِ الطَّبِيعَةِ، وَالْفَائِدَةِ الْجَدِيدَةِ أَمَّا تَعْرِيفُ الْعَهْدِ أَوْ اسْتِغْرَاقُ الْجِنْسِ، وَتَعْرِيفُ الْعَهْدِ أَوْلَى مِنْ الِاسْتِغْرَاقِ لِأَنَّهُ إذَا ذَكَرَ بَعْضَ أَفْرَادِ الْجِنْسِ خَارِجًا أَوْ ذِهْنًا فَحَمْلُ اللَّامِ عَلَى ذَلِكَ الْبَعْضِ الْمَذْكُورِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى جَمِيعِ الْأَفْرَادِ لِأَنَّ الْبَعْضَ مُتَيَقَّنٌ، وَالْكُلَّ مُحْتَمَلٌ فَإِذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَفِي الْجَمْعِ الْمُحَلَّى، بِالْأَلِفِ، وَاللَّامِ لَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ عَلَى تَعْرِيفِ الْمَاهِيَّةِ لِأَنَّ الْجَمْعَ وُضِعَ لِأَفْرَادِ الْمَاهِيَّةِ لَا لِلْمَاهِيَّةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ لِكُلٍّ يُحْمَلُ عَلَيْهَا بِطَرِيقِ الْمَجَازِ عَلَى مَا يَأْتِي فِي هَذِهِ الصَّفْحَةِ، وَلَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الْعَهْدِ إذَا لَمْ يَكُنْ عَهْدٌ فَقَوْلُهُ، وَلَا بَعْضَ ــ [التلويح] وَتَقْرِيرُ الْأَوَّلِ أَنَّ الْمُعَرَّفَ بِاللَّامِ قَدْ يَكُونُ نَفْسَ الْحَقِيقَةِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى الْأَفْرَادِ مِثْلُ الرَّجُلِ خَيْرٌ مِنْ الْمَرْأَةِ، وَقَدْ يَكُونُ حِصَّةً مُعَيَّنَةً مِنْهَا وَاحِدًا كَانَ أَوْ أَكْثَرَ مِثْلُ جَاءَنِي رَجُلٌ فَقَالَ الرَّجُلُ كَذَا، وَقَدْ يَكُونُ حِصَّةً غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ مِنْهَا لَكِنْ بِاعْتِبَارِ عَهْدِيَّتِهَا فِي الزَّمَنِ مِثْلُ أَدْخُلُ السُّوقَ، وَقَدْ يَكُونُ جَمِيعُ أَفْرَادِهَا مِثْلَ ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] ، وَاللَّامُ بِالْإِجْمَاعِ لِلتَّعْرِيفِ، وَمَعْنَاهُ الْإِشَارَةُ، وَالتَّعْيِينُ، وَالتَّمْيِيزُ، وَالْإِشَارَةُ إمَّا إلَى حِصَّةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنْ الْحَقِيقَةِ، وَهُوَ تَعْرِيفُ الْعَهْدِ وَإِمَّا إلَى نَفْسِ الْحَقِيقَةِ، وَذَلِكَ قَدْ يَكُونُ بِحَيْثُ لَا يُفْتَقَرُ إلَى اعْتِبَارِ الْأَفْرَادِ، وَهُوَ تَعْرِيفُ الْحَقِيقَةِ، وَالْمَاهِيَّةِ، وَالطَّبِيعَةِ، وَقَدْ يَكُونُ بِحَيْثُ يُفْتَقَرُ إلَيْهِ، وَحِينَئِذٍ إمَّا أَنْ تُوجَدَ فِيهِ قَرِينَةُ الْبَعْضِيَّةِ كَمَا فِي أَدْخُلُ السُّوقَ، وَهُوَ الْعَهْدُ الذِّهْنِيُّ أَوَّلًا، وَهُوَ الِاسْتِغْرَاقُ احْتِرَازًا عَنْ تَرْجِيحِ بَعْضِ الْمُتَسَاوِيَاتِ فَالْعَهْدُ الذِّهْنِيُّ، وَالِاسْتِغْرَاقُ مِنْ فُرُوعِ تَعْرِيفِ الْحَقِيقَةِ، وَلِهَذَا ذَهَبَ الْمُحَقِّقُونَ إلَى أَنَّ اللَّامَ لِتَعْرِيفِ الْعَهْدِ، وَالْحَقِيقَةِ لَا غَيْرُ إلَّا أَنَّ الْقَوْمَ أَخَذُوا بِالْحَاصِلِ، وَجَعَلُوهُ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ تَوْضِيحًا، وَتَسْهِيلًا إذَا تَمَهَّدَ هَذَا فَنَقُولُ الْأَصْلُ أَيْ الرَّاجِحُ هُوَ الْعَهْدُ الْخَارِجِيُّ لِأَنَّهُ حَقِيقَةُ التَّعْيِينِ، وَكَمَالُ التَّمْيِيزُ ثُمَّ الِاسْتِغْرَاقُ لِأَنَّ الْحُكْمَ عَلَى نَفْسِ الْحَقِيقَةِ بِدُونِ اعْتِبَارِ الْأَفْرَادِ قَلِيلُ الِاسْتِعْمَالِ جِدًّا، وَالْعَهْدُ الذِّهْنِيُّ مَوْقُوفٌ عَلَى وُجُودِ قَرِينَةِ الْبَعْضِيَّةِ فَالِاسْتِغْرَاقُ هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ الْإِطْلَاقِ حَيْثُ لَا عَهْدَ فِي الْخَارِجِ خُصُوصًا فِي الْجَمْعِ فَإِنَّ الْجَمْعِيَّةَ قَرِينَةُ الْقَصْدِ إلَى الْأَفْرَادِ دُونَ نَفْسِ الْحَقِيقَةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ هَذَا مَا عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ، وَفِيمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ نَظَرٌ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْعَهْدَ الذِّهْنِيَّ مُقَدَّمًا عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْبَعْضَ مُتَيَقَّنٌ وَهَذَا مُعَارَضٌ بِأَنَّ الِاسْتِغْرَاقَ أَعَمُّ فَائِدَةً، وَأَكْثَرُ اسْتِعْمَالًا فِي الشَّرْعِ، وَأَحْوَطَ فِي أَكْثَرِ الْأَحْكَامِ أَعْنِي الْإِيجَابَ وَالنَّدْبَ، وَالتَّحْرِيمَ، وَالْكَرَاهَةَ، وَإِنْ كَانَ الْبَعْضُ أَحْوَطَ فِي الْإِبَاحَةِ، وَمَنْقُوضًا بِتَعْرِيفِ الْمَاهِيَّةِ فَإِنَّهُ لَا يُوجَدُ فَرْدٌ بِدُونِ الْمَاهِيَّةِ، وَقَدْ جَعَلَهُ مُتَأَخِّرًا عَنْ الِاسْتِغْرَاقِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يُفِيدُ فَائِدَةً جَدِيدَةً زَائِدَةً عَلَى

стр. 96

الْأَفْرَادِ لِعَدَمِ الْأَوْلَوِيَّةِ إشَارَةٌ. (إلَى هَذَا فَتَعَيَّنَ الِاسْتِغْرَاقُ، وَلِتَمَسُّكِهِمْ بِقَوْلِهِ ﵊ «الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» ) لَمَّا، وَقَعَ الِاخْتِلَافُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْخِلَافَةِ، وَقَالَ الْأَنْصَارُ مِنَّا أَمِيرٌ، وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ تَمَسَّكَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ بِقَوْلِهِ ﵊ «الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» ، وَلَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ. (وَلِصِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ قَالَ مَشَايِخُنَا هَذَا الْجَمْعُ) أَيْ الْجَمْعُ الْمُحَلَّى بِاللَّامِ (مَجَازٌ عَنْ الْجِنْسِ، وَتَبْطُلُ الْجَمْعِيَّةُ حَتَّى لَوْ حَلَفَ لَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ يَحْنَثُ بِالْوَاحِدَةِ، وَيُرَادُ الْوَاحِدُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠] ، وَلَوْ أَوْصَى بِشَيْءٍ لِزَيْدٍ، وَلِلْفُقَرَاءِ نُصِّفَ ــ [التلويح] مَا يُفِيدُهُ الِاسْمُ بِدُونِ اللَّامِ، وَهَذَا مَمْنُوعٌ، وَلَوْ سَلِمَ فَمَنْقُوضٌ بِتَعْرِيفِ الْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ فَإِنَّ عَدَمَ الْفَائِدَةِ فِيهِ أَظْهَرُ لِأَنَّ دَلَالَةَ النَّكِرَةِ عَلَى حِصَّةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ أَظْهَرُ مِنْ دَلَالَتِهَا عَلَى نَفْسِ الْحَقِيقَةِ، وَلِهَذَا صَرَّحُوا بِأَنَّ الْمَعْهُودَ الذِّهْنِيَّ فِي الْمَعْنَى كَالنَّكِرَةِ فَإِنْ قِيلَ يُعْتَبَرُ فِيهِ الْعَهْدِيَّةُ فِي الذِّهْنِ فَيَتَمَيَّزُ عَنْ النَّكِرَةِ قُلْنَا، وَكَذَلِكَ يُعْتَبَرُ فِي تَعْرِيفِ الْمَاهِيَّةِ حُضُورُهَا فِي الذِّهْنِ، وَالْإِشَارَةُ إلَيْهَا لِيَتَمَيَّزَ عَنْ اسْمِ الْجِنْسِ النَّكِرَةِ مِثْلُ رَجَعَ رَجْعِيٌّ، وَرَجَعَ الرَّجْعِيُّ، وَبِالْجُمْلَةِ تَوَقَّفَ الْعَهْدُ الذِّهْنِيُّ عَلَى قَرِينَةِ الْبَعْضِيَّةِ، وَعَدَمِ الِاسْتِغْرَاقِ مِمَّا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا حَيْثُ مَثَّلَ بَعْدَ ذَلِكَ لِتَعْرِيفِ الْمَاهِيَّةِ الْمُتَأَخِّرِ عَنْ الِاسْتِغْرَاقِ بِنَحْوِ أَكَلْت الْخُبْزَ، وَشَرِبْت الْمَاءَ إذْ لَا نَعْنِي بِالْمَعْهُودِ الذِّهْنِيِّ إلَّا مِثْلَ ذَلِكَ مِمَّا تَدُلُّ الْقَرِينَةُ عَلَى أَنَّهُ لِلْفَرْدِ دُونَ نَفْسِ الْحَقِيقَةِ، وَلِلْبَعْضِ دُونَ الْكُلِّ، وَلِلْمُبْهَمِ دُونَ الْمُعَيَّنِ، وَإِذَا كَانَ هَذَا تَعْرِيفَ الْمَاهِيَّةِ فَلَيْتَ شِعْرِي مَا مَعْنَى الْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ الْمُقَدَّمِ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ، وَمَا اسْمُ تَعْرِيفِ الْمَاهِيَّةِ حَيْثُ لَا يَكُونُ الْحُكْمُ عَلَى الْأَفْرَادِ كَمَا فِي قَوْلِنَا الْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ نَاطِقٌ. (قَوْلُهُ: وَلِصِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ) فَإِنْ قِيلَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ قَدْ يَكُونُ خَاصًّا اسْمَ عَدَدٍ مِثْلُ عِنْدِي عَشْرَةٌ إلَّا وَاحِدًا، وَاسْمَ عَلَمٍ مِثْلُ كَسَوْت زَيْدًا إلَّا رَأْسَهُ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِثْلُ صُمْت هَذَا الشَّهْرَ إلَّا يَوْمَ كَذَا، وَأَكْرَمْت هَؤُلَاءِ الرِّجَالَ إلَّا زَيْدًا فَلَا يَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ دَلِيلَ الْعُمُومِ أُجِيبَ عَنْهُ بِوُجُوهٍ الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّوَرِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَامًّا لَكِنَّهُ يَتَضَمَّنُ صِيغَةَ عُمُومٍ بِاعْتِبَارِهَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ، وَهُوَ جَمْعٌ مُضَافٌ إلَى الْمَعْرِفَةِ أَيْ جَمِيعُ أَجْزَاءِ الْعَشَرَةِ، وَأَعْضَاءِ زَيْدٍ، وَأَيَّامِ هَذَا الشَّهْرِ، وَآحَادِ هَذَا الْجَمْعِ الثَّانِي أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ مُتَعَدِّدٍ غَيْرِ مَحْصُورٍ دَلِيلُ الْعُمُومِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ الْمُتَّصِلِ يَجِبُ أَنْ يَشْتَمِلَ الْمُسْتَثْنَى، وَغَيْرَهُ بِحَسَبِ الدَّلَالَةِ لِيَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ لِإِخْرَاجِهِ، وَمَنْعِهِ عَنْ الدُّخُولِ تَحْتَ الْحُكْمِ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ اعْتِبَارِ التَّعَدُّدِ فَإِنْ كَانَ مَحْصُورًا شَامِلًا لِلْمُسْتَثْنَى شُمُولَ الْعَشَرَةِ لِلْوَاحِدِ، وَزَيْدٍ لِلرَّأْسِ، وَالشَّهْرِ لِلْيَوْمِ، وَالْجَمَاعَةِ الَّتِي فِيهِمْ زَيْدٌ لِزَيْدٍ صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ، وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنْ اسْتِغْرَاقِهِ لِيَتَنَاوَلَ الْمُسْتَثْنَى، وَغَيْرَهُ فَيَصِحُّ إخْرَاجُهُ. الثَّالِثُ: أَنَّ الْمُرَادَ اسْتِثْنَاءُ

стр. 97

بَيْنَهُ، وَبَيْنَهُمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب: ٥٢] هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْجَمْعَ مَجَازٌ عَنْ الْجِنْسِ. (وَلِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَعْهُودٌ، وَلَيْسَ لِلِاسْتِغْرَاقِ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى تَعْرِيفِ الْجِنْسِ) ، وَإِنَّمَا قَالَ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ أَمَّا فِي قَوْلِهِ لَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَلِأَنَّ الْيَمِينَ لِلْمَنْعِ، وَتَزَوُّجُ جَمِيعِ نِسَاءِ الدُّنْيَا غَيْرُ مُمْكِنٍ فَمَنْعُهُ يَكُونُ لَغْوًا، وَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠] لَا يُمْكِنُ صَرْفُ الصَّدَقَاتِ إلَى جَمِيعِ فُقَرَاءِ الدُّنْيَا فَلَا يَكُونُ الِاسْتِغْرَاقُ مُرَادًا فَيَكُونُ لِتَعْرِيفِ الْجِنْسِ مَجَازًا فَتَكُونُ الْآيَةُ لِبَيَانِ مَصْرِفِ الزَّكَاةِ. (فَتَبْقَى الْجَمْعِيَّةُ فِيهِ مِنْ وَجْهٍ، وَلَوْ لَمْ يُحْمَلْ عَلَى الْجِنْسِ لَبَطَلَ اللَّامُ أَصْلًا) أَيْ إذَا كَانَ اللَّامُ لِتَعْرِيفِ الْجِنْسِ، وَمَعْنَى الْجَمْعِيَّةِ بَاقٍ فِي الْجِنْسِ مِنْ وَجْهٍ لِأَنَّ الْجِنْسَ يَدُلُّ عَلَى الْكَثْرَةِ تَضَمُّنًا فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ حَرْفُ اللَّامِ مَعْمُولٌ ــ [التلويح] مَا هُوَ مِنْ أَفْرَادِ مَدْلُولِ اللَّفْظِ لَا مَا هُوَ مِنْ أَجْزَائِهِ كَمَا فِي الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ لَا يُقَالُ فَالْمُسْتَثْنَى فِي مِثْلِ جَاءَنِي الرِّجَالُ إلَّا زَيْدًا لَيْسَ مِنْ الْأَفْرَادِ لِأَنَّ أَفْرَادَ الْجَمْعِ جُمُوعٌ لَا آحَادٌ لِأَنَّا نَقُولُ الصَّحِيحُ أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْجَمْعِ الْمُعَرَّفِ الْغَيْرِ الْمَحْصُورِ إنَّمَا هُوَ عَنْ الْآحَادِ دُونَ الْجَمْعِ بِشَهَادَةِ الِاسْتِقْرَاءِ، وَالِاسْتِعْمَالِ أَوْ نَقُولُ الْمُرَادُ أَفْرَادُ مَدْلُولِ أَصْلِ اللَّفْظِ، وَهُوَ هَاهُنَا الرَّجُلُ. (قَوْلُهُ قَالَ مَشَايِخُنَا) الْجَمْعُ الْمُعَرَّفُ بِاللَّامِ مَجَازٌ عَنْ الْجِنْسِ، وَهَذَا مَا ذَكَرَهُ أَئِمَّةُ الْعَرَبِيَّةِ فِي مِثْلِ فُلَانٍ يَرْكَبُ الْخَيْلَ، وَيَلْبَسُ الثِّيَابَ الْبِيضَ أَنَّهُ لِلْجِنْسِ لِلْقَطْعِ بِأَنْ لَيْسَ الْقَصْدُ إلَى عَهْدٍ أَوْ اسْتِغْرَاقٍ فَلَوْ حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، وَلَا يَشْتَرِي الْعَبِيدَ، أَوْ لَا يُكَلِّمُ النَّاسَ يَحْنَثُ بِالْوَاحِدِ لِأَنَّ اسْمَ الْجِنْسِ حَقِيقَةٌ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ الثَّلَاثَةِ فِي الْجَمْعِ حَتَّى إنَّهُ حِينَ لَمْ يَكُنْ مِنْ جِنْسِ الرِّجَالِ غَيْرُ آدَمَ ﵇ كَانَتْ حَقِيقَةُ الْجِنْسِ مُتَحَقِّقَةً، وَلَمْ يَتَغَيَّرْ بِكَثْرَةِ أَفْرَادِهِ، وَالْوَاحِدُ هُوَ الْمُتَيَقَّنُ فَيَعْمَلُ بِهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَعَدَمِ الِاسْتِغْرَاقِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْعُمُومَ فَحِينَئِذٍ لَا يَحْنَثُ قَطُّ، وَيُصَدَّقُ دِيَانَةً، وَقَضَاءً لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةَ كَلَامِهِ، وَالْيَمِينُ يَنْعَقِدُ لِأَنَّ تَزَوُّجَ جَمِيعِ النِّسَاءِ مُتَصَوَّرٌ، وَعَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ قَضَاءً لِأَنَّهُ نَوَى حَقِيقَةً لَا تَثْبُتُ إلَّا بِالنِّيَّةِ فَصَارَ كَأَنَّهُ نَوَى الْمَجَازَ ثُمَّ هَذَا الْجِنْسُ بِمَنْزِلَةِ النَّكِرَةِ يُخَصُّ فِي الْإِثْبَاتِ كَمَا إذَا حَلَفَ يَرْكَبُ الْخَيْلَ يَحْصُلُ الْبِرُّ بِرُكُوبِ وَاحِدٍ، وَيَعُمُّ فِي النَّفْيِ مِثْلُ لَا تَحِلُّ لَك النِّسَاءُ أَيْ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠] يَكُونُ مَعْنَاهُ أَنَّ جِنْسَ الصَّدَقَةِ لِجِنْسِ الْفَقِيرِ فَيَجُوزُ الصَّرْفُ إلَى وَاحِدٍ وَذَلِكَ لِأَنَّ الِاسْتِغْرَاقَ لَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ إذْ يَصِيرُ الْمَعْنَى أَنَّ كُلَّ صَدَقَةٍ لِكُلِّ فَقِيرٍ لَا يُقَالُ بَلْ الْمَعْنَى أَنَّ جَمْعَ الصَّدَقَاتِ لِجَمِيعِ الْفُقَرَاءِ، وَمُقَابَلَةُ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ تَقْتَضِي انْقِسَامَ الْآحَادِ بِالْآحَادِ لَا ثُبُوتَ كُلِّ فَرْدٍ مِنْ هَذَا الْجَمْعِ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنْ ذَلِكَ الْجَمْعِ لِأَنَّا نَقُولُ لَوْ سُلِّمَ أَنَّ هَذَا مَعْنَى الِاسْتِغْرَاقِ فَالْمَطْلُوبُ حَاصِلٌ، وَهُوَ جَوَازُ صَرْفِ الزَّكَاةِ إلَى فَقِيرٍ وَاحِدٍ. (قَوْلُهُ: فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ) ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ

стр. 98

وَمَعْنَى الْجَمْعِيَّةِ بَاقٍ مِنْ وَجْهٍ، وَلَوْ لَمْ يُحْمَلْ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى، وَتَبْقَى الْجَمْعِيَّةُ عَلَى حَالِهَا يَبْطُلُ اللَّامُ بِالْكُلِّيَّةِ فَحَمْلُهُ عَلَى تَعْرِيفِ الْجِنْسِ، وَإِبْطَالِ الْجَمْعِيَّةِ مِنْ وَجْهٍ أَوْلَى، وَهَذَا مَعْنَى كَلَامِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ ﵀ فِي بَابِ مُوجِبِ الْأَمْرِ فِي مَعْنَى الْعُمُومِ، وَالتَّكْرَارِ لِأَنَّا إذَا أَبْقَيْنَاهُ جَمْعًا لَغَا حَرْفَ الْعَهْدِ أَصْلًا إلَى آخِرِهِ فَعُلِمَ مِنْ هَذِهِ الْأَبْحَاثِ أَنَّ مَا قَالُوا أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الْجِنْسِ مَجَازًا مُقَيَّدٌ بِصُوَرٍ لَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الْعَهْدِ، وَالِاسْتِغْرَاقِ حَتَّى لَوْ أَمْكَنَ يُحْمَلُ عَلَيْهِ كَمَا فِي ــ [التلويح] هَذَا الْجَمْعُ لِلْجِنْسِ حَرْفُ اللَّامِ مَعْمُولٌ لِدَلَالَتِهِ عَلَى تَعْرِيفِ الْجِنْسِ أَيْ الْإِشَارَةُ إلَى هَذَا الْجِنْسِ مِنْ الْأَجْنَاسِ، وَمَعْنَى الْجَمْعِيَّةِ بَاقٍ مِنْ وَجْهٍ لِأَنَّ الْجِنْسَ يَدُلُّ عَلَى الْكَثْرَةِ تَضَمُّنًا بِمَعْنَى أَنَّهُ مَفْهُومٌ كُلِّيٌّ لَا تُمْنَعُ شَرِكَةُ الْكَثِيرِ فِيهِ لَا بِمَعْنَى أَنَّ الْكَثْرَةَ جُزْءُ مَفْهُومِهِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ ﵀ أَنَّ كُلَّ جِنْسٍ يَتَضَمَّنُ الْجَمْعَ فَمَعْنَى الْجَمْعِيَّةِ، وَهُوَ التَّكَثُّرُ بَاقٍ مِنْ وَجْهٍ، وَإِنْ بَطَلَ مِنْ وَجْهٍ حَيْثُ صَحَّ الْحَمْلُ عَلَى الْوَاحِدِ، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا يَصِحُّ إطْلَاقُ الْجَمْعِ عَلَيْهِ حَقِيقَةً بِاعْتِبَارِ عَهْدِيَّتِهِ، وَحُضُورِهِ فِي الذِّهْنِ فَيَكُونُ اللَّامُ مَعْمُولًا، وَالْجَمْعِيَّةُ بَاقِيَةً مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لَا يُقَالُ الْكَلَامُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَا يَكُونَ هُنَاكَ مَعْهُودٌ لِأَنَّا نَقُولُ تَقْدِيرُ عَدَمِ الْمَعْهُودِ الذِّهْنِيِّ تَقْدِيرٌ بَاطِلٌ لِأَنَّ كُلَّ لَفْظٍ عُلِمَ مَدْلُولُهُ جَازَ تَعْرِيفُهُ بِاعْتِبَارِ الْقَصْدِ إلَى بَعْضِ أَفْرَادِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا حَاضِرَةٌ فِي الذِّهْنِ فَحِينَئِذٍ لَا نُسَلِّمُ انْتِفَاءَ الْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ فِي شَيْءٍ مِنْ الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ، وَالصَّحِيحُ فِي إثْبَاتِ كَوْنِ الْجَمْعِ مَجَازًا عَنْ الْجِنْسِ التَّمَسُّكُ بِوُقُوعِهِ فِي الْكَلَامِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ﴾ [الأحزاب: ٥٢] ، وَقَوْلُهُمْ فُلَانٌ يَرْكَبُ الْخَيْلَ. (قَوْلُهُ: وَهَذَا مَعْنَى فَخْرِ الْإِسْلَامِ) عِبَارَتُهُ أَنَّ مِثْلَ لَا أَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ لَا أَشْتَرِي الثِّيَابَ يَقَعُ عَلَى الْأَقَلِّ، وَيَحْتَمِلُ الْكُلَّ لِأَنَّ هَذَا جَمْعٌ صَارَ مَجَازًا عَنْ اسْمِ الْجِنْسِ لِأَنَّا إذَا أَبْقَيْنَاهُ جَمْعًا لَغَا حَرْفُ الْعَهْدِ أَصْلًا، وَإِذَا جَعَلْنَاهُ جِنْسًا بَقِيَ حَرْفُ اللَّامِ لِتَعْرِيفِ الْجِنْسِ وَبَقِيَ مَعْنَى الْجَمْعِ فِي الْجِنْسِ مِنْ وَجْهٍ فَكَانَ الْجِنْسُ أَوْلَى. (قَوْلُهُ: فَعُلِمَ مِنْ هَذِهِ الْأَبْحَاثِ) لَا شَكَّ أَنَّ حَمْلَ الْجَمْعِ عَلَى الْجِنْسِ مُجَاوِزٌ وَعَلَى الْعَهْدِ أَوْ الِاسْتِغْرَاقِ حَقِيقَةً، وَلَا مَسَاغَ لِلْخُلْفِ إلَّا عِنْدَ تَعَذُّرِ الْأَصْلِ، وَلِهَذَا لَوْ قَالَتْ خَالِعْنِي عَلَى مَا فِي يَدَيْ مِنْ الدَّرَاهِمِ، وَلَا شَيْءَ فِيهَا لَزِمَهَا ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ الْأَيَّامَ أَوْ الشُّهُورَ يَقَعُ عَلَى الْعَشَرَةِ عِنْدَهُ، وَعَلَى الْأُسْبُوعِ، وَالسَّنَةِ عِنْدَهُمَا لِأَنَّهُ أَمْكَنَ الْعَهْدُ فَلَا يُحْمَلُ عَلَى الْجِنْسِ فَلِهَذَا قَالُوا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] إنَّهُ لِلِاسْتِغْرَاقِ دُونَ الْجِنْسِ، وَأَنَّ الْمَعْنَى لَا يُدْرِكُهُ كُلُّ بَصَرٍ، وَهُوَ سَلْبُ الْعُمُومِ أَيْ نَفْيُ الشُّمُولِ، وَرَفْعُ الْإِيجَابِ الْكُلِّيِّ فَيَكُونُ سَلْبًا جُزْئِيًّا، وَلَيْسَ الْمَعْنَى لَا يُدْرِكُهُ شَيْءٌ مِنْ الْأَبْصَارِ لِيَكُونَ عُمُومُ السَّلْبِ أَيْ شُمُولُ النَّفْيِ لِكُلِّ أَحَدٍ فَيَكُونُ سَلْبًا كُلِّيًّا لَا يُقَالُ كَمَا أَنَّ الْجَمْعَ الْمُعَرَّفَ بِاللَّامِ فِي الْإِثْبَاتِ

стр. 99

قَوْله تَعَالَى ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] فَإِنَّ عُلَمَاءَنَا قَالُوا إنَّهُ لِسَلْبِ الْعُمُومِ لَا لِعُمُومِ السَّلْبِ فَجَعَلُوا اللَّامَ لِاسْتِغْرَاقِ الْجِنْسَ. (وَالْجَمْعُ الْمُعَرَّفُ بِغَيْرِ اللَّامِ نَحْوُ عَبِيدِي أَحْرَارٌ عَامٌّ أَيْضًا لِصِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَاخْتُلِفَ فِي الْجَمْعِ الْمُنْكَرِ، وَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ عَامٍّ، وَعِنْدَ الْبَعْضِ عَامٌّ لِصِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] ، وَالنَّحْوِيُّونَ حَمَلُوا إلَّا عَلَى غَيْرِهِ) . (وَمِنْهَا الْمُفْرَدُ الْمُحَلَّى بِاللَّامِ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَعْهُودِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ - إِلا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر: ٢ - ٣] ــ [التلويح] لِإِيجَابِ الْحُكْمِ لِكُلِّ فَرْدٍ كَذَلِكَ هُوَ فِي النَّفْيِ لِسَلْبِ الْحُكْمِ عَنْ كُلِّ فَرْدٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر: ٣١] ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢] ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [المنافقون: ٦] لِأَنَّا نَقُولُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ لِلْجِنْسِ وَالْجِنْسُ فِي النَّفْيِ يَعُمُّ، وَقَدْ يُجَابُ عَنْ الْآيَةِ بِأَنَّهَا لَا تَعُمُّ الْأَحْوَالَ، وَالْأَوْقَاتَ، وَبِأَنَّ الْإِدْرَاكَ بِالْبَصَرِ أَخَصُّ مِنْ الرُّؤْيَةِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِهِ نَفْيُهَا. (قَوْلُهُ صِحَّةُ الِاسْتِثْنَاءِ) كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلا مَنِ اتَّبَعَكَ﴾ [الحجر: ٤٢] فَإِنْ قِيلَ صِحَّةُ الِاسْتِثْنَاءِ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى الْعُمُومِ فَإِثْبَاتُ الْعُمُومِ بِهَا دَوْرٌ قُلْنَا يَثْبُتُ الْعِلْمُ بِالْعُمُومِ بِوُقُوعِ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْكَلَامِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ فَيَكُونُ اسْتِدْلَالًا بِالِاسْتِعْمَالِ وَالْإِجْمَاعِ (قَوْلُهُ، وَاخْتُلِفَ فِي الْجَمْعِ الْمُنْكَرِ) لَا شَكَّ فِي عُمُومِهِ بِمَعْنَى انْتِظَامِ جَمْعٍ مِنْ الْمُسَمَّيَاتِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْعُمُومِ بِوَصْفِ الِاسْتِغْرَاقِ فَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِعَامٍّ لِأَنَّ رِجَالًا فِي الْجُمُوعِ كَرَجُلٍ فِي الْوِجْدَانِ يَصِحُّ إطْلَاقُهُ عَلَى كُلِّ جَمْعٍ كَمَا يَصِحُّ إطْلَاقُ رَجُلٍ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ، وَبَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ لِلِاسْتِغْرَاقِ فَيَكُونُ عَامًّا لِصِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] ، وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُمْكِنْ لِلِاسْتِغْرَاقِ لَكَانَ لِلْبَعْضِ، وَلَا قَائِلَ بِهِ إذْ لَا نِزَاعَ فِي صِحَّةِ إطْلَاقِهِ عَلَى الْكُلِّ حَقِيقَةً، وَلِأَنَّ فِي حَمْلِهِ عَلَى مَا دُونَ الْكُلِّ إجْمَالًا لِاسْتِوَاءِ جَمِيعِ الْمَرَاتِبِ فِي مَعْنَى الْجَمْعِيَّةِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْحَمْلِ عَلَى الْأَقَلِّ لِتَيَقُّنِهِ أَوْ عَلَى الْكُلِّ لِكَثْرَةِ فَائِدَتِهِ، وَهَذَا أَقْرَبُ لِأَنَّ الْجَمْعِيَّةَ بِالْعُمُومِ، وَالشُّمُولِ أَنْسَبُ، وَلِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ إطْلَاقُهُ عَلَى كُلِّ مَرْتَبَةٍ مِنْ مَرَاتِبِ الْجُمُوعِ فَحَمْلُهُ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ حَمْلٌ عَلَى جَمِيعِ حَقَائِقِهِ فَكَانَ أَوْلَى وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ إنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ بَلْ صِفَةٌ، وَلَوْ كَانَ اسْتِثْنَاءً لَوَجَبَ نَصْبُهُ، وَعَنْ الثَّانِي أَنَّ عَدَمَ اعْتِبَارِ الِاسْتِغْرَاقِ لَا يَسْتَلْزِمُ اعْتِبَارَ عَدَمِهِ لِتَلْزَمَ الْبَعْضِيَّةُ بَلْ هُوَ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْكُلِّ، وَالْبَعْضِ، وَعَنْ الثَّالِثِ، وَالرَّابِعِ أَنَّهُ إثْبَاتُ اللُّغَةِ بِالتَّرْجِيحِ عَلَى أَنَّ الْحَمْلَ عَلَى الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ إيهَامٌ كَمَا فِي رَجُلٍ لَا إجْمَالَ إذْ يُعْرَفُ أَنَّ مَعْنَاهُ جَمْعٌ مِنْ الرِّجَالِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ تَعْيِينَ عَدَدِهِ وَمَا ذُكِرَ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَقَائِقِ إنْ أُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِكُلِّ مَرْتَبَةٍ وَضْعًا عَلَى حِدَةٍ لِيَكُونَ مُشْتَرَكًا فَهُوَ مَمْنُوعٌ، وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلْمَفْهُومِ الْأَعَمِّ الصَّادِقِ عَلَى كُلِّ

стр. 100

وقَوْله تَعَالَى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] إلَّا أَنْ تَدُلَّ الْقَرِينَةُ عَلَى أَنَّهُ لِتَعْرِيفِ الْمَاهِيَّةِ نَحْوُ أَكَلْت الْخُبْزَ، وَشَرِبْت الْمَاءَ) ، وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ تَعْرِيفُ الْمَاهِيَّةِ إلَى الْقَرِينَةِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْأَصْلَ فِي اللَّامِ الْعَهْدُ ثُمَّ الِاسْتِغْرَاقُ ثُمَّ تَعْرِيفُ الْمَاهِيَّةِ. (وَمِنْهَا النَّكِرَةُ فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ [الأنعام: ٩١] فِي جَوَابِ ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١] وَجْهُ التَّمَسُّكِ أَنَّهُمْ قَالُوا ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١] فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِثْلُ هَذَا الْكَلَامِ لِلسَّلْبِ الْكُلِّيِّ لَمْ يَسْتَقِمْ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ الْإِيجَابُ الْجُزْئِيُّ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ [الأنعام: ٩١] . (وَلِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، وَالنَّكِرَةُ فِي مَوْضِعِ الشَّرْطِ إذَا كَانَ) أَيْ الشَّرْطُ (مُثْبَتًا عَامًّا فِي طَرَفِ النَّفْيِ فَإِنْ قَالَ: إنْ ضَرَبْت رَجُلًا فَكَذَا مَعْنَاهُ لَا أَضْرِبُ رَجُلًا لِأَنَّ الْيَمِينَ لِلْمَنْعِ هُنَا) اعْلَمْ أَنَّ الْيَمِينَ إمَّا لِلْحَمْلِ أَوْ لِلْمَنْعِ فَفِي قَوْلِهِ إنْ ضَرَبْت رَجُلًا فَعَبْدِي حُرٌّ الْيَمِينُ لِلْمَنْعِ فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ لَا أَضَرِبُ رَجُلًا فَشَرْطُ الْبِرِّ أَنْ لَا يَضْرِبَ أَحَدًا مِنْ الرِّجَالِ فَيَكُونُ لِلسَّلْبِ الْكُلِّيِّ فَيَكُونُ عَامًّا فِي طَرَفِ النَّفْيِ، وَإِنَّمَا قُيِّدَ بِقَوْلِهِ إذَا كَانَ ــ [التلويح] مَرْتَبَةٍ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ فَهُوَ قَوْلٌ بِعَدَمِ الِاسْتِغْرَاقِ [مِنْ أَلْفَاظِ الْعَامِّ الْمُفْرَدُ الْمُحَلَّى بِاللَّامِ] (قَوْلُهُ: وَمِنْهَا الْمُفْرَدُ الْمُحَلَّى بِاللَّامِ) قَدْ سَبَقَ أَنَّ الْمُعَرَّفَ بِاللَّامِ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْعَهْدِ الْخَارِجِيِّ فَهُوَ لِلِاسْتِغْرَاقِ إلَّا أَنْ تَدُلَّ الْقَرِينَةُ عَلَى أَنَّهُ لِنَفْسِ الْمَاهِيَّةِ كَمَا فِي قَوْلِنَا الْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ نَاطِقٌ أَوْ لِلْمَعْهُودِ الذِّهْنِيِّ كَمَا فِي أَكَلْت الْخُبْزَ، وَشَرِبْت الْمَاءَ فَإِنَّهُ لِلْبَعْضِ الْخَارِجِيِّ الْمُطَابِقِ لِلْمَعْهُودِ الذِّهْنِيِّ، وَهُوَ الْخُبْزُ، وَالْمَاءُ الْمُقَدَّرُ فِي الذِّهْنِ أَنَّهُ يُؤْكَلُ، وَيُشْرَبُ، وَهُوَ مِقْدَارٌ مَعْلُومٌ كَذَا ذَكَرَ الْمُحَقِّقُونَ وَالْمُصَنِّفُ جَعَلَهُ لِتَعْرِيفِ الْمَاهِيَّةِ فَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِالْمَعْهُودِ الذِّهْنِيِّ الْمُقَدَّمَ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ مَا لَمْ يُسْبَقْ ذِكْرُهُ كَقَوْلِك لِلْغُلَامِ قَدْ دَخَلْت الْبَلَدَ، وَتَعْلَمُ أَنَّ فِيهِ سُوقًا أَدْخُلُ السُّوقَ إشَارَةً إلَى سُوقِ الْبَلَدِ، وَمِثْلُهُ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ مَعْهُودٌ خَارِجِيٌّ لِكَوْنِهِ إشَارَةً إلَى مُعَيَّنٍ. (قَوْلُهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ - إِلا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر: ٢ - ٣] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] أَيْ الَّذِي سَرَقَ، وَاَلَّتِي سَرَقَتْ نَبَّهَ بِالْمِثَالَيْنِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِاللَّامِ هَاهُنَا أَعَمُّ مِنْ حَرْفِ التَّعْرِيفِ، وَاسْمُ الْمَوْصُولِ مَعَ مَا فِي الْمِثَالِ الْأَوَّلِ مِنْ الدَّلِيلِ عَلَى كَوْنِ الصِّيغَةِ لِلْعُمُومِ [مِنْ أَلْفَاظِ الْعَامِّ النَّكِرَةُ فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ] (قَوْلُهُ: وَمِنْهَا) أَيْ، وَمِنْ أَلْفَاظِ الْعَامِّ النَّكِرَةُ الْوَاقِعَةُ فِي مَوْضِعٍ، وَرَدَ فِيهِ النَّفْيُ بِأَنْ يَنْسَحِبَ عَلَيْهَا حُكْمُ النَّفْيِ فَيَلْزَمُهَا الْعُمُومُ ضَرُورَةَ أَنَّ انْتِفَاءَ فَرْدٍ مُبْهَمٍ لَا يَكُونُ إلَّا بِانْتِفَاءِ جَمِيعِ الْأَفْرَادِ، وَقَدْ يُقْصَدُ بِالنَّكِرَةِ الْوَاحِدُ بِصِفَةِ الْوَاحِدَةِ فَيَرْجِعُ النَّفْيُ إلَى الْوَصْفِ فَلَا تَعُمُّ مِثْلُ مَا فِي الدَّارِ رَجُلٌ بَلْ رَجُلَانِ أَمَّا إذَا كَانَتْ مَعَ مِنْ ظَاهِرَةٍ أَوْ مُقَدَّرَةٍ كَمَا فِي مَا مِنْ رَجُلٍ أَوْ لَا رَجُلَ فِي الدَّارِ فَهُوَ لِلْعُمُومِ قَطْعًا، وَلِهَذَا قَالَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ إنَّ قِرَاءَةَ ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] بِالْفَتْحِ تُوجِبُ الِاسْتِغْرَاقَ، وَبِالرَّفْعِ تُجَوِّزُهُ، وَاسْتَدَلَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى عُمُومِ النَّكِرَةِ الْمَنْفِيَّةِ بِالنَّصِّ، وَالْإِجْمَاعِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ [الأنعام: ٩١]

стр. 101

الشَّرْطُ مُثْبَتًا حَتَّى لَوْ كَانَ الشَّرْطُ مَنْفِيًّا لَا يَكُونُ عَامًّا كَقَوْلِهِ إنْ لَمْ أَضْرِبْ رَجُلًا فَعَبْدِي حُرٌّ فَمَعْنَاهُ أَضْرِبُ رَجُلًا فَشَرْطُ الْبِرِّ ضَرْبُ أَحَدٍ مِنْ الرِّجَالِ فَيَكُونُ لِلْإِيجَابِ الْجُزْئِيِّ. (وَكَذَا ــ [التلويح] اسْتِفْهَامُ تَقْرِيرٍ، وَتَبْكِيتٍ بِمَعْنَى أَنْزَلَ اللَّهُ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، وَأَنْتُمْ مُعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ فَهُوَ إيجَابٌ جُزْئِيٌّ بِاعْتِبَارِ أَنَّ تَعَلُّقَ الْحُكْمِ بِفَرْدٍ مُعَيَّنٍ مِنْ الشَّيْءِ تَعَلُّقٌ بِبَعْضِ أَفْرَادِهِ ضَرُورَةً، وَقَدْ قُصِدَ بِهِ إلْزَامُ الْيَهُودِ، وَرُدَّ قَوْلِهِمْ ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١] فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ الْبَشَرِ شَيْئًا مِنْ الْكُتُبِ عَلَى أَنَّهُ سَلْبٌ كُلِّيٌّ لِيَسْتَقِيمَ رَدُّهُ بِالْإِيجَابِ الْجُزْئِيِّ إذْ الْإِيجَابُ الْجُزْئِيُّ لَا يُنَافِي السَّلْبَ الْجُزْئِيَّ مِثْلُ أَنْزَلَ اللَّهُ بَعْضَ الْكُتُبِ عَلَى بَعْضِ الْبَشَرِ، وَلَمْ يُنَزِّلْ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضِهِمْ، وَإِنَّمَا قَالَ الْإِيجَابُ، وَالسَّلْبُ دُونَ الْمُوجِبَةِ، وَالسَّالِبَةِ لِأَنَّ الْكُلِّيَّةَ، وَالْبَعْضِيَّةَ هُنَا لَيْسَتْ فِي جَانِبِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ بَلْ فِي مُتَعَلِّقَاتِ الْحُكْمِ. وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ قَوْلَنَا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ كَلِمَةُ تَوْحِيدٍ إجْمَاعًا فَلَوْ لَمْ يَكُنْ صَدْرُ الْكَلَامِ نَفْيًا لِكُلِّ مَعْبُودٍ بِحَقٍّ لَمَا كَانَ إثْبَاتُ الْوَاحِدِ الْحَقِّ تَعَالَى تَوْحِيدًا، وَلِلْإِشَارَةِ إلَى هَذَا التَّقْرِيرِ قَالَ: وَلِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ دُونَ أَنْ يَقُولَ، وَلِقَوْلِنَا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ أَوْ لِصِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ فَإِنْ قُلْت لِمَا فَسَّرْت الْإِلَهَ بِالْمَعْبُودِ بِحَقٍّ لَزِمَ اسْتِثْنَاءُ الشَّيْءِ مِنْ نَفْسِهِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَيْضًا اسْمٌ لِلْمَعْبُودِ بِالْحَقِّ عَلَى مَا صَرَّحُوا بِهِ قُلْت مَعْنَاهُ أَنَّهُ عَلَمٌ لِلْمَعْبُودِ بِالْحَقِّ الْمَوْجُودِ الْبَارِي لِلْعَالَمِ الَّذِي هُوَ فَرْدٌ خَاصٌّ مِنْ مَفْهُومِ الْإِلَهِ لَا أَنَّهُ اسْمٌ لِهَذَا الْمَفْهُومِ الْكُلِّيِّ كَالْإِلَهِ ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ هَاهُنَا بَدَلٌ مِنْ اسْمِ لَا عَلَى الْمَحَلِّ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ أَيْ لَا إلَهَ مَوْجُودٌ فِي الْوُجُودِ إلَّا اللَّهُ فَإِنْ قُلْت هَلَّا قَدَّرْت فِي الْإِمْكَانِ، وَنَفْيُ الْإِمْكَانِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْوُجُودِ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ قُلْت لِأَنَّ هَذَا رَدٌّ لِخَطَأِ الْمُشْرِكِينَ فِي اعْتِقَادِ تَعَدُّدِ الْإِلَهِ فِي الْوُجُودِ، وَلِأَنَّ الْقَرِينَةَ، وَهِيَ نَفْيُ الْجِنْسِ إنَّمَا تَدُلُّ عَلَى الْوُجُودِ دُونَ الْإِمْكَانِ، وَلِأَنَّ التَّوْحِيدَ هُوَ بَيَانُ وُجُودِهِ، وَنَفْيُ إلَهٍ غَيْرِهِ، لَا بَيَانُ إمْكَانِهِ، وَعَدَمِ إمْكَانِ غَيْرِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِثْنَاءُ مُفَرَّغًا، وَاقِعًا مَوْقِعَ الْخَبَرِ لِأَنَّ الْمَعْنَى عَلَى نَفْيِ الْوُجُودِ عَنْ آلِهَةٍ سِوَى اللَّهِ تَعَالَى عَلَى نَفْيِ مُغَايَرَةِ اللَّهِ عَنْ كُلِّ إلَهٍ. (قَوْلُهُ: وَالنَّكِرَةُ فِي مَوْضِعِ الشَّرْطِ) يُرِيدُ أَنَّ الشَّرْطَ فِي مِثْلِ إنْ فَعَلْت فَعَبْدُهُ حُرٌّ، أَوْ امْرَأَتُهُ طَالِقٌ لِلْيَمِينِ عَلَى تَحَقُّقِ نَقِيضِ مَضْمُونِ الشَّرْطِ فَإِنْ كَانَ الشَّرْطُ مُثْبَتًا مِثْلُ إنْ ضَرَبْت رَجُلًا فَكَذَا فَهُوَ يَمِينٌ لِلْمَنْعِ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِك، وَاَللَّهِ لَا أَضْرِبُ رَجُلًا، وَإِنْ كَانَ مَنْفِيًّا مِثْلُ إنْ لَمْ أَضْرِبْ رَجُلًا فَكَذَا فَهُوَ يَمِينٌ لِلْحَمْلِ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِك، وَاَللَّهِ لَأَضْرِبَنَّ رَجُلًا، وَلَا شَكَّ أَنَّ النَّكِرَةَ فِي الشَّرْطِ الْمُثْبَتِ خَاصٌّ يُفِيدُ الْإِيجَابَ الْجُزْئِيَّ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي جَانِبِ النَّقِيضِ لِلْعُمُومِ، وَالسَّلْبِ الْكُلِّيِّ، وَالنَّكِرَةُ فِي الشَّرْطِ الْمَنْفِيِّ عَامٌّ يُفِيدُ السَّلْبَ الْكُلِّيَّ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي

стр. 102

النَّكِرَةُ الْمَوْصُوفَةُ بِصِفَةٍ عَامَّةٍ) عِنْدَنَا نَحْوُ لَا أُجَالِسُ، إلَّا رَجُلًا عَالِمًا فَلَهُ أَنْ يُجَالِسَ كُلَّ عَالِمٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ﴾ [البقرة: ٢٢١] ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ [البقرة: ٢٦٣] الْآيَةَ، وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ لِأَنَّهُ فِي مَعْرَضِ التَّعْلِيلِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١] ، وَهَذَا الْحُكْمُ عَامٌّ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ الْعِلَّةُ الْمَذْكُورَةُ عَامَّةً لَمَا صَحَّ التَّعْلِيلُ. وَلِأَنَّ النِّسْبَةَ إلَى الْمُشْتَقِّ تَدُلُّ عَلَى عِلِّيَّةِ الْمَأْخَذِ فَكَذَا النِّسْبَةُ إلَى الْمَوْصُوفِ بِالْمُشْتَقِّ لِأَنَّ قَوْلَهُ لَا أُجَالِسُ إلَّا عَالِمًا مَعْنَاهُ إلَّا رَجُلًا عَالِمًا فَيَعُمُّ لِعُمُومِ الْعِلَّةِ فَإِنَّ قَوْلَهُ لَا أُجَالِسُ إلَّا عَالِمًا لِعُمُومِ الْعِلَّةِ، وَمَعْنَاهُ لَا أُجَالِسُ إلَّا رَجُلًا عَالِمًا فَإِنْ أَظْهَرْنَا الْمَوْصُوفَ، وَهُوَ الرَّجُلُ، وَنَقُولُ لَا أُجَالِسُ إلَّا رَجُلًا عَالِمًا كَانَ عَامًّا أَيْضًا. (فَإِنْ قِيلَ النَّكِرَةُ الْمَوْصُوفَةُ مُقَيَّدَةٌ، وَالْمُقَيَّدُ مِنْ أَقْسَامِ الْخَاصِّ قُلْنَا هُوَ خَاصٌّ مِنْ وَجْهٍ، وَعَامٌّ مِنْ وَجْهٍ) ــ [التلويح] جَانِبِ النَّقِيضِ لِلْخُصُوصِ، وَالْإِيجَابِ الْجُزْئِيِّ فَظَهَرَ أَنَّ عُمُومَ النَّكِرَةِ فِي مَوْضِعِ الشَّرْطِ لَيْسَ إلَّا عُمُومُ النَّكِرَةِ فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ. (قَوْلُهُ: وَكَذَا النَّكِرَةُ الْمَوْصُوفَةُ بِصِفَةٍ عَامَّةٍ) ، وَهِيَ الَّتِي لَا تَخْتَصُّ بِفَرْدٍ، وَاحِدٍ مِنْ أَفْرَادِ تِلْكَ النَّكِرَةِ كَمَا إذَا حَلَفَ لَا يُجَالِسُ إلَّا رَجُلًا عَالِمًا فَإِنَّ الْعِلْمَ لَيْسَ مِمَّا يَخْتَصُّ وَاحِدًا دُونَ وَاحِدٍ مِنْ الرِّجَالِ بِخِلَافِ مَا إذَا حَلَفَ لَا يُجَالِسُ إلَّا رَجُلًا يَدْخُلُ دَارِهِ وَحْدَهُ قَبْلَ أَحَدٍ فَإِنَّ هَذَا الْوَصْفَ لَا يَصْدُقُ إلَّا عَلَى فَرْدٍ وَاحِدٍ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى عُمُومِهَا لِوَجْهَيْنِ الْأَوَّلُ الِاسْتِعْمَالُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ﴾ [البقرة: ٢٢١] ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ [البقرة: ٢٦٣] لِلْقَطْعِ بِأَنَّ هَذَا الْحُكْمَ عَامٌّ فِي كُلِّ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ، وَكُلِّ قَوْلٍ مَعْرُوفٍ مَعَ أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ﴾ [البقرة: ٢٢١] وَقَعَ فِي مَعْرِضِ التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ عَنْ نِكَاحِ الْمُشْرِكِينَ، وَهُوَ عَامٌّ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ الْجَمْعَ الْمُعَرَّفَ بِاللَّامِ عَامٌّ، فِي النَّفْيِ، وَالْإِثْبَاتِ فَيَجِبُ عُمُومُ الْعِلَّةِ لِيُلَائِمَ عُمُومَ الْحُكْمِ، وَفِي هَذِهِ إشَارَةٌ إلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ عُمُومَ النَّكِرَةِ الْمَوْصُوفَةِ مُخْتَصٌّ بِغَيْرِ الْخَبَرِ أَوْ بِكَلِمَةِ أَيْ أَوْ بِالنَّكِرَةِ الْمُسْتَثْنَاةِ مِنْ النَّفْيِ الثَّانِي أَنَّ تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِالْوَصْفِ الْمُشْتَقِّ سَوَاءٌ ذُكِرَ مَوْصُوفُهُ أَوْ لَمْ يُذْكَرْ مُشْعِرٌ بِأَنَّ مَأْخَذَ اشْتِقَاقِ الْوَصْفِ عِلَّةٌ لِذَلِكَ الْحُكْمِ فَيَعُمُّ الْحُكْمُ بِعُمُومِ عِلَّتِهِ، وَهَذَا مُرَادُ مَنْ قَالَ الصِّفَةُ، وَالْمَوْصُوفُ كَشَيْءٍ وَاحِدٍ فَعُمُومُهَا عُمُومُهُ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا يُجَالِسُ إلَّا رَجُلًا يَحْنَثُ بِمُجَالَسَةِ رَجُلَيْنِ، وَلَوْ حَلَفَ لَا يُجَالِسُ إلَّا رَجُلًا عَالِمًا لَمْ يَحْنَثْ بِمُجَالَسَةِ عَالِمَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، وَقَدْ يُقَالُ فِي بَيَانِ ذَلِكَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَيْسَ بِمُسْتَقِلٍّ فَحُكْمُهُ إنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ صَدْرِ الْكَلَامِ، وَهَذِهِ النَّكِرَةُ فِي صَدْرِ الْكَلَامِ عَامَّةٌ لِوُقُوعِهَا فِي سِيَاقِ النَّفْيِ لِأَنَّ الْمَعْنَى لَا أُجَالِسُ رَجُلًا عَالِمًا، وَلَا رَجُلًا جَاهِلًا، وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ إلَّا رَجُلًا عَالِمًا، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْبَيَانَ جَارٍ بِعَيْنِهِ فِي مِثْلِ لَا أُجَالِسُ إلَّا رَجُلًا، وَالْوَجْهُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ حَيْثُ قَالَ إنَّ النَّكِرَةَ إذَا كَانَتْ غَيْرَ مَوْصُوفَةٍ فَالِاسْتِثْنَاءُ

стр. 103

أَيْ خَاصٌّ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُطْلَقِ الَّذِي لَا يَكُونُ فِيهِ ذَلِكَ الْقَيْدُ عَامٌّ فِي إفْرَادِ مَا يُوجَدُ فِيهِ ذَلِكَ الْقَيْدُ. (وَالنَّكِرَةُ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ خَاصٌّ لَكِنَّهَا تَكُونُ مُطْلَقَةً إذَا كَانَتْ فِي الْإِنْشَاءِ) ، وَنَحْوُ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] . (وَيَثْبُتُ بِهَا وَاحِدٌ مَجْهُولٌ عِنْدَ السَّامِعِ ــ [التلويح] بِاسْمِ الشَّخْصِ فَيَتَنَاوَلُ، وَاحِدًا، وَإِذَا كَانَتْ مَوْصُوفَةً فَالِاسْتِثْنَاءُ بِصِفَةِ النَّوْعِ فَيَخْتَصُّ ذَلِكَ النَّوْعُ بِصَيْرُورَتِهِ مُسْتَثْنًى، وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ أَنَّ فِي النَّكِرَةِ مَعْنَى الْوِحْدَةِ، وَالْجِنْسِيَّةِ فَيَكُونُ لَا أُجَالِسُ إلَّا رَجُلًا مَعْنَاهُ إلَّا رَجُلًا وَاحِدًا فَيَحْنَثُ بِمُجَالَسَةِ رَجُلَيْنِ إلَّا أَنَّهُ قَدْ تَنْضَمُّ إلَيْهَا قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الْقَصْدَ مِنْهَا إلَى مُجَرَّدِ الْجِنْسِيَّةِ دُونَ الْوَحْدَةِ فَلَا يَخْتَصُّ بَعْضُ الْأَفْرَادِ كَمَا إذَا وُصِفَتْ بِصِفَةٍ عَامَّةٍ، وَالْحُكْمُ مِمَّا يَصِحُّ تَعْلِيلُهُ بِهَذَا الْوَصْفِ فَإِنَّهُ يُعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ تَعَلُّقُ الْحُكْمِ بِكُلِّ مَا يُوجَدُ فِيهِ الْوَصْفُ إلَّا أَنَّ الْقَرِينَةَ لَا تَنْحَصِرُ فِي الْوَصْفِ لِلْقَطْعِ بِأَنَّ الْقَصْدَ فِي مِثْلِ تَمْرَةٍ خَيْرٌ مِنْ جَرَادَةٍ، وَأُكْرِمُ رَجُلًا لَا امْرَأَةً إلَى الْجِنْسِ دُونَ الْفَرْدِ، وَلَا كُلَّ وَصْفٍ يَصْلُحُ قَرِينَةً لِلْقَطْعِ بِأَنَّهُ لَا عُمُومَ فِي مِثْلِ لَقِيت رَجُلًا عَالِمًا وَوَاللَّهِ لَأُجَالِسَنَّ رَجُلًا عَالِمًا، وَيَحْصُلُ الْبِرُّ بِمُجَالَسَةِ وَاحِدٍ فَالْحَاصِلُ أَنَّ النَّكِرَةَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ النَّفْيِ قَدْ تَعُمُّ بِحَسَبِ اقْتِضَاءِ الْمَقَامِ لَا أَنَّهُ يَكْثُرُ فِي النَّكِرَةِ الْمَوْصُوفَةِ بِوَصْفٍ عَامٍّ. (قَوْلُهُ خَاصٌّ مِنْ وَجْهٍ وَعَامٌّ مِنْ وَجْهٍ) فَإِنْ قُلْت قَدْ صُرِّحَ فِيمَا سَبَقَ بِأَنَّ اللَّفْظَ الْوَاحِدَ لَا يَكُونُ خَاصًّا، وَعَامًّا مِنْ حَيْثِيَّتَيْنِ قُلْت لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْخَاصِّ هَاهُنَا الْخَاصَّ الْحَقِيقِيَّ أَعْنِي مَا وُضِعَ لِكَثِيرٍ مَحْصُورٍ أَوْ لِوَاحِدٍ بَلْ الْإِضَافِيُّ أَيْ مَا يَكُونُ مُتَنَاوِلًا لِبَعْضِ مَا تَنَاوَلَهُ لَفْظًا آخَرَ لَا لِمَجْمُوعِهِ فَيَكُونُ أَقَلَّ تَنَاوُلًا بِالْإِضَافَةِ إلَيْهِ، وَهُوَ مَعْنَى خُصُوصِهِ، وَهَذَا كَمَا قَالُوا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٤] ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ﴾ [الطلاق: ٤] كُلٌّ مِنْهُمَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْآخَرِ خَاصٌّ مِنْ وَجْهٍ عَامٌّ مِنْ وَجْهٍ وَذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ أَنَّ التَّخْصِيصَ يُطْلَقُ عَلَى قَصْرِ اللَّفْظِ عَلَى بَعْضِ مُسَمَّيَاتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَامًّا كَمَا يُطْلَقُ الْعَامُّ عَلَى اللَّفْظِ بِمُجَرَّدِ تَعَدُّدِ مُسَمَّيَاتِهِ مِثْلُ الْعَشَرَةِ. (قَوْلُهُ، وَالنَّكِرَةُ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ) أَيْ النَّفْيُ، وَالشَّرْطُ الْمُثْبَتُ، وَالْوَصْفُ بِصِفَةٍ عَامَّةٍ تَخُصُّ لِأَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لِلْفَرْدِ فَلَا تَعُمُّ إلَّا بِدَلِيلٍ يُوجِبُ الْعُمُومَ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ النَّكِرَةَ الْمُصَدَّرَةَ بِلَفْظِ كُلٍّ مِثْلُ أُكْرِمُ كُلَّ رَجُلٍ، وَالنَّكِرَةُ الْمُسْتَغْرِقَةُ بِاقْتِضَاءِ الْمَقَامِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ [التكوير: ١٤] ، وَقَوْلُهُمْ تَمْرَةٌ خَيْرٌ مِنْ جَرَادَةٍ، وَاقِعَةٌ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ مَعَ أَنَّهَا عَامَّةٌ ثُمَّ النَّكِرَةُ إذَا كَانَتْ خَاصَّةً فَإِنْ، وَقَعَتْ فِي الْإِنْشَاءِ فَهِيَ مُطْلَقَةٌ تَدُلُّ عَلَى نَفْسِ الْحَقِيقَةِ مِنْ غَيْرِ تَعَلُّقٍ لِأَمْرٍ زَائِدٍ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ الْمُطْلَقُ هُوَ الْمُتَعَرِّضُ لِلذَّاتِ دُونَ الصِّفَاتِ لَا بِالنَّفْيِ، وَلَا بِالْإِثْبَاتِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] فَإِنَّهُ إنْشَاءٌ لِلْأَمْرِ بِمَنْزِلَةِ صِيَغِ الْعُقُودِ مِثْلُ بِعْت، وَاشْتَرَيْت، وَإِنْ وَقَعَتْ فِي الْأَخْبَارِ مِثْلُ رَأَيْت رَجُلًا فَهِيَ لِإِثْبَاتِ وَاحِدٍ مُبْهَمٍ

стр. 104

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التلويح] مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ غَيْرِ مَعْلُومِ التَّعَيُّنِ عِنْدَ السَّامِعِ، وَجَعَلَهُ مُقَابِلًا لِلْمُطْلَقِ بِاعْتِبَارِ اشْتِمَالِهِ عَلَى قَيْدِ الْوَحْدَةِ، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَا نُسَلِّمُ عَدَمَ تَعَرُّضِ الْمُطْلَقِ بِقَيْدِ الْوَحْدَةِ لِلْقَطْعِ بِأَنَّ مَعْنَى ﴿أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] ذَبْحُ بَقَرَةٍ وَاحِدَةٍ، وَمَعْنَى ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] إعْتَاقُ رَقَبَةٍ وَاحِدَةٍ فَكَانَ الْمُرَادُ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِلَازِمٍ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ نَفْسُ الْحَقِيقَةِ أَوْ فَرْدٌ مِنْهَا أَوْ مَا صَدَقَتْ هِيَ عَلَيْهِ وَاحِدًا كَانَ أَوْ أَكْثَرَ، وَلِهَذَا فَسَّرَهُ الْمُحَقِّقُونَ بِالشَّائِعِ فِي جِنْسِهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ لِحِصَّةٍ مُحْتَمَلَةٍ الْحِصَصُ كَثِيرَةٌ مِمَّا يَنْدَرِجُ تَحْتَ أَمْرٍ مُشْتَرَكٍ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ. وَأَمَّا النِّزَاعُ فِي عُمُومِ النَّكِرَةِ فِي الْإِنْشَاءَاتِ وَالْخَبَرِ فَالْحَقُّ أَنَّهُ لَفْظِيٌّ لِأَنَّ الْقَائِلِينَ بِالْعُمُومِ لَا يُرِيدُونَ شُمُولَ الْحُكْمِ لِكُلِّ فَرْدٍ حَتَّى يَجِبَ فِي مِثْلِ أَعْطِ الدِّرْهَمَ فَقِيرًا صَرْفُهُ إلَى كُلِّ فَقِيرٍ، وَفِي مِثْلِ ﴿أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] ذَبْحُ كُلِّ بَقَرَةٍ وَفِي مِثْلِ ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] تَحْرِيرُ كُلِّ رَقَبَةٍ بَلْ الْمُرَادُ الصَّرْفُ إلَى فَقِيرٍ أَيِّ فَقِيرٍ كَانَ، وَكَذَا الْمُرَادُ ذَبْحُ بَقَرَةٍ أَيِّ بَقَرَةٍ كَانَتْ، وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ أَيِّ رَقَبَةٍ كَانَتْ فَإِنْ سُمِّيَ مِثْلُ هَذَا عَامًّا فَعَامٌّ، وَإِلَّا فَلَا عَلَى أَنَّهُمْ جَعَلُوا مِثْلَ مَنْ دَخَلَ هَذَا الْحِصْنَ أَوَّلًا فَلَهُ كَذَا عَامًّا مَعَ أَنَّهُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ فَإِنْ جُعِلَ مُسْتَغْرِقًا فَكُلُّ نَكِرَةٍ كَذَلِكَ، وَإِلَّا فَلَا جِهَةَ لِلْعُمُومِ. (قَوْلُهُ فَإِذَا أُعِيدَتْ نَكِرَةً) لَمَّا أَبْحَرَ الْكَلَامُ إلَى ذِكْرِ النَّكِرَةِ، وَإِفَادَتِهَا الْعُمُومَ، وَالْخُصُوصَ أَرْدَفَهُ بِمَا اُشْتُهِرَ مِنْ أَنَّ النَّكِرَةَ إذَا أُعِيدَتْ نَكِرَةً فَالثَّانِي غَيْرُ الْأَوَّلِ، وَالْمَعْرِفَةُ بِالْعَكْسِ، وَالْكَلَامُ فِيمَا إذَا أُعِيدَ اللَّفْظُ الْأَوَّلُ مَعَ كَيْفِيَّتِهِ مِنْ التَّنْكِيرِ، وَالتَّعْرِيفِ أَوْ بِدُونِهَا، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ طَرِيقُ التَّعْرِيفِ هُوَ اللَّامَ أَوْ الْإِضَافَةَ لِتَصِحَّ إعَادَةُ الْمَعْرِفَةِ نَكِرَةً، وَبِالْعَكْسِ، وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَذْكُورَ أَوَّلًا إمَّا أَنْ يَكُونَ نَكِرَةً أَوْ مَعْرِفَةً، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ إمَّا أَنْ يُعَادَ نَكِرَةً أَوْ مَعْرِفَةً فَيَصِيرُ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ، وَحُكْمُهَا أَنْ يَنْظُرَ إلَى الثَّانِي فَإِنْ كَانَ نَكِرَةً فَهُوَ مُغَايِرٌ لِلْأَوَّلِ، وَإِلَّا لَكَانَ الْمُنَاسِبُ هُوَ التَّعْرِيفُ بِنَاءً عَلَى كَوْنِهِ مَعْهُودًا سَابِقًا فِي الذِّكْرِ، وَإِنْ كَانَ مَعْرِفَةً فَهُوَ الْأَوَّلُ حَمْلًا لَهُ عَلَى الْمَعْهُودِ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ فِي اللَّامِ أَوْ بِالْإِضَافَةِ، وَذَكَرَ فِي الْكَشْفِ أَنَّهُ إنْ أُعِيدَتْ النَّكِرَةُ نَكِرَةً فَالثَّانِي مُغَايِرٌ لِلْأَوَّلِ وَإِلَّا فَعَيْنُهُ لِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ تَسْتَغْرِقُ الْجِنْسَ، وَالنَّكِرَةُ تَتَنَاوَلُ الْبَعْضَ فَيَكُونُ دَاخِلًا فِي الْكُلِّ سَوَاءٌ قُدِّمَ أَوْ أُخِّرَ، وَمَثَّلَ لِإِعَادَةِ الْمَعْرِفَةِ نَكِرَةً بِقَوْلِ الْحَمَاسِيِّ صَفَحْنَا عَنْ بَنِي ذُهْلٍ ... وَقُلْنَا الْقَوْمُ إخْوَانُ عَسَى الْأَيَّامُ أَنْ يُرْجِعْنَ ... قَوْمًا كَاَلَّذِي كَانُوا مَعَ الْقَطْعِ بِأَنَّ الثَّانِيَ عَيْنُ الْأَوَّلِ، وَفِيهِ نَظَرٌ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ التَّعْرِيفَ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ لِلِاسْتِغْرَاقِ بَلْ الْعَهْدُ هُوَ الْأَصْلُ، وَعِنْدَ تَقَدُّمِ الْمَعْهُودِ لَا يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ النَّكِرَةُ عَيْنَهُ. وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ مَعْنَى كَوْنِ الثَّانِي عَيْنَ الْأَوَّلِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ هُوَ الْمُرَادَ الْأَوَّلَ، وَالْجُزْءُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْكُلِّ لَيْسَ كَذَلِكَ. وَأَمَّا ثَالِثًا فَلِأَنَّ إعَادَةَ الْمَعْرِفَةِ نَكِرَةً مَعَ مُغَايَرَةِ الثَّانِي لِلْأَوَّلِ كَثِيرٌ فِي الْكَلَامِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [الأنعام: ١٥٤] إلَى قَوْلِهِ ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾ [الأنعام: ٩٢] ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: ٣٦] ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الأنعام: ١٦٥] إلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ

стр. 105

إذَا كَانَتْ فِي الْأَخْبَارِ نَحْوُ رَأَيْت رَجُلًا فَإِذَا أُعِيدَتْ نَكِرَةً كَانَتْ غَيْرَ الْأُولَى، وَإِذَا أُعِيدَتْ مَعْرِفَةً كَانَتْ عَيْنَهَا لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي اللَّامِ الْعَهْدُ، وَالْمَعْرِفَةُ إذَا أُعِيدَتْ فَكَذَلِكَ فِي الْوَجْهَيْنِ) أَيْ إذَا أُعِيدَتْ الْمَعْرِفَةُ نَكِرَةً كَانَ الثَّانِي غَيْرَ الْأَوَّلِ، وَإِنْ أُعِيدَتْ مَعْرِفَةً كَانَ الثَّانِي عَيْنَ الْأَوَّلِ فَالْمُعْتَبَرُ نَكِيرُ الثَّانِي، وَتَعْرِيفُهُ. (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥] ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٦] لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنَ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ هَذَا تَأْكِيدٌ، وَإِنْ أَقَرَّ بِأَلْفٍ مُقَيَّدٍ بِصَكٍّ مَرَّتَيْنِ يَجِبُ أَلْفٌ وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ مُنَكَّرًا يَجِبُ أَلْفَانِ عِنْدَهُ) أَيْ عِنْدَ ــ [التلويح] الْمُرَادَ أَنَّ هَذَا هُوَ الْأَصْلُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَخُلُوُّ الْمَقَامِ عَنْ الْقَرَائِنِ، وَإِلَّا فَقَدْ تُعَادُ النَّكِرَةُ نَكِرَةً مَعَ عَدَمِ الْمُغَايَرَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾ [الأنعام: ٣٧] ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ [الروم: ٥٤] يَعْنِي قُوَّةَ الشَّبَابِ، وَمِنْهُ بَابُ التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ، وَقَدْ تُعَادُ النَّكِرَةُ مَعْرِفَةً مَعَ الْمُغَايَرَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: ١٥٥] إلَى قَوْلِهِ ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [الأنعام: ١٥٦] ، وَقَدْ تُعَادُ الْمَعْرِفَةُ مَعْرِفَةً مَعَ الْمُغَايَرَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [المائدة: ٤٨] ، وَقَدْ تُعَادُ الْمَعْرِفَةُ نَكِرَةً مَعَ عَدَمِ الْمُغَايَرَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [فصلت: ٦] ، وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ فِي الْكَلَامِ كَقَوْلِهِ هَذَا الْعِلْمُ عِلْمُ كَذَا، وَكَذَا، وَدَخَلْت الدَّارَ فَرَأَيْت دَارًا كَذَا، وَكَذَا، وَمِنْهُ بَيْتُ الْحَمَاسَةِ. (قَوْلُهُ فَكَذَلِكَ فِي الْوَجْهَيْنِ) يَعْنِي أَنَّ الْمَعْرِفَةَ مِثْلُ النَّكِرَةِ فِي حَالَتَيْ الْإِعَادَةِ مَعْرِفَةٌ، وَالْإِعَادَةُ نَكِرَةٌ فِي أَنَّهَا إنْ أُعِيدَتْ مَعْرِفَةً كَانَ الثَّانِي هُوَ الْأَوَّلَ، وَإِنْ أُعِيدَتْ نَكِرَةً كَانَ غَيْرُهُ، وَلَمَّا كَانَتْ عِبَارَةُ الْمَتْنِ تَحْتَمِلُ عَكْسَ ذَلِكَ بِأَنْ يُتَوَهَّمَ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْمَعْرِفَةَ إذَا أُعِيدَتْ مَعْرِفَةً فَالثَّانِي غَيْرُ الْأَوَّلِ كَالنَّكِرَةِ إذَا أُعِيدَتْ نَكِرَةً، وَإِذَا أُعِيدَتْ نَكِرَةً فَالثَّانِي هُوَ الْأَوَّلُ كَالنَّكِرَةِ إذَا أُعِيدَتْ مَعْرِفَةً فَسَّرَهُ فِي الشَّرْحِ بِمَا ذَكَرْنَا دَفْعًا لِذَلِكَ التَّوَهُّمِ. (قَوْلُهُ «لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنَ» ) مَنْقُولٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ ﵃، وَرُوِيَ «عَنْ النَّبِيِّ ﵇ أَنَّهُ خَرَجَ إلَى أَصْحَابِهِ ذَاتَ يَوْمٍ فَرِحًا مُسْتَبْشِرًا، وَهُوَ يَضْحَكُ، وَيَقُولُ لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنَ» ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الثَّانِيَ مُغَايِرٌ لِلْأَوَّلِ فِي النَّكِرَةِ بِخِلَافِ الْمَعْرِفَةِ فَتَنْكِيرُ يُسْرًا لِلتَّفْخِيمِ أَوْ لِلْأَفْرَادِ، وَتَعْرِيفُ الْعُسْرِ لِلْعَهْدِ أَيْ الْعُسْرِ الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ أَوْ الْجِنْسِ أَيْ الَّذِي يَعْرِفُهُ كُلُّ أَحَدٍ فَيَكُونُ الْيُسْرُ الثَّانِي مُغَايِرًا لِلْأَوَّلِ بِخِلَافِ الْعُسْرِ، وَقَدْ قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ فِيهِ نَظَرٌ، وَوَجَّهُوهُ بِأَنَّ الْجُمْلَةَ الثَّانِيَةَ هَاهُنَا تَأْكِيدٌ لِلْأُولَى لِتَقْرِيرِهَا فِي النَّفْسِ، وَتَمْكِينِهَا فِي الْقَلْبِ لِأَنَّهَا تَكْرِيرٌ صَرِيحٌ لَهَا فَلَا يَدُلُّ عَلَى تَعَدُّدِ الْيُسْرِ كَمَا لَا يَدُلُّ قَوْلُنَا إنَّ مَعَ زَيْدٍ كِتَابًا أَنَّ مَعَ زَيْدٍ كِتَابًا عَلَى أَنَّ مَعَهُ كِتَابَيْنِ

стр. 106

أَبِي حَنِيفَةَ ﵀. (إلَّا أَنْ يَتَّحِدَ الْمَجْلِسُ) فَالْأَقْسَامُ الْعَقْلِيَّةُ أَرْبَعَةٌ فَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولا﴾ [المزمل: ١٥] ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٦] أُعِيدَتْ النَّكِرَةُ مَعْرِفَةً، وَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٦] أُعِيدَتْ النَّكِرَةُ نَكِرَةً، وَالْمَعْرِفَةُ مَعْرِفَةً، وَنَظِيرُ الْمَعْرِفَةِ الَّتِي تُعَادُ نَكِرَةً غَيْرُ مَذْكُورٍ ــ [التلويح] فَأَشَارَ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: وَالْأَصَحُّ أَنَّ هَذَا تَأْكِيدٌ. (قَوْلُهُ: وَإِنْ أَقَرَّ بِأَلْفٍ) يَعْنِي لَوْ أَدَارَ صَكًّا عَلَى الشُّهُودِ فَأَقَرَّ عِنْدَهُمْ مَرَّتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ بِأَلْفٍ فِي ذَلِكَ الصَّكِّ فَالْوَاجِبُ أَلْفٌ وَاحِدٌ اتِّفَاقًا لِأَنَّ الثَّانِيَ هُوَ الْأَوَّلُ لِكَوْنِهِ مُعْتَرَفًا بِالْمَالِ الثَّابِتِ فِي الصَّكِّ فَإِنْ لَمْ يُقَيِّدْ بِالصَّكِّ بَلْ أَقَرَّ بِحَضْرَةِ شَاهِدَيْنِ بِأَلْفٍ ثُمَّ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ بِحَضْرَةِ شَاهِدَيْنِ بِأَلْفٍ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ لِلسَّبَبِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ يَلْزَمُهُ أَلْفَانِ بِشَرْطِ مُغَايَرَةِ الشَّاهِدَيْنِ الْآخَرَيْنِ لِلْأَوَّلَيْنِ فِي رِوَايَةٍ، وَبِشَرْطِ عَدَمِ مُغَايَرَتِهِمَا لَهُمَا فِي رِوَايَةٍ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الثَّانِيَ غَيْرُ الْأَوَّلِ كَمَا إذَا كُتِبَ لِكُلِّ أَلْفٍ صَكًّا، وَأَشْهَدَ عَلَى كُلِّ صَكٍّ شَاهِدَيْنِ، وَعِنْدَهُمَا لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا أَلْفٌ وَاحِدٌ لِدَلَالَةِ الْعُرْفِ عَلَى أَنَّ تَكْرَارَ الْإِقْرَارِ لِتَأْكِيدِ الْحَقِّ بِالزِّيَادَةِ فِي الشُّهُودِ، وَإِنْ اتَّحَدَ الْمَجْلِسُ فَاللَّازِمُ أَلْفٌ وَاحِدٌ اتِّفَاقًا عَلَى تَخْرِيجِ الْكَرْخِيِّ لِأَنَّ لِلْمَجْلِسِ تَأْثِيرًا فِي جَمْعِ الْكَلِمَاتِ الْمُتَفَرِّقَةِ، وَجَعْلِهَا فِي حُكْمِ كَلَامٍ وَاحِدٍ، وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا كُلًّا مِنْ الْإِقْرَارَيْنِ بِكَوْنِهِ عِنْدَ شَاهِدَيْنِ لِأَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ بِأَلْفٍ عِنْدَ شَاهِدٍ، وَبِأَلْفٍ عِنْدَ شَاهِدٍ آخَرَ أَوْ بِأَلْفٍ عِنْدَ شَاهِدَيْنِ، وَأَلْفٍ عِنْدَ الْقَاضِي فَاللَّازِمُ أَلْفٌ، وَاحِدٌ اتِّفَاقًا كَذَا فِي الْمُحِيطِ بَقِيَ صُورَتَانِ إحْدَاهُمَا أَنْ يُقِرَّ عِنْدَ شَاهِدَيْنِ بِأَلْفٍ مُنَكَّرٍ ثُمَّ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ عِنْدَ شَاهِدَيْنِ بِأَلْفٍ مُقَيَّدٍ بِمَا فِي هَذَا الصَّكِّ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْوَاجِبُ أَلْفًا اتِّفَاقًا لِأَنَّ النَّكِرَةَ أُعِيدَتْ مَعْرِفَةً، وَالْأُخْرَى أَنْ يُقِرَّ بِأَلْفٍ مُقَيَّدٍ بِالصَّكِّ عِنْدَ شَاهِدَيْنِ ثُمَّ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ بِأَلْفٍ مُنَكَّرٍ عِنْدَ شَاهِدَيْنِ، وَتَخْرِيجُ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِيهَا أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ اللَّازِمُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَلْفَيْنِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا مَعْرِفَةٌ أُعِيدَتْ نَكِرَةً فَيَكُونُ الثَّانِي مُغَايِرًا لِلْأَوَّلِ [مِنْ أَلْفَاظِ الْعَامِّ نَكِرَةٌ تَعُمُّ بِالصِّفَةِ] (قَوْلُهُ: وَمِنْهَا أَيْ، وَهِيَ نَكِرَةٌ تَعُمُّ بِالصِّفَةِ) يُرِيدُ أَنَّهَا بِاعْتِبَارِ أَصْلِ الْوَضْعِ لِلْخُصُوصِ، وَالْقَصْدُ إلَى الْفَرْدِ كَسَائِرِ النَّكِرَاتِ، وَإِنَّمَا تَعُمُّ بِعُمُومِ الصِّفَةِ كَمَا سَبَقَ فِي لَا يُكَلِّمُ إلَّا رَجُلًا عَالِمًا، وَتَنْكِيرُهَا حَالَ الْإِضَافَةِ إلَى النَّكِرَةِ ظَاهِرٌ. وَأَمَّا عِنْدَ الْإِضَافَةِ إلَى الْمَعْرِفَةِ فَمَعْنَاهُ أَنَّهَا لِوَاحِدٍ مُبْهَمٍ يَصْلُحُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْآحَادِ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ، وَإِنْ كَانَتْ مَعْرِفَةً بِحَسَبِ اللَّفْظِ، وَالْمُرَادُ بِوَصْفِهَا الْوَصْفُ الْمَعْنَوِيُّ لَا النَّعْتُ النَّحْوِيُّ لِأَنَّ الْجُمْلَةَ بَعْدَهَا قَدْ تَكُونُ خَبَرًا أَوْ صِلَةً أَوْ شَرْطًا، وَقَدْ صَرَّحُوا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا﴾ [هود: ٧] أَنَّهَا نَكِرَةٌ وُصِفَتْ بِحُسْنِ الْعَمَلِ، وَهُوَ عَامٌّ فَعَمَّتْ بِذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ لَا خَفَاءَ فِي أَنَّهَا مُبْتَدَأٌ، وَأَحْسَنُ عَمَلًا

стр. 107

وَهُوَ مَا إذَا أَقَرَّ بِأَلْفٍ مُقَيَّدٍ بِصَكٍّ ثُمَّ أَقَرَّ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ بِأَلْفٍ مُنَكَّرٍ لَا رِوَايَةَ لِهَذَا، وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ أَلْفَانِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. (وَمِنْهَا أَيْ، وَهِيَ نَكِرَةٌ تَعُمُّ بِالصِّفَةِ فَإِنْ قَالَ أَيُّ عَبِيدِي ضَرَبَك فَهُوَ حُرٌّ فَضَرَبُوهُ عَتَقُوا، وَإِنْ قَالَ أَيُّ عَبِيدِي ضَرَبْته لَا يَعْتِقُ إلَّا وَاحِدٌ قَالُوا لِأَنَّ فِي الْأَوَّلِ، وَصَفَهُ بِالضَّرْبِ فَصَارَ عَامًّا بِهِ، وَفِي الثَّانِي قَطَعَ الْوَصْفَ عَنْهُ، وَهَذَا الْفَرْقُ مُشْكِلٌ مِنْ جِهَةِ النَّحْوِ لِأَنَّ فِي الْأَوَّلِ، وَصَفَهُ بِالضَّارِبِيَّةِ، وَفِي الثَّانِي بِالضَّرُوبِيَّةِ، وَهُنَا فَرْقٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ أَيًّا لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا الْوَاحِدَ الْمُنَكَّرَ فَفِي الْأَوَّلِ) فِي قَوْلِهِ أَيُّ عَبِيدِي ضَرَبَك فَهُوَ حُرٌّ. (لَمَا كَانَ عَتَقَهُ) أَيْ عَتَقَ الْوَاحِدَ الْمُنَكَّرَ. (مُعَلَّقًا بِضَرْبِهِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ ــ [التلويح] خَبَرُهُ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ عُمُومَهَا بِحَسَبِ الْوَضْعِ لِلْفَرْقِ الظَّاهِرِ بَيْنَ أَعْتِقُ عَبْدًا مِنْ عَبِيدِي دَخَلَ الدَّارَ، وَأَعْتِقُ عَبِيدِي دَخَلَ الدَّارَ، وَالِاسْتِدْلَالُ عَلَى خُصُوصِهَا بِعَوْدِ الضَّمِيرِ الْمُفْرَدِ إلَيْهِ مِثْلُ أَيُّ الرَّجُلِ أَتَاكَ وَبِصِحَّةِ الْجَوَابِ بِالْوَاحِدِ مِثْلُ زَيْدٍ أَوْ عُمَرَ وَضُعِّفَ لِجَرَيَانِ ذَلِكَ فِي كَثِيرٍ مِنْ كَلِمَاتِ الْعُمُومِ مِثْلُ مَنْ، وَمَا، وَغَيْرِهِمَا. (قَوْلُهُ فَإِنْ قَالَ أَيُّ عَبِيدِي ضَرَبَك فَهُوَ حُرٌّ فَضَرَبُوهُ) جَمِيعًا مَعًا أَوْ عَلَى التَّرْتِيبِ عَتَقُوا جَمِيعًا، وَإِنْ قَالَ أَيُّ عَبِيدِي ضَرَبْته فَهُوَ حُرٌّ فَضَرَبَهُمْ جَمِيعًا لَا يُعْتَقُ إلَّا وَاحِدٌ مِنْهُمْ، وَهُوَ الْأَوَّلُ إنْ ضَرَبَهُمْ عَلَى التَّرْتِيبِ لِعَدَمِ الْمُزَاحِمِ، وَإِلَّا فَالْخِيَارُ إلَى الْمَوْلَى لِأَنَّ نُزُولَ الْعِتْقِ مِنْ جِهَتِهِ، وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّهُ وَصَفَ فِي الْأَوَّلِ بِالضَّرْبِ، وَهُوَ عَامٌّ، وَفِي الثَّانِي قَطْعٌ عَنْ الْوَصْفِ لِأَنَّ الضَّرْبَ إنَّمَا أُضِيفَ إلَى الْمُخَاطَبِ لَا إلَى النَّكِرَةِ الَّتِي تَنَاوَلَهَا أَيْ، وَإِنَّمَا لَمْ يُعْتَقُوا جَمِيعًا، وَلَا وَاحِدٌ مِنْهُمْ فِيمَا إذَا قَالَ أَيُّكُمْ حَمَلَ هَذِهِ الْخَشَبَةَ فَهُوَ حُرٌّ، وَالْخَشَبَةُ مِمَّا يُطِيقُ حَمْلَهَا وَاحِدٌ فَحَمَلُوهَا مَعًا لِأَنَّ الشَّرْطَ هُوَ حَمْلُ الْخَشَبَةِ بِكَمَالِهَا وَلَمْ يَحْمِلْهَا وَاحِدٌ مِنْهُمْ حَتَّى لَوْ حَمَلُوهَا عَلَى التَّعَاقُبِ يُعْتَقُ الْكُلُّ وَأَمَّا إذَا كَانَتْ الْخَشَبَةُ مِمَّا لَا يُطِيقُ حَمْلَهَا وَاحِدٌ فَحَمَلُوهَا مَعًا عَتَقُوا جَمِيعًا لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا صَيْرُورَةُ الْخَشَبَةِ مَحْمُولَةً إلَى مَوْضِعِ حَاجَتِهِ، وَهَذَا يَحْصُلُ بِمُطْلَقِ فِعْلِ الْحَمْلِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَقَدْ حَصَلَ بِخِلَافِ الصُّورَةِ الْأُولَى فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مَعْرِفَةُ جَلَادَتِهِمْ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَحْصُلُ بِحَمْلِ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ تَمَامَ الْخَشَبَةِ لَا بِمُطْلَقِ الْحَمْلِ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَقَ الْكُلُّ إذَا حَمَلُوهَا عَلَى التَّعَاقُبِ كَمَا فِي أَيُّ ضَرَبَك. (قَوْلُهُ: وَهَذَا الْفَرْقُ مُشْكِلٌ مِنْ جِهَةِ النَّحْوِ) لِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالْوَصْفِ النَّعْتُ النَّحْوِيُّ فَلَا نَعْتَ فِي شَيْءٍ مِنْ الصُّورَتَيْنِ إذْ الْجُمْلَةُ صِلَةٌ أَوْ شَرْطٌ لِأَنَّ أَيًّا هُنَا مَوْصُولَةٌ، وَشَرْطِيَّةٌ بِاتِّفَاقِ النُّحَاةِ، وَإِنْ أُرِيدَ الْوَصْفُ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى فَهِيَ مَوْصُوفَةٌ فِي الصُّورَتَيْنِ لِأَنَّهَا كَمَا وُصِفَتْ فِي الْأُولَى بِالضَّارِبِيَّةِ لِلْمُخَاطِبِ وُصِفَتْ فِي الثَّانِيَةِ بالمضروبية لَهُ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْأَوَّلَ وَصْفٌ، وَالثَّانِيَ قَطْعٌ عَنْ الْوَصْفِ تَحَكُّمٌ أَلَا يُرَى أَنَّ يَوْمًا فِيمَا إذَا قَالَ، وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُكُمَا إلَّا يَوْمًا أَقْرَبُكُمَا فِيهِ عَامٌّ بِعُمُومِ الْوَصْفِ مَعَ أَنَّهُ مُسْنَدٌ إلَى ضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ، وَأَجَابَ صَاحِبُ الْكَشْفِ بِأَنَّ الضَّرْبَ قَائِمٌ بِالضَّارِبِ فَلَا يَكُونُ بِالْمَضْرُوبِ لِامْتِنَاعِ قِيَامِ الْوَصْفِ الْوَاحِدِ بِشَخْصَيْنِ بِخِلَافِ الزَّمَانِ فَإِنَّ الْفِعْلَ مُتَّصِلٌ بِهِ حَقِيقَةً، وَيَجُوزُ أَنْ يَصِيرَ الْيَوْمُ

стр. 108

عَنْ الْغَيْرِ) فَيُعْتَقُ كُلُّ وَاحِدٍ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ وَاحِدٌ مُفْرَدٌ فَحِينَئِذٍ لَا تَبْطُلُ الْوَحْدَةُ، وَلَوْ لَمْ يَثْبُتْ هَذَا أَيْ عِتْقُ كُلِّ وَاحِدٍ. (وَلَيْسَ الْبَعْضُ أَوْلَى مِنْ الْبَعْضِ لَبَطَلَ) أَيْ الْكَلَامُ (بِالْكُلِّيَّةِ، وَفِي الثَّانِي، وَهُوَ قَوْلُهُ أَيْ عَبِيدِي ضَرَبْته يَثْبُتُ الْوَاحِدُ، وَيَتَخَيَّرُ فِيهِ الْفَاعِلُ) إذْ هُنَاكَ يُمْكِنُ التَّخْيِيرُ مِنْ الْفَاعِلِ الْمُخَاطَبِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ (نَحْوُ «أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» ) هَذَا نَظِيرُ الْأَوَّلِ فَإِنَّ طَهَارَتَهُ مُتَعَلِّقَةٌ بِدِبَاغَتِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهُ فَاعِلٌ مُعَيَّنٌ يُمْكِنُ مِنْهُ التَّخْيِيرُ فَيَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ. (وَنَحْوُ كُلِّ أَيُّ حِينَ تُرِيدُ) هَذَا نَظِيرُ الثَّانِي فَإِنَّ التَّخْيِيرَ مِنْ الْفَاعِلِ الْمُخَاطِبِ مُمْكِنٌ ــ [التلويح] عَامًّا بِهِ، وَأَيْضًا الْمَفْعُولُ بِهِ فَضِلَةٌ يَثْبُتُ ضَرُورَةً فَيُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا فَلَا يَظْهَرُ أَثَرُهُ فِي التَّعْمِيمِ بِخِلَافِ الْمَفْعُولِ فِيهِ فَإِنَّهُ صُرِّحَ بِهِ، وَقَصَدَ وَصْفَهُ بِصِفَةٍ عَامَّةٍ مَعَ مَا بَيْنَ الْفِعْلِ وَالزَّمَانِ مِنْ التَّلَازُمِ، وَفِيهِ نَظَرٌ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ الضَّرْبَ صِفَةٌ إضَافِيَّةٌ لَهَا تَعَلُّقٌ بِالْفَاعِلِ، وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ هُوَ وَصْفٌ لَهُ، وَتَعَلُّقٌ بِالْمَفْعُولِ بِهِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ هُوَ وَوَصْفٌ لَهُ، وَلَا امْتِنَاعَ فِي قِيَامِ الْإِضَافِيَّاتِ الْمُضَافَيْنِ. وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ الْفِعْلَ الْمُتَعَدِّيَ يَحْتَاجُ إلَى الْمَفْعُولِ بِهِ فِي التَّعَقُّلِ، وَالْوُجُودِ جَمِيعًا، وَإِلَى الْمَفْعُولِ فِيهِ فِي الْوُجُودِ فَقَطْ فَاتِّصَالُهُ الْأَوَّلُ أَشَدُّ، وَأَثَرُ الْمَفْعُولِ بِهِ هَاهُنَا إنَّمَا هُوَ فِي رَبْطِ الصِّفَةِ بِالْمَوْصُوفِ لَا فِي التَّعْمِيمِ، وَكَوْنُهُ ضَرُورِيًّا لَا يُنَافِي الرَّبْطَ، وَلَوْ سُلِّمَ فَالْفَاعِلُ أَيْضًا ضَرُورِيٌّ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَظْهَرَ أَثَرُهُ فِي التَّعْمِيمِ، وَكَوْنُهُ غَيْرَ فَضْلَةٍ لَا يُنَافِي الضَّرُورَةَ بَلْ يُؤَكِّدُهَا. (قَوْلُهُ: وَهُنَا فَرْقٌ آخَرُ) تَفَرَّدَ بِهِ الْمُصَنِّفُ حَاصِلُهُ أَنَّ أَيًّا لِوَاحِدٍ مُنْكَرٍ فَفِي الصُّورَةِ الْأُولَى إنْ لَمْ يُعْتَقْ وَاحِدٌ يَلْزَمُ بُطْلَانُ الْكَلَامِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَإِنْ عَتَقَ وَاحِدٌ دُونَ وَاحِدٍ يَلْزَمُ التَّرْجِيحُ بِلَا مُرَجِّحٍ إذْ لَا أَوْلَوِيَّةَ لِلْبَعْضِ فَتَعَيَّنَ عِتْقُ الْكُلِّ، وَمَعْنَى الْوِحْدَةِ بَاقٍ مِنْ جِهَةِ أَنَّ عِتْقَ كُلِّ وَاحِدٍ مُعَلَّقٌ بِضَرْبِهِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْغَيْرِ فَهُوَ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ وَاحِدٌ مُنْفَرِدٌ عَنْ الْغَيْرِ، وَفِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ يَتَعَيَّنُ الْوَاحِدُ بِاخْتِيَارِ الْمُخَاطَبِ ضَرْبَهُ لِأَنَّ الْكَلَامَ لِتَخْيِيرِ الْمُخَاطَبِ فِي تَعْيِينِهِ فَتَحْصُلُ الْأَوْلَوِيَّةُ، وَيَثْبُتُ الْوَاحِدُ مِنْ غَيْرِ عُمُومٍ، وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِتَخْيِيرِ الْفَاعِلِ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى لِأَنَّهُ إنَّمَا يَعْقِلُ فِي مُتَعَدِّدٍ، وَلَا تَعَدُّدَ فِي الْمَفْعُولِ، وَهَذَا الْفَرْقُ أَيْضًا مُشْكِلٌ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ الصُّورَةَ الثَّانِيَةَ قَدْ تَكُونُ بِحَيْثُ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهَا التَّخْيِيرُ مِثْلُ أَيُّ عَبِيدِي، وَطِئَتْهُ دَابَّتُك أَوْ عَضَّهُ كَلْبُك فَهُوَ حُرٌّ. وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا إذَا لَمْ يَقَعْ مِنْ الْمُخَاطَبِ اخْتِيَارُ الْبَعْضِ بَلْ ضَرَبَ الْجَمِيعَ مَعًا أَوْ عَلَى التَّرْتِيبِ فَحِينَئِذٍ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُعْتَقَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ لِعَدَمِ وُقُوعِ الشَّرْطِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْبَعْضِ أَوْ يُعْتَقُ كُلُّ وَاحِدٍ كَمَا ذُكِرَ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى بِعَيْنِهِ لِجَوَازِ أَنْ يُعْتَبَرَ كُلُّ وَاحِدٍ مُنْفَرِدًا بالمضروبية كَمَا فِي الضَّارِبِيَّةِ وَأَمَّا ثَالِثًا فَلِأَنَّا نُسَلِّمُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى عَدَمَ أَوْلَوِيَّةِ الْبَعْضِ مُطْلَقًا بَلْ إذَا ضَرَبُوهُ مَعًا، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ أَوْلَوِيَّةِ الْبَعْضِ عِتْقُ كُلِّ وَاحِدٍ لِجَوَازِ أَنْ يُعْتَقَ وَاحِدٌ مُبْهَمٌ، وَيَكُونُ

стр. 109

هُنَا فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ أَكْلِ كُلِّ وَاحِدٍ بَلْ أَكْلُ وَاحِدٍ لَكِنْ يَتَخَيَّرُ فِيهِ الْمُخَاطَبُ، وَمِثْلُ هَذَا الْكَلَامِ لِلتَّخْيِيرِ فِي الْعُرْفِ. (وَمِنْهَا مَنْ، وَهُوَ يَقَعُ خَاصًّا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٤٢] ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٤٣] فَإِنَّ الْمُرَادَ بَعْضُ مَخْصُوصٍ مِنْ الْمُنَافِقِينَ. (وَيَقَعُ عَامًّا فِي الْعُقَلَاءِ إذَا كَانَ لِلشَّرْطِ نَحْوُ «مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ» فَإِنْ قَالَ مَنْ شَاءَ مِنْ عَبِيدِي عِتْقَهُ فَهُوَ حُرٌّ فَشَاءُوا عَتَقُوا، وَفِيمَنْ شِئْت مِنْ عَبِيدِي عِتْقَهُ فَاعْتِقْهُ فَشَاءَ الْكُلَّ يُعْتَقُ الْكُلُّ عِنْدَهُمَا عَمَلًا بِكَلِمَةِ الْعُمُومِ، وَمَنْ لِلْبَيَانِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ يَعْتِقُهُمْ إلَّا وَاحِدًا) لِأَنَّ مَنْ ــ [التلويح] الْخِيَارُ إلَى الْمَوْلَى كَمَا فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ، وَكَمَا إذَا قَالَ أَعْتَقْت وَاحِدًا مِنْ عَبِيدِي فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ لَوْ لَمْ يَثْبُت عِتْقُ كُلِّ وَاحِدٍ، وَلَيْسَ الْبَعْضُ أَوْلَى مِنْ الْبَعْضِ يَلْزَمُ بُطْلَانُ الْكَلَامِ بِالْكُلِّيَّةِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ لِإِعْتَاقِ كُلِّ وَاحِدٍ، وَيَكُونَ خِيَارُ التَّعْيِينِ إلَى الْمَوْلَى فَإِنْ قُلْت كَوْنُ أَيٍّ لِلْوَاحِدِ إنَّمَا يَصِحُّ فِي الْمُضَافِ إلَى الْمَعْرِفَةِ مِثْلُ أَيُّ الرِّجَالِ، وَأَيُّ الرَّجُلَيْنِ. وَأَمَّا إذَا أُضِيفَ إلَى النَّكِرَةِ فَقَدْ يَكُونُ لِلِاثْنَيْنِ مِثْلُ أَيُّ رَجُلَيْنِ ضَرَبَاك أَوْ الْجَمْعِ مِثْلُ أَيُّ رِجَالٍ ضَرَبُوك قُلْت مُرَادُهُ الْمُضَافُ إلَى الْمَعْرِفَةِ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي أَيِّ عَبِيدِي ضَرَبَك أَوْ ضَرَبْته [مِنْ أَلْفَاظِ الْعَامِّ مَنْ وَهُوَ يَقَعُ خَاصًّا وَيَقَعُ عَامًّا فِي الْعُقَلَاءِ إذَا كَانَ لِلشَّرْطِ] (قَوْلُهُ: وَمِنْهَا مَنْ) ، وَتَكُونُ شَرْطِيَّةٌ، وَاسْتِفْهَامِيَّة، وَمَوْصُولَةٌ، وَمَوْصُوفَةٌ، وَالْأُولَيَانِ تَعُمَّانِ ذَوِي الْعُقُولِ لِأَنَّ مَعْنَى مَنْ جَاءَنِي فَلَهُ دِرْهَمٌ إنْ جَاءَنِي زَيْدٌ، وَإِنْ جَاءَنِي عَمْرٌو، وَهَكَذَا إلَى الْأَفْرَادِ، وَمَعْنَى مَنْ فِي الدَّارِ أَزَيْدٌ فِي الدَّارِ أَمْ عَمْرٌو إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَعَدَلَ فِي الصُّورَتَيْنِ إلَى لَفْظِ مَنْ قَطْعًا لِلتَّطْوِيلِ الْمُتَعَسِّرِ، وَالتَّفْصِيلِ الْمُتَعَذِّرِ. وَأَمَّا الْأُخْرَيَانِ فَقَدْ يَكُونَانِ لِلْعُمُومِ، وَشُمُولِ ذَوِي الْعُقُولِ، وَقَدْ يَكُونَانِ لِلْخُصُوصِ، وَإِرَادَةِ الْبَعْضِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٤٢] ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٤٣] بِجَمْعِ الضَّمِيرِ، وَإِفْرَادِهِ نَظَرًا إلَى الْمَعْنَى، وَاللَّفْظِ فَإِنَّهُ، وَإِنْ كَانَ خَاصًّا لِلْبَعْضِ إلَّا أَنَّ الْبَعْضَ مُتَعَدِّدٌ لَا مَحَالَةَ فَجَمْعُ الضَّمِيرِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ إلَّا عِنْدَ مَا يَكْتَفِي فِي الْعُمُومِ بِانْتِظَامِ جَمْعٍ مِنْ الْمُسَمَّيَاتِ. (قَوْلُهُ: يُعْتِقُهُمْ إلَّا وَاحِدًا) هُوَ آخِرُهُمْ إنْ وَقَعَ الْإِعْتَاقُ عَلَى التَّرْتِيبِ، وَإِلَّا فَالْخِيَارُ إلَى الْمَوْلَى، وَذَلِكَ لِأَنَّ اسْتِعْمَالَ مَنْ فِي التَّبْعِيضِ هُوَ الشَّائِعُ الْكَثِيرُ حَيْثُ يَكُونُ مَجْرُورُهَا ذَا أَبْعَاضٍ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ مَا لَمْ تُوجَدْ قَرِينَةٌ تُؤَكِّدُ الْعُمُومَ، وَتُرَجِّحُ الْبَيَانَ كَمَا فِي مَنْ شَاءَ مِنْ عَبِيدِي عِتْقَهُ فَهُوَ حُرٌّ بِقَرِينَةِ إضَافَةِ الْمَشِيئَةِ إلَى مَا هُوَ مِنْ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ [النور: ٦٢] ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥١] بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٢] وقَوْله تَعَالَى ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥١] فَإِنَّهَا تُرَجِّحُ الْعُمُومَ، وَكَوْنُ مَنْ لِلْبَيَانِ فَصَارَ الْفَرْقُ بَيْنَ مَنْ شَاءَ مِنْ عَبِيدِي، وَمَنْ شِئْت مِنْ عَبِيدِي أَنَّ فِي الْأَوَّلِ قَرِينَةً دَالَّةً عَلَى أَنَّ مَنْ لِلْبَيَانِ دُونَ التَّبْعِيضِ بِخِلَافِ الثَّانِي، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ الْعُمُومَ هَاهُنَا الْعُمُومُ الصِّفَةُ، وَالْمَشِيئَةُ صِفَةُ الْفَاعِلِ دُونَ

стр. 110

لِلتَّبْعِيضِ إذَا دَخَلَ عَلَى ذِي أَبْعَاضٍ. (كَمَا فِي كُلْ مِنْ هَذَا الْخُبْزِ، وَلِأَنَّهُ مُتَيَقَّنٌ) أَيْ الْبَعْضُ مُتَيَقَّنٌ لِأَنَّ مَنْ إذَا كَانَ لِلتَّبْعِيضِ فَظَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ لِلْبَيَانِ فَالْبَعْضُ مُرَادٌ فَإِرَادَةُ الْبَعْضِ مُتَيَقَّنَةٌ، وَإِرَادَةُ الْكُلِّ مُحْتَمَلَةٌ. (فَوَجَبَ رِعَايَةُ الْعُمُومِ، وَالتَّبْعِيضِ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى هَذَا مُرَاعًى لِأَنَّ عِتْقَ كُلِّ مُعَلَّقٍ بِمَشِيئَتِهِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ غَيْرِهِ فَكُلُّ وَاحِدٍ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ بَعْضٌ) أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ غَيْرِهِ بَعْضٌ مِنْ الْمَجْمُوعِ فَيُعْتَقُ كُلُّ وَاحِدٍ مَعَ رِعَايَةِ التَّبْعِيضِ بِخِلَافِ مَنْ شِئْت فَإِنَّ الْمُخَاطِبَ إنْ شَاءَ الْكُلَّ فَمَشِيئَةُ الْكُلِّ مُجْتَمِعَةٌ فِيهِ فَيَبْطُلُ التَّبْعِيضُ، وَهَذَا الْفَرْقُ، وَالْفَرْقُ الْأَخِيرُ فِي أَيٍّ مِمَّا تَفَرَّدْت بِهِ. (وَمِنْهَا مَا فِي غَيْرِ الْعُقَلَاءِ، وَقَدْ يُسْتَعَارُ لِمَنْ فَإِنْ قَالَ: إنْ كَانَ مَا فِي بَطْنِك غُلَامًا فَأَنْتِ حُرَّةٌ فَوَلَدَتْ غُلَامًا، وَجَارِيَةً لَمْ تُعْتَقْ لِأَنَّ الْمُرَادَ الْكُلُّ، وَإِنْ قَالَ طَلِّقِي نَفْسَك مِنْ ثَلَاثٍ مَا شِئْت تُطَلِّقُ مَا دُونَهَا وَعِنْدَهُمَا ثَلَاثًا، وَقَدْ مَرَّ وَجْهُهُمَا) . ــ [التلويح] الْمَفْعُولِ، وَلَوْ سُلِّمَ فَالْمَفْعُولُ " عِتْقَهُ " لَا كَلِمَةُ " مَنْ " وَضْعُهُ ظَاهِرٌ، وَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ آخَرُ تَفَرَّدَ بِهِ الْمُصَنِّفُ تَقْرِيرُهُ أَنَّ مَنْ يَحْتَمِلُ التَّبْعِيضَ، وَالْبَيَانَ، وَالتَّبْعِيضُ مُتَيَقَّنٌ ثَابِتٌ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ ضَرُورَةَ وُجُودِ الْبَعْضِ فِي ضِمْنِ الْكُلِّ، وَإِرَادَةُ الْكُلِّ مُحْتَمَلَةٌ فَيُجْعَلُ مَنْ عَلَى التَّبْعِيضِ أَخْذًا بِالْمُتَيَقَّنِ الْمَقْطُوعِ، وَتَرْكًا لِلْمُحْتَمَلِ الْمَشْكُوكِ فَفِي مَنْ شَاءَ مِنْ عَبِيدِي أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِعُمُومِ مَنْ، وَتَبْعِيضُ مَنْ بِأَنْ يُعْتِقَ كُلَّ وَاحِدٍ لِأَنَّهُ لَمَّا عَلَّقَ عِتْقَ كُلٍّ لِمَشِيئَتِهِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْغَيْرِ كَانَ كُلُّ مَنْ شَاءَ الْعِتْقَ بَعْضًا مِنْ الْعَبِيدِ بِخِلَافِ مَنْ شِئْت مِنْ عَبِيدِي فَإِنَّ الْمُخَاطَبَ لَوْ شَاءَ عِتْقَ الْكُلِّ سَقَطَ مَعْنَى التَّبْعِيضِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ عَلَى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِ الْمَشِيئَةِ بِالْكُلِّ دُفْعَةً لِأَنَّ مَنْ شَاءَ الْمُخَاطَبُ عِتْقَهُ لَيْسَ بَعْضَ الْعَبِيدِ بَلْ كُلُّهُمْ، وَأَمَّا عَلَى تَقْدِيرِ التَّرْتِيبِ فَفِيهِ إشْكَالٌ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ أَنَّهُ شَاءَ الْمُخَاطَبُ عِتْقَهُ حَالَ كَوْنِهِ بَعْضًا مِنْ الْعَبِيدِ، وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ تَعَلُّقَ الْمَشِيئَةِ بِكُلٍّ عَلَى الِانْفِرَادِ أَمْرٌ بَاطِلٌ لَا اطِّلَاعَ عَلَيْهِ، وَالظَّاهِرُ مِنْ إعْتَاقِ الْكُلِّ تَعَلُّقُ الْمَشِيئَةِ بِالْكُلِّ فَلَا بُدَّ مِنْ إخْرَاجِ الْبَعْضِ لِيَتَحَقَّقَ التَّبْعِيضُ، وَهَاهُنَا نَظَرٌ، وَهُوَ أَنَّ الْبَعْضِيَّةَ الَّتِي تَدُلُّ عَلَيْهَا مَنْ هِيَ الْبَعْضِيَّةُ الْمُجَرَّدَةُ النَّافِيَةُ لِلْكُلِّيَّةِ لَا الْبَعْضِيَّةُ الَّتِي هِيَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ فِي ضِمْنِ الْكُلِّ أَوْ بِدُونِهِ، وَحِينَئِذٍ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ التَّبْعِيضَ مُتَيَقَّنٌ، وَهُوَ ظَاهِرٌ [مِنْ أَلْفَاظِ الْعَامِّ مَا فِي غَيْرِ الْعُقَلَاءِ] (قَوْلُهُ: وَمِنْهَا مَا فِي غَيْرِ الْعُقَلَاءِ) هَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ يَعُمُّ الْعُقَلَاءَ، وَغَيْرَهُمْ فَإِنْ قِيلَ فَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] يَجِبُ قِرَاءَةُ جَمِيعِ مَا تَيَسَّرَ عَمَلًا بِالْعُمُومِ كَمَا فِي قَوْلِهِمْ إنْ كَانَ مَا فِي بَطْنِك غُلَامًا فَأَنْتِ حُرَّةٌ قُلْنَا بِنَاءُ الْأَمْرِ عَلَى التَّيَسُّرِ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مَا تَيَسَّرَ بِصِفَةِ الِانْفِرَادِ دُونَ الِاجْتِمَاعِ لِأَنَّهُ عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ يَنْقَلِبُ مُتَعَسِّرًا. (قَوْلُهُ: وَقَدْ مَرَّ، وَجْهُهُمَا) أَمَّا، وَجْهُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى فَهُوَ أَنَّ مَا عَامٌّ، وَمَنْ لِلْبَيَانِ وَالثَّلَاثُ جَمِيعُ عَدَدِ الطَّلَاقِ الْمَشْرُوعِ. وَأَمَّا وَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَهُوَ أَنَّ مَنْ لِلتَّبْعِيضِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ
следующие страницы →